عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         طرق المحافظة على الكهرباء (اخر مشاركة : شركة البيوت - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          تحذير خطير : اياكم وتمرينات الطاقة (الجزء السابع) (اخر مشاركة : abdelmalik - عددالردود : 838 - عددالزوار : 166340 )           »          تحميل برنامج واتس اب 2018 مجاناً للأندرويد (اخر مشاركة : foukya46 - عددالردود : 13 - عددالزوار : 2452 )           »          أمهات المؤمنين | الشيخ محمد مصطفى أبو بسطام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 25 - عددالزوار : 436 )           »          إنسان | الدكتور محمد على يوسف (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 23 - عددالزوار : 495 )           »          الصحابة الميامين مع نبي رب العالمين | الدكتور أحمدالنقيب (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 23 - عددالزوار : 420 )           »          ميراث أمة | الشيخ شعبان درويش (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 205 )           »          قلوب أثمرت | الدكتور محمد حسن عبدالغفار (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 20 - عددالزوار : 333 )           »          زكاة مكاتب المحاماة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          (( مسائل في صدقة الفطر)) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى حراس الفضيلة

ملتقى حراس الفضيلة قسم يهتم ببناء القيم والفضيلة بمجتمعنا الاسلامي بين الشباب المسلم , معاً لإزالة الصدأ عن القلوب ولننعم بعيشة هنية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13-04-2021, 12:59 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,291
الدولة : Egypt
افتراضي عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله


بسم الله الرحمن الرحيم
الموضوع بالكامل مأخوذ من كتاب
مقالات رمضانية لفضيلة الشيخ عبد الرازق البدر
01 - اسْتِقْـبَالُ شَهْرِ رَمَضَان
الشيخ عبد الرازق البدر


إن من نِعَمِ الله العظيمة على عباده أن جعل لهم مواسم متعددة للعبادات ؛ تكثُر فيها الطاعات ، وتُقال فيها العثرات ، وتُغفر فيها الذنوب والسيئات ، وتُضاعف فيها الحسنات ، وتَـتَنزَّل فيها الرّحمات ، وتعظم فيها الهبات ، وإن من أجلِّ هذه المواسم وأكرمها على الله شهر رمضان المبارك ، قال تعالى : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } [البقرة:185] ، فيا له من شهر كريم وموسم عظيم !! شهر البركات والخيرات ، شهر الصيام والقيام ، شهر الرحمة والمغفرة والع
تق من النار ، شهر الجود والكرم والبذل والعطاء والمعروف والإحسان .
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشـِّر أصحابه بمقدم هذا الشهر العظيم ويستحثهم فيه على الاجتهاد بالأعمال الصالحة من فرائض ونوافل من صلواتٍ وصدقات ، وبذل معروفٍ وإحسان ، وصبرٍ على طاعة الله ، وعمارة نهاره بالصيام وليله بالقيام ، وشَغْلِ أوقاته المباركة بالذكر والشكر والتسبيح والتهليل وتلاو
ة القرآن .

روى الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هَذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ وَتُسَلْسَلُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ))(1).
وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ ، وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ ))(2).
وروى أحمد عن أبي هريرة قال : ((لَمَّا حَضَرَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَيُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا قَدْ حُرِمَ))(3). ؛ لقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم شهر رمضان بأنه شهر مبارك ، فهو شهر مبارك حقاً ، كل لحظة من لحظات هذا الشهر تتصف بالبركة ؛ بركةٍ في الوقت ، وبركة في العمل ، وبركة في الجزاء والثواب ، وفيه ليلة القدر المباركة التي هي خير من ألف شهر ، وإن من بركة هذا الشهر كما تقدم أن الحسنات فيه تضاعف ، وأبواب الجنان تفتح ، وأبواب النيران تغلق ، والشياطينَ ومردةَ الجنّ تصفد، ويكثر فيه عتقاء الله من النار.
وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل
م : (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))(4) ، وقال صلى الله عليه وسلم (( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))(5).

هذا ؛ وإن من أعظم الخسران وأكبر الحرمان أن يدرك المرء هذا الشهر الكريم المبارك شهر المغفرة فلا تُغفر له فيه ذنوبه ولا تحطّ عنه خطاياه لكثرة إسرافه وعدم توبته وتركه في هذه الأوقات العطرة والأيام الفاضلة الإقبال على الله
بالإنابة والرجوع والخضوع والخشوع والتوبة والاستغفار ، بل يدخل عليه هذا الشهر الكريم ويخرج وهو باقٍ على ذنوبه مصرٌ على خطاياه سادر في غيِّه .
روى الطبراني في معجمه عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ فَمَاتَ ، فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ؛ قُلْ آمِينَ ، فَقُلْتُ آمِينَ ، قَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ ، فَمَاتَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأُدْخِلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ؛ قُلْ آمِينَ ، فَقُلْتُ آمِينَ ، قَالَ : وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ؛ قُلْ آمِينَ ، فَقُلْتُ آمِينَ ))(6).
وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً عن النبي صلى الله عليه و
سلم قال: ((رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ ))(7) .

إن شهر رمضان شهر ربح وغنيمة ، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد فيه أكثر مما يجتهد في غيره ، وكان السلف - رضوانُ الله عليهم ورحمتهُ - يهتمون بهذا الشهر غاية الاهتمام ويتفرغون فيه للتقرب إلى
الله بالأعمال الصالحة، وكانوا يجتهدون في قيام ليله وعمارة أوقاته بالطاعة ، قال الزهري - رحمه الله - : (( إذا دخل رمضان إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام)) هذا هو شأن رمضان عند السلف - رحمهم الله - : جدٌّ واجتهاد ، صيامٌ وقيام ، عبادةٌ وتلاوة قرآن ، تهليلٌ وتسبيحٌ وبرٌّ وإحسان ، عطفٌ ومواساةٌ وإطعام .
إن شهر رمضان ضيف عزيز على المسلمين ووافد كريم عليهم ؛ فح
ريٌّ بهم أن يحسِنوا استقباله بما يستحقه من حفاوة وإكرام ، فإنه إذا نزل بالإنسان ضيفٌ كريم فإنه يفرح بمقدمه ويُسَرُّ بمجيئه ويبذل له كل غالٍ ونفيس، وشهر رمضان هو أكرم ضيف وأنبله وأزكاه وأطهره فلنفرح بإدراكه وبأن بلَّغنا الله إياه ، فكم من قريبٍ وصديقٍ وجارٍ شهد معنا رمضان الماضي ثم اخترمته المنية فلم يدرك هذا الشهر ، فلنشكر الله على ما أنعم به علينا من إدراك هذا الشهر وليكن ذلك باستغلال أوقاته المباركة فيما يُقرِّب إلى الله من طاعات نافعة وأعمال مبرورة وتوبة نصوح وإحسان . قال تعالى: { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } [يونس:58] .

وصيام رمضان من دعائم الإسلام ومن مبانيه وأركانه العظام ، وفي هذا الشهر نزلت
رحمة الله على عباده التي هي القرآن ؛ فحُقَّ لنا أن نفرح بهذا الشهر وأن نشكر الله عليه ونغتنمه فيما شرع الله وأراد من عمارة نهاره بالصيام والمنافسة في جميع أبواب الخيرات ، وليله بالصلاة وتلاوة القرآن والذكر والبر والإحسان .
اللهم وفِّقنا لطاعتك ، وأعِنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، ويسِّرنا لليسرى ، وأتِمَّ
علينا النعمة بالقيام بحق هذا الضيف الكريم ، وأعنّا على صيامه وقيامه وحُسن الأدب فيه يا رب العالمين.

----------------------------
(1) مسند الإمام أحمد (13408) ، قال محققه: إسناده صحيح .
(2) الترمذي (682)، وابن ماجه (1642)، واللفظ للترمذي .
(3) المسند: (9497)
(4) متفق عليه ؛ البخاري(2014) ، مسلم (760)
(5) متفق عليه ؛ البخاري(37) ، مسلم (759)
(6)المعجم الكبير للطبراني (202
2)
(7) رواه الترمذي (3545) .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14-04-2021, 03:07 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,291
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله


02- شَهْـرِ رَمَضَان مِنةٌ عُظْمَى
الشيخ عبد الرازق البدر


لقد أنعم الله على عباده بنعمٍ كثيرة لا تحصى ولا تعد { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } [إبراهيم:34] ، نعَمٌ مطلقة ونعَمٌ مقيدة ، نعَمٌ دينية ونعَمٌ دنيوية ، دلَّ العباد عليها وهداهم إليها ودعاهم
إلى دار السلام {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس:25] ، وعافاهم في عقولهم وأبدانهم ورزقهم من الطيبات ، وسخَّر لهم ما في السموات وما في الأرض ؛ وكل هذا الإنعام منه سبحانه ليشكره العباد ويعبدوه وحده لا شريك له ، لينالوا مرضاته ويفوزوا بمنَنِه ورحماته .

