القرآن وغزوة حنين بين الذنوب المهلكة والتوبة المنجية - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         المنهج النبوي في بناء الأخلاق (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          ثق بنفسك (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          فتح مصر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          بر الوالدين.. سبل للعمل (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          مكافحة الفقر فريضة اسلامية غائبة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          كيف يتم التفاعل مع وسائل الإعلام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 8 )           »          نقد كتاب أبواب الأجر في الأيام العشر (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3372 - عددالزوار : 502720 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2815 - عددالزوار : 227259 )           »          برنامج تنزيل فيديوهات (اخر مشاركة : مستر فرفوش - عددالردود : 1 - عددالزوار : 258 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 26-07-2021, 04:28 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,609
الدولة : Egypt
افتراضي القرآن وغزوة حنين بين الذنوب المهلكة والتوبة المنجية

القرآن وغزوة حنين بين الذنوب المهلكة والتوبة المنجية
علي عبدالحكيم



لما خرج المسلمون إلى غزوة مؤتة شجعهم عبد الله بن رواحة رضى الله عنه بخطبته المشهورة التي قال فيها: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون (الشهادة) وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة، ليسطّر رضى الله عنه بهذه الخطبة عن جملة من المعاني الرائعة يأتي على رأسها أننا كأمة لا ننتصر إلا بالإيمان بالله تعالى ولا نقيم حضارة إلا بدين فإذا تركنا الإيمان بالله وتخلينا عن أصول ديننا صرنا والناس كفرسي رهان لا يغلب إلا من له قوة ولا ينتصر إلا ذو البأس، فالقاعدة أن القلة المؤمنة تنتصر وأن الكثرة الفاسدة تنهزم؛ ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ﴾ [محمد: 7].


فعلى قدر ايماننا بالله وتمسكنا بدينه، والذي من أهم أصوله الأخذ بالأسباب الممكنة في كل الأمور ومنها الحروب، وبعدنا عن معصيته ينصرنا الله تعالى على عدونا وإن كنا في قلة من العدد ونقص من العتاد، وعلى العكس من ذلك إن أوغلنا في الذنوب ومنها العجب بالنفس والإغترار بالقوة والابتعاد عن الثقة في الله والتدين بدينه يتركنا الله تعالى ويتخلى عنا فتكون الغلبة عندئذٍ للأكثر عددًا ويكون النصر للأفضل عدة.

وقد شهد التاريخ بذلك فانتصرنا في "بدر" وكنا قلة وانهزمنا في "العقاب" وكنا كثرة، ولكن يظل المثال الأبرز على ما ذكرناه من انتصارنا كأمة بالطاعة وهزيمتنا بالمعاصي هو ما حدث في غزوة حنين في شوال سنة تسع من الهجرة. ففي حنين وقعت الهزيمة أولا بسبب الذنوب ثم جاء النصر لما حدثت التوبة، وهي القاعدة التي لأهميتها كانت محور التناول القرءاني لغزوة حنين ولهذا فإنها تستحق الوقوف معها بشيء من التدبر وهو ما نحاوله في مقالتنا هذه نظرا لحاجتنا الملحة كأمة إلى الخلاص من الهزائم التي ما فتئت تجسم على صدورنا على كافة الأصعدة. وقفتنا مع تناول القرءان لغزوة حنين ستكون بعد ذكر مختصر لأحداثها.

غزوة حنين:
كان من أمرها أنه لما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة في رمضان سنة ثمان، جمعها مالك بن عوف النصري، واجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها ونصرٌ وجُشمٌ كلها وسعدُ بن بكر ثم سار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس بأموالهم ونساءهم وأبناءهم حتى نزل بوادي يقال له أوطاس.

ثم جهز مالك جيشه وبعث عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم! ما شأنكم؟ فقالوا: رأينا رجالًا بيضًا على خيلٍ بلقٍ، فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فو الله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.

ولما سمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد رضي الله عنه وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فذهب إليهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر.

