كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله - الصفحة 5 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         متجر الأصلي (اخر مشاركة : Najlaaa - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          تحذير خطير : اياكم وتمرينات الطاقة (الجزء السابع) (اخر مشاركة : abdelmalik - عددالردود : 865 - عددالزوار : 172125 )           »          "فقه السنة" محقق للشيخ الألباني وغيره ....للقراءة ---------متجدد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 133 - عددالزوار : 12218 )           »          علاج ادمان ليريكا (اخر مشاركة : منة حسام - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          عملية الشريان الأورطي (اخر مشاركة : سهام محمد 95 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          تأملات في حجة الوداع (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          دلالات الميراث والتوريث في القرآن (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          باختصار - متى يدرك الأبناء حقيقة مشاعر الآباء؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          عاقبة حب العلو (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          Lower of market, 186 m² fully-finished apartment in Al Alamein City (اخر مشاركة : fareda sleem - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #41  
قديم 10-06-2021, 08:55 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,339
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم


ما يؤخذ من سورة الفاتحة من فوائد وأحكام (2)





18 - إثبات يوم القيامة، والردُّ على من أنكَرَ البعث والمعاد الجسمانيَّ، والتأكيد على أنه محقَّق الوقوع؛ ولهذا جعله عز وجل كالموجود القائم في الحال، فقال: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [الفاتحة: 4]، وخصَّه بالذكر مع أنه تعالى مالك الدنيا والآخرة معًا؛ لانقطاع أملاك الخلائق كلِّها في ذلك اليوم، ولِعِظَمِ ذلك اليوم، كما قال تعالى: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ï´¾ [البروج: 2].

19 - يؤخذ من قوله تعالى: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ الدلالةُ على أن المُلك الحقيقيَّ لله جل وعلا يظهر في ذلك اليوم؛ إذ تنقطع جميع الأملاك سوى ملكه جل وعلا، وأن كل ملك دون ذلك الملك فهو حقير زائل، وأن الدنيا بما فيها من أملاك لا تساوي شيئًا بالنسبة للآخرة، وأنها بما فيها من أيام لا تُعَدُّ شيئًا بالنسبة ليوم الدين يوم القيامة، كما قال تعالى: ï´؟ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ï´¾ [الفرقان: 26]، وقال تعالى: ï´؟ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ï´¾ [غافر: 16]، وقال تعالى: ï´؟ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ï´¾ [النبأ: 39].

20 - إثبات محاسبة الله للعباد ومجازاته لهم على أعمالهم بالعدل؛ لقوله تعالى: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾، والدين معناه الجزاء بالعدل؛ أي: كما تدين تدان، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرٌّ، كما قال تعالى: ï´؟ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ï´¾ [الزلزلة: 7، 8].

21 - إثبات كتابة الأعمال وتدوينها وإحصائها؛ لأن المجازاة عليها تقتضي ذلك؛ إذ كيف يُدانُ عليها ويُجازى إلا بعد إحصائها، كما قال تعالى: ï´؟ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ï´¾ [ق: 18]، وقال تعالى: ï´؟ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ï´¾ [الانفطار: 9 - 12].

22 - الحثُّ على الاستعداد ليوم الدِّين بالإيمان والعمل الصالح، والتحذير من الكفر والمعاصي.

23 - في تقديم قوله تعالى: ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ على قوله: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ إشارةٌ إلى أن رحمته تعالى سبقَتْ غضَبَه، كما جاء في الحديث: ((إن رحمتي سبقت غضبي))[1] ، يؤيِّد ذلك تكرار ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ في البسملة والفاتحة. وهذا مما يبعث في قلب المؤمن الطُّمأنينةَ، فيلهج بالحمد والثناء لربِّه الرحمن الرحيم.

وعلى هذا؛ فينبغي للعلماء وطلبة العلم والدعاة إلى الله أن يقدِّموا للناس الترغيب برحمة الله والتبشيرَ بها قبل الترهيب من عقوبته، بل ينبغي أن يعطى الكلام عن رحمة الله عنايةً أكثر؛ لأن رحمته تعالى سبقت غضبه، لكن لا يُنسى الترهيب من عقوبته، ولكل مقامٍ مقال.

