«عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله - الصفحة 31 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تأديب الأولاد :المهمة يسيرة والنتائج غزيرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الإحسان إلى النفس باللباس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          أخطاء الواقفين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 214 )           »          مهــارات بنــاءمجمـوعـات العـمـل الدعوي والتربوي وتفـعيـلها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 161 )           »          ما نصيبنا بعد تقسيم الأرض والعلوم والأخلاق بين الأمم؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          (الهالووين) اليوم المقدس لعبدة الشياطين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          المرتكزات الاقتصادية للمشروع الإيراني في المنطقتين العربية والإسلامية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          منهج العلماء في رفع التعارض بين النصوص الشرعية‏ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          السياسة الشرعية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 68 - عددالزوار : 10663 )           »          أنواع العوامل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 151 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #301  
قديم 25-05-2023, 06:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,743
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»





الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم





تفسير قوله تعالى:﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ... ﴾



قال الله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾[البقرة: 235].

قوله: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ولا حرج عليكم ولا إثم، والخطاب للرجال.

﴿ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾«ما»: موصولة، أي: في الذي عرضتم به من خطبة النساء في عدة الوفاة، أو مصدرية، أي: في تعريضكم لخطبة النساء، والتعريض: التلويح والتلميح، وإفهام المعنى بالشيء المحتمل له ولغيره، مأخوذ من عَرْض الشيء، وهو جانبه، كأنه يحوم على الشيء ولا يظهره.

كما قال الشاعر:
إذا أثنى عليك المرءُ يومًا
كفاه عن تعرضه الثناء[1]




والتعريض في الخطبة: ما يحتمل النكاح وغيره، كأن يقول: «إني أريد التزوج»، «أسأل ﷲ أن يرزُقني امرأة صالحة مثلك».

والخِطبة: بكسر الخاء: عرض الرجل نفسه على المرأة ليتزوجها، أو على وليها ليزوِّجه إياها.

والخُطبة بضم الخاء: القول المشتمل على الموعظة والتذكير.

وهكذا يجوز التعريض والتلميح بخطبة المطلقة البائن في عدتها دون التصريح لعموم الآية، ولقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس، حين طلقها زوجها ثلاثًا: «إذا حللت فآذنيني».

فلما حلَّتْ آذنته، فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد، فأشار عليها صلى الله عليه وسلم بأسامة فتزوجته»[2].

لكن إن كانت البينونة بغير الثلاث كالمختلعة، صح لزوجها التعريض والتصريح بخطبتها، والزواج بها.

أما المطلقة الرجعية فلا تجوز خطبتها لا تعريضًا ولا تصريحًا؛ لأنها بحكم الزوجة.

﴿ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ؛ أي: أو أخفيتم وأضمرتم في أنفسكم خطبتهن.

أي: فلا حرج ولا إثم عليكم في التعريض في خطبة النساء، ولا في إضمار خطبتهن في أنفسكم.

﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾؛ أي: أنكم ستذكرون هؤلاء المعتدات في أنفسكم، فرفع عنكم الحرج، والإثم في هذا.

﴿ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾.

الواو: عاطفة، و«لكن» للاستدراك، و«لا» ناهية؛ أي: لا تواعدوهن وعدًا صريحًا، سرًّا فيما بينكم وبينهن، أن تتزوجوهن، كأن يقول الرجل للمعتدة: «إذا انتهت عدتك فإني سأتزوجك» ونحو ذلك.

وإذا نهي عن المواعدة سرًّا فالمواعدة علانية من باب أولى.

﴿ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ الاستثناء منقطع و«إلا» بمعنى «لكن»؛ أي: لكن لا مانع أن تقولوا لهنَّ قولًا معروفًا، وهو التعريض بخطبتهنَّ الذي أباحه الله - عز وجل - دون التصريح، أو مواعدتهن سرًّا الذي نهى الله عنه.

﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾ العزم: إرادة فعل الشيء، والتصميم عليه.

والمراد هنا الفعل نفسه، أي: ولا تعقدوا وتُبرموا ﴿ عُقْدَةَ النِّكَاحِ؛ أي: عقد النكاح بين الزوجين.

﴿ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ «حتى»: لانتهاء الغاية ﴿ يَبْلُغَ الْكِتَابُ ؛ أي: يصل.

والمراد بالكتاب هنا المكتوب، أي: ما كتبه الله وفرضه من عدة الوفاة، و«أجله» غايته ونهايته.

والمعنى: ولا تعقدوا النكاح حتى تنقضي العدة، فلو تم عقد النكاح في العدة لم يصح، بل هو باطل بالإجماع، ويفرق بينهما، ولا تحرم عليه، بل له أن يتزوجها إذا انقضت عدتها كغيره.

وقيل: تحرم عليه على التأبيد عقوبة له؛ لأن من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه؛ كالقاتل في حرمان الميراث.

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ؛ أي: واعلموا أن الله يعلم الذي تضمرونه في نفوسكم من الخير أو الشر، ومن موافقة أمر ﷲ عز وجل، أو مخالفته في أمر النساء وغير ذلك، وإذا كان عز وجل يعلم ما في الأنفس، فعلمه بما يظهر من باب أولى.

﴿ فَاحْذَرُوهُ﴾ الحَذَر: أخذ الحِذْر والحيطة، والمعنى: فكونوا منه - عز وجل - على حذر بتقواه، وبنية الخير، والعمل به، والبُعد عن نية الشر، والعمل به، كما قال تعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ [آل عمران: 28].

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ؛ أي: واعلموا أن الله ذو مغفرة واسعة لمن تاب وأناب إليه، يستر الذنب عن الخلق، ويتجاوز عن العقوبة.

وذو حلم واسع، فلا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يمهله لعله يتوب، ولا يهمله. قال ابن القيم[3]:
وهو الحليم فلا يعاجل عبده
بعقوبة ليتوب من عصيان




وفي قوله عز وجل: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ تهديد وترهيب، وفي قوله: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ، وعد وترغيب بالمبادرة إلى التوبة والاستغفار، فحذَّرهم عز وجل نفسه وعقابه ترهيبًا لهم، وفتح لهم باب المغفرة والحلم ترغيبًا لهم.

وهذا على منهج القرآن الكريم في الجمع بين الترغيب والترهيب؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأعراف: 167]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [فصلت: 43].

ليجمع المؤمن في طريقه إلى الله - عز وجل - بين الخوف، والرجاء، فلا يأمن من مكر الله، ولا يقنط من رحمة الله، ولا ييئَس من روحه، وليكون الخوف والرجاء له كجناحي الطائر، فمن أمن مكر الله ضيع وفرَّط، ومن قنط من رحمة الله أيس وانقطع.

[1] البيت لأمية بن أبي الصلت. انظر: «ديوانه» (ص17).

[2] أخرجه مسلم في الطلاق (1480)، وأبو داود في الطلاق (2284)، والنسائي في النكاح (3222)، والترمذي في النكاح (1135)، وابن ماجه في النكاح (1869)، من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها.

[3] في «النونيــة» ص (148).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #302  
قديم 25-05-2023, 06:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,743
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»





الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم





فوائد وأحكام :من قوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ.... ﴾


قوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 235]

1- جواز التعريض بخطبة المعتدات من الوفاة، والبوائن، وإضمار خطبتهن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾.

2- تحريم التصريح بخطبة المعتدات من الوفاة، والبوائن، وإظهار خطبتهن؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾، لكن إن كانت البائن بغير الثلاث، كالمختلعة ونحوها جاز لزوجها التعريض والتصريح بخطبتها والزواج بها.

وإن كانت المطلقة رجعية حرم التصريح والتعريض بخطبتها؛ لأنها بحكم الزوجة.

3- جواز ذكر الرجال للنساء المعتدات من الوفاة والبوائن، في أنفسهم؛ لقوله تعالى: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾؛ لأن الله لم ينكر هذا عليهم، وفي هذا رفع للحرج عنهم.

4- تحريم مواعدة المعتدات من الوفاة والبوائن سرًّا بالتزوج بهن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾.

5- جواز القول المعروف للمعتدات من الوفاة والبوائن، مما ليس به تصريح بخطبتهن، ولا مواعدتهن سرًّا بالزواج، كأن يقول: «إنني أريد الزواج»، أو «أرغب في مثلك» ونحو ذلك من التعريض والقول المعروف؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾.

6- تحريم عقد النكاح وبطلانه قبل نهاية العدة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾، لكن إذا كانت المطلقة البائن بغير الثلاث كالمختلعة ونحوها فإنه يجوز لزوجها العقد عليها أثناء العدة، كما يجوز مراجعة المعتدة الرجعية بلا عقد.

7- إثبات علم الله - عز وجل - بما تنطوي عليه النفوس والضمائر مما يتعلق بأمر النساء وغير ذلك، ووجوب العلم بذلك والتنبه له؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّا اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾.

8- وجوب الحذر من الله - عز وجل - وعقابه، والحذر من إضمار ما يخالف أمر الله ونهيه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاحْذَرُوهُ ﴾.

9- إثبات مغفرة الله - عز وجل - الواسعة، وحلمه الواسع؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾.

10- جمع القرآن الكريم بين الترغيب والترهيب، فقد حذر - عز وجل - المخاطبين في الآية، وخوَّفهم نفسه وعقابه لئلا يعصوه، ولم يقنِّطهم بل فتح لهم باب مغفرته وحلمه لكي يطيعوه.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #303  
قديم 03-06-2023, 04:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,743
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»





الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم






تفسير قوله تعالى:﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً... ﴾
















قوله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 236، 237].









