الصداقة: سلام أرواح - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله: الفوضى فساد عظيم يجـب على المـــــرء أن يتحاشاه ما استطا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          السعادة في السّنّة النّبويّة - السعادة الحقيقية المستمرة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          اضبط البوصلة! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          نماذج رائعة من حياة الصحابة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          الهيمنة الغربية.. المؤشرات القوية على الانهيار! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          الجهود القائمة والمقترحة لخدمة العربية ونشرها (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          دلالة العام من حيث القطعية والظنية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          6 حيل بسيطة ومبتكرة تساعدك فى تجميل منزلك من الداخل بدون تكاليف (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          إدارة الصف المدرسي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          فنيات الاختبارات (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى الشعر والخواطر > من بوح قلمي

من بوح قلمي ملتقى يختص بهمسات الاعضاء ليبوحوا عن ابداعاتهم وخواطرهم الشعرية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 26-07-2021, 03:31 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,348
الدولة : Egypt
افتراضي الصداقة: سلام أرواح

الصداقة: سلام أرواح
د. مطيع عبدالسلام عز الدين السروري




الكلمات التالية هي خلجات نفسٍ أبثُّها لأبناء جيلي وللأجيال القادمة، ممَّن يمر عليها أو تمر عليه مع الزَّمن، فكم استفدت ممَّن حولي وممَّن قبلي! وما أزال أستفيد ولله الحمد؛ ولذلك آمل أن تجد محاولتي التالية - في التعبير عن الصَّداقة - صداها عند القارئ الكريم، سأبثُّ هنا خواطر النَّفس عن الصَّداقة التي ذقتُ معناها شخصيًّا، وليس تلك التي عادة ما تُحكى للنَّاس من منطلق معرفي أو فكري مَحض، وأختمها بقصَّة شخصية.

الصَّداقة صِدقٌ؛ صدق مَشاعر، صدق أحاسيس، صِدق كلام، صِدق استماع، صِدقُ تفاعل، بداية الصَّداقة إعجاب لتوافُقٍ من نوعٍ ما؛ عاطفي، نفسي، فكري، عقلي، ثمَّ تليها خطوات تتقارب متدرجة، وعند التقارب أكثر فأكثر تبدأ اللَّحظات الفارقة، تبدأ لحظات مكاشفة في لحظات هدوء، صفاء، اطمئنان، ثِقة، صِدق، يمكن القول أيضًا: إنَّها تأتي في لحظات ليس للزَّمن عليها من سبيل، وهنا يمكن فقط تسميتها بلحظة "سلام الأرواح"، وقَلَّما تتيسَّر هذه اللحظات في الزمان والمكان المناسبين في غمرة ضجيج الحياة ومشاغلها، هنا.. وهنا فقط، في زمن اللازمن، تُولد الصَّداقة، لتحتاج بعد ذلك لرِعاية وتعهُّد؛ كي تنمو وتكتمل مع مرور الزَّمن وتقلباتِ الأيام، بكلمات مقتضبة - ولكن مركَّزة - يتمُّ تمتين عُرى المودَّة، وتوثيق أواصِر الحب لله وفي الله، بلا رتوش ولا كذِب ولا زيف، وكِلا الصَّديقين يعرفان هذا بلا حاجة لدليل؛ فالقلوب هنا هي الدليل، نعم، القلوب هنا هي الدليل.

الصَّداقة - كما أراها - مشتقَّة من الصِّدق؛ صِدق الشعور، صِدق المحبَّة لله وفي الله، بلا مصلحة آنية أو دائمة، وإن كانت المنافع الضروريَّة جزءًا منها ومن الحياة بشكل عام، الصَّداقة توءم روحي بأجساد منفصلة، توءم جسدين جسدين في كلِّ مرة، وليس أكثر إلَّا فيما ندر، والله أعلم.

