الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال - الصفحة 6 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 
قناة الشفاء للرقية الشرعية عبر يوتيوب

اخر عشرة مواضيع :         متابعة للاحداث فى فلسطين المحتلة ..... تابعونا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12300 - عددالزوار : 205877 )           »          ثقافة الحوار بيننا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          الحُب...! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          قضاء الإجازة بلا تخطيط.. هدر للطاقات! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          انشـراح الصـدر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          طفلي يفشي أسرار المنزل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          علاقة الطفل بالأصدقاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          السياسة الشرعية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 11 - عددالزوار : 469 )           »          حقيقـة البهـرة الإسماعيلية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          الأربعــون الوقفيــة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 37 - عددالزوار : 819 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #51  
قديم يوم أمس, 04:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,072
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (51) قصة إحياء الطيور الأربعة (13)



كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -عز وجل-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ‌أَرِنِي ‌كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:260).

الفائدة التاسعة:

ذكرنا أن هذه الآية الكريمة تدلُ على أن الإيمانَ أصلٌ وله كمال، وأنه يزيدُ وينقصُ، وننقلُ اليوم نُقولًا عن أهل العلم في حُكم تَرك مباني الإسلام الأربعة، عدا الشهادتين.

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "أما هذه الخمس فإن زالتْ كُلُها سقطَ البنيانُ، ولم يثبتْ بعد زوالها، وكذلك إن زالَ منها الركنُ الأعظمُ وهو الشهادتان، وزوالهما يكونُ بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمعُ معهما، وأما زوالُ الأربع البواقي فاختلف العلماء: هل يزول الاسمُ بزوالها؟ أم بزوال واحد منها؟ أم لا يزول بذلك؟ أم يُفرَّق بين الصلاة وغيرها؛ فيزول بترك الصلاة دون غيرها؟ أم يختص زوالُ الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصة؟ وفي ذلك اختلاف مشهور، وهذه الأقوال كلها محكية عن الإمام أحمد" (فتح الباري لابن رجب).

قال شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وأما مع الإقرار بالوجوب إذا تركَ شيئًا مِن هذه الأركان الأربعة، ففي التكفير أقوالٌ للعلماءِ، هي روايات عن أحمد:

أحدها: أنه يُكفَّر بترك واحدة من الأربعة، حتى الحج، وإن كان في جواز تأخيره نزاعٌ بين العلماءِ، فمتى عَزم على تركه بالكُلية كَفَرَ، وهذا قول طائفة من السلف، وهي إحدى الروايات عن أحمد اختارها أبوبكر.

الثاني: أنه لا يُكفَّر بترك شيء من ذلك، مع الإقرار بالوجوب، وهذا هو المشهور عند كثيرٍ من الفقهاءِ من أصحابِ أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهي إحدى الروايات عند أحمد، اختارها ابن بطة وغيره.

الثالث: لا يُكفَّر إلا بترك الصلاة، وهذه هي الرواية الثانية عند أحمد، وقول كثير من السلف، وطائفة من أصحاب مالك والشافعي، وطائفة من أصحاب أحمد.

الرابع: يُكفَّر بتركها وترك الزكاة فقط.

الخامس: يُكفّر بتركها وترك الزكاة إذا قاتلَ الإمامَ عليها دون ترك الصيام والحج" (مجموع الفتاوى).

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: "أركانُ الإسلام الخمسة: أولها: الشهادتان، ثم الأركان الأربعة؛ فالأربعةُ إذا أقَرَّ بها، وتركها تهاوُنًا، فنحن وإن قاتَلْناه على فِعْلِها، فلا نُكَفِّرُه بتَرْكِها، والعلماءُ اختلفوا في كُفرِ التاركِ لها كَسَلًا من غيرِ جُحودٍ، ولا نُكَفِّرُ إلَّا ما أجمع عليه العُلماءُ كُلُّهم، وهو: الشَّهادتان" (الدرر السنية).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في شرح العمدة: "ويُقتل -أي: تارك الصلاة- لكُفره في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: يُقتل كما يُقتل الزاني والمحارب مع ثبوت إسلامه حدًّا محضًا، وهو اختيار ابن بطة، وقال: هذا هو المذهب، وأنكر خلاف هذا" (انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله).

