مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         الوصايا النبوية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 315 )           »          من فنون التربية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          حفظ النفس في الإسلام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          فوائد مختارة من تفسير ابن كثير (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 73 )           »          صورة من حياة الرسول قبل بعثته (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          قراءة فى بحث الاستراتيجية ومراقبة التسيير (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3763 - عددالزوار : 609736 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3241 - عددالزوار : 273724 )           »          المرض نعمة وليس نقمة (pdf) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          خبايا إيمانية في خلاياي السرطانية (pdf) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى اللغة العربية و آدابها > ملتقى الإنشاء

ملتقى الإنشاء ملتقى يختص بتلخيص الكتب الاسلامية للحث على القراءة بصورة محببة سهلة ومختصرة بالإضافة الى عرض سير واحداث تاريخية عربية وعالمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17-04-2022, 10:43 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" (1)


المهندس مثنى محمد هبيان





الاستعاذة

قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ(199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(200) ]. {الأعراف}.

[وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ(97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ(98) ]. {المؤمنون}.

[... ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ(36) ]. {فصِّلت}.

فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها , وهو أنّ الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه ليرده عن طبعه ـ الطيِّب في الأصل ـ إلى الموالاة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة من العدوِّ الشيطانيِّ لا محالة , إذ لا يقبل مصانعة ولا إحساناً , ولا يبتغي غير هلاكِ ابنِ آدم لشدَّةِ العداوة بينه وبين أبيه آدمَ عليه السلام من قبل .

والشيطان في لغة العرب : مشتَقٌّ من ـ شطن ـ إذا بَعُدَ , فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر وبعيد بفسقه عن كل خير , وقيل هو مشتَقٌّ من ـ شاط ـ لأنه مخلوق من النار .

روى مطعم بن جبير عن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال : «الله أكبر كبيراً، ثلاث مرات، والحمد لله كثيراً، ثلاث مرات، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلاً»، ثلاث مرات ثم قال صلى الله عليه وسلم : «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من هَمزِه ونَفخِه ونَفثِه» .

والرَّجيمُ: معناه المرجومُ أي: ملعونٌ، كما قال تعالى للشيطان:[قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ] {الحجر:34}

والاستعاذة هي: الالتجاء والاستجارة إلى الله تعالى لتجنُّب ودفع كل ذي شر، ولطلب كل ذي خير , وجاء بالصيغة الفعلية لتدلَّ على الحدوث والتجدُّد .

والاستعاذة لا تتمُّ إلا بعلم العبد بكونه عاجزاً عن جلب المنافع الدينية والدنيوية, وعن دفع جميع المضار الدينية والدنيوية , وأنّ الله تعالى وحده هو القادر على إيجاد جميع المنافع ودفع جميع المضار , فإذا حصل هذا العلم , حصل للقلب انكسار وتواضع وخضوع .

والآياتُ تطلب منا الاستعاذة من الشيطان قبل أن نقرأ القرآن ؛ ذلك لأن كل مخلوق إذا اتجه إلى خالقه واستعاذ به يكون هو الأقوى برغم ضعفه لأنك جعلت الله في جانبك , ونحن حينما نصفي جهاز استقبالنا لحسن استقبال كلام الله ,لا نفعل ذلك بقدراتنا نحن ولا بقوتنا ولكن بالاستعانة بقوة وقدرة الله , لماذا؟ لأن معوِّقات المنهَج عند الإنسان المؤمن إنما هي من عمل الشيطان.

وعطاء الله في القرآن الكريم متساوٍ لجميع الخلق ولكن كل إنسان يأخذ على قدر إيمانه، فالقرآن يُقرأ والناس تسمع , ولكن هل يتقبل الجميع القرآن تقبُّلاً متساوياً ؟ بالطبع لا.

والله سبحانه يريدنا عندما نقرأ القرآن أن نُبعِدَ الشيطانَ عن أنفسنا قبل أن يُبعِدَنا هو عن منهج الله وعن آياته .

وبما أننا لا نرى الشيطان وهو يرانا ولا نعرف أين هو, بينما هو يعرف أين نحن , فلا بد من أن نستعيذ بقوةٍ تستطيع أن تقهره , فطلب الله منا أن نستعيذ به وأن نلجأ إليه لأنه هو القادر على أن يحمينا ويصفي قلوبنا ونفوسنا من همزات الشياطين ، فيحسن استقبالنا للقرآن وآياته فتمسّ آياتُه قلبَك ونفسَك وتكون لك هدىً ونوراً .

سؤال : هل من فرق بين الرجيم والمرجوم؟

جواب : عندنا لغتان: فعيل ومفعول. فعيل نسميها صفةً مشبَّهةً كأن الرجم لازم له . وعندما نقول : مرجوم، في لغة تميم تقول: مفعول، وفي لغة الحجاز تقول أحياناً: فعيل , لكن هنا ليست بفارق اللغة، وإنما اختيرت الصفة المشبهة التي تدل في الغالب على الثبات , وهذا يعني أنّ صفة الرجم لاصقة به. أمّا المرجوم فقد يكون مرجوماً الآن لكن لا يكون مرجوماً بعد ساعة، بينما (رجيم ) هو صفته اللاصقةُ به أي أن عليه هذا الرجم دائماً.

سؤال : ما الفرق بين الفعلين ( أعوذ ) و ( ألوذ ) ؟

جواب : العياذ : للفرار من الشر , و اللياذ : لطلب الخير . قال الشاعر :

يا من ألوذ به فيما أؤمله=ومن أَعوذ به مما أُحاذره

من لطائف الاستعاذة :

1ـ في قوله :(أعوذ بالله) عروج من الخلق إلى الخالق .

2ـ الاستعاذة اعترافٌ بعجز النفس وبقدرة الرب .

3ـ أنّ الإقدام على الطاعات لا يتيسر إلا بعد الفرار من الشيطان .

4ـ أنّ سر الاستعاذة هو الالتجاء إلى قادر يدفع الآفات عنك .

5ـ الشيطان عدوٌّ للإنسان .

6ـ الاستعاذة طهور للفم مما كان يتعاطاه العبد من اللَّغو والرَّفث وتطييبٌ له وهو يتهيأ لتلاوة كلام الله , وهي أيضاً تنظيف للقلب من لَوث وسوسة الشيطان .

7ـ إنما قال : (أعوذ بالله) ولم يذكر اسماً آخر بل ذكر (الله)؛ لأنّ هذا الاسم أبلغُ في كونه زاجراً عن المعاصي عن سائر الأسماء والصفات؛ ولأنه فقط الإله المستحق للعبادة.

8ـ عندما يقول العبد (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) دلّ ذلك على أنه لا يرضى بأن يجاور الشيطان .

9ـ الشيطان اسم، والرجيم صفةٌ، فذكر الحق سبحانه الاسم والصفة , فكأنّ الله يقول لك إنّ هذا الشيطان بقي في الخدمة ألوفاً من السنين فلما تكبر رجمناه وطردناه , وأنت لو جلس معك لحظة واحدة لألقاك في النار، فكيف لا تشتغل بطرده ولعنه، فقل: ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ).

10ـ للعبد عَدُوَّان : أحدهما ظاهرٌ والآخر باطنٌ وهو مأمور بمحاربتهما لكن محاربةُ العدو الباطن ـ وهو الشيطان ـ أولى؛ لأنه إن وجد فرصةً فهي في الدين واليقين، وإنْ غلبك كنت مفتوناً , وأمّا العدو الظاهر ففي متاع الحياة الدنيا، وإنْ غلبك كنت مأجوراً.

11ـ أدخَلَ الألفَ واللامَ في (الشيطان) ليكونَ تعريفاً للجنس؛ لأن الشياطين كثيرة مرئيةٌ وغير مرئيةٍ .


12ـ كأنه تعالى يقول : (إنه شيطان رجيم , وأنا رحمن رحيم) فابعد عن الشيطان الرجيم لتصل إلى الرحمن الرحيم .

13ـ أعوذ : فعل مضارع يصلحُ للحال حقيقةً وللمستقبل مجازاً .

والله أعلم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابو معاذ المسلم ; 26-04-2022 الساعة 01:49 PM.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20-04-2022, 08:28 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" (2)


المهندس مثنى محمد هبيان

البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها



القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل فيها , نزل مقروناً باسم الله سبحانه وتعالى: [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] {العلق:1} ونحن حينما نقرأ القرآن نبدأ نفس البداية .


وإننا مطالبون أن نبدأ كل عمل باسم الله؛ لأننا لا بدّ أن نحترم عطاء الله في كونه , فحين نزرع الأرض مثلاً لا بدّ أن نبدأ باسم الله؛ لأننا لم نخلق الأرض التي نحرثها، ولا خلقنا البذرة التي نبذرها، ولا أنزلنا الماء من السماء لينمو الزرع ،وهكذا.

وأنت حين تبدأ كل شيء باسم الله كأنك تجعل الله في جانبك يعينك .

ومن رحمة الله سبحانه أنه علّمنا أن نبدأ كل شيء باسم الله ؛ لأنّ الله هو الاسم الجامع لصفات الكمال سبحانه, والفعل عادة يحتاج إلى صفات متعددة , فلو أنّ الله لم يخبرنا بالاسم الجامع لكل الصفات كان علينا أن نحدد الصفات التي نحتاج إليها، كأن تقول : باسم القوي، وباسم الرزاق، وباسم المجيب، وباسم القادر، إلى غير ذلك من الأسماء والصفات، ولكنّ الله تعالى جعلنا نقول : {بسم الله} الجامع لكل هذه الصفات.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع» أي: عمل ناقص فيه شيء ضائع , لأنك حين لا تبدأ العمل باسم الله قد يصادفك الغرور بأنك أنت الذي سخرت ما في الكون ليخدمك وينفعل لك, وحين لا تبدأ العمل باسم الله فليس عليه جزاء في الآخرة فتكون قد أخذت عطاءه في الدنيا وبترت عطاءه في الآخرة , أمّا إذا أردت عطاء الدنيا والآخرة فأقبل على كل عمل باسم الله .

وعندما تبدأ قراءة القرآن باسم الله الذي آمنت به رباً وإلهاً والذي عاهدته على أن تطيعه فيما أمر وفيما نهى , وأنه خلق وأوجد , ويحيي ويميت, وله الأمر في الدنيا والآخرة, وأنه سيثيبك في الآخرة تشعر أنّ البداية من الله والنهاية إلى الله سبحانه وتعالى.

ونلاحظ أنّ هناك ثلاثة أسماء لله قد تكررت في البسملة وفي سورة الفاتحة، وهذه الأسماء هي : (الله ـ الرحمن ـ الرحيم) ونقول إنه ليس في القرآن تكرار, وإذا تكرر اللفظ فإنّ معناه في كل مرة يوحي بدلالة جديدةعن معناه في المرة السابقة؛ لأنّ الله هو المتكلم ؛ لذلك فهو يضع اللفظ في مكانه الصحيح وفي معناه الصحيح .

وقولنا: {بسم الله الرحمن الرحيم} هو استعانة بقدرة الله حين نبدأ فعل الأشياء، وهي كذلك طلب العون من الله بكل كمال صفاته .

