الرثاء في شعر باشراحيل - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3371 - عددالزوار : 502199 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2814 - عددالزوار : 227045 )           »          تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 794 - عددالزوار : 26112 )           »          الصنعة التعليمية ودورها في تحويل الأهداف التربوية إلى سلوك عملي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 293 )           »          جنب الطلاب ونفسك الملل في قاعة التدريس (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          أيهم أنا؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          العام الدراسي الجديد.. أمل وألم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          لماذا نرى الإسلام نازفاً؟! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          التوازن والتكامل في التربية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 11 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى الشعر والخواطر

ملتقى الشعر والخواطر كل ما يخص الشعر والشعراء والابداع واحساس الكلمة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 29-07-2021, 03:23 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,569
الدولة : Egypt
افتراضي الرثاء في شعر باشراحيل

الرثاء في شعر باشراحيل (1)
محيي الدين صالح


الرثاء في شعر باشراحيل "دراسة أدبية"


مقدمة الدراسة




يَمتاز الأدبُ العربي بكَثْرة الرَّوافد وغزارَتِها، وفي الوقت نفسِه بصفاء المتوارث منه ونقائه، برغم تدفُّقه عَبْرَ مئات السنين، حتى وإن شابَه أو اعتراه ما يكدِّره، فمن اليسيرِ نقده وإظهاره وتفنيده.



وما دام الشعرُ ديوانَ العرب - كان كذلك وما زال - فإنَّ الدراساتِ التي تصبُّ حول الإبداعات الشعرية ينبغي أن تَحرصَ تمامًا على العُمق الإنساني، ويَجب عدمُ تسطيح الدَّوافع التي جعلتِ المبدعَ يتفاعل مع أمورٍ بعَيْنِها، ويُعرِض عن أمور... أو أن يُجيدَ إجادةً تامَّة في جوانبَ من إبداعاتِه، رُبَّما لا يصل إلى مُستواها في الجوانب الأخرى.



ونظريَّة (مفتاح الشخصية) التي أورثها لنا الأديبُ العملاق: عباس العقاد، من خلال عبقرِيَّاته الخالدة - أرى ألاَّ نُهملها كلما أردنا الغوصَ في أعماقِ الرِّجال، الذين ألقت بِهِم أقدارُهم في دائرة الضَّوء عُرْضَةً للتناوُل والتمحيص طوعًا أو كرهًا.



وإذا كان حديثُ المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((المرءُ بأصغريه: قلبه، ولسانه))، وعلى اعتبارِ أنَّ (اللسان هو ترجمان القلب)، كما جاء في الأثر، فإنَّ صُعوبةَ مُتابعة القلب وما حوى باعتباره في منطقةِ شبه المغيبات - يَجعلنا نُقيمُ لحصائدِ الألسنة اعتبارًا ووَزنًا، ونقدره حَقَّ قدره، ونُحاول ذلك ما أمكن، خاصَّة إذا كان صاحبُ هذا اللسان مِمَّن نحسبهم على خير في صدق روايتهم ورُؤاهم.



وعندما يكون الكلامُ عن أولئك الذين لا يَرْتجي منهم المتحدثُ أو الكاتب نَفْعًا، ولا يَخْشى منهم ضَرَرًا، فإنَّ المشاعِرَ تتدفق منه أو عنه بصِدْقٍ وعفوية، خاليةً من التملُّق والنِّفاق، وهذه هي حالُ الرِّثاء في الشُّعر العربي في أكثرِ حالاتِه، وليس معنى ذلك أنَّ الكلامَ عن الأحياء مرذولٌ جُملةً وتفصيلاً، ولكنَّ الموازين النَّقْدِيَّة ترجح بكفة المراثي عند المقارنة، فتكون أصدقَ قيلاً، وأفصح تأويلاً لمن أراد أن يدرس النصَّ الإبداعِيَّ من كلِّ جوانبه، إضافةً إلى صاحب النص وإيحاءاتِه وتلميحاتِه بجانب تصريحاته.



وهذا هو السببُ الذي جعلني أميلُ إلى دراسةِ المراثي في شعر عبدالله باشراحيل، من بين إبداعاتِه الكثيرة في كُلِّ الأغراض الشِّعْرِيَّة قديمها وحديثها، وثَمَّة سببٌ آخر لهذا التوجُّه الأدبي عندي، وهو أنَّ الوجدانِيَّات المتناثرة في كلِّ قصائده تَمتاز بشفافية الرِّثاء ومُفرداته ونفحاته، ورُبَّما آلامه وأحزانه.



أمَّا لماذا باشراحيل بالذَّات، في هذا العصر الذي كاد يَئِنُّ من كثرة الشُّعراء؟ فهذا لا تفسيرَ له عندي، إلا أنْ أعزُوَه إلى تقارُب الاهتمامات والانفعالات الوجدانية بيني وبينه كشعراءَ من جيلٍ واحد، رَغْمَ التباعُد المكاني بين وادي النيل (موطني)، وجزيرة العرب (موطن باشراحيل)، ورُبَّما يُعزى هذا الأمر إلى قولِ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الأرواح جنود مُجَنَّدَة، فما تعارف منها ائتلف...)).



وباشراحيل لا يكتفي برثاءِ الأحباب الذين رحلوا عنه، بل يَرثي البلادَ، والقيمَ، والآمالَ، والمعاني، والفضائلَ، وكل غائب يفتقده، كما أنَّه يرثي الزمانَ أحيانًا، ولا يستنكف من أنْ يرثيَ نفسَه إنْ لَزِم، واتجاهات الرِّثاء عنده تستحقُّ التأمُّل، ولا أقول التوقُّف عند كل جزئية، والعاطفة الصادقة والحس الديني عند الشاعر لهما حضورٌ قويٌّ يَجعلك تحترم أطروحاتِه ورُؤاه.



أمَّا الشخصياتُ التي يَرثيها باشراحيل، وتوجُّهاتُهم الفكرية أو الأدبية، ومكانتُهم في المجتمع، فذلك أمرٌ له مدلولٌ راقٍ، ويَجب توضيحُه في تفصيلٍ مُناسب، وكذلك هناك أثرُ البيئة، والتنوُّع الأسلوبي، وخصوصية المضامين، والقاموس اللُّغوي، والبحور المُنتقاة، والقوافي المناسبة لجوِّ القصيدة... فكُلُّ هذه جوانبُ لا نَمُرُّ عليها مُرُورَ الكرام، خاصَّة أنَّنا أمام شاعر جعل (الوفاء) حجرَ الزَّاوية في كلِّ إبداعاته، وتعلَّق قلبُه بكُلِّ مَن رأى أنَّه يتصف بالوفاء، وفي ذلك يقول:



إِنَّ الْوَفَاءَ رِدَائِي كَيْفَ أَخْلَعُهُ

وَقَدْ كَفَانِي وَإِنْ ذَمُّوا وَإِنْ مَدَحُوا [1]








وأنا في هذه الدراسة لست ذامًّا ولا مادحًا، ولكنَّها جولة أدبية بين القوافي أجوس خلالَها، وأغوص فيها إلى الأعماق، عبر خيالاته، وبواسطة كلماته المجدولة؛ لأستخرجَ ما قد يخفى على مَن لا يُجيدون الغوص، فأقدمها لهم زادًا في رحلتهم نحو دُروب الأدب العربي.



هذا، وقد اطَّلعت على ثلاثِ دراسات في شعر باشراحيل اتَّسمت بالموضوعية والجدية والحيدة: الأولى للدكتورة/ إيمان بقاعي، بعنوان: "الالتزام الإنساني في شعر باشراحيل" 300 صفحة، ركَّزت فيها الكاتبة على الوطن عند الشاعر، أمَّا الدكتور/ محمد بن مريسي الحارثي، فقدَّم دراستَه بعنوان: "جدلية الواقع والتخيُّل"، وأشار فيها إلى لوعة الرِّثاء عند باشراحيل، وحِدَّة العاطفة وقُوتِها، ورَكَّز خلالَها على رثائه لأبيه ولعمته، وعَرَّج على بعضِ النماذج الأخرى، إلاَّ أنَّ الدراسة شَمِلت كل قصائد ديوان "قناديل الريح".



أمَّا الأستاذة/ غريد الشيخ، فقدمت دراسة مستفيضة بعنوان: "الدلالات الفنية والإنسانية في شعر باشراحيل" في أكثرَ من أربعمائة صفحة، طافت - بل حلقت - في آفاق الشاعر، وحطت عند كل مرفأ من مرافئه، وحلَّلت كلَّ الجوانب الإبداعية عنده، إلا أن الرثاء عند باشراحيل لم يستهلكْ من هذه الدراسة الشائقة سوى (اثنتي عشرة صفحة) فقط؛ رُبَّما لأنَّ الكاتبة كانت تدور في آفاقٍ شاسعة بين قصائدَ مُتنوعةٍ كثيرة جدًّا من إبداعات باشراحيل.



ومن المؤكد أنَّ هناك دراساتٍ أخرى في شعر باشراحيل لم أطلع عليها... كما أنَّ هناك دواوين أخرى للشاعر لم تصل إلَيَّ، وبرغم ذلك، فإنَّ ما بين يديَّ من إبداعاتٍ ودراسات أعتبرها كافيةً لتسويغ ما ذهبتُ إليه من ضرورةِ الدِّراسة المتخصصة، أو المخصصة للرثاء عند باشراحيل.



وإذا سَلَّمنا بالمقولة التي ترى أنَّ "الرجُل صندوقٌ مُغلق، لا يُعرَف ما بداخله إلاَّ إذا تكلَّم، أو تحرَّك، أو تصرَّف"، فإنَّ باشراحيل في قصائده المتنوِّعة تكلم، وتحرك، وتصرف، فأصبح كتابًا مَفتوحًا يقرؤه الجميع، وكلٌّ يتفاعل مع الأُطروحات التي يجد فيها مبتغاه، أو توافق هواه.



ومن خلال الرُّؤى المكثفة في الأغراض الشعرية المتنوعة، يتَّضِح أنَّ باشراحيل إنسانٌ مرهف الحس إلى مدًى بعيد، وفي الوقت نفسه شديدُ الاعتداد بالنفس، مع ما يبدو من تبايُن بين الصِّفَتين، وفي نظرته للأمور فإنَّه يغوص إلى الأعماقِ؛ ليقفَ بقُرَّائه عند بعضِ الجوانب الخافية في أثناءِ الأمر، فلا يكتفي بمدلولاتِ السَّرْدِ للحدث، ولا بظواهر المعاني، وهذا التوجُّه عنده مؤصَّل أكثر ما يكون في قصائد الرثاء، والشواهد على ذلك كثيرةٌ، عرضت بعضَها في فصل (الرمزية في الرثاء) بقليلٍ من التفصيل، وأيضًا في فصل (الرثاء وإسقاطات الألم).



ولم يتحفَّظ باشراحيل في عرض مكنوناته من مشاعر ومَخاوف، حتى الهواجس التي راودته بسبب غيابِ رُموز فكرية عن الساحة الإسلامية، لم يُحاول أنْ يحجمها أو يصادِرَها، فهو صريح مع النفس ومع الآخرين، والبُعد الذَّاتي عنده ينال حظَّه كاملاً، كما في رثائه لوالده أو عمته، فهو يوفيهما حَقَّهما بأسلوبٍ يَشي بمدى التقارُب الذي كان بينهما في عَصرٍ ذهل فيه ذوو الأرحام، وتاهوا في معترك الحياة، مع أنَّ باشراحيل ربَّما لا يقصد ذلك؛ حيث لم يصرح به "تأدبًا".



وجدير بالذِّكر أنَّ باشراحيل لم يصدر ديوانًا خاصًّا بالمراثي، ولكنَّها قصائد متفرِّقة في مجموعة دواوينه، وهذه المجموعة حوَتْ كلَّ الأغراض الشِّعرية، التي أبْحر من خلالها إلى مَرافئ القُرَّاء، أما ديوان "قلائد الشمس" الذي صدر عام 2002م، فقد خصَّصه كلَّه لقصيدة مطوَّلة يوجِّهها إلى مُثقَّفي أمريكا مُترجمة إلى الإنجليزية والفَرَنسِيَّة، والقصيدة بترجمتَيْهما بين دفتي الديوان، إذًا هي رسالة عبر القوافي تُخاطب الوجدانِيَّات، التي يظن باشراحيل أنَّها قد تتجاوب معه من الأحياء الذين يشاركوننا في التفاعُل مع الأطروحات الأدبيَّة، ومِنْ ثَمَّ لا مكان لأيِّ معانٍ رثائيَّة في هذا الدِّيوان، أمَّا ديوان "وحشة الروح"، إضافةً إلى مجموعة "الأعمال الشعرية" التي تحوي مجموعة من الدواوين التي صدرت في أوقاتٍ مُتفرِّقة خلال رحلته الشعرية، فهي التي تَتناثر فيها كلُّ معاني الرثاء التي تنضح بها وجدانيَّات باشراحيل، سواء كانت قصائد رثاء أم قصائد أخرى.



