الحكمـة ضالـة المؤمن ***متجددة - الصفحة 6 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 
قناة الشفاء للرقية الشرعية عبر يوتيوب

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4409 - عددالزوار : 848295 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3939 - عددالزوار : 385132 )           »          متابعة للاحداث فى فلسطين المحتلة ..... تابعونا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12410 - عددالزوار : 209201 )           »          مجالس تدبر القرآن ....(متجدد) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 167 - عددالزوار : 59624 )           »          الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 60 - عددالزوار : 765 )           »          الأعمال اليسيرة.. والأجور الكثيرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          خواطر متفرقة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 47 )           »          السلفية منهج الإسلام وليست دعوة تحزب وتفرق وإفساد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 40 )           »          القذف أنواعه وشروطه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 45 )           »          العمل التطوعي.. أسسه ومهاراته (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 71 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى حراس الفضيلة

ملتقى حراس الفضيلة قسم يهتم ببناء القيم والفضيلة بمجتمعنا الاسلامي بين الشباب المسلم , معاً لإزالة الصدأ عن القلوب ولننعم بعيشة هنية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #51  
قديم 13-04-2024, 08:14 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,380
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحكمـة ضالـة المؤمن ***متجددة

الحكمة ضالة المؤمن (54)

الحلال بيّـن والحرام بيّـن



من الأحاديث العظيمة، والحكم النبوية النفيسة حديث النعمان بن بشير الذي هو قاعدة من قواعد الدين، وأصل عظيم من أصوله، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الحلال بيّـن وإن الحرام بيّـن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (متفق عليه واللفظ لمسلم).
قال النووي: أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث وكثرة فوائده، وسبب عظم موقعه أنه صلى الله عليه وسلم نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وأنه ينبغي ترك المشتبهات فإنه سبب لحماية دينه وعرضه.
وقال ابن حجر: وقد عظم العلماء أمر هذا الحديث فعدوه رابع أربعة أحاديث تدور عليها الأحكام، قال القرطبي: لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا يمكن أن ترد جميع الأحكام إليه.
وقد دل الحديث على تميز الحلال البيّـن والحرام البيّـن، فالحلال المحض بيّـن لا اشتباه فيه، مثل أكل الطيبات من الزروع والثمار وبهيمة الأنعام والأشربة الطيبة والألبسة المباحة والأنكحة المشروعة والمكاسب الطيبة، كما قال تعالى: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات}، وقال عز وجل: {كلوا من طيبات ما رزقناكم}.
والحرام المحض بيّـن لا اشتباه فيه، مثل أكل الميتة والدم والخنزير وشرب الخمر ونكاح المحارم والزنى ولبس الحرير للرجال والمكاسب الخبيثة كالربا والقمار والسرقة والغصب وأكل أموال الناس بالباطل.
قال ابن رجب: فما ظهر بيانه واشتهر وعلم من الدين بالضرورة لم يبق فيه شك ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيه الإسلام، وما كان بيانه دون ذلك فمنه ما يشتهر بين حملة الشريعة خاصة وقد يخفى على من ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضا فاختلفوا في تحليله وتحريمه.
وقد أشار الحديث إلى هذا المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم : «وبينهما مشتبهات»، وفي لفظ للبخاري: وبينهما أمور مشتبهة، قال ابن حجر: أي شبهت بغيرها مما لم يتبين به حكمها على التعيين، وقال النووي: المشتبهات معناه أنها ليست بواضحة الحل والحرمة؛ ولهذا لا يعرفها كثير من الناس أما العلماء فيعرفون حكمها، وقال ابن رجب: وقد فسر الإمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام - يعني الحلال المحض والحرام المحض - وقال : من اتقاها فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام.
وقد يكون سبب اشتباه بعض الأمور:
1- تعارض النصوص في ظاهرها بين الإباحة والحظر.
2- وقد يكون سبب الاشتباه عدم ظهور سبب الحل أو المنع كما قال صلى الله عليه وسلم : «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون من الصدقة فألقيها» (متفق عليه).
3- وقد يقع الاشتباه في الحكم لكون الفرع مترددا بين أصول تجتذبه كتحريم الرجل زوجته فإنه متردد بين تحريم الظهار الذي يوجب الكفارة الكبرى، وتحريم الطلقة الواحدة الذي يتحقق بانقضاء العدة، وتحريم الثلاث الذي لا تباح معه حتى تنكح زوجا غيره، وبين تحريم الرجل ما أحل الله له الذي يوجب الكفارة الصغرى.
وهذه الأمور المشتبهة ليست مشتبهة من كل وجه، بل بيّـن صلى الله عليه وسلم أن أمرها لا يخفى على كل الناس، وإنما يعلم حكمها قلة منهم وهم العلماء الراسخون في العلم، فالشبهات على هذا تكون في حق غيرهم، وقد تقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح أحد الدليلين، قال ابن رجب: وكلام النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن هذه المشتبهات من الناس من يعلمها، وكثير منهم لا يعلمها، فدخل فيمن لا يعلمها نوعان: أحدهما: من يتوقف فيها لاشتباهها عليه، والثاني: من يعتقدها على غير ما هي عليه.
وقد بين الحديث مواقف الناس من المتشابهات:
فالأول: من كان عالما بها وبحكمها وعمل بما دل عليه علمه من حل أو حرمة فهذا أفضل الأقسام لأنه علم حكم الله وعمل به.
الثاني: من يتقي الشبهات لاشتباهها عليه ابتغاء مرضات الله وتحرزا من الإثم فقد استبرأ لدينه وعرضه، أي: طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين الذي يحصل لمن لا يجتنبها، كما قيل: من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء الظن به، وقد جاء في رواية البخاري: «فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك».
الثالث: من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهة عنده فقد وقع في الحرام، وقد فسر ذلك ابن رجب بقوله: وهذا يفسر في معنيين: أن يكون ارتكابه للشبهة مع اعتقاده أنها (شبهة) ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنه حرام بالتدريج والتسامح، وفي رواية البخاري: «ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، أو أن من أقدم على ما هو ما هو مشتبه عنده لا يدري أهو حلال أم حرام، فإنه لا يأمن أن يكون حراما في نفس الأمر فيصادف الحرام وهو لا يدري أنه حرام».
ولهذا جاءت الآثار عن السلف في التحذير والتوقي من المتشابهات، قال ابن عمر: إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها. وقال أبو الدرداء: تمام التقوى أن يتقي اللهَ العبدُ حتى يتقيه من مثقال الذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما حجابا بينه وبين الحرام.
وقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام، وقال الثوري: إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى.
وقد ختم الحديث بقاعدة عظيمة توضح الأصل الذي ينطلق منه المسلم عند اعتراض المتشابهات لطريقه فقال صلى الله عليه وسلم : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه المحارم واتقاءه الشبهات إنما يكون بحسب صلاح قلبه، والعكس صحيح؛ فإن كان قلبه سليما ليس فيه إلا محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه الله وفيه خشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات وتوقي الشبهات حذرا من الوقوع في المحرمات، وإن كان القلب فاسدا قد استولى عليه اتباع الهوى فسدت حركات الجوارح، وانبعثت إلى المعاصي والشبهات.


اعداد: د.وليد خالد الربيع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #52  
قديم 13-04-2024, 08:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,380
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحكمـة ضالـة المؤمن ***متجددة

الحكمة ضالة المؤمن (55)