و{الرحمن الرحيم} في البسملة لها معنى غير {الرحمن الرحيم} في الفاتحة ففي البسملة هي تذكرنا برحمة الله وغفرانه وتوفيقه حتى لا نستحي من أن نستعين به إن كنا قد فعلنا معصية, والله يريدنا أن نستعين باسمه دائماً في كل أعمالنا , فاذا سقط واحد منا في معصية , قال: كيف أستعين باسم الله وقد عصيته؟

نقول له: ادخل عليه من باب الرحمة يغفر لك واستعن به يجبك , وأنت حين تسقط في معصية تستعيذ برحمة الله من عدله؛ لأنّ عدل الله لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها , ولولا أن رحمة الله سبقت عدله ما بقي للناس نعمة وما عاش أحد على ظهر الأرض , فالله يقول في سورة النحل :[وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ] {النحل:61} والإنسان خلق هلوعاً ضعيفاً وذنوبه كثيرة , ولا يمكن لأحد أن ينسب الكمال إلى نفسه حتى الذين يبذلون أقصى جهدهم في الطاعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون».

ولكن {الرحمن الرحيم} في الفاتحة مقترنةٌ برب العالمين الذي أوجدك من عدم وأمدك بِنِعَمٍ لا تعد ولا تحصى، فأنت تحمده على هذه النعم التي أخذتها برحمة الله في ربوبيته , ذلك أنّ الربوبية ليس فيها من القسوة بقدر ما فيها من رحمة.

والله سبحانه رب للمؤمن والكافر، وقد جعل الله رحمته تسبق غضبه، وهذه رحمة تستوجب الشكر، لذلك في الفاتحة تأتي {الرحمن الرحيم} بمعنى رحمة الله في ربوبيته لخلقه؛ فهو يمهل العاصي ويفتح أبواب التوبة لكل من يلجأ إليه.

كذلك علَّمنا الحق أن نقول:{بسم الله الرحمن الرحيم} لكي نعرف أنّ الباب مفتوح للاستعانة بالله , وأنّ المعصية لا تمنعنا من الاستعانة في كل عمل باسم الله؛ لأنه رحمن رحيم .

الفاتحة

أولاً ـ هدف السورة: شاملة لأهداف القرآن :

سُمِّيت الفاتحة، وأم الكتاب، والشافية، والوافية، والكافية، والأساس، والحمد، والسبع المثاني، والقرآن العظيم , كما ورد في «صحيح البخاريِّ» أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد بن المعلّى: «لأعلّمنّك سورة هي أعظم السور في القرآن: الحمدُ لله ربِّ العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» وقد وصفها الله تعالى بالصلاة.

فما سِرُّ هذه السورة؟

سورة الفاتحة مكية، وآياتها سبع بالإجماع , وسميت الفاتحة لافتتاح الكتاب العزيز بها فهي أول القرآن ترتيبا لا تنزيلاً, وهي على قصرها حوت معاني القرآن العظيم واشتملت مقاصده الأساسية بالإجمال، فهي تتناول أصول الدين وفروعه: العقيدة، العبادة، التشريع، الاعتقاد باليوم الآخر، والإيمان بصفات الله الحسنى، وإفراده بالعبادة والاستعانة والدعاء والتوجه إليه جلّ وعلا بطلب الهداية إلى الدين الحق والصراط المستقيم, والتضرع إليه بالتثبيت على الإيمان ونهج سبيل الصالحين وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين وفيها الإخبار عن قصص الأمم السابقة والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء، وفيها التعبد بأمر الله سبحانه ونهيه وغير ذلك من مقاصد وأهداف، فهي كالأم بالنسبة لباقي السور الكريمة، ولهذا تسمى بأمِّ الكتاب.

إذن اشتملت سورة الفاتحة على كلِّ معاني القرآن، فهدف السورة الاشتمالُ على كل معاني وأهداف القرآن.

والقرآن نصَّ على : العقيدة والعبادة ومنهج الحياة. والقرآن يدعو للاعتقاد بالله، ثم عبادته، ثم حدد المنهج في الحياة، وهذه نفسها محاور سورة الفاتحة:

1ـ العقيدة:[الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ(2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4) ]. {الفاتحة}.

2ـ العبادة:[إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] {الفاتحة:5}.

3ـ مناهج الحياة:[اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ(6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(7) ]. {الفاتحة}.

وكل ما يأتي في كل سور وآيات القرآن هو شرح لهذه المحاور الثلاث.

4ـ تذكِّرُ سورة الفاتحة بأساسيات الدين؛ ومنها:

آ ـ شكرُ نعم الله {الحمد لله}.

ب ـ الإخلاص لله: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] {الفاتحة:5}.

ج ـ الصحبة الصالحة:[صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ] {الفاتحة:7} .

د ـ وتذكُّرُ أسماء الله الحسنى وصفاته: [الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:3}.

هـ ـ الاستقامة:[اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] {الفاتحة:6} .

و ـ الآخرة: [مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ] {الفاتحة:4} ويوم الدين هو يوم الحساب.

ز ـ أهمية الدعاء.

ح ـ وحدة الأمَّة:{نعبدُ} {نَسْتَعيِنُ} [الفاتحة:5] ورد الدعاء بصيغة الجمع مما يدل على الوحدة، ولم يرد بصيغة الافراد.

إذن سورة الفاتحة تُسَلسِلُ مبادئَ القرآن (عقيدة، عبادة، منهج حياة) وهي تثني على الله تعالى وتدعوه؛ لذا فهي اشتملت على كل أساسيات الدين.

أنزل الله تعالى الكتب الثلاثة (الزبور، التوراة، والإنجيل) ثم جمع هذه الكتب الثلاثة في القرآن، وجمع القرآن في الفاتحة، وجُمعت الفاتحة في الآية:[إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] {الفاتحة:5}.

وقد افتتح القرآن بها فهي مفتاح القرآن، وتحوي كل كنوز القرآن، وفيها مدخلٌ لكل سورة من باقي سور القرآن , وبينها وبين باقي السور تسلسلٌ بحيث إنه يمكن وضعها قبل أي سورة من القرآن ويبقى التسلسل بين السور والمعاني قائماً.

ثانياً ـ أسماء هذه السورة :

1ـ فاتحة الكتاب.

2ـ سورة الحمد.

3ـ أم القرآن.

4ـ السبع المثاني.

5ـ الوافية.

6ـ الواقية.

7ـ الأساس.

8ـ الشفاء.

9ـ الصلاة : في الحديث القدسي « قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ».

10ـ سورة الشكر.

11ـ سورة الدعاء.

وهناك أسماء أخرى , وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى .

ثالثاً ـ فضل السورة :

الآن وقد عرفنا أهداف سورة الفاتحة التي نكررها (17) مرة في صلاة الفريضة يومياً ما عدا النوافل, لا شك أننا سنستشعر هذه المعاني ونتدبر معانيها ونحمد الله تعالى ونثني عليه وندعوه بالهداية لصراطه المستقيم.

وسورة الفاتحة مكية على قول أكثر العلماء، وفي فضائلها ذكر العلماء أنّ منها :

آ ـ نزلت من كنز تحت العرش .

ب ـ قال الحسين رضي الله عنه : أودع الله سبحانه العلوم في الكتب الأربعة : التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ثم أودع علوم هذه الأربعة في القرآن، ثم أودع علوم القرآن في المُفصَّلِ، ثم أودع علوم المفصَّلِ في الفاتحة .

ج ـ فاتحة الكتاب شفاءٌ من السُّمِّ، كما في حديث حذيفة بن اليمان .

د ـ وسورة الفاتحة تعلمنا كيف نتعامل مع الله، فأولها ثناء على الله تعالى:[الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ] {الفاتحة:2} ، وآخرها دعاء لله بالهداية: [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] {الفاتحة:6} ولو قسَّمنا حروف سورة الفاتحة لوجدنا أنّ نصف عدد حروفها ثناء (63 حرفاً) من : {الحَمْدُ لِله} إلى {وإيَّاك نَسْتَعينُ} ، ونصف عدد حروفها دعاء (63 حرفاً) من {اهدِنا الصِرَاطَ} إلى {ولا الضَّآلينَ}وكأنها إثبات للحديث القدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فاذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين) ، قال الله عز وجل: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله عز وجل: أثنى علي عبدي، وإذا قال : (مالك يوم الدين)، قال عز وجل: مجَّدني عبدي، وقال مرَّةً: فوّض إلي عبدي، فإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين) قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» فسبحان الله العزيز الحكيم الذي قدّر كلَّ شيء.


وقد سُئِلَ عمرُ بن عبد العزيز رضي الله عنه : لماذا تقف بعد كل آية من آيات سورة الفاتحة؟ فأجاب : لأستمتع بردِّ ربي.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابو معاذ المسلم ; 26-04-2022 الساعة 01:50 PM.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21-04-2022, 01:47 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" (3)


المهندس مثنى محمد هبيان

اللمسات البيانية في البسملة



[بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1}

السؤال الأول:

ما معنى الباء في قوله تعالى: {بِسمِ} ؟ وما متعلَّقُها؟

الجواب:

البصريون يسمونها باء الإلصاقِ، والكوفيون يسمونها باء الآلة، ويسميها قومٌ باء التضمين وهي متعلِّقةٌ بمضمرٍ لا محالة، و قد يكون اسماً وقد يكون فعلاً, وعلى التقديرين يجوز أن يكون متقدِّماً ويجوز أن يكون متأخراً نحو :

ـ ابتداء الكلام باسم الله , أو : باسم الله ابتدائي المضمر اسم

ـ أبدأ باسم الله , أو : باسم الله أبدأ المضمر فعل

السؤال الثاني:

لماذا حُذفت الهمزة من ( باسم ) وتكتب{بِسمِ} ؟

الجواب:

للوصل فأصبحت تكتب وتلفظ {بَسمِ} .

السؤال الثالث:

ما دلالة جمع الصيغتين: [الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:3} معاً في البسملة ؟

الجواب:

قد يجمع القران الكريم صيغتين من مادة واحدة احتياطاً للمعنى كقوله: [الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] وذلك:

1 ـ صيغة «فعلان»: تدل على الصفات المتجددة نحو: عطشان وجوعان وغضبان , وهذه الصفات ليست ثابتةً بل تزول وتتحول .

2 ـ صيغة «فعيل» تدل على الثبوت نحو : كريم وبخيل وطويل وجميل ، وفي لغتنا الدارجة تقول : هو ضعفان، إذا أردت الحدوث , فإن أردت الثبوت تقول : هو ضعيف، وكذلك «طولان و طويل».

3 ـ جمع الله لذاته الوصفين : إذ لو اقتصر على (رحمن) لظنَّ ظانٌّ أنّ هذه صفة طارئة قد تزول كعطشان وريّان , ولو اقتصر على (رحيم) لظَنَّ أنّ هذه صفة ثابتة، ولكن ليس معناها استمرار الرحمة وتجددها , إذ قد تمرُّ على الكريم أوقات لا يكرم فيها, وقد تمر على الرحيم أوقات كذلك .

والله سبحانه متصف بأوصاف الكمال، فجمع بينهما حتى يعلم العبد أنّ صفته الثابتة هي الرحمة، وأنّ رحمته مستمرة متجددة لا تنقطع , وحتى لا يستبد به الوهم بأنّ رحمته تعرض ثم تنقطع, أو قد يأتي وقت لا يرحم فيه سبحانه , فجمع الله كمال الاتصاف بالرحمة لنفسه .

4ـ واعلم أنه لما تفرَّدَ الربُّ سبحانه بعظم رحمته لم يُسَمِّ بالرحمن ـ بالألف واللام ـ أحداً غيره.

وعندما ندعو الله سبحانه : يارحمن الدنيا ورحيم الآخرة , فإن رحمة الله في الدنيا هي للمؤمن والكافر, أمّا رحمته في الآخرة فهي للمؤمن فقط.