وكأنَّ "باشراحيل" لم يكتفِ بقصائد الرثاء، فقام بإهداء ديوان "وحشة الروح" بما نصه: "إلى شهداء الأمة... من ثورة الجزائر إلى انتفاضة فلسطين"، كما أَهدَى الدواوين الأخرى إلى ذاتِ الرُّموز التي يُكِنُّ لها كلَّ الحب والتقدير (الوالدين، والوطن، والأحباب)، وصاغَ بعض الإهداءات نَثْرًا، وبعضها نظمها شعرًا، وهذا الأسلوب المتنوع في الإهداء دليلٌ على تغلب مَلَكة الشعر على الشاعر.



وبالنسبة لقصائد الرثاء، نجد ثلاثَ عشرة قصيدة في ديوان "قناديل الريح"، وقصيدتين في ديوان "وحشة الروح"، وقصيدة واحدة في كلٍّ من ديوان "الهوى قدري" وديوان "الخوف"، بإجمالي سبع عشرة قصيدة، إضافةً إلى بعض الرثائيَّات المبثوثة بين طيَّات قصائد أخرى، أمَّا الشخصيات التي يرثيها باشراحيل، فإنَّها صاحبة مكانة في قلبه بعيدًا عن المجاملات أو الرسْمِيَّات، وهذا واضح في صفاتِهم، ومواقفهم، وتوجُّهاتهم الفكرية والأدبية، وصلاتهم بالشاعر.



ولو تحدَّثنا عن الأعمال الشعرية بلُغة أهل الرواية ونقادها، فإنَّ أبطالَ باشراحيل وشخوصه كثيرةٌ جدًّا، وأنا أعتبر أنَّ كثرة الشخوص في العمل الشعري لا يعيبه، ولكنَّه يوضح اتِّساعَ دائرة المبدع، وعلاقاته الوجدانيَّة، وتفاعلاته الاجتماعيَّة.



ولعدم معرفتي ببعض الشخصيَّات التي رثاها باشراحيل، فقد استعنت بالأستاذ/ صلاح رشيد؛ لإلقاء حزمة ضوء على هذه الشخصيات ومآثرهم؛ للوقوف على مدى صدق التجربة الشعورية عند الشاعر، وذلك عند صياغة الفصل الخامس من هذه الدراسة تحت عنوان: "شخصيات الشاعر في الرثاء".



أمَّا "الرثاء" كمصطلح في الأدب العربي، فإنه تبلور عبر مراحلَ عديدة، بَدءًا من العصر الجاهلي، مرورًا بالعصور الإسلامية المتعاقبة وحتى الآن، وسيأتي تفصيلٌ لذلك في التمهيد، مقرونًا ببعض الشواهد والأسانيد.



وإذا سلَّمنا أنَّ من فنون البلاغة والبيان ما يقال عنه "مدح في صورة ذم، أو ذم في صورة مدح"، فهل يُمكن أن نطبقَ النظريةَ نفسَها على الأغراض الشعرية؟ فنقول: إنَّ قصائد الرثاء رُبَّما تأتي في طيَّات الأغراض الأخرى أو العكس؟



أطرح هذا التساؤل؛ لأنَّ قصائدَ باشراحيل المتنوعة نجد فيها الرثاءَ قاسمًا مُشتركًا بنسبة ولو قليلة، وكان الرثاء هو (الغائب الحاضر) في كثيرٍ من القصائد التي صِيغَت في أغراض شعرية أخرى، وهذا قد يُسْتَشَفُّ من حساسِيَّته المفرطة في علاقاتِه ووجدانِيَّاته ومشاعره نحو الآخَرين، كما أنَّ ذلك يوحي به التداخُل غير المذموم بين الأغراض الشعرية عند باشراحيل، الذي يُذكِّرنا بالشعر العربي الأصيل في أزهى عُصورِه، سواء كان الشعر الجاهلي أم الإسلامي.



ولقد استَطاع باشراحيل من خِلال كلماته المجنَّحة، وقوافيه المحكمة أنْ يفرضَ نفسه على وجدانياتي، كما فرضها من قبل على السَّاحة الأدبية العربية، وإذا أردت أن أقدمَ عنه موجزًا في هذه الدراسة على سبيل التذكير وليس التعريف، فهو:

الأديب الشاعر الدكتور/ عبدالله محمد صالح باشراحيل، من شعراء المملكة العربية السعودية المعروفين والمتميزين، رئيس مجلس إدارة مستشفى محمد صالح باشراحيل بالمملكة.



عضو في كثير من الهيئات والاتحادات والرَّوابط الأدبية والاجتماعية والإنمائية والعلمية في كثيرٍ من أقطار العالم العربي، وعضو مؤسِّس لمؤسسة الفكر العربي.



أنشأ جائزةً سنوية لتشجيع وإثراء حركة الإبداع العربي، وذلك باسم: "جائزة باشراحيل للإبداع الثقافي".



له أكثر من اثني عشر ديوانَ شعر، (جمع بعض هذه الدواوين في مجلدين كبيرين)، كما أصدر بعض الدراسات الأدبية والمقالات النقدية المتنوعة.



قدَّم أعمالَه للقراء كثيرٌ من الشعراء العرب الكبار، كما كتب عنه كثيرٌ من الدارسين والباحثين.



ترجم بعضَ أشعاره إلى اللغة الفرنسية واللغة اليونانية.



وسواء كان الرد على التساؤل الذي طرحته من قبل عن تداخُل الأغراض الشعرية بالإيجاب أو بالنفي، فإنَّني سأسلك بكم طريقًا في بحور باشراحيل حسب قناعاتي النَّقدية (لا أخاف دَرَكًا ولا أخشى)؛ لأن كثرةَ الأودية التي تمرُّ خلالها دروب المبدع باشراحيل لا تُغني عن وادٍ مؤصل أثير لديه، وهذا الوادي يحطُّ باشراحيل عنده رحالَه كلما غدا أو راح بين أغراضه المتنوِّعة، ومن أراد أن يرتويَ من عذب منهله "فليتبعني وراء هذا الوادي".






تمهيد



"المرثية والرثاء في اللغة والاصطلاح":

يرتبط المدلولُ اللغوي للمرثية والرثاء بالميت والبكاء، وهما في الأصل مصدر للفعل (رثى)، فيقال: رثيت الميت رثيًا ورثاءً ومرثاة ومرثية، ويدلُّ "رثى" في أصله اللغوي على التوجع والإشفاق؛ يقول ابن فارس: إنَّ اجتماع الراء والثاء والحرف المعتل أصلي في الثلاثي يدلُّ على رقة وإشفاق، يقال: رثيت لفلان؛ أي: رققت، وجاء في اللسان: رثى له؛ أي: رقَّ له... وتوجع، ويقال: ما يرثي فلان لي؛ أي: ما يتوجع ولا يبالي[2].



والمرثية والرثاء في اللغة: بكاء الميت، وتَعداد مَحاسنه، فيقال: رثى فلان فلانًا يرثيه رثيًا ومرثية، إذا بكاه بعد موته، ورثوت الميت أيضًا إذا بكيته وعدَّدت محاسنه.



وينطوي الرثاء في دلالة أخرى على النُّواح، فكان يقال للنَّائحة: إنَّها تترثى[3]، ورثاء المرأة: النياحة، والمرأة الرثاء، والرثاية: النَّوَّاحة، فالرثاء هو: النواح.



ولا نجد ذكرًا للشعر في مدلولهما عند اللغويين المتقدِّمين، أمثال الخليل وابن دريد والأزهري، لكنَّا نراه بدأ بالظهور عند الجوهري، ويتابعه بعد ذلك بقيَّة اللُّغويين؛ يقول الجوهري: "رثيت الميتَ مرثية، ورثوته أيضًا: بكيته، وعددت مَحاسنه، (وكذلك إذا نظمت فيه شعرًا)"[4]، إضافةً من الجوهري على القدماء تلك العبارة الأخيرة، كما أنَّ ابن فارس يضيف أيضًا عبارة: "ومن الباب قولهم: رُثِي الميت بشعر"[5].



ولعلَّ هذا الاستدراكَ جاء نتيجةً للحركة النقدية، التي برزت في القرنين الثاني والثالث للهجرة، وأسهمت في تَخصيص مدلول الرِّثاء بالموضوع الشعري؛ أي: إنَّ للرثاء مدلولاً واسعًا هو التوجُّع والإشفاق، أخَذ يتخصص أكثر بالشِّعر وموضوعاته.



وقد أخَذ مدلولُ المرثية يرتبط بالقصيدة، أو القطعة الشِّعرية من خلال ارتباطه بالعدد، فيقال: "رثيت الميت بشعر: قلت فيه مَرْثِيَّة، وقد ورَد جمع المرثية على "مراثي"، ولم يرد جمع للرثاء"[6].



أمَّا الرثاء، فقد بَقِيَ على دلالته العامَّة، وهي البُكاء على الميت، والإشفاق عليه، ونظم الشعر فيه، فالمرثية إذًا هي القصيدةُ أو القطعةُ الشعرية، أمَّا الرثاء فهو الإشفاق والحزن، وهو أمر معنوي.



ولم نجد لدى النقَّاد القدامى تحديدًا وتَمييزًا اصطلاحيًّا واضحًا لمفهوم (المرثية) و(الرثاء)، لكنَّنا يُمكن أن نستشفَّ من خلال الاستعمال الأدبي لهما من قبل النقَّاد أنَّ المقصودَ بالمرثية هو القصيدة، وأنَّ الرثاء هو الموضوع الشعري، فلقد اهتمَّ النقادُ القدماء بالمرثية بوصفها قصيدةً شعريَّة، فاختاروا أجودَها، وجعلوا لأصحابها طبقةً بين طبقات الشعراء، وأشاروا إلى الضَّعيف منها، وبيَّنوا أسبابَ هذا الضعف، كما أنَّهم استَجادوا عددًا من مقدماتِها، وعابوا الأخرى، وتحدَّثوا عن الأساليب والمعاني والأوزان اللاَّئقة بها، واهتمُّوا كذلك بالرثاء بوصْفه موضوعًا شعريًّا بين الموضوعات الشعريَّة الأخرى، وتَحدثوا عن درجة الحزن وعلاقتها بالرثاء، وعن طبيعة المرثي ودَوْره في التأثير على موضوع الرثاء، وعلى معاني الحزن العامة[7].



إنَّ المدلول اللغويَّ للرثاء الذي تَعارَف عليه القدماء، أصبح بمرور الزمن يمثِّل المدلول الاصطلاحي له، وهكذا يرى مؤلفُ كتاب "المراثي الشعرية" أنَّ مصطلح الرثاء في الدراسات المعاصرة يعني بكاء الميت وتَعداد مَحاسنه بالشعر والنثر، أو هو موضوع أدبي يقوم في بنيته الأساسِيَّة على الحزن على الميت.



وعلى هذا، تكون المرثية هي الأثرَ الأدبي الذي يتَّخذ الرثاء موضوعًا له.



ولما للتأبين من علاقة بالرِّثاء؛ نشير هنا إلى معنى التأبين، فقد جاء تحت مادة أبن: وأبَّن الرجل تأبينًا، وأبَّنه: مدحه بعد موته وبكاه، وقال شمر: التأبين: الثناءُ على الرجل في الموت والحياة[8].



وجاء أيضًا: وندب الميت؛ أي: بكى عليه وعدَّد محاسنه، يندبه ندبًا، والاسم النُّدبة بالضم، وندب الميت بعد موته من غير أن يقيد ببكاء، وأن تذكر النائحةُ الميتَ بأحسن أوصافه وأقواله[9].