قوله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾.









قوله: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾؛ أي: لا حرج عليكم ولا إثم أيها الأزواج.









﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف بضم التاء وألف بعد الميم في الموضعين «تُـماسوهن» مفاعلة من المماسة.









وقرأ الباقون بفتح التاء من غير ألف ﴿ تَمَسُّوهُنَّ ﴾، وهما بمعنى واحد.









والمراد «بالمس»: الجماع و«ما» في قوله تعالى: ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾: مصدرية ظرفية، أي: مدة عدم مسكم لهن، ويحتمل كونها شرطية، أي: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسوهن، فدخل الشرط الثاني على الشرط الأول، فكان شرطًا فيه، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [الواقعة: 86، 87].









ومنه قول الشاعر:









إن تستغيثوا بنا إن تُذعروا تجدوا

منا معاقلَ عزٍّ زانها كرمُ[1]















والمعنى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء بعد العقد عليهن، وقبل أن تمسوهن، أي: قبل الدخول بهن وجماعهن.







وقد أُطلق المس والملامسة والمباشرة في القرآن الكريم على الجماع، كما في هاتين الآيتين، وكما في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب: 28].







وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ [النساء: 43].







وقال تعالى: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ [البقرة: 187].







وقال تعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ﴾ [المجادلة: 3].







وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «المس: النكاح»[2].







وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «المس: الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء»، وفي رواية عنه: «إن المس واللمس والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء»[3].







وقد حكم الصحابة رضي الله عنهم بأن للخلوة حكمَ المسيس والدخول، فإذا خلا بها فهو بحكم من دخل بها وجامَعها، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وبهذا يجب لها مهر المثل حيث لم يفرض لها مهرٌ.







﴿ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ «أو»: حرف عطف بمعنى الواو، والجملة معطوفة على قوله: ﴿ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ أي: ما لم تمسوهنَّ وتفرضوا لهن فريضة.







ومعنى ﴿ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ أو توجبوا وتقدروا لهن مهرًا.







﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ الواو: عاطفة، والضمير يعود إلى النساء المطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر، والأمر للوجوب، أي: أعطوهن ما يتمتعن به من مال أو طعام أو لباس أو غير ذلك، جبرًا لخواطرهن، وتعويضًا لهن عما فاتهن، من الزواج والمهر.







﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ ﴾ الجملة في محل نصب على الحال، أو استئنافية لا محل لها من الإعراب. قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر وحفص عن عاصم ﴿ قَدَرُهُ ﴾ بفتح الدال في الموضعين، وقرأ الباقون بإسكانها: «قَدْره».







والمعنى: «على الموسع» أي: الغني الموسر في ماله قدر سعته وغناه ويسره، بحيث يزيد في المتعة، كما قال تعالى: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾ [الطلاق: 7].







﴿ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ معطوف على ما قبله، أي: وعلى المقتر الفقير المضيق عليه في ماله قدر استطاعته، فلا يكلف نفسه ما يضره أو ما لا يطيق، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7].







عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «متعة الطلاق: أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة»[4].







وليس في المتعة قدر محدد، لكن يستحسن أن تكون مما يجبر خاطر المرأة ويعوِّضها عما فاتها من الزواج والمهر؛ لأن هذا هو المقصود من إيجاب المتعة، وكما يختلف ذلك باختلاف حال الزوج غنىً وفقرًا، فقد يختلف ذلك باختلاف الأوقات، فيرى في وقت أن القليل كاف في المتعة، ويرى في وقت أنه غير كافٍ فيها.







وقد روي أن الحسن بن علي متع بعشرة آلاف، فقالت المرأة: «متاع قليل من حبيب مفارق»[5].







﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ﴾ «متاعًا» اسم مصدر، مفعول مطلق، أي: متعوهن تمتيعًا بالمعروف، أو حال: أي: حال كون هذا القدر متاعًا بالمعروف.







والمتاع والمتعة: ما يُتمتع ويُتبلغ به من مال وغيره.



﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ الباء للمصاحبة، أي: بما هو معروف في الشرع وعرف المسلمين، مما يُمتَّع به أمثالهن من المطلقات، وأن يعطى لهن من غير مماطلة أو أذى.







ويُلحظ في هذا أمران:



الأول: حرص التشريع الإسلامي على إزالة وتخفيف ما يؤثر على النفوس ويكسر القلوب، فإن في إيجاب المتعة للمطلقات قبل المسيس، وقبل فرض المهر جبرًا لقلوبهن وتعويضًا لهن عما فاتهن من الزواج والمهر.







الثاني: مراعاة التشريع أحوال المكلفين؛ حيث جعل المتعة للمطلقات حسب حال الزوج يسرًا وعسرًا.







﴿ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ «حقًا» منصوب على المصدرية، أي: حق ذلك حقًا، والحق: الشيء الثابت اللازم؛ أي: حقًّا لازمًا ثابتًا واجبًا على المحسنين الذين يحسنون في عبادة الله بالإخلاص له عز وجل واتباع شرعه، ويحسنون إلى عباده، بأداء حقوقهم الواجبة والمستحبة، أي: حقًّا عليهم أن يمتعوا نساءهم بالمعروف.







قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾.







قوله: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾؛ أي: وإن طلقتم النساء من قبل الدخول بهن وجماعهن.







﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ الواو: للحال، أي: والحال أنكم قد فرضتم لهن فريضة، أي: قدرتم وحددتم لهن مهرًا.







﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ «ما»: موصولة، أي: فنصف الذي فرضتم، أي: فلهن عليكم، أو فالواجب لهن نصف المهر الذي قدرتموه.







فمن طلقت قبل المسيس وقبل فرض المهر، فلها المتعة، ومن طلقت قبل المسيس وبعد فرض المهر، فلها نصف المفروض من المهر، فإن خلا بها وجب لها في الحال الأولى مهر المثل، ووجب لها في الحال الثانية المهر كاملًا؛ لأن الصحابة أعطوا الخلوة حكم الدخول والجماع.







﴿ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ﴾ استثناء من أعم الأحوال، أي: فلهن نصف ما فرضتم في كل حال إلا في حال عفوهن. والنون في «يعفون» ضمير النسوة في محل رفع فاعل، وتعود إلى المطلقات، أي: إلا أن تعفو المطلقات قبل المسيس عما وجب لهن على أزواجهن من نصف المهر المفروض.







﴿ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾ وهو الزوج، فهو الذي بيده عقدة النكاح، إذا شاء أبقاها، وإذا شاء حلها بالطلاق، ويبعد أن يحمل على الولي؛ لأن الولي لا يصح أن يعفو عمَّا وجب للمرأة.







والمعنى: أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح، وهو الزوج، فيترك للزوجة المهر كاملًا، ولا يطالبها برد نصف المهر.







﴿ وَأَنْ تَعْفُوا ﴾؛ أي: أيها الأزواج، أو أيها الأزواج والزوجات، وقد يحمل الخطاب على ما هو أعم من ذلك، وهو جميع الأمة.







و«أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والتقدير: وعفوكم أقرب للتقوى، أي: أقرب لتقوى الله عز وجل.







وفي هذا ترغيب بالعفو والتسامح، وبخاصة بين الزوجين، فمن عفا عن صاحبه فهو أقرب لتقوى الله عز وجل.







﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾؛ أي: ولا تتركوا الفضل والإحسان والتسامح بينكم وتهملوه وتغفلوا عنه.







﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ «ما»: موصولة أو مصدرية، أي: إن الله بالذي تعملونه، أو بعملكم ﴿ بَصِيرٌ ﴾ أي: مطلع عليه كله، وعالم به، لا يخفى عليه شيء منه وسيحاسبكم ويجازيكم عليه.







[1] البيت مجهول القائل. انظر: «الأشباه والنظائر» (7/ 112).




[2] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (4/ 286، 287)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (2/ 442).




[3] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (4/ 286، 287، 7/ 63- 65)، والبيهقي في سننه (1/ 125)، وأخرجه ابن أبي حاتم مختصرًا في «تفسيره» (3/ 908).





[4] ذكره ابن كثير في «تفسيره» (1/ 423).




[5] أخرجه عبدالرزاق فيما ذكره ابن كثير في «تفسيره» (1/ 424).














__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #304  
قديم 03-06-2023, 04:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,743
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»





الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم




فوائـد وأحكـام من قوله تعالى:﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً... ﴾





قوله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 236، 237].







1- إباحة طلاق النساء بعد العقد عليهن، وقبل الدخول، وفرض المهر؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾.







2- تكنية القرآن الكريم عن الجماع بالمس؛ لقوله تعالى: ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: ما لم تجامعوهن، وقد أجرى الصحابة رضي الله عنهم الخلوة مجرى المسيس.







3- جواز عقد النكاح بدون تسمية المهر وتقديره؛ لقوله تعالى: ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾؛ أي: وما لم تفرضوا لهن فريضة.







لكن إن اشترط عدم المهر فالنكاح باطل[1]؛ لأن المهر شرط لصحة النكاح.







قال تعالى: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ [النساء: 24]، فجعل عز وجل من شرط الحل المال.







وقال تعالى: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ [النساء: 4]، والأمر للوجوب.







وقال صلى الله عليه وسلم: «أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج»[2].