إذا نزل بك الشر فاقعد به



من الأمثال العربية الحكيمة التي تدل على عقل واع، وأدب راق، ونظر ثاقب، وفكر صائب، قولهم: «إذا نزل بك الشر فاقعد به»، ومعناه - كما يقول ابن منظور - يدور حول معنيين: «أحدهما: أن الشر إذا غلبك فذل له ولا تضطرب فيه، والثاني: إذا انتصب لك الشر ولم تجد منه بدا فانتصب له وجاهده. وقولهم: فاقعد به أي: احلم».
والإنسان في هذه الدنيا لا يخلو من التعرض للفتن والمحن والشرور التي تعترض طريقه، والناس تختلف مواقفها من الشرور والفتن بحسب طبيعة كل منهم، وما يمليه عليه دينه وخلقه وما نشأ عليه من التأني والرفق والحلم، أو الطيش والعجلة والسفه.
فهذا المثل العربي القديم يضرب لمن يؤمر بالحلم وترك التسرع إلى الشر، ومعناه: إذا رأيت شراً مقبلاً، وفتنة ثائرة، فتأن، واحلم، ولا تسارع في الشر، ولا تستشرف له.
والسنة المطهرة تقرر مثل هذا المعنى وتؤكده، قال البخاري في أول كتاب الفتن من صحيحه: «باب قول الله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر من الفتن»، يشير رحمه الله إلى ما ورد من أحاديث كثيرة يأمر فيها النبي صلى الله عليه وسلمالمسلم بالرفق والتأني عند ظهور الفتن وكثرتها، منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج» قالوا: يا رسول الله، أيما هو؟ قال: «القتل القتل» متفق عليه.
قال ابن حجر: قوله: «وتظهر الفتن» فالمراد: «كثرتها، واشتهارها، وعدم التكاتم بها».
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرّف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ أو معاذا فليعذ به» متفق عليه، قال ابن حجر: «وفيه التحذير من الفتنة، والحث على اجتناب الدخول فيها، وأن شرها يكون بحسب التعلق بها».
وقال أيضا: «والمراد بالأفضلية في هذه الخيرية من يكون أقل شرا ممن فوقه على التفصيل المذكور، وقوله: «من تشرّف لها» أي: تطلع لها؛ بأن يتصدى ويتعرض لها ولا يعرض عنها، وقوله: «تستشرفه» أي: تهلكه، بأن يشرف منها على الهلاك، يقال: استشرفت الشيء: علوته وأشرفت عليه، يريد من انتصب لها انتصبت له، ومن أعرض عنها أعرضت عنه، وحاصله: أن من طلع فيها بشخصه، قابلته بشرها».
والنبي صلى الله عليه وسلم يحث على أن يكون المسلم بابا للخير بأنواعه المادية والمعنوية، ولا يكون بابا للشر بأي صورة من صوره، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْر عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ» أخرجه ابن ماجه وحسنه الألباني.
والشر في اللغة: هو السوء والفساد، قال الراغب: «الشر الذي يرغب عنه الكل، كما أن الخير هو الذي يرغب فيه الكل».
قال السندي في شرح الحديث: «المفتاح بكسر الميم آلة لفتح الباب ونحوه، والجمع: مفاتيح ومفاتح أيضا، والمغلاق بكسر الميم هو ما يغلق به، ولا يبعد أن يقدر: «ذوي مفاتيح للخير» أي: إن الله تعالى أجرى على أيديهم فتح أبواب الخير كالعلم والصلاح على الناس حتى كأنه ملّـكهم مفاتيح الخير ووضعها في أيديهم؛ ولذلك قال: جعل الله مفاتيح الخير على يديه».
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم يحث المسلم على الرفق والحلم والأناة، وترك الطيش والعجلة والسفه، فقال صلى الله عليه وسلم : «التأني من الله، والعجلة من الشيطان»، وقال صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة» متفق عليه.
فالتأني: عدم العجلة في طلب شيء من الأشياء، والتمهل في تحصيله والترفق فيه، وقد قال بعضهم: «الأناة حصن السلامة، والعجلة مفتاح الندامة».
والحلم هو ضبط النفس عند هيجان الغضب، وقيل: تأخير مجازاة الظالم على ظلمه.
ومن فضل الحلم أنه صفة الأنبياء قال تعالى: {إن إبراهيم لأواه حليم}، وقال قوم شعيب له: {إنك لأنت الحليم الرشيد}، وقال تعالى عن إسماعيل: {وبشرناه بغلام حليم}، والنبي صلى الله عليه وسلم يؤكد هذه الحقيقة بقوله صلى الله عليه وسلم : «السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة» أخرجه الترمذي.
وقال صلى الله عليه وسلم : «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» متفق عليه.
قال النووي: «فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قلّ من يقدر على التخلق بخلقه، ومشاركته في فضيلته، بخلاف الأول، وفي الحديث: كظم الغيظ وإمساك النفس عند الغضب عن الانتصار والمخاصمة والمنازعة».
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فكم أوذي في الله، فكان يقابل الإساءة بالإحسان، ويصفح عن المسيء، ويرفق بالجاهل، ويصبر على السفيه، فعن أبي هريرة أن رجلا أتي النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه يطلب حقه فأغلظ له، فهمّ به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «دعوه فإن لصاحب الحق مقالا» ثم قال: «أعطوه سنا مثل سنه» يعني بعيرا مثل بعيره، فلما لم يجدوا إلا أفضل من بعيره قال صلى الله عليه وسلم : «أعطوه، فإن من خيركم أحسنكم قضاء» متفق عليه، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «استأذن رهط من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك، فقلت: بل عليكم السام واللعنة، فقال: «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» قلت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: «قلت: وعليكم» متفق عليه، وعن أنس قال: «كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك ثم أمر له بعطاء» متفق عليه قال النووي: «فيه احتمال الجاهلين، والإعراض عن مقابلتهم، ودفع السيئة بالحسنة، وإعطاء من يتألف قلبه، وفيه كمال خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلمه وصفحه الجميل».
فالخلاصة أن على المسلم أن يتحلى بالرفق والحلم، ويترك الطيش وهو سرعة الغضب من يسير الأمور، والمبادرة بالبطش، والسرف في العقوبة، ولاسيما عند اختلاط الأمور، وعدم تميز الحقائق، واشتباه الأشياء، فلابد من التمهل وترك العجلة، ومشاورة أهل العلم كما قال تعالى: {وإِذا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}، قال الشيخ ابن سعدي: «وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لا، فيحجم عنه؟»، وبالله التوفيق.



اعداد: د.وليد خالد الربيع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #53  
قديم 14-04-2024, 10:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,380
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحكمـة ضالـة المؤمن ***متجددة

الحكمـة ضالـة المؤمن (56)