وكما نلاحظ، فهذه الألفاظ وإن تباينت طبيعةُ حروفها، فإنَّ معانيها في مُعظمها واحدة، تطلق ويراد بها تَعداد شمائل المرثي وتأبينه، وإظهار اللوعة والأسى والتحسُّر على رحيله عن الحياة، تَحسُّرًا يَملؤه التفجُّع الصادق، النابع من قلب الراثي الوفي لمن يؤبنه.



ولا غروَ في هذا، فالرِّثاء غرض قديم وجديد أيضًا؛ لأنه متعلق بوجدان الإنسان، والإنسان الحساس غير مقفرِ الوجدان ولا جافِي الطبع، والأحزان تفجر في الإنسان ينابيعَ ثَرَّة من الفن الصادق.



والرثاء يعدُّ من أصدقِ الأغراض الشعرية؛ لأنَّه يخلو من الطمع والحاجة إلى المكافأة، بل ينبع من الإخلاصِ والصدق، إنه لمحة وفاء تشرق في الرُّوح، وتنهمر مع الدموع، وتنساب من الشفاه نشيدًا مثخنًا بالجراح موسومًا بالصدق[10].



إذًا الرثاء في الحقيقة: فنُّ تصوير العواطف الملتهبة والقلوب المكلومة، والنفس البشرية إذا كُلِمَت، نَفَّست عمَّا بداخلها من حزن على فقيدها، الذي كان يملأ عليها الدنيا.



وقد راجَ هذا الفن رواجًا عظيمًا في شعرنا العربي؛ لأنَّه وثيقُ الصلة بنهاية المخلوق في هذه الحياة.



"الرثاء: فلسفة بكاء الذَّات باستدعاء مواقف الراحلين، وتمثل ما بعد الحياة الدنيا، والتحسُّر هو التحسُّر نفسه على فَقْدِ الفرص السانحة للاستعداد من خلال تأمُّل مواكب الآفلين"[11].



ولذا كان الرثاء مُقترنًا بالموت، وليس هناك أمة لم تعرفه؛ وعلى ذلك فهو موجود عند كل الأمم، وفي كل العصور، كذلك هو الفن الذي لم يخلُ منه ديوان شاعر ولا شاعرة، حتى اشتهر بعضُ الشعراء والشواعر به، وعُدَّ علامةً بارزة في أشعارهم، أمثال: الخنساء، وجليلة بنت مرة، وليلى الأخيلية، وغيرهن كثير من الرِّجال والنساء، وقد سجَّل مُؤرخو الأدب على مَرِّ العصور تراثًا أدبيًّا ضخمًا من هذا الفن، فأضافوا إلى التراث الإنساني تراثًا تليدًا وطريفًا أثرى الصفحات الأدبية بكمٍّ هائل من القصائد، بل من عيونها.



يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29-07-2021, 03:23 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,569
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرثاء في شعر باشراحيل

وقد أهمل كثيرٌ من النقَّاد - خاصة القدامى منهم - فَنَّ "الرثاء"، ولم يعدوه فنًّا مستقلاًّ من فنون الشعر، وإنَّما عدوه من باب المديح، فابن رشيق يقول: "أكثر ما يجري عليه أغراضُ الشعر خمسة: النسيب، والمديح، والهجاء، والفخر، والوصف"[12]، ومرة أخرى يعدُّه ركنًا من أركان الشعر، فيقول: "إنَّ الشعر بُنِيَ على أربعة: المدح، والهجاء، والنسيب، والرثاء"[13].



ومنهم مَن أهدره جملةً، فقال: "قواعد الشعر أربع: الرهبة، والرغبة، والطرب، والغضب، فمع الرغبة يكون المديح والشُّكر، ومع الرهبة يكون الاعتذارُ، ومع الطرب يكون الشوق، ومع الغضب يكون التوعُّد"[14].



وقال ابن سلام: "إنَّ التأبين مدح الميت، والثناء عليه، والمدح للحي"[15].



وقال قدامة: "ليس بين المرثية والمدحة فصلٌ، إلاَّ أن يذكر في اللفظ ما يدُلُّ على أنَّها لهالك، مثل: كان، وقضى نحبه، وما أشبه ذلك، وهذا ليس يزيد في المعنى أو ينتقص منه؛ لأن تأبين الميت إنَّما هو بمثل ما كان يمدح به في حياته"[16].



وهذه نظرة بلا شك تُغْفِل العنصرَ الوجداني إغفالاً واضحًا، وتَنْسَى الجوَّ النفسي المسيطر على الراثي، وهو بعيدٌ كل البُعد عن جوِّ المدح.



تلك على أيَّةِ حال نظرةٌ غير متعمقة، مَبنيَّة على غير تَحليل واستقصاء، يستوي بها أنْ ترثي فقيدًا والقلب مُوجع حزين، وأن تَمدح حيًّا والنفس تفيض بهجةً وسُرورًا، ولا يستوي الأمران؛ ولذا جعلوا فَنَّ الرثاء أصعبَ فنون الشعر؛ لأنَّه أولاً: لا يعمل على رهبة أو رغبة، وثانيًا: لأنَّه يقوم على الصدق والإخلاص، وما أندرهما!



وحَصْرُ أسبابِ الانفعال الوجداني - كما هو عند النُّقاد القدامى - في الرغبة والرهبة، يَجعل الشاعر حين ينقطع رجاؤه في الميت أو خوفه منه، يشق عليه أن يرثيه، وهم هنا يُلغون من حسابهم الانفِعالَ بالأسى أو الحزن لفقد عزيز، أو الصدمة التي تهزُّ وجدانَ الشاعر حين يواجه مأساةً بشرية في موت ابنٍ وحيد، أو ابنةٍ، أو أمٍّ... إلخ.



ذلك لأنَّ الرغبةَ عندهم كانت تعني الطمعَ في عَطاء حاكم أو أمير، بدليلِ أنَّهم حصروا الرهبةَ في الاعتذار والاستعطاف، وفاتهم أنْ ينتبهوا إلى مُثيراتٍ أخرى للرهبة، كالشجن؛ شجن الفراق، الذي لا لقاءَ بعده، والخوف من وحشة الفراغ الذي يتركه موتُ عزيز، بل رُبَّما فاتهم أن يتلفتوا إلى رهبةِ الموت نفسه[17].



ويُروى أنَّ أحمدَ بن يوسف قال لأبي يعقوب الحزيمي: أنت في مديحك لفلان... أشعرُ منك في مراثيك له، فقال أبو يعقوب: كنَّا يومئذ نعمل على الرَّجاء... ونَحن اليومَ نعمل على الوفاء[18].



ولقد قالوا أيضًا: "ومن أشدِّ الرثاء صُعوبة على الشاعر أنْ يرثِيَ طفلاً أو امرأة؛ لضيق الكلام فيهما، وقلة الصفات"[19].



وهو قولٌ جِدُّ غريب؛ إذ لا نستطيع أن نتصورَ ما هو أفدح على الشاعر وأقسى من انطفاء الحياة في الولد، طفلاً يتفتح للحياة أبعد ما يكون الظن به - في المخلوق الضعيف قاصر النظر - أن يَموت، أو موت امرأة لا تعدو أن تكون أمًّا أو أختًا أو بنتًا أو زوجة.



وهذه النظرة قد مُحِيَت تمامًا في الرثاء في العصر الحديث، فنجد الآباء تنقطع نِياط قلوبهم لموت الأبناء، والأزواج لموت الزَّوجات، بل أصبح من هول الفجيعة أنْ خصت المرأة زوجًا بديوان خاصٍّ في رثائها، كما هو عند الشعراء عبدالرحمن صدقي، وعزيز أباظة، والدكتور رجب البيومي، وكذلك خصَّ الابن بديوان رثاءٍ خاصٍّ، كما هو عند الشاعرة سعادة الصباح، وغير أولئك كثير.



تطور الرثاء عبر العصور:

كان الرِّثاء عند شعراء الجاهلية من الموضوعات التي تتَّصل اتِّصالاً مُباشرًا وواضحًا بالحماسة، فقد كانوا يرثون أبطالَهم في قصائدَ حماسيَّةٍ يريدون بها أنْ يُثيروا قبائلَهم؛ لتأخذَ بثأرهم، فكانوا يُمجِّدون خلالَهم، ويصِفون مناقبهم، التي فقدتْها القبيلة فيهم؛ حتى تنفر إلى حرب مَن قتلوهم، وكان يُشاركُ الرجالَ في ذلك النساءُ، فقد كُنَّ ما يزلن ينُحن على القتيل؛ حتى تثأر القبيلة له، وقُمنَ بالقسط الأكبر من ندب الميت وبكائه، وكُنَّ يشققن الجيوبَ عليه، ويلطمن وجوهَهن، ويقرعن صدورَهن، ويعقدن عليه مَأتَمًا من العويل والبُكاء، ومن خير ما يُصوِّر ذلك كتاب "مراثي شواعر العرب"؛ للويس شيخو[20].



ومن الطريف عند شعراء الجاهلية أنَّ بعضَهم كان إذا أحسَّ داعيَ الموت، ندَب نفسه، ووصَف ما يَصنعه به أهله بعد الموت؛ من ترجيل شعره، ووضعه في مدارج الكفن، ثم لحده ودفنه، وتنسب للمخرق العبدي أو ليزيد بن الخذاق قطعةٌ يُصَوِّر فيها هذا المصير الذي ينتظره، يقول فيها:



هَلْ لِلْفَتَى مِنْ بَنَاتِ الدَّهْرِ مِنْ وَاقِ

أَمْ هَلْ لَهُ مِنْ حِمَامِ الْمَوْتِ مِنْ رَاقِ




قَدْ رَجَّلُونِي وَمَا رُجِّلْتُ مِنْ شَعَثٍ

وَأَلْبَسُونِي ثِيَابًا غَيْرَ أَخْلاَقِ




وَأَرْسَلُوا فِتْيَةً مِنْ خَيْرِهِمْ حَسَبًا

لِيَسْنِدُوا فِي ضَرِيحِ التُّرْبِ أَطْبَاقِي








وكانوا يكثرون من تأبين مَن يَموتون في ميادين الحرب، وقد يُضمِّنون هذا التأبين هجاءً لاذعًا لخصومهم، وفخرًا بعشيرتهم ومآثرها وأيامها[21].



ولم يؤبنوا أبطالَهم من القتلى فحسب، بل فسَحوا في مراثيهم لتأبين أشرافهم، وإنْ ماتوا حتف أنوفهم؛ فخرًا بهم، واعتزازًا بمناقبهم وأعمالهم ومآثرهم، ونجدهم قد يستنزلون لهم الغيثَ من السماء حتى تصبحَ قبورُهم رياضًا عطرة، ومن رائع تأبينهم مرثية أوس بن حجر لفضالة بن كلدة الأسدي، وأولها[22]:



أَيَّتُهَا النَّفْسُ أَجْمِلِي جَزَعًا

إِنَّ الَّذِي تَحْذَرِينَ قَدْ وَقَعَا




إِنَّ الَّذِي جَمَّعَ السَّمَاحَةَ وَالنْ

نَجْدَةَ وَالْحَزْمَ وَالْقُوَى جُمَعَا




الْأَلْمَعِيَّ الَّذِي يَظُنُّ لَكَ الظْ

ظَنَّ كَأَنْ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمِعَا








وكانوا أحيانًا حين يذكُرون الموتَ، يتأَسَّون ويتعَزَّون عنه بأنَّه حوضٌ لا بُدَّ من وُروده، وقد سبقَتْهم إليه الأجيالُ الماضية من ملوك وغير ملوك.



وعلى هذا النحو ألَمَّ الشاعر الجاهلي بجوانبِ الرثاء الثلاثة من الندب، والتأبين، والعزاء، وكان رثاؤه غالبًا يتعلَّق بأفراد، وقلما تعلَّق بمجموعة من الفرسان.