السؤال الرابع:

ما الأحرف الأبجدية التي لم ترد في هذه السورة ؟وما دلالة ذلك ؟

الجواب:

هذه السورة لم يحصل فيها سبعةٌ من الحروف وهي (الثاء ـ الجيم ـ الخاء ـ الزاي ـ الشين ـ الظاء ـ والفاء) .

وقالوا : إن هذه الحروف السبعةَ مشعرةٌ بالعذاب مثل (الثبور ـ جهنم ـ الخزي ـ الشقاء ـ ظل ذي ثلاث شعب، و لظى ـ الفراق) كما قال تعالى: [يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ] {الرُّوم:14}.

ونقول: ربما تكون الحكمة : أنّ الله تعالى ذكر في كتابه أنّ لجهنم سبعة أبواب , والله أسقط سبعة من الحروف من هذه السورة وهي أوائل ألفاظ تدل على العذاب تنبيهاً على أنّ من قرأ هذه السورة وآمن بها وعرف حقائقها صار آمناً من الدركات السبع في جهنم، والله أعلم.

السؤال الخامس :

ما خصائص مكونات لفظ الجلالة ( الله ) ؟

الجواب :

اسم لفظ الجلالة ( الله) مكونات حروفه هي دون الأسماء جميعها, ويأتي لفظها من خالص الجوف , لا من الشفتين , ولفظ الجلالة ( الله ) لا تنطق به الشفاه لخلوه من النقاط .

ومن المعلوم أنّ لفظ الجلالة ( اللهُ ) مضموم الهاء , ومن إعجاز اسم الجلالة

( الله ) أنه مهما نقصت حروفه فإنّ الاسم يبقى كما هو :

1ـ إذا حذفنا أول حرف يكون لدينا ( لله ) كما في الآية: [وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا] {الأعراف:180} .

2ـ وإذا حذفنا الألف واللام الأولى بقيت ( له ) كما في الآية : [مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ] {البقرة:255}.

3ـ وإذا حذفنا الألف واللام الأولى واللام الثانية بقيت الهاء مضمومة ( هـُ ) ورغم ذلك تبقى الإشارة له كما في الآية: [هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ] {الحشر:22}.

4ـ وإذا حذفنا اللام الأولى فقط بقيت ( إله ) كما في الآية:[وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ] {الزُّخرف:84}.

لذلك مهما نقصت حروف لفظ الجلالة ( الله ) فإنّ الاسم يبقى كما هو .

فسبحان الله العظيم .

السؤال السادس:

ما دلالة رسم كلمة: {بِسْمِ} بدون ألف الوصل ورسمها بألف الوصل {بِاسْمِ} في القرآن الكريم ؟

الجواب:

وردت كلمة: {بِسْمِ} بدون ألف الوصل ثلاث مرات في القرآن الكريم (بخلاف فواصل السور ) في الآيات التالية :

[بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1}

[بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا] {هود:41}

[إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ ] {النمل:30} [إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ] {النمل:30}

ووردت كلمة: {بِاسْمِ} بألف الوصل أربع مرات في القرآن على النحو التالي :

[فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ] {الواقعة:74}

[فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ] {الواقعة:41}

[فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ] {الحاقة :52}

[اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] {العلق:1}

وحين نتدبر الآيات التي وردت فيها: {بِسْمِ} بدون ألف وصل , نلاحظ أنه جاء بعدها لفظ الجلالة: {اللهِ} كما نلاحظ أنه تعني الابتداء , أي : نبدأ{بِسْمِ اللهِ} ويوحي حذف الألف في: {بِسْمِ} أنه يجب علينا عمل الصلة مع الله فقط بأقصر الطرق وأسرعها .


أمّا الحالات التي جاءت فيها: {بِاسِمِ} بألف الوصل فإننا نلاحظ أنها جاءت بقصد التسبيح أو القراءة , وهي أمور تحتاج إلى التفكر والتدبر والتمهل . والله أعلم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابو معاذ المسلم ; 26-04-2022 الساعة 01:51 PM.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 23-04-2022, 11:46 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" (4)


المهندس مثنى محمد هبيان



[الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ] {الفاتحة:2}

السؤال الأول:

ما معنى الحمد ؟ وما الفرق بين الحمد والمدح ؟

الجواب:

معنى الحمدِ: الثناء على الجميل من النعمة أو غيرها مع المحبة والإجلال. فالحمد أن تذكر محاسن الغير سواء كان ذلك الثناء على صفة من صفاته الذاتية، كالعلم والصبر والرحمة ،أم على عطائه وتفضُّله على الآخرين. ولا يكون الحمد إلا للحي العاقل.

وهذا أشهر ما فرق بينه وبين المدح فقد تمدح جماداً ولكن لا تحمده .

وقد ثبت أنّ المدح أعم من الحمد, فالمدح قد يكون قبل الإحسان وبعده , أما الحمد فلا يكون إلا بعد الإحسان. فالحمد يكون لما هو حاصل من المحاسن في الصفات أو الفعل فلا يحمد من ليس في صفاته ما يستحق الحمد , أمّا المدح فقد يكون قبل ذلك؛ فقد تمدح إنسانا ولم يفعل شيئاً من المحاسن والجميل؛ ولذا كان المدح منهياً عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «احثوا التراب في وجه المداحين» بخلاف الحمد فإنه مأمور به؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من لم يحمد الناس لم يحمد الله».

وبذا علمنا من قوله: {الحَمْدُ للهِ }أن الله حيٌّ له الصفات الحسنى والفعل الجميل، فحمدناه على صفاته وعلى فعله وإنعامه, ولو قال : (المدح لله) لم يفد شيئاً من ذلك، فكان اختيار الحمد أولى من اختيار المدح.

السؤال الثاني :

لِمَ لم يقل سبحانه (الشكر لله) ؟

الجواب:

لأنّ الشكر لا يكون إلا على النعمة ولا يكون على صفاته الذاتية، فإنك لا تشكر الشخص على علمه أو قدرته , وقد تحمده على ذلك .

وقد جاء في «لسان العرب» : (والحمد والشكر متقاربان، والحمد أعمُّهما لأنك تحمد الإنسان على صفاته الذاتية وعلى عطائه ولا تشكره على صفاته, فكان اختيار الحمد أولى أيضا من الشكر لأنه أعم، فإنك تثني عليه بنعمه الواصلة إليك وإلى الخلق جميعاً, وتثني عليه بصفاته الحسنى الذاتية , وإن لم يتعلق شيء منها بك، فكان اختيار الحمد أولى من المدح والشكر.

السؤال الثالث:

قوله تعالى {الحَمْدُ للهِ }ولِمَ لم يقل (أحمد الله) أو (نحمد الله) ؟

الجواب:

قوله تعالى : {الحَمْدُ للهِ }أولى من وجوه عدة:

1ـ أنّ القول (أحمد الله) أو (نحمد الله) مختص بفاعل معين، ففاعل (أحمد) هو المتكلم وفاعل (نحمد) هم المتكلمون , في حين أنّ عبارة (الحمد لله) مطلقةٌ لا تختص بفاعل معين وهذا أولى , فإنك إذا قلت : (أحمد الله) أخبرت عن حمدك أنت وحدك ولم تفد أنّ غيرك حمده , وإذا قلت : (نحمد الله) أخبرت عن المتكلمين ولم تفد أنّ غيركم حمده , في حين أنّ عبارة (الحمد لله) لا تختص بفاعل معين فهو المحمود على وجه الإطلاق منك ومن غيرك.

2ـ وقول (أحمد الله) تخبر عن فعلك أنت ولا يعني ذلك أنّ من تحمده يستحق الحمد، في حين إذا قلت (الحمد لله) أفاد ذلك استحقاق الحمدِ للهِ وليس مرتبطاً بفاعل معين.

3ـ وقول (أحمد الله) أو (نحمد الله) مرتبط بزمن معين؛ لأنّ الفعل له دلالة زمنية معينة، فالفعل المضارع يدل على الحال أو الاستقبال ومعنى ذلك أنّ الحمد لا يحدث في غير الزمان الذي تحمده فيه.

ولا شك أنّ الزمن الذي يستطيع الشخص أو الأشخاص الحمد فيه محدود، وهكذا كل فعل يقوم به الشخص محدود الزمن، وإنّ أقصى ما يستطيع أن يفعله أنْ يكون مرتبطاً بعمره ولا يكون قبل ذلك وبعده فعل، فيكون الحمد أقل مما ينبغي, وحمد الله لا ينبغي أن ينقطع ولا يحد بفاعل أو بزمان , ولذلك فإنّ عبارة {الحَمْدُ للهِ } مطلقة غير مقيدة بزمن معين ولا بفاعل معين، فالحمد فيها مستمر غير منقطع.

جاء في «تفسير الرازي» أنه لو قال أحمد الله) أفاد ذلك كون القائل قادراً على حمده، أمّا لما قال (الحمد لله) فقد أفاد ذلك أنه كان محموداً قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين، فهؤلاء سواء حمدوا أم لم يحمدوا فهو تعالى محمود من الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم.

وقول (أحمد الله) جملة فعلية و(الحمد لله) جملة اسمية , والجملة الفعلية تدل على الحدوث والتجدد في حين أنّ الجملة الاسمية دالة على الثبوت، وهي أقوى وأدوم من الجملة الفعلية. فاختيار الجملة الاسمية أولى من اختيار الجملة الفعلية ههنا؛ إذ هو أدل على ثبات الحمد واستمراره.

4ـ وقول (الحمد لله) معناه أن الحمد والثناء حقٌّ لله وملكه، فإنه تعالى هو المستحق للحمد بسبب كثرة أياديه وأنواع آلآئه على العباد. فقولنا: (الحمد لله) معناه : أنّ الحمد لله حق يستحقه لذاته، ولو قال أحمد الله) لم يدل ذلك على كونه مستحقا للحمد بذاته, ومعلوم أنّ اللفظ الدال على كونه مستحقاً للحمد أولى من اللفظ الدال على أنّ شخصاً واحدا حمده.

والحمد عبارة عن صفة القلب، وهي اعتقاد كون ذلك المحمود متفضلاً منعماً مستحقاً للتعظيم والإجلال. فإذا تلفَّظَ الإنسان بقوله : (أحمد الله) مع أنه كان قلبه غافلاً عن معنى التعظيم اللائق بجلال الله كان كاذباً لأنه أخبر عن نفسه بكونه حامداً مع أنه ليس كذلك.

أما إذا قال: (الحمد لله) سواء كان غافلاً أو مستحضراً لمعنى التعظيم فإنه يكون صادقاً لأنّ معناه: أنّ الحمد حق لله وملكه , وهذا المعنى حاصل سواء كان العبد مشتغلاً بمعنى التعظيم والاجلال أو لم يكن. فثبت أنّ قوله (الحمد لله) أولى من قوله (أحمد الله) أو من (نحمد الله).

ونظيره قولنا {لَا إِلَهَ إِلَّا} فإنه لا يدخل في التكذيب، بخلاف قولنا "أشهد أن لا اله إلا الله" لأنه قد يكون كاذباً في قوله "أشهد" ولهذا قال تعالى في تكذيب المنافقين: {وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} {المنافقون:1} .

السؤال الرابع:

لماذا لم يقل{الحَمْدُ للهِ }بالنصب أي ( الحمد َ لله )؟

الجواب:

إن قراءة الرفع أولى من قراءة النصب، ذلك أنّ قراءة الرفع تدل على أنّ الجملة اسمية، في حين أنّ قراءة النصب تدل على أنّ الجملة فعلية، بتقدير"نحمد" أو "أحمد" او «احمدوا» بالامر، والجملةُ الاسمية أقوى وأثبت من الجملة الفعلية؛ لأنها دالة على الثبوت.