وعند ذلك أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ليلقاهم واستعار مائة درع بما يكفيها من السلاح من صفوان بن أمية وهو يومئذ مشرك، ثم خرج صلى الله عليه وسلم في جيش كبير قوامه اثنا عشر ألفًا، مما حدا بأحدهم أن يقول: (لن نُغلب اليوم من قلة).

ثم استقبل المسلمون وادي حنين وانحدروا في واد من أودية تِهامة أجوف حطوط، وكان المشركون قد كمنوا لهم في شعابه وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا فما راعهم إلا الكتائب قد شدوا عليهم شدة رجلٍ واحد، فانشمروا راجعين، لا يلوي أحدٌ على أحدٍ وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين، ثم قال: أين أيها الناس؟ هلموا إلي، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله وقد بقي معه صلى الله عليه وسلم نفرٌ من المهاجرين والأنصار وأهل بيته.

فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما حدث من الهزيمة وفرار الناس نادى: أين أيها الناس؟ فلم ير الناس يلوون على شيء، فقال: يا عباس، اصرخ يا معشر الأنصار يا معشر أصحاب السمرة، فأجابوا عندئذ لبيك، لبيك، وكان الرجل يذهب ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فاجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة، استقبلوا الناس، فاقتتلوا، وقاتل كبار الصحابة عندئذ قتالًا شديدًا وقاتلت أم سليم رضى الله عنها وإنها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة، ومعها جمل أبي طلحة، ثم أنزل الله النصر على عباده المؤمنين ووقعت الهزيمة بالكفار.

ولما هزم الله المشركين من أهل حنين وأمكن رسوله صلى الله عليه وسلم منهم، قالت امرأة من المسلمين:
قد غلبت خيل الله خيل اللات والله أحق بالثبات

وأنزل الله عز وجل في يوم حنين: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا... ﴾ [التوبة: 25][1].

القرآن وغزوة حنين:
تناول القرءان غزوة حنين في ثلاث آيات من سورة التوبة، بدأت بمنّ الله على عباده المؤمنين بنصره لهم في مواطن كثيرة رغم قلتهم وكثرة عدوهم وانتهت ببيان قبوله تعالى توبة التائبين ومغفرته للمذنبين مرورا بذكر مختصر جدا، ولكنه في غاية الإبداع، لما حدث في هذه الغزوة من اغترار بالعدد والهزيمة الأولية للمسلمين وفرارهم من أرض المعركة ثم مجيء الفرج ووقوع النصر بمعونة الله وكرمه. ورغم أن هذا التناول القرءاني لغزوة حنين كان قصيرا إلى حد ما إلا أنه حوى كثيرا من الفوائد كما سنرى آنفا.

لا منّان إلا الله.

بدأ القرءان تناوله لغزوة حنين كما أشرنا بمنّ الله تعالى على عباده المؤمنين وتذكيرهم بنصره لهم في مشاهد كثيرة وحروبٍ عديدة تقدمت على معركة حنين وذلك رغم قلة عددهم ونقص عتادهم وكثرة عدد عدوهم وشدة منعته كما حدث في بدرٍ وخيبر ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ﴾. فكما أن الله تعالى نصر المسلمين في هذه المواطن فإنه هو الذي نصرهم أيضا يوم حنين بعد الهزيمة الثقيلة التي فاجأتهم فأذهلتهم عن عقولهم ففروا على إثرها من أرض المعركة وهاموا على وجوههم حتى نادى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم مرة بعد مرة فاجتمعوا وقاتلوا حتى نصرهم الله تعالى.

يشير القرءان بهذه الجملة القصيرة الجامعة إلى أن نعم الله على عباده المؤمنين لا تعد ولا تحصى وأنه تعالى قد يذكّرهم بها في وقت الحاجة إلى ذلك فهو المنّان دون غيره ويحق له ذلك دون سواه لكثرة إنعامه وعظمة إفضاله على الناس فإنه هو من أعطى الحياة والعقل والمال وغير ذلك، كما أنه تعالى هو الوحيد في هذا الكون الذي يعطى الشيء من نفسه وليس من غيره.