ولما جاء الإسلام بما يحمله من عقائدَ وتشريعاتٍ، كان له أثرُه الواضح في تطوُّر السلوك الإنساني وسُمُوِّه، وبصورة خاصَّة عقيدته في اليوم الآخر، التي أكسبت المؤمنين صفاتٍ كان الناس يفتقدونها قبلَهم، لعلَّ من أبرزها الفاعلِيَّة بطبيعتها الشُّمولية والأخلاقية، فقد أيقن الإنسانُ بالدَّوْر الذي خُلِق من أجله، وكشف له القرآن سر الحياة والكون، وعلَّمه كيف يسخِّر الطاقات الكونية لتحقيقٍ أمثلَ لواجبِ الخلافة في الأرض، فيتحوَّل المؤمن إلى طاقة فَذَّة في ميدان الفعل والإنجاز... قدرة مذهلة في مجال العطاء والإبداع... شُعلة مُتوهجة يَمتد إشعاعها إلى أعماقِ التُّراث، فيُضيئها ويدفعها إلى آفاقِ العلم، فالمعرفةُ باليوم الآخر هي أقوى باعث على فعل الخير وتَرْكِ الشر، ولم يكن الإسلام ليحركَ الفاعليَّة في الإنسان دون أن يَمنحه الشعور بالسعادة والاطمئنان والأمان؛ ولذا كان المؤمنون دائمًا سعداء قبل أن ينتقلوا إلى الدار الآخرة؛ ليضاعفَ لهم الجزاء، ويكتسب صفة الدوام والخلود، فقد تغيَّر لون الحياة وطعمها بعد أن عرف الإنسانُ غايتها وجدواها؛ إذ كان يظنها خلقت عبثًا؛ ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [ص: 27]، فهي ذاتُ قيمة عالية إذا ما استغلت الاستغلال الأمثل في طاعة الله.



ولذا أصبح الإنسانُ المؤمن لا يَخشى الموت ولا يقلق بشأنه، بل يُقدِم عليه إقدامًا إنْ كان في سبيل الله، غير مُبالٍ بزينةِ الدُّنيا وبهرجتها، لقد بدأ تغيُّر مفهوم الموت يؤتي ثمارَه في مراثي صدر الإسلام، فنرى الاطمئنان إلى مصير المرثي والرِّضا بقضاء الله - عزَّ وجلَّ - حَلَّ محل الجزع والولولة عليه، والتشاكي من الدَّهر وسبه، والدُّعاء على النفس بالويل والثُّبور، وبدا الشاعر الإسلامي يتحدث عن مصير المرثي وما يتلقاه من تَرحاب وتَكريم في الجنة، ويلتمس الشاعر من الله - عزَّ وجلَّ - أن يُثيبه ويَجمعه مع من يُحب سَوِيَّةً في الجنة.



وقد اكتسبت المرثية الإسلامية بذلك حُلَّةً جديدة، تزهو ألوانُها بالمعاني الإسلامية التي تشعُّ رضا وسعادة وأملاً، وأكثر ما يتَّضح ذلك في مراثي شهداء المسلمين.



وإدراكًا من الشاعر الإسلامي بخُطورة الشعر وأهميَّة دَوْرِه ودور الشاعر في الإسهام الحضاري، أخَذ هذا الشاعر يسلك مَسلكًا آخَر في مراثيه غير الذي كان متبعًا قبل الإسلام، والذي كان يقوم على إرضاء الدَّوافع الذاتيَّة للشاعر، وخدمة العصبيَّة القبليَّة؛ حيث خرج من دائرته، وأخذ يُسهم من خلال مراثيه في المشاركة في الدفاع عن الإسلام والمسلمين، والخوض في المعضلات التي يتعرَّضون لها، كما أخَذ يسهم في نشر تعاليم الدِّين الإسلامي ومَفاهيمه، وأكثر ما يتضح ذلك فيه مراثي الخلفاء الراشدين، والشهداء، وقسم من مراثي الأهل والأقارب[23].



وفي عصر بني أميَّة والعباسيين تطوَّر فَنُّ الرثاء، كما يقول ابن رشيق: "كان من عادة العرب القُدامى أن يضربوا الأمثالَ في المراثي بالملوك الأعِزَّة، والأمم السالفة، والوعول الممتنعة في قلل الجبال، والأسود الخادرة في الغياض، وبحُمُر الوحش المتصرِّفة بين القفار، والنُّسور والعقبان والحَيَّات لبأسها وطولِ أعمارها، وذلك في أشعارهم كثيرٌ موجود لا يكاد يخلو منه شعر، فأما المحدثون فهم إلى غير هذه الطريق أميل"[24].



ومع ذلك فقد استمرَّت بعض مظاهر الرثاء واتِّجاهاته القديمة، وإنْ كانت قد أخذت في التضاؤُل والانكماش؛ لتُخلي السبيلَ للمظاهر والاتِّجاهات الجديدة.



ومن الاتجاهات الجديدة في الرِّثاء - خاصَّة في العصر العباسي وإنْ كان معظمه في عصر بني أمية رثاءً تقليديًّا - إخراج الرثاء مخرج الفكاهة والضحك؛ حيث اتجهوا بالشعر وجهات جديدة، فخرجوا به عن دائرة الأشخاص إلى آفاق أخرى معنويَّة أو حسيَّة، فإذا بنا نجد مطبع بن إياس يرثي شبابه لا في بيت أو أبيات عابرة ضمن قصيدة، كما كان يحدث في القديم، ولكن في قصيدة كاملة قصرها على هذا الرثاء، ومنها:



إِنِّي لَبَاكٍ عَلَى الشَّبَابِ وَمَا

أَعْرِفُ مِنْ شِرَّتِي وَمِنْ طَرَبِي




وَمِنْ تَصَابِيَّ إِنْ صَبَوْتُ وَمِنْ

نَارِي إِذَا مَا اسْتَعَرْتُ فِي لَهَبِي




أَبْكِي خَلِيلاً وَلَّى بِبَهْجَتِهِ

بَانَ بِأَثْوَابٍ جِدَّةٍ قُشُبِ








ثم يتطرَّق الشاعرُ إلى بكاء شيء عزيز كان يَملكه، ويستشعر نحوه الوفاء والمحبة، فيرثيه من مثل رثاء محمد بن أبي كريمة لقميصه الذي بَلِيَ، بل رثوا الحيوانات الأليفة وغيرها، كما فعل أبو نواس في رثاء كلب صيدٍ له لَسَعَتْه حيَّة فمات، في قصيدة طويلة أولها:



يَا بُؤْسَ كَلْبِي سَيِّدِ الْكِلاَبِ

قَدْ كَانَ أَغْنَانِي عَنِ الْعُقَابِ








كما بدأ الشعراء بدايةَ القرن الثاني الهجري في رِثاء الأوطان؛ حيث زاد وعيُهم بالرِّباط الذي يشدُّهم إليها، ولعلَّ أطولَ قصيدةِ رثاء في المدن في شعرنا العربي قصيدة الحزيمي في رثاء بغداد، وقد روى الطبري منها مائةً وخمسة وثلاثين بيتًا أتى فيها على تاريخ بغداد كله، وصوَّر منها نكبةَ بغداد أيامَ الفتنة بين الأمين والمأمون.



ومِمَّا لا شكَّ فيه أنَّ شعر الرثاء الذي كان يدعو منذ الجاهلية إلى التفكُّر والتدبُّر والنظر في حكمة الكون، أصبحَ أكثرَ انشغالاً بهذه الأمور، وأكثرَ تعمُّقًا بعد انتشار العلوم والمعارف فيما بعد، كما أنَّ الرثاءَ عامة قد أصبح في أيدي الشعراء الزُّهَّاد وسيلةً للتذكير بالموت، وتنبيه الغافلين عن اليوم الآخر[25].



ويظلُّ الرثاء فنًّا يستوعب مشاعرَ الحزن والتحسُّر على من مات، قِوَامُه الصدق، ولُحمته الإخلاص، ودافعه الوفاء، حتى غدا من أرقِّ أنواع التعبير، وأعمق ما يُترجِم عن الأحاسيس البشرية حتى اليوم.







[1] من قصيدة "فارس الشعر" قناديل الريح، ج2.




[2] مقبول بشير النعمة: "المراثي الشعرية في عصر صدر الإسلام"، ص13.




[3] الزمخشري: "أساس البلاغة"، ص221.




[4] انظر: الجوهري: "الصحاح".




[5] ابن فارس: "معجم مقاييس اللغة"، ص488/2.




[6] مقبول بشير النعمة: مرجع سابق، ص14.




[7] مقبول بشير النعمة: المرجع السابق، ص15.




[8] ابن منظور، ت: عبدالله علي الكبير وآخرين، لسان العرب، دار المعارف، ص1582/3.




[9] ابن منظور: المرجع السابق، ص4380/6.




[10] د. صابر عبدالدايم: "محمود حسن إسماعيل بين الأصالة والمعاصرة"، دار المعارف، ص118.




[11] د. زهران جبر: "آراء في الحياة والموت".




[12] ابن رشيق: "العمدة"، ص77/1.




[13] ابن رشيق: المرجع السابق، ص78/1.




[14] أبو تمام: "ديوان الحماسة"، ص458.




[15] ابن سلام: "طبقات فحول الشعراء"، ص50/1.




[16] قدامة بن جعفر: "نقد الشعر"، ص59.




[17] د. طه عبدالحميد زيد: "فن الرثاء بين الرجال والنساء في العصر الحديث"، ص7.




[18] ابن رشيق: مرجع سابق، ص79/1.




[19] ابن رشيق: مرجع سابق، ص24/2.




[20] شوقي ضيف: "العصر الجاهلي"، ص207، 208.




[21] شوقي ضيف: "العصر الجاهلي"، ص209.




[22] أوس بن حجر: "ديوانه"، ص53.




[23] مقبول بشير النعمة: مرجع سابق، ص31.




[24] ابن رشيق: مرجع سابق، ص131/2.




[25] د. محمد مصط





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 29-07-2021, 03:25 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,569
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرثاء في شعر باشراحيل

الرثاء في شعر باشراحيل (2)
محيي الدين صالح




اتجاهات الرثاء عند باشراحيل


عَشِقَ اللاَّهُونَ أَسْمَارَ الْعَشَايَا
وَعَشِقْنَا نَحْنُ مَا بَعْدَ الْمَنُونْ

إِنَّمَا الْأَرْضُ عَدَاوَاتٌ وَشَكْوَى
وَخُطًى تَلْهَثُ فِي إِثْرِ الشُّجُونْ [1]



في هذه الكلمات الموجزة المكثَّفة المعبِّرة، يُوضِّح لنا باشراحيل فلسفةَ الإبداع عنده ورُؤيته فيما يَجب أنْ يقال شعرًا، وكأنه عائد لتوِّه من رحلةٍ زمنية بعيدة، بعد أن ضرب على أذنيه في كهفِ البشرية سنين عددًا، ثم بعث بقناعات وخبرات اجتماعية جديدة تُناسِب هذا العصر الذي تحوَّلنا فيه إلى تروس صغيرة في آلة ضخمة مُعقدة، وهذا يذكِّرنا بما فعله المتنبي من قبلُ حينما خرج على الناسِ بقصيدته الشهيرة:
صَحِبَ النَّاسُ قَبْلَنَا ذَا الزَّمَانَا
وَعَنَاهُمْ مِنْ شَأْنِهِ مَا عَنَانَا

وَتَوَلَّوْا بِغُصَّةٍ كُلُّهُمْ مِنْ
هُ وَإِنْ سَرَّ بَعْضَهُمْ أَحْيَانَا



وبناءً على هذه الخبرة المكتسبة، قسم باشراحيل الناسَ فئتين: الأولى فئة (اللاهون)، والفئة الثانية هي التي تشمله ضمنًا، وعبَّر عنها في المقابل بقوله (نحن) في الشطر الثاني من البيت، وبين الفئتين بعدٌ شاسع، ولَم يعد الناسُ فيما يعشقون مذاهب، كما كان من قبل، بل صاروا مذهبين اثنين فقط حسب رُؤية شاعرنا، وكلُّ مذهب له مُريدون وعُشَّاق، وهو في تقسيمه هذا أفضلُ مني حالاً ومآلاً، فقد سبق أن قسمت الناس أيضًا إلى فئتين، ولكني وضعت كلَّ الناس في جانب، ووضعت نفسي وحيدًا في الجانب الآخر، وذلك عندما كتبت قصيدة: "بيني وبين العالمين"[2] سنة 1995، وقلت فيها:
وَاهِمٌ مَنْ ظَنَّ أَنَّا فِي الرُّؤَى مُتَّفِقُونْ
فَجَمِيعُ النَّاسِ نَوْعٌ وَأَنَا خَصْمٌ مُبِينْ
قِسْمَةٌ ضِيزَى، سِبَاقٌ قَاتِلٌ، أَمْرٌ مَشِينْ
وَتَبَارَيْنَا لِيَعْدُو الْكُلُّ فِي عَكْسِ اتِّجَاهِ الْآخَرِينْ
وَانْزَعَجْنَا مِنْ غِيابِ الْعَدْلِ عِنْدِ الْحَاكِمِينْ
فَذَهَبْنَا نَتَسَوَّرُ حُرْمَةَ الْمِحْرَابِ لَكِنْ
لَيْتَ عِنْدِي نَعْجَةً وَاحِدَةً أَكْفُلُهَا لِلطَّامِعِينْ

ونعود إلى تقسيم باشراحيل وأبياته، فاللاَّهون عشقوا السَّمَر في عَشِيَّات أخَّاذة... لا بُدَّ أن تكون قد أتت بعد ضحوات هادئة، وأمسيات هانئة، وهذه "العشايا" - كما يسميها الشاعر - احتضنت كثيرًا من الغافلين، الذين لا ينظرون أبعدَ من تحت أرجلهم، أمَّا الشاعر ورفاقه، فقد عشقوا ما هو أبعد من ذلك بكثير، ورحلوا بعُقولِهم وقلوبهم إلى ما بعد الضحوات والعشيات والدنيا كلها.