وقد يقال : أليس تقدير فعل الأمر في قراءة النصب أقوى من الرفع بمعنى «احمدوا الحمد لله» كما تقول: «الإسراع في الأمر» بمعنى أسرعوا؟

والجواب: لا . فإن قراءة الرفع أولى أيضاً ذلك لأنّ الأمر بالشيء لا يعني أنّ المأمور به مستحق للفعل، وقد يكون المأمور غير مقتنع بما أمر به فكان {الحَمْدُ للهِ } بالرفع أولى من ( الحمد َ لله ) بالنصب في الإخبار والأمر.

السؤال الخامس:

لماذا لم يقل «حمداً لله»؟

الجواب:

الحمد لله معرَّفةٌ بأل، وحمداً نكرة, والتعريف هنا يفيد ما لا يفيده التنكير، ذلك أن «أل» قد تكون لتعريف العهد فيكون المعنى: أنّ الحمد المعروف بينكم هو لله، وقد يكون لتعريف الجنس على سبيل الاستغراق فيدل على استغراق الأحمدة كلها، ورجح بعضهم المعنى الأول ورجح بعضهم المعنى الثاني، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : «اللهم لك الحمد كله» فدل على استغراق الحمد كله، فعلى هذا يكون المعنى: أنّ الحمد المعروف بينكم هو لله على سبيل الاستغراق والإحاطة فلا يخرج عنه شيء من أفراد الحمد ولا أجناسه.

السؤال السادس:

{الحَمْدُ للهِ } أهي خبر أم انشاء؟

الجواب:

الخبر هو ما يحتمل الصدق أو الكذب , والإنشاء هو ما لا يحتمل الصدق أو الكذب.

قال أكثر النحاة والمفسرين :إنّ (الحمد لله) إخبار كأنه يخبر أنّ الحمد لله سبحانه وتعالى، وقسم قال : إنها إنشاء؛ لأنّ فيها استشعار المحبة، وقسم قال : إنها خبر يتضمن إنشاء.

وأحيانا يحتمل أنْ تكون التعبيرات خبراً أو إنشاء بحسب ما يقتضيه المقام الذي يقال فيه, فعلى سبيل المثال قد نقول : (رزقك الله) ونقصد بها الدعاء وهذا إنشاء، وقد نقول: (رزقك الله وعافاك) والقصد منها: أفلا تشكره على ذلك؟ وهذا خبر.

والحمد لله هي من العبارات التي يمكن أنْ تستعمل خبراً وإنشاء بمعنى الحمد لله خبر, ونستشعر نعمة الله علينا ونستشعر التقدير كأنْ نقولها عندما نستشعر عظمة الله سبحانه في أمر ما فنقول : الحمد لله.

السؤال السابع:

لماذا لم يقل سبحانه : إنّ الحمد لله؟

الجواب:

لا شك إنّ الحمد لله , لكن هناك فرق بين التعبيرين أنْ نجعل الجملة خبراً محضاً في قول{الحَمْدُ للهِ } حيث (تعمل للخبر أو الإنشاء) ولكن عندما تدخل عليه (إنّ) لا يمكن إلا أنْ يكون إنشاء , لذا فقول : (الحمد لله) أولى لما فيه من الإجلال والتعظيم والشعور بذلك , لذا جمعت {الحَمْدُ للهِ }بين الخبر والإنشاء ومعناهما. مثلا نقول : رحمة الله عليك (هذا دعاء) وعندما نقول : إنّ رحمة الله عليك، فهذا خبر وليس دعاء .

ومن المعلوم أنه في اللغة قد تدخل بعض الأدوات على عبارات فتغير معناها مثال: رحمه الله (دعاء) أما: قد رحمه الله (إخبار) , رزقك الله (دعاء) أما : قد رزقك الله (إخبار)

السؤال الثامن:

لماذا لم يقل سبحانه : لله الحمد؟

الجواب:

لله الحمد : تقال إذا كان هناك كلام يراد تخصيصه ,مثال(لفلانٌ الكتاب) تقال للتخصيص والحصر, وإذا قُدِّمَ الجارُ والمجرورُ على اسم العلم يكون بقصد الاختصاص والحصر (لإزالة الشك أنّ الحمد سيكون لغير الله)

الحمد لله في الدنيا ليست مختصة لله سبحانه وتعالى. الحمد في الدنيا قد تقال لأستاذ أو سلطان عادل , وأمّا العبادة فهي قاصرة على الله سبحانه وتعالى .

والمقام في الفاتحة ليس مقام اختصاص أصلاً , وليست مثل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أو {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فقد وردت في القران الكريم{فَللهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ} [الجاثية:36] .

لا أحد يمنع التقديم، لكنّ التقديم والتأخير في القرآن الكريم يكون حسب ما يقتضيه السياق. والمقام في سورة الفاتحة هو مقام مؤمنين يقرون بالعبادة ويطلبون الاستعانة والهداية , أمّا في سورة الجاثية فالمقام في الكافرين وعقائدهم وقد نسبوا الحياة والموت لغير الله سبحانه، لذا اقتضى ذكر تفضله سبحانه بأنه خلق السموات والأرض وأثبت لهم أنّ الحمد الأول لله سبحانه على كل ما خلق لنا، فهو المحمود الأول، لذا جاءت (فلله الحمد) مقدَّمةً حسب ما اقتضاه السياق العامُّ للآيات في السورة.

السؤال التاسع:

لماذا التفصيل في الجاثية { رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ} [الجاثية:36] ولم ترد في الفاتحة؟

الجواب:

1ـ في الجاثية : تردَّدَ ذكر السموات والأرض وما فيهن وذكر ربوبية الله تعالى لهما, فقد جاء في أول السورة {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ } [الجاثية:3] فلو نظرنا في جوِّ سورة الجاثية نلاحظ ربوبية الله تعالى للسموات والأرض والخلق والعالمين مستمرة في السورة كلها. قال تعالى : {وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } [الجاثية:27 يعني هو ربُّهما {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ} [الجاثية:27 إذن هو رب العالمين {وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ} [الجاثية:22] فهو ربهما {وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الجاثية:22] فهو ربُّ العالمين. {فَللهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ} [الجاثية:36] فجمع الربوبية في السموات والارض والعالمين في آية واحدة , أمّا في الكلام في الفاتحة فهو عن العالمين فقط وذكر أصناف الخلق من العالمين {المؤمِنينَ} ، {الضَآلِينَ}.. لذا ناسب التخصيص في الجاثية وليس في الفاتحة.


يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابو معاذ المسلم ; 26-04-2022 الساعة 01:51 PM.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 30-04-2022, 11:54 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" (5)


المهندس مثنى محمد هبيان



{الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} [الفاتحة:2]

2ـ قوله تعالى:{وَلَهُ الكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [الجاثية:37] ولم يذكر الكبرياء في الفاتحة؛ لأنه جاء في الجاثية ذكر المستكبرين بغير حق كما في الآيات:{وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ(7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ(9) }. [الجاثية]. فدلّ على مظهر من مظاهر الاستكبار, لذا ناسب أن يرد ذكر الكبرياء في السموات والأرض، فسبحانه تعالى يضع الكلام بميزان دقيق بما يتناسب مع السياق العام للآيات.

السؤال العاشر:

في قوله تعالى{الحَمْدُ للهِ }جاء سبحانه وتعالى باسمه العلم{اللهِ}ولم يقل الحمد للخالق أو القدير أو أي اسم آخر من أسمائه الحسنى، فلماذا جاء باسمه العلم؟

الجواب:

1ـ لأنه إذا جاء بأي اسم آخر غير العَلَمِ لدلَّ على أنه تعالى استحقَّ الحمد فقط بالنسبة لهذا الاسم خاصة، فلو قال: الحمد للقادر، لفهمت على أنه يستحق الحمد للقدرة فقط، لكن عند ذكر الذات {اللهُ}فإنها تعني أنه سبحانه يستحق الحمد لذاته لا لوصفه.

2ـ من ناحية أخرى: الحمد لله مناسبة لما جاء بعدها{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة:5] لأنّ العبادة كثيراً ما تختلط بلفظ الله، فلفظ الجلالة {اللهُ} يعنى الإله المعبود، مأخوذة من أَلِهَ (بكسر اللام) ومعناها: عُبِدَ ، ولفظ الله مناسب للعبادة، وأكثر اسم اقترن بالعبادة هو لفظ الله تعالى (وللعلم فإنّ أكثر من 50 مرة اقترن لفظ الله بالعبادة في القرآن) لذا فالحمد لله مناسب لأكثر من جهة.

لذلك نجد أنّ الحمد{للهِ}أولى من قول: الحمد للسميع، أو العليم، أو غيرها من أسماء الله الحسنى. وقولُ: الحمد لله، أولى من قول: أحمد الله، أو الحمدَ لله، أو حمداً لله، أو أنّ الحمدَ لله، أو الحمدُ للحيِّ، أو القادر، أو السميع، أو البصير. جلَّت حكمة الله سبحانه وتعالى وجلّ قوله العزيز.

السؤال الحادي عشر:

ما السور التي بدأت بقوله{الحَمْدُ للهِ }؟

الجواب:

1ـ السور التي بُدئت بالحمد هي خمسُ سور أولها الفاتحة، ثم: الأنعام، الكهف، سبأ، وفاطر. ثم نجدها تتكرر في داخل عدد من السور في سبع عشرة مرة.

و هذه البدايات تبيّن نماذج من الحمد، وعلى الأغلب أنّ {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} [الفاتحة:2] في الفاتحة هو جنس الحمد، وهناك نماذج أخرى يُحمَد الله عز وجل لآلائه ، فهنا من رحمته، وهنا من فضله، وهنا من علمه، وهنا من إعطائه العلم للآخرين، وهنا من رحمته بهم، وهنا من خلقه السموات والأرض.

والسور الأربع كأن بداياتها متكاملة:

آ ـ الأولى:{الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:1].

والآية تكلمت عن الأمور المنظورة والكلام فيها عن الخلق بمعنى البدء، لكن غالباً فيه معنى التقدير والتصوير, لأنهم يقولون: هذا الصانع خلق القماش، يعني قدّره قبل أنْ يقصه، والخلق غير التكوين والإنشاء, والتصوير يصور الشيء، والكلام هنا خاص عن خلق السموات والأرض ومن رحمة الله سبحانه تعالى جعل الظلمات والنور، معناه: نظّم السموات والأرض بما فيها من ظلمات ونور مبنية على الحركة وعلى وجود الإشعاع من داخل بعضها، وبعضها خال من الإشعاع.

ب ـ الثانية:{الحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فاطر:1] هذه الآية تكلمت عن الأمور غير المنظورة كالملائكة.

ج ـ الثالثة:{الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآَخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ} [سبأ:1] الآية تكلمت عن ملك الله تعالى للسموات والأرض، وكل ما في السموات والأرض هو ملك لله سبحانه وتعالى وحده.

د ـ ثم الرابعة: {الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف:1] الآية تكلمت عن الكتاب الذي يجمع كل القيم ويبين المنهج الإلهي.

فهذه نماذج من آلاء الله سبحانه وتعالى ونعمه التي يجب أن يُحمد عليها, لكن لكل حمدٍ في كل سورة حيثيةٌ خاصةٌ.

2ـ أمّا {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} [الفاتحة:2] في سورة الفاتحة فجمعت كل الحيثيات فجاءت شاملةً للكون كله، وجاء بلفظ {الحَمْدُ} لتدل على جنس الحمد كلِّه، بينما توجد حيثياتٌ جزئيةٌ في بدايات السور الأربع، وبينها نوع من التلازم والتشابك.