وإن من عظيم هباته وجزيل نعمائه على عباده المؤمنين أن شرع لهم صيام شهر رمضان المبارك وجعله أحد أركان الدين العظام ومبانيه التي عليها يقوم ، ولما كان صيام رمضان من النعم العظيمة التي منَّ الله بها على عباد
ه ختم الله الآيات التي أمر فيها بصيام شهر رمضان بقوله تعالى : { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [البقرة:185] ؛ لأن الشكر هو الغاية من خلقه للخلق وتنويعه للنعم .
وأصلُ الشكر وحقيقته : " الاعتراف بإنعام المنعِم على وجه الخضوع له والذل والمحبة ، فمن لم يعرف النعمةَ بل كان جاهلاً بها لم يشكرها ، ومن عرفها ولم يعرف المنعِمَ بها لم يشكرها أيضاً ، ومن عرف النعمة والمنعِم لكن
جحدها كما يجحد المنكرُ لنعمة المنعِم عليه بها فقد كفَرَها ، ومن عرف النعمة والمنعِم وأقرَّ بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ويحبه ويرضَ به وعنه لم يشكرها أيضاً ، ومن عرفها وعرَف المنعِم بها وخضع له وأحبّه ورضي به وعنه واستعملها في محابه وطاعته فهذا هو الشاكر لها "(1) اهـ .
وبهذا يتبين أن " الشكر مبنيٌّ على خمس قواعد : خضوع الشاكر للمشكور ، وحبّه له ، واعترافه بنعمته ، وثناؤه عليه بها ، وأن لا يستعملها فيما يكره ؛ فهذه القواعد الخمس هي أساس الشكر وبناؤه عليها ، فمتى عدِم
منها واحدةٌ اختل من قواعد الشكر قاعدة ، وكلُّ من تكلم في الشكر وحدّه فكلامه إليها يرجع وعليها يدور "(2).

والناس متفاوتون تفاوتاً عظيماً في تحقيق الشكر لتفاوتهم في العلم بموجباته بمعرفة الخالق الجليل والرب العظيم والمنعم الكريم ، فمنهم من عرف الله بتفاصيل أسمائه وصفاته وأفعاله وبديع مخلوقاته ومفعولاته وجميل آلائه وهباته؛ فامتلأ قلبه حباً له ، ولهج لسانه بالثناء عليه ، ولانت جوارحه قياماً بما يرضيه ، واعترف له بكل نعمه التي أنعم بها عليه وسخرها في ما يحبه ويرضاه ، ومنهم من دس نفسه بالغفلة عن الله والجهل به فلم يزدد من الله إلا بعداً بجحوده وإنكاره ، أو باعترافه به وعدم الانصياع لأمره والانقياد لشرعه .
وشهر رمضان المبارك منحةٌ إلهية وهبةٌ ربانية للعباد ليزداد الذين آمنوا إيماناً وليتوب
من كان مفرِّطاً ومقصِّراً، ولقد اختص الله هذا الشهر بخصائص وميَّزه بمزايا انفرد بها عن سائر الشهور ، ولنقِف على بعضها لندرك عظمة هذه النعمة التي أنعم الله بها علينا لنشكره حق الشكر ونعبده حق العبادة:
· إن لشهر رمضان الكريم - شهر الصوم - خصوصية بالقرآن ؛ فهو الشهر الذي أُنزِل فيه القرآن الكريم هدى للناس قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185] ، فقد امتدح الله تعالى في هذه الآية الكريمة شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره لإنزال القرآن العظيم ، بل قد ورد في الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء، ففي المسند للإمام أحمد والمعجم الكبير للطبراني من حديث واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ ، وَأُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْ
جِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ

وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ
)) (3) ؛ فهذا الحديث يدل على أن شهر رمضان هو الشهر الذي كانت تنزل فيه الكتب الإلهية على الرسل عليهم السلام، إلا أنها كانت تنزل على النبي الذي أنزلت عليه جملة واحدة ، وأما القرآن الكريم فلمزيد شرفه وعظيم فضله فإنما نزل جملةً واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا ، وكان ذلك في ليلة القدر من شهر رمضان المبارك ك
ما قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1] ، وقال سبحانه : {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان: 3] ، ثم بعد ذلك نزل مفرَّقاً على مواقع النجوم يتلو بعضه بعضاً . وفي هذا دلالةٌ على عِظَم شأن شهر الصوم - شهر رمضان المبارك - وأن له خصوصية بالقرآن الكريم ؛ إذ فيه حصل للأمة من الله هذا الفضلُ الكبير، نزولُ وحيه العظيم، وكلامه الكريم المشتمل على الهداية {هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} الهداية لمصالح الدين والدنيا ، وفيه تبيان الحق بأوضح بيان ، وفيه الفرقان بين الهدى والضلال ، والحق والباطل ، والظلمات والنور .
· ثم إن شهر رمضان فيه ليلة القدر التي قال الله عنها: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْ
لَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 2-3] ، أي العمل فيها خيرٌ من العمل في ألف شهرٍ سواها ، وكذا الأجر .
· وصيام هذا الشهر سببٌ لمغفرة الذنوب ؛ أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )) (4) أي : إيماناً بالله ورضاً بفر
ضية الصوم عليه واحتساباً لثوابه وأجره ، ولم يكن كارهاً لفرضه ولا شاكاً في ثوابه وأجره ؛ فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه . وفي مسلم عن أبي هريرة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)) (5) .

· إضافةً إلى ما تقدم ذِكرُه ؛ فإن من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ، وأنه تصفَّد فيه الشياطين ، وتُفتح أبواب الجنة وتُغلق أبواب النار ، ولله في هذا الشهر عتقاء من النار وذلك كل ليلة .
· وفي هذا الشهر المبارك نصَرَ الله المسلمين على أعدائهم المشركين في غزوة بدر الكبرى ، وكان عدد المشركين في تلك الغزوة ثلاثة أضعاف المسلمين ، وفيه فتح الله مكة المكرمة البلد الآمن على يد رسول الله ص
لى الله عليه وسلم وطهَّرها من الأصنام ، وكان عدد الأصنام في البيت وحوله ثلاثمائة وستون صنماً ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحطم هذه الأصنام ويقول: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء:81] ، فهو شهر الجدِّ والنشاطِ والعمل ، شهر العبادةِ والجهادِ في سبيل الله ؛ فحقيقٌ بشهرٍ هذا فضله وهذا إحسان الله على عباده فيه أن يعظِّمه العباد ، وأن يكون موسماً لهم للعبادة وزاداً ليوم المعاد .
اللهم اجعلنا ممن يعرِف لهذا الشهر مكانته وحُرْمَتَه ، ووفِّقنا للقيام فيه بما يرضيك إنك سميع الدعاء .
اللهم وفِّقنا لطاعتك ، وأعِنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، ويسِّرنا لليسرى ، وأتِمَّ علينا النعمة بالقيام بحق هذا الضيف الكريم ، وأعنّا على صيامه وقيامه وحُسن الأدب فيه يا رب العالمين.

---------------------------------
(1) طريق الهجرتين لابن القيم (ص: 175).
(2) مدارج السالكين لابن القيم (2/244).
(3) مسند أحمد (4/107 رقم: 16921). والطبران
ي (17646) ، واللفظ للإمام أحمد.
(4) متفق عليه ؛ البخاري (2014) ، مسلم (760)
(5) مسلم (233).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 15-04-2021, 02:49 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,291
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله



3- فَـضْلُ الصِّيَام

الشيخ عبد الرازق البدر

إن الصوم من أفضل العبادات وأجل الطاعات ، جاءت بفضله وعظيم شأنه نصوص عديدة .
فمن فضائل الصوم: أن الله كتبه على جميع الأمم وفرضه عليهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] ، ولول
ا أنه عبادة عظيمة لا غنى للخلق عن التعبد بها لله وعمّا يترتب عليها من ثواب ما فرضه الله على جميع الأمم ، والغاية المرجوة من الصيام تحقق التقوى التي أمر الله ووصَّى بها جميع الأمم قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:131] .
ومن فضائل الصوم : أن ثوابه لا يتقيد بعدد معيَّن بل يعطى الصائم أجره بغير حساب ، أخرج الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رس
ول الله صلى الله عليه وسلم : ((قَالَ اللَّهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ

لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ
فَرِحَ بِصَوْمِهِ))(1) ، وفي رواية لمسلم : ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ ؛ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي))(2) .