عشقوا ما بعد المنون، وكأنَّهم برموا بالحياة، ولَم يستَسِيغوا منها زمانًا ولا مكانًا؛ حيث يرى باشراحيل أنَّ الأرضَ عداواتٌ وشكوى، وخُطًى لاهثة خلف الآلام والمواجع، وليس خلف الآمال والأحلام، ومن الواضح أنَّ الشاعر في هذه الرُّؤية مُتأثرٌ جدًّا بقوله - تعالى -: ï´؟ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ï´¾ [البلد: 4].

وحقيق على مَن يرى الأرض ويَصفها بهذه الصفات، أنْ يتطلعَ إلى المرحلة التالية، التي ستكون بعيدًا عن الأرض، التي لَم يخلد إليها الشاعر ورفاقه، ومن العجيب أنَّ هذه الأبيات لباشراحيل لم تكن ضمن قصيدة رثاء، ولا كانت من مجموعة "مرافئ الدمع"، التي تتقاطر فيها دموع الشاعر على أحبابه الذين سبقوه إلى دار البقاء، ولكنَّها أبيات في قصيدة (مئوية الحب) من مجموعة (منابر الفجر).

وهذا هو ما جعلني أشيرُ في مُقدمة الدراسة إلى تداخُل الأغراض الشعرية ومَشروعيَّتها وجمالها، إذا أُحسِن التداوُل والتداخُل.

وهذه الرؤية تذكرنا بأديبنا الكبير عباس العقاد حين يقول:
حَيْرَانُ حَيْرَانُ لاَ نَجْمُ السَّمَاءِ وَلاَ
مَعَالِمُ الْأَرْضِ فِي الْغَمَّاءِ تَهْدِينِي

يَقْظَانُ يَقْظَانُ لاَ طِيبُ الرُّقَادِ يُدَا
نِينِي وَلاَ سَمَرُ السُّمَّارِ يُلْهِينِي



وبرغم المسافة الزمانية والمكانية التي بين باشراحيل والعقاد، فقد اتَّفق الشاعران وأبْدَيَا آراءً مشابهة عن الحياة الدنيا، وكأنهما في ذلك يستقيان من نبع واحد.

ولا نستطيع أن ندَّعي أن للشاعر باشراحيل نظرةً تشاؤميَّة؛ لأنَّ كلَّ قصائده تقريبًا تنتهي بالدُّعاء، أو الابتهال، أو الرجاء من الله - سبحانه - أن يخفف ما يُعاني ويجد، أو أن يزيل الهمَّ والكرب، كما يقول في رثاء الأديب/ حمد الجاسر في نهاية القصيدة[3]:
فَاغْفِرْ لَهُ يَا إِلَهَ الْكَوْنِ فِي كَرَمٍ
فَإِنَّنَا وَجَمِيعَ الْخَلْقِ خَطَّاءُ



وكذلك في قصيدة رثاء الشاعر/ حسين سرحان[4]:
نَدْعُو لَكَ اللَّهَ الَّذِي
قَدْ حَفَّ بِالْإِحْسَانِ عَبْدَهْ



أمَّا القصيدة التي يرثي فيها أباه، فإنه يُظهر الجلد والتصبر والعزاء، بأسلوب الأديب الإسلامي الواثق، ويقول في نهاية القصيدة:
لَمْ تَزِدْنِي الْحَيَاةُ غَيْرَ يَقِينٍ
أَنَّ لِلَّهِ رَجْعَتِي وَسُكُونِي

وَهْوَ بِالْخَلْقِ رَاحِمٌ وَكَرِيمٌ
وَهْوَ مَوْلاَكَ بَيْنَ دُنْيَا وَدِينِ



ولو استعرضنا كلَّ قصائد باشراحيل، سنجد فيها هذه الخاصية، فالحس الديني الإيماني - ولا نزكي أحدًا على الله - مع عدم الاكتراث بهموم الدُّنيا وفتنها وزينتها، إضافةً إلى إحسان الظنِّ بالناس، كل ذلك ملامح واضحة لا تُخطئها العين، وهذا هو المدخل الطبيعي الذي يستطيع الدارس أو القارئ أنْ يَعْبُر من خلالِه إلى آفاقِ وأعماق الشاعر المرهف (باشراحيل)، إذا أراد أن يعرفَ اتجاهاتِ الرِّثاء عنده، فهو شاعر يقول صراحةً: إنَّ أحزانه أكثر من أفراحه - وهكذا كل الشعراء الصادقين - وهو في ذلك يتَّفق مع الشاعر، الذي قال (ولعله عباس العقاد):
إِنَّ حُزْنًا فِي سَاعَةِ الْمَوْتِ أَضْعَا
فُ سُرُورٍ فِي سَاعَةِ الْمِيلاَدِ



فهو ليس من أهل اللهو والعبث، وإن تناثر من أعماقه بعضُ قصائد الغزل والشوق والهيام، كما أنَّه ليس من أهل الأرض والغَفْلة مهما كانت الخُطى التي مشاها عندما كتبت عليه.

ولاستيضاح اتِّجاهات الرثاء عند باشراحيل لا بُدَّ من تناوُل بعض إبداعاته في هذا الغرض على سبيل الاستشهاد والاستنباط.

والنموذج الأول الذي سنجوب في عرصاتِه هو قصيدة "لله درك يا عمر"، التي كتبت في رثاء المغفور له بإذن الله الشيخ: عمر بن محمد بن سبيل (إمام المسجد الحرام)[5]، يستهل الشاعر مرثيته قائلاً:
لِلَّهِ مَا أَقْسَى الْخَبَرْ
الْيَوْمَ وَدَّعَنَا عُمَرْ

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 29-07-2021, 03:26 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,569
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرثاء في شعر باشراحيل

يَا أَيُّهَا الشَّيْخُ الْإِمَا
مُ وَأَيُّهَا الْقَلْبُ النَّضِرْ

يَبْكِيكَ مَنْ بِالْبَيْتِ طَا
فَ وَحَجَّ مَكَّةَ وَاعْتَمَرْ


فالشاعر يبدأ أوَّلَ كلمة في القصيدة باسم "الله" (لله)، وعنوان القصيدة مبدوء كذلك، ونهاية القصيدة (يا رب)... وقد وصَلت الرسالة التي يريد الشاعر أن يَبُثَّها عبر قصيدته، فالأحزان مهما كانت، والمصائب مهما عظمت، فإنَّها لا تطيح برزانة الرجل، ومرارةُ الوداع، وقسوة الخبر، لا يخففهما إلاَّ اللجوء إلى الله مُحتسبين، خاصَّة في مثل هذه الأمور، ويبدو مدى تأثُّر باشراحيل بما قاله عبيد بن الأبرص:
وَكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ
وَغَائِبُ الْمَوْتِ لاَ يَؤُوبُ



وتحليل القصيدة من حيث المفردات تكشف عن أمورٍ كثيرة، ففيها (القسوة، والبكاء، والحزن، والدموع، والمنية، والوداع)، وهي مفردات لها وقعها عند الرثاء.

ولكن هناك مفردات أخرى وظَّفها الشاعرُ لخدمة أغراضِه في هذا الحيز، فالقصيدةُ فيها من "النضارة، والخير، وحبات الندى، وعين القمر، والنسائم، والسراج، والسقي، والعطر، والمطر"، كما نجد فيها ذِكْرَ المكان (مكة) وذكر الزمان، والحركة، والصوت، والعطر، والضوء؛ أي: إنَّ القصيدةَ لوحةٌ متكاملة من الصور.

والبيان في أبيات القصيدة له مَذاق خاصٌّ، فالنسائمُ لها دموع، والأسحار لها مُقل، والقمر له عين، والخير يبكي، والسراج يقرأ ويرتل، والمنية تسعى؛ يقول باشراحيل:
دَمْعُ النَّسَائِمِ لَمْ يَزَلْ
يَنْسَابُ مِنْ مُقَلِ السَّحَرْ

كَبَرِيقِ حَبَّاتِ النَّدَى
أَشْرَقْتَ فِي عَيْنِ الْقَمَرْ



ومن قبل البيتين في ترتيب الشاعر:
وَالْخَيْرُ أَصْدَقُ مَنْ بَكَى
حُزْنًا وَأَوَّلُ مَنْ حَضَرْ

وَسِرَاجُكَ الضَّاوِي يَشِعْ
عُ بِمَا حَفِظْتَ مِنَ السُّوَرْ



وقبل النهاية:
تَسْعَى الْمَنِيَّةُ نَحْوَنَا
سَعْيَ الْقَضَاءِ أَوِ الْقَدَرْ



وبين هذا وذاك، فإنَّ الابتهالَ والدُّعاء سِمَة مُميزة في هذه القصيدة:
يَا رَبِّ نَحْنُ إِلَى رِضَا
كَ وَنَيْلِ عَفْوِكَ نَفْتَقِرْ

فَاغْفِرْ لَهُ يَا سَيِّدِي
وَارْحَمْهُ أَنْتَ بِهِ أَبَرّْ

أَنْتَ الْكَرِيمُ وَأَنْتَ مَنْ
بِيَدَيْكَ أَقْدَارُ الْبَشَرْ

يَا رَبِّ نَسْأَلُكَ الثَّبَا
تَ لَهُ وَطِيبَ الْمُسْتَقَرّْ


يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29-07-2021, 03:27 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,569
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرثاء في شعر باشراحيل


والشاعر لا يكتفي بأنه تضرع إلى الله، ولكنه يسترحم بكل أهل الطاعات الذين طافوا حُجَّاجًا أو معتمرين:
وَدُعَاء مَنْ صَلَّى الْفُرُو
ضَ الْخَمْسَ وَالْتَمَسَ الْحَجَرْ



ومما سبق يتضح لنا أنَّ اتِّجاهات الرِّثاء عند باشراحيل ليست بُكائِيَّات أو مآثر جامدة، ولكنها فرصة للتأكيد على الثَّوابت الإيمانية، والحث على الفضائل، وذكر المحاسن، وتسجيل الخواطر، كل هذا مع سرد آلامه الخاصَّة من فقْد الحبيب الذي غاب.

ونظرة عابرة في قصيدة أخرى لباشراحيل أراها ضروريةً لتثبيت أركانِ هذه الرؤية، حتى وإن لم نلجأ إلى تَحليلها كما حدث من قبل.

والنموذج الثاني الذي أتناوله هو قصيدةُ (الفراق المر) في رثاء الشيخ العالم محمد بن عثيمين[6]، عندما قرأتُ القصيدةَ للمرَّة الأولى، سرح بي الخيال بعيدًا إلى خير العصور، وتذكَّرت قصةَ الصحابي الذي سَمِعَ الرسولَ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يدعو الله عند دفن أحد الصحابة، فقال: ليتني أنا الذي على النعش، وذلك من طلاوة ما سمعه من المصطفى وهو يترحَّم على الفقيد.

