الاعتبار بتاريخ الحج والحجاج - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو إذا خيف عليه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 512 - عددالزوار : 239159 )           »          جمال الحوض المورود (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          باب دعاء لقضاء الدَّين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5309 - عددالزوار : 2707803 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4911 - عددالزوار : 2057426 )           »          جوجل تُطلق نموذج الذكاء الاصطناعى مفتوح المصدر "Gemma 4" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 68 )           »          آبل تفاجئ المطورين بإصدار جديد من iOS 26.5… لكن أين Siri 2.0؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 58 )           »          تسريبات تصميم Google Pixel 11 Pro XL.. تعرف عليها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 47 )           »          أبل تستعد لإطلاق آيفون فولد قريبا.. أول هاتف لها قابل للطى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 49 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 29-05-2026, 06:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,920
الدولة : Egypt
افتراضي الاعتبار بتاريخ الحج والحجاج

الاعتبار بتاريخ الحج والحجاج

الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل


الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، جَعَلَ مَوَاسِمَ الطَّاعَاتِ مَغْنَمًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَمَوْسِمًا لِلْمُتَّقِينَ، وَمَيْدَانًا لِلسَّابِقِينَ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِمَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ، وَدَعَاهُمْ فِيهَا لِاكْتِسَابِ الْحَسَنَاتِ، وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ بَشَّرَ أُمَّتَهُ وَأَنْذَرَهَا، وَرَغَّبَهَا فِي الْخَيْرِ، وَحَذَّرَهَا مِنَ الشَّرِّ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي أَيَّامٍ عَظِيمَةٍ، وَأَزْمَانٍ شَرِيفَةٍ، هِيَ خِتَامُ أَيَّامِ الْحَجِّ، إِنَّهَا أَيَّامُ مِنًى، أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 203]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ: هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ». وَهِيَ أَيَّامٌ يَعْلُو فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَتُرْفَعُ فِيهَا الْأَصْوَاتُ بِالتَّكْبِيرِ، وَتُرَاقُ فِيهَا الدِّمَاءُ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَظْهَرُ فِيهَا مَعَانِي الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّوْحِيدِ بِأَجْلَى صُوَرِهَا. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

أَيُّهَا النَّاسُ: الْيَوْمُ هُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ لِلْحُجَّاجِ؛ فَالْمُتَعَجِّلُونَ يَرْمُونَ جِمَارَهُمْ، وَيُوَدِّعُونَ الْبَيْتَ، وَيَعُودُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ. وَالْمُتَأَخِّرُونَ يَبِيتُونَ اللَّيْلَةَ بِمِنًى، وَيَرْمُونَ غَدًا الْجِمَارَ، وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ يُوَدِّعُونَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ؛ لِيَنْتَهِيَ هَذَا الْمَوْسِمُ الْعَظِيمُ؛ ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 203]. وَمَعَ ذِكْرِ الْحَجِّ وَالْحُجَّاجِ وَذِكْرَيَاتِهِمْ، وَفِي آخِرِ هَذَا الْمَوْسِمِ وَآخِرِ الْعَامِ عَلَيْنَا أَنْ نَتَفَكَّرَ فِي مُرُورِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَنَتَذَاكَرَ شَيْئًا مِنْ تَارِيخِ الْحَجِّ وَالْحُجَّاجِ، وَبَعْضًا مِمَّا مَرَّ بِهِمْ مِنْ أَحْدَاثٍ عَبْرَ تَارِيخِ الْحَجِّ الطَّوِيلِ.

فَقَبْلَ مَا يُقَارِبُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ قَرْنًا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَلِيلَ أَنْ يَبْنِيَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، فَبَنَاهُ هُوَ وَابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ؛ ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 127]، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُؤَذِّنَ فِي الْبَشَرِيَّةِ بِالْحَجِّ؛ لِيُبَلِّغَ اللَّهُ تَعَالَى أَذَانَهُ كُلَّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ عَبْرَ التَّارِيخِ؛ ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ [الْحَجِّ: 27]. وَمُنْذُ أَنْ أَذَّنَ إِبْرَاهِيمُ بِالْحَجِّ، وَحَجَّ هُوَ وَابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ فِي الْأُمَمِ الْغَابِرَةِ كَانُوا يَحُجُّونَ طَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى، وَتَلْبِيَةً لِنِدَاءِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ وَلِذَا كَانَ شِعَارُ الْحَجِّ التَّلْبِيَةَ، وَهِيَ إِجَابَةٌ لِنِدَاءِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَعْنَى «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ»، أَيْ: إِجَابَةً لَكَ بَعْدَ إِجَابَةٍ. وَبَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ سَنَةٍ مِنْ حَجِّ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَجَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ حَجَّ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَجِّهِمَا؛ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ. قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ‌هَابِطًا ‌مِنَ ‌الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ حَجُّوا؛ كَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «‌صَلَّى ‌فِي ‌مَسْجِدِ ‌الْخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنْهُمْ مُوسَى، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ عَبَاءَتَانِ قَطْوَانِيَّتَانِ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى بَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ شَنُوءَةَ، مَخْطُومٍ بِخِطَامِ لِيفٍ لَهُ ضَفْرَانِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَحَسَّنَهُ الْمُنْذِرِيُّ.