أما في حال عدم تسمية المهر فلها بعد الدخول مهر المثل.







4- وجوب المتعة للمطلقات قبل المسيس، وقبل فرض المهر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وذلك جبرًا لخواطرهن، وتعويضًا لهن عما فاتهن من الزواج والمهر- لكن إن كان الطلاق بعد الخلوة، وقبل فرض المهر، فلها مهر المثل، لأن الصحابة رضي الله عنهم أعطوا الخلوة حكم المسيس، فأوجبوا العدة بمجرد الخلوة، فهكذا يجب بها مهر المثل إذا لم يسم المهر.







5- أن المتعة مطلقة في كل ما يُتمتع ويُتبلغ به، من مال، أو أثاث، أو عقار، أو كسوة، أو خادم، أو غير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾.







6- أن المتعة تكون بقدر حال الزوج يسرًا وعسرًا، فإن كان ممن وسع الله عليه في الرزق فعليه أن يُمتِّع بقدر سعته، وإن كان ممن قُدِرَ عليه رزقه فليُمَتِّع بقدر استطاعته؛ لقوله تعالى: ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾.







7- حرص الشرع المطهر على إزالة وتخفيف ما يؤثر على النفوس ويكسر القلوب فقد أوجب المتعة للمطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر تخفيفًا عليهن، وجبرًا لخواطرهن، وتعويضًا لهن عما فاتهن من الزواج والمهر.







8- مراعاة الشرع لأحوال المكلفين وطاقتهم، فلا يكلف الفقير من المتعة مثل ما يكلف الغني، ولا يُكلف أحد فوق طاقته، كما قال تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286].







9- اعتبار العرف في الشرع؛ لهذا أوجب أن تكون المتعة للمطلقات بالمعروف؛ لقوله تعالى: ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ﴾.







10- تأكيد وجوب المتعة للمطلقات قبل المسيس، وقبل فرض المهر؛ لقوله تعالى: ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾.







11- التنويه بشأن المحسنين بقوله تعالى: ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾؛ لأنهم هم الذين يمتثلون أمر الله عز وجل لإحسانهم في عبادة ﷲ تعالى، وإحسانهم إلى عباده.







12- إباحة الطلاق قبل المسيس، وبعد فرض المهر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾.







13- الإشارة إلى وجوب المهر، وأن تقديره إلى الأزواج، مع رضاهن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾.







14- أن للمطلقات قبل المسيس، وبعد فرض المهر نصف المفروض، ما لم تعف النساء عنه، أو يعفو الأزواج عن حقهم، فيتركوا لهن المهر كاملًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾.







لكن إن حصلت الخلوة وجب المهر كاملًا لأن الصحابة رضي الله عنهم أعطوا الخلوة حكم المسيس، فأوجبوا بها العدة، فكذلك يجب بها المهر.







وهل تجب المتعة لمن طُلِّقنَ قبل المسيس، مع نصف المهر المفروض، كما قال بعض أهل العلم احتجاجًا بقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب: 28].







قالوا: فأمر بالمتعة لمن طلقن قبل المسيس مطلقًا، سواء من فرض لهن مهر ومن لم يفرض لهن.







لكن ظاهر قوله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾.







ظاهر هاتين الآيتين أن المتعة لا تجب إلا لمن طلقن قبل المسيس وقبل فرض المهر؛ لأن الله أمر بها لهن، بينما أمر للمطلقات قبل المسيس وبعد فرض المهر بنصف المفروض، وقد عطف هذه الآية على الآية الأولى وقرنها بها فلو كان للمطلقة قبل المسيس المفروض لها المهر متعة واجبة لذكرها، وهذا هو الراجح. والله أعلم.







15- جواز عفو المرأة عما وجب لها من المهر أو بعضه، وجواز تصرفها في مالها، إذا كانت حرة عاقلة رشيدة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ﴾.







وجواز عفو الرجل وعدم مطالبته بنصف المهر الذي دفعه، إذا طلق قبل المسيس وبعد فرض المهر؛ لقوله تعالى: ﴿ فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾.







16- ترغيب كل من الزوجين بالعفو عما له من حق على الآخر، وأن ذلك من تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ بل وترغيب الأمة جميعًا بالعفو.







17- فضل تقوى الله- عز وجل- وأنها مطلب عظيم ينبغي أن يُنافس عليه بصالح الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾.







18- في قوله تعالى: ﴿ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ إشارة إلى أن الإنسان قد يصل إلى مطلق التقوى، ولا يصل إلى التقوى المطلقة.







19- أن عقدة النكاح بيد الأزواج؛ لقوله تعالى: ﴿ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾ وهو الزوج، فإذا شاء أبقاها، وإذا شاء حلها بالطلاق.







20- عظم أمر النكاح، وأنه عقد أشبه بالعقدة بين طرفي الحبل؛ لقوله تعالى: ﴿ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾.








21- ينبغي للأزواج وغيرهم عدم ترك الفضل بينهم والإحسان والعفو والتسامح قولًا وفعلًا وخلقًا وبذلًا، وأن لا ينسوا ويتجاهلوا ما سبق بينهم من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾.







22- إحاطة علم الله- عز وجل- وشهادته واطلاعه على جميع أعمال العباد؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾، ومقتضى هذا أن يحصي أعمالهم، ويجازيهم عليها، وفي هذا ترغيبٌ في العمل الصالح، ووعد بالمثوبة عليه، وترهيب من العمل السيئ وتحذير من عقوبته.







[1] انظر: «الإنصاف» (8/ 163)، «مجموع الفتاوى» (32/ 132).




[2] أخرجه البخاري في الشروط (2721)، ومسلم في النكاح (1418)، وأبو داود في النكاح (2139)، والنسائي في النكاح (3281)، والترمذي في النكاح (1127)، وابن ماجه في النكاح (1954)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.











__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #305  
قديم 03-06-2023, 04:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,743
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»





الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم




تفسير قوله تعالى:﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ... ﴾



قال الله تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 238، 239].

ذكر الله عز وجل في الآيات السابقة أحكام النكاح والطلاق والرجعة والخلع والرضاع، ونحو ذلك مما يتعلق بحقوق الخلق التي يجب مراعاتها فيما بينهم، ثم أتبع ذلك بالأمر بالمحافظة على الصلاة، وهي من حقوقه عز وجل التي بينه وبين العبد.

قوله تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾.

سـبب النـزول:
عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: «كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام»[1].

وفي رواية: «إن كنا نتكلم في الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ﴾، فأمرنا بالسكوت»[2].

لكن يشكل على هذا أن سورة البقرة كلها نزلت في المدينة، وتحريم الكلام في الصلاة كان بمكة، كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كنا نسلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي، سلمنا عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، إنا كنا نسلم عليك فترد علينا؟ قال: إن في الصلاة شغلًا»[3].

وفي رواية قال عبدالله بن مسعود: «فلما قدمنا - يعني من الحبشة - سلمت عليه فلم يرد عليَّ، فأخذني ما قرب وما بعد، فلما سلم قال: «إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث، ألا تكلموا في الصلاة»[4].

وفي رواية فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله أحدث في الصلاة ألا تكلموا إلا بذكر الله، وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين»[5].

وعلى هذا فيحتمل أن زيد بن أرقم أراد بقوله: «يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة» الإخبار عن جنس الكلام، واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه منها[6].

ويحتمل أن المراد بقول ابن مسعود رضي الله عنه «فلما رجعنا من عند النجاشي» رجوعه من الهجرة الثانية إلى الحبشة أي: رجوعه الثاني الذي قدم بعده على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وهو يتجهز لغزوة بدر[7].

وقد يكون تحريم الكلام في الصلاة جاء في السنة- كما في حديث ابن مسعود، فلما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة كان بعضهم لم يبلغه التحريم[8]، فنزلت الآية[9].

قوله: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ﴾ الأمر للوجوب، والمحافظة على الصلاة: المواظبة والمداومة عليها، كما قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾ [المعارج: 23]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [المؤمنون: 9]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [المعارج: 34].

والصلاة في اللغة: الدعاء، قال تعالى: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 103].

والصلاة في الشرع: التعبد لله عز وجل بأقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم؛ أي: حافظوا على الصلوات الخمس: صلاة الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، بأدائها بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها في أوقاتها المحددة لها، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103].

وقال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43]؛ أي: أدُّوها كاملة الشروط والأركان والواجبات والسنن.

وقال تعالى في مدح المؤمنين ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1، 2]، وقال تعالى: ﴿ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [الأنعام: 92].

وقال تعالى في الوعيد للساهين عنها الذين يؤخرونها عن وقتها: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون: 4، 5].

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»[10].

﴿ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ﴾ من عطف الخاص على العام؛ أي: وحافظوا على الصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارًا»[11].

وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الوسطى صلاة العصر»[12].

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر. ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا»، أو قال: «حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا»[13].

فهي الوسطى بين الصلوات وقتًا وفضلًا، فهي من حيث الوقت وسط بين صلاة النهار وصلاة الليل، وهي من حيث الفضل الفضلى بين الصلوات، أي: أفضل الصلوات، ولهذا خصها الله عز وجل بتأكيد المحافظة عليها - بعد الأمر بالمحافظة على جميع الصلوات؛ لعظم مكانتها فهي أفضل من صلاة الفجر، وهما أفضل الصلوات، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «من صلى البردين دخل الجنة»[14]؛ يعني الفجر والعصر.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا»[15].