3ـ عندما ننتقل إلى عموم سور القرآن الكريم نجد في كل موضع كلمة {الحَمْدُ للهِ} لها معناها ولها مدلولها لكن يجمعها جميعاً حتى في هذا الموضع ( آية الفاتحة 2 ) أنه ليس فيها معنى الحصر وقصر الحمد على الله سبحانه وتعالى وليس فيها دعوة إلى أنْ لا يحمد سواه.

لكن سنجد في آيات أخرى هناك قصر {لَهُ الحَمْدُ}، ففي الأماكن التي يقول الله فيها: {الحَمْدُ للهِ} يفسح المجال فيها لأن يحمد الإنسان غير الله سبحانه وتعالى للبشر مثلاً على خُلُقِه، على علمه، على كرمه، لكنْ في الأماكن التي يُطلب فيها أنْ يكون الحمد حصراً وقصراً لله سبحانه وتعالى يقول: {فَللهِ الحَمْدُ} أو {لَهُ الحَمْدُ}.

السؤال الثاني عشر:

ما الخماسيات الأخرى الموجودة في افتتاح سور القرآن الكريم؟

الجواب:

في القرآن الكريم توجد سبع خماسيات في افتتاح سور القرآن الكريم وهي:

1ـ الخماسية الأولى: المفتتحة بالتحميد، وهي السور المذكورة في السؤال السابق، وهي: الفاتحة ـ الأنعام ـ الكهف ـ سبأ ـ فاطر. وكلها مكية.

2ـ الخماسية الثانية: المفتتحة بالتسبيح، وهي: الحديد ـ الحشر ـ الصف ـ الجمعة ـ التغابن. وكلها مدنية.

3ـ الخماسية الثالثة: المفتتحة بأحرف (الر)، وهي يونس ـ هود ـ يوسف ـ إبراهيم ـ الحجر. وكلها مكية.

4ـ الخماسية الرابعة: المفتتحة بالنداء، وهي: النساء ـ المائدة ـ الحج ـ الحجرات ـ الممتحنة. وكلها مدنية.

5ـ الخماسية الخامسة: المفتتحة بنداء الرسول عليه السلام، وهي: الأحزاب ـ الطلاق ـ التحريم ـ المزمل ـ المدثر. وكلها مكية.

6ـ الخماسية السادسة: المفتتحة بالاستفهام، وهي: الإنسان ـ الغاشية ـ الشرح ـ الفيل ـ الماعون. وكلها مكية.

7ـ الخماسية السابعة: المفتتحة بالأمر(قل)، وهي: الجن ـ الكافرون ـ الإخلاص ـ الفلق ـ الناس. وكلها مكية.

والله أعلم.

يتبع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 05-05-2022, 11:34 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"


مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" (6)


المهندس مثنى محمد هبيان

قوله تعالى: {ربِ العَالمِين}



السؤال الأول: ما معنى الرَّبِّ في اللغة ؟

الجواب:

الرَّبُّ هو المالك والسيد والمربي والمنعم والقيّم، فإذن رب العالمين هو ربهم ومالكهم وسيدهم ومربيهم والمنعم عليهم وقَيِّمُهم، لذا فهو أولى بالحمد من غيره، وذكر{ربِ العَالمِين} هي أنسب ما يمكن وضعه بعد {الحَمْدُ للهِ}.

رب العالمين يقتضي كل صفات الله تعالى ويشمل كل أسماء الله الحسنى.

السؤال الثاني: ما دلالة كلمة {العَالَمِينَ}؟

الجواب:

العالمين: جمع عَالَم , والعالم هو كل موجود سوى الله تعالى , والعالم يجمع على العوالم وعلى العالمين, لكن اختيار العالمين على العوالم أمر بلاغيٌّ، ويعني ذلك أنّ العالمين خاص للمكلفين وأولي العقل (أي: لا تشمل غير العقلاء) بدليل قوله تعالى:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1] ومن المؤكد أنه ليس نذيراً للبهائم والجماد. وبهذا استدلوا على أنّ المقصود بالعالمين أولو العقل وأولو العلم أو المكلفون.

و{العَالَمِينَ}جمع عالم بكل أصنافه لكن يغلُب العقلاء على غيرهم فيقال لهم: (العالمين) ولا يقال لعالم الحشرات أو الجماد أو البهائم : {العَالَمِينَ} وعليه فلا تستعمل كلمة العالمين إلا إذا اجتمع العقلاء مع غيرهم وغلبوا عليهم.

أمّا العوالم قد يطلق على أصناف من الموجودات ليس منهم البشر أو العقلاء أو المكلفون: تقال للحيوانات والحشرات والجمادات.

السؤال الثالث: لماذا لم تجمع عالم على عوالم ؟ وما الفرق بين عوالم وعالمين و علاّم؟

الجواب:

1ـ القاعدة اللغوية :

صيغة الجمع ( فواعل ) هي جمع تكسير، وهي إمّا أنْ تكون :

آ ـ جمعاً لمؤنث بصيغة فاعلة , نحو : كافرة وكوافر ـ ساجدة وسواجد ـ نازلة ونوازل.

ب ـ أو جمعاً لغير العاقل بصيغة فاعل، نحو : قارض وقوارض ـ زاحف وزواحف ـ ناقص ونواقص.

2ـ (عالمين) :

ومفردها (عالم) ولم تجمع على عوالم في القرآن الكريم حسب القاعدة اللغوية أعلاه , والسبب في ذلك أنّ المقصود بها في السياقات القرآنية هو العاقلون ، فأحياناً المقصود منها هو عالم الناس , وأحياناً عالم الإنس والجن (الثقلان)، وأحياناً عالم الملائكة والشياطين ، وأحياناً يتسع معناها فتشمل المخلوقات كافة, العاقلين وغير العاقلين لذلك ينبغي أنْ تجمع كلمة (عالم) على (عالمين) إشارةً إلى العاقلين من الإنس والجن والملائكة والشياطين لتمييزها عن العوالم غير العاقلة.

قال الفرّاء وأبو عبيدة : العالم عبارةٌ عما يعقل من (الإنس والجن والملائكة والشياطين) ولا يقال للبهائم : عالم .

3ـ علاّم :

وردت في القرآن الكريم أربع مرات في آيات ( المائدة 109و 116 ، التوبة 78، سبأ 48) وهي مبالغة من عالم , وقد تكون علاّمة بزيادة تاء التأنيث للمبالغة لكن لا تستعمل مع الله تعالى , ولم يقل القرآن : علاّمة ، لأنّ علم الله لا يترقى بلاغة ولا كمية . والله أعلم.

السؤال الرابع: ما سبب اختيار كلمة {رَبِّ} و {العَالَمِينَ} في الآية؟

الجواب:

1ـ اختيار كلمة العالمين له سببه في سورة الفاتحة، فــ (العالمين) تشمل جيلاً واحداً، أو قسماً من جيل , وقد تشمل كل المكلفين, وفي الآية : {قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العَالَمِينَ} [الحجر:70] في قصة سيدنا لوط جاءت هنا بمعنى: قسم من الرجال.

واختيار العالمين أيضاً لأنّ السورة كلها في المكلفين , وفيها طلب الهداية وإظهار العبودية لله وتقسيم الخلق، وكله خاص بأولي العقل والعلم , لذا كان من المناسب اختيار العالمين على غيرها من المفردات أو الكلمات، وقد ورد في آخر الفاتحة ذكر المغضوب عليهم وهم اليهود، و(العالمين) رد على اليهود الذين ادعوا أن الله تعالى هو رب اليهود فقط، فجاءت {رَبِّ العَالَمِينَ} لتشمل كل العالمين لا بعضهم.

2ـ أمّا اختيار كلمة{رَبِّ} فلأنها تناسب ما بعدها {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:6] لأنّ من معاني الرب (المربي)، وهي أشهر معانيه وأولى مهام الرب الهداية , لذا اقترنت الهداية كثيراً بلفظ الرب , كما اقترنت العبادة بلفظ الله تعالى كما في الآيات :{قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى(49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(50) }. [طه].

{ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه:122] {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى(1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى(2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(3) }. [الأعلى]. {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [الأنعام:161] { وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} [الكهف:24] ، {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء:62] ، {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصَّفات:99] ، {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص:22] لذا ناسب لفظ رب مع اهدنا الصراط المستقيم وفيها طلب الهداية.

السؤال الخامس: أين وردت {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} كاملة في القرآن الكريم ؟

الجواب:

1ـ وردت {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ}كاملة في القرآن الكريم في ستة مواضع هي : الفاتحة 2، الأنعام 45 ، يونس 10، الصافات 182، الزمر 75 ، غافر 65 .

{الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} في بداية الفاتحة بعد البسملة معناه بداية عمل.

وفي نهاية سورة الصافات بعد الحديث عن الكون وما يضم إلى قيام الساعة انتهاء الحياة {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(180) وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ(181) وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ(181) } [الصَّافات] النهاية.

كذلك في نهاية سورة الزمر {وَتَرَى المَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَقِيلَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} [الزُّمر:75] والأنعام {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44) فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ(45) } [الأنعام] في نهاية الحياة، وفي نهاية السور التي تشير إلى نهاية الحياة، أونهاية مواقف معينة تأتي {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ}وفي الأنعام نهاية عمل وانتهى أمرهم.

و{الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} فيها كلام عن الناس، لاحظ الآية الأولى {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} [يونس:10] هذا في يوم القيامة في الجنة، وقوله تعالى في سورة غافر {هُوَ الحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} [غافر:65] هنا في آخر الدعاء , وهنا يحتمل أوله وآخره {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } كأنما الحمد في الأولى والآخرة.

والفائدة التي نقولها أنّ كلمة {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} جاءت في أول الفاتحة تحميداً وتمجيداً لله سبحانه وتعالى وبها يختم العمل والدعاء وتأتي في سور أخرى في الآخرة أي: {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} في البدء وفي الختام.


يتبع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 12-05-2022, 03:46 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"


مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" (7)


المهندس مثنى محمد هبيان

حول معنى قوله تعالى {الرحمن الرحيم}



السؤال الأول:

كلمتا ( الرحمن،الرحيم) كل منهما مشتق من الرحمة. فما الفرق بينهما في قوله تعالى {الرحمن الرحيم} ؟

الجواب:

{الرحمن} على وزن فعلان، والرحيم على وزن فعيل, ومن المقرر في علم التصريف في اللغة العربية أنّ صفة (فعلان) تمثل الحدوث والتجدد والامتلاء والاتصاف بالوصف إلى حده الأقصى، فيقال: غضبان، بمعنى امتلأ غضباً {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه:86] لكنّ الغضب زال {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ} [الأعراف:154] ومثل ذلك عطشان، ريان، جوعان، فيكون عطشان فيشرب فيذهب العطش .

أما صيغة (فعيل) فهي تدل على الثبوت سواء كان خٍلقة , مثل طويل، جميل، قبيح، فلا يقال : خطيب، لمن ألقى خطبة واحدة، وإنما تقال لمن يمارس الخطابة، وكذلك الفقيه.

هذا الإحساس اللغوي بصفات فعلان وفعيل لا يزال في لغتنا الدارجة إلى الآن فنقول لمن بدا عليه الطول (طولان) فيرد : هو طويل (صفة ثابتة)، فلان ضعفان (حدث فيه شيء جديد لم يكن) فيرد : هو ضعيف (هذه صفته الثابتة فهو أصلاً ضعيف) .