ولما قرأتها للمرة الثانية عند إعداد هذه الدراسة، تمثَّلت بيتَ الشاعر مالك بن الريب حين قال:
تَذَكَّرْتُ مَنْ يَبْكِي عَلَيَّ فَلَمْ أَجِدْ
سِوَى السَّيْفِ وَالرُّمْحِ الرُّدَيْنِيِّ بَاكِيَا



لأنَّ العالم الجليل (ابن عثيمين) كان موفور الحظ، فجنَّد الله له مَن يَرثيه بما هو أهل له، ويا ليت شِعْري، من سيرثينا غدًا؟

يقول باشراحيل في رثائه (لابن عثيمين):
يَا أَيُّهَا الشَّيْخُ الَّذِي يَعْتَادُنَا
فِي كُلِّ عِيدٍ بِالتُّقَى يَتَبَسَّمُ

عِيدُ الْجِنَانِ هُنَاكَ أَعْظَمُ فَرْحَةٍ
لِلْمُؤْمِنِ الصَّادِي لِمَنْ هُوَ أَعْظَمُ



وأيضًا يستغلُّ باشراحيل الفرصة السانحة؛ ليؤكِّد على أهميَّة العلم وفضله، وعلى قيمة التقوى في الدنيا والآخرة، وفي ختام القصيدة يستودع الشاعر كلَّ وجدانه عند الله - سبحانه - الذي لا تضييع ودائعه:
هُوَ خَالِقُ الْكَوْنِ الْعَظِيمِ وَكُلُّنَا
رَهْنُ الْمَنُونِ وَلَنْ تَرَى مَنْ يَسْلَمُ



والوقار عند باشراحيل يُعَدُّ من أهمِّ القيم التي يَجب التمسُّك بها في كُلِّ الأحوال، أو هو حجر الزَّاوية في العلاقاتِ الإنسانية؛ ولذلك فإنَّه لا يتوانى إطلاقًا في إبداءِ الإعجاب الفائق بِمَن يتصف بهذه الصِّفَة السامية.

ففي رثائه للشاعر/ حسين عرب في قصيدة بعنوان (على مثله دمع الرجال يسيل)؛ يقول باشراحيل:

هُوَ الصَّادِقُ الْأَوْفَى الْحَفِيظُ لِعَهْدِهِ
رَفِيعٌ عَنِ الْهَذْرِ السَّقِيمِ أَثِيلُ[7]



فإذا ما استعدنا من خِلال الشعر علاقةَ باشراحيل بالمرثيِّ، سنجد ذات المعاني مداولة بينهما في مراسلاتِهم، فهو أيضًا القائل من قبلُ في قصيدة كان قد أرسلها للشاعر/ حسين عرب، في حياته، وكأنَّه استشعر ضرورةَ التأكيد على معاني الوفاء، قال:
هُوَ الزَّمَانُ فَلاَ تَعْجَبْ لِحَالَتِهِ
إِذَا تَقَلَّبَ فِي أَعْقَابِهِ النَّزحُ



وحسين عرب الذي يُخاطِبه باشراحيل بهذه المداخلات أو المساجلات القيِّمة، هو صاحب القصة الشهيرة (قصة القدس)، التي تتجلَّى فيها الأسباب التي جعلت باشراحيل يهيم بحبه قلبًا وقالبًا.

فبعد أنْ استعرض الشاعِرُ حسين عرب بعضَ الأحداث العربية الدَّامية وتوابعَها في قصيدة طويلة نسبيًّا، اختتمها بقوله:
أَيُّهَا السَّامِعُونَ عَفْوًا فَمَا كُنْ
تُ لِأُشْجِيَكُمْ بِمَا أَشْجَانِي

قَدْ لَوَانِي الْقَرِيبُ عَنْ بَهْجَةِ الْحَفْ
لِ وَلَمَّا عَالَجْتُهُ أَعْيَانِي



وبعد هذا الاعتِذار البليغِ، الذي يُوضِّح مدى شفافية شعراء الجزيرة العربية وحساسيتهم الزائدة نحو مشاعر الآخرين - يصف الشاعر حسين عرب تلك الليلةَ التي جمعته مع أحبته في تهامة قائلاً:
لَيْلَةٌ مِنْ ثَقَافَةٍ وَبَيَانٍ
وَجَمَالٍ وَفَرْحَةٍ وَأَغَانِي

لَمْ أَكُنْ مِنْ حُمَاتِهَا غَيْرَ أَنِّي
كَجَوَادٍ يَعْدُو لِغَيْرِ رِهَانِ



فإذا كانت هذه المشاعر الفياضة هي التي كانت تَجمع بين حسين عرب وباشراحيل، فقد وجب على باشراحيل أنْ يُعَزِّيَه أحرَّ العزاء، مُحتسبًا كُلَّ الخصال التي وجدها فيه عند من لا تضيع ودائعه.

وكأنَّه يتخوف مما حذر منه من قبل الشاعر الفارسي (الطغرائي) حين قال لاميته الشهيرة:
غَاضَ الْوَفَاءُ وَفَاضَ الْغَدْرُ وَانْفَرَجَتْ
مَسَافَةُ الْخُلْفِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ



وهذا يُوضِّح أنَّ اتجاهات الرِّثاء عند باشراحيل تَجوب في آفاقِ الأخلاق والمثل العليا، سواء توجَّه بأشعاره تلقاء نجد أو تِهامة، أم حَلَّق فيها في سَموات الحضارة العربية الإسلامية أينما حلت.


يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 29-07-2021, 03:28 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,569
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرثاء في شعر باشراحيل



الرمزية في الرثاء


تجوَّلتُ كثيرًا بين قوافي باشراحيل، ورافقته من خلال الكلمات المجنَّحة في شتَّى أغراضه الشعريَّة، وتوقَّفت كثيرًا عند قصائد الرِّثاء، وشعرت بكلِّ ما تألَّم به باشراحيل عندما فارقه أحبابُه؛ وذلك بسبب أسلوبه البديع الذي يشفُّ عن حقيقة ما عاناه الشاعر لكلِّ فقيد عزيز لديه... ولا أقول: إنَّني شاركته أحزانَه، ولكني أقول: أحسست أنه قال ما وددت أن يُقال في هؤلاء الرجال، خاصَّة من أعرفهم.

أمَّا المعاني والمثل والقيم التي افتَقَدها الشاعر ولو إلى حين، فرثاها بشكلٍ مُباشر أو غير مباشر، فهي دليلُ الإحساس المرهف الذي يتمتع به الشُّعراء المخلصون الغَيُورون، وباشراحيل عندما يتعرَّض لهذه المسائل، فإنَّه لا يسطحها ولا يضخِّمُها، ولكنَّه يبتغي بين ذلك سبيلاً، ويقنع القارئ أو المتلقي بوجهة نظره، فهو يتحدَّث عن رَهْطٍ من صحابةِ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في مجموعة (أقمار مكة)؛ ليُعيدَ إلى التداول تلك الصفاتِ النبيلة التي كان يتحلى بها الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ويود لو توافرت كلُّ الشمائل والخصال الحميدة في أبناء جيله.

أمَّا بلاد الإسلام التي يرثيها باشراحيل مثل (القدس، والعراق، واليمن، ولبنان)، فإنها استكمال لأركان الرثاء عنده بعد أن رثى الزمانَ والإنسان والخصال، حتى نفسه التي بين جنبيه لم تسْلَم من الرثاء، كما في قصيدة (فرحة الرحيل) من ديوان قناديل الريح.

معنى ذلك أنَّني أمام ظاهرة شعرية تفاعَلت مع الحياة في حقيقتها المجرَّدة من كلِّ أقنعة التزيين أو التزييف، وتعامَلت معها على هذا الأساس، فلا عجب أن يرحلَ الغرام غير مأسوف عليه، وهو الذي يَحرص عليه كلُّ الناس، ولا عجب أيضًا من أن يكون للرحيل فرحة، مع أنَّه هو عين الشقاء والعذاب في أعرافِ أهل الوصال ومُريديه.

وقضية الموت تُعَدُّ من أعقد المسائل التي شغلت بالَ الشعراء قديمًا وحديثًا... وإنْ كان باشراحيل يوصي ابنتَه بالتصبُّر، ويقول لها:
لاَ تَنُوحِي بُنَيَّتِي لاَ تَنُوحِي
جَدِّدِي الذِّكْرَ عَنْ وَفَاتِي وَبُوحِي



فهو في ذلك يتحدَّث كما لو فارق الحياة فعلاً، وكان عباس العقاد يوصي محبيه وتلاميذَه أيضًا بما يجب أن يفعلوه، ومن أبياته الشهيرة في ذلك:
إِذَا شَيَّعُونِي يَوْمَ تُقْضَى مَنِيَّتِي
وَقَالُوا أَرَاحَ اللَّهُ ذَاكَ الْمُعَذَّبَا

فَلاَ تَحْمِلُونِي صَامِتِينَ إِلَى الثَّرَى
فَإِنِّي أَخَافُ اللَّحْدَ أَنْ يَتَهَيَّبَا

وَغَنُّوا فَإِنَّ الْمَوْتَ كَأْسٌ شَهِيَّةٌ
وَمَا زَالَ يَحْلُو أَنْ يُغَنَّى وَيُشْرَبَا

وَلاَ تَذْكُرُونِي بِالْبُكَاءِ وَإِنَّمَا
أَعِيدُوا عَلَى سَمْعِي الْقَصِيدَ فَأَطْرَبَا



ومن قبلهما كانت الأبيات التي تجاوَزها الأدب الإسلامي بعد تحريم "شق الجيوب ولطم الخدود"؛ حيث قال أحد الشعراء:
وَإِنْ مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ
وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَالِكِ



ولكن شتان بين ما يدعو إليه باشراحيل وبين ذلك، فهو يرى أنَّ حياته للحق، وإذا مات فللذكر الطيب، وهو في فلسفته هذه على عكس طَرَفة بن العبد البكري، الذي جعل حياته للمجون، ولا شيء بعد الموت حين قال:
كَرِيمٌ يُرَوِّي نَفْسَه فِي حَيَاتِهِ
سَتَعْلَمُ إِنْ مِتْنَا غَدًا أَيُّنَا الصَّدِي



يقول باشراحيل:
أَنَا إِنْ عِشْتُ كَانَ لِلْحَقِّ عَهْدِي
وَإِذَا مِتُّ عَطَّرَتْنِي صُرُوحِي

لَسْتُ أَرْضَى مَجَاهِلَ السُّوءِ إِنِّي
أَعْتَلِي الدَّهْرَ عَنْ غُبَارِ السُّفُوحِ



وما يطرحه باشراحيل من خلال قصيدته (فرحة الرحيل) من تَسْويغات دَعَتْه إلى هذا الاتجاه، فإنه يذكرنا بما قاله أبو الطيب المتنبي:
إِذَا تَرَحَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوا
أَلاَّ تُفَارِقَهُمْ فَالرَّاحِلُونَ هُمُ



فهو سعيد برحيله الذي هو في الحقيقة رحيلهم؛ حيث فارقوا المعاني الجميلة التي يرجوها الشاعر فيمَن حوله، وما دامت المخازي والهموم والذُّهول هي البضاعة الرائجة في غياب الجمال والآمال والنقاء، فإنه لم يَعُدْ أمامه إلا أن يقول:
دَثِّرِينِي حَبِيبَةَ الْقَلْبِ إِنِّي
قَدْ أَرَتْنِي الْأَحْدَاثُ كُلَّ قَبِيحِ

لَمْ يَعُدْ وَجْهُنَا الْجَمِيلُ جَمِيلاً
وَصَحِيحُ الْآمَالِ غَيْرَ صَحِيحِ

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29-07-2021, 03:29 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,569
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرثاء في شعر باشراحيل

لَمْ تَزِدْنِي الْحَيَاةُ إِلاَّ مِلاَلاً
فَأَرِيحِي بُنَيَّتِي وَاسْتَرِيحِي


وإذ يقول باشراحيل: إنَّه فرح بالرحيل؛ بسبب الصفات السيِّئة التي أصبحت ظاهرة، فرحيلُه متخذًا من الحياة رمزًا لذلك، فقد سبقه في نفس الدرب (الغرام).

