مفهوم الحوكمة وتعريفاتها – الحوكمة في المؤسسات الوقفية والخيرية بين التنظير والتطبيق - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         معارج البيان القرآني ـــــــــــــ متجدد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 13 - عددالزوار : 9433 )           »          ضبط أقل مدة الحمل بين حكم نكاح السر وإعلان الزواج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوره (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          الوهن الذي أصاب الأمــة جعلهــا تخشى قوة الأعداء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          التراجم: نماذج من المستشرقين المنصِّرين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          الاستشراق والتنصير مدى العلاقة بين ظاهرتين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 42 )           »          وسواس بسبب صدمة في الطفولة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 40 )           »          أريد التخلص من الأفكار السلبية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          وهم الخيانة الزوجية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          مشكلة بطء الاستيعاب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى التنمية البشرية وعلم النفس
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى التنمية البشرية وعلم النفس ملتقى يختص بالتنمية البشرية والمهارات العقلية وإدارة الأعمال وتطوير الذات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 30-05-2024, 01:01 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,637
الدولة : Egypt
افتراضي مفهوم الحوكمة وتعريفاتها – الحوكمة في المؤسسات الوقفية والخيرية بين التنظير والتطبيق




مفهوم الحوكمة وتعريفاتها – الحوكمة في المؤسسات الوقفية والخيرية بين التنظير والتطبيق