ولذا جاء سبحانه وتعالى بصفتين تدلان على التجدد والثبوت معاً، فلو قال : {الرحمن} فقط لتوهم السامع أنّ هذه الصفة طارئة قد تزول كما يزول الجوع من الجوعان والغضب من الغضبان وغيره، ولو قال : {الرحيم} وحدها لفهم منها أنّ صفة رحيم مع أنها ثابتة لكنها ليست بالضرورة على الدوام ظاهرة إنما قد تنفك، مثلاً عندما يقال : فلان كريم، فهذا لا يعني أنه لا ينفك عن الكرم لحظة واحدة، إنما الصفة الغالبة عليه هي الكرم.

وجاء سبحانه بالصفتين مجتمعتين ليدل على أنّ صفاته الثابتة والمتجددة هي الرحمة , ويدل على أنّ رحمته لا تنقطع , وهذا يأتي من باب الاحتياط للمعنى، وجاء بالصفتين الثابتة والمتجددة لا ينفك عن إحداهما فهذه الصفات مستمرة ثابتة لا تنفك البتة وغير منقطعة.

{الرحمن}: والرحمن معناه كثير الرحمة، أو ذو الرحمة العامة الشاملة، ولذلك يقولون: كلمة الرحمن معناها : هو رحمن في الدنيا والآخرة، وهو رحمن بكل خلقه مؤمنهم وكافرهم؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى لا يحرم الكافر من رحمته، وفي الحديث: «لو كانت هذه الدنيا تعدل جناح بعوضة عند ربكم ما سقى كافراً فيها شربة ماء». لكن يسقي الكافر ويعطيه الصحة ويعطيه النظر ويعطيه السمع ويعطيه الاستقامة وهو يكفر بالرحمن، ومع ذلك يرحمه الله في هذه الدنيا، ولكن سيأتي الوقت الذي يحاسبه عليه، فهو رحمن في الدنيا والآخرة للجميع.

{الرحيم}: أما اسم {الرحيم} فجاء في المرتبة الثالثة في السورة: الله، الرحمن، الرحيم. يقول علماؤنا: الرحيم بالمؤمنين .

و لذلك لاحظ كلمة الرحمن لأنها المرحلة الثانية بعد لفظ الله، جاءت مثل لفظة (الله) التي لا يُسمّى بها مخلوق , كذلك كلمة (الرحمن) لا يسمى بها مخلوق ولا حتى بالإضافة ، لذلك لما مسيلمة الكذاب سُمِّيَ : رحمن اليمامة أخزاه الله سبحانه وتعالى.

لكن كلمة (الرحيم) يمكن أنْ يوصف بها البشر أيضاً؛ لأنها رحمة قليلة بالقياس إلى الرحمن ولا تقارن برحمة الله سبحانه وتعالى , وقد وصِفَ محمد صلى الله عليه وسلم بالرحيم في الآية {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:128]. وأنت يمكن أن تقول : هذا إنسان رحيم، لكن لا يمكن أنْ تقول: هذا إنسان رحمن، هذا التدرج يفيد الانتقال من الكل إلى الجزئيات.

السؤال الثاني:

لماذا إذن قدّم سبحانه (الرحمن) على (الرحيم)؟

الجواب:


قدّم صيغة الرحمن، والتي هي الصفة المتجددة وفيها الامتلاء بالرحمة لأبعد حدودها؛ لأنّ الإنسان في طبيعته عجول , وكثيرا ما يؤثر الإنسان الشيء الآتي السريع وإنْ قل على الشيء الذي سيأتي لاحقا وإنْ كثر , ووقوع كلمة (الرحيم) بعد كلمة الرَّبِّ يدلنا على أنّ الرحمة هي من صفات الله تعالى العليا, وفيها إشارة إلى أنّ المربي يجب أنْ يتحلى بالرحمة وتكون من أبرز صفاته وليست القسوة ، والرَّبُّ بكل معانيه ينبغي أنْ يتصف بالرحمة سواء كان مربياً أو سيداً أو قيماً وقد وصف الله تعالى رسوله بالرحمة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 19-05-2022, 12:57 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"


مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" (8)


المهندس مثنى محمد هبيان

حول معنى قوله تعالى {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}



السؤال الأول: ماذا عن القراءة الثانية ( مَلِكِ ) ؟

الجواب:

هناك قراءة متواترة {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة:4] وبعض المفسرين يحاولون تحديد أي القراءتين أولى وتحديد صفة كلٍّ منهما , لكنْ في الحقيقة ليس هناك قراءة أولى من قراءةٍ فكلتا القراءتين متواترة نزل بهما الروح الأمين ليجمع بين معنى المالك والمَلِكِ.


السؤال الثاني: ما الفرق بين المَلِكِ والمالك ؟

الجواب:

المالك من التملُّكِ، والمَلِك بكسر اللام (بمعنى الذي يملك المِلكَ) .

ومَلِكٌ -بكسر اللام- من (المُلك) -بضم الميم- أي الحُكمِ كما في الآية {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} [الزُّخرُف:51] ـ المُلكُ هنا بمعنى الحكم , والحاكم الأعلى هو الله تعالى.

المالك قد يكون ملكاً وقد لا يكون , والمَلِك قد يكون مالكاً وقد لا يكون. المالك يتصرَّفُ في ملكه كما لا يتصرف المَلِكُ (بكسر اللام) , والمالك عليه أن يتولى أمر مملوكه من الكسوة والطعام , والملِك ينظر للحكم والعدل والإنصاف.

المالك أوسع لشموله العقلاء وغيرهم، والملِك هو المتصرف الأكبر وله الأمر والإدارة العامة في المصلحة العامة , فنزلت القراءتان لتجمع بين معنى المالك والمَلِك وتدل على أنه سبحانه هو المالك وهو المَلِك {قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ } [آل عمران:26] ـ المُلكُ ملكُه سبحانه وتعالى , فجمع بين معنى المِلكية والمُلكِ .

السؤال الثالث: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} لِمَ لمْ يذكر الدنيا؟ سواء كان مالكاً أو مَلِكاً فلماذا لم يقل (مالك يوم الدين والدنيا)؟

 الجواب:

أولاً : قال:{الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} فهو مالكهم ومَلِكُهم في الدنيا وهذا شَمَلَ الدنيا. (مالك يوم الدين) هو مالك يوم الجزاءِ، ويعني مَلَكَ ما قبله من أيام العمل ,والعمل يكون في الدنيا، فقد جمع في التعبير يوم الدين والدنيا, وبقوله: (يوم الدين) شمل فيه الدنيا أيضاً.

السؤال الرابع: لِمَ قال : يوم الدين، ولم يقل : يوم القيامة؟


الجواب:

الدِّين بمعنى الجزاء، وهو يشمل جميع أحوال القيامة من ابتداء النشور إلى السرمد الدائم , ويشمل الجزاء والحساب والطاعة والقهر وكلها من معاني الدين, وكلمة (الدين) أنسب للفظ (رَبِّ العالمين) وأنسب للمكلفين (الدِّين يكون لهؤلاء المكلفين) فهو أنسب من يوم القيامة؛ لأنّ القيامة فيها أشياء لا تتعلق بالجزاء، أمّا الدين فمعناه الجزاء وكل معانيه تتعلق بالمكلفين؛ لأنّ الكلام من أوله لآخره عن المكلفين، لذا ناسب اختيار كلمة الدين عن القيامة.

السؤال الخامس: لماذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ } فأضاف الملك إلى اليوم، واليوم لا يُملَكُ ؟

الجواب:

اليوم لا يملك لكن ما فيه يملك , والسبب لقصد العموم, ومالك اليوم هو مالك لكل ما فيه وكل من فيه , فهو أوسع، وهو ملكية كل ما يجري وما يحدث في اليوم وكل ما فيه ومن فيه, فهي إضافة عامة شاملة جمع فيها ما في ذلك اليوم ومن فيه وأحداثه وكل ما فيه من باب المِلكية (بكسر الميم) والمُلكية (بضم الميم).

السؤال السادس : ما أسماء يوم القيامة التي وردت في القرآن ؟

الجواب:

عدد أسماء يوم القيامة في القرآن ما يقارب أربعة وعشرين اسماً ، وهي :

1ـ يوم الدين . [الفاتحة: 4]

2ـ الآخرة . [البقرة: 4]

3ـ القيامة . [البقرة: 85]


4ـ الدار الآخرة . [البقرة: 94]

5ـ اليوم الآخر . [البقرة: 177]

6ـ الساعة . [الأنعام: 31]

7ـ يوم الحسرة . [مريم: 39]

8ـ يوم البعث . [الروم :56]

9ـ يوم الفصل . [الصافات :21]

10ـ يوم التلاق . [غافر: 15]

11ـ يوم الآزفة . [غافر: 18]

12ـ يوم الحساب . [غافر :27 ]

13ـ يوم التناد . [غافر: 32 ]

14ـ يوم الجمع . [الشورى : 7 ]

15ـ يوم الوعيد . [ق :20 ]

16ـ يوم الخلود . [ق : 34 ]

17ـ يوم الخروج . [ق : 42 ]

18ـ الواقعة . [الواقعة : 1]

19ـ يوم التغابن . [التغابن : 9 ]

20ـ الحاقة . [الحاقة : 1 ]

21ـ القارعة . [الحاقة: 4]

22ـ الطامة الكبرى . [النازعات : 34]

23ـ الصاخة . [عبس: 33]

24ـ الغاشية . [الغاشية: 1]

لذلك كان اقتران الحمد بهذه الصفات في الآيات السابقة أحسن اقتران وأجمله:

ـ {الحَمْدُ للهِ} فالله محمود بذاته وصفاته على العموم والله هو الاسم العلم , ثم محمود بكل معاني الربوبية .

ـ { رَبِّ العَالَمِينَ} لأنّ من الأرباب من لا تحمد عبوديته.

ـ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فهو محمود في كونه رحمن رحيم، محمود في رحمته لأنّ الرحمة لو وضعت في غير موضعها تكون غير محمودة, فالرحمة إذا لم توضع في موضعها لم تكن مدحاً لصاحبها، أمّا الله فمحمود في رحمته يضعها حيث يجب أنْ توضع وهو محمود يوم الدين محمود في تملكه وفي مالكيته.

ـ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} محمود في ملكه ذلك اليوم كما في قراءة (مَلِكِ يوم الدين).

فاستغرق الحمد كل الأزمنة فلم يترك سبحانه زمناً لم يدخل فيه الحمد أبداً من الأزل إلى الأبد , فقد استغرق الحمد قبل الخلق {الحَمْدُ للهِ} حين كان تعالى ولم يكن معه شيء قبل حمد الحامدين وقبل وجود الخلق والكائنات، فاستغرق الحمد هنا الزمن الأول وعند خلق العالم {رَبِّ العَالَمِينَ}. واستغرق الحمد وقت كانت الرحمة تنزل ولا تنقطع {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} واستغرق الحمد يوم الجزاء كله، ويوم الجزاء لا ينتهي لأنّ الجزاء لا ينتهي، فأهل النار خالدون فيها وأهل الجنة خالدون فيها لا ينقضي جزاؤهم، فاستغرق الحمد كل الأزمنة من الأزل إلى الأبد كقوله تعالى { لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآَخِرَةِ } فهذه الآيات جمعت أعجب الوصف.

يتبع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 05-06-2022, 12:46 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"




مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" (9)

حول معنى قوله تعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}

مثنى محمد هبيان





السؤال الأول:

لِمَ قدَّمَ مفعولي الفعلين (نعبد) و(نستعين) ؟

الجواب:

قدّم هنا في الآية المفعولين لنعبد ونستعين, وهذا التقديم هو للاختصاص لأنه سبحانه وتعالى وحده له العبادة , لذا لم يقل : نعبدك ونستعينك؛ لأنها لا تدل على التخصيص بالعبادة لله تعالى , أمّا قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} فتعني تخصيص العبادة لله تعالى وحده، وكذلك في الاستعانة {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}تكون بالله حصراً وكما في الآية {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ} [الممتحنة:4] فكلها مخصوصة لله وحده حصـراً، فالتوكل والإنابة والمرجع كله إليه سبحانه {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} [إبراهيم:11] .