وقال صلى الله عليه وسلم: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله»[16].

وعن بريدة رضي الله عنه قال: بكروا بصلاة العصر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله»[17].

وعن أبي بَصْرَة الغفاري رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بالمُخَمَّصِ، فقال: «إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم»[18].

وقد روى أبو يونس مولى عائشة رضي الله عنها قال: «أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذِنِّي: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ﴾، فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ﴾، وصلاة العصر ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾، قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم»[19].

وهذا وما روي في معناه محمول على التفسير.

﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ القيام هنا يشمل القيام على القدمين في الصلاة وغيرها.

والقيام بمعنى الدوام والاستمرار على الشيء.

﴿ لله ﴾؛ أي مخلصين لله ذليلين له.

﴿ قَانِتِينَ ﴾: القنوت يطلق على دوام الطاعة؛ كما في قوله تعالى عن مريم عليها السلام: ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴾ [التحريم: 12].

أي: وكانت من المطيعين لله عز وجل المستمرين على ذلك، وقال تعالى مخاطبًا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ﴾ [الأحزاب: 31]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 120].
يتبع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #306  
قديم 03-06-2023, 04:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,743
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله


ويطلق القنوت على السكوت والخشوع، أي: وقوموا لله مخلصين في صلاتكم في قيامها وجميع أحوالها، خاشعين له بقلوبكم وجوارحكم، غير متكلمين بما ليس منها، كما قال زيد- رضي الله عنه: «كان أحدنا يكلم صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام».

وكما قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9]؛ أي: خاشع ذليل بين يدي ربه، وقال تعالى: ﴿ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [آل عمران: 43].

والقنوت والخشوع لب الصلاة، ولهذا جاء في الحديث: «أن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها»[20].

قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾.

لما أمر عز وجل بالمحافظة على الصلوات بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها وأكد ذلك - أتبع ذلك ببيان كيفية أدائها حال الخوف والقتال، وأنها تصلَّى كيفما أمكن، وفي ذلك تخفيف على الأمة، وتأكيد لأمر الصلاة أيضًا، حيث لم يعذَر في تركها ولا في تأخيرها عن وقتها في أشد الأحوال حال الخوف والقتال والتحام الصفوف.

قوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الفاء: عاطفة، و«إن»: شرطية، ﴿ خِفْتُمْ ﴾: فعل الشرط.

والخوف: توقُّع حصول مكروه بأمارة معلومة أو مظنونة، كما في حال القتال والمسايفة والتحام الصفوف.

وحذف المتعلق في قوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ﴾؛ ليعم كل خوف، من عدو، أو سبع، أو فوات ما يتضرر الإنسان بفواته، وغير ذلك.

﴿ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط «إن»، أي: فصلوا حال كونكم رجالًا أو ركبانًا، و«رجالًا» جمع: «راجل»، وهو: من يمشي على رجليه، أي: حال كونكم ماشين على أرجلكم.

«وركبانًا» جمع: راكب أي: حال كونكم راكبين على الخيل والإبل، أو البغال والحمير، أو السيارات أو الطائرات، أو السفن أو غير ذلك من المراكب.

أي: فصلوا على أي حال كنتم رجالًا أو ركبانًا، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها؛ لأن في إباحة الصلاة ماشيًا أو راكبًا إيذانًا بالصلاة حيث توجه الماشي أو الراكب، ولو كان ذلك إلى غير جهة القبلة.

عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها، ثم قال: «فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها».

قال نافع: «لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»[21].

وفي رواية عن ابن عمر قال: «فإن كان خوف أشد من ذلك فصل راكبًا، أو قائمًا، تومئ إيماءً»[22].

وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: «إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه حيث كان وجهه، فذلك قوله: ﴿ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾»[23].

وبنحو من هذا فسر الآية جمع من السلف من الصحابة والتابعين[24].

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة الخوف عند التحام القتال والمسايفة تكون ركعة واحدة؛ لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة»[25].

قوله: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ ﴾؛ أي: فإذا زال الخوف عنكم واطمأننتم.

﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ أي: فاذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم، بأنواع الذكر كلها، ومن ذلك الصلاة التي هي من أعظم الذكر، وفيها أعظم الذكر، القرآن، والتكبير والتسبيح والتحميد، وغير ذلك، وذلك بإقامتها بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103].

وقال تعالى: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45].

﴿ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ الكاف للتشبيه، وهي في محل نصب صفة لمصدر محذوف، و«ما» مصدرية، أي: كتعليمه إياكم. ويجوز كونها موصولة، أي: كالذي علمكم إياه.

والمعنى: فإذا أمنتم فاذكروا الله على الصفة التي علمكم أن تؤدوا الصلاة عليها حال الأمن، كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103].

ويجوز كون «الكاف» للتعليل، أي: اذكروا الله لتعليمه إياكم.

﴿ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: الذي لم تكونوا تعلمونه.

[1] أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة- تحريم الكلام في الصلاة (539)، وأبو داود في الصلاة- النهي عن الكلام في الصلاة (949)، والترمذي في الصلاة- نسخ الكلام في الصلاة (405)، وأحمد (4/ 368).

[2] أخرجها البخاري في الجمعة (1200)، وفي التفسير (4534).

[3] أخرجه البخاري في الجمعة (1199)، وفي فضائل الصحابة- هجرة الحبشة (3662)، ومسلم في المساجد – تحريم الكلام في الصلاة (538)، وأبو داود في الصلاة (923)، وأحمد (3/ 409).

[4] أخرجه أبو داود في الصلاة (924)، والنسائي في السهو (1221)، وأحمد (3/ 377، 415، 435).

[5] أخرجها النسائي في السهو (1220)، والطبري في «جامع البيان» (4/ 381).

[6] انظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 435).

[7] انظر: «فتح الباري» (3/ 89).

[8] كما جاء في حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال له حين تكلم في الصلاة: «إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله» أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (537)، وأبو داود في الصلاة (930)، والنسائي في السهو (1218).

[9] انظر: «المسند المتصل من أسباب النزول» ص (39).

[10] أخرجه البخاري في التوحيد (7534)، ومسلم في الإيمان (85)، والنسائي في المواقيت (610)، والترمذي في الصلاة (173).

[11] أخرجه البخاري في الدعوات (6396)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (627)، وأبو داود في الصلاة (409)، والترمذي في التفسير (2984)، وابن ماجه في الصلاة (684).

[12] أخرجه الترمذي في الصلاة (182)، (5/ 12، 13) - وقال الترمذي: «حديث حسن».

[13] أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (628)، والترمذي في الصلاة (181)، وابن ماجه في الصلاة (686).

[14] أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة (574)، ومسلم في الموضع السابق (635)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

[15] أخرجه البخاري في الموضع السابق (554)، ومسلم في الموضع السابق (633)، وأبو داود في السنة (4729)، والترمذي في صفة الجنة (2551)، وابن ماجه في المقدمة (177)، من حديث جرير بن عبدالله رضي الله عنه.

[16] أخرجه البخاري في الموضع السابق (552)، ومسلم في الموضع السابق (626)، وأبو داود في الصلاة (414)، والنسائي في الصلاة ((478)، والترمذي في الصلاة (175)، وابن ماجه في الصلاة (685)، من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.

[17] أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة (553)، والنسائي في الصلاة (474)، وابن ماجه في الصلاة (694).

[18] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (830)، والنسائي في المواقيت (521)، وأحمد (6/ 73).

[19] أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (629)، وأبو داود في الصلاة (410)، والنسائي في الصلاة (472)، والترمذي في التفسير (2982).

[20] أخرجه أبو داود في الصلاة (796)، وأحمد (4/ 319)، من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه.

[21] أخرجه البخاري في التفسير (4535)، ومالك في النداء للصلاة (442).

[22] أخرجها مسلم في صلاة المسافرين وقصرها (839).

[23] أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (1/ 450).

[24] انظر: «جامع البيان» (4/ 386 – 392)، «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 450)، «تفسير ابن كثير» (1/ 436).

[25] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (687)، وأبو داود في الصلاة (1247)، والنسائي في الصلاة (456)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1068)، وأحمد (1/ 237).
وانظر: تفصيل القول في صفة صلاة الخوف الكلام على قوله تعالى في سورة النساء: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ ﴾ [النساء: 101، 102].






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #307  
قديم 11-06-2023, 06:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,743
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»





الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾

قوله تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 238، 239].

1- وجوب المحافظة على الصلوات الخمس؛ بشروطها وأركانها وواجباتها وسائر أعمالها، فهي ثاني أركان الإسلام بعد الشهادتين وعمود الإسلام، وأعظم وأهم العبادات البدنية؛ لقوله تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ﴾.
ومن أعظم واجبات الصلاة إقامتها في المساجد مع جماعة المسلمين بالنسبة للرجال لتوافر النصوص من الكتاب والسُّنَّة على وجوب صلاة الجماعة، وخطر تركها وما فيه من الوعيد؛ ولهذا قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله: «من ترك صلاة الجماعة عليه خطر أن يتمادى به الأمر إلى تركها بالكلية».

2- عظم مكانة الصلاة الوسطى «صلاة العصر»، وفضلها من بين الصلوات الخمس؛ لأن الله خصها بالذكر بعد التعميم، فقال تعالى: ﴿ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ﴾.