وهذا الحديث الجليل يدل على فضيلة الصوم من وجوه عديدة فصَّلها العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
الأول : أن الله اختص لنفسه الصوم من بين سائر ا
لأعمال وذلك لشرفه عنده ومحبته له وظهور الإخلاص له سبحانه فيه ؛ لأنه سِرٌّ بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه إلاَّ الله ، فإن الصائم يكون في الموضع الخالي من الناس متمكِّناً من تناول ما حرَّم الله عليه بالصيام فلا يتناوله لأنه يعلم أن له رباً يطلع عليه في خلوته ، وقد حرَّم عليه ذلك فيتركه لله خوفاً من عقابه ورغبة في ثوابه ؛ فمن أجل ذلك شَكَرَ الله له هذا الإخلاص واختص صيامه لنفسه من بين سائر أعماله ، ولهذا قال : ((يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي)) ، وتظهر فائدة هذا الاختصاص يوم القيامة كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله : ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُحَاسِبُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدَهُ وَيُؤَدِّي مَا عَلِيهِ مِنَ الْمَظَالِمِ مِنْ سَائِرِ عَمَلِهِ حَتَّى لاَ يَبْقَى إِلاَّ الصَّوْم ، فَيَتَحَمَّلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَظَالِمِ وَيُدْخِلُهُ بِالصَّوْمِ الْجَنَّةَ))(3).
الثاني : أن الله قال في الصوم : (( وَأَنَا أَجْزِي بِهِ )) ؛ فأضاف الجزاء إلى نفسه الكريمة لأن الأعمال الصالحة يضاعف أجرها بالعدد ، الحسنة بعشر أمثالها إلى
سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، أما الصوم فإن الله أضاف الجزاء عليه إلى نفسه من غير اعتبار عدد ، وهو سبحانه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين ، والعطية بقدر معطيها فيكون أجر الصائم عظيماً كثيراً بلا حساب ، وفي الصيام اجتمع الصبر بأنواعه كلها فهو صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة من الجوع والعطش وضعف البدن والنفس، فاجتمعت فيه أنواع الصبر الثلاثة وتحقق أن يكون الصائم من الصابرين ، وقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10] .
الثالث: أن الصوم جُنَّة ؛ أي وقاية وستر يقي الصائم م
ن اللغو والرفث ، ولذلك قال: ((وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ)) ، ويقيه أيضاً من النار ، أخرج الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنْ النَّارِ))(4).

الرابع : أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ل
أنها من آثار الصيام ، فكانت طيِّبة عند الله سبحانه ومحبوبة له ، وهذا دليل على عظيم شأن الصيام عند الله حتى إن الشيء المكروه المستخبث عند الناس يكون محبوباً عند الله وطيِّباً لكونه نشأ عن طاعته بالصيام.

الخامس : أن للصائم فرحتين : فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه ؛ أما فرحه عند فطره : فيفرح بما أنعم الله عليه من القيام بعبادة الصيام الذي هو من أفضل الأعمال ال
صالحة ، وكم من أناس حرموه فلم يصوموا ، ويفرح بما أباح الله له من الطعام والشراب والنكاح الذي كان محرماً عليه حال الصوم . وأما فرحه عند لقاء ربه : فيفرح بصومه حين يجد جزاءه عند الله تعالى موفوراً كاملاً في وقت هو أحوج ما يكون إليه حين يقال : أين الصائمون ليدخلوا الجنة من باب الريان الذي لا يدخله أحد غيرهم .
ومن فضائل الصيام : أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة ، روى أح
مد والطبراني والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ يَقُولُ الصِّيَامُ أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، قَالَ فَيُشَفَّعَانِ))(5).
ومنها : أن للصائمين باباً في الجنة يقال له الريان لا يدخل منه إلا الصائمون روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ))(6).

ومن فضائل الصيام أن العبد إذا قام به على الوجه المشروع و
أدّاه متحرياً فيه الإخلاص لله والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم فإنه يؤتي كثيراً من الثمرات اليانعة ؛ من الثبات على الحق ، وزيادة الإيمان ، وقوة اليقين ، والتحلي بالأخلاق الجميلة ، وانكسار الشهوة ، وانبعاث الأعمال القلبية من خوف ورجاء ومحبة ونحو ذلك . قال ابن القيم رحمه الله تعالى : "والمقصود : أن مصالحَ الصومِ لمَّا كانت مشهودةً بالعقول السليمةِ والفِطَرِ المستقيمة شرعه اللَّهُ لعباده رحمة بهم ، وإحساناً إليهم، وحِميةً لهم وجُنَّةً"(7) اهـ .
اللهم وفِّقنا لما تحب وترضى ، وخذ بنواصينا للبر والتقوى ، وعلِّمنا ما جهِلنا ، وانفعنا بما علمتنا ، واجعلنا من العالمين بفضل الصيام والعاملين بمقتضى ذلك من الإخلا
ص وإتقان الصيام وتكميله على الوجه الذي يرضيك .



------------------------------
(1) متفق عليه ؛ البخاري(1904) ، مسلم (1150) ، واللفظ للبخاري.
(2) مسلم (1150).
(3) رواه البيهقي في السنن الكبرى (4/274) .

(4) رواه الإمام أحمد في المسند (3/396، رقم: 15200).
(5) مسند الإمام أحمد (2/174، رقم 6626)، مستدرك الحاكم (1/740) .
(6) صحيح البخاري (1896) ، ومسلم (1152) واللفظ للبخاري .
(7) زاد المعاد لابن القيم (2/28).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 16-04-2021, 06:23 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,291
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله



4- الصِّيَامُ عَـمَّا حَرَّمَ اللهُ
الشيخ عبد الرازق البدر

إن من آكد ما ينبغي على الصوَّام لزومُهُ والعنايةُ به حفظَهم لصيامهم من نواقص قدره ومذهبات أجره .
روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا ؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))(1).
فمع قيام هذا العبد بالصلاة والصيام والزكاة إلا أنه قد فقَدَ أجرها وخسِر ثوابها بما اق
ترفت جوارحه من الظلم والعدوان وبما اكتسب لسانه من الشتم والبهتان فكان من المفلسين .

ولهذا ؛ فإن مما ينبغي أن يفيده المسلم من صيامه ويجنيه من طاعته العظيمة هذه أن يعلم أن وجوب الصيام عن الطعام والشراب وسائر المفطرات محله شهر رمضان من طلوع فجره إلى غروب شمسه ، أما الصيام عن الحرام فمحله طيلة أيام السنة بل طيلة عمر الإنسان ، فالمسلم يصوم في أيام شهر رمضان عما أحلَّ الله له في غيره وعمّا حرَّم ، ويصوم طيلة حياته عن الحرام ، وذلك أن الصوم في اللغة : إمساكٌ وامتناع ، فإمساكُ وامتناع العين واللسان والأذن واليد والرجل والفرج عما مُنِعَت عنه من الحرام هو صيام من حيث اللغة ، وهو واجب على الإنسان مدة حياته وطول عمره .
والله سبحانه لما تفضَّل على عباده بهذه النعم العظيمة - العين واللسان والأذن وا
ليد والرجل والفرج وغيرها - أوجب عليهم استعمالُها فيما يرضيه ،


وحرَّم عليهم استعمالها فيما يسخطه ، ومن تمام شكر الله على هذه النعم استعمالها فيما أمر الله أن تُستعمل فيه ، وكفُّها ومنعها عما حرَّم الله ، وإمساكها عن الوقوع في معصيةِ مَنْ تفضَّل بها وهو
الله سبحانه .
فالعين - مثلاً - شُرع استعمالها في النظر إلى ما أحلَّ الله ، ومُنع استعمالها في النظر إلى الحرام كالنظر إلى الأجنبيات ، أو النظر إلى ما تبثه كثير من الفضائيات والمرئيات من تمثيليات فاضحة وأفلام ساقطة ومناظر هابطة إلى غير ذلك، وامتناعها عن هذا النظر هو صيامٌ لها ، وحُكْمه مستمرٌّ دائم .
والأذن شُرع استعمالها في استماع ما أمر الله به وما أباح لها ، وحُرِّم استعمالها فيما لا يجوز سماعه من لغوٍ أو لهوٍ أو غناءٍ أو كذبٍ أو غيبة أو غير ذلك مما حرَّم الله ، وامتناعها عن ذلك هو صيامٌ لها ،
وحكمه مستمرٌ دائم .
واليد شُرع استعمالها فيما أمر الله به وفي تعاطي ما هو مباح ، ومُنِع استعمالها فيما حرَّم الله ، وامتناعها عن ذلك صيامٌ لها ، وحكمه مستمرٌ دائم.
وكذلك الفرج فقد شُرع استعماله في الحلال ، ومُنع من استعماله في الحرام كالزن
ا واللواط وغيرهما ، وامتناعه عن ذلك صيامٌ له ، وحكمه مستمرٌ دائم .
وقد وَعَدَ الله من شكر هذه النعم واستعملها فيما يرضيه بالثواب الجزيل والأجر العظيم والخير الكثير في الدنيا والآخرة ، وتَوَعَّدَ سبحانه من لم يحافظ عليها ولم يراعِ الحكمة من خلْقها وما أريد استعمالها فيه بل أطلقها فيما يسخط الله ويغضبه بالعذاب والعقاب ، وأخبر سبحانه أن هذه الجوارح مسؤولة يوم القيامة عن صاحبها وهو مسؤول عنها ، قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:36] ، وقال سبحانه: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65] ، وقال عز وجل: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا
جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت:19-21] .
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى معاذ بن جبل بحفظ لسانه فقال له معاذ : ((يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟

فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم - ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ))(2) ، وقال صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ))(3)، ورواه الترمذي وحسَّنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه : ((مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرَّ مَا بَيْنَ
رِجْلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ))(4)، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ))(5)، وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : ((قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)) (6)

فهذه النصوص وما جاء في معناها قد دلّت على أن الواجب على العبد أن يصون لسانه وفرجه وسمعه وبصره ويده ورجله عن الحرام ، وهو صيام من حيث اللغة ، وهذا الصيام لا يختص بوقت دون آخر ، بل يجب الاستمرار عليه حتى الممات طاعةً لله عز وجل ليفوز برضا الله وثوابه ويسْلَم من سخطه وعقابه ؛ فإذا أدرك المسلم أنه في شهر الصيام امتنع عما أحلَّ الله له لأن الله حرَّم
عليه ذلك في أيام شهر رمضان فليدرك أيضاً أن الله قد حرَّم عليه الحرام مدّة حياته وطوال عمره ، وعليه الكفُّ عما حرَّم والامتناع عنه دائماً خوفاً من عقاب الله الذي أعدَّه لمن خالف أمره وفَعَلَ ما نهى عنه .
ومن حفظ لسانه عن الفحش وقول الزور ، وفرجه عمّا حرَّم الله عليه ، ويده من تعاطي ما لا يحل تعاطيه ، ورجله عن المشي إلاَّ فيما يرضيه ، وسمعه عن سماع ما يحرُم سماعه ، وبصره عما حرَّم الله النظر إليه ، واستعمل هذه الجوارح في طاعة الله وما أحلَّ له وحفظها وحافظ عليها حتى توفاه الله فإنه يفطر بعد صيامه هذا على ما أعدَّه الله لمن أطاعه من النعيم المقيم والفضل العظيم مما لا يخطر على بال ولا يحيط به مقال ، وأول ما يلاقيه من ذلك : ما بيَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يجري للمؤمن عن
د الانتقال من هذه الدار إلى الدار الآخرة حيث يأتيه عند الموت وفي آخر لحظاته من الدنيا ملائكة كأن وجوههم الشمس معهم كفن من الجنة وحنوط من الجنة يتقدمهم ملك الموت فيقول : ((أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ

اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ ، فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ وَيَخْرُ
جُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، قَالَ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ يَعْنِي بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ ؟! فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى ، قَالَ فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ ؟ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ ، فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ دِينِيَ الْإِسْلَامُ ، فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا عِلْمُكَ ؟ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ : أَنْ صَدَقَ

عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ ، قَالَ فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ ، قَالَ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّ
كَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ ، فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ ؟! فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ ، فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ ، فَيَقُولُ رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي))(7).
هذا هو ثواب الصائمين عما حرم الله ، الملازمين لطاعة الله ، المحافظين على أوامره ، المجتنبين لنواهيه . جعلنا الله وإياكم منهم ، وهدانا سلوك سبيلهم .


---------------------
(1) مسلم (2581).

(2) رواه الترمذي (2616) ، وابن ماجه (3973) ، واللفظ للترمذي .
(3) رواه البخاري (6474).
(4) سنن الترمذي (2409).
(5) متفق عليه ؛ البخاري (6135) ، مسلم (47) .
(6) متفق عليه ؛ البخاري (11) ، مسلم (42).
(7) رواه الإمام أحمد في المسند (18534) .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17-04-2021, 03:20 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,291
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله



5- سَلاَمَةُ القُلُوبِ وَالأَلْسُنِ

الشيخ عبد الرازق البدر

روى الحاكم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَيْسَ الصِّيَامَ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ، وَجَهِلَ عَلَيْكَ فَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ ))(1) ، وأخرج الإمام أحمد
عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وذكر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ))(2).

إن من السمات العظيمة والصفات الكريمة الدالة على كمال إيمان الصائمين المخبتين ونُبل أخلاقهم سلامة صدورهم وألسنتهم تجاه إخوانهم المؤمنين ، فليس في قلوبهم غلٌّ أو حسدٌ أو ضغينة ، وليس في ألسنتهم غيبةٌ أو نميمةٌ أو كذبٌ أو وقيعة ، بل لا يحملون في قلوبهم إلا المحبة والخير والرحمة والعطف والإكرام ، ولا تجري على ألسنتهم إلا الكلمات النافعة والأقوال المفيدة والدعوات الصادقة ، فهم في زمرة من أثنى الله عليهم وزكَّاهم بقوله تعالى : {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْ
وَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:10] ، فنعَتَهم ربهم بخصلتين عظيمتين وخلتين كريمتين : إحداهما تتعلق باللسان ؛ فليس في ألسنتهم تجاه إخوانهم المؤمنين إلا النصح والدعاء {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} ، والخصلة الثانية تتعلق بالقلب ؛ فقلوبهم سليمة تجاه إخوانهم المؤمنين ليس فيها غلّ أو حسد أو حقد أو ضغينة أو نحو ذلك.

وسلامة الصدر واللسان هما من أوضح الدلائل وأصدق البراهين على تمام الصيام وكماله، وقد كان السلف رحمهم الله يعدّون الأفضل فيهم أسلمهم صدراً ولساناً ، قال إياس بن معاوية بن قرة : ((كان أفضلهم عندهم - أي السلف - أسلمَهم صدوراً وأقلهم غيبة))(3) ، وقال سفيان بن دينار : ((قلت لأبي بشير - وكان من أصحاب علي - : أخبرني عن أعمال من كان قبلنا
، قال : كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً ، قال قلت : ولم ذلك ؟ قال : لسلامة صدورهم))( 4)
ورمضان فرصة ذهبية وهِبة إِلهِيَة لتسلَم الصدور والألسن من كل الكدورات والأدواء ؛ فليست العبرة من صيامك أن تمتنع عن الطعام والشراب ويفطر قلبك على الحقد والحسد والبغض لعباد الله ، أو يفطر لسانك على الغيبة والنميمة والغش والكذب والسباب والشتم ؛ لأن من كان هذا حاله فما استفاد من صيامه إلا الجوع والعطش، وفي الحديث: ((رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ ،
وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ))(5) رواه أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

ولقد كان السبب الأعظم لسلامة صدور أولئك الأخيار وألسنتهم هو قوة صلتهم بالله وشدة رضاهم عنه ، قال ابن القيم رحمه الله : ((الرضا يفتح له باب السلامة ؛ فيجعل قلبه سليماً نقياً من الغش والدغل والغل ، ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلبٍ سليم ، كذلك وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا ، وكلما كان العبد أشد رضا كان قلبه أسلَم ، فالخبث والدغل والغش قرين السخط ، وسلامة القلب وبره ونصحه قرين الرضا ، وكذلك الحسد هو من ثمرات السخط ، وسلامة القل
ب منه من ثمرات الرضا))(6)
وثمرات سلامة القلب التي هي ثمرة من ثمرات الرضا لا تُعَد ولا تُحْصى ؛ فسلامة الصدر راحةٌ في الدنيا وأنسٌ وطمأنينة ، وثوابه في الآخرة من أحسن الثواب ، وغنيمته إذ ذاك أكبر غنيمة . وفي الخبر قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : ((دُخِلَ عَلَى أَبِي دُجَاَنَةَ
رضي الله عنه وَهُوَ مَرِيضٌ - وَكَانَ وَجْهُهُ يَتَهَلَّلُ - فَقِيلَ لَهُ: مَا لِوَجْهِكَ يَتَهَلَّلُ؟ فَقَالَ: مَا مِنْ عَمَلِي شَيْءٌ أَوْثَقُ عِنْدِي مِنَ اثْنَتَيْنِ : كُنْتُ لَا أَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِينِي ، وَالْأُخْرَى فَكَانَ قَلْبِي لِلْمُسْلِمِينَ سَلِيمَا))( 7).

ومما يعين المسلم على سلامة صدره ولسانه تجاه إخوانه : اللجوءُ إلى الله عز وجل وسؤالُهُ ذلك بصدق وإخلاص ، والنظرُ في العواقب الحميدة والنتائج المباركة في الدنيا والآخرة المترتبة على ذلك ، وكذلك النظرُ في العواقب السيئة والنتائ
ج الوخيمة التي يجنيها ويحصِّلها من كان في قلبه غل أو حقد أو حسد أو نحو ذلك .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أدعيةٍ كثيرة أُثِرَت عنه سؤالُ الله هداية القلب وسلامته وثباته
؛ كقوله صلى الله عليه وسلم : ((اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا))(8)، وقوله : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ))(9)، وقوله: ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ))(10)، وقوله: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي قَلْبِي نُورًا))(11).