والصلح خير


لما كان من طبيعة الإنسان عموما الاختلاف والمغالبة والتعدي، فإن قيام المنازعات والخصومات بين الناس أمر حتمي ولابد، وهذا ما يشهد به الواقع؛ فلا يخلو مجتمع بل ولا أسرة أو علاقة بين اثنين من الناس من الخصومة والتنازع التي قد يرفعها دين الشخص أو عقله أو المصلحون، أو قد تستمر إن استحكم فيها الكبر والهوى والبغي والظلم.
ولأن النزاع والصراع شر وفساد، وله ما لا يخفى من النتائج الوخيمة والآثار الأليمة، شرع الله تعالى الصلح لدفع هذا الشقاق ورفع آثاره الضارة بالفرد والمجتمع، فجاءت النصوص الشرعية تحث على الألفة والمحبة، وتنهى عن العداوة والبغضاء؛ لما في الاجتماع والائتلاف من الخير والتمكين، ولما في الشقاق والخلاف من الشر والفساد وتسلط الأعداء.
ولهذا فإن شيخ الإسلام يؤكد أن ائتلاف قلوب المسلمين مقصد من مقاصد الشريعة يقدم على بعض المستحبات، فمصلحة تأليف القلوب أعظم في الدين من بعض المستحبات.
والصلح والإصلاح والمصالحة هي قطع المنازعة، مأخوذة من صلح الشيء، إذا كمل، وهو خلاف الفساد، قال الراغب: والصلح يختص بإزالة النفار بين الناس، يقال: اصطلحوا وتصالحوا، وعلى ذلك وقع الصلح بينهم.
ومجالات الصلح كثيرة ومتعددة تبعا لتعدد مجالات النزاع كما بيّن ذلك ابن حجر بقوله: «الصلح أقسام: صلح المسلم مع الكافر، والصلح بين الزوجين، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة، والصلح بين المتغاضبين كالزوجين، والصلح في الجراح كالعفو على مال، والصلح لقطع الخصومة إذا وقعت المزاحمة في الأملاك».
والنصوص الشرعية في فضل الصلح والإصلاح كثيرة منها قوله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس}.
قال ابن حجر: «وهو ظاهر في فضل الإصلاح»، وقال ابن سعدي: «أي: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون، وإذا لم يكن فيه خير، فإما لا فائدة فيه كفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة كالكلام المحرم بجميع أنواعه».
ثم ذكر أن الله تعالى استثنى أمورا منها: {أَوْ إِصْلَاح بَيْنَ النَّاسِ}، والإصلاح لا يكون إلا بين متنازعين متخاصمين، والنزاع والخصام والتغاضب يوجب من الشر والفرقة ما لا يمكن حصره؛ فلذلك حث الشارع على الإصلاح بين الناس في الدماء والأموال والأعراض، بل وفي الأديان كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}.
وقال الشيخ ابن سعدي أيضا: «الساعي في الإصلاح بين الناس أفضل من القانت بالصلاة والصيام والصدقة، والمصلح لا بد أن يصلح الله سعيه وعمله،كما أن الساعي في الإفساد لا يصلح الله عمله، ولا يتم له مقصوده كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} فهذه الأشياء حيثما فعلت فهي خير، كما دل على ذلك الاستثناء.
ولكن كمال الأجر وتمامه بحسب النية والإخلاص؛ ولهذا قال: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله تعالى ويخلص العمل لله في كل وقت وفي كل جزء من أجزاء الخير؛ليحصل له بذلك الأجر العظيم، وليتعود الإخلاص فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده أو لا؛ لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل».
وعن عبد الله بن حبيب قال: كنت جالسا مع محمد بن كعب القرظي، فأتاه رجل فقال له القوم: أين كنت؟ فقال: أصلحت بين قوم، فقال محمد بن كعب:أصبت، لك مثل أجر المجاهدين ثم قرأ: {لا خير في كثير من نجواهم..} الآية.
ومن النصوص الشرعية قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير}، قال الشيخ ابن سعدي: «ويؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى أن الصلح بين مَن بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه؛ لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح».
ويشير رحمه الله إلى أمر مهم وهو أن كل حكم من الأحكام لا يتم إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، ومن ذلك (الصلح)، فنبه سبحانه على أن الصلح خير، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان - مع ذلك - قد أمر الله به وحثّ عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة فيه، وذكر المانع بقوله: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحّ} أي: جبلت النفوس على الشح، وهو: عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعا،أي: فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخُلُق الدنيء من نفوسكم، وتستبدلوا به ضده وهو السماحة، وهو بذل الحق الذي عليك؛ والاقتناع ببعض الحق الذي لك.
فمتى وفق الإنسان لهذا الخُلُق الحسن سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب، بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة؛ لأنه لا يرضيه إلا جميع ما له، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر».
وقال تعالى: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم)}، وقال تعالى: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}، وقال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما}، وقال سبحانه: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فكل هذه الآيات الكريمة تدل على فضل الصلح وأهميته.
ومما جاء في فضل الصلح في السنة المطهرة قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى، قال: «إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة» أخرجه أبو داود
قال في الشرح: «إصلاح ذات البين: أي: أحوال بينكم، يعني ما بينكم من الأحوال ألفة ومحبة، وقيل: المراد بذات البين المخاصمة والمهاجرة بين اثنين بحيث يحصل بينهما بين، أي فرقة، والبين من الأضداد: الوصل والفرق، وفساد ذات البين الحالقة، أي: هي الخصلة التي من شأنها أن تحلق الدين وتستأصله كما يستأصل الموسى الشعر، وفي الحديث حث وترغيب في إصلاح ذات البين واجتناب الإفساد فيها؛ لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين، وفساد ذات البين ثلمة في الدين، فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها نال درجة فوق ما يناله الصائم القائم المشتغل بخويصة نفسه».
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين الناس صدقة» متفق عليه، قال النووي: «يعدل بينهما: يصلح بينهما بالعدل».
وقد باشر النبي صلى الله عليه وسلم الصلح بنفسه، فعن سهل بن سعد أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «اذهبوا بنا نصلح بينهم» أخرجه البخاري.
وعن أم كلثوم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرا وينمي خيرا» متفق عليه، قال النووي: «ومعناه: ليس الكذاب المذموم الذي يصلح بين الناس، بل هذا محسن».
قال ابن شهاب: «ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها» أخرجه البخاري.
قال النووي: «قال القاضي: لا خلاف في جواز الكذب في هذه الصور، واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها، فقالت طائفة: هو على إطلاقه، وأجازوا قول ما لم يكن في هذه الصور للمصلحة، وقالوا: الكذب المذموم ما فيه مضرة واحتجوا بقول إبراهيم عليه السلام: {بل فعله كبيرهم} و{إني سقيم} وقول منادي يوسف: {أيتها العير إنكم لسارقون}.
وقال آخرون منهم الطبري: لا يجوز الكذب في شيء أصلا، قالوا: وما جاء من الإباحة في هذا المراد به التورية واستعمال المعاريض لا صريح الكذب، وحاصله أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه».
وقال ابن حجر: «واتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما هو فيما لا يسقط حقا عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها، وكذا في الحرب في غير التأمين، واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، كما لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختف عنده، فله أن ينفي كونه عنده، ويحلف على ذلك ولا يأثم، والله أعلم».


اعداد: د.وليد خالد الربيع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #54  
قديم 14-04-2024, 10:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,380
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحكمـة ضالـة المؤمن ***متجددة

الحكمة ضالة المؤمن (57)

لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين



يرشد الإسلام أتباعه إلى استعمال عقولهم الرشيدة، وتوجيه أفهامهم السديدة فيما يعود عليهم بصلاح دنياهم وأخراهم، فالله عز وجل قد أمد الإنسان بوسائل الإدراك المختلفة، وجعل له العقل والقلب اللذين يميز بهما ما يرد عليه من خواطر وعلوم ومشاعر ورغبات، ويتنبه إلى ما يحيط به من أخطار وأضرار ومفاسد، فيسلك طريقه سليما مما يؤذيه في دنياه، أو يضره في دينه وأخراه.
فالمسلم أريب، لبيب، فطن، عاقل، من ذوي الأفهام النيـّرة، والأذهان الصافية، وليس بطيء الحس، ولا سقيم الفهم، ولا أغلف القلب، أو أعمى البصيرة.
يدل على هذا المعنى حديث الشيخين عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قَال: «لاَ يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ».
وهذا الحديث له قصة ذكرها أصحاب الحديث، كما قال النووي وغيره: أَنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَسَرَ أَبَا عَزَّة الشَّاعِر يَوْم بَدْر، فذكر فقرا وعيالا، فمَـنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ، فعَاهَدَهُ أبو عزة أَلا يُحَرِّض عَلَيْهِ وَلا يَهْجُوهُ، فأطلقَه النبي صلى الله عليه وسلم فَلَحِقَ بقَوْمِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى التَّحْرِيض وَالْهِجَاء، ثُمَّ أَسَرَهُ يَوْم أُحُد،فَسَأَلَهُ الْمَنّ، فَقَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِن لَا يُلْدَغ مِنْ جُحْر مَرَّتَيْنِ» وأمر به فقتل.
قال الحافظ ابن حجر: «فيستفاد من هذا أن الحلم ليس محمودا بإطلاق، كما أن الجود ليس محمودا مطلقا، وقد قال تعالى في وصف الصحابة: {أشداء على الكفار رحماء بينهم}».
فهذا الحديث له أهمية في حياة المسلم، كما قال ابن بطال: «فيه أدب شريف أدّب به النبي صلى الله عليه وسلم أمته، ونبههم كيف يحذرون مما يخافون سوء عاقبته»، والمسلم يخاف سوء العاقبة في الدنيا قبل الآخرة، والحديث قد دل على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن على المسلم الحذر مما يضره في دينه وآخرته:
فذكر النووي أن المؤمن المراد في الحديث هو الفطن الذي لا يخدع في أمور الآخرة دون الدنيا.
وهو ما ذهب إليه الشيخ ابن سعدي فقال: «هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لبيان كمال احتراز المؤمن ويقظته، وأن المؤمن يمنعه إيمانه من اقتراف السيئات التي تضره مقارفتها، وأنه متى وقع في شيء منها، فإنه في الحال يبادر إلى الندم والتوبة والإنابة.
ومن تمام توبته: أن يحذر غاية الحذر من ذلك السبب الذي أوقعه في الذنب، كحال من أدخل يده في جحر فلدغته حية، فإنه بعد ذلك لا يكاد يدخل يده في ذلك الجحر؛ لما أصابه فيه أول مرة».
وقال أيضا: «وقد حذر الله المؤمنين من العود إلى ما زينه الشيطان من الوقوع في العاصي فقال: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين}، ولهذا فإن من ذاق الشر من التائبين تكون كراهته له أعظم، وتحذيره وحذره عنه أبلغ؛ لأنه عرف بالتجربة آثاره القبيحة».
وقال: «وكما أن الإيمان يحمل صاحبه على فعل الطاعات، ويرغبه فيها، ويحزنه لفواتها، فكذلك يزجره عن مقارفة السيئات، وإن وقعت، بادر إلى النزوع عنها، ولم يعد إلى مثل ما وقع فيه».
الوجه الثاني: أن على المسلم الحذر مما قد يضره في دنياه:
ذكر المحدثون أن هذا الحديث يروى على وجهين:
- أحدهما: بضم الغين على الخبر، ومعناه: المؤمن الممدوح، وهو الكيـّس الحازم الذي لا يستغفل، فيخدع مرة بعد أخرى، ولا يفطن لذلك، قَال النووي: «الرواية المشهورة برفع الغين»، وقال الحافظ ابن حجر: «هو بالرفع على صيغة الخبر، قال الخطابي: قَوله: (لا يُلْدَغ) هَذَا لَفْظه خَبَر وَمَعْنَاهُ أَمْر، أَيْ لِيَكُنْ الْمُؤْمِن حَازِمًا حَذِرًا لَا يُؤْتَى مِنْ نَاحِيَة الْغَفْلَة فَيُخْدَع مَرَّة بَعْد أُخْرَى، وَقَدْ يَكُون ذَلِكَ فِي أَمْر الدِّين كَمَا يَكُون فِي أَمْر الدُّنْيَا، وَهُوَ أَوْلاهُمَا بِالْحَذَر.
والوجه الأخر: بكسر الغين على النهي أن يؤتى من جهة الغفلة.
وعلى هذا فيكون المراد بالمؤمن في هذا الحديث (الكامل)، كما قرره الحافظ، الذي أوقفته معرفته على غوامض الأمور حتى صار يحذر مما سيقع، وأما المؤمن المغفل فقد يلدغ مرارا.
قال الشيخ ابن سعدي: «وفي هذا الحديث: الحث على الحزم والكيس في جميع الأمور، ومن لوازم ذلك: تعرّف الأسباب النافعة ليقوم بها، والأسباب الضارة ليتجنبها، ويدل على الحث على تجنب أسباب الريـّب التي يخشى من مقاربتها الوقوع في الشر».
وذهب بعض العلماء إلى أن معنى الحديث: من أذنب ذنبا فعوقب به في الدنيا فإنه لا يعاقب به في الآخرة.
ويعلق ابن حجر قائلا: إن أراد قائل هذا أن عموم الخبر يتناول هذا فيمكن، وإلا فسبب الحديث يأبى ذلك، ويؤيده قول من قال: فيه التحذير من التغفيل، وإشارة إلى استعمال الفطنة.
وقال أبو عبيد: معناه لا ينبغي للمؤمن إذا نكب من وجه أن يعود إليه. قال ابن حجر: هذا هو الذي فهمه الأكثر ومنهم الزهري راوي الحديث، فأخرج ابن حبان من طريق سعيد بن عبد العزيز قال: وقيل للزهري لما قدم من عند هشام بن عبد الملك: ماذا صنع بك؟ قال: أوفى عني ديني، ثم قال: يا بن شهاب تعود تدّان؟ قلت: لا، وذكر الحديث».
وقد أخرج البخاري تعليقا عن معاوية رضي الله عنه أنه قال: «لا حكيم إلا ذو تجربة»، وذكر ابن حجر عنه لفظا آخر: «لا حلم إلا بالتجارب»، وساق حديثا ضعيفا وهو: «لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة»، ونقل عن ابن الأثير أن معناه: لا يحصل الحلم حتى يرتكب الأمور ويعثر فيها فيعتبر بها ويستبين مواضع الخطأ ويجتنبها، وقال غيره: المعنى: لا يكون حليما كاملا إلا من وقع في زلة، وحصل منه خطأ، فحينئذ يخجل، فينبغي لمن كان كذلك أن يستر من رآه على عيب فيعفو عنه، وكذلك من جرب الأمور علم نفعها وضررها فلا يفعل شيئا إلا عن حكمة.
والخلاصة أن المسلم ينبغي أن يكون من أكمل الناس عقلا، وأسدهم رأيا، يحسن توجيه نعم ربه إلى ما فيه خيرا الدنيا والآخرة، ويحذر أسباب الشر والفساد وما يضره في دينه ودنياه وآخرته، وبالله التوفيق.