قال في الإنصاف: "عن ابن بطة المذهب على هذا، لم أجد في المذهب خلافه -يعني مذهب الإمام أحمد-، واختاره -يعني ابن قدامة-، وقال: هو أصوب القولين، ومال إليه الشارحُ، واختاره ابن عبدوس في تذكرته، وابن عبدوس المتقدم، وصححه المجدُ -يَعني مجد الدين ابن تيمية جد شيخ الإسلام-، وصاحب المذهب، ومسبوك الذهب، وابن رُزين، والنظم، والتصحيح، ومجمع البحرين، وجَزم به في الوجيز، والمنور، والمنتخب، وقدَّمه في المحرر، وابن تميم، والفائق. وقال في الرعاية: وعنه يُقتل حدًّا. وقيل: لفسقه" (انتهى من الإنصاف).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في أدلة رواية عدم القتل في شرح العمدة أيضًا: "لما روى عبادةُ بن الصامت -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَن شَهِدَ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُه ورسولُه وابنُ أَمَتِهِ، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ ورُوحٌ منه، وأنَّ الجنةَ حقٌّ، وأنَّ النارَ حقٌّ، وأنَّ البَعْثَ حقٌّ، أدخله اللهُ الجنةَ على ما كان من عملٍ) (متفق عليه)، وعن أنس أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومُعاذ بنُ جَبَلٍ رَدِيفهُ علَى الرَّحْلِ، قالَ: (يا مُعاذُ قالَ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللهِ وسَعْدَيْكَ، قالَ: يا مُعاذُ قالَ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللهِ وسَعْدَيْكَ، قالَ: يا مُعاذُ قالَ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللهِ وسَعْدَيْكَ، قالَ: ما مِن عَبْدٍ يَشْهَدُ أنَّ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسولُهُ إلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ علَى النَّارِ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ، أفَلا أُخْبِرُ بها الناس فَيَسْتَبْشِرُوا، قالَ: إذًا يَتَّكِلُوا) فأخْبَرَ بها مُعاذُ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. (متفق عليه)، ولما تَقَدَّم مِن حديث أبي عبادة، وقوله -صلى الله عليه وسلم- فيمَن لم يحافظ عليها: (‌لَمْ ‌يَكُنْ ‌لَهُ ‌عِنْدَ ‌اللَّهِ ‌عَهْدٌ، ‌إِنْ ‌شَاءَ ‌عَذَّبَهُ، ‌وَإِنْ ‌شَاءَ ‌غَفَرَ ‌لَهُ) (رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني).

وعن أبي ذر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قام بآيات من القرآن يرددها، حتى صلى الغَداةَ، فقال: "دَعَوْتُ لِأُمَّتِي، فَقَالَ: مَاذَا أُجِبْتَ وَمَاذَا رُدَّ عَلَيْكَ، فَقَالَ: مَا لَوِ اطَّلَعُوا عَلَيْهِ اطِّلَاعَةً لَتَرَكَ كَثِيرٌ مِنْهُمُ الصَّلَاةَ"، قَالَ: أَفَلَا أَذْهَبُ فَأُبَشِّرُ النَّاسَ بِذَلِكَ فَذَهَبَ مُعَنِّفًا قَذْفَةَ حُجْرٍ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ‌إِنْ ‌تَبْعَثْ ‌بِهَا ‌إِلَى ‌النَّاسِ ‌يَتَّكِلُوا ‌عَنِ ‌الْعِبَادَةِ، قَالَ: فَرَدَّنِي وَلَمْ أَقَلْ شَيْئًا" (رواه أحمد في مسنده، والبزار، وسنده حسن).

والآية: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة:118)؛ ولأن الصلاة عملٌ من أعمال الجوارح فلم يُكفّر بتركه كسائر الأعمال المفروضة؛ ولأن مِن أصول أهل السُّنة أنهم لا يُكفرون أحدًا من أهل السنة بذنبٍ، ولا يخرجونه من الإسلام بعملٍ؛ بخلاف ما عليه الخوارج، وإنما الكفرُ بالاعتقادات.

وقد رُوي عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثٌ من أصلِ الإيمانِ: الْكفُّ عمَّن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ولا نُكفِّرُهُ بذنبٍ ولا نخرِجُهُ منَ الإسلامِ بعملٍ، والجِهادُ ماضٍ منذُ بعثَني اللَّهُ إلى أن يقاتِلَ آخرُ أمَّتي الدَّجَّالَ، لا يبطلُهُ جورُ جائرٍ ولا عدلُ عادلٍ، والإيمانُ بالأقدار" (رواه أبو داود والبيهقي، وضعفه الألباني).

وتارك الصلاة مع إقراره بالوجوب صحيح الاعتقاد فلا يُكفَّر، والرواية الأولى -يعني التكفير- اختيار أكثر الأصحاب، مثل: أبي بكر، وابن شاقلا، وابن حامد القاضي وأصحابه، وهو المنقول عن جماهير السلف، ثم ذكر أدلةَ ذلك" (انتهى من شرح العمدة لابن تيمية -رحمه الله-).