ألا فلنغتنم هذا الشهر المبارك لعلاج أمراض القلوب والألسن ولنحرص كل الحرص على طهارتها وسلامتها ؛ لأن بسلامتها تسلم للمرء نفسه ودينه ودنياه ، وبفسادها يفسد الدين والدنيا ، ولقد علَّمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم دعاءً عظيماً يقوله المسلم في صباحه ومسائه وإذا أوى إلى فراشه ، يستعيذ فيه المرء بالله من مصدري الشر اللذين يصدر عنهما ومن الغايتين اللتين يؤدي إليهما أحد هذين المصدرين أو كلاهما ؛ روى الترمذي وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ((أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ يَا رَسُ
ولَ اللَّهِ مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ ؟ قَالَ : قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ قَالَ قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ))(12) ، وفي رواية أخرى: ((وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ)) (13).

فتضمن هذا الحديث العظيم الاستعاذة بالله من الشر وأسبابه وغايته ؛ فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان ، فاستعاذ بالله منهما في قوله : ((أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ)) ، وغاية الشر إما أن تعود على العامل ن
فسه أو على أخيه المسلم فاستعاذ بالله من ذلك بقوله: ((وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ)) ، فلله ما أكمله من دعاء وما أعظم مقاصده وأروع دلالاته ، وما أجمل أن يوظفه الصائم في أذكار صباحه ومسائه وعند نومه في هذا الشهر المبارك وفي سائر أيام عمره .
اللهم إنا نسألك قلوباً خاشعة ، وألسناً ذاكرة ، ونفوساً طائعةً مطمئنة ، ونعوذ بك اللهم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، ونعوذ بك من شر الشيطان وشركه وأن نقترف على أنفسنا سوءً أو نجرُّه إلى أحد من المسلمين.

-------------------------
(1) المستدرك للحاكم (1/595، رقم 1570) .
(2) مسند الإمام أحمد (23070).
(3) رواه الطبراني في مكارم الأخلاق .
(4) رواه ابن السري في كتابه الزهد .
(5) مسند الإمام أحمد (2/374، رقم 8842).

(6) مدارج السالكين (فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرضا).
(7) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/557)، سير أعلام النبلاء (1/205)، تاريخ الإسلام للذهبي (3/ 70).
(8) رواه مسلم (2722) ، والنسائي (5460) ، وأحمد ( 19204).
(9) رواه الترمذي (3482) ، والنسائي (5460).
(10) رواه الترمذي (2140).
(11) رواه البخاري (6316) مسلم (763).
(12) رواه الترمذي ( 3529) ، وأبو داود (5067).
(13) رواها الترمذي (3529) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 18-04-2021, 06:14 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,291
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله


6- حِفـْظُ الْوَقْتِ فِي رَمَضَان
الشيخ عبد الرازق البدر

إن وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم أو العذاب الأليم، وهو يمر مر السحاب، لم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار، وتقريب الآجال، صحبا قبلنا نوحاً وعاداً وثمود وقروناً بين ذلك كثيراً فأق
دم الجميع على ربهم ووردوا على أعمالهم وتصرمت أعمارهم، وبقي الليل والنهار غضين جديدين في أمم بعدهم قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان:62].

فينبغي على المسلم لاسيما في هذا الشهر المبارك والموسم العظيم والوقت الثمين أن يتخذ من مرور الليالي والأيام عبرة وعظة ، فكم من رمضان تحريناه فدخل ومضى سريعا ، فالليل والنهار يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويطويان الأعمار، ويشبان الصغار، ويفنيان الكبار، وهذا كله مشعر بتولي الدنيا وإدبارها ومجيء الآخرة وإقبالها، قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : ((
ارْتَحَلَتْ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتْ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ ؛ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ))(1) ، وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله : ((إِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِدَارِ قَرَارِكُم ، دَارٌ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهَا الْفَنَاءَ ، وَكَتَبَ عَلَى أَهْلِهَا مِنْهَا الظَّعن - أي الارتحال - ، فَكَمْ عَامِر موثق عَمَّا قَلِيلٍ يَخْرَبُ ، وَكَمْ مُقِيمٍ مُغْتَبطٍ عَمَّا قَلِيلٍ يَظْعَن ، فَأَحْسِنُوا رَحِمَكُمُ اللهُ مِنْهَا الرِّحْلَةَ بَأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ النُّقْلَةِ ، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)) (2).

إن الإنسان في هدمٍ لعمره منذ خرج من بطن أمه بل هو - كما قال الحسن البصري - أيام مجموعة ؛ فكلما ذهب يوم ذهب بعض الإنسان وجزء منه، اليوم منه يهدم الشهر، والشهر يهدم السنة، والسنة تهدم العمر، وكل ساعة تمضي من
العبد فهي مُدْنِيَةٌ له من الأجل ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : " ما ندمتُ على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي " وهذا من شدة حرصه على الوقت ، قال الحسن رحمه الله : "أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم " .
ولهذا فإن مَنْ أَمْضَى يَوْمَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ قَضَاهُ ، أَوْ فَرْضٍ أَدَّاهُ ، أَوْ مَجْدٍ أَثَّلَهُ أَوْ حَمْدٍ حَصَّلَهُ ، أَوْ خَيْرٍ أَسَّسَهُ أَوْ عِلْمٍ اقْتَبَسَهُ ، فَقَدْ عَقَّ يَوْمَهُ وَظَلَمَ نَفْسَهُ وظلم يومه .
إن الليالي والأيام هي رأس مال الإنسان في هذه الحياة ؛ رِبْحها الجنة ، وخسرانها النار ، السنة شجرة ، والشهور فروعها ، والأيام أغصانها ، والساعات أوراقها ، والأنفاس ثمارها ؛ فمن كانت أنفاسه في طاعة الله فثمرته طي
بة مباركة حلوٌ مذاقها ، ومن كانت أنفاسه في معصية الله فثمرته خبيثة مذاقها مرٌّ وحنظل .

لقد تكاثرت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان أهمية الوقت والحث على اغتنامه وعدم إضاعته وبيان أن العبد مسؤول عنه يوم القيامة ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ))(3)، وعَنْ أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ((لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ
وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ))(4)، وثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ))(5).

فلنغتنم في هذا الشهر المبارك والموسم العظيم كل ما يمكننا اغتنامه من الطاعات ولنسخره في الإقبال على الله ، ولنغتم حياتنا كلها قبل أن يباغتنا الموت ، وليغتنم الأصِحَّاء الذين عافاهم الله من الأمراض والأدواء عافيتهم وصحته
م قبل أن يبتليهم الله بأمراض تعوقهم وتضعف نشاطهم ، وليغتنم الذين حباهم الله بنعمة الوقت والفراغ وقتهم وفراغهم قبل أن تداهمهم الأشغال والهموم والصوارف ، وليغتنم الشباب شبابهم وقوتهم قبل أن يصيبهم داء الكبر والهرم الذي هو مظنة الضعف والفتور والعاهات والأمراض ، وليغتنم الأغنياء الذين وسَّع الله لهم في أرزاقهم ونالوا حظاً من هذه الأموال التي هي من حطام الدنيا الفانية أموالهم قبل أن ينزل عليهم الفقر وتُلِمَّ بهم الحاجات ، وليغتنم كل أولئك وهؤلاء هذا الموسم العظيم ليزدادوا فيه قرباً من الله ويتعرضوا فيه لنفحاته وبركاته ورحماته بتوبةٍ نصوح وإكثارٍ من فعل الخيرات وإحجامٍ عن اقتراف القبائح والمنهيات .
قال ابن رجب رحمه الله : ((وما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلا ولله تعالى ف
يه وظيفة من وظائف طاعته يُتقرب بها إليه، ولله لطيفة من لطائف نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته عليه ، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات ، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعُد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات))(6) اهـ.

ومن ضيَّع فراغه في مثل هذا الموسم العظيم ولم ينتفع من صحته في مثل هذا الشهر الكريم فمتى عساه أن ينتفع ويستقيم !! قال ابن الجوزي : ((مَنْ اسْتَعْمَلَ فَرَاغه وَصِحَّته فِي طَاعَة اللَّه فَهُوَ الْمَغْبُوط ، وَمَنْ اِسْتَعْمَلَهُمَا فِي مَعْصِيَة اللَّ
ه فَهُوَ الْمَغْبُون ، لِأَنَّ الْفَرَاغ يَعْقُبهُ الشُّغْل وَالصِّحَّة يَعْقُبهَا السَّقَم))(7).
ومما يؤثر عن بعض السلف قولهم: ((من علامة المقت إضاعة الوقت)) ، قال ابن القيم رحمه الله : ((إضاعة الوقت أشد من الموت ؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة ، والموت يقطعك عن الدنيا
وأهلها))(8).
والواجب على المسلم أن لا يغتر بالدنيا ؛ فإن صحيحها يسقم ، وجديدها يبلى ، ونعيمها يفنى ، وشبابها يهرم ، وهو فيها في سير إلى الدار الآخرة ، الآجال منقوصة ، والأعمال محفوظة ، والموت يأتي بغتة ؛ فمن زرع خيراً فيوشك أن يحصد
ثوابه وأجره ، ومن زرع شراً فيوشك أن يحصد ندامة وحسرة ، ولكل زارعٍ ما زرع.
اللهم بارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا وأعمالنا ، وهيئ لنا من أمرنا رشداً ، ووفِّقنا لاغتنام الأوقات في الباقيات الصالحات ، وحبب لنا فعل الخيرات وبُغض المنكرات ، واجعلنا ممن صام هذا الشهر صياماً يكون سبباً لنيل رضاك والفوز بجنانك .