3- وجوب القيام لله- عز وجل- والإخلاص له، والمداومة على طاعته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾.

4- وجوب القيام في الصلاة - مع القدرة - وأنه من أعظم أركانها، ووجوب الخشوع فيها لله، وحضور القلب، واستشعار عظمة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾.

5- وجوب السكوت في الصلاة، وتحريم الكلام فيها، إلا بذكر الله تعالى من قراءة القرآن والتكبير والتسبيح والتحميد ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾.

6- جواز الصلاة رجالًا وركبانًا، كيفما أمكن، عند الخوف والقتال والتحام الصفوف والمسايفة، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، فلا يشترط فيها من الخشوع والطمأنينة ما يشترط في حال الأمن.

7- جواز الحركة الكثيرة في الصلاة عند العذر للضرورة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾؛ لأن الراجل: وهو من يمشي على رجليه حركته كثيرة، ومثله الراكب في بعض الحالات.

8- رفع الحرج والمشقة عن الأمة - رحمة بها - حيث أباح عز وجل الصلاة حال الخوف رجالًا وركبانًا، وكيفما أمكن، ومن قواعد الشريعة: أن المشقة تجلب التيسير.

9- وجوب ذكر الله عز وجل وإقامة الصلاة تامة بشروطها وأركانها وواجباتها حال الأمن كما شرعها الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.

10- أن الصلاة من ذكر الله؛ لقوله تعالى بعد أن أمر بالمحافظة على الصلوات، وأباح فعلها حال الخوف رجالًا وركبانًا: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.
وهذا يدل على أنها من ذكر الله، بل هي من أعظم ذكر الله- عز وجل- فيها قراءة القرآن والتكبير والتسبيح والتحميد وغير ذلك.

11- امتنان الله عز وجل على العباد بتعليمهم أمور دينهم ودنياهم؛ ليذكروه ويشكروه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.

12- أن الأصل في الإنسان الجهل حتى يعلمه الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾، وكما قال تعالى: ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 5]، وقال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ [النساء: 113]، وقال: ﴿ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ﴾ [الشورى: 52].

13- فضل العلم وأهله، وأن عليهم الإكثار من ذكر الله، مما ليس على غيرهم؛ شكرًا لله تعالى على نعمة العلم، التي فيها سعادة العبد، وطلبًا للمزيد من الهداية والعلم والأجر.

فائدتان:
الفائدة الأولى: في ذكر أهم الأسباب المعينة على حفظ الصلاة، والخشوع فيها.
أولًا:استحضار العبد لعظمة الله- عز وجل- كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ [البقرة: 255]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ [الأنعام: 91]، وقال تعالى: ﴿ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 74]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر: 67].

ثانيًا: تذكُّر نعم الله- عز وجل- العظيمة وآلائه الجسيمة، التي لا تعد ولا تحصى؛ خلق ورزق وأنعم علينا بسائر النعم، التي أعظمها نعمة الإسلام والإيمان، كما قال عز وجل: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 18]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ [النحل: 53]، وقال تعالى: مخاطبًا الإنس والجن في واحد وثلاثين آية في سورة الرحمن: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [الرحمن: 13].

ففي تعظيم الرب عز وجل، وتذكر نعمه أعظم معين على حفظ الصلاة، والعناية بها، والخشوع فيها؛ لأن بها كمال العبودية لله عز وجل العظيم المنعم. والعبودية أشرف حال يوصف بها البشر، ولهذا لما نزل قوله تعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾ [الواقعة: 74]، قال صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في ركوعكم» ولما نزل قوله تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى: 1]، قال صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في سجودكم»[1]، وذلك تعظيمًا لله عز وجل في أشرف حال، وأعظم عبادة.

ثالثًا: تذكر عظمة الصلاة ومكانتها من الدين، فهي عمود الإسلام وأعظم أركانه بعد الشهادتين، وهي الصلة بين العبد وبين ربه- عز وجل- فإذا كبّر للإحرام فيها فتح الحجاب بينه وبين ربه، وصار يناجي ربه علانية؛ ولهذا أمر عز وجل بإقامتها في آيات كثيرة من كتابه العزيز، كما قال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43].

وجعلها الله عز وجل على المؤمنين كتابًا موقوتًا، فقال تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103].

وأكد عز وجل وجوبها جماعة، حتى في حال القتال، فقال تعالى في سورة النساء: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 102، 103].

وبين عدم سقوطها في أي حال حتى في حال الخوف الشديد والمسايفة، فقال تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ [البقرة: 239].

وعظَّم الله عز وجل شأنها بإيجاب التطهر لها من الحدث الأصغر والأكبر، فقال تعالى في سورة المائدة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: 6].

وجعلها الله من أخص أوصاف المؤمنين، وامتدحهم بالمحافظة عليها في مواضع كثيرة من كتابه الكريم، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [البقرة: 3]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ [المائدة: 55]، وقال تعالى: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [الأنعام: 92].

وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [المؤمنون: 9]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [المعارج: 34].

ولهذا دعاء إبراهيم عليه السلام ربه قائلًا: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴾ [إبراهيم: 40]، وقال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه مخاطبًا أُمَّته: «الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم»[2].

وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم»[3].

رابعًا: معرفة الآثار العظيمة، والفوائد الكبيرة والكثيرة المترتبة على حفظ الصلاة، وإقامتها كما شرعها الله عز وجل.

فإن الفلاح والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة كل ذلك مرتب على حفظها وإقامتها، فهي عمود الإسلام وأساس النجاحات وقاعدتها؛ لصلاح أمور الدين والدنيا والآخرة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد»[4].

فحفظها وإقامتها من أعظم الأسباب للتوفيق لحفظ ما سواها من أمور الدين، وتقوى الله، والهداية لكل خير، كما قال تعالى: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [البقرة: 1 - 3].

وقال تعالى: ﴿ الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [لقمان: 1 - 5].

وقال تعالى: ﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الأنعام: 72]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ [الأعراف: 170]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [الشورى: 38]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 22]، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 73].

وحفظها وإقامتها سبب للحفظ من جميع المعاصي والشرور، فهي مفتاح كل خير، ومغلاق كل شر، كما قال تعالى: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45].

وفي حفظها وإقامتها كما شرع الله عز وجل الراحة والطمأنينة والسعادة، وانشراح الصدر؛ ولهذا كان يقول صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه: «أرحنا يا بلال بالصلاة»[5]؛ وذلك؛ لأنها من أعظم ذكر الله الذي به تطمئن القلوب، وتنشرح الصدور، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، وقال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الزمر: 22].

وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 125].

وفي حفظها العون على القيام بما عداها من أمور الدين والدنيا، كما قال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153].

وفي حفظها حصول الرزق، كما قال تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [طه: 132].

وفي المداومة عليها أعظم سياج معنوي وروحي أمام تقلبات الحياة ونوازع النفس، تعطي الإنسان بإذن الله- عز وجل- وتوفيقه التوازن في السرَّاء والضراء، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾ [المعارج: 19 - 23].

وفي الخشوع فيها الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1، 2].

وإقامتها من أسباب الأخوة في الدين، وعصمة الأنفس والأموال، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 11]، وقال تعالى: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 5].

ومن أسباب النصر والتمكين، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 41].

وفي حفظها وإقامتها التجارة الرابحة مع ﷲ عز وجل والثواب العظيم والزيادة من فضله عز وجل في الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: 29، 30]، وقال تعالى: ﴿ مَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [الشورى: 36 - 38].

وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر[6].

وفي حفظها وإقامتها تكفير السيئات ودخول الجنات، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة: 12].

وقال صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»[7].

وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل الصلوات الخمس كنهر جار غَمْرٍ عند باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا. قال: كذلك الصلوات الخمس يكفِّر الله بهن الخطايا»[8].

توعد الله عز وجل المفرطين فيها، وبين أن عاقبة التاركين لها النار، فقال تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون: 4، 5].

وذكر المجرمون فيما حكى الله عنهم أن أول سبب لدخولهم النار ترك الصلاة، قال تعالى: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴾ [المدثر: 42، 43]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾ [القيامة: 31، 32].

الفائدة الثانية: في ذكر أهم الوسائل وأنجحها لحفظ الصلوات:
اعلم أخي الكريم أن من أنفع الوسائل وأنجحها لحفظ الصلوات ما يلي:
أولًا: التهيؤ للصلاة من أول وقتها، بدءًا من متابعة المؤذن، ثم الوضوء والتشهد، والذكر بعده والتزين للصلاة باللباس والطيب، والسعي إليها بسكينة ووقار، وتقديم الرجل اليمنى عند دخول المسجد والذكر عنده.

ثانيًا: التفرغ التام لها من مشاغل الحياة كلها، فهي الزاد الحقيقي المعنوي والروحي للإنسان، قال تعالى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ [النور: 37].

ثالثًا: المبادرة إليها بعد سماع النداء، والمسارعة والمسابقة إلى ذلك والمنافسة على الصف الأول وميامن الصفوف، والحذر من التأخر، ومزاحمة الناس وتخطي رقابهم.

فإن ضعفت عن المبادرة والمنافسة في ذلك، فلا تقام الصلاة إلا وأنت في المسجد.