24 - الجمع بين الترغيب والترهيب؛ يؤخذ ذلك من قوله تعالى: ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، فهذا ترغيب، ثم قال تعالى: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾، وهذا ترهيب، كما قال تعالى: ï´؟ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ï´¾ [الحجر: 49، 50]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ï´¾ [الأعراف: 167]، وقال تعالى: ï´؟ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ï´¾ [غافر: 3].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو يعلم المؤمنُ ما عند الله من العقوبة، ما طَمِعَ بجنَّتِه أحدٌ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قَنَطَ من جنَّتِه أحدٌ))[2].

والغرض من الترغيب والترهيب في القرآن والسُّنة أن يَسيرَ المسلم إلى ربِّه بين الرغبة والرهبة، وبين الخوف والرجاء، فلا يُغلِّب جانبَ أحدهما على الآخَر فيَهلِك، فيكون الخوف والرجاء له كجناحَي الطائر، وإنْ غلَّب الخوف في حال الصحة، أو عند مقارفة المعصية، فحسَنٌ، وكذا إنْ غلَّب جانب الرجاء في حال المرض، وعند فعل الطاعة، فهذا حسن أيضًا.

25 - في قوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ ï´¾ ردٌّ على الملاحدة والدهرية المنكرين لوجود الله؛ لأن هذا خطاب لموجود، بل لموجود حاضر[3] بعلمه وإحاطته مع كل المخلوقات، كما قال تعالى: ï´؟ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ï´¾ [المجادلة: 7]، وهو مع عباده المتقين بعونه ونصره وتأييده، كما قال تعالى: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ï´¾ [النحل: 128].

26 - في قوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ [الفاتحة: 5] بعد الآيات قبله: انتقالٌ من الغَيبة إلى الخِطاب؛ لأجل تنبيه القارئ والمستمع، وهذا يدل على أنه يحسُنُ الانتقال في الكلام أحيانًا والالتفات فيه؛ لأجل تنبيه القارئ والمستمع، كما أنه أبعَثُ على النشاط، وأدعى للإصغاء.

27 - دل قوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ [الفاتحة: 5] على إثبات نوع من أنواع العبودية، وهي العبودية الخاصة، وهي عبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر[4]، كما قال تعالى: ï´؟ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ï´¾ [الزخرف: 68، 69]، وقال تعالى: ï´؟ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ï´¾ [الزمر: 17، 18]، وقال تعالى: ï´؟ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ï´¾ [الفرقان: 63]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ï´¾ [الحجر: 42]، وقال تعالى عن إبليس: ï´؟ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ï´¾ [الحجر: 39، 40].

فهؤلاء أهل طاعته تعالى وولايته، وهم عبيد إلهيَّتِه، الذين خضعوا له وذَلُّوا طوعًا واختيارًا لأمره ونهيه، ولا يجيء في القرآن إضافةُ العباد إليه تعالى مطلقًا إلا لهؤلاء.

وهم ومن عداهم من الخلق يجتمعون في العبودية العامة: عبودية الربوبية: الخلق والمُلك والتدبير والقهر والخضوع له قهرًا ورغمًا، فهذه تشمل المؤمن والكافر؛ قال تعالى: ï´؟ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ï´¾ [مريم: 93]، وقال تعالى: ï´؟ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ï´¾ [الفرقان: 17]، فسمَّاهم عباده مع ضلالهم تسميةً مقيَّدة بالإشارة.

وقال تعالى: ï´؟ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ï´¾ [الزمر: 46]، وقال تعالى: ï´؟ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ï´¾ [غافر: 31]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ï´¾ [غافر: 48].

وقد ذكر ابن القيم[5] مراتب ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ علمًا وعملًا، فقال: "فأما مراتبها العلمية فمرتبتان:
إحداهما: العلم بالله. والثانية: العلم بدِينه.

فأما العلم به سبحانه، فخمس مراتب: العلم بذاته، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتنزيهه عما لا يليق به.