أمّا قوله تعالى :{قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا } [المُلك:29] فإن تقديم الإيمان على الجار والمجرور هنا لأن الإيمان ليس محصوراً بالله وحده فقط، بل علينا الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والقضاء والقدر, لذا لم تأت (به آمنا) ، أمّا في التوكل فجاءت {وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا } [المُلك:29] لا (توكلنا عليه) لأنّ التوكل محصور بالله تعالى وحده.

السؤال الثاني:

لماذا كُرِّرت: {إيَّاكَ} مع فعل الاستعانة ولم يقل (إياك نعبد ونستعين)؟

الجواب:

التكرار يفيد التنصيص على حصر المستعان به, ولو اقتصرنا على ضمير واحد (إياك نعبد ونستعين) لم يعن المستعان إنما عنى المعبود فقط , ولو اقتصرنا على ضمير واحد لفهم من ذلك أنه لا يتقرب إليه إلا بالجمع بين العبادة والاستعانة, بمعنى أنه لا يعبد بدون استعانة ولا يستعان به بدون عبادة. ويفهم من الاستعانة مع العبادة مجموعة ربط الاستعانة بالعبادة , وهذا غير وارد، وإنما هو سبحانه نعبده على وجه الاستقلال , ونستعين به على وجه الاستقلال . وقد يجتمعان , لذا وجب التكرار في الضمير: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] .

والتكرار توكيد في اللغة، وفي التكرار من القوة والتوكيد للاستعانة فيما ليس في الحذف.

السؤال الثالث:

ما دلالة إطلاق فعل الاستعانة وعدم تقييده بشيء معين ؟

الجواب:

أطلق سبحانه فعل الاستعانة ولم يحدد بأن نستعين على شيء معين، أو نستعين على طاعة معينة، أو غيره، إنما أطلقها لتشمل كل شيء، فهي ليست محددة بأمر واحد من أمور الدنيا بل وتشمل كل شيء يريد الإنسان أن يستعين بربه؛ لأن الاستعانة غير مقيدة بأمر محدد.

السؤال الرابع:

ما دلالة استعمال ضمير الجمع: { نَعْبُدُ } { نَسْتَعِينُ}ولم يستعمل ضمير المفرد ؟

الجواب:

لقد عبّر سبحانه عن الاستعانة والعبادة بلفظ ضمير الجمع{نَعْبُدُ} و {نَسْتَعِينُ}وليس بالتعبير المفرد (أعبد) و(أستعين) ، وفي هذا إشارة إلى أهمية الجماعة في الاسلام ,لذا تلزم قراءة هذه السورة في الصلاة , وتلزم أنّ صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين مرة ,وفيها دليل على أهمية الجماعة عامة في الإسلام مثل الحج وصلاة الجماعة، الزكاة، الجهاد،الأعياد، والصيام, إضافة إلى أنّ المؤمنين إخوة، فلو قال : إياك أعبد؛ لأغفل عبادة إخوته المؤمنين ,ولذلك عندما نقول : إياك نعبد، نذكر كل المؤمنين ويدخل القائل في زمرة المؤمنين أيضاً.

السؤال الخامس:

لماذا قرن العبادة بالاستعانة؟

الجواب:

1ـ ليدل على أنّ الإنسان لا يستطيع أن يقوم بعبادة الله إلا بإعانة الله له وتوفيقه، فهو إذن شعار وإعلان أنّ الإنسان لا يستطيع أن يعمل شيئاً إلا بعون الله .

2ـ وهو إقرار بعجز الإنسان عن القيام بالعبادات وعن حمل الأمانة الثقيلة إذا لم يعنه الله تعالى على ذلك، فالاستعانة بالله علاج لغرور الإنسان وكبريائه واعتراف الإنسان بضعفه.

السؤال السادس:

لماذا قدم العبادة على الاستعانة؟

الجواب:

1ـ العبادة هي علة خلق الإنس والجن: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] والاستعانة إنما هي وسيلة للعبادة، فالعبادة أولى بالتقديم.

2ـ العبادة هي حق الله، والاستعانة هي مطلب من مطالبه، وحق الله أولى من مطالبه.

السؤال السابع:

تبدأ السورة بـ: [الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ(2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4) ]. {الفاتحة}.وهذه كلها من أسلوب الغَيبَةِ، أي كلها للغائب، ثم انتقل إلى الخطاب المباشر بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فلو قسنا على سياق الآيات الأولى لكان أولى القول : (إياه نعبد وإياه نستعين) فلماذا لم يقل سبحانه هذا؟

الجواب:

في البلاغة يسمى هذا الانتقال من الغائب للمخاطب أو العكس : الالتفات. وللالتفات فائدة عامة وفائدة في المقام، أمّا الفائدة العامة فهي تطرية لنشاط السامع وتحريك الذهن للإصغاء والانتباه.

وأمّا الفائدة التي يقتضيها المقام فهي إذا التفت المتكلم البليغ يكون لهذه الالتفاتة فائدة غير العامة نحو قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} [يونس:22] فيها التفات فلم يقل : وجرين بكم , لأنهم عندما ركبوا في البحر وجرت بهم الفلك أصبحوا غائبين وليسوا مخاطبين.

وعندما قال سبحانه : {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} [الفاتحة:2] فهو حاضر دائماً، فنودي بنداء الحاضر المخاطب.

والكلام من أول الفاتحة إلى:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة:4] كله ثناء على الله تعالى، والثناء يكون في الحضور والغيبة , والثناء في الغيبة أصدق وأولى أمّا {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فهو دعاء , والدعاء في الحضور أولى وأجدى ، إذن الثناء في الغيبة أولى والدعاء في الحضور أولى والعبادة تؤدى في الحاضر وهي أولى.

السؤال الثامن:

هل بالإمكان أن يقال في غير القرآن (وبك نستعين)؟

الجواب:

قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: الفعل يتعدّى بنفسه (اِستَعَانَهُ) أو يتعدى بحرف الجر (استعانَ به) وهو متعدٍّ في الحالتين استعنتَهُ أو استعنتَ به. وإذا تقدَّمَت (بك نستعين) سيكون معنى الحصر أيضاً في (إياك) وفي (بك) , لكن لماذا فُضّلت (إياك) على (بك)؟ وما الفائدة؟

نلاحظ أنّ الآيات السابقة هي نوع من التربية والتوجيه وليس فيها موضع شَكٍّ، والتأكيد يكون في مواضع الشك، أنت تقول : نجح زيد، إذا كان السامع خالي الذهن، لكن إذا كنت تعلم أنّ لديه بعض الشك في نجاح زيد فتقول له: لقد نجح زيد، فتستعمل مؤكِّدات مثل : إنّ زيداً ناجح، أو إنّ زيداً لناجح , بحسب ما تعتقده من شك في نفسه، فلمّا كان الفعل يتعدّى بنفسه فهذه الباء لم تزده معنى , يعني هي ليست مثلاً للمصاحبة أو الوسيلة كما تقول : كتبت بالقلم، فلما لم تأتِ لزيادةِ معنى فهي للتأكيد. تقول: ليس زيدٌ مسافراً , نفيتَ السفر عن زيد , فإذا أردت التأكيد تقول: ليس زيد بمسافرٍ، وكما في قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } [الزُّمر:36] فهنا فيها تأكيد.

والموضع في آية الفاتحة ليس موضعَ تأكيد , يعني ليس هناك شك في أنّ الله سبحانه وتعالى يعلِّمُ المؤمنين أن يقصروا الاستعانة عليه سبحانه، فلما كان ليس فيها شك لا يستعمل الباء (بك نستعين) فجاءت: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنه لو جاءت (إياك نعبد وبك نستعين) كأنه يريد أنْ يزيل شكاً بهذا التأكيد والشك هنا غير وارد، بينما قوله تعالى {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } كان هناك شك وإلا كان يقول: (أليس الله كافياً عبده) فلمّا أكد معناه أراد أن يزيل شكاً في نفوس المتلقِّين وهذه لغة العرب.

هذا شيءٌ، والشيء الثاني لو قال: (إياك نعبد وبك نستعين) تفوتُ هذه المناسبة والملاءمة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:] إياك وإياك. وهذه مسألة ثانويةٌ لكنّ المسألة الأساسية ترتبط بالمعنى {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 12-06-2022, 11:40 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,831
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

من روائع البيان في سور القرآن" (10)

حول معنى قوله تعالى {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ}

مثنى محمد هبيان



السؤال الأول:

هل قوله تعالى {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} هو صيغة دعاء ؟

الجواب:

هذا دعاء، ولا دعاء مفروض على المسلم قوله غير هذا الدعاء، فيتوجب على المسلم قوله عدة مرات في اليوم، وهذا بدوره يدلّ على أهمية الطلب، وهذا الدعاء له أثره في الدنيا والآخرة، ويدلّ على أنّ الإنسان لا يمكن أن يهتدي للصراط المستقيم بنفسه إلا إذا هداه الله تعالى لذلك. وإذا تُرك الناس لأنفسهم لذهب كل إلى مذهبه ولم يهتدوا إلى الصراط المستقيم ,وبما أنّ هذا الدعاء في الفاتحة ولا صلاة بدون فاتحة؛ فلذا يجب الدعاء به في الصلاة الفريضة , وهذا غير دعاء السنة كما في قوله تعالى: [وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] [البقرة:201].

السؤال الثاني:

ما معنى الهداية ؟ وهل فعل (هدى) لازمٌ أم متعدٍّ؟

الجواب:

الهداية : هي الإلهام والدلالة، وهي الإرشاد لطريق الحقِّ والهدى والدلالة عليه والتبيين , وفعل الهداية ( هدى يهدي ) في العربية قد يتعدَّى بثلاث طرق :

آ ـ بنفسه دون حرف جر، مثل قوله تعالى{اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} حيث تعدى الفعل بنفسه.

ب ـ وقد يتعدى بإلى، كقوله تعالى: [وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] [الشورى:52] [وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى] [النازعات:19] .

ج ـ وقد يتعدى باللام: [الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا] [الأعراف:43] [بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ] [الحُجُرات:17].

وذكر أهل اللغة أنّ الفرق بين التعدية بالحرف والتعدية بالفعل نفسه هو :

1ـ التعدية بدون حرف تقال لمن يكون في الطريق أو الصراط ولمن لا يكون فيه، كقولنا : هديته الطريقَ، قد يكون هو في الطريق فنعرّفه به، وقد لا يكون في الطريق فنوصله إليه.

شواهد قرآنية :

آ ـ استعملت لمن هم خارج الطريق أو الصراط :

[فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا] [مريم:43] الآية خطاب لأبي إبراهيم عليه السلام، وأبو سيدنا إبراهيم لم يكن في الطريق.

[وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا] [النساء:68] والمنافقون ليسوا في الطريق.

ب ـ واستعملت لمن هم في الصراط :

[وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا] [إبراهيم:12] قيلت في رسل الله تعالى.

[وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا] [الفتح:2] الآية خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والرسول مالك للصراط, فاستعمل الفعل المعدّى بنفسه في الحالتين.