-------------------
(1) رواه البخاري في صحيحه معلقا في كتاب الرقاق ، باب في الأمل وطوله .
(2) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (5/292).
(3) رواه الحاكم في المستدرك (7846).
(4) رواه الترمذي (2602).

(5) صحيح البخاري (641
2).
(6) كتاب لطائف المعارف لابن رجب (ص: 6).
(7) نقله ابن حجر في فتح الباري (11 / 230).
(8) الفوائد لابن القيم (ص: 44).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 19-04-2021, 04:02 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,291
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله



7- أًهَمِّيَّةُ ذِكْرِ الله
الشيخ عبد الرازق البدر

إن ذكر الله - جلّ وعلا - هو أزكى الأعمال وخيرها وأفضلها عند الله تبارك وتعالى ، ففي المسند للإمام أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم وغيرها من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسو
ل الله صلى الله عليه وسلم : ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا بَلَى ، قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى)) (1) .

فهذا الحديث العظيم أفاد أفضلية الذكر ، وأنه يعدل عتق الرقاب ، ونفقة الأموال ، والحمل على الخيل في سبيل الله عز وجل ، ويعدل الضرب بالسيف في سبيل الله تعالى ، قال ابن رجب رحمه الله : " وقد تكاثرت النصوص بتفضيل الذّكر على الصدقة بالمال وغيره من الأعمال "(2) ثم أورد حديث أبي الدرداء المتقدم ، وجملة من الأحاديث ا
لأخرى الدالة على المعنى نفسه .
وقد روى ابن أبي الدنيا - كما في الترغيب والترهيب للمنذري وقال إسناده حسن - عن
الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال : قيل لأبي الدرداء إنّ رجلاً أعتق مائة نسمة قال : " إنّ مائة نسمة من مال رجل كثيرٌ، وأفضلُ من ذلك إيمانٌ ملزومٌ بالليل والنهار وأن لا يزال لسان أحدكم رطباً من ذكر الله "(3) ، فبيَّن رضي الله عنه فضل عتق الرقاب وأنه مع عظم فضله لا يعدل ملازمة الذكر والمداومة عليه ، وورد بيان تفضيل الذكر على غيره من الأعمال عن غير واحد من الصحابة والتابعين كعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص، أورد بعض هذه الأقوال ابن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم.

روى الإمام أحمد والطبراني عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ أَيُّ الْمُجَاهِدِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا يَا رَسُولُ اللَّه ؟ قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى ذِكْرًا ، قَالَ فَأَيُّ الصَّائِمِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا ؟ قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ذِكْرًا ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالْحَجَّ وَالصَّدَقَةَ كُلُّ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ذِكْرًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ !! ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَجَلْ))(4).
وهذا الشهر الكريم هو شهر الذكر والثناء على الله رب العالمين، بل ما شُرع الصيام ولا صام الصائمون إلا لإقامة ذكر الله ، ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم - كما تقدم - أن أعلى الناس درجة وأعظمهم أجراً حي
ن اشتراكهم في قيامهم بطاعة من الطاعات أو قربة من القربات لرب الأرض والسموات أكثرُهم لله ذكراً ؛ فدلَّ ذلك على أهمية الذكر وأنه هو الغاية المقصودة من القيام بجميع الطاعات والعبادات ، فأكثر الصائمين أجراً أكثرهم لله ذكراً .

وذِكر الله أكبر من كل شيء وأفضل كل شيء ، قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45] " أي: ذِكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم أكبر من ذ
كركم له في عباداتكم وصلواتكم ، وهو ذاكرٌ من ذكَره ، قال معناه ابن مسعود وابن عباس وأبو الدرداء وأبو قرَّة وسلمان والحسن وهو اختيار الطبري ، وقيل: ذكركم الله في صلاتكم وفي قراءة القرآن أفضل من كلِّ شيء ، وقيل المعنى: إن ذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر ، قال ابن زيد وقتادة: ولذكر الله أكبر من كلِّ شيء أي أفضل من العبادات كلها بغير ذكر "(5).
" قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : الصحيح أن معنى الآية : أن الصلاة فيها مقصودان عظيمان، وأحدهما أعظم من الآخر ؛ فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي مشتملة على ذكر الله تعالى، ولما فيها من ذكر الله تعالى أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر)) ، وقد سئل سلمان الفارسي رضي الله عنه : ((أيُّ الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن! ولذكر الله أكبر))(6)، وذكر ابن أبي الدنيا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّه سُئل: أيّ العمل أفضل ؟ قال: ((ذكر الله أكبر)) "(7).

وقد أمر الله في كتابه عباده المؤمنين بالإكثار من ذكره قياماً وقعوداً وعلى الجنوب ، بالليل والنهار ، وفي البر والبحر ، وفي السفر والحضر ، وفي الغنى والفقر ، وفي الصحة والسقم ، وفي السر والعلن ، وفي كل حال ، ورتب
لهم على ذلك جزيل الأجر وعظيم الثواب وجميل المآب ، قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا} [الأحزاب:41-44].
ففي هذه الآية الحث على الإكثار من ذكر الله تعالى وبيان ما يترتب على ذلك من أجر عظيم وخير عميم ، وقوله : {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} فيه أعظم الترغيب في الإكثار من ذكر الله وأحسن حضٍّ على ذلك ، أي أنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم ، ونظائر هذه الآية في القرآن كثيرة كقوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُ
مْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة:151ـ152] ، فالجزاء من جنس العمل ؛ فمن ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه ، ومن ذكر الله في ملأٍ ذكره الله في ملأٍ خير منهم ، ومن نسي الله نسيه الله .
والذاكرون الله كثيراً والذاكرات هم المفرِّدون السابقون إلى الخيرات المحظوظون بأرفع الدرجات وأعلى المقامات، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فِ
ي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ فَقَالَ : سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ ، قَالُوا وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ))(8).
ولكن ؛ بِمَ ينال العبد ذلك ؟

وهذا سؤال عظيم يجدر بكل مسلم أن يقف عنده ويعرف جوابه ، ومن أحسن ما روي عن السلف في معنى الذاكرين الله كثيراً والذاكرات : ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : (( المراد : يذكرون الله في أدبار الصلوات ، وغدواً وعشياً ، وفي المضاجع ، وكلما استيقظ من نومه ، وكلما غدا أو راح من منزله
ذكر الله تعالى))(9).
وفي هذا المعنى قول الشيخ العلامة عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله : " وأقل ذلك أن يلازم الإنسان أوراد الصباح والمساء وأدبار الصلوات الخمس وعند العوارض والأسباب ، وينبغي مداومة ذلك في جميع الأوقات على جميع الأحوال، فإن ذلك عبادة يسبق بها العامل ، وهو مستريح ، وداع إلى محبة الله ومعرفته، وعون على الخير وكف اللسان عن الكلام القبيح "(10).
وأسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى أن يجعلني وإياكم من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات ، من الذين أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً ، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

----------------------
(1) مسند الإمام أحمد (21599، 21601) ، سنن الترمذي (3377) واللفظ له .
(2) جامع العلوم والحكم (الحديث الخامس والعشرون
، ص: 66).
(3)قال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب " ضعيف موقوف "
(4) رواه الإمام أحمد في المسند (15553) والطبراني في الدعاء (1887 ) واللفظ له .
(5) تفسير القرطبي (سورة العنكبوت ، آية 45) .
(6) رواه الطبري في تفسيره (20/183).
(7) انظر الوابل الصيب لابن القيم ( ص151-152).
(8) صحيح مسلم (2676).

(9) الأذكار للنووي (ص 10).
(10) تفسير السعدي (الأحزاب آية 41، ص: 667).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 20-04-2021, 03:43 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,291
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله


8 - فَوَائِدُ الذِّكْرِ وَعَوَائِدُه
الشيخ عبد الرازق البدر


لقد تقدم معنا بيانُ أن ذكر الله هو أجل الأعمال وأفضلها، وأن العمل الذي يقوم به ال
عبد كلما كان ذكره لله فيه أكثر كان أجره فيه أكثر.
وذلك لما رواه الإمام أحمد والطبراني عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ أَيُّ الْمُجَاهِدِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا يَا رَسُولُ اللَّه ؟ قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى ذِكْرًا ، قَالَ فَأَيُّ الصَّائِمِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا ؟ قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ذِكْرًا ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالْحَجَّ وَالصَّدَقَةَ كُلُّ ذَلِكَ رَسُو
لُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ذِكْرًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ !! ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَجَلْ )) (1) .