وأخيرًا أخي الحبيب: تذكر الفرق الشاسع، والبون الواسع بين صلاة حفظها صاحبها، وتهيأ، وتفرغ لها، وبادر إليها، واستحضر عظمة الله عز وجل فيها، وعظمة الصلاة وأهميتها، وبين صلاة يؤديها كثير من الناس مجرد عادة من غير تهيؤ، ولا تفرغ لها مع انشغال البال، وتشوش الفكر، بلا هدوء ولا طمأنينة، مع التأخر، وعدم الحضور إليها إلا بعد فوات تكبيرة الإحرام، أو فوات بعض الصلاة أو أكثرها- وكيف يحفظ الصلاة من أقيمت الصلاة وهو خارج المسجد، وأنى له الخشوع فيها، وقد أضاع أسبابه.

وتذكر أخي الكريم أن ما يصيب الكثير من الناس من الاضطراب وفقدان التوازن في حياتهم سببه الأعظم عدم حفظ الصلاة، وأن ما أصاب الأمة من الضعف والهوان وتسلط الأعداء وتفرق الكلمة من أعظم أسبابه وأهمها ضعف أمر الصلاة عند كثير من المسلمين.

فالصلاة هي القاعدة والأساس لسعادة الفرد، والمجتمع والأمة، ومفتاح التيسير والتوفيق والنجاح والوصول إلى معالي الأمور في الدين والدنيا والآخرة. وأسباب النجاح كلها في الجمع بين العبادة والسعي والعمل وبين التوكل، كما قال عز وجل: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود: 123]، وقال تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، وقال صلى الله عليه وسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم»[9].

[1] أخرجه أبو داود في الصلاة (869)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (887)، وأحمد (4/ 155)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.

[2] أخرجه أبو داود في الأدب (5156)، وابن ماجه في الوصايا (698)، من حديث علي رضي الله عنه.

[3] أخرجه البخاري في الإيمان (57)، ومسلم في الإيمان (56)، والنسائي في البيعة (4189)، والترمذي في البر و الصلة (1925).

[4] أخرجه الترمذي في الإيمان (2616)، وابن ماجه في الفتن (3973)، من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه. وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

[5] أخرجه أبو داود في الأدب (4986)، وأحمد (4/ 371)، (5/ 364)، من حديث محمد بن الحنفية عن صهر لهم من الأنصار .

[6] أخرجه النسائي في الصلاة (465)، والترمذي في الصلاة (413)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1425)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[7] أخرجه مسلم في الطهارة (233)، والترمذي في الصلاة (214)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1086)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[8] أخرجه مسلم في المساجد (667، 668)، من حديث أبي هريرة وجابر بن عبدالله رضي الله عنهما.

[9] أخرجه مسلم في الإيمان (38)، والترمذي في الزهد (2410)، وابن ماجه في الفتن (3972)، وأحمد (3/ 413، 4/ 385)، من حديث سفيان بن عبدالله الثقفي رضي الله عنه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #308  
قديم 11-06-2023, 06:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,743
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»





الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم




تفسير قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ... ﴾

قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾} [البقرة: 240، 242].

ذُكرت هاتان الآيتان في هذا الموضع، وفصل بينهما وبين الآيات السابقة في أحكام النكاح والطلاق والرجعة والخلع والرضاع بالأمر بالمحافظة على الصلوات التي هي من أعظم حقوق الله عز وجل، وذلك والله أعلم لأن هاتين الآيتين تتعلقان بالأحكام بين الزوجين بعد الممات، وتلك تتعلق بالأحكام بينهما حال الحياة.

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾.

قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ﴾؛ أي: والذين يُقبضون ويموتون منكم أيها المؤمنون، وسمي الميت متوفى؛ لأنه قد استوفى رزقه وأجله وعمله.

﴿ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾؛ أي: ويتركون زوجات لهم.

﴿ وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ ﴾ قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص ﴿ وَصِيَّةً ﴾ بالنصب على المصدر، أي: يوصون وصيةً، أو نوصيهم وصيةً لأزواجهم، وقرأ الباقون: «وصيةٌ» بالرفع، أي: عليهم وصية لأزواجهم.

والوصية: العهد بأمر هام.

﴿ مَتَاعًا ﴾: مصدر لفعل محذوف، أي: يمتعونهن متاعًا، أو بدل من وصية.

والمتاع: ما يُتمتع به، من مال أو طعام أو لباس أو غير ذلك، وهو النفقة عليهن وكسوتهن ونحو ذلك.

﴿ إِلَى الْحَوْلِ ﴾ أي: إلى تمام الحول، أي: العام، منذ وفاة الزوج.

﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ صفة لـ﴿ مَتَاعًا ﴾، أي: متاعًا غير مخرجات فيه، أو بدل من «متاعًا»، أو حال من الفاعل في الفعل المحذوف، أي: يمتعونهن متاعًا غير مخرجين لهن، أي: من غير إخراج لهن من بيوتهم، فلهن مع المتاع السكن.

﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ ﴾: الفاء: استئنافية، أي: فإن خرجن- يعني- الزوجات بأنفسهن من غير إخراج أهل الزوج لهن.

﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ الفاء: رابطة لجواب الشرط، و«لا» نافية للجنس تعمل عمل «إن»، و«جناح»: اسمها، مبني على الفتح في محل نصب، «عليكم» متعلق بمحذوف خبرها، أي: كائن أو واقع عليكم.

أي: فلا حرج ولا إثم عليكم، والخطاب عام يدخل فيه أهل الزوج وأولياؤهن وغيرهم.

﴿ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ ﴾ «ما» موصولة أو مصدرية أي: في الذي فعلن في أنفسهن، أو في فعلهن بأنفسهن، من الخروج من بيوت أزواجهن بعد وفاتهم قبل تمام الحول.

﴿ مِنْ مَعْرُوفٍ ﴾ أي: مما هو معروف في الشرع وعرف المسلمين، غير منكر.

ومن باب أولى لا حرج عليهن هن في خروجهن وفيما فعلن بأنفسهن من معروف.

﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ أي: والله ذو العزة التامة: عزة الامتناع، وعزة القهر والغلبة، وعزة القوة.

﴿ حكيم ﴾ أي: ذو الحكم التام النافذ بأقسامه الثلاثة: الحكم الكوني، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي. وذو الحكمة البالغة بقسميها: الحكمة الغائية، والحكمة الصورية.

فما حكم به- عز وجل- من هذه الأحكام صدر عن عزته، ويدل على كمال حكمه وبلوغ حكمته.

قوله تعالى: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾.

قوله: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ الواو: استئنافية، و«للمطلقات» جار ومجرور خبر مقدم. وقوله ﴿ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ مبتدأ مؤخر. أي: وللنساء اللاتي طلقهن أزواجهن ﴿ مَتَاعٌ ﴾ أي: ما يتمتعن به من مال أو طعام أو لباس، أو غير ذلك.

﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي: بما هو معروف بين الناس، مما يمتع به أمثالهن من نسائهن، على قدر يسر الأزواج وعسرهم، كما قال تعالى: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 236].

﴿ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ «حقًّا»: مصدر لفعل محذوف، والتقدير: حق ذلك حقًّا.

والحق: الشيء الحتم الثابت اللازم.

أي: أن هذا المتاع حق لازم ثابت واجب على المتقين، الذين يتقون الله، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ ولهذا خصهم بالذكر.

قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾.

قوله: ﴿ ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ الكاف للتشبيه بمعنى «مثل» أي: مثل ذلك البيان السابق.

﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ ﴾ أي: يوضح ويفصل.

﴿ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ اللام في قوله ﴿ لَكُمْ ﴾ للتعدية، أو للتعليل، أي: يبين الله لأجلكم آياته الشرعية والكونية.

﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ «لعل» للتعليل، أي: لأجل أن تنتفعوا بعقولكم وتتدبروا وتتفهموا عن الله- عز وجل- آياته، وما فيها من الأحكام والحكم، والأوامر والنواهي، والحلال والحرام.

وفي هذا ثناء من الله عز وجل على أحكامه وعلى بيانه لآياته، وموافقتها للعقول السليمة، وأن المقصود من ذلك تعقلها وتفهمها، والعمل بها.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #309  
قديم 19-06-2023, 07:12 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,743
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»





الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾


قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ* كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة 240 - 242].

الفوائـد والأحكـام:
1- الموت غاية كل حي؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ﴾.

2- أن من مات فقد استوفى رزقه وأجله وعمله؛ لهذا سمي متوفى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ﴾.

3- أن الزوجية تبقى بين الزوجين حتى بعد موت أحدهما؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾؛ كما قال تعالى في سورة النساء: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ ﴾ [النساء: 12].

4- وصية الأزواج بأن يوصوا لزوجاتهم بعد وفاتهم بالمتاع، أي: بالنفقة، وبالسكنى في بيوتهم لمدة حول من وفاتهم، من غير إخراج لهن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾.

وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أن هذه الآية منسوخة بالآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ [البقرة: 234]، وبالمواريث، وقالوا: هذه الآية وإن كانت متقدمة في التلاوة، فهي متأخرة في النزول، أي: أن نزولها بعد آية الوصية بالمتاع إلى الحول، وإن كانت قبلها في التلاوة.

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الآيتين محكمتان، واختار هذا بعض المحققين منهم ابن تيمية وابن كثير والسعدي وابن عثيمين، وغيرهم.

فالآية الأولى توجب على الزوجة التربص أربعة أشهر وعشرًا إذا توفى عنها زوجها، والآية الثانية فيها الوصية للأزواج المتوفين بأن يوصوا لزوجاتهم بالنفقة والسكنى في بيوتهم، حولًا كاملًا جبرًا لخواطرهن، وهذا على سبيل الندب والاستحباب[1].