اعداد: د.وليد خالد الربيع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #55  
قديم 15-04-2024, 12:13 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,380
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحكمـة ضالـة المؤمن ***متجددة

الحكمـة ضالـة المؤمن (58)

أعقل الناس أعذرهم للناس



هذه كلمة حكيمة، ودرة نفيسة، من درر الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تدل على فهم عميق للنفس الإنسانية، ومنهج سديد في التربية العملية، للرقي بالمسلم من حضيض الانتقام والتشفي، إلى سمو الصفح والعفو، ليحيا في سلام مع نفسه والآخرين، فيسلم من آفات الغضب والرغبة في الثأر التي تعود عليه بالضرر في بدنه ودينه ودنياه وربما آخرته.
فاللوم والنقد والمقارنة هي القتلة الثلاثة - كما سماها د. إبراهيم الفقي رحمه الله - لما فيها من أثر ضار - كسم الثعبان- يسري في داخل الإنسان وينعكس على تصرفاته، وتسلب منه سعادته وراحة باله واتزانه، وبالتالي تبعده عن أهدافه الحقيقية في تحصيل سعادة الدنيا والآخرة بطاعة الله والتزام دينه.
فبعض الناس يعيش في دائرة اللوم؛ فكثيرا ما يلوم الآخرين على ما يفعلون، ويعذلهم على ما يقولون، ولا ينفك من توجيه توبيخ أو تعنيف أو تقريع ، فالناس منه في شقاء، ونفسه منه في ضيق وكرب.
فقول عمر رضي الله عنه عين الصواب؛ لأن العاقل حين يعذر الناس يتخلص من اللوم والنقد فيحيا في سلام وهدوء، فهو يضع نفسه مكان الآخرين، فيلتمس لهم الأعذار والتبريرات، ولا يحملهم على الكذب لتبرير أفعالهم وأقوالهم فيسلم من تسلط الشك والريب، ويحيا معافى في بدنه وعقله.
والشرع المطهر يقرر هذا الخلق، ويؤكد هذا السلوك في النصوص الشرعية، فمن ذلك قوله تعالى: {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم}، قال ابن كثير: «فَإِنَّ الْجَزَاء مِنْ جنس الْعَمَل فَكَمَا تَغفِر ذنب مَنْ أَذنَبَ إِلَيك يَغفِر اللَّه لَك، وَكَمَا تَصْفَح يُصْفَح عَنْك».
وقال الشيخ ابن سعدي: «واعف عما صدر منهم لله، فإن من عفا عن عباد الله عفا الله عنه، ومن سامحهم سامحه الله، ومن تفضل عليهم تفضل الله عليه، والجزاء من جنس العمل».
وقال تعالى: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم}، قال الطبري: «يَقُول: إِنْ تَعْفُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَمَّا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ صَدّهمْ إِيَّاكُمْ عَنْ الْإِسْلَام وَالْهِجْرَة وَتَصْفَحُوا لَهُمْ عَنْ عُقُوبَتكُمْ إِيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ, وَتَغْفِرُوا لَهُمْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الذُّنُوب {فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم} لَكُمْ لِمَنْ تَابَ مِنْ عِبَاده, مِنْ ذُنُوبكُمْ {رَحِيم} بِكُمْ أَنْ يُعَاقِبكُمْ عَلَيْهَا مِنْ بَعْد تَوْبَتكُمْ مِنْهَا».
وقال تعالى: {فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين}، قال ابن كثير: «وَهَذَا هُوَ عَيْن النَّصْر وَالظَّفر، كَمَا قَالَ بَعْض السَّلَف: مَا عَامَلت مَنْ عَصَى اللَّهَ فِيك بمِثْلِ أَنْ تُطِيع اللَّهَ فِيهِ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ لَهُمْ تَأْلِيفٌ وَجَمْعٌ عَلَى الْحَقِّ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يَهْدِيهِم وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ}، يَعنِي بِهِ الصَّفح عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْك».
وانظر إلى صفح يوسف عليه السلام عن إخوته بعد أن فعلوا به ما ذكره الله تعالى من المعاناة والأذى ثم لما تمكن وقدر قال لهم: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، قال ابن كثير: أَيْ لَا تَأْنِيب عَلَيْكُمْ وَلا عَتْبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْم وَلا أُعِيد عَلَيْكُمْ ذَنبكُمْ فِي حَقِّي بَعْد الْيَوْم، ثُمَّ زَادَهُمْ الدُّعَاء لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ فَقَالَ: {يَغْفِر اللَّه لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَم الرَّاحِمِينَ}.
وتأمل صفح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة بعد أن تمكن منهم بعد الفتح فقال لهم: «ما تقولون وما تظنون؟» قالوا: نقول: ابن أخ، وابن عم، حليم، رحيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقول كما قال يوسف: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين}، قال أبو هريرة: فخرجوا كأنما نشروا من القبور، فدخلوا في الإسلام .
وهذا ليس بمستغرب من خلقه وهديه صلى الله عليه وسلم، فقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: «لم يكن فاحشا، ولا متفحشا، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» أخرجه الترمذي وهو صحيح.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» أخرجه أبو داود وصححه الألباني، قال شراح الحديث: «المراد بذوي الهيئات: أصحاب المروءات والخصال الحميدة، وقيل: ذوو الوجوه من الناس، ومعنى أقيلوا: أي: اعفوا، والعثرات: الزلات، والحديث يندب إلى التجافي عن الزلات وعدم المؤاخذة بالصغائر وما يندر من الخطايا ممن كان حاله الاستقامة وظاهره الصلاح إلا ما يستوجب العقوبة المقدرة شرعا وهي الحدود فلا تساهل فيها.
وفي الأثر قال جعفر بن محمد: إذا بلغك عن أخيك الشيء تـنكره ؛ فالتمس له عذراً واحداً إلى سبعين عذراً، فإن أصبته وإلا قل: لعل له عذراً لا أعرفه.
وقال حمدون القصار: إذا زل أخٌ من إخوانكم فاطلبوا له سبعين عذراً ، فإن لم تقبله قلوبكم فاعلموا أن المعيب أنفسكم؛ حيث ظهر لمسلم سبعون عذراً فلم تقبله.
وقال دِعبل الخُزاعي:
تأنَّ ولا تعجَل بلَومِكَ صاحِبا
لعلَّ له عُذراً وأنتَ تلومُ
والاعتذار كما قال ابن فارس: العذر معروف، وهو طلب الإنسان إصلاح ما أنكر عليه بكلام، وقال الأصفهاني: العذر تحري الإنسان ما يمحو به ذنوبه».
وهو أمر محمود كما قال أبو حاتم البستي: الاعتذار يذهب الهموم، ويجلي الأحزان، ويدفع الحقد، ويذهب الصد، والإقلال منه تستغرق فيه الجنايات العظيمة، والذنوب الكثيرة، والإكثار منه يؤدي إلى الاتهام وسوء الرأي، فلو لم يكن في اعتذار المرء إلى أخيه خصلة تحمد إلا نفي التعجب عن النفس في الحال لكان الواجب على العاقل ألا يفارقه الاعتذار عند كل زلة.
ولهذا فإن الواجب على العاقل - كما يقول أبو حاتم البستي - إذا اعتذر أخوه إليه لجرم مضى، أو لتقصير سبق، أن يقبل عذره، ويجعله كمن لم يذنب؛ لأن من تنصل إليه فلم يقبل أخاف ألا يرد الحوض على المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ومن فرط منه تقصير في سبب من الأسباب يجب عليه الاعتذار في تقصيره إلى أخيه.
وقال أيضاً: لا يخلو المعتذر في اعتذاره من أحد رجلين: إما أن يكون صادقا في اعتذاره، أو كاذبا؛ فإن كان صادقا فقد استحق العفو؛ لأن شر الناس من لم يقل العثرات، ولا يستر الزلات، وإن كان كاذبا فالواجب على المرء إذا علم من المعتذر إثم الكذب وريبته وخضوع الاعتذار وذلته ألا يعاقبه على الذنب السالف، بل يشكر له الإحسان المحدث الذي جاء به في اعتذاره.
فحق المسلم العاقل أن يعيش في سلام مع نفسه ومع الآخرين، فيسامح نفسه ويحيا في صفاء وهدوء، ويعفو عن زلات الناس، ويقبل أعذارهم،ويتغاضى عن عثراتهم، فيكون عفوا، صفوحا، واسع الحلم، رحب الصدر، يحب الناس قربه ، ويأنسون به، ويكون حقا مثالا حيا للمسلم الصالح، وبالله التوفيق.