قال ابن القيم رحمه الله : (( أن أفضل أهل كلِّ عملٍ أكثرهم فيه ذكراً لله عز وجل ؛ فأفضلُ الصوَّام أكثرهم ذكراً لله عز وجل في صومهم ، وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكراً لله عز وجل ، وأفضل الحجاج أكثرهم ذكراً لله عز وجل، وهكذا سائر الأعمال))(2).
والله سبحانه لا يأمر بالإكثار من شيء إلا لأهميته وعظيم قدره وكثرة عوائده وفوائده التي يحصِّلها العبد الذاكر، والذكر له فوائدُ لا تحصى وثمراتٌ وعوائدُ لا تستقصى ، ولعل من المناسب في هذا المقام تذ
كير الصائمين بشيء من فوائد الذكر :
فمنها: أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره قال تعالى: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف:36] ، وقال سبحانه: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ } [الأعراف:201] ، وثبت في وصية يحيى بن زكريا عليه السلام لبني إسرائيل كما في الحديث الطويل ا
لذي أمرهم فيه أولاً بالتوحيد ثم بالصلاة والصيام والصدقة ثم قال : ((وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ ؛ كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ ))(3).

ومن فوائده : أنه يجلب لقلب الذاكر الفرح والسرور والراحة والطمأنينةَ قال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [الرعد: 28] ، وحقيق بقلوب المؤمنين وحري بها أن لا تطمئن ولا ترتاح إلا بذكر الله لا بشيء سواه ، والذكر هو حياة القلب وقوته فلا تحيا القلوب ولا تتغذى إلا به يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( الذكر للقلب
مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء!! ))(4).
ومن فوائده : أن صاحبه يحظى بذكر الله له ، قال تعالى: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } [البقرة:152] ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى
: ((فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ))(5).
ومن فوائد الذكر : أنه يحط الخطايا ويذهبها ، وينجي الذاكر من عذاب الله ، ففي المسند عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا قَطُّ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ))(6).
ومن فوائده : أنه يترتب عليه من العطاء والثواب والفضل ما لا يترتب على غيره من الأعمال ، مع أنه أيسر العبادات ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ ، وَ
كُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ )) (7) وهذا مثالٌ واحد لما يترتب على الذكر من العطاء والثواب.
ومن فوائد الذكر: أنه غراس الجنة ، روى الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُمْ : أَ
نَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ وَأَنَّهَا قِيعَانٌ ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا : سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ )) (8).

ومن فوائده : أنه نور لصاحبه يسعى به في الدنيا ، ويضيء له قبره ، ويضيء أمامه على الصراط يوم القيامة ؛ { يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ } [النور:
35ـ37] ، وقال سبحانه: { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } [الأنعام:122] ، فالمؤمن يستنير بالإيمان بالله وبمحبته وذكره ، والغافل عن ذلك في ظلمات بعضها فوق بعض ، فالفلاح كل الفلاح في الحصول على هذا النور ، والشقاء كلّ الشقاء في فواته وحرمانه ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثِر من سؤال الله تبارك وتعالى هذا النور بأن يجعله في جميع أعضائه وذرّاته الظاهرة والباطنة ، وأن يجعله محيطاً به من جميع جهاته .

ومن فوائد الذكر : أنه يوجب صلاة الله u وملائكته على الذاكر ، وهذا هو الفلاح والظفر بعينه قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ
وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا } [الأحزاب:41-43].
ومن فوائده : أنه شفاءٌ للقلب وأمانٌ من النفاق ، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [المنافقون:9] ، وقال عن المنافقين
: { وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء:142] ، قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وقد سُئل عن أهل الجمل : أمنافقون هم؟ فقال: ((المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً)) (9) ، وقال مكحول بن عبد الله رحمه الله : ((إن ذكر الله شفاء، وإن ذكر الناس داء)) (10).
ومن فوائد الذكر : أن إدامته تنوب عن الطاعات وتقوم مقامها سواءٌ كانت بدنية أو مالية، أو مالية بدنية كحج التطوع وقد جاء ذلك صريحاً فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث شكوى الفقراء للنبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الدثور قد ذهبوا بالأجور فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : (( أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ
سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً )) (11) ، فجعل الذكر عوضاً لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد ، وفي حديث عبد الله بن بسر الذي خرجه الترمذي

((أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ ؟ قَالَ لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ)) (12) ، فدله صلى الله عليه وسلم وهو الناصح على ما يتمكن
به من شعائر الإسلام إذا أحبه وتعلق به .
فهذا غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير من عوائد الذكر المباركة وثماره اليانعة ونتائجه العظيمة ؛ فحري بعباد الله المؤمنين أن يكثروا من ذكر الله لينالوا هذه الأجور العظيمة والأفضال الكريمة والثمار المباركة ولاسيما ونحن نعيش هذا الشهر الكريم والموسم العظيم شهر الذكر والقرآن وموسم الطاعة والإحسان ، ونسأل الله الكريم أن ينير قلوبنا بذكره ، وأن يستعمل أوقاتنا في طاعته ، وأن يجعل ألسنتنا دائماً رطبةً بذكره وشكره وحُسن عبادته.

----------------------
(1) رواه الإمام أحمد في المسند (15553) والطبراني في الدعاء (1887 ) واللفظ له .
(2) الوابل الصيب لابن القيم (ص: 152 السادسة والخم
سون من فوائد الذكر)
(3) رواه الترمذي (2863) وقال: حسن صحيح .
(4) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (10/85) . ونقله ابن القيم عنه في الوابل الصيب(ص: 85 ) .
(5) صحيح البخاري (7405)، ومسلم (2675).
(6) مسند الإمام أحمد (21978) .
(7) صحيح البخاري (3293)، ومسلم (2691).
(8) رواه الترمذي (3462) .
(9) رواه البيهقي في سنن الكبرى (16499) .
(10) رواه البيهقي في شعب الإيمان (717) .
(11) متفق عليه ؛ البخاري (843) ، ومسلم (595) واللفظ له .
(12) سنن الترمذي (3375) .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 21-04-2021, 03:21 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,291
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله



9 - فَضْلُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَمَكَانَتُهُ
الشيخ عبد الرازق البدر


إن شهر رمضان المبارك هو شهر القرآن فيه نزل قال تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } [البقرة:185] ، وهو شهر الذكر وخير ما ينبغي للعبد أن يذكر الله به في هذا الشهر الكريم هو كلامه - تبارك وتعالى - الذي هو خير الكلام وأحسنه وأصدقه وأنفعه ، وهو وحي الله وتنزيله الذي لا يأتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه ، وهو أفضل كتاب أنزله الله تبارك وتعالى على أفضل رسول ؛ على عبده ومصطفاه وخيرته من خلقه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، وكم هو جميل بنا أن نستشعر فضل القران وفضله وعظم مكانته ، لا سيما ونحن في الشهر الذي فيه أنزل .

يقول الله تعالى في بيان شرف القرآن الكريم وفضله : { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } [الفرقان:33] قال ابن كثير رحمه الله : (( في هذا اعتناء كبير لشرف الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، حيث
كان يأتيه الوحي من الله بالقرآن صباحاً ومساءً ، ليلاً ونهاراً ، سفراً وحضراً ، فكل مرة كان يأتيه الملك بالقرآن كإنزال كتاب مما قبله من الكتب المتقدمة ، فهذا المقام أعلى وأجلُّ وأعظم مكانة من سائر إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فالقرآن أشرف كتاب أنزله الله ، ومحمد صلوات لله وسلامه عليه، أعظم نبي أرسله الله )) (1) اهـ.

إن فضل القرآن الكريم وشرفه ورفيع قدره وعلو مكانته أمرٌ لا يخفى على المسلمين ، فهو كتاب الله رب العالمين ، وكلام خالق الخلق أجمعين ، فيه نبأُ ما قبلنا ، وخبر ما بعدنا ، وحُكم ما بيننا ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تر
كه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسن ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يَخْلَقُ على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم ، وقدرُ القرآن وفضله هو بقدر الموصوف به وفضله ، فالقرآن كلام الله وصفته ، وكما أنه تبارك وتعالى لا سميَّ له ولا شبيه في أسمائه وصفاته فلا سميَّ له ولا شبيه له في كلامه ، فله تبارك وتعالى الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته ، لا يشبهه شيء من خلقه ، ولا يشبه هو تبارك وتعالى شيئاً من خلقه، تعالى وتقدَّس عن الشبيه والنظير { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى:11] . والفرق بين كلام الله وكلام المخلوقين هو كالفرق بين الخالق والمخلوقين ، قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله : ((فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الرب على خلقه، وذاك أنه منه)) (2) . وقد روي هذا اللفظ مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أن رفعه لا يثبت كما أوضح ذلك الإمام البخاري رحمه الله في كتابه (خلق أفعال العباد) وغيره من أئمة العلم(3)، وأما معناه فحق لا ريب فيه ، ولا ريب في حُسنه وقوته واستقامته وجمال مدلوله ، وقد استشهد أهل العلم لصحة معناه بنصوص عديدة ، بل إن الإمام البخاري رحمه الله جعله عنواناً لأحد تراجم أبواب كتاب فضائل القرآن من صحيحه فقال في الباب السابع عشر منه : " باب فضل القرآن على سائر الكلام " .