5- رحمة الله عز وجل الواسعة، وأنه أرحم بالعباد من أنفسهم ومن بعضهم لبعض، فقد أوصى عز وجل الأزواج بزوجاتهم، فقال تعالى: وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ؛ كما أوصى الوالدين بأولادهم فقال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11].

6- لا يلزم المرأة أن تبقى في بيت زوجها حولًا، إذا أوصى بذلك قبل وفاته، بل لها أن تخرج بعد أربعة أشهر وعشر، ولا إثم عليها، ولا على أهل الزوج، ولا على أوليائها أو غيرهم في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ﴾.

7- مسؤولية الرجال عن النساء، أزواجًا كانوا أو أولياء، أو غير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ﴾ ومفهوم هذا أن عليهم الجناح والإثم إذا خرجن عن المعروف، فيجب عليهم منعهن.

8- تحريم خروج النساء عن المعروف شرعًا؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ مَعْرُوفٍ ﴾.

9- إثبات صفة العزة التامة لله عز وجل؛ بأقسامها الثلاثة: عزة الامتناع، وعزة القهر والغلبة، وعزة القوة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ﴾.
10- أن لله- عز وجل- الحكم التام النافذ بأقسامه الثلاثة: الحكم الكوني، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، وله الحكمة البالغة بقسميها: الحكمة الغائية، والحكمة الصورية؛ لقوله تعالى: ﴿ حَكِيمٌ ﴾.

11- ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ وجوب المتعة لكل مطلقة.

وإلى هذا ذهب طائفة من أهل العلم واستدلوا لذلك بقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب: 49].

وبقوله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب: 28].

وعن سهل بن سعد وأبي أسيد رضي الله عنهما قالا: «تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رَازِقِيَّيْنِ»[2].

وذهب طائفة من أهل العلم إلى أن المتعة إنما تجب للمطلقة قبل الدخول وقبل فرض المهر؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِي ﴾ [البقرة: 236]، وهذا ظاهر.

قالوا: أما من طلقت قبل الدخول وبعد فرض المهر فلها نصف المهر دون المتعة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ [البقرة: 237].

قالوا: وهكذا من طلقت بعد الدخول، فليس لها متعة، لكن لها المهر كاملًا إن كان مسمى، ولها مهر المثل إن لم يكن مسمى.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن المتعة مستحبة لكل مطلقة، وعليه حملوا الأدلة السابقة.

قلت: ووجوب المتعة لمن طلقت قبل الدخول وقبل فرض المهر ظاهر؛ لقوله تعالى: ﴿ ومتعوهنَّ ﴾، أما من عداها فالأولى أن يمتعن.

12- اعتبار العرف ما لم يخالف الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ فإن خالف الشرع فلا اعتبار له.

13- تأكيد وجوب المتعة للمطلقات؛ لقوله تعالى: ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾؛ لئلا يتهاون بها، وذلك لأنها في حال الفراق، وهي مظنة للتهاون.

14- التنويه بشأن المتقين وتشريفهم؛ لقوله تعالى: ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾؛ لأنهم هم الذين يمتثلون أمر الله- عز وجل- وفي هذا إغراء لهم بذلك.

15- امتنان الله- عز وجل- على العباد ببيان آياته وإيضاحها وتفصيلها، وإقامة الحجة عليهم في ذلك، وامتداح أحكامه وبيانه لها؛ لقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾.

16- إنما يستفيد من تبيين الآيات وتفصيلها ذوو العقول النيرة التي هي مناط المدح، والتي تهدي أصحابها وتدلهم إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم؛ لقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾.

17- إثبات الحكمة والعلة في أحكام الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾.

[1] انظر في تفصيل الكلام على هاتين الآيتين: «الناسخ والمنسوخ» لأبي جعفر النحاس (2 /70- 89) بتحقيقنا.

[2] أخرجه البخاري في الطلاق (5257).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #310  
قديم 19-06-2023, 07:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,743
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»





الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم




تفسير قوله تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ﴾


قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 243 - 245].

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾.

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ الهمزة: للاستفهام، و«لم»: حرف نفي وجزم وقلب، والاستفهام إذا دخل على النفي فمعناه التقرير، أي: قد رأيت، كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ [الشرح: 1]؛ أي: قد شرحنا لك صدرك.

وقال صاحب الدر[1]: «فيمكن أن يكون المخاطب عَلِمَ بهذه القصة قبل نزول هذه الآية، فيكون التقرير ظاهرًا، أي: رأيت حال هؤلاء، ويمكن أنه لم يعلم بها إلا من هذه الآية، فيكون معنى هذا الكلام التنبيه والتعجب من حال هؤلاء.

ويجوز أن يكون المراد بالاستفهام التعجب من حال هؤلاء، وأكثر ما يرد كذلك: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا ﴾ [المجادلة: 14]، ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّل ﴾ [الفرقان: 45].

والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل من يصلح له، والرؤية هنا علمية، وهي في الأصل تتعدى إلى مفعولين، لكنها هنا ضمنت معنى ما يتعدى بإلى، أي: ألم ينتهي علمك، أو: ألم تنظر إلى الذين خرجوا من ديارهم.

﴿ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ قيل: إنهم من بني إسرائيل، وقيل من غيرهم.

﴿ مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ أي: من بيوتهم وأحيائهم وبلدانهم.

﴿ وَهُمْ أُلُوفٌ ﴾ الجملة حالية، أي: والحال أنهم ألوف، و«ألوف»: جمع ألف، والمعنى: وهم ألوف كثيرة جدًا.

﴿ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ ﴿ حَذَرَ﴾ مفعول لأجله، أي: خوفًا وفرارًا من الموت، وذلك أنه نزل وباء في ديارهم فخرجوا منها خوفًا وفرارًا من الموت بهذا الوباء.

وقيل: إنه أغار عليهم عدو في ديارهم فخرجوا منها جبنًا وخوفًا من لقائه وفرارًا من القتل.

ويقوي هذا القول قوله: ﴿ وَهُمْ أُلُوفٌ ﴾، فهذا يشير إلى أن الأولى أن يقاتلوا ولا يجبنوا وهم بهذه الكثرة الكاثرة، فالكثرة سبب للعزة والمنعة، يقول العرب في الجيش إذا بلغ الألوف «لا يغلب من قلة»[2]، ويقولون: «الكثرة تغلب الشجاعة».

قال الشاعر:
ولست بالأكثر منهم حصى
وإنما العزة للكاثر[3]




ولهذا قال شعيب عليه الصلاة والسلام مذكرًا لقومه بنعمة الله عليهم بتكثيرهم بعد القلة: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ﴾ [الأعراف: 86].

كما يقوي هذا القول قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 244].

وكذا ما بعده مما أخبر الله به عن بني إسرائيل من طلبهم ملكًا يقاتلون معه في سبيل الله، وأنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم.

وعلى الاحتمالين فإن فيها ترغيبًا في الجهاد، ولهذا أمر بعد هذه الآية بالقتال في سبيل الله.

﴿ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ﴾ الفاء: عاطفة، أي: فقال الله لهم قولًا كونيًا: ﴿ مُوتُوا ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82].

أي: فأماتهم جميعًا؛ ليريهم أنه لا يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا مفر من قدره، كما قال تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ [النساء: 78]، وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [آل عمران: 168].

عن أبي الزناد، عن أبيه: أن خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة بكى، وقال: «لقد لقيت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، أو طعنة برمح؛ فها أنا أموت على فراشي، حتف أنفي، كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء»[4].

﴿ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ﴾، أي: فماتوا ثم أحياهم، وهذا من إيجاز الحذف، و«ثم»: عاطفة تقتضي التراخي.

أي: ثم أحياهم بفضله بعد مدة؛ ليريهم وجميع الخلق قدرته عز وجل التامة على إحياء الموتى، قيل: كان إحياؤهم بسبب دعوة نبي من الأنبياء.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ﴾ «إنَّ»، واللام: للتوكيد، و«ذو» بمعنى صاحب.

﴿ فَضْلٍ ﴾ الفضل: التفضل والزيادة ﴿ عَلَى النَّاسِ ﴾ جميعهم، مؤمنهم وكافرهم، خلقهم سبحانه، وأرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب وبيَّن لهم الآيات، وأعدهم وأمدهم من فضله، كما قال تعالى: ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ [الإسراء: 20].

ومن فضله عز وجل على هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم بأن أماتهم ثم أحياهم؛ ليعتبروا، كما أن في ذلك فضلًا على غيرهم من الناس؛ لأن في ذلك عبرة لهم.

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ أظهر في مقام الإضمار فلم يقل: «ولكن أكثرهم لا يشكرون» زيادةً في التشنيع عليهم؛ أي: لا يشكرون الله تعالى على ما تفضل به عليهم من النعم، والتي من أعظمها نعمة الخلق من العدم والإحياء بعد الموت، وبعث الرسل وإنزال الكتب، والرزق وغير ذلك.

قال ابن كثير[5]: «﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ﴾ أي: فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة والدلالات الدامغة، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾، أي: لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم».

وشكر الله عز وجل يكون باستعمال نعمه في طاعته والبعد عن معصيته.