وَالْأَصْلُ أَنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ تَتَابَعُوا عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ مُوسَى وَيُونُسَ؛ تَلْبِيَةً لِنِدَاءِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا حَجُّهُمْ. وَتَوَارَثَ أَهْلُ مَكَّةَ تَعْظِيمَ الْبَيْتِ، وَإِقَامَةَ الْحَجِّ، وَخِدْمَةَ الْحَجِيجِ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ جِيلًا عَنْ جِيلٍ، وَلَكِنَّهُمْ غَيَّرُوا بَعْضَ الْمَنَاسِكِ، وَجَهِلُوا بَعْضَهَا، وَبَقِيَ فِيهِمْ بَعْضُهَا، وَأَدْخَلَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيُّ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ. فَلَمَّا بُعِثَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مَكَّةَ بَدَأَ بِتَطْهِيرِهَا مِنَ الْأَوْثَانِ؛ لِيَكُونَ الْبَيْتُ الْحَرَامُ وَالتَّعَبُّدُ فِيهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ ‌يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ﴾ ﴿ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَفِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ، وَوَدَّعَهُمْ فِي حَجَّتِهِ تِلْكَ وَقَالَ لَهُمْ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بَعْدَ حَجَّتِهِ تِلْكَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.

وَحَجَّ بِالنَّاسِ مِنْ بَعْدِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخُلَفَاءِ وَالسَّلَاطِينِ، وَلَمْ يَنْقَطِعِ الْحَجُّ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، إِلَّا مَا كَانَ فِي عَامِ سَبْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثِ مِئَةٍ لِلْهِجْرَةِ حِينَ دَخَلَ الْقَرَامِطَةُ مَكَّةَ فَاسْتَبَاحُوا الْحُجَّاجَ فِي حَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «وَجَلَسَ أَمِيرُهُمْ أَبُو طَاهِرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ -لَعَنَهُ اللَّهُ- عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، وَالرِّجَالُ تُصْرَعُ حَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، ثُمَّ فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، الَّذِي هُوَ مِنْ أَشْرَفِ الْأَيَّامِ... فَكَانَ النَّاسُ يَفِرُّونَ فَيَتَعَلَّقُونَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَلَا يُجْدِي ذَلِكَ عَنْهُمْ شَيْئًا، بَلْ يُقْتَلُونَ وَهُمْ كَذَلِكَ، وَيَطُوفُونَ فَيُقْتَلُونَ فِي الطَّوَافِ»، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: «وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَوْفًا مِنَ الْقَرَامِطَةِ».

ثُمَّ زَالَتْ دَوْلَةُ الْقَرَامِطَةِ وَبَقِيَ الْحَجُّ، وَسَيَبْقَى إِلَى نُزُولِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ‌لَيُهِلَّنَّ ‌ابْنُ ‌مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُرَانِي ‌اللَّيْلَةَ ‌عِنْدَ ‌الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ، قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ...» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَحِينَ يَمُوتُ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَعُودُ الْفَسَادُ إِلَى النَّاسِ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى تُهْدَمَ الْكَعْبَةُ، وَيَنْتَهِيَ الْحَجُّ؛ إِيذَانًا بِقِيَامِ السَّاعَةِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ»، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا»؛ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ؛ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: يَمْتَدُّ ذَبْحُ الْأَضَاحِي إِلَى غُرُوبِ شَمْسِ يَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ الَّذِي يَحْرُمُ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيُشْرَعُ فِيهَا كَثْرَةُ الذِّكْرِ وَالتَّكْبِيرِ.