الصَّداقة - كما هو ملاحظ بأثر رجعي - لا تستحدث كما نرغب؛ بمعنى أنَّها لا تأتي حين نرغَب في استِحداثها بإرادتنا وفي الوقت الذي نريد؛ لأنها بطبيعتها تَنمو ببطءٍ عندما تُسقى بالصَّبر والمكاشَفة، ولا بدَّ لها أيضًا من فترة زمنيَّة فيها مَدٌّ وجزر، وطبعًا تقدير تلك الفترة الزمنية صعب جدًّا؛ إذ هي نسبيَّة عمومًا، بعبارة أخرى: الصَّداقة تستوي فقط على نارٍ هادئة جدًّا حتى تُؤتي أُكُلَها.

قد يرغب الواحد منَّا في صداقة شخصٍ ما، ولكنْ هناك أمور تُعَسِّرُ من ميلاد الصَّداقة، إلا أنَّها بلا شك لا يمكنها أن تَمنع "سلام الأرواح".

من تلك الأمور المعسِّرة:
بيئات التنشئة المختلفة، والحالات الماديَّة المتباينة، وفارق المستوى التعليمي، وربَّما أيضًا فارق السن، لكن قد تولَد الصَّداقة رغمًا عن كلِّ تلك المتغيرات المُعيقة؛ لأنَّ الأرواح تتعالى عن كلِّ تلك الأمور الماديَّة؛ فعندما يبحث الإنسان عن الجميل فيمَن يُكِنُّ له الود والحب، يجِده، وبمجرَّد ملامسته تَشتعل جذوة الاحترام عند الطَّرفين، ومع الوقت تفوح رائحةُ الصِّدق، وتستنشقها الأرواحُ لتسمو بها ومعها.

يُعْرَفُ الصِّدق في بساطة التعامل، وعفويَّة السلوك، وباليسر وعدم التكلُّف يمكن معرفة إمكانيَّة الصَّداقة مع الوقت، بهذه الميزات يمكن التغلُّب على المعيقات؛ فالصَّداقة تحتاج لماء الصَّبر لتنشأ وتَنمو.

قد تتولَّد صداقة بيننا وبين الأشياء الجامدة؛ مثل الكتاب، الحاسوب، الأرض، البيت، الشجر... إلخ، إنَّها تعطينا ما نرغب فيه من مشاعر وأمل وطمأنينة وثِقة، ونحن - حتى بدون إدراك مباشر أو شعور - نعطيها عنايةً واهتمامًا، هذه الصَّداقة وإن كانت تبدو غير صداقة البشر من حيث عدم تشابه الطَّرفين جسديًّا، إلَّا أنَّها مشابهة للصداقة بين البشر من حيث الاهتمام المتبادل، ولولا الاهتِمام المتبادل لما وُلدَت الصَّداقة أو نمَت وترعرعَت.

قد يتذكَّر الإنسان لحظات صداقة قديمة؛ مدرسية، أو جامعية، أو عمليَّة، أو حتى من أيام الطفولة، يَنشد فيها تجدُّد الودِّ والصفاء الذي كان، وقد يجده كما كان، وقد لا يجده، وقد يحتاج الأمر للقاءٍ مباشر، وقد لا يحتاج، حتى اللقاء المباشر لو حصل قد يؤتي أكُلَه؛ فتجد دوامًا لنقاء القلوب وصدق المشاعر رغم تقلبات الزمن، وقد لا يؤتي أكلَه؛ لأنَّ لحظات الصفاء ربما تكون قد تبدَّدَت وذهبَت لحال سبيلها؛ لعدم توفُّر الأرضيَّة المناسبة لها في القلوب.

الصداقة لا تعني تملُّكَ الآخر، ولا إزالة الاختِلاف؛ بل هي الاختلاف المتناغم، الصَّداقة تترك فسحةً ومساحة للأنا تتحرَّك فيها بعيدًا عن الآخر، لا تعني التوحُّد بأي حال، ولكنها مساحة كافية للتحرُّك على كل حال.

الصداقة تعني التخلِّي عن الأَثَرَة، وتبنِّي الإيثار كأسلوب حياة، الصَّداقة تعني العطاءَ بلا مقابل من الطَّرفين، وتعني مع ذلك الامتِنان وليس المنَّ، الصَّداقة كنز؛ فمَن وجده، فقد وجَد وجهًا من أوجه السعادة.