وقال -في خاتمة الكلام بعد أن رجَّح أن كُفرَ تارك الصلاة دون أن يُدعى إليها كافرًا كفر نفاق، وأما مَن دُعي إليها فأصرَّ على تركها حتى قُتل فإنه يُقتل كافرًا-: "وأما الأحاديث المطلقة في الشهادتين فعنها أجوبة ... الرابع: أن هذا كله محمول على مَن يؤخرها عن وقتها وينوي قضاءها، أو يُحدّث به نفسه كالأمراء الذين كانوا يؤخِّرون الصلاة حتى يخرج الوقت، وكما فسَّره ابن مسعود وبيَّن أن تأخيرها عن وقتها من الكبائر، وأن تركها بالكلية كفر، وكذلك أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالكفِّ عن قتال هؤلاء الأئمة ما صلوا، فعُلِم أنهم لو تركوا الصلاة لقوتِلوا، والإمام لا يجوزُ قتالُه حتى يَكفر، وإلا فبمجرد الفسق لا يجوز قتالُه، ولو جاز قتالُه بذلك لقوتِل على تفويتِها، كما يُقاتل على تركِها، وهذا دليلٌ مستقلٌ في المسألةِ.

ويُحمل أيضًا على مَن يخل ببعض فرائضها ببعض الأوقات، وشبه ذلك، وأما مَن لا يصلي قطّ في طول عمره، ولا يَعزم على الصلاة ومات على غير توبة، أو ختم له بذلك، فهذا كافر قطعًا"، وهذا صريح في أنَّ مَن يعزم على الصلاة لا يُكفِّره شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.

فائدة:

قال في الإنصاف: "الداعي له هو الإمام أو نائبه، فلو ترك صلوات كثيرة قبل الدعاء لم يجبْ قتله، ولا يكفرُ على الصحيح من المذهب، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به كثيرٌ منهم، وكذا لو تركَ كفارةً أو نذرًا، وذكر الآجُرِّيُ أنه يكفرُ بترك الصلاة، ولو لم يُدع إليها. قال في الفروع: وهو ظاهر كلام جماعة، ويأتي كلامه في المستوعب في باب ما يفسده الصوم، عند قوله: "أو اغتسل" يعني بعد ما أصبح".

فائدة ثانية:

اختلف العلماءُ في كُفر إبليس، فذكر أبو إسحاق بن شاقلا أنه كفرَ بترك السجود لا بجحودهِ. وقيل: كفرَ لمخالفته الأمر الشفاهي من الله -تعالى-؛ فإنه -سبحانه وتعالى- خاطَبَه بذلك؛ قال الشيخُ برهان الدين: "قاله صاحب الفروع في الاستعاذة له"، وقال جمهور العلماء: "إنما كفرَ؛ لأنه أبى واستكبرَ، وعاندَ وطغى، وأصرَّ واعتقدَ أنه محقٌ في تمردِه، واستدل بأنه خيرٌ منه، فكان تركُه للسجود تسفيهًا لأمر الله -تعالى- وحكمته".