والعلم بدينه مرتبتان: إحداهما: دينه الأمريُّ الشرعي، وهو الصراط المستقيم الموصِّل إليه. والثانية: دينه الجزائيُّ، المتضمِّن ثوابه وعقابه. وقد دخل في هذا العِلمُ بملائكته وكتبه ورسله.

وأما مراتبها العملية، فمرتبتان: مرتبة لأصحاب اليمين، ومرتبة للسابقين المقرَّبين.

فأما مرتبة أصحاب اليمين، فأداء الواجبات، وترك المحرَّمات، مع ارتكاب المباحات وبعض المكروهات، وترك بعض المستحبات.

وأما مرتبة المقرَّبين: فالقيام بالواجبات والمندوبات، وترك المحرَّمات والمكروهات، زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم، متورِّعين عما يخافون ضرره، وخاصَّتُهم قد انقلبت المباحات في حقِّهم طاعاتٍ وقُرُبات بالنيَّة، فليس في حقِّهم مباحٌ مساوي الطرفين، بل كل أعمالهم راجحة، ومَن دونهم يترك المباحات مشتغلًا عنها بالعبادات، وهؤلاء يأتونها طاعات وقربات، ولأهل هاتين المرتبتين درجاتٌ لا يحصيها إلا الله".

كما ذكر ابن القيم[6] أن لأهل مقام ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ - وهم أهل هذه العبودية الخاصة - في أفضل العبادة وأنفعها طرقًا أربعة، فهم في ذلك أربعة أصناف: صنف عندهم أنفع العبادات وأفضلها أعظمُها مشقةً على النفوس، قالوا: والأجر على قدر المشقة.

والصنف الثاني قالوا: أفضل العبادات التجرُّدُ والزهد في الدنيا، وعدم الاكتراث بكل ما هو منها.

والصنف الثالث: رأَوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما فيه نفعٌ متعدٍّ؛ كخدمة الفقراء، والاشتغال بمصالح الناس.

والصنف الرابع: قالوا: أفضل العبادة العملُ على مرضاة الربِّ في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإنْ آلَ إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام الصلاة الفرض كما في حالة الأمن، والأفضل في وقت حضور الضيف القيامُ بحقِّه والاشتغال به عن الورد المستحب، والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الاجتهادُ في التضرع والدعاء والذِّكر دون الصوم المُضعِف عن ذلك.

ثم ذكر رحمه الله[7] اختلاف الناس في حكمة العبادة وفائدتها، وأنهم في ذلك أربعة أصناف أيضًا: الصنف الأول: نفاة الحِكَم والتعليل، الذين يرُدُّون الأمر إلى محض المشيئة وصرف الإرادة.

والصنف الثاني: القدَريَّةُ النُّفاة، الذين يُثبِتون نوعًا من الحكمة والتعليل، لكنه لا يقوم بالربِّ ولا يرجع إليه، بل يرجع إلى مجرد مصلحة المخلوق ومنفعته، فعندهم أن العبادات شُرِعت أثمانًا لما يناله العبدُ من الثواب العظيم كأجرة الأجير.

والصنف الثالث: زعموا أن حكمة العبادة ومصلحتها رياضةُ النفوس؛ كبعض الصوفية والفلاسفة.

والصنف الرابع: الطائفة الإبراهيمية المحمدية، العارفون بالله وحكمته في أمره وشرعه وخلقه، وأهل البصائر في عبادته ومراده بها.

28 - وجوب إخلاص العبادة لله تعالى بجميع أنواعها اعتقادًا وقولًا وعملًا، والبراءة من الشرك ووسائله، ومن الحول والقوة؛ لقوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ [الفاتحة: 5]، ففي تقديم المفعول في الموضعين وفي تكراره، مع ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾: ما يؤكد تخصيصه جل وعلا بالعبادة والاستعانة، والدعوة إلى عبادة الله وتخصيصه بجميع أنواع العبادة من الاستعانة وغيرها، وهي أساس دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم:
قال نوح عليه السلام: ï´؟ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ï´¾ [الأعراف: 59، المؤمنون: 23]. وكذلك قال هود[8] وصالح[9] وشعيب[10] وإبراهيم[11] عليهم السلام.