لم أكن أؤمن بالصَّداقة حتى عشتُها يومًا، ولذلك قصة أختم بها هنا، (وبسبب هذه الصَّداقة المؤسِّسَة أنعَم بصداقاتي اللاحقة!).

لم يكن في قاموسي الشخصي معنى "الصَّداقة"، لم تكن تلك الكلمة تعني لي شيئًا كثيرًا، أو لِنقلْ: لم تكن تعني لي شيئًا على الإطلاق، لم يكن لوالدي - حفظه الله ورعاه - صديق، كان هناك أناسٌ كثيرون، ولكن لم يكونوا أصدقاء له؛ بل كانوا بالقرب منه بحكم العمل فقط، حدثَت له مشكلة ذات يوم، وتخلَّى عنه كلُّ مَن كان يبدو صديقًا له، إلَّا أحدهم ولا أظنه كان مقرَّبًا منه؛ ذلك كله يفسِّر السبب الذي جعل "الصداقةَ" لا تعني لي شيئًا حتى حينه.

أحد زملاء الدِّراسة جعلني أشعر لأول مرَّة في حياتي بمعنى "الصَّداقة"، لم تكن صحبته لي بدافع المال أو أي شيء من هذا القَبيل، كلا، فلم أكن أصلًا أملك مالًا يغري أحدًا أو يدفع أحدًا لمصادقتي؛ بل كانت صَداقة بدافع التوافق الفِكري ربَّما، وكنَّا أيضًا في مرحلة عمريَّة ناضجة بما فيه الكفاية لنتذوَّق المعاني الرَّاقية ونستشعرها ونعيشها.

كنا زميلين في بداية مرحلة الدِّراسة الجامعية الأولى، لم أكن حينها أؤمن بشيء اسمه صداقة، صحيح كانت المفردة موجودةً في قاموسي اللغوي، إلَّا أنَّها لم تكن تعني لي شيئًا سوى كونها مفردة لغويَّة، كنَّا طرفي نقيض في عدَّة أمور، كان مندفِعًا في سعيه وراء صَداقتي، وكنت موصِدًا الباب تمامًا في هذا الموضوع لأسباب عفوية؛ أسريَّة وعائلية، كانت أموره الماديَّة متيسرة نوعًا ما، وكنتُ على العكس من ذلك، كان كريمًا ابن كريم؛ أخلاقًا ومالًا، وكنتُ لا أعرف للكرم طريقًا غير الأخلاق، أو كنتُ أظن نفسي كذلك، كان منفتحًا واجتماعيًّا، وكنتُ كتومًا ومنطويًا نوعًا ما، كان له صديق - زميل لنا - يعتبر الصَّداقة تملُّكًا، وكان يَغار من مشينا معًا في الكلية، كان زميلي حينها يقارِن بيني وبين صديقه، أو هكذا كانت التسمية بينهم، مع الوقت رأى الفارقَ بيني وبين صديقه، فتضاءلَت صداقتهما وبدأَت علاقتنا تنمو، كان لا يجد مبرِّرًا واحدًا لرفضي المشي معه في طريق العودة من الكلِّية بالباص، صارحني أنَّ هناك باصًا جماعيًّا يتم تقاسم أجرته، فكنتُ أقول له: إني أفضِّل المشيَ على ركوب الباص، كانت المسافة بين البيت والكلية بعيدة نوعًا ما، ربما ثلاثة كيلو مترات أو أكثر قليلًا، وعندما رأى إصراري على المشي وعدم ركوب الباص قرَّر المشيَ معي في كثيرٍ من الأيام، رآني بعد ذلك مصِرًّا على عدَم فتح باب الصَّداقة له، فطلب أن نتحدَّث، لم تكن رغبتي في الانطواء عن سَبْق إصرار؛ بل هي طبيعة تربَّيتُ عليها، وتشرَّبتُها من رؤيتي لمحيطي الأسري والعائلي، دون وعيٍ منِّي، قبلتُ طلبه للمصارحة والمكاشَفة، جلسنا في أحد المتنزهات في مكانٍ هادئ تحفُّ به الأشجار والحشائش الخضراء، صارَحَني متسائلًا بعد مجاملة لطيفة: "لماذا ترفض صداقتَنا؟"، "لِمَ لا نكون أصدقاء؟"، "ما المانع؟!"، "تأتي إليَّ، وآتي إليك في البيت!"، "نذاكِر معًا"، و...، و...، ... إلخ، أجبتُه ببساطة - بعد مجاملةٍ منِّي أيضًا، وكنتُ فيها صادقًا -: إنِّي بطبيعتي أفضِّل أن تأتي صداقتنا وحدها، دون جهدٍ مقصود منَّا، قلتُ له: "دعنا هكذا؛ أصدقاء أو زملاء، ومع الأيام إن كانت صداقتنا حقيقيَّة فسوف نكون أصدقاء، حتى بدون أن نَشعر"، لا أدري كيف قلتُ له ذلك، وأنا حتى لا أعي معنى الصَّداقة حينها، ولكن ذلك ما حدَث، اقتَنَع، أو تظاهر بأنَّه مقتنع، المهم مرَّت الأيام، وعلاقتنا تتوطَّد أكثر فأكثر، في الكلية فقط، وليس خارجها، صِلَته بصديقه الأول تضاءلَت حتى عادت إلى مستوى الزَّمالة فقط، وزمالتنا نمَت حتى صارَت صداقةً مع الأيام.