وأما غير الله تعالى فإن المنًّ في حقه مستقبح، إلا عند من كُفرت نعمته وأُنكر فضله ونُسى شرفه وعلى هذا يحمل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من المنّ على الأنصار بعد تقسيم غنائم حنين.

وما كان المنّ من أقبح الصفات إلا لأنه مدعاة للتباغض والكراهية والتحاقد والتحاسد ولهذا نهى الله تعالى عنه في القرءان في حديثه عن الصدقة ﴿ لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى[2] فقرن بين المنّ والأذى لما بينهما من علاقة وطيدة، إذ أن المنّ يسبب نوعا من الأذى النفسي لدى المتلقي له.

فما أحوجنا إلى تقدير نعم الله علينا وما أحرى بنا أن نبتعد عن هذه الصفة القبيحة.

الذنوب مهلكة:
مضي القرءان في حديثه عن يوم حنينٍ ليبين أسباب الهزيمة التي لحقت بالمسلمين ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ. ويمكننا أن نحصر تلك الأسباب في اثنتين، الأول نفسي وهو الذي أدى إلى الثاني المادي وقد كان قبل المعركة حينما ركب بعض المسلمون العجب بالنفس والاختيال والزهو بالعدد والعدة ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾ ذلك أن بعضهم غاب عنه أن الله هو الناصر لا كثرة العدد والعدة فقال مختالا لما رأى كثرة عدد الجيش المسلم: لن نغلب اليوم من قلة. ولأنه تعالى لا يحب المختال والمعجب بنفسه ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا[3] ﴾ فقد تخلى عن ذلك الجيش الذي جمع بين أفراده معجبًا بنفسه أو مختالًا بكثرته وقوته وذلك ليعلّمهم أنه لا نصر لهم إلا بكونه معهم ولا فوز لهم إلا باعتمادهم عليه وثقتهم به في كل أمر وما كثرة العدد إلا سببٌ والأسباب بمفردها لا تكفي لتحقيق الغرض.

وكان السبب الثاني لهزيمة المسلمين هو ما حدث بعد بدء المعركة من فرار كثير من المسلمين من أرض المعركة لا يلون على أحد حتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ وما كان الفرار إلا نتيجة طبيعية وعاقبة بدائية للغرور والتكبر، فإن الله تعالى لما رأى من بعضهم ما رأى من الغرور والتكبر تخلى عنهم فصعب عليهم الحال حتى ضاقت عليهم الأرض الواسعة فكأنهم لا يجدون مكانًا يهربون إليه ولا ملجأ يأمنون فيه وذلك من عِظم ما لحقهم من رعبٍ لقلوبهم وخورٍ لنفوسهم، فولوا أدبارهم وهربوا عند ذلك من أرض المعركة منهزمين وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلة من أبطال الصحابة يقاتلون عنه. وفي فرارهم لم يعرفوا لهم طريقا كعادة المذعور الذي لا يدري أين يولي وجهه، فحاله كما قال الشاعر:
كأن فجاج الأرض وهي عريضة على الخائف المطلوب كفة حابل

بذلك يظهر أن العجب بالنفس والفرار من أرض المعركة وهما من أعظم الذنوب كانا سببا الهزيمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل معجب بنفسه: " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ، تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ"[4]، وقال عن الفرار من أرض المعركة: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلات"[5]. وقد قال الرازي رحمه الله (الإنسان متى اعتمد على الدنيا فاته الدين والدنيا، ومتى أطاع الله ورجح الدين على الدنيا آتاه الله الدين والدنيا على أحسن الوجوه)[6].

ويؤخذ من هذه الآية أن العجب وغيره من الذنوب جائزٌ في حق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهم بشر وإن كانت مكانتهم رفيعة.

وقد قال بعض الفقهاء أنه إذا بلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا كان الفرار حرامًا بخلاف ما إذا كانوا أقل من ذلك لأن هذا كان عدد الصحابة رضى الله عنهم يوم حنين وقد عاتبهم الله على فرارهم وهذه المسألة فيها كلام كثير موطنه كتب الفقه.

ويستبين من هذا أن المعاصي خطر كبير على الأمة كلها وأنها قد تكون سبب دمارها وهلاكها وقد قال الله تعالى ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا ﴾ [النمل: 52]، وقال: ﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً ﴾ [الأنبياء: 11].