وقال تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ï´¾ [النحل: 36]، وقال تعالى: ï´؟ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ï´¾ [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ï´¾ [المؤمنون: 51، 52].

وقد قرن الله بين ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ وï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾؛ لأن في قوله: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ تحقيقَ الألوهية وإبطالًا للشرك فيها، وفي قوله: ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ تحقيق الربوبية، وإبطالًا للشرك فيها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية[12]: "وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاءٌ، وإذا كان الله قد فرض علينا أن نُناجيَه، وندعوَه بهاتين الكلمتين في كل صلاة، فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن نستعينه؛ إذ إيجاب القول الذي هو إقرار واعتراف ودعاء وسؤال هو إيجاب لمعناه..".

ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية[13] أن الإنسان بين هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي القسمة: إما أن يأتي بهما جميعًا، وإما أن يأتي بالعبادة فقط، وإما أن يأتي بالاستعانة فقط، وإما أن يتركهما جميعًا.

29 - دلَّ قوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ على أن العبد لا ينفكُّ عن العبودية حتى الموت، كما قال تعالى: ï´؟ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ï´¾ [الحجر: 99]؛ أي حتى يأتيك الموت؛ ولهذا قال الله عن أهل النار أنهم يقولون: ï´؟ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ï´¾ [المدثر: 46، 47]؛ أي الموت، وهذا بإجماع المفسِّرين المعتبرين.

وفي الحديث الصحيح في قصة موت عثمان بن مظعون رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أما عثمان، فقد جاءه اليقين من ربِّه))[14] ؛ أي: الموت وما فيه.

وفي هذا ردٌّ على الخرافيين من الصوفية الذين يزعمون أن الواحد منهم قد يصل إلى مقام يسقُط عنه التعبُّدُ والتكليف، ويفسِّرون اليقين في قوله تعالى: ï´؟ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ï´¾ [الحجر: 99] بأنه وصول المرء إلى أعلى المقامات، وهو سقوط التكليف، وكونه لا يُسأل عما يفعل.

قال ابن القيم[15]: "فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، بل عليه في البرزخ عبودية أخرى لَمَّا يسأله الملَكانِ: "من كان يعبد؟ وما يقوله في رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ويلتمسان منه الجواب، وعليه عبودية أخرى يوم القيامة يوم يدعو الله الخلق كلَّهم إلى السجود، فيسجد المؤمنون، ويبقى الكفار والمنافقون لا يستطيعون السجود، فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب انقطَعَ التكليف هناك، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحًا مقرونًا بأنفاسهم، لا يجدون له تعبًا ولا نصبًا.

ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقُط عنه فيه التعبُّدُ، فهو زنديق كافر بالله وبرسوله، وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله، والانسلاخ من دينه.

بل وكلما تمكَّن العبد في منازل العبودية، كانت عبوديته أعظم، والواجب عليه منها أكبر، وأكبر من الواجب على من دونه؛ ولهذا كان الواجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم - بل على جميع الرسل - أعظَمَ من الواجب على أممهم، والواجب على أولي العزم أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولي العلم أعظم من الواجب على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبته".

30 - حاجة جميع الخلق إلى عون الله تعالى وإمداده، وافتقار جميع الخلق إليه في جميع أمورهم الدينية والدنيوية؛ لقوله تعالى: ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾، وكما جاء في الدعاء: ((اللهم لا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عين))[16].

فالعبد دائمًا وأبدًا في حاجة إلى عون الله تعالى وإمداده، وكما قيل:
إذا لم يكنْ عونٌ من الله للفتى *** فأولُ ما يَجني عليه اجتهادُهُ

31 - تقديم حقِّه تعالى على حق العبد، وتقديم العام على الخاص، والغاية على الوسيلة، والأهمِّ على المهم؛ لقوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾.

32 - لما كانت عبادة الله تعالى هي أشرف مقام يصل إليه العبد؛ أَتْبَعَ قوله: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ بقوله: ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾؛ لئلا يتعاظَمَ المرء في نفسه ويُداخِله العُجبُ بعبادته، وليعلم أن ما حصل له من التذلُّل لربِّه والخضوع له إنما هو بعون الله وتوفيقه.