2 ـ أنّ التعدية بالحرف تستعمل عندما لا تكون الهداية فيه، بمعنى أنّ المهديَّ كان خارج الصراط فهداه الله له فيصل بالهداية إليه، لذلك فإن التعدية ( باللام وإلى) لمن لم يكن في الصراط، كقوله تعالى: [فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ] [ص:22] [قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ] [يونس:35].

وتستعمل (هداه له) بمعنى (بينه له).

السؤال الثالث:

ما مراحل الهداية؟

الجواب:

الهداية على مراحل وليست هداية واحدة , فالبعيد عن الطريق (الضال ) يحتاج من يوصله إليه ويدله عليه (فنستعمل هداه إليه) والذي يصل إلى الطريق يحتاج إلى هادٍ يعرّفه بأحوال الطريق وأماكن الأمن والنجاة والهلاك للثقة بالنفس, ثم إذا سلك الطريق في الأخير يحتاج إلى من يريه ويبين غايته, واستعمل سبحانه اللام [الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ] [الأعراف:43] وهذه خاتمة الهدايات.

ونلخِّص ما سبق على النحو التالي:

-إنسان بعيد يحتاج من يوصله إلى الطريق نستعمل الفعل المتعدي بإلى .

-إذا وصل إلى الطريق ويحتاج إلى من يعرّفه بالطريق وأحواله نستعمل الفعل المتعدي بنفسه.

-إذا سلك الطريق ويحتاج إلى من يبلغه مراده وغايته نستعمل الفعل المتعدي باللام.

والهداية مع اللام لم تستعمل مع السبيل أو الصراط أبداً في القرآن؛ لأنّ الصراط ليس غاية وإنما وسيلة توصل للغاية , واللام إنما تستعمل عند الغاية. وقد اختص سبحانه الهداية باللام له وحده أو للقرآن لأنها خاتمة الهدايات كقوله: [إِنَّ هَذَا القُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] [الإسراء:9] وقوله : [يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ] [النور:35].

السؤال الرابع:

هل جاءت الهدايات كلها بمعنى واحد مع اختلاف الحروف ؟

الجواب:

لا ، والأمثلة التالية تبين الفرق :

آ ـ قوله تعالى: [قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى] [يونس:35].

جاءت يهدي للحق المقترنة بالله تعالى؛ لأنّ معنى الآيات تفيد : (هل من شركائكم من يوصل إلى الحق، قل الله يهدي للحق) الله وحده يرشدك ويوصلك إلى خاتمة الهدايات، ويعني أنّ الشركاء لا يعرفون أين الحق, ولا كيف يرشدون إليه ويدلون عليه.

ب ـ قوله تعالى :[يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] [المائدة:16].

استعمل الهداية معدّاة بنفسها بدون حرف، واستعملها في سياق واحد مع الفعل المعدّى بإلى لأنّ معنى الآيات : أنه من اتبع رضوان الله وليس بعيداً ولا ضالاً استعمل له الفعل المعدى بنفسه , والذي في الظلمات هو بعيد عن الصراط ويحتاج إلى من يوصله إلى الصراط ؛ لذا قال : [وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] استعمل الفعل المعدى بإلى .

السؤال الخامس:

في آية الفاتحة تعدّى فعل الهداية بنفسه؛ فما دلالة ذلك ؟

الجواب:

في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} (الفعل معدّى بنفسه) وهنا استعمل هذا الفعل المعدّى بنفسه لجمع عدة معانٍ، فالذي انحرف عن الطريق نطلب من الله تعالى أن يوصله إليه، والذي في الطريق نطلب من الله تعالى أن يبصّره بأحوال الطريق والثبات والتثبيت على الطريق.

السؤال السادس:

كم مرة جاء فعل الهداية بصوره المختلفة في القرآن الكريم ؟

الجواب:

لقد جاء فِعلُ ـ هدى ـ ومشتقاته في القرآن على 68 صيغة وبتكرار 314 مرة وذلك حسب الجدول التالي :





السؤال السابع:

لماذا لم تأت الصيغةٌ مثلاً ( إيانا أهدِ ) كما في الآية السابقة ؟

الجواب:

كما سبق وقدَّمَ سبحانه مفعولي العبادة والاستعانة في:[إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] فلماذا لم يقل سبحانه (إيانا اِهدِ)؟

هذا المعنى لا يصح، فالتقديم بإياك نعبد وإياك نستعين تفيد الاختصاص، ولا يجوز أنْ نقول : (إيانا اِهدِ) بمعنى خُصَّنا بالهدايةِ ولا تهدِ أحداً غيرنا، فهذا لا يجوز، لذلك لا يصح التقديم هنا. المعنى تطلَّب التقديم في المعونة والاستعانة ولم يتطلَّبه في الهداية ؛ لذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم).

السؤال الثامن:

لم قال : اهدنا ، ولم يقل : اهدني؟

الجواب:

لأنه مناسب لسياق الآيات السابقة، وكما في آيات الاستعانة والعبادة اقتضى الجمع في الهداية أيضاً ، كما أنّ فيه إشاعة لروح الجماعة وقتلاً لروح الأثرة والأنانية، وفيه نزع الأثرة والاستئثار من النفس بأنْ ندعو للآخرين بما ندعو به لأنفسنا.

والاجتماع على الهدى وسير المجموعة على الصراط دليل قوة، فإذا كثر السالكون يزيد الأنس ويقوى الثبات, فالسالك وحده قد يضعف وقد يمل أو يسقط أو تأكله الذئاب, فكلما كثر السالكون كان أدعى للاطمئنان والاستئناس.

والاجتماع رحمة والفرقة عذاب,ويشير الله تعالى إلى أمر الاجتماع والأنس بالاجتماع وطبيعة حب النفس للاجتماع، كما ورد في قوله الكريم: [وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا] [النساء:13] فكلمة {خَلِدِينَ} جاءت بصيغة الجمع ؛ لأنّ المؤمنين في الجنة يستمتعون بالأنس ببعضهم، بينما قوله تعالى:[وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ] [النساء:14] هذا في العذاب فيزيد على عذاب الكافر عذاب الوحدة، فكأنما عذبه الله تعالى بشيئين: النار والوحدة.

لذلك عندما قال سبحانه وتعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} فيه شيءٌ من التثبيت والاستئناس .

وهذا الدعاء ارتبط بأول السورة وبوسطها وآخرها؛ لأنّ: [الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ] مهمة الرَّبِّ وهي الهدايةُ , وكثيراً ما اقترنت الهدايةُ باسمِ الرَّبِّ فهو مرتبطٌ برب العالمين، وارتبط بقوله: [الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] لأنّ من هداه الله فقد رحمه، وأنت الآن تطلب من الرحمن الرحيم الهداية, أي : تطلب من الرحمن الرحيم ألا يتركك ضالاً غير مهتد.

ثم قال: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] فلا تتحقق العبادة إلا بسلوك الطريق المستقيم, وكذلك الاستعانة , ومن الاستعانة طلب الهداية للصراط المستقيم: [صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ] {الفاتحة:7} أي: صراط الذين سلكوا الصراط المستقيم: [وَلَا الضَّالِّينَ] والضالون هم الذين سلكوا غير الصراط المستقيم , فالهداية والضلال نقيضان و [الضَّالِّينَ] نقيض الذين سلكوا الصراط المستقيم.

السؤال التاسع:

ما دلالة الفعل (هدى) ؟ و لماذا لم يستخدم الفعل أرشد أو دلّ مثلاً ؟

الجواب:

1ـ تختلف دلالة الفعل (هدى) باختلاف الحرف المصاحب له (هداه ، هداه إلى, هداه لـ) : والتعبير (هداه إلى الشيء) يشير إلى بُعده كما هو مبين في السؤال الثالث من هذه الآية , بينما الأفعال : بيّن ودلّ وأرشد كلها تعطي معنى الإيضاح والتبيين.

2 ـ أيضاً يوجد شيء في [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ]: فعلُ الهداية ليس هو مجرد الإرشاد, وإنما الهداية فيها شيء كأنه يكون إلى القلب أيضاً، صحيح هو هداه إلى كذا كأنه أرشده , لكن في استعمالات العرب كأنه يمس شيئاً داخلياً فيه، ومنه الهدية لما تقدمها لإنسان, والهدية غير العطاء, العطاء شيء مادي, بينما الهدية هي أيضاً شيء مادي لكن في داخله نوع من المحبة والحميمية والود, وفي الحديث الشريف «تهادوا تحابوا» وهناك فرق بين أعطيته وأهديته , الهدية فيها شيء قلبيٌّ وكأنّ هذا الشيء جعل القرآن يختار [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] لأنه ليس فيها فقط مجرد إرشاد أو إيضاح ، وإنما تتضمن نوعاً من المحبة والود .

السؤال العاشر:

لماذا اختار كلمة (الصراط) بدلا من الطريق أو السبيل؟

الجواب:

لو لاحظنا البناء اللغوي للصراط هو على وزن (فِعال) بكسر الفاء، وهو من الأوزان الدالة على الاشتمال كالحِزام والشِّداد والسِّداد والخِمار والغِطاء والفِراش، هذه الصيغة تدل على الاشتمال، بخلاف كلمة الطريق التي لا تدل على نفس المعنى.

الصراط يدل على أنه واسع رحب يتسع لكل السالكين , أمّا كلمة طريق فهي على وزن فعيل بمعنى مطروق أي مسلوك , والسبيل على وزن فعيل ونقول أسبلت الطريق إذا كثر السالكون فيها، لكن ليس في صيغتها ما يدل على الاشتمال. فكلمة الصراط تدل على الاشتمال والوسع, وهذا في أصل البناء اللغوي .

(قال الزمخشري في كتابه «الكشاف» :الصراط من صرط كأنه يبتلع السبل كلما سلك فيه السالكون وكأنه يبتلعهم من سعته).

السؤال الحادي عشر:

ما المعاني الأخرى من النظائر والوجوه للفظة ( الهدى ) ؟

الجواب:

لفظة ( الهدى ) وردت في القرآن الكريم بمعانِ متعددة منها :

1 ـ بمعنى البيان , كقوله تعالى :[أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ] [البقرة: ٥].

2 ـ بمعنى الدين , كقوله تعالى : [قُلْ إِنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ] [آل عمران: 73].

3 ـ بمعنى الإيمان , كقوله تعالى: [وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى] [مريم: 76].

4 ـ بمعنى الداعي , كقوله تعالى : [وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ] [الرعد: 7] [وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا] [الأنبياء: 73].

5 ـ بمعنى الرسل والكتب , كقوله تعالى : [فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} [البقرة: 38].

6 ـ بمعنى المعرفة , كقوله تعالى : [وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ] [النحل: 16].

7 ـ بمعنى الرشاد , كقوله تعالى : [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] [الفاتحة: 6].

8 ـ بمعنى القرآن , كقوله تعالى : [وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الهُدَى] [النجم: 23].

9 ـ بمعنى التوراة , كقوله تعالى :[وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الهُدَى] [غافر: 53].

10 ـ بمعنى الحجة , كقوله تعالى :[أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللهُ المُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] [البقرة: 258].

11 ـ بمعنى التوحيد , كقوله تعالى :[وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا] [القصص: 57].

12 ـ بمعنى السُنّة , كقوله تعالى : [وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ] [الزخرف: 22].

13 ـ بمعنى الإصلاح , كقوله تعالى : [وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ] [يوسف: 52].


14 ـ بمعنى الإلهام , كقوله تعالى :[ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى] [طه: 50].

15 ـ بمعنى التوبة , كقوله تعالى : [إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ]

والله أعلم .









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 218.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 212.29 كيلو بايت... تم توفير 6.14 كيلو بايت...بمعدل (2.81%)]