على مستوى التحصيل العِلمي كنَّا متنافسَين، وعندما كنتُ أجده في نِقاشٍ أو في حلقة علمية مع بعض الزملاء - وهو رأس الحربة فيها - ينهي النِّقاش ويقول: "لا يُفتى ومالِكٌ في المدينة"، في البداية كانت حلقات النِّقاش تَنتهي لمجرَّد وصولي، بعدها كنتُ أسارِع بالمغادرة، حتى يستمر نقاشُهم ومذاكرتهم، كنَّا دائمًا أمام الزملاء في الكلية في حالة عدم توافق علمي، لا أتَّفِق معه ولا يتَّفق معي، حتى عندما كنَّا نذهب للأساتذة في القِسم، ليفصلوا بيننا فيما اختلفنا فيه، كنَّا لا نسلم لبعضنا بعضًا في النِّقاش؛ مثلًا عندما يفصل الدكتور لصالحه، لا أسلِّم له، وأقول له بعد خروجنا: لتذهب أنت والدكتور إلى الجحيم! أو بهذا المعنى، ويقول لي نفسَ الشيء عندما يكون الفصل لصالحي، كان الزملاء يَعجبون من تصرُّفاتنا، عندما نكون وحدنا كنَّا منسجمين جدًّا بعضنا مع بعض، كلانا كان يَحترم الآخَر، وننسى الأمورَ العلمية؛ لنتكلَّم في أشياء أخرى ذات اهتمام مشترك.

بدأَت علاقتنا تقوى رويدًا رويدًا، لا أضغط عليه ولا يضغط عليَّ في شيء، نتكلَّم مع كل الزملاء، وكل واحد منَّا له علاقاته مع الآخرين، ولنا علاقتنا بعضنا مع بعض، لم نصرَّ على أن نكون مع بعضنا البعض في كلِّ مكان، ولكن كان هناك تفاهم غير متَّفَق عليه؛ بأن نكون مع بعضنا البعض عندما نحِسُّ أو نرغب في ذلك، لدرجة أنَّه في كثير من الأحيان كنا نَلتقي في منتصف الطَّريق بين بيتي وبيته من غير ميعادٍ، وكلٌّ منَّا ذاهب لزيارة الآخر، كان ذلك يدهِشُنا ويوطد صداقتنا أكثر فأكثر.