33 - دلَّ قوله تعالى: ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ على إثبات القدر، وأن الله فاعلٌ حقيقة، وإبطال قول القدَريَّة الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه؛ فإن استعانتهم به إنما تكون على شيء هو بيده، وتحت قدرته ومشيئته، فلو كان بيدهم الفعلُ فكيف يستعينون على إيجاده بمن ليس ذلك الفعلُ بيده؟[17].
يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #42  
قديم 10-06-2021, 08:56 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,339
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم


ما يؤخذ من سورة الفاتحة من فوائد وأحكام (2)




34 - في نسبة العبادة والاستعانة إلى العباد في قوله: ï´؟ نَعْبُدُ ï´¾ وï´؟ نَسْتَعِينُ ï´¾ دليلٌ على أن ذلك من فعلهم، وأن لهم على ذلك قدرة واختيارًا ومشيئة، وأن العبد حقيقة هو العابد والمستعين، والله هو المعبود والمستعان به، وفي ذلك إبطال لقول الجبريَّة الذين يقولون: إن العبد مجبور على أفعاله[18]؛ قال بعض السلف: من أقَرَّ بـï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ فقد برئ من الجبر والقدر[19].

35 - في تقديم قوله تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ [الفاتحة: 2 - 5]، على قوله: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ [الفاتحة: 6] دلالةٌ على أن من آداب الدعاء والسؤال أن يقدِّم السائل بين يدي سؤاله ما يكون سببًا للإجابة من حمد الله والثناء عليه وتمجيده، وإعلان إخلاص العبادة له، والاستعانة به، والبراءة من الشرك ومن الحول والقوة، ثم يسأل حاجته الدينية أو الدنيوية[20].

ومثل ذلك أن يقدِّم بين يدي سؤاله الاعترافَ بالخطأ والذنب، كما قال الأبوانِ: ï´؟ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ï´¾ [الأعراف: 23]، وقال موسى عليه السلام: ï´؟ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ï´¾ [القصص: 16]، وقال ذو النون عليه السلام: ï´؟ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ï´¾ [الأنبياء: 87].

ومثل ذلك إعلان السائل شدة حاجته، كما قال موسى عليه السلام: ï´؟ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ï´¾ [القصص: 24].

ويتفرع عن هذه الفائدة أنه ينبغي عندما يتقدَّم الإنسان إلى شخص يسأله حاجة مما هو عليه قادر: أن يقدِّم بين يدي سؤاله ما يكون سببًا للإجابة؛ كالثناء عليه، والدعاء له، وذكر السائل شدة حاجته؛ قال الشاعر:
أأذكُرُ حاجتي أم قد كفاني
حياؤك إنَّ شيمتك الحياءُ

إذا أَثنى عليك المرءُ يومًا
كفاهُ مِن تعرُّضِه الثناءُ[21]

قال ابن القيم[22]: "ولما كان سؤال الله الهدايةَ إلى الصراط المستقيم أجَلَّ المطالب، ونيله أشرف المواهب: علَّم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدِّموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذِكْر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: تَوسُّلٌ إليه بأسمائه وصفاته، وتوسُّلٌ إليه بعبوديته.

وهاتان الوسيلتان لا يكاد يُرَدُّ معهما الدعاء، ويؤيِّدُهما الوسيلتان المذكورتان في حديثَيِ الاسم الأعظم...

أحدها: حديث بريدة رضي الله عنه قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يدعو، ويقول: اللهم أسألك بأني أشهد أنك الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فقال: ((والذي نفسي بيده، لقد سأل اللهَ باسمه الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى))[23].

والثاني: حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يدعو: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال: ((لقد سأل الله باسمه الأعظم))[24].

ففي هذين الحديثين توسُّلٌ إلى الله بتوحيده وأسمائه وصفاته.

قال ابن القيم: "وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين، وهما التوسل بالحمد والثناء عليه وتمجيده، والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده، ثم جاء سؤال أهمِّ المطالب، وأنجح الرغائب - وهو الهداية - بعد الوسيلتين، فالداعي به حقيقٌ بالإجابة".