اعداد: د.وليد خالد الربيع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #56  
قديم يوم أمس, 04:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,380
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحكمـة ضالـة المؤمن ***متجددة

الحكمـة ضالـة المؤمن (60)

شرف المؤمن صلاته بالليل


قيام الليل هو قضاء الليل ولو ساعة بالصلاة أو غيرها كما قال تعالى: }يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا{، والتهجد: هو صلاة التطوع بالليل بعد النوم كما قال تعالى: }ومن الليل فتهجد به نافلة لك{، وقد جاء في فضل قيام الليل نصوص كثيرة، فمن القرآن الكريم:
1- قوله عز وجل في صفة المتقين: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون}، قال الشيخ ابن سعدي: «من أفضل أنواع الإحسان في عبادة الخالق، صلاة الليل، الدالة على الإخلاص، وتواطؤ القلب واللسان؛ ولهذا قال: {كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} أي: كان هجوعهم، أي: نومهم بالليل، قليلاً، وأما أكثر الليل، فإنهم قانتون لربهم، ما بين صلاة، وقراءة، وذكر، ودعاء، وتضرع {وَبِالْأَسْحَارِ} التي هي قبيل الفجر {هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} الله تعالى، فمدوا صلاتهم إلى السحر، ثم جلسوا في خاتمة قيامهم بالليل، يستغفرون الله تعالى، استغفار المذنب لذنبه، وللاستغفار بالأسحار فضيلة وخصيصة ليست لغيره، كما قال تعالى في وصف أهل الإيمان والطاعة: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}».
2- قوله عز وجل في صفة عباد الرحمن: {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما}، قال الشيخ ابن سعدي: «أي: يكثرون من صلاة الليل مخلصين فيها لربهم متذللين له».
3- قوله عز وجل: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} قال الشيخ ابن سعدي: «أي: ترتفع جنوبهم، وتنزعج عن مضاجعها اللذيذة، إلى ما هو ألذ عندهم منه وأحب إليهم، وهو الصلاة في الليل، ومناجاة اللّه تعالى، ولهذا قال: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} أي: في جلب مصالحهم الدينية والدنيوية، ودفع مضارهما، {خَوْفًا وَطَمَعًا} أي: جامعين بين الوصفين، خوفًا أن ترد أعمالهم، وطمعًا في قبولها، خوفًا من عذاب اللّه، وطمعًا في ثوابه،وأما جزاؤهم، فقال: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} من الخير الكثير، والنعيم الغزير، والفرح والسرور، واللذة والحبور، كما قال تعالى على لسان رسوله: «أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، فكما صلوا في الليل، ودعوا، وأخفوا العمل، جازاهم من جنس عملهم، فأخفى أجرهم؛ ولهذا قال: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
4- قوله عز وجل: {أمّن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} قال ابن سعدي: «قانت أي: مطيع للّه بأفضل العبادات وهي الصلاة، وأفضل الأوقات وهو أوقات الليل، فوصفه بكثرة العمل وأفضله، ثم وصفه بالخوف والرجاء، وذكر أن متعلق الخوف عذاب الآخرة، على ما سلف من الذنوب، وأن متعلق الرجاء، رحمة اللّه، فوصفه بالعمل الظاهر والباطن».
ومن السنة المطهرة جاءت أحاديث كثيرة تحث على قيام الليل، منها:
1- قوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» أخرجه مسلم.
2- وقال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم» أخرجه الترمذي، قال الشراح: «أي التهجد فيه هو دأب الصالحين أي: عادتهم وشأنهم، ومكفرة للذنوب وساتر لها، وناه عن ارتكاب الإثم كما قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}.
3- قال صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» أخرجه الترمذي، قال الشراح: «لأنه وقت الغفلة فلأرباب الحضور مزيد المثوبة، أو لبعده عن الرياء والسمعة».
4- قال صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» أخرجه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة، فكن» أخرجه الترمذي.
6- عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها» فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائما والناس نيام» أخرجه الطبراني وقال الألباني: حسن صحيح.
7- عن سهل بن سعد قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا محمد، عش ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس» أخرجه الطبراني وقال الألباني: حسن لغيره. والشرف يطلق على المكان العالي، ويطلق على العلو والمجد، فرفعة المؤمن ومجده بكمال عبوديته لربه بقيام الليل مخلصا.
8- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين» أخرجه أبو داود وقال الألباني: صحيح.
ولقيام الليل آداب منها:
1- على المسلم أن ينوي قيام الليل عند نومه لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح، كتب له ما نوى وكان نومه صدقة عليه من ربه» أخرجه النسائي.
2- أن يستاك إذا استيقظ من نومه «فعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك» أخرجه البخاري.
3- يدعو بما ورد، فعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتهجد قال: «اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن...» الحديث أخرجه البخاري.
4- أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين كما تقدم ولقول عائشة: «كان رسول الله إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين» أخرجه مسلم.
5- يستحب أن يوقظ أهله لقوله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى ثم أيقظ امرأته فصلت فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت ثم أيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء» أخرجه النسائي.
6- أن يرقد إذا غلبه النعاس لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه» أخرجه مسلم.
7- أن يختم تهجده بالوتر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» أخرجه مسلم.
8- أن يقضي ورده إذا فاته لمرض أو نوم لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل» أخرجه مسلم، وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتي عشرة، ركعة أخرجه مسلم.
نسأل الله أن يعيننا على قيام الليل ويتقبله منا.