وفي قصيدة (رحل الغرام) يتخذ الرمزيةَ بُعدًا جديدًا؛ لتأتِيَ الأبياتُ على لسان أنثى فاضلة زاهدة واثقة، رُبَّما تكون تَجسيدًا للكرامة المهانة، أو الشجاعة الغائبة، وإذا كانت الكرامة والشجاعة مِن أهمِّ سمات العربي، فقد جعل باشراحيل غرامًا متبادلاً بينهما وبين الإنسان العربي، فإذا ما اهتَزَّت علاقاتُهم الوَشِيجة، وحلَّ الجفاء مَحلَّ الغرام، واستسلم الإنسان، فإنَّ من حقِّ الشجاعة أو الكرامة أن تتَّخِذ لنفسها مَوقفًا، وترثي ذلك الغرام الذي رحَل كما يقول باشراحيل على لسانها:
دَعْنِي فَمَا أَنَا مِنْ جِرَاحِكَ عَاتِبَهْ
رَحَلَ الْغَرَامُ وَلَمْ أَعُدْ بِكَ رَاغِبَهْ



وربَّما يأتي أحد القرَّاء فيجرِّد القصيدة من الرمزيَّة، ويأخذها على أنَّها حالة عاطفية بين رجل وامرأة، ويرى أنَّ باشراحيل عَبَّر عن وجهة نظر المرأة، فقد ثارت أمورٌ مشابهة حينما كتب أبو فراس الحمداني رائيته الشهيرة، وقال:
وَفَيْتُ وَفِي بَعْضِ الْوَفَاءِ مَذَلَّةٌ
لِفَاتِنَةٍ فِي الْحَيِّ شِيمَتُهَا الْغَدْرُ

تُسَائِلُنِي مَنْ أَنْتَ؟ وَهْيَ عَلِيمَةٌ
وَهَلْ لِشَجٍ مِثْلِي عَلَى حَالِهِ نُكْرُ

فَقُلْتُ كَمَا شَاءَتْ وَشَاءَ لَهَا الْهَوَى
قَتِيلُكِ قَالَتْ: أَيُّهُمْ؟ فَهُمُ كُثْرُ



حيث اعتبر بعض المتلقين أنَّ الفاتنة رمزٌ للوطن.

وهذه هي ميزة الشعر، يثير من الخيالات ما يوافق كلَّ الأهواء، ويَجد كلُّ ساعٍ في عرصاته ما يوافقه، "والشاعر ينام ملءَ جفونه عن شوارده"، كما قال المتنبي من قبل، ولك أن تسبح بخيالك كما تشاء، وتفسر بما يحلو لك ما قاله باشراحيل في نهاية القصيدة:
مَا زَالَ فِي وَجْهِي الرَّبِيعُ وَلَمْ أَزَلْ
أَحْلَى النِّسَاءِ وَمِنْ جُنُونِكَ هَارِبَهْ

إِنْ لَمْ أَكُنْ فَجْرَ ابْتِسَامَاتِ الْمُنَى
أَوْ كَانَ حَظِّي مِنْ زَمَانِي الْكَاسِبَهْ

سَأُرِيحُ تَسْهِيدَ الْجُفُونِ وَأَبْتَنِي
كُوخَ الْهُدُوءِ أَعِيشُ أَجْمَلَ رَاهِبَهْ




[1] "قصيدة مئوية الحب: ديوان منابر الفجر"، ص69 (الأعمال الشعرية ج2).


[2] من ديوان "الجرح وأحلام العودة"، صدر عن مركز الدارسات السودانية بالقاهرة، 1996م.

[3] قصيدة (هذا هو الحق)، قناديل الريح، ص298.

[4] قصيدة (العمر اليتيم) – قناديل الريح، ص421.

[5] من ديوان (وحشة الروح)، ص34.

[6] من ديوان قناديل الريح: مجموعة (مرافئ الدمع)، ص400.

[7] ديوان وحشة الروح، ص50.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 29-07-2021, 03:30 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,569
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرثاء في شعر باشراحيل

الرثاء في شعر باشراحيل (3)
محيي الدين صالح



بين الحجاز والشام


حينما قرأت للشاعر بشار بن برد بيتَه الشهير:
يَا قَوْمِ أُذْنِي لِبَعْضِ الْحَيِّ عَاشِقَةٌ
وَالْأُذْنُ تَعْشَقُ قَبْلَ الْعَيْنِ أَحْيَانَا



اعتبرتُ هذه المقولة من بناتِ الخيال التي تصدر عن الهائمين فقط... وعندما قرأتُ للشاعر باشراحيل قصيدةَ (منبر الشرق)، التي يرثي فيها الشاعرُ الكبير/ عمر أبو ريشة، تأكَّدت أنَّ بشارًا لم يتجاوز ولم يبالغ، ولكنه كان صادقًا، فها قد عَشِقْتُ (أبا ريشة) دون أنْ أراه من قبل، وذلك من خلال ما قاله باشراحيل، فتمنيتُ أنِّي لو تواصلت مع الفقيد وعايشته، ولمست فيه هذه الصفات النبيلة عن قُرب وهو صاحب قطوف الشعر كما يناجيه باشراحيل:
أَيُّهَا الشَّاعِرُ الْمُتَوَّجُ بِالشِّعْ
رِ وَمِنْ شِعْرِهِ شَذًى وَقُطُوفُ




وهذه القصيدة تحلِّق في أفق الحجاز، تلك الآفاق التي لها مكانتها؛ إذ تنزلت من خلالها كلُّ معاني مكارم الأخلاق التي يبثُّها باشراحيل عبر قصائده، وتتَّجه شمالاً في ذات الدُّروب التي أظلَّت رحلةَ الصيف، التي كانت تتحرَّك من الحجاز إلى الشام، إلاَّ أنَّ بضاعةَ باشراحيل ليست للتِّجارة التي تطعم من جوع، ولكنَّها للحب والمودة ووَصْل ما أمر الله به أن يوصل، وإذا كانت المسافةُ بين مكة (بلد الراثي)، وسوريا (بلد المَرْثِي) قد نعمت بهذا التواصل، فإنَّني أضيف إليهما (وادي النيل) بالتجاوب... ثم تتداخَل المسافات ما بين المتلقين، فتنصهر في بوتقة الأدب العربي وفق المنظور والتصوُّر الإسلاميَّين، وتتلاحم عبر القوافي لما فيه الخير للشعوب ثقافِيًّا واجتماعيًّا.

وعمر أبو ريشة كان شاعرًا يستحقُّ الرثاء بكُلِّ هذه المعاني والأخيلة، ولم يكُن باشراحيل مُجاملاً عندما سمَّى قصيدته بمنبر الشرق، فإذا تتبعنا أثر رحيل أبي ريشة عن دُنيانا في أعماق بعضِ الشعراء المعاصرين، سنجد أيضًا مكانته في قلوب الجميع، وكما يقول الشاعر السوري (ناصر الخوري) في رثاء أبي ريشه[1]:
نُوحِي جُفُونَ الْهَوَى وَاسْتَنْفِري الْوَتَرَا
مَاتَ الْأَمِيرُ وَنَايُ الشِّعْرِ قَدْ كُسِرَا

أَغْنَى الزَّمَانِ تُضِيءُ الدَّرْبَ أَحْرُفُهُ
فَالشَّمْسُ تَحْمِلُ فِي أَجْفَانِهَا الْقَمَرَا



وهذا دليلٌ على أنَّ باشراحيل كان صادقًا في تعبيراته في رثاء أبي ريشة، ومن ثَمَّ هو لم يتصنع الألفاظ والمعاني.

وعنوان القصيدة (منبر الشرق) فيه إيحاء، المنبر عند المسلمين له مكانةٌ مَرموقة؛ حيث يشعُّ منه نورُ العلم، والشرق يُمثل بدايةَ كلِّ يوم جديد ومولد متجدد للشمس التي لا يُفنيها الغروب.

وواضح أن الشاعر أراد أن يجمع بين هذين النيرين، عندما أراد أن يتحدث عن (عمر أبو ريشة) وأدبه الذي تركه من بعده، وسيرته التي يراها باشراحيل نموذجًا يُحتَذى به، وكان يُمكنه أن يكتفي بالعُنوان في الاستدلال على ذلك، ولكنه استرسل قائلاً:
أَيُّهَا الْمُبْدِعُ الْمُحَلِّقُ كَالنِّسْ
رِ عَلَى الرِّيحِ فِي الْفَضَاءِ يَطُوفُ

أَيُّهَا الْمُرْتَقِي إِلَى سُبُلِ الْمَجْ
دِ وَلِلنَّاسِ مِنْكَ عَقْلٌ حَصِيفُ



ويُصرِّح بما خفي بين حروف العنوان، من ذلك الضوء الذي ينبعث من منبره؛ ليفتت الظلام:
أَنْتَ لِلْعُرْبِ مِنْبَرٌ يَتَضَاوَى
فِي دَيَاجِي الظَّلاَمِ مِمَّا يَحِيفُ



وباشراحيل كما عهدناه في كُلِّ قصائد الرثاء وغير الرثاء، لا يَحيد عن اللجوء إلى الله - سبحانه وتعالى - بما يرجوه لنفسه ولغيره:
فَلْيُنِلْكَ الرَّحْمَنُ خَيْرَ ثَوَابٍ
وَهْوَ لِلنَّاسِ غَافِرٌ وَرَؤُوفُ



وهو إذ يَختتم قصيدتَه في رثاء (عمر أبي ريشة) بهذا البيت، وكأنَّه يريد أنْ يزيلَ عن القراء بعضَ القلق الذي قد يُساورهم بسبب البيت الأول؛ حيث يقول:
حَسْبُنَا كُلِّنَا أَسًى يَا رَفِيقُ
وَأَنِينُ الْفِرَاقِ دَاءٌ مُخِيفُ



وفيما يتعلَّق بأسلوب باشراحيل في هذه القصيدة، نَجده يُخاطب المرثي بأشكال متعدِّدة، فأحيانًا وكأنه يناديه عبر الأثير بقوله: (أيُّها)، ويُكرِّرها في أبيات أربعة غير متتابعة كقوله:
أَيُّهَا الرَّاحِلُ الْمُوَسَّدُ بِالْحُبْ
بِ وَفِي رَوْضِكَ الزَّمَانُ الْوَرِيفُ

أَيُّهَا الشَّاعِرُ الْمُتَوَّجُ بِالشِّعْ
رِ وَمِنْ شِعْرِهِ شَذًى وَقُطُوفُ



(وكان قد سبق أنْ خاطبه بقوله: (أيها المبدع، وأيها المرتقي).

وهو في ذلك يتصوَّره ماثلاً أمامَه بقيمه وشعره وإبداعاته، ونجده يقول له:
أَنْتَ فِي الدَّهْرِ صُورَةٌ تَتَسَامَى
وَصَدَاكَ الشَّجِيُّ فِينَا أَلِيفُ

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 29-07-2021, 03:36 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,569
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرثاء في شعر باشراحيل



مع أنَّه في بعض الأبيات يتحدَّث عنه بضمير الغائب، وبفعل (كان):
كَانَ مِلْءَ الْعُيُونِ يُنْشِدُ لِلْحَقْ
قِ وَفِي رَاحَتَيْهِ مِنْهُ سُيُوفُ

كَانَ فِي الْجَدْبِ يَسْتَجِيبُ إِلَى الزَّهْ
رِ وَوَجْهُ النَّدَى إِلَيْهِ شَفُوفُ



وقد يخاطبه بـ(كنت):
كُنْتَ تَمْضِي إِلَى الْحَيَاةِ بِعَقْلٍ
وَهْوَ فِيكَ الْحَكِيمُ وَالْفَيْلَسُوفُ



وهذا التنوُّع في أسلوبِ المُخاطبة يُوحي بأنَّ باشراحيل لم يفتقدْ رُوح (عمر أبي ريشة) الإنسان الشاعر، ولكنه فَقَد حضورَه المكاني فقط.

وإذا نظرنا إلى مُجمل القصيدة من خلال اتِّجاهات باشراحيل في الرثاء، نجد أنَّها واضحةُ المضمون، (فأنين الفراق) في البيت الأول، و(الراحل الموسد) في منتصف القصيدة، و(الجوانج الثكلى) في نهاياتها - تَجزم الغرض الرثائي للقصيدة، والأغاريد، والبلابل، والروح، والنسر المحلِّق، والريح: كلمات تدلُّ على شاعريَّة المرثي ومكانته في فَضاءات الأدب، وكلمات: (التسامي، والحكمة، والفلسفة، والارتقاء) تدُلُّ على مكانته بين الناس.

ومع أنَّ القصيدةَ تتكوَّن من واحدٍ وعشرين بيتًا، فإنَّ المعاني والصُّور والأخيلة التي بُثَّت من خلالها كثيرةٌ، تفي بمكانةِ الفقيد ومآثره في قلب الرَّاثي؛ ولذلك فَقَدِ استطاع باشراحيل أنْ يقنعَ المتلقي برسالته التي أراد أنْ يبلغها للمثقف العربي عن رُوَّاد الشعر في العصر الحديث.