36 - وجوب دعاء الله والتضرع إليه، وسؤاله الهداية، التي هي أجلُّ المطالب؛ لقوله تعالى: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ [الفاتحة: 6]؛ أي: اهدنا إليه وفيه، وذلك بالتوفيق إلى سلوك طريق الإيمان دون سواه، وإلى فعل التفاصيل الدينية بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فالعبد في كل لحظة وعند أي عمل في حاجة أن يوفِّقَه الله ويهديه إلى الصراط المستقيم ويهديه فيه، ولولا هداية الله وعونه وتوفيقه للعبد لانقَطعتْ به الأسباب، وضلَّ عن جادَّةِ الصواب، فحاجة العبد إلى سؤال الله هذه الهدايةَ ضروريةٌ لسعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة أشدَّ من حاجته إلى الرزق والطعام والشراب وغير ذلك[25].

37 - في قوله تعالى: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ ردٌّ على القدَريَّة المجوسية القائلين بأن العبد يخلُقُ فعل نفسه، ولو كان يخلق فعل نفسه، ما كان في حاجة إلى أن يسأله الهداية.

38 - أن الهدى الحقيقي الصحيح هو ما جاء عن الله تعالى؛ لقوله تعالى: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾، فمن التمس الهدى من غير الله، فهو على ضلال؛ كمن يحتكم إلى القوانين الوضعية التي وضَعَها البشر، وصدق الله العظيم: ï´؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ï´¾ [المائدة: 50].

39 - مشروعية دعاء المسلم لإخوانه المسلمين حين يدعو لنفسه؛ يؤخذ هذا من التعبير بضمير الجمع في قوله: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾، وفي هذا، وفي قوله قبله: ï´؟ نَعْبُدُ ï´¾ وï´؟ نَسْتَعِينُ ï´¾ إشارةٌ إلى فضل الجماعة، كما أن في الآيتين بضمير الجمع فيهما تعظيمًا لله تعالى وثناء عليه بسَعةِ مجده، وكثرة عبيده، وكثرة سائليه[26].

40 - ربط الأعمال ونجاحها بأسبابها، وربط الأسباب بمسبباتها؛ يؤخذ هذا من قوله: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾؛ فبهداية الله للعبد وتوفيقه له يسلُك الطريق المستقيم، فيعرف الحق ويعمل به.

41 - أن صراط الله والطريق الموصِّل إليه عدلٌ مستقيم لا اعوجاج فيه، وهو الإيمان بالله تعالى، ومعرفة الحق والعمل به، والعلم النافع والعمل الصالح، وهو المؤدي إلى السعادة في الدنيا والآخرة، بخلاف طرق الباطل، فهي ملتوية معوجَّة، وتؤول بصاحبها إلى الشقاء والهلاك في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ï´؟ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾.

42 - يؤخذ من قوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ [الفاتحة: 5، 6]، بعد قوله في أول السورة: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ [الفاتحة: 2، 3]: أن من كانت هذه صفته، لم يكن أحد أحَقَّ منه بالعبادة والاستعانة وطلب الهداية.

43 - أن الصراط المستقيم الذي يَسأل العبدُ ربَّه الهدايةَ إليه هو صراط الذين أنعم الله عليهم بطاعته تعالى، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فأَنْعِمْ به من طريق، وأَكرِمْ بها من نعمة! قال تعالى في سورة النساء: ï´؟ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ï´¾ [النساء: 69، 70]، وقد أضاف سبحانه وتعالى الصراط إلى الاسم الموصول في قوله: ï´؟ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾ [الفاتحة: 7]؛ ليعُمَّ السؤال الهداية إلى صراط جميع المنعَم عليهم بجميع تفاصيله.

44 - أن الهداية للطريق المستقيم بالإيمان بالله والعمل الصالح هي أعظم نعمة على العبد، ولا تُنال إلا بإنعام الله وتوفيقه للعبد، قال تعالى: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾ [الفاتحة: 6، 7]، وقال تعالى: ï´؟ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ ï´¾ [الحجرات: 17].