والواجب علينا معاشر المؤمنين أن نعظم القرآن الكريم الذي هو كلام ربنا ومصدر عزنا وسبيل سعادتنا ، ونحفظ له منزلته ومكانته ، ونقدره حق قدره ، ونحسن فهمه ، ونعمل به . يقول ابن مسعود رضي الله عنه : ((من كان يحب أن يعلم أنه يحب الله عز وجل فليعرض نفسه على القرآن ؛ فإن أحب القرآن فهو يحب الله عز وجل ، فإنم
ا القرآن كلام الله عز وجل))(4)، ويقول رضي الله عنه : ((القرآن كلام الله عز وجل ، فمن رد منه شيئا فإنما يرد على الله عز وجل))(5).
هذا وقد كان للسلف رحمهم الله عنايةٌ فائقة واهتمامٌ بالغ بالقرآن العظيم في شهر القرآن شهر رمضان المبارك، وأسوتهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يلقاه جبريل كل ليلة من رمضان يدارسه القرآن، روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَجْوَ
دُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ))(6) .


وقد كان صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره ، وهذا أمرٌ يُشرع لكل من أراد أن يزيد في القراءة ويطيل وكان يصلي لنفسه فليطوِّل ما شاء ، وكذلك من صلى بجماعة يرضون بصلاته ، أم
ا ما سوى ذلك فالمشروع التخفيف ، قال الإمام أحمد لبعض أصحابه وكان يصلي بهم في رمضان : ((إن هؤلاء قوم ضَعْفَى اقرأ خمساً ستاً سبعاً، قال فقرأتُ فختمتُ في ليلةَ سبع وعشرين)) (7) ، فأرشده رحمه الله إلى أن يراعي حال المأمومين فلا يشقُّ عليهم .
وكان السلف رحمهم الله يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها ، فكان الأسود يقرأ القرآن في كل ليلتين في رمضان ، وكان النخعي رحمه الله يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث ، وكان قتادة رحمه الله يختم في كلِّ سبعٍ دائماً وفي رمضان في كلِّ ثلاث وفي العشر الأواخر كل ليلة ، وكان الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان قال: ((فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام)) ، وكان مالك رحمه الله إذا دخل رمضان يفرُّ من قراءة الحديث ومجالسةِ أه
ل العلم ويقبِل على تلاوة القرآن من المصحف ، وكان قتادة رحمه الله يدرس القرآن في شهر رمضان ، وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على تلاوة القرآن . والآثار عنهم في هذا المعنى كثيرة (8).
رزقنا الله وإيّاكم حُسن اتباعهم والسير على آثارهم ، ونسأله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يعْمُر قلوبنا بحب القرآن وتعظيمه وتوقيره والعمل به ، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.

---------------
(1) تفسير ابن كثير (تفسير سورة الفرقان) .
(2) رواه البيهقي في شعب الإيمان (2137) .

(3) انظر الضعيفة للألباني (1334).
(4) السنة لعبد الله بن أحمد (1/148، رقم125).
(5) السنة لعبد الله بن أحمد (1/144، رقم119).
(6) البخاري (6)، ومسلم (2308) واللفظ للبخاري .
(7) ذكره ابن رجب في لطائف المعارف ص180 .
(8) انظر لطائف المعارف لابن رجب ص181 .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 22-04-2021, 05:00 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,291
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله


10 - أَهَمِّيَّةُ فَهْمِ الْقُرْآنِ وَالْعَمَلُ بِهِ
الشيخ عبد الرازق البدر


قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُ
دَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185] ، وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوالْأَلْبَابِ} [ص:29] .
إن تلاوة القرآن وتدبره هي أعظم أبواب الهداية ؛ لأنه يهدي للتي هي أقوم ، ويدل ويقود إلى فعل الصالحات وترك المنكرات ، ويملأ القلب إيماناً ومعرفة بالله ، ويرغِّب في الفوز والظفر بدار الكرامة ، ويخوِّ
ف ويحذِّر من الخسارة والحرمان في دار الخزي والندامة ، وهو مشتمل على كثير من العبر والأمثال التي يضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ، والتالي للقرآن بتدبر وتعقل يدفعه ذلك للاستجابة لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيُعَظِّم الله ويُوَحِّده ويؤدِّي صلاته وزكاته ويحج فرضه ويصوم شهره إضافة إلى مسابقته ومنافسته

بالنوافل والقربات يرجو رحمة الله ورضوانه قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء:9] ، وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَ
ضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29-30] .
وتلاوة القرآن وتدبره والعمل به هو ديدن المؤمنين ووصْف أولياء الله الصالحين وسبب هداية الله لعباده المقربين، وترك تدبره والعمل به هو وصْف العصاة المعرضين وسبب ضلال الضالين والمستكبرين ؛ قال تعالى منكراً عليهم ذلك: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[محمد: 24] ، وقال سبحانه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] ، وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 66-68] أي: أنهم لو تدبروا القرآن لأوجب ل
هم الإيمان ولَمَنَعَهم من الكفر والعصيان، فدل ذلك على أن تدبر القرآن يدعو إلى كل خير ويعصم من كل شر .

ووصف الله القرآن بأنه أحسن الحديث ، وأنه تعالى ثنى فيه من الآيات وردد القول فيه ليفهم ، وأن جلود الأبرار عند سماعه تقشعر خشية وخوفاً فقال تعالى : {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [الزمر: 23] .
وعاتب سبحانه المؤمنين على عدم خشوعهم عند سماع القرآن وحذَّرهم من مشابهة الكفار في ذ
لك فقال سبحانه {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:16] .

وأخبر سبحانه عن القرآن أنه يزيد المؤمنين إيماناً إذا قرءوه وتدبروا آياته فقال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] .
وأخبر عن صالح أهل الكتاب أن القرآن إذا تلي عليهم يخرون للأذقان سجداً يبكون ويزيدهم خشو
عاً وإيماناً وتسليماً ، فقال سبحانه: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107-109] .

ثم مع هذا فإن الله تعالى قد حذَّر عباده من الإعراض عن القرآن الكريم أشد التحذير ، وبيَّن لهم خطورة ذلك وما يجنيه من فعل ذلك من الإثم والوزر الذي يحمله معه يوم القيامة بسبب إعراضه عن القرآن وعدم تلقيه بالقبول والتسليم ، يقول الله تعالى : {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ
لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} [طه: 99ـ 101] ، فإذا كان القرآن ذكراً للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمته فيجب علينا تلقيه بالقبول والتسليم والانقياد والتعظيم ، وأن نهتدي بنوره إلى الصراط المستقيم ، وأن نُقبِل عليه بالتعلم والتعليم والعمل بتوجيهاته لننعم بطيب العيش في هذه الحياة ولنحظى بشفاعته بعد الممات وفي المعاد ، وأن مقابلته بالإعراض والصدود أو بما هو أخطر من ذلك من الإنكار والجحود فإنه زيغ وضلال وكفر وطغيان يستحق فاعله العقوبة في الدنيا بضنك العيش والشقاوة والحرمان ، ويوم القيامة ينسى ويحشر في النار مع العميان ، قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 123ـ 126] .

فحريٌّ بكل مسلم ولاسيما في هذا الشهر المبارك والموسم العظيم أن يعظم القرآن الكريم ويقدره حق قدره ويتلوه حق تلاوته ؛ بتدبر آياته والتفكر والتعقل لمعانيه وبالعمل بما يقتضيه . يقول العلامة ابن القيم رحمه
الله : ((فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر فإنه جامعٌ لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله ، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه ، فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها ، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة ولو ليلة ، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمةٍ بغير تدبر وتفهم ، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن))(1).
وكلامه رحمه الله وافي الدلالة عظيم الفائدة ، ومن كان في قراءته للقرآن على هذا الوصف أثَّر فيه القرآن غاية التأثير وانتفع بتلاوته تمام الانتفاع وكان بذلك من أهل العلم والإيمان الراسخين ؛ وهذا هو مقصود القرآن وغاية مطلوبه ، ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ((وَالْمَطْلُوبُ مِنْ الْقُرْآنِ هُوَ فَهْمُ مَعَانِيهِ وَالْعَمَلُ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ هِمَّةَ حَافِظِهِ لَمْ
يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ))(2).
اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا ، وعلِّمْنا منه ما جهلنا وانفعنا بما علَّمْتنا ، وارزقنا حسن تلاوته وتدبره ووفقنا للعمل به واتباع أمره واجتناب نهيه ، وارفع به درجاتنا يوم العرض عليك ، وأعذنا اللهم من الغفلة والإعراض عنه.

------------
(1) مفتاح دار السعادة (1/187).
(2) مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/262).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 181.28 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 175.25 كيلو بايت... تم توفير 6.03 كيلو بايت...بمعدل (3.32%)]