وَإِذَا تَذَاكَرْنَا شَأْنَ الْحَجِّ وَالْحُجَّاجِ، وَفَتَّشْنَا كُتُبَ التَّارِيخِ وَالتَّرَاجِمِ خِلَالَ الْأَزْمَانِ الْمُتَعَاقِبَةِ نَجِدُ أَعْلَامًا وُفِّقُوا لِحَجَّاتٍ كَثِيرَةٍ، يُغْبَطُونَ عَلَيْهَا، وَمَاتُوا مُنْذُ قُرُونٍ، وَبَقِيَتْ سِيَرُهُمْ فِي الْحَجِّ تُذْكَرُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.

وَمِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ، قَالَ الْإِمَامُ الشَّعْبِيُّ: «وَكَانَ الْأَسْوَدُ رَجُلًا حَجَّاجًا»؛ أَيْ: كَثِيرَ الْحَجِّ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: «وَلَقَدْ حَجَّ الْأَسْوَدُ ‌ثَمَانِينَ ‌حَجَّةً». وَذَكَرَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْزَالِيُّ أَنَّ ‌مُحْرِزَ ‌بْنَ ‌سَلَمَةَ ‌الْعَدَنِيَّ ‌حَجَّ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ حَجَّةً، وَفِي تَارِيخِ الْإِمَامِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّ التَّابِعِيَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ «حَجَّ ‌سَبْعِينَ ‌حَجَّةً»، وَحَجَّ الْإِمَامُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ آخِرَ حَجَّةٍ لَهُ فَقَالَ: «قَدْ وَافَيْتُ هَذَا الْمَوْضِعَ سَبْعِينَ مَرَّةً أَقُولُ فِي كُلِّ سَنَةٍ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ ‌آخِرَ ‌الْعَهْدِ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، وَإِنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنَ اللَّهِ مِنْ كَثْرَةِ مَا أَسْأَلُهُ ذَلِكَ، فَرَجَعَ فَتُوُفِّيَ فِي السَّنَةِ الدَّاخِلَةِ»، وَأَكْثَرُ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ حَجٌّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‌الْمَغْرِبِيُّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِئَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَرْجَمَتِهِ: «حَجَّ عَلَى قَدَمَيْهِ سَبْعًا وَتِسْعِينَ حَجَّةً». «وَقَدْ ذَكَرُوا فِي تَرْجَمَةِ الْمُحَدِّثِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ‌الْغَضَائِرِيِّ أَنَّهُ حَجَّ عَلَى رِجْلَيْهِ أَرْبَعِينَ حَجَّةً مِنْ بَلَدِ إِقَامَتِهِ حَلَبَ ذَهَابًا وَإِيَابًا». وَحِينَ تَسَلَّطَ الصَّلِيبِيُّونَ عَلَى الْأَنْدَلُسِيِّينَ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِينِهِمْ بِالْقُوَّةِ؛ كَتَمَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِيمَانَهُمْ، وَاسْتَخْفَوْا بِشَعَائِرِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنِ اجْتَرَأَ وَخَاطَرَ بِنَفْسِهِ، وَسَافَرَ خُفْيَةً مِنَ الْأَنْدَلُسِ إِلَى مَكَّةَ لِيَحُجَّ، وَكَتَبَ أَحَدُهُمْ يُعَبِّرُ عَنْ فَرَحِهِ بِحَجَّتِهِ: «لَقَدْ سَافَرْتُ بِفَرَحٍ بَعِيدًا عَنْ أَهْلِي لِلِانْتِقَالِ إِلَى بِلَادِ الْعَرَبِ لِإِكْمَالِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ، وَهِيَ تَغْسِلُ كُلَّ آثَامِ مَنْ يَقُومُ بِهَذِهِ الرِّحْلَةِ». وَفِي مُقَابِلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وُفِّقُوا لِحَجَّاتٍ كَثِيرَةٍ، وَجَاءَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَقَاصِي الْأَرْضِ شَوْقًا إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَخَاطَرُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَبَذَلُوا جُلَّ أَمْوَالِهِمْ، فِي مُقَابِلِهِمْ أُنَاسٌ آخَرُونَ حَرَمُوا أَنْفُسَهُمُ الْحَجَّ وَهُمْ بِجِوَارِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، أَوْ يَسْتَطِيعُونَ بُلُوغَهُ، فَمَاتُوا وَلَمْ يُؤَدُّوا فَرِيضَةَ الْحَجِّ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهَا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْحِرْمَانِ، وَنَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ الْقَبُولَ لَنَا وَلِلْحُجَّاجِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 57.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 55.68 كيلو بايت... تم توفير 1.63 كيلو بايت...بمعدل (2.84%)]