فمن وفِّق ورُزق هذه النعمة، وهي نعمة الإيمان بالله، فهو المُوفَّق، وإن فاته ما دونها من النِّعم، ومن حُرِمها ولم يُوفَّق لها، فهذا هو الخاسر المغبون، وإنْ حصل له شيء مما دونها من النِّعم، بل إن التوفيق لهذه النعمة سبب للتوفيق لما دونها من النعم، وإن حرمانها سبب لحرمان ما دونها من النعم.

وهذه هي النعمة المطلقة التي بها سعادة المرء في الدنيا والآخرة، وهي التي خص الله بها أولياءه، أما مطلق النعمة فهو عام لهم ولغيرهم.

قال ابن القيم[27]: "وفي تخصيصه لأهل الصراط المستقيم بالنعمة ما دل على أن النعمة المطلقة هي الموجبة للفلاح الدائم، وأما مطلق النعمة فعلى المؤمن والكافر، فكل الخلق في نعمه، فهذا فصل النزاع في مسألة هل لله على الكافر نعمة أم لا؟ فالنعمة المطلقة لأهل الإيمان، ومطلق النعمة تكون للمؤمن والكافر، كما قال تعالى: ï´؟ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ï´¾ [إبراهيم: 34]، والنعمة من جنس الإحسان، بل هي الإحسان، والرب تعالى إحسانُه على البَرِّ والفاجر، والمؤمن والكافر، وأما الإحسان المطلق فللذين اتقوا والذين هم محسنون".

45 - في قوله تعالى: ï´؟ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾ [الفاتحة: 7] مبنيًا للفاعل الاستعطاف بنسبة النعم إلى الله، والاعتراف بنعمه السابقة على العباد، فكأنه يقول: أسألك يا رب الهداية، يا سابق الإنعام والفضل والإحسان، كما في الدعاء: ((اللهم اهدني فيمن هديتَ))[28].

46 - التنويه بعلو شأن المنعَم عليهم وفضلهم، ورفعة قدرهم، وعلو درجاتهم؛ يؤخذ هذا من قوله تعالى: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾ [الفاتحة: 6، 7].

47 - الترغيب بسلوك الطريق المستقيم ببيان الرفقة فيه وسالكيه، وأَنْعِم بهم من رفقة.

قال ابن القيم[29]: "ولما كان طالب الصراط المستقيم طالبَ أمرٍ أكثرُ الناس ناكبون عنه، مريدًا لسلوكِ طريقٍ مُرافِقُه فيها في غاية القلة والعِزة، والنفوس مجبولة على وحشة التفرد، وعلى الأنس بالرفيق؛ نبَّهَ الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق، وأنهم هم ï´؟ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ï´¾ [النساء: 69]، فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له، وهم الذين أنعم الله عليهم؛ ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشةُ تفرُّدِه عن أهل زمانه وبني جنسه، وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط هم الذين أنعم الله عليهم، فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقلُّون قدْرًا، وإن كانوا الأكثرين عددًا، كما قال بعض السلف: "عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين"، وكلما استوحشت في تفرُّدِك، فانظُرْ إلى الرفيق السابق، واحرص على اللحاق بهم، وغُضَّ الطرْفَ عمن سواهم، فإنهم لن يُغنُوا عنك من الله شيئًا، وإذا صاحوا بك في طريق سيرك فلا تلتفت إليهم؛ فإنك متى التفَتَّ إليهم أخَذوك وعاقوك، وقد ضرَبتُ لذلك مثَلينِ، فليكونا منك على بالٍ:
المثل الأول: رجل خرج من بيته إلى الصلاة، لا يريد غيرها، فعرض له في طريقه شيطان من شياطين الإنس، فألقى عليه كلامًا يؤذيه، فوقف وردَّ عليه، وتَماسَكا، فربما كان شيطان الإنس أقوى منه، فقهره، ومنعه عن الوصول إلى المسجد، حتى فاتته الصلاة، وربما كان الرجل أقوى من شيطان الإنس، ولكن اشتغل بمهاوشته عن الصف الأول، وكمال إدراك الجماعة، فإن التفَتَ إليه أَطْمَعَه في نفسه، وربما فترت عزيمته، فإن كان له معرفة وعلم زاد في السعي والجمز[30]، بقدر التفاته أو أكثر، فإن أعرض عنه، واشتغل بما هو بصدده، وخاف فَوْتَ الصلاة أو الوقت: لم يبلغ عدوُّه منه ما شاء.