اعداد: د.وليد خالد الربيع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #57  
قديم يوم أمس, 06:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,380
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحكمـة ضالـة المؤمن ***متجددة

الحكمـة ضالـة المؤمن (61)

تاجروا الله بالصدقة تربحوا


هذه الكلمة الحكيمة قالها أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، يحث المسلمين على الصدقة ؛ لأن الصّدقة شكر للّه تعالى على نعمه ، وهي دليل لصحّة إيمان مؤدّيها وتصديقه ، ولهذا سمّيت صدقةً، كما قال صلى الله عليه وسلم:« والصدقة برهان»أخرجه مسلم؛ ولأن للصدقة فضائل عديدة، وثمرات كثيرة في الدنيا والآخرة، منها :
1ـ أن صدقة التطوع تكمِّل زكاة الفريضة وتجبر نقصها؛ لقوله عليه السلام: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمَّها كتبت له تامة، وإن لم يكن أتمها قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوِّعٍ فتكملون بها فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك»أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الألباني
2ـ والصدقة يحصل بها مضاعفة الأجر على حسب الإخلاص لله تعالى؛ لقول الله : {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }؛ ولحديث أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله : «لك بها يوم القيامة سَبْعمائة ناقةٍ كلها مخطومة».
3ـ والله تعالى يبارك في الصدقة وينميها لقوله صلى الله عليه وسلم:«إن العبد إذا تصدق من طيب تقبلها الله منه وأخذها بيمينه فرباها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله أو قال في كف الله حتى تكون مثل الجبل فتصدقوا». أخرجه ابن خزيمة .
4ـ والصدقة تجلب البركة والزيادة والخلف من الله تعالى، قال الله سبحانه:{ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}،وقال صلى الله عليه وسلم :«ما نقصت صدقة من مال»رواه مسلم
5ـ وهي الخير الباقي حقيقة لقوله عليه السلام: «يقول العبد مالي مالي وإنما له من ماله ثلاث؛ ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس»رواه مسلم
6- والصدقة وقاية من النار فعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة» وفي رواية :«من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل» رواه البخاري ومسلم.
7- وعن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لكعب بن عجرة يا كعب بن عجرة الصلاة قربان والصيام جنة والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار يا كعب بن عجرة الناس غاديان فبائع نفسه فموثق رقبته ومبتاع نفسه في عتق رقبته»رواه أبو يعلى بإسناد صحيح
8- وعن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن الصدقة لتطفىء عن أهلها حر القبور، وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته»رواه الطبراني في الكبير والبيهقي وهو حسن.
9- عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«كل امرىء في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس». قال يزيد فكان أبو الخير مرثد لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو بكعكة أو بصلة رواه أحمد وابن خزيمة
10- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله [: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا مَلَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً» . متفق عليه
قال القرطبي‏: «وهو يعم الواجبات والمندوبات، لكن الممسك عن المندوبات لا يستحق هذا الدعاء إلا أن يغلب عليه البخل المذموم بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحق الذي عليه ولو أخرجه‏».‏
11- والصدقة سبب لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ فعن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من نفَّس عن مؤمن كُربَة من كُرب الدنيا نفَّس الله عنه كُربةً من كُربِ يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».
والصدقة معنى واسع يشمل القربات المالية وغير المالية، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده أن شرع قربات تناسب جميع المسلمين على اختلاف أحوالهم، فالأغنياء والمقتدرون لهم قربات تناسب أحوالهم المالية والبدنية، وكذلك للفقراء والعاجزين قربات تناسب فقرهم وعجزهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة»، فمن أبواب المعروف والصدقة غير المالية:
1ـ العزم المخلص والنية الصادقة، فعن أبي كبشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الدنيا لأربعة نفر؛ عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي فيه ربه ، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية؛ يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته ، فأجرهما سواء» الحديث أخرجه الترمذي .
2- والأذكار مما يعود نفعه على المسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: «فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة» أخرجه مسلم
3- والمشي إلى الصلاة لقوله عليه السلام: «وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة» متفق عليه
4- وصلاة الضحى لقوله صلى الله عليه وسلم: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» متفق عليه
5- ومن الصدقات التي يتعدى نفعها إلى الأخرين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،والكلمة الطيبة، وإعانة المحتاجين، فعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«على كل نفس في كل يوم طلعت عليه الشمس صدقة منه على نفسه، من أبواب الصدقة: التكبير ، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله ، واستغفر الله، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويعزل الشوك عن طريق الناس والعظم والحجر ، وتهدي الأعمى ، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك،» الحديث أخرجه أحمد والنسائي وصححه الألباني.
6- ومن الصدقة التسليم على المسلمين فعن أبي ذر مرفوعا:«يصبح على كل سلامى من ابن آدم صدقة، تسليمه على من لقيه صدقة» أخرجه أبو داود وصححه الألباني
7- التبسم في وجه المسلم من الصدقة فعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«تبسمك في وجه أخيك لك صدقة» أخرجه الترمذي قال في تحفة الأحوذي:«يعني إظهارك البشاشة والبشر إذا لقيته تؤجر عليه كما تؤجر على الصدقة».
8- وكذلك مشاركة المنفرد صلاته ليحصل له أجر الجماعة من الصدقة، فعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر رجلا يصلي وحده فقال:«ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه» أخرجه أبو داود ، قال في عون المعبود:«أي يتفضل عليه ويحسن إليه ليحصل له ثواب الجماعة، فيكون كأنه قد أعطاه صدقة، وسماه صدقة؛ لأنه يتصدق عليه بثواب ست وعشرين درجة».
9- وإذا عجز المسلم عن بذل المعروف فأقل الصدقة هو الامتناع من الشرور وإيذاء الخلق فعن أبي موسى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ:» يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ»أخرجه البخاري
والخلاصة أن التجارة مع الله تعالى رابحة ولا شك متى ما اتصف العمل بالإخلاص والاتباع، وأبواب المعروف والصدقات كثيرة تناسب كل إنسان ، والسعيد من هداه الله ووفقه وأعانه .


اعداد: د.وليد خالد الربيع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #58  
قديم يوم أمس, 07:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,380
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحكمـة ضالـة المؤمن ***متجددة

الحكمة ضالة المؤمن (62)

{واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك}



أنزل الله تعالى القرآن الكريم ليكون هاديا ومرشدا للبشرية إلى سواء السبيل كما قال تعالى:}إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم{، وقال تعالى: }كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد{.
ويتعلق بالقرآن الكريم وظائف عديدة وتكاليف كثيرة، من أهمهما وأعلاها تلاوة القرآن وترتيله، فهي عبادة عظيمة أمر الله تعالى بها ورتب عليها الأجر الجزيل، ومدح أهلها في غير موضع، فقال تعالى: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور} قال قتادة: «كان مطرف رحمه الله إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء ».
وتلاوة القرآن الكريم معنى واسع يشمل القراءة والترتيل، ويشمل العمل به وامتثال أحكامه، فالفعل (تلا) له معان في لغة العرب منها؛ القراءة، يقال: تلا الكتاب تلاوة أي قرأه كقوله تعالى:{قل لو شاء الله ما تلوته عليكم}، ومنها الاتباع، يقال: تلا الرجل إذا تبعه كقوله تعالى:{والقمر إذا تلاها} قال مجاهد: تبعها أي تبع الشمس، فما جاء من الآيات في ذلك من معانيه (القراءة) كما قال تعالى: {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك} قال الشوكاني: «أمره الله سبحانه أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى به إليه»، وقال تعالى مبينا وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن} قال البغوي: «يعني: وأمرت أن أتلو القرآن».
وأيضا من تلاوة القرآن الكريم العمل به كما قال الشيخ ابن سعدي في تفسير قوله تعالى: {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك} قال: «التلاوة هي الاتباع، أي: اتبع ما أوحى الله إليك بمعرفة معانيه وفهمها، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره ونواهيه.
وقال عند تفسير قوله تعالى:{اتل ما أوحي إليك من الكتاب}: «يأمر تعالى بتلاوة وحيه وتنزيله، وهو هذا الكتاب العظيم، ومعنى تلاوته اتباعه، بامتثال ما يأمر به، واجتناب ما ينهى عنه، والاهتداء بهداه، وتصديق أخباره، وتدبر معانيه، وتلاوة ألفاظه، فصار تلاوة لفظه جزءا المعنى وبعضه، وإذا كان هذا معنى تلاوة الكتاب، علم أن إقامة الدين كله، داخلة في تلاوة الكتاب».
فمطلوب من المسلم أن يكثر من قراءة القرآن الكريم، وأن يتدبر معانيه، ويعمل بأحكامه، ويجتنب نواهيه، ويتحلى بأخلاقه بقدر استطاعته كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة كقوله تعالى: {اتل ما أوحي إليك من كتاب ربك} وقال:{اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة}، وقال: {ورتل القرآن ترتيلا}، وقال صلى الله عليه وسلم : «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» متفق عليه، قال ابن كثير: «ومعناه أن الله تعالى ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه اجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية وذلك هو الغاية من ذلك».
وقال صلى الله عليه وسلم : «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» أخرجه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم : «من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» أخرجه الترمذي، وقال [: «يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي.
وقد جاءت نصوص تبين مضاعفة الأجر بمجرد القراءة كقوله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ {قل هو الله أحد...} حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة» فقال عمر: إذن نستكثر قصورا يا رسول الله ! فقال: «الله أكثر وأطيب» أخرجه أحمد.
وجاءت نصوص يدل ظاهرها على أن الثواب يحصل بمجرد القراءة والتلاوة ولا يشترط في ذلك الفهم كما أخرج البيهقي عن جابر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن وفينا العجمي والعربي، فقال: «اقرأوا فكل حسن، وسيجيء أقوام يتعجلونه ولا يتأجلونه» وهو صحيح، ومعلوم أن فهم الأعجمي ليس كفهم العربي.
فمن قرأ القرآن تقربا إلى الله تعالى مخلصا له فإنه يؤجر بإذن الله تعالى على قراءته لدلالة النصوص المتقدمة، فإن كان مع ذلك مطيعا زاده الله من فضله، وإن كان مقصرا بترك بعض الواجبات أو فعل المحرمات استحق العقاب بما كسبت يداه كما قال تعالى: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} قال ابن عباس: «لا يخاف أن يزداد على سيئاته ولا ينقص من حسناته».
وأيضا فقد أمر الله سبحانه وتعالى بتدبر كتابه الكريم، وتأمل ما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونهى عن هجره والإعراض عنه، وذم المكذبين له والغافلين عما فيه من العلوم والآداب والحكم والأحكام والمواعظ، فقال عز وجل:{أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}، قال الشيخ ابن سعدي: «أي: فهلا يتدبر هؤلاء المعرضون كتاب الله، ويتأملونه حق التأمل؛ فإنهم لو تدبروه، لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية، ولبين لهم الطريق الموصلة إلى الله، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها، والطريق الموصلة إلى العذاب، وبأي شيء تحذر، ولعرفهم بربهم وأسمائه وصفاته وإحسانه، ولشوقهم إلى الثواب الجزيل، ورهبهم من العقاب الوبيل».
وقال عز وجل: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب}، قال الشيخ ابن سعدي: «{لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} أي: هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود».
وقال ابن القيم: «فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر؛ فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها».
فحري بالمسلم أن يشغل وقته بالقرآن الكريم ؛ تلاوة وترتيلا، ودراسة وتدبرا، وعملا وتخلقا، والسعيد من عرف غايته وشمر إليها، ورزقه الله تعالى السداد والتوفيق.


اعداد: د.وليد خالد الربيع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #59  
قديم يوم أمس, 09:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,380
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحكمـة ضالـة المؤمن ***متجددة

الحكمـة ضالـة المؤمن (63)

دعوهـا فإنهـا منتنـة


منّ الله تعالى على عباده بأن أخرجهم ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، فصاروا بذلك أفضل الأمم وأكرمها على الله تعالى، فقال سبحانه: { كنتم خير أمة أخرجت للناس}، وعن بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ عن أبيه عن جَدِّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «نُكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرُها»، وفي رواية: «إنكم وفيتم سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله» أخرجه ابن ماجه وحسنه الألباني.
والتأمل في أحوال المجتمع يلحظ بروز موجة غريبة من التعصب المقيت، وظهور التفاخر المذموم لدى بعض الناس، وانعكس كراهية وحقدا، ونخشى أن ينقلب فرقة وفتنة تمزق المجتمع وتفسد الأخوة الإيمانية التي أمر الله بها وحث عليها كما قال تعالى:{إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم}، وقال صلى الله عليه وسلم: «وكونوا عباد الله إخوانا»، وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: «كل فكرة تقسم المسلمين وتجعلهم أحزابا، فكرة باطلة، تخالف مقاصد الإسلام وما يرمي إليه، وذلك لأنه يدعو إلى الاجتماع والوئام والتواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى، كما يدل على ذلك قوله تعالى:{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا}».
وقال شيخ الإسلام: «كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية».
وقد جاءت نصوص كثيرة تنهى عن التعصب المذموم، وتحذر من سوء عاقبته، وتبين أن الأنساب للتعارف والتواصل، وليست للتنافس والتقاطع، فالنسب الحقيقي ما كان لله وبالله كما قال تعالى:{هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا}، وقال صلى الله عليه وسلم: «فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله»، وهذا النسب هو الباقي النافع بإذن الله، قال تعالى: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون}، وقال سبحانه:{يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه}.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصارياً أي ضربه على دبره، فغضب الأنصاري غضباً شديداً، حتى تداعوا وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين؛ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بال دعوى أهل الجاهلية ؟» ثم قال: «ما شأنهم؟» فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «دعوها فإنها خبيثة» وفي رواية: «دعوها فإنها منتنة». متفق عليه.
قال ابن حجر: «ودعوى الجاهلية: الاستغاثة عند إرادة الحرب، كانوا يقولون: يا آل فلان، فيجتمعون فينصرون القائل ولو كان ظالما، فجاء الإسلام بالنهي عن ذلك».
وفرق رحمه الله بين أمرين فقال: «إن الاستغاثة ليست حراما، وإنما الحرام ما يترتب عليها من دعوى الجاهلية».
وقوله: «دعوها فإنها خبيثة»، أي: دعوى الجاهلية أي: أنها كلمة قبيحة خبيثة، وقوله: «منتنة»، قال النووي: «أي: قبيحة كريهة مؤذية»، وقال أيضاً: «وأما تسميته صلى الله عليه وسلم ذلك دعوى الجاهلية فهي كراهة منه لذلك، فإنه مما كانت عليه الجاهلية من التعاضد بالقبائل في أمور الدنيا ومتعلقاتها، وكانت الجاهلية تأخذ حقوقها بالعصبات والقبائل، فجاء الإسلام بإبطال ذلك، وفصل القضايا بالأحكام الشرعية، فإذا اعتدى إنسان على آخر حكم القاضي بينهما وألزمه مقتضى عدوانه، كما تقرر من قواعد الإسلام».
وأخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية».
وأخرج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى قد أذهب عنكم عبّـيـّة الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن»، قال الخطابي: «العبّـيّة: الكبر والنخوة، فعبية الجاهلية فخرها وتكبرها ونخوتها»، وقوله صلى الله عليه وسلم : «مؤمن تقي وفاجر شقي» قال الخطابي: معناه أن الناس رجلان: مؤمن تقي فهو الخير الفاضل وإن لم يكن حسيبا في قومه، وفاجر شقي فهو الدني وإن كان في أهله شريفا رفيعا، وقوله: «أنتم بنو آدم» أي فلا يليق بمن أصله التراب النخوة والكبر».
وأخرج البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية، ومطّلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه».
قال شيخ الإسلام: «والسنة الجاهلية كل عادة كانوا عليها، فإن السنة هي العادة، وهي الطريق التي تتكرر لنوع من الناس مما يعدونه عبادة أو لا يعدونه عبادة، فمن عمل بشيء من سننهم فقد اتبع سنة جاهلية، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية في أعيادهم وغير أعيادهم».
قال شيخ الإسلام: «فقد دلت هذه الأحاديث على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية تقتضي ذمه والنهي عنه، وذلك يقتضي المنع من أمور الجاهلية مطلقا».
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: «إن الإسلام نهى عن دعوى الجاهلية وحذر منها، وأبدى في ذلك وأعاد في نصوص كثيرة، بل قد جاءت النصوص تنهى عن جميع أخلاق الجاهلية وأعمالهم إلا ما أقره الإسلام من ذلك، وكم جرّت دعوى الجاهلية على أهلها من ويلات وحروب طاحنة وقودها النفوس والأموال والأعراض، وعاقبتها تمزيق الشمل، وغرس العداوة والشحناء في القلوب، والتفريق بين القبائل والشعوب».
ثم ذكر رحمه الله قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثى جهنم» قيل: يا رسول الله وإن صلى وصام؟ قال: «وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله» قال الشيخ ابن باز معلقا: «فيا له من وعيد شديد، وتحذير أكيد ينذر كل مسلم من الدعوات الجاهلية والركون إلى معتنقيها، وإن زخرفوها بالمقالات السحرية، والخطب الرنانة، والخيالات الواسعة التي لا أساس لها من الحقيقة، ولا شاهد لها من الواقع، وإنما هو التلبيس والخداع والتقليد الأعمى الذي ينتهي بأهله إلى أسوأ العواقب».
فالدين يقرر ويؤكد أصل الخلق في قوله تعالى: {يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} فالناس من أصل واحد كلهم يرجعون إلى آدم عليه السلام، ولكن الله تعالى أراد بهم الخير فجعلهم رجالا كثيرا ونساء، وجعلهم شعوبا وقبائل لأجل أن يتعارفوا فيتعاونوا ويتوارثوا، وتحيا بهم الأرض بالتعاون والتعارف، وليس بالتفاخر والاختلاف فقال تعالى: {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} فالأنساب للتواصل والتراحم كما قال النبي عليه السلام: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر» أخرجه أحمد.
ولم يجعل معيار التفاضل النسب والأسرة والقبيلة، بل التقوى والعمل الصالح هما ميزان الكرامة، ووسيلة الرفعة عند الله تعالى كما قال عز وجل: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، وعن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط أيام التشريق فقال: «يأيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى». أخرجه الإمام أحمد.
فما أحوجنا للتمسك بأصول ديننا، والتحلي بأخلاق قرآننا، والتخلق بهدي نبيينا، وهجر ما عداه.