كنتُ متقدِّمًا عليه في المجموع التراكمي في السنتين الأوليين للدِّراسة، ولكنَّه اجتهد أكثر، فقطع الفارقَ بيني وبينه بصورةٍ سريعة جدًّا في السنتين الأخيرتين، كان ذكيًّا، مجتهدًا، نشيطًا، كنا نتنافس بدون أي مَشاعر حسَد بيننا، كلُّ واحد منَّا يتمنَّى التوفيق للآخر، في آخِر فصل دراسي في الكلية، كنَّا نعلم أننا نتنافس على الترتيب الثالث؛ لأنَّ الترتيب الأول والثاني كانا محسومين بفارق الدرجات التراكمية لغيرنا، ولا يستطيع أيٌّ منَّا أن يصِل لمستوى درجاتهما التي كانا قد حصلا عليها، ولا أحد من الزملاء يعرف ذلك، قال لي ذات يوم: أعرِف أنَّك لن تسلِّم لي، وأنا لن أسلِّم لك، ولكن نتعاهد ألَّا يؤثِّر ذلك على صداقتنا، أقسمتُ له أنِّي لن أغضب أو أحزن، بل بالعكس، سوف أفرَح له لو كان الترتيب الثالث من نصيبه، قال لي: وأنا كذلك، وعلى ذلك اتفقنا.

في أيام الامتحانات كان يعلِن حالةَ طوارئ في بيته، فلا يرد على هاتف، ولا يزور أحدًا، ولا يستقبل أحدًا، كانت له غرفة في أعلى منزله، يَعتكف فيها حتى تَنتهي الامتحانات، كان يحذِّر أباه - حفِظه الله ورعاه - أن يقول لزملائه الذين يريدون زيارته أيام الامتحانات: إنَّه موجود، وكان يشدِّد عليه: حتى فلان، إذا جاء قل له: إنَّني غير موجود؛ (ويقصدني أنا طبعًا)، وأبوه الذي كان لديه ورشة أمام بيته، يعرف مدى صداقتنا؛ ففي أيام الامتحانات ولعدَّة مرَّات كنتُ أمرُّ عليه، وأقول له: أين فلان؟ فيردُّ عليَّ بلا تردُّد: في غرفته، أعلى البيت، تفضَّل، ثم يُخْلِي الطَّريقَ لأصعد، فأصعد وعندما يراني صديقي يَستغرب ويقول لي مازحًا: لا أدري كيف أصنع مع أبي! إنَّه مخدوع بك! لا يفتح لأحد البابَ إلَّا لك، فنضحك ونتكلَّم قليلًا، ثمَّ أغادره.

انتهَت أيام الكلية سريعًا، وظهرَت النتائج، وصديقي العزيز يحرِز المرتبةَ الثالثة، لأكون أنا في المرتبة الرَّابعة بفارق (0.06%) بيني وبينه، على مستوى الدُّفعة المكونة من حوالي مائة طالب وطالبة، ويعلم الله أنِّي كنتُ سعيدًا بتلك النتيجة بيننا؛ لأنَّها لم تشكِّل فارقًا كبيرًا بالنسبة لي، ولأنَّه لم يكن بيننا إلَّا الحب في الله ولله.

قضينا أيامَ الإجازة الصيفيَّة مع بعضنا البعض، أو بالأصح الفترة الانتقالية بين الدِّراسة الجامعية والعمل، بهموم وآمال ما بعد الدِّراسة، قرَّرنا أن نأخذ دورةَ لغة فرنسية، وكان لنا ذلك، وفي أثناء الدَّورة أعطاني زميلٌ لنا منهج الفرنسية، فاحتفظتُ به لنفسي، لم أكن قاصدًا حينها ألَّا أُعطي صديقي نسخةً منه، ولكن صديقي علِم من زميلنا أنَّه أعطاني نسخةً من المنهج، فأخذ نسخةً منه واعتبر احتفاظي بالكتاب وعدم إعطائي نسخةً له أنانيةً، وكان يحق له فعلًا أن يعتبرها أنانية؛ لأنني فعلًا لم أفكِّر في إعطائه نسخةً من الكتاب، كان يُلمِّحُ لي ولكنِّي لم أتنبه للأمر، ولم أعطِ الأمرَ ما يستحقه من الانتباه، فصارَحَني، وهنا فقط أدركتُ حجمَ الخطأ، وكان درسًا آخر مصاحبًا لدرس الصَّداقة، كان درسًا مكملًا لمعنى الصَّداقة، لم أنسَ هذه الأمور؛ لأنَّها علَّمَتني ما لم أكن لأتعلَّمه بغير ذلك، نسينا الأمر، ولكنِّي لم أنسَ آثاره التعليميَّة، ومن بعدها لم أفكِّر أبدًا في الاحتِفاظ لنفسي بشيء فيه فائدة لغيري، لا مع صَديق ولا مع غيره، ولله الحمد.