إذا حلَّ الرضا تعددت الوسائل:
ولما أشار القرءان إلى حال الذين فروا يوم حنينٍ ذكر حال النبي صلى الله عليه وسلم الذي ثبت مع بعض أصحابه في أرض المعركة رغم قلة عددهم وفرار أكثر المسلمين، مبينا أنه لما حدث الفرار اغتم النبي صلى الله عليه وسلم وركبه الهم فأنزل الله عليه السكينة التي أسكنت قلبه وطمأنت نفسه ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾. ولما كان صلى الله عليه وسلم ثابت النفس ورابط الجأش أصلا زادته السكينة التي أنزلها ربه جلا وعلا عليه ثباتا على ثبات وسكينة على سكينة فباشر مهمته كقائد عبقري فذ لجيش هنَّ أغلب رجاله هنَّة فنادى عندئذ على من فر من أصحابه هلموا إلىّ عباد الله فاجتمعوا إليه بعد أن سكنت قلوبهم بسكينة الله التي تنزلت عليهم وواصلوا القتال حتى نزل النصر.

وقد قيل في معنى السكينة أنه النصر الذي سكنت إليه النفوس وقيل هي الرحمة التي سكنوا بها وقيل هي الوقار والثبات بعد الاضطراب والقلق[7].

ليبين القرءان بهذا أن نصر الله تعالى قريب من عباده المؤمنين إن خلوا عن موانعه من مثل ما ذكرناه آنفا من الذنوب وأن له طرقا متعددة ووسائل كثيرة منها: إنزال السكينة على قلوبهم وتمكين الطمأنينة في نفوسهم ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وعندئذ يرون عدوهم قليلا مهما كثر عدده وضعيفا مهما عظمت قوته فينتصرون، ومنها أن يمدهم بمدد من عنده يختلف من شكل لآخر ﴿ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ﴾ فيكثرون في أعين أعدائهم عددا ويعظمون قوة فينتصرون بهذا أيضا. وقد قيل في تلك الجنود التي نزلت على المؤمنين يوم حنين: هم الملائكة وقيل إنه تكثيرهم في أعين أعدائهم[8]. ومن وسائل النصرة أيضا خذلان الكافرين بتوهين قلوبهم وإضعاف أبدانهم وعقولهم فينهزمون وكفي بالهزيمة عذابا، خاصة بعد رؤية النصر أولا كما حدث لهم يوم حنين ﴿ وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وقد عبر القرءان عن هزيمة الكافرين بالعذاب لما تحتمله الهزيمة غالبًا من قتلٍ وخوفٍ وأسرٍ وغير ذلك مما يعد من أنواع العذاب التي تلحق بالمنهزم وقد نقل الماوردي رحمه الله في هذا العذاب رأيين أحدهما: بالخوف والحذر والثاني: بالقتل والسبي[9].

قيل إن الملائكة نزلت يوم حنينٍ لا للقتال، ولكن لتجبين الكفار وتشجيع المسلمين، فإن المروي أن الملائكة لم تقاتل إلا في يوم بدر[10]، وهذا ما تستريح إليه النفوس.

فغاية العاقلين طلب رضا الله تعالى والسعي إلى تحصيله بكل ما أوتوا من قوة وبشتى الطرق، إذ أنه سبب كل فلاح في الدنيا والآخرة فإن رب العزة جلا وعلا إن رضي عن أحد كان له من الفوز الكبير ما له.


التوبة منجّية:
ولما كان الذنب يجعل صاحبه على وجل ويورثه الذل والمهانة فتضعف نفسه بسببه وتخور عزيمته لأجله، كانت التوبة، التي وعد الله بقبولها منَّا منه ورحمة بعباده، هي فاتحة الخير والأمل وراحة النفس وقوة الجسد. وقد ختم القرءان حديثه عن حنينٍ ببيان أن الله تعالى يتوب على من يعود إليه من ذنب ويؤب إليه من معصية لأنه غفور لذنوب عباده رحيم بهم ﴿ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.