  • الحوكمة إداريا هي مجموعة من القواعد والإجراءات الدّاخليّة التي توفّر ضمانات تحقيق حرص المديرين على حقوق المُلّاك والمحافظة على حقوق الأطراف ذات المصالح بالمنظّمة
  • يشير اصطلاح الحوكمة من المنظور القانوني إلى الإطار التشريعي والقواعد القانونيّة التي تحمي مصالح الأطراف ذوي العلاقة بالمؤسسة أو الشركة
من الطبيعي في النّشاط العلمي والتّنموي عمومًا، أن تدعو المضايق والأزمات كلّ المفكّرين والمنتجين علميًّا إلى البحث عن الحلول المناسبة لها، والمخارج المطلوبة لإنقاذ الأفراد والمجتمعات من الانهيارات الاقتصادية أو الاجتماعيّة أو الأخلاقيّة المختلفة؛ لذلك نجد كثيراً من الإنتاج الفكريّ عموماً كان المحرّك والمحفّز الأساسي له أزمة من الأزمات، بل إنّ كثيراً من الفلسفات الموغلة في القِدَم في التّاريخ الإنساني هي وليدة أزمات، أو نشأت للتّعاطي مع حاجةٍ ملحّةٍ معيّنة، وإدارة التّعامل معها.
وحركة الاقتصاد العالمي في العقود الأخيرة، وما عانى منه من نكبات وعثرات واجهتها العديد من الاقتصادات المستقرّة نسبيًّا والاقتصادات النّاشئة، فرضت على نحوٍ ضروريّ التفكير في تأسيس -أو صياغة- نظامٍ فعّال ومنتج لتطبيق المبادئ الإداريّة التي يرتبط التقدّم والنّجاح بها عادةً، مثل: الشفافية والنزاهة والكفاءة والخبرة والفاعليّة والرّقابة.
الحاجة لهذا النّظام
وقد برزت الحاجة لهذا النّظام باعتبارها نتيجةً طبيعيّةً لرصد مواطن كثيرة من القصور في تطبيق المبادئ المشار إليها؛ حيث أعقب ذلك انهيارات وتراجعات انعكست سلباً على كلّ المتعاملين مع المؤسّسات التي تعاني من ذلك القصور، كما انعكست على الاقتصاد العالمي، وبعد تفتُّت العالم الإسلاميّ فيما بعد سقوط الخلافة الإسلاميّة وانتهاء حقبة الاحتلال الغربي التي تلت ذلك، نشأت الدّول الإسلاميّة الحديثة التي لا تخلو أيّ منها من مؤسّسة أو مؤسّسات حكوميّة أو غير حكوميّة تختصّ بإدارة الأوقاف ورعايتها، وهي الحالة التي انتهت بها تقريباً حقبة التفرُّد والارتجال في إدارة الوقف والتحكُّم فيه بالإرادة المنفردة، بل اكتسب العمل الوقفي الطّابع المؤسّسي كاملا.
المؤسّسة الوقفيّة
وبما أنّ المؤسّسة الوقفيّة تتكوّن من الجانب الإشرافي الإداري (النّظارة)، وجانب الأصل المادّي (الموقوف)، وجانب الجمهور المستفيد (الموقوف عليهم)، والجانب الممثّل للدّولة (القضاء)، وكذلك ما ينشأ للوقف -أو عليه- من الحقوق استناداً لشخصيّته الاعتباريّة، فإنّ كلّ هذه المكوّنات تربطها علاقات لا بدّ من تنظيمها وإحكام إطارها إداريًّا، في قالب من النّزاهة والشفافيّة والإفصاح عن الحقوق والواجبات والأخلاقيّات، ومن هنا كانت «حوكمة الوقف» ضرورةً إداريّةً عصريّة.
أولاً: معنى الحوكمة ومفهومها
الحوكمة لغةً: «حوكمة» على وزن «فوعلة»، وهي بهذا المبنى الاشتقاقيّ ليست من الألفاظ المأنوسة في اللّغة العربيّة؛ ولذلك فقد اجتهد المختصون في وضع تعريف لها بعد تنوّع الترجمات الحرفية لهذا المصطلح العالمي، وقد أحصى الباحثون ثمانية عشر مرادفًا عربيًّا لكلمة (governance)، وبما أنّ إطلاقه عموما اقترن بإدارة الشركات وتنظيم أدائها، فقد أُطلق على هذا النّظام مركبات إضافيّة عدّة على سبيل التّلقيب استنادًا إلى الترجمة الحرفية، مثل: (حكم الشركات) أو (حكمانية الشركات) أو (التحكم المؤسسي) أو (حاكمية الشركات)، وكلها تدور حول معنى الحكم والرقابة على الشركة وتنظيم أدائها وعلاقاتها. ولفظ (حوكمة) لم يرد في المعاجم العربية على هذا الوزن كما أشرنا، لكن المصطلح الشائع (الحوكمة) لقي استحسانًا من مجمع اللغة العربية وأقرَّه عام 2002م، والمعنى العام للحوكمة من مادة لفظ (حَكَم)، والعرب تقول: حكمتُ، وأحكمتُ وحكَّمتُ؛ بمعنى: مَنعتُ وردَدَتُ، ومن معاني كلمة (حَكَم): حَكَمَ الشيء وأحكمه، كلاهما: منعه من الفساد، وأحكم الأمر: أتقنه، وأحكمت الشيء فاستحكم: صار مُحْكَمًا، وكلُّ من منعته من شيءٍ؛ فقد حَكَّمتَه وأَحكمته.