كان كريمًا معي دائمًا، كعادته وطبيعته؛ لأنَّ الكريم كريم دائمًا، وأثناء دورة اللغة الفرنسيَّة وجَد فرصةً كمحاضِر، وأصَرَّ على مَن عرض عليه ذلك أن أكون ضمن فريق العمل، بدون علمي بالأمر، وكان لي ذلك، قضينا في العمل سنةً كاملة، لها قصَّتها الخاصَّة، بما فيها من معاناة وتحقيق آمال، ثمَّ عرض عليَّ منحة للدراسة في الخارج، وكان يصرُّ ويلحُّ عليَّ أن أقدم فيها، ولكنِّي لم أكن أؤمن بمصداقيَّة القائمين على إعلانات تلك المنَحِ، ولكن شاء الله أن يكون لذلك الإعلان قصَّةً مختلفة عمَّا كان يدور في ذهني حينها، ووُفِّق صديقي فيها، وعندها وبقدر فرحتي وسعادتي لحصوله على المنحة كانت تَعاستي بأنِّي سأكون وحيدًا بعد تلك السنوات من الصُّحبة والصَّداقة، فقرَّرتُ بعدها أن أترك المدينةَ إلى مدينةٍ أخرى، وكان لذلك ثمنٌ باهظ، ولكن كان لا بد ممَّا ليس منه بد.

صديقي العزيز والكريم، لم ولن أنسى كرمَك معي؛ كرمك بتعليمي معنى الصَّداقة، كرمك بتصحيح المسار لأعِيَ معنى الصَّداقة بلا شوائب، كرمك المادِّي معي في أوقات الحاجة، لم أستطِع حتى اللَّحظة ردَّ ولو بعض كرَمك، ولكن عزائي أنِّي أدعو لك دائمًا بأن يوفِّقَك الله ويسهِّل طريقك أينما كنتَ، إنَّ الله على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.

ملاحظة أخيرة: لقد كوَّنتُ بعد ذلك علاقات كثيرة؛ منها ما هو في العالَم الحقيقي ومنها ما هو في العالم الافتراضي، ولكن قليلًا جدًّا - لا يتعدَّى أصابع اليد الواحدة - يمكن إطلاق مسمَّى "الصداقة" عليه، بمعنى الصداقة الحق، ومع ذلك فذلك القليل يَكفي وزيادة، هذا القليل عالَمٌ واسِع رحب، أسأل اللهَ أن يديمَه علينا في الدنيا والآخرة، بإذنه تعالى.

على أيَّة حال، بعد إدراكي معنى الصداقة، أصبحتُ استشعِر معناها أينما صادفَتني، أو حتى صادفني بعض نَسِيمِها الرَّائع، وأحتفظ بتلك المشاعر ولا أقطعها، فيمكنها أن تنموَ مع الأيام لتصِل إلى صداقة حقَّة، الصداقة قد تأتي عن طريق كلمة رائعة، هديَّةٍ معبِّرة، سؤال في وقت لا يستشعره إلَّا الصادقون، تقديم يدِ العون بلا مقابل من أيِّ نوع، احتِضان في وقت شدَّة، وأمثالها.


إلى أصدقائي، وما أقلهم عددًا! وما أكثرهم بما يفيضون به علينا من كرَم مشاعر وصِدق معاملة: أسأل اللهَ أن يديم علينا وعليكم نِعَمه في الدنيا وفي الآخرة، بإذنه تعالى، آمين.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 94.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 92.31 كيلو بايت... تم توفير 1.88 كيلو بايت...بمعدل (1.99%)]