ويمكن القول إن الصحابة رضى الله عنهم تابوا توبة حالّة مما فعلوه من ذنبي العجب والفرار يوم حنين وهو ما تبين من خلال عودتهم عن الفرار بسرعة وقتالهم مستبسلين مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقع النصر لهم بفضل الله ومنّه عليهم ومن ينصره الله فلا غالب له ومن يخذله فمن الذي ينصره من بعده.

ورغم أن التوبة التي ذكرها الله في هذه الآيات عامة إلا أنه من الممكن أن نفهمها على ما ذكرناه من توبة الصحابة عن العجب والفرار وكذلك أيضا من الممكن أن تفهم أنها توبة هوازن، بعد انتهاء المعركة، عن الشرك بالله ودخولهم في الإسلام.

وبهذا يظهر جليا أن الذنوب وإن كانت في عين صاحبها صغيرة قد تكون سببًا في هزيمةٍ ثقيلةٍ وأن التوبة القريبة قد تكون سببًا في نصر غير متوقع، وقد كان تناول القرءان ليوم حنينٍ بيانٌ واضح لتلك القاعدة الجليلة التي لا يجب أن يهملها المسلمون أبدا في كل وقت وحين إن أرادوا النصر والعزة والتمكين.

وهكذا كان تناول القرءان لقصة حنينٍ، تناولها في ثلاث آيات من سورة التوبة، بدأها بتذكير المؤمنين بنعم الله عليهم حين نصرهم في كثيرٍ من المواطن والحروب التي خاضوها قبل هذه المعركة، ثم عاتبهم على اغترارهم بقوتهم وغفلتهم عن التمسك بسبب نصرتهم الدائم وهو الله تعالى وأشار إلى أن ذلك كان سببا رئيسيا لهزيمتهم الثقيلة، ثم بين القرءان أنه لما تاب الصحابة رضى الله عنهم من ذنبي العجب والفرار من أرض المعركة منّ الله تعالى عليهم بالنصر والذي تعددت وسائله فمن تسكين قلوبهم إلى إنزال جنود من قبله تعالى لمعونتهم ثم تعذيب المشركين بزلزلة نفوسهم وتمكين الرعب من قلوبهم والحاق الهزيمة بهم بعد النصر ثم ختمت الآيات ببيان أنه تعالى يقبل توبة من يتوب إذ أنه هو التواب الرحيم دائما و أبدا.

كل ذلك لتتمكن في نفوس المؤمنين تلك القاعدة العظيمة التي تنص على أن الذنوب هي أكبر أسباب الهلاك، ولما كان البشر لا ينفكون عن تلك الذنوب فقد شرع الله لهم التوبة التي هي أعظم سبب النجاة.

كلمات مفتاحية:
حنين، العجب، الكثرة، الفرار، السكينة، العذاب، التوبة.


[1] لمعرفة أحداث الغزوة بالتفصيل، انظر، السيرة النبوية، ابن هشام، عبد الملك، مصر، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، الطبعة الثانية، 1375هـ -1955 م، م، 2، 437-478.

[2] البقرة/ 264.

[3] النساء/ 36.

[4] صحيح البخاري، البخاري، محمد بن إسماعيل، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 1422هـ، ج، 7، ص،141، حديث رقم، 5789.

[5] المرجع السابق، ج، 8، ص، 175، حديث رقم، 6857.

[6] مفاتيح الغيب، الرازي، فخر الدين، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة ،1420 هـ، م، 16، ص، 18.

[7] البحر المحيط في التفسير، الأندلسي، أبو حيان، بيروت، دار الفكر، 1420 هـ، م، 5، ص، 394.

[8] النكت والعيون، الماوردي، أبو الحسن، بيروت، دار الكتب العلمية، م 2، ص، 350.

[9] المرجع نفسه.

[10] تفسير القرآن، السمعاني، أبو المظفر، الرياض، دار الوطن، الطبعة الأولى، 1418هـ-1997م، م، 2، ص 299.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 71.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 69.66 كيلو بايت... تم توفير 1.83 كيلو بايت...بمعدل (2.56%)]