الحوكمة اصطلاحًا
نظراً للتّكوين المتدرّج لمعنى هذا المفهوم في أذهان المتخصّصين، وفي أدبيّات الهيئات العالميّة المتخصّصة، وتنوُّع الدّوافع للكتابة فيه، فإنّه لم يُتّفق حتى اللحظة على تعريف واحد له، وإنْ كان جوهره وأهدافه وماهيّته مُدْركة إدراكاً عامًّا لجميع الذين يتداولونه.
تعريفات متداولة
عرّفته منظّمة التّعاون الاقتصادي والتّنمية (OECD) (2004م)، فقالت الآتي: «إنّ حوكمة المؤسّسات تتضمّن مجموعة من العلاقات بين إدارة المؤسّسة ومجلس إدارتها ومساهميها، وذوي المصلحة الآخرين، وتقدّم حوكمة المؤسّسات أيضاً الهيكل الذي من خلاله تُوضع أهداف المؤسّسة، وتُحدَّد وسائل إنجاز تلك الأهداف، والرّقابة على الأداء»، وعرّفها البنك الدّولي بأنّها: «التنمية والتطوير الإداري للشركة، ويكون ذلك من خلال خبرتها، والبرامج التي تطرحها، والمشروعات التي تنفذها، ونوع التكنولوجيا التي تستخدمها؛ لبناء مؤسسات منفتحة وفعّالة وخاضعة للمساءلة».
أبعاد المفاهيم
ومن الأمور التي تسعف في إدراك أبعاد المفاهيم عموماً، تعريفها على اختلاف اعتبارات التعريف، وتنوّع زاوية النّظر، ويمكن الاستفادة من ذلك هنا لتحقيق مزيدٍ من الإيضاح لمعنى الحوكمة، فنقول:
المفهوم القانوني للحوكمة
يشير اصطلاح الحوكمة -من المنظور القانوني- إلى الإطار التشريعي والقواعد القانونيّة التي تحمي مصالح الأطراف ذوي العلاقة بالمؤسسة أو الشركة، وتناولها كُتّاب القانون على أنّها إطار متكامل من القواعد القانونيّة الحاكمة لإدارة شؤون المشروعات والمنظّمات في مواجهة الأطراف المستفيدة، ومن ثم يهتمّ القانونيّون بالقواعد القانونيّة والنّواحي الإجرائيّة التي توفّر متطلّبات المحافظة على الكيان المؤسّسي للشّركات، وتوفير ضمانات الحماية لحقوق الأطراف ذوي العلاقة أو المستفيدين من نشأة الشّركة، وبقائها، ونموّها.
المفهوم الإداري للحوكمة
يمكن أن يقال استنداداً إلى بعض الكتابات الإدارية: الحوكمة هي مجموعة من القواعد والضّوابط والإجراءات الدّاخليّة في المؤسّسة، التي توفّر ضمانات تحقيق حرص المديرين على حقوق المُلّاك، والمحافظة على حقوق الأطراف ذات المصالح بالمنظّمة، أو هي مجموعة ممارسات تنظيميّة وإداريّة تضبط العلاقة بين أصحاب المصالح المختلفة، بمن فيهم متلقّو الخدمة، وتحمي حقوق الأطراف ذوي العلاقة من الممارسات الخاطئة للمديرين.
المفهوم المحاسَبي للحوكمة
هي توفير مقوّمات حماية أموال المستثمرين، وحصولهم على العوائد المناسبة، وضمان عدم استخدام أموالهم في مجالات أو استثمارات غير آمنة، وعدم استغلالها من قِبل الإدارة لتحقيق منافع خاصة، ويتم ذلك من خلال مجموعة الإجراءات والضوابط والمعايير المحاسَبيّة، وتركّز هذه النّظرة على تحقيق الشفافيّة وتوسيع نطاق الإفصاح عن البيانات المحاسَبيّة والقوائم الماليّة ومزايا المديرين وتطبيق المعايير المحاسَبيّة المتعارف عليها دوليًّا، ومن خلال هذا العرض المتنوّع يمكننا استشراف أهميّة حوكمة المؤسّسات الوقفيّة، لأنّنا نعلم بالتجربة تعدُّد مكوّنات المؤسّسة الوقفيّة وضرورة ضبط العلاقات بينها، كما نعلم أنّ الكثير من الأوقاف قد ضاعت بسبب الفساد الإداري والاعتداء عليها من النُّظَّار والمتولّين أحياناً، أو بسبب الثّغرات القانونيّة وضعف التشريعات القضائيّة الخاصّة بالوقف؛ الأمر الذي سلَبَهَا صفة الرّدع والزّجر، وجرّدها من إمكانيّة تحقيق الحماية والصّيانة للأصول الوقفيّة.
من آثار الحوكمة ومنافعها
وذلك مع ملاحظة أنّ من آثار الحوكمة ومنافعها أنّها تشكّل شهادة تميُّز للمؤسّسة من خلال ضمان الأداء السّليم للعمل، ويعد تطبيقها تطبيقاً راشداً حافزاً أساسيًّا للاستثمار في المؤسّسة أو الشّركة؛ لأنّ تطبيق هذا النّظام يمنح حقّ الرقابة على المؤسّسة لذوي الكفاءة والاختصاص، وينأى بها عن الفرديّة والمزاجيّة والعشوائيّة والارتجال واللّامبالاة في الإدارة.