اعداد: د.وليد خالد الربيع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #60  
قديم يوم أمس, 09:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,380
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحكمـة ضالـة المؤمن ***متجددة

الحكمة ضالة المؤمن(64)

رأي الشيخ خير من مشهد الغلام


من أبرز قواعد الحكم في الإسلام، ومن أوضح ملامح المجتمع المسلم (الشورى)، فالمشاورة معلم أصيل من معالم الجماعة المسلمة وذلك لما فيها من الفوائد العظيمة، قال الشيخ ابن سعدي: «المشاورة تنور الأفكار، وتحل الاشتباه والإشكال، وتبلغ العبد الآمال، المشاورة عنوان العقل، والاستبداد من نتائج الجهل، ما ندم من استعان بالله واستخاره، وشاور الناصحين».

والشورى هي استنباط المرء الرأي من غيره فيما يعرض له من مشكلات الأمور.
وقد اعتنى القرآن الكريم بالشورى عناية كبيرة، فمن ذلك أن الله تعالى سمى سورة من سور القرآن الكريم باسم سورة الشورى، وتحدث فيها عن صفات المؤمنين ومنها صفة التشاور، وقرن سبحانه الشورى بالصلاة والصدقة واجتناب الفواحش فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}.
قال الحسن: «ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم»، وفي لفظ: «إلا عزم الله لهم بالرشد أو بالذي ينفع» قال ابن حجر: «أخرجه ابن أبي حاتم بسند قوي».
وقال الشيخ ابن سعدي:» {وَأَمْرُهُمْ} الديني والدنيوي {شُورَى بَيْنَهُمْ} أي: لا يستبد أحد منهم برأيه في أمر من الأمور المشتركة بينهم، وهذا لا يكون إلا فرعا عن اجتماعهم وتآلفهم وتواددهم وتحاببهم وكمال عقولهم، أنهم إذا أرادوا أمرا من الأمور التي تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي فيها، اجتمعوا لها وتشاوروا وبحثوا فيها، حتى إذا تبينت لهم المصلحة، انتهزوها وبادروها».
وأمر الله تعالى نبيه الكريم بالشورى فقال تعالى: {وشاورهم في الأمر}، قال أبو هريرة: «ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من النبي صلى الله عليه وسلم »، وقال الحسن: «قد علم أنه ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده»، قال ابن حجر: «أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن».
والمشاورة دليل على كمال عقل الشخص وحسن تصرفه، قال عمر: «الرجال ثلاثة: رجل ترد عليه الأمور فيسددها برأيه، ورجل يشاور فيما أشكل عليه وينزل حيث يأمره أهل الرأي، ورجل حائر بائر لا يأتمر رشدا، ولا يطيع مرشدا»، وقال علي: «نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد»، وقال عمر بن عبد العزيز: «إن المشورة والمناظرة بابا رحمة ومفتاحا بركة، لا يضل معهما رأي، ولا يفقد معهما حزم»، وقال بعض البلغاء: «من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العقلاء، ويجمع إلى عقله عقول الحكماء، فالرأي الفذ ربما زل، والعقل الفرد ربما زل».
ولأهمية الشورى وعظيم أثرها فيجب أن تسند إلى أهلها كما قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}، فلابد من التماس الشورى وطلب الرأي السديد من أهل الشورى الجديرين بها، وأهل الشورى وإن لم يرد نص في تحديدهم إلا أن المتأمل لهدي النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنهم أهل العلم والدراية والخبرة كما قال البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه : «كان القراء يعني حفاظ القرآن -أصحاب مشورة عمر- كهولا كانوا أو شبانا»، وقال أيضا: «وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلميستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم».
أما شروط أهل الشورى فقد ذكرها الماوردي باختصار، وهي: أن يكون ذا عقل كامل مع تجربة سالفة، وأن يكون ذا دين وتُقَى، فعن ابن عباس قال: «من أراد أمرا فشاور فيه امرأ مسلما وفقه الله لأرشد أموره»، وأن يكون ناصحا ودودا، فإن النصح والمودة يصدقان الفكرة ويمحضان الرأي، وأن يكون سليم الفكر من هم قاطع وغم شاغل؛ فإن من عارضت فكره شوائب الهموم لا يسلم له رأي، وألا يكون له في الأمر المستشار فيه غرض يتابعه، ولا هوى يساعده؛ فإن الأغراض جاذبة، والهوى صياد.
ولا بد من مراعاة التخصص في أهل الشورى فيستشار في كل مجال أربابه، قال الشيخ ابن سعدي: «واعلم أن المشاورة تختلف باختلاف مواضيعها، فأمور السياسة يشاور فيها أهل الحل والعقد، والرجال المتميزون في عقولهم وآرائهم وكمال نصحهم، وأمور العلم والدين يشاور فيها أهل العلم بالدين، الجامعون بين العلم والحلم والعقل والدين، والأمور الدنيوية يشاور فيها أهل الخبرة فيها والرأي بحسب أحوالها، ولا بد في ذلك كله من قصد النصح”.
وفي هذه الأيام نحن بحاجة إلى حكمة الشيوخ وتجاربهم، فهم أولى بالتقديم والتصدر من حماس الشباب واندفاعهم، فخبرة العقلاء وحنكة الحكماء معلم مضيء عند اشتباه الأمور وتزاحم الأحداث يسترشد بها الناس ويهتدوا عند اختلاط الآراء وتعالي الأصوات، أما حماس الشباب بغير حكمة الشيوخ فشجاعة بلا روية، وإقدام بغير تأمل ولا نظر، فما أسرع ما تعقبه الندامة والحسرة، ويتبعه الاعتذار بعدم العلم وقلة الخبرة ونقص التجربة، وكان حق الشباب تقديم رأي الشيوخ المجربين، والوقوف وراءهم لا التقدم عليهم ولا التصدر بين أيديهم.
فعَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عليا ]فقلت: إِنِّي أَثبتُ مِنْ عَمِّي وَأَجْرَأُ؛ فَإِنْ رأيت أن تجعلني مكانهُ، قَال: «يَابْنَ أَخِي إِنَّ رَأْيَ الشَّيْخِ خَيْرٌ مِنْ مَشْهَدِ الْغُلام».
قال الثعالبي: أطلب آراء الأشياخ الذين حنكتهم الأيام فتقاد، ولا تطلب ملازمة ذوي الأوجه الأغراء فتصطاد.
وقال بعضهم: «شاور من جرب الأمور؛ فإنه يعطيك من رأيه ما دفع ثمنه غاليا وأنت تأخذه مجانا».
فالشيخ كثير التجربة يبلغ برأيه من النتائج والآثار الحميدة في الحرب وغيرها، ما لا يبلغه الشاب صغير السن قليل التجربة، الذي قد يأخذه الحماس فيغرر بنفسه فيهلك نفسه وغيره ممن تابعه.
وما أحسن ما قاله المتنبي في هذا المعنى حيث قال:
الرّأيُ قَبلَ شَجاعةِ الشّجْعانِ
هُوَ أوّلٌ وَهيَ المَحَلُّ الثّاني
فإذا همَا اجْتَمَعَا لنَفْسٍ حُرّةٍ
بَلَغَتْ مِنَ العَلْياءِ كلّ مكانِ


اعداد: د.وليد خالد الربيع





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 10 ( الأعضاء 0 والزوار 10)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

 

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 174.52 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 168.46 كيلو بايت... تم توفير 6.07 كيلو بايت...بمعدل (3.48%)]