وإذا كان أكثر الناس لا يشكرون، كما في هذه الآية، وكما قال تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13]، فلا ينبغي الاغترار بما عليه الأكثرون، بل يجب الحذر منهم ومجانبة طريقهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الأنعام: 116]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [يوسف: 103]، وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ﴾ [ص: 24].

وفي الحديث: أن الله عز وجل يقول لآدم: «أخرج بعث النار من ذريتك من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين»[6].

ولهذا قال الفضيل بن عياض رحمه الله[7]: «لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين».

فالعبرة بالكيف لا بالكم، وكما قيل:
والناس ألف منهم كواحد
وواحد كالألف إن أمر عنى[8]




قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.

ذكر الله عز وجل في الآية السابقة حال الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، إما بسبب وباء حل بأرضهم أو عدو أغار عليهم، فأماتهم الله ثم أحياهم، ثم أتبع ذلك بالأمر بالقتال في سبيل الله في إشارة واضحة إلى أنه كما أن الحذر لا ينجي من الموت، فكذلك القتال في سبيل الله لا يقرب من الموت.

قوله: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ الله ﴾ الواو: عاطفة، والمقاتلة: المفاعلة من جانبين، أي: وقاتلوا أيها المؤمنون الذين يقاتلونكم، كما قال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 190].

﴿ فِي سَبِيلِ الله ﴾؛ أي: في طريق إعلاء كلمة الله ودينه، بأن يكون القتال خالصًا لوجه الله تعالى، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل رياءً، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»[9].

وأن يكون القتال وفق شرع الله تعالى بأن يقوم به المسلمون بإذن من ولي الأمر؛ عندما توجد أسبابه الشرعية، وتتوفر وسائله وأدواته من إعداد العدة والقوة ونحو ذلك.

وأن يكون القتال لمن يقاتل المسلمين، كما قال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 190].

ومن غير غلول ولا غدر، ولا قتل لمن لم يقاتل من النساء والصبيان والرهبان، ونحو ذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم: «اغزوا بسم الله، قاتلوا من كفر الله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا» الحديث[10].

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾، أي: واعلموا أن الله ذو سمع واسع يسمع جميع الأقوال والأصوات، وذو علم واسع يسع كل شيء، فهو عز وجل سميع لأقوالكم عليم بأحوالكم وما تنطوي عليه قلوبكم من الإخلاص وضده.

وفي هذا ترغيب بامتثال أمر الله تعالى ووعد لمن قاتل في سبيل الله، بعون الله تعالى له، وإثابته، وتحذير ووعيد لمن خالف أمر الله عز وجل.

قوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.

أمر الله عز وجل في الآية السابقة بالقتال في سبيله، ثم رغب عز وجل في هذه الآية بالإقراض له، بالإنفاق في سبيله مما يشمل القتال في سبيل الله تعالى وغير ذلك؛ لأن القتال في سبيل الله لا يقوم إلا على المال.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لما نزلت: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، قال أبو الدحداح: يا رسول الله، إن الله ليريد منا القرض؟ قال: «نعم، يا أبا الدحداح» قال: أرني يدك يا رسول الله، قال: فناوله يده، قال: فإني أقرضت ربي حائطي، حائطًا فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، فجاء أبو الدحداح، فناداها: يا أم الدحداح! قالت: لبيك. قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي عز وجل»[11].

قوله: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾ «من»: اسم استفهام مبني في محل رفع مبتدأ، و«ذا»: اسم إشارة مبني في محل رفع خبر، و«الذي»: اسم موصول مبني في محل رفع بدل من «ذا» أو عطف بيان.

ويجوز أن يكون «من ذا» كله اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، وخبره الاسم الموصول.

والاستفهام للتحضيض والطلب بألطف أنواع الطلب، وهو أبلغ من الطلب بصيغة الأمر.

«يقرض» بمعنى: يسلف، والقرض لغة: القطع، وشرعًا: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.

والمراد به هنا: ما يعطيه الإنسان وينفقه في سبيل الله تعالى ليجازيه الله عز وجل عليه، أي: من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا في الإنفاق في سبيل الله وابتغاء مرضاته.

كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ [الحديد: 18].

﴿ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ «قرضًا»: على المصدرية، و«حسنًا»: صفة له، أي: جميلًا طيبًا، وهو ما وافق الشرع، وذلك بأن يكون خالصًا لله تعالى، لا رياء فيه ولا سمعة، ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ [الإنسان: 8، 9].

وقال عز وجل في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه»[12].

وأن يكون من مال حلال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا»(1).

وأن يكون بنفس طيبة، وبلا مَنٍّ ولا أذى، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 262، 263].

وأن يكون القرض والإنفاق في محله في مساعدة المحتاجين، وفي مصالح المسلمين، لا في محرم كالفجور وشرب الخمور ونحو ذلك.

وسمى الله عز وجل الصدقة والإنفاق في سبيله قرضًا- مع أن المال ماله تعالى، والملك ملكه، والخلق عبيده- حثًّا عليه وترغيبًا فيه.

ولأنه عز وجل تكفل بوفائه بالإثابة عليه ومضاعفة أجره، تفضلًا منه وكرمًا، وفي الحديث: «من يقرض غير عديم ولا ظلوم»[13].

وقد حمل بعض المفسرين القرض في الآية على ما يشمل الإنفاق وجميع الأعمال الصالحة.

﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ﴾ قرأ عاصم ﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ﴾ بإثبات الألف مع نصب الفعل بأن مضمرة بعد فاء السببية، أو على أنه جواب الاستفهام.

وكذا قرأ ابن عامر ويعقوب بالنصب، لكن مع حذف الألف والتشديد: (فيُضعِّفَه).

وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بإثبات الألف مع رفع الفعل: «فيُضاعفُهُ» عطفًا على «يقرض»، وكذا قرأ ابن كثير بالرفع لكن مع حذف الألف وتشديد العين: «فيُضَعِّفُهُ».

والمضاعفة: جعل الشيء ضعفين أو أكثر.

﴿ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ «أضعافًا»: حال، أو مصدر، و«كثيرة»: صفة له، أي: أضعافًا كثيرة لا حد لها، من الخُلْف في الدنيا والثواب في الآخرة.

كما قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261].

وفي الحديث: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»[14].

﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ حضّ عز وجل ورغب في الإنفاق، ثم أخبر أن بيده القبض والبسط لئلا يُزهد في الإنفاق مخافة الفقر.

قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص «ويبسط»، وقرأ الباقون بالصاد ﴿ وَيَبْسُطُ ﴾.

وبين «يقبض» و«يبسط» طباق إيجاب، فهما ضدان.

و«القبض»: التضييق والإمساك في الرزق وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ﴾ [الطلاق: 7]؛ أي: ومن ضيق عليه رزقه، وقال تعالى: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [فاطر: 2].

و«البسط»: التوسيع، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾ [الرعد: 26]؛ أي: يوسع الرزق لمن يشاء ويضيقه على من يشاء؛ لحكم يعلمها، وقال تعالى: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾ [الطلاق: 7].

فبيده عز وجل القبض والتضييق، والبسط والتوسيع في الرزق والعلم والعمر والملك والأهل والولد، وفي الأجر والثواب وغير ذلك من أمور الدنيا والآخرة.

فلا ينبغي أن يحول دون الإنفاق الخوف من الفقر؛ لأن القبض والبسط بيد الله تعالى.

﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: وإليه وحده تردون فيحاسبكم ويجازيكم على أعمالكم.

كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ [الغاشية: 25، 26].

وقدم المتعلق ﴿ وَإِلَيْهِ ﴾ لإفادة الحصر، مع مراعاة فواصل الآيات.

[1] «الدر المصون» (1/ 592).

[2] انظر: «التحرير والتنوير» (2/ 478).

[3] البيت للأعشى. انظر: «ديوانه» (ص193).

[4] أخرجه في تاريخ دمشق» (16/ 272)، وفي« المجالسة وجواهر العلم» (3/ 194). وانظر: «الاستيعاب» (2/ 430)، «أسد لغابة» (2/ 140).

[5] في تفسيره (1/ 440).

[6] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3348)، ومسلم في الإيمان (222)؛ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[7] ذكره صاحب كتاب «الشيخ محمد بن عبد الوهاب المفترى عليه» (ص237)، وانظر: «مدارج السالكين» (1/ 46).

[8] البيت لابن دريد. انظر: «شرح مقصورة ابن دريد» للتبريزي (ص74)، «جواهر الأدب» (2/ 401).

[9] أخرجه البخاري في العلم (123)، ومسلم في الإمارة (1904)، وأبو داود في الجهاد (2517)، والنسائي في الجهاد (3136)، والترمذي في فضائل الجهاد (1646)، وابن ماجه في الجهاد (2783)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.

[10] أخرجه مسلم في الجهاد والسير (1731)، وأبو داود في الجهاد (2613)، والترمذي في الديات (1408)، وابن ماجه في الجهاد (2858) من حديث بريدة رضي الله عنه.

[11] أخرجه الطبري في جامع البيان (4/ 430)، وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 460)، وذكره ابن كثير في تفسيره (1/ 441 – 442) وقال: «وقد رواه ابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن أسلم عن أبيه عن عمر مرفوعًا بنحوه».

[12] سبق تخريجه.

[13] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (758)، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

[14] سبق تخريجه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 314.06 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 308.26 كيلو بايت... تم توفير 5.80 كيلو بايت...بمعدل (1.85%)]