اعداد: عيسى القدومي




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-06-2024, 06:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,637
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحوكمة في المؤسسات الوقفية والخيرية




الحوكمة في المؤسسات الوقفية والخيرية (2)

مفهوم حوكمة المؤسسة الوقفية


  • نظام الوقف في الإسلام يعطي نظرةً شموليّةً تتيح تطوير ما هو موجود من إجراءات وفعاليات ومؤسسات تنظيمية لتمارس دورها المطلوب
  • الغاية من حوكمة المؤسّسة الوقفية هي إصلاح ما في المؤسّسة من خلل والنّهوض بها إلى الأفضل
  • مبادئ الحوكمة قائمة في القرآن الكريم والسّنّة المطهّرة على سبيل التشريع العام وليس الخاص بالوقف فقط
ما زال حدثينا مستمرا حول الحوكمة في المؤسسات الوقفية والخيرية، وقد تحدثنا في الحلقة الماضية عن الحاجة للحوكمة، ومعناها ومفهومها الإداري والمحاسبي وآثارها ومنافعها، واليوم نتكلم عن مفهوم الحوكمة في المؤسسات الوقفية.
حوكمة المؤسسة الوقفية، مدارها على: تطبيق نظام رقابيّ شامل لأساليب العمل ووسائله في المؤسسة الوقفية، فهو منهجية إدارية وعلمية ذات معايير متفق عليها داخليًّا، ومراقبة خارجيًّا، يُحكم -من خلالها- على الأداء وتقويمه في كل المجالات.
مجموعة من القواعد والمبادئ والإجراءات
وعليه يمكن التعريف بمفهوم حوكمة مؤسسة الوقف بأنه: مجموعة من القواعد والمبادئ والإجراءات التي تحكم العلاقات بين الأطراف المؤثرة في أداء مؤسسة الوقف، ويمكن من خلالها متابعة أداء مجلس النظارة والإدارة التنفيذية ومراقبتهم، وكفاءة استخدامها الاستخدام الأمثل لمواردها؛ بما يحقق شروط الواقفين، ومنفعة جميع الأطراف ذوي المصلحة، ويسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، في إطار من الشفافية والعدالة والمساءلة والمسؤولية.
الغاية من حوكمة المؤسّسة الوقفية
وباختصار يمكننا تعريف (حوكمة المؤسسة الوقفية) بالآتي: «القواعد والضوابط المعمول بها التي توجه سلوك المؤسسة الوقفية، والإجراءات التي تُلزم إدارات العمل في المؤسسة تطبيق تلك القواعد وتعزيزها؛ لتوفير بيئة لتحسين الأداء وتطوير الأعمال لتتحقق مقاصد الوقف»؛ فالغاية من حوكمة المؤسّسة الوقفية هي إصلاح ما في المؤسّسة من خلل والنّهوض بها إلى الأفضل؛ لذا تُعدُّ الشفافية والإفصاح من أهم دعائم نظام الحوكمة؛ فهي تمنع -إلى حدٍّ كبير- الفساد في المؤسسات الخيرية والوقفية، وتضمن الحفاظ على الأصول الماليّة، وتضمن ترشيد الإنفاق والصّرْف، واستقامة التصرُّف وقَصْره على الوجوه الصحيحة في حقّ جميع الأطراف ذوي العلاقة.
أُسُس الحوكمة الإداريّة ومبادئها
«يتوّج مفهوم الوقف في الإسلام عددٌ من أُسُس الحوكمة الإداريّة ومبادئها التي ظهرت بعد ذلك بمئات السّنين! ويجعل منها نقلةً نوعيّةً في مفهوم التحكُّم والسّيطرة على الأوقاف في سياق الرّقابة والإشراف والقيادة الفرديّة إلى نظام كلّي متطوّر يصطبغ بحكم مؤسّسي قائم على أُسس راسخة، ويشبه إلى حدّ بعيد مفهوم حكم المؤسّسات في الأنظمة السياسيّة الحديثة.
نظرة شموليّة
ونظام الوقف في الإسلام لا يطرح رؤى وأفكاراً مثاليّة أو خياليّة، وقد لا يتطلّب تأسيساً جديداً لنُظُم وإجراءات وفعاليات، ولكنه يعطي نظرةً شموليّةً تتيح تطوير ما هو موجود من إجراءات وفعاليات ومؤسسات تنظيمية، لتمارس دورها المطلوب، ولتنفذ واجباتها كما يجب». وبالنّظر إلى مقرّرات الفقه الإسلاميّ في باب الوقف، نجد أنّ مبادئ حوكمة المؤسّسة الوقفيّة ليست مفهوماً طارئاً على إدارة الوقف، بل نجد مضاهاةً سابقة من فقهاء الشّريعة للنُّظُم الإداريّة والرقابيّة الحديثة، وسيتضح مصداق التقرير المنقول أعلاه أكثر -إن شاء الله- عند الكلام على دور القواعد والضوابط الفقهية في حماية الأصول الوقفية وحوكمة مؤسسة الوقف.