المثل الثاني: الظبي أشد سعيًا من الكلب، ولكنه إذا أحَسَّ به التفت إليه، فيضعف سعيُه، فيُدرِكُه الكلب، فيأخذه.

والقصد أن في ذكر هذا الرفيق ما يزيل وحشةَ التفرد، ويحثُّ على السير والتشمير للحاق بهم، وهذه إحدى الفوائد في دعاء القنوت: ((اللهم اهدني فيمن هديت))[31] ؛ أي: أَدخِلْني في هذه الزمرة، واجعلني رفيقًا لهم ومعهم..".


[1] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3194) من حديث أبي هريرة، وكذا مسلم في التوبة - باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه (2751).

[2] أخرجه مسلم في التوبة - باب سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (2755).

[3] انظر: "البحر المحيط" (1/ 25).

[4] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 131 -133).

[5] في "مدارج السالكين" (1/ 134 -135).

[6] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 110 -115).

[7] انظر: "المصدر السابق" (1/ 115 -122).

[8] الأعراف:65، هود:50.

[9] الأعراف:73، هود:61.

[10] الأعراف:85، هود:84.

[11] كما قال تعالى في سورة العنكبوت: ï´؟ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ï´¾ [العنكبوت: 16].
وانظر: "مدارج السالكين" (1/ 127)، "طريق الهجرتين" ص(67)

[12] انظر: "مجموع الفتاوى" (14/ 8).

[13] انظر: "مجموع الفتاوى" (14/ 8، 10، 36)، وانظر: (1/ 36).

[14] أخرجه البخاري في الجنائز (1243)، وفي "مناقب الأنصار" (3929) من حديث أم العلاء رضي الله عنها.

[15] في "مدارج السالكين" (1/ 130 -131).

[16] سبق تخريجه.

[17] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 90).

[18] انظر: "جامع البيان" (1/ 162 -163، 168)، "مدارج السالكين" (1/ 92).

[19] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 145).

[20] انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 23).

[21] انظر: "تفسير ابن كثير" (1/ 54).

[22] في "مدارج السالكين" (1/ 46 -47).

[23] أخرجه أبو داود في الصلاة - باب الدعاء (1493)، والنسائي في الصلاة، باب الدعاء (1324)، والترمذي في الدعوات باب جامع الدعوات (3475)، وابن ماجه في الدعاء، باب اسم الله الأعظم (3857)، وأحمد (5/ 349)، وابن حبان (888، 889)، والحاكم (1/ 504) وصححه ووافقه الذهبي، وكذا صححه الألباني.

[24] أخرجه أبو داود في الباب السابق (1495)، والنسائي في الباب السابق (1326)، وابن ماجه في الباب السابق (3858)، وأحمد (3/ 158، 245، 265)، وابن حبان (890)، والحاكم (1/ 503 -504)، وصححه ووافقه الذهبي، وكذا صححه الألباني.

[25] انظر: "مجموع الفتاوى" (14/ 39، 17/ 131 -132، 8/ 215 -216)، "بدائع الفوائد" (2/ 18).

[26] انظر: "بدائع الفوائد" (2/ 39).


[27] في "مدارج السالكين" (1/ 35).

[28] أخرجه أبو داود في الصلاة، القنوت في الوتر (1425)، والنسائي في قيام الليل (1647)، وابن ماجه - ما جاء في الوتر (1178)، وأحمد (1/ 199) من حديث الحسن بن علي رضي الله عنه، وهو حديث صحيح.

[29] في "مدارج السالكين" (1/ 44 -45).

[30] الجمز: سرعة السير والعَدْو - انظر: "اللسان" مادة: "جمز".

[31] سبق تخريجه.









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 102.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 99.79 كيلو بايت... تم توفير 2.34 كيلو بايت...بمعدل (2.29%)]