وهذه الأبيات وهي تحلِّق من الحجاز إلى الشام، فإنَّها تطيح بالحدود السياسيَّة التي رسمها الاستعمار؛ للتفريق بين أبناء الأمة الإسلاميَّة في ثقافتها، بل تبشِّر بأنَّ ما بذره الأعداءُ لم يُنبت إلاَّ طَلْعَ التحدِّي، ولو أتى أُكُلَه بعد حين، وهذه الدِّراسة التي نَصُوغها ونحن على ضفافِ نهر النيل دليلٌ على الصدى الطيب الذي أحدثه الشعر والشاعر، ونجاحه مع رفاقه الشُّعراء والأدباء في خلخلة الإقليمية، التي يُحاول ضعافُ النُّفوس فرضها على الواقع العربي، وهم ينادون بقَطْعِ الصلة بين الماضي والحاضر؛ تَمهيدًا لتفتيت الحاضر.

كما أنَّ المؤرخين الذين سيأتون في أجيالٍ لاحقة، ويستعينون بالأدب في تأريخهم، ستقرُّ أعينُهم عندما يرَوْن مثل هذه القصائد التي تُؤكِّد لهم مدى التواصُل المكاني بين العرب في كل مكان، والتواصل الزماني بين الأجيال المتعاقبة، وارتباطهم بالنبع الصافي، الذي بدأ منذ قرون بعيدة مع قوله - تعالى -: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]، وتكون المحصلة النِّهائيةُ خيرَ دافع للأجيال القادمة على السير في ذاتِ طريق المجد، من خِلال ما توارثوه من أدبٍ، ولغة، وثقافة، وأشكال تعبيريَّة، وخصوصيَّة أخلاقيَّة، وأوازن بيانيَّة، يتخطَّون بكل ذلك أعتابَ المستقبل، فيذكرون أجدادهم (الذين هم نحن) بكل خير.

• • •







الأغراض المتنوعة وظلال الرثاء:

معاني الرثاء في شعر باشراحيل مُتعدِّدة، قد تأتي مباشرةً كما اعتادَه الناسُ، وقد تأتي في أثناء وجدانيَّاته وهو يستدعي من ذاكرة التاريخ بعضَ المآثر أو أصحابها للاستِدلال، أو الاستِشهاد بها في ظروفٍ مُعيَّنة، ورُبَّما يستصرخ بهم؛ ليثيرَ حَمية مُحبيهم وعشاقهم.



ففي قصيدة (شوقي أمير الشعراء) من ديوان (معذبتي)، نجد أنَّ باشراحيل يناجي شوقي قائلاً:



أَدْعُوكَ فِي زَمَنٍ تَنَاقَضَ أَمْرُهُ

وَسَطَا عَلَى الشِّعْرِ الْعَظِيمِ الْبَانِي




الشِّعْرُ فِي أَيَّامِنَا فِي مِحْنَةٍ

مِنْ هَجْمَةِ الْغُرَبَاءِ وَالْغِرْبَانِ




أَدْعُوكَ أَدْعُو الشِّعْرَ يُثْرِي عُمْرَنَا

أَدْعُو أَمِيرَ الْقَوْلِ وَالتِّبْيَانِ







وكأنَّ باشراحيل تلفَّت حوله، فلم يجد من رفاقه ما يشفي غليلَه، أو رآها أقلَّ مما يتوقعه في مُواجهة الأدعياء والمتطفِّلين على موائد الشِّعر تَحت أسماء مُتنوعة، وفي مثلِ هذه الظُّروف تكون الساحةُ في أشدِّ الحاجة إلى العبقريَّات الأدبية، التي لا يشقُّ لها غبار، وأمير الشُّعراء بما تركه لنا من شعرٍ خالد هو البدر الذي يفتَقِده باشراحيل في الليلة الظلماء، فيستدعيه بكل معاني الحب والوفاء والإجلال قائلاً:



أَدْعُوكَ حُبًّا يَا حَبِيبَ تُرَاثِنَا

يَا خَالِدَ الْإِلْهَامِ وَالْأَوْزَانِ







ويُسَوِّغ باشراحيل سببَ هذا التلاحُم بينه وبين شوقي:



يَا شَاعِرًا مَلَأَ الْوُجُودَ قَرِيضُهُ

بِالْحُبِّ وَالْإِلْهَامِ وَالْإِيمَانِ




أَثْرَى الْحَيَاةَ فَأَشْرَقَتْ أَيَّامُهُ

نَحْوَ الدُّنَا تَزْهُو بِكُلِّ زَمَانِ







وهذا هو عَيْنُ الرِّثاء، وإن لم يكن في شخصٍ فإنَّه في معنى أو قيمة أو أثر، وكذلك رُبَّما يكون المرثي زمانًا أو مكانًا.



وهذا الاتجاه في شعر باشراحيل علامةٌ أو سِمَة من سمات القريض عنده، وهذا هو ما أشرتُ إليه من قبل عن تداخُل الأغراض الشِّعْرِيَّة وتَمازُجها وتلاحُمها حسب ما تقضيه المواقف، وإن كان "شوقي" أمير البيان، فإنَّ لكلِّ جانب من جوانب الحياة أميرَه ورجالَه، والتاريخ مليء بأسماء العُظماء في كلِّ مجال، والخصال الحميدة التي يحن إليها باشراحيل لا يَخلو منها زمان، ولذلك نجده يروح ويغدو مستعرضًا الأيَّام والليالي، بل الشهور والسنين، وكأنَّه نَحْلة تأكل من كلِّ الثمرات سالكةً سُبُلَ ربِّها ذُلُلاً، وفي آخر أسفاره يقدِّم لنا عصارةَ قراءاته وجولاته في أعماقِ التاريخ الأدبي الإسلامي، فلا يُسميها "قصائد رثاء"، ولكنَّه يسميها إمَّا بأسماء أبطالِها، أو بمآثرهم.



ففي قصيدة عنوانها "حمزة بن عبدالمطلب" من ديوان "وحشة الروح"، يتلمَّس باشراحيل مواطنَ الضَّعْفِ الذي أصاب الأمَّة الإسلاميَّة، ويستدعي تلك المعاني التي غابت بغياب أصحابها، وأسد الله "حمزة" كما يقول عنه:



هُوَ ذَلِكَ الشَّهْمُ الشُّجَا

عُ وَذَلِكَ الْقَلْبُ الْمُنَزَّهْ




كَمْ قَدْ سَقَى "أُحُدًا" دَمَ الْ

بَاغِي وَبَاتَ الْحَقُّ رَمْزَهْ







فهل استَشعَر باشراحيل بِحِسِّه الشاعري المُرهف غِيابَ الشهامة، والشجاعة، ونزاهة القلب، أو أنَّه لاحَظ استشراءَ الغدر والخيانة عند خصوم الإسلام، ولم يجد مَن يصدُّهم بما هم أهلٌ له، فتذكر استشهادَ حمزة بضربةٍ غادرة، وهذه بتلك؟



يَا رُمْحَ وَحْشِيِّ الَّذِي

غَرَزَ الضَّغِينَةَ شَرَّ غِرْزَةْ





ينبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 29-07-2021, 03:39 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,569
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرثاء في شعر باشراحيل



وهذه الضغينة التي غُرِزَت في كَبِد الأُمَّة الإسلامية، تَوالَت أصداؤها عَبْرَ الزمان على مرِّ العصور، وفي أماكن مُتعدِّدة في بلاد الإسلام، فهذه "جنين" في فلسطين السليبة تعاني، والمسلمون في سُبات عميق، وفي قصيدة "جنين يا جنين" يقول باشراحيل:

سُحِقْتِ والرُّؤَى تَرَاك

لَكِنَّ لاَ يَدَ تُعِينْ

وَبَيْنَ غَمْضَةِ الرَّدَى

لاَ زِلْتِ تَبْسُمِينْ

إلى أن يقول:

الْفَقْدُ وَالْحَنِينْ

وَقِبْلَةٌ تُهَانُ دُونَ رَادِعٍ وَدِينْ

وَكُلُّنَا نَخَافُ، كُلُّنَا بِمَالِهِ وَعُمْرِهِ ضَنِينْ



فإذا وضعنا هذه الأبيات بجوار أبيات قصيدة "حمزة" التي يقول فيها:



تَاللَّهِ مَا خَشِيَ الْخُطُو

بَ إِذَا ادْلَهَمَّتْ لَمْ تَهُزَّهْ




قَلْبُ الْبَسَالَةِ وَالنَّدَى

بَطَلٌ يَخَافُ الْكُفْرُ لَمْزَهْ







وتداوُلنا مضمونَ القصيدتين معًا يُوضِّح لنا نظرةَ باشراحيل الفلسفية، عندما يتناول المحنَ التي تصيبُ المسلمين، ويُحاول أنْ يستفزَّ مشاعِرَهم بشتَّى الطرق، سواء كان ذلك بالترغيب أم بالترهيب.



وفي قصيدة (صوت الجزائر) من ديوان (وحشة الروح) يئنُّ باشراحيل من حال العرب والعروبة، ويقول عن هذه الأمة:



تَظَلُّ تَحْتَقِبُ الْآلاَمُ فِي وَهَنٍ

وَالْخَوْفَ وَالذُّلَّ وَالْأَوْهَامَ تَجْنِيهَا




هَذِي الْعُرُوبَةُ وَالْأَدْوَاءُ تَصْرَعُهَا

عَزَّ الشِّفَاءُ فَقُلْ لِي مَنْ يُدَاوِيهَا؟




يَا أَلْفَ مِلْيُونِ عَقْلٍ، كَمْ يُؤَرِّقُنَا

أَنَّ الْعُرُوبَةَ نَامَتْ عَنْ دَوَاهِيهَا







وهو بذلك يَرْثِي حالَ الأُمَّة العربية في أسلوبٍ غير مُباشر، ويُغلِّف الرِّثاءَ في أشكال متعدِّدة، كما فعل الشيء نفسه في قصيدة (مصر مبارك)، التي يقول فيها:



أَيْنَ السَّلاَمُ، تَبَدَّدَتْ أَحْلاَمُهُ؟

وَالْوَقْتُ أَظْلَمَ فِي عُيُونِ كَسِيحِ




وَشُعُوبُنَا تَقْتَاتُ مِنْ هَوْلِ الرَّدَى

وَغِلاَلُهَا نَهْبٌ لِظُلْمِ كَشِيحِ







وفي قصيدة (النخلة والوطن) يقول عن الوطن:



يُعْطِي الْعَطَايَا وَلَيْلُ الْغَدْوِ مُحْتَشِدٌ

بِخُبْثِ مُرْتَزِقٍ أَوْ حِقْدِ مَنْكُودِ












وكل هذه الرثائيَّات في قصائده المتعددة الأغراض، ما هي إلا شحذ للهِمَم، وكلُّ هذه القصائد تنتهي ببثِّ الأمل في النفوس، وتذكير الناس بأنَّ الله هو الملجأ الذي نستلهم منه أسلوبَ الخروج مما نعاني.



والكلام نفسه ينطبق على قصائد باشراحيل عن جغرافيا المسلمين والعرب، فالقدس، والبوسنة، والعراق، واليمن، ولبنان، وصبرا وشاتيلا - كلها أماكن لها وقْع وصَدًى في نفس الشاعر... مثال ذلك قصيدة (رصاصة من فلسطين) من ديوان "النبع الظامي"، التي يقول فيها:



فِلَسْطِينِي وَنَارُ الثَّأْ

رِ تَصْرُخُ فِي شَرَايِينِي




أَنَامُ عَلَى لَظَى النِّيرَا

نِ أَسْقِيهَا وَتَسْقِينِي




لَقَدْ فَجَّرْتُ قُنْبُلَتِي

وَقَدْ جَرَّدْتُ سِكِّينِي










وهذه الصورة القاتمة للواقع العربي تُقلق باشراحيل، فيسافرُ بخياله إلى أغوارِ الماضي، ويستدعي من الذكريات ما يُهوِّن عليه من الأمر.



ومن قصيدة (صور قديمة للعالم العربي) من ديوان الخوف:



أَرِينِي لَوْحَةً أُخْرَى

تُصَوِّرُ دَوْلَتِي الْكُبْرَى

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 231.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 225.05 كيلو بايت... تم توفير 6.05 كيلو بايت...بمعدل (2.62%)]