مبادئ الحوكمة في القرآن والسّنّة
على أنّه لابدّ من الإشارة إلى أنّ مبادئ الحوكمة عموماً قائمة في القرآن الكريم والسّنّة المطهّرة كذلك، وعلى سبيل التشريع العام وليس الخاص بالوقف فقط، وذلك يمكن أن يُلمَح من جملةٍ من النّصوص الشرعيّة الدّاعيّة إلى التخلُّق بأخلاقيّات خاصّة مناسبة للعمل العام، وتنفيذ المسؤوليّات السياسيّة والاجتماعيّة بنزاهةٍ وشفافيّة وفصل بين السلطات والمسؤوليّات، وضرورة مساءلة المقصّر ومحاسبته.
مفهوم الرُّشد
من أمثلة ذلك: مفهوم الرُّشد، الذي طرقته عددٌ من الآيات الكريمة، وبيّنت أنّ مراعاته حاضرةٌ في أكثر من مجالٍ من مجالات العمل الاجتماعي، قال -تعالى-: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا}. لذلك نجد أنّ مفهوم الرُّشْد هو الأكثر حضوراً في نصوص الواقفين وشروطهم؛ إذ يُسندون النّظارة دوماً أو يُوصون بأن يتسلسل إسنادها إلى الأرشد فالأرشد من ذرّيّاتهم، ومن تجاوز ذرّيّته أسند نظارة الوقف إلى من لا يُوضع في مكانه إلّا بعض اتّصافه بالذّروة العليا من الرُّشد، كالعالِم والقاضي، قال -تعالى-: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}.
تحديث المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة
وقد استند كثيرٌ من الدّاعين إلى تحديث إدارة المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة على أساس الشّريعة الإسلاميّة، على حديث ابن اللُّتبيّة، الذي تجسّدت فيه مساءلة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأحد عمّاله، وتجلّت في تلك المساءلة مفاهيم الشّفافيّة والإفصاح والنّزاهة، وحُرمة استغلال السّلطة الوظيفيّة في تحصيل المنافع الشخصيّة. فقد أخرج البخاريّ في صحيحه (6979) عن أبي حميد السّاعدي - رضي الله عنه - قال: استعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - رجلاً على صدقات بني سُليم، يدعى ابنَ اللُّتْبِيَّةِ، فلما جاء حاسَبَه، قال: هذا ما لكم وهذا هدية؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «فهلّا جلست في بيت أبيك وأمك، حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا»؟ ثمّ خطَبَنا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، فإنّي أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولّاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفنّ أحداً منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعِرُ»، ثم رفع يده حتى رُئِي بياض إبطه، يقول: «اللهم هل بلغت»، بَصَرُ عيني وسمع أذني. وقد جاء في الحديث كذلك قوله -صلى الله عليه وسلم -: «هدايا العمّال غُلول». والغُلولُ حرامٌ، إلّا في حدودٍ ضيّقةٍ تكون قد استقرّت عليها عادةٌ، أن يُهدى إلى العامل من كان معتاداً أن يُهدي إليه قبل تولّيه عمله، لقرابةٍ أو صداقة، وهذا مبسوطٌ في مظانّه، لكن القصد الإشارة إلى قيام مبدأ المحاسبة والمساءلة، وأنّ القِيَم والمبادئ الأساسيّة لحوكمة العمل العام كانت حاضرةً بقوّة، وتمّ التأصيل لها تأصيلاً شرعيًّا واضحاً، ولم تكن من نافلة القول، ولا في الصّفّ الثّاني أو الثالث من مطالب العمل الاجتماعيّ، بل كانت في الصّفّ الأوّل دوماً.


اعداد: عيسى القدومي




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 67.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 65.21 كيلو بايت... تم توفير 2.08 كيلو بايت...بمعدل (3.10%)]