قال الإمام أحمد: "إنما أُمِرَ بالسجود فاستكبر وكان من الكافرين، والاستكبارُ كفرٌ"، وقالت الخوارج: "كفرٌ بمعصية الله، وكل معصية كفر"، وهذا خلاف الإجماع" (الإنصاف).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فيمن يتركُ الصلاةَ بعض الأوقات لا يقضيها، ولا ينوي قضاءَها: "والأشبه في مثل هذا أنه لا يكفر بالباطن أيضًا، حتى يعزم على تركها بالكلية، كما لم يكفر في تأخيرها عن وقتها، كما تقدَّم مِن الأحاديث، ولأن الفرائض تُجبر يوم القيامة بالنوافل؛ ولأنه متى عَزم على بعض الصلاة فقد أتى بما هو مجرد إيمان" (شرح العمدة).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #52  
قديم اليوم, 04:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,072
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (52) قصة إحياء الطيور الأربعة (14)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -عز وجل-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ‌أَرِنِي ‌كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:260).
الفائدة العاشرة:
إن هذه الآية العظيمة -إحياء الموتى- التي أراها اللهُ -عز وجل- إبراهيمَ -صلى الله عليه وسلم- قد أرى نبيَّه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- آياتٍ أعظم منها في المعراج، كما قال -تعالى-: (‌مَا ‌كَذَبَ ‌الْفُؤَادُ مَا رَأَى . أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى . عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى . مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى . لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (النجم:11-18).
ومدحه الله -عز وجل- أعظم مدحٍ، فقال: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى)، فكان ما رآه مِن غير سؤال ولا تطلع منه لما أوريه، ولا زيغٍ عما يرى من هوله وعظمته، فرأى جبريل -عليه الصلاة والسلام- على صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، قد سد أفق السماء، وهو المقصود بقوله -تعالى-: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى)، والنزلة الأولى: كانت بالأفق المبين بالأرض في أجياد مكة، قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ . وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ . وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ) (التكوير:23-25).
وفي مسند أحمد وسنن النسائي بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، قال: "رأى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- جبريلَ في صورتِه وله ستُّمائةِ جَناحٍ، كلُّ جَناحٍ منها قد سدَّ الأفُقَ، يسقُطُ مِنْ جَناحِه مِنَ التهاويلِ والدُّرِّ والياقوتِ ما اللهُ به عليمٌ"، والتهاويل: الجواهر العظيمة"، ورأى النبي -صلى الله عليه وسلم- سدرة المنتهى، وما يخرج منها من الأنهار، وما يتغشاها من الفراش الذي من ذهب والألوان، ففي صحيح مسلم، من حديث أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة -رضي الله عنهما- ذكر قصة المعراج، وفيه: (ثُمَّ انْطَلَقْنا حتَّى انْتَهَيْنا إلى السَّماءِ السَّادِسَةِ، فأتَيْتُ علَى مُوسَى -عليه السَّلامُ-، فَسَلَّمْتُ عليه، فقالَ: مَرْحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ والنبيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا جاوَزْتُهُ بَكَى، فَنُودِيَ: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: رَبِّ، هذا غُلامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِي يَدْخُلُ مِن أُمَّتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرُ ممَّا يَدْخُلُ مِن أُمَّتِي، قالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنا حتَّى انْتَهَيْنا إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ، فأتَيْتُ علَى إبْراهِيمَ، وقالَ في الحَديثِ: وحَدَّثَ نَبِيُّ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- أنَّه رَأَى أرْبَعَةَ أنْهارٍ يَخْرُجُ مِن أصْلِها نَهْرانِ ظاهِرانِ، ونَهْرانِ باطِنانِ، فَقُلتُ: يا جِبْرِيلُ، ما هذِه الأنْهارُ؟ قالَ: أمَّا النَّهْرانِ الباطِنانِ فَنَهْرانِ في الجَنَّةِ، وأَمَّا الظّاهِرانِ: فالنِّيلُ والْفُراتُ)، وفي غير الصحيح عن مقاتل: "الباطنان" هما: السلسبيل والكوثر. والله أعلم.
وفي رواية في الصحيح: (النِّيلُ والفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا)، وهذا يدل على أن أصل هذين النهرين العظيمين كانا في السماء ولا يزالا، ونزل منهما هذا الجزء الذي يجري في الأرض إلى الآن؛ ولذا نرجو الله -عز وجل- أن لا يضمحل هذان النهران أبدًا؛ لبركة مصدرهما، ويبقى الجزء الأكبر منهما في السماء.
وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود قال: "لَمّا أُسْرِيَ برَسولِ اللهِ -صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ-، اُنْتُهي به إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، وهي في السَّماءِ السّادِسَةِ، إلَيْها يَنْتَهِي ما يُعْرَجُ به مِنَ الأرْضِ فيُقْبَضُ مِنْها، وإلَيْها يَنْتَهِي ما يُهْبَطُ به مِن فَوْقِها فيُقْبَضُ مِنْها، قالَ: (إِذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى)، قالَ: فَراشٌ مِن ذَهَبٍ، قالَ: فَأُعْطِيَ رَسولُ اللهِ -صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- ثَلاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وأُعْطِيَ خَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغُفِرَ لِمَن لَمْ يُشْرِكْ باللَّهِ مِن أُمَّتِهِ شيئًا، المُقْحِماتُ".
وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- في قصة المعراج، قال: (ثُمَّ عُرِجَ بنا إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فقِيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ-، قيلَ: وقدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قدْ بُعِثَ إلَيْهِ، فَفُتِحَ لنا فإذا أنا بإبْراهِيمَ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وإذا هو يَدْخُلُهُ كُلَّ يَومٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بي إلى السِّدْرَةِ المُنْتَهَى، وإذا ورَقُها كَآذانِ الفِيَلَةِ، وإذا ثَمَرُها كالْقِلالِ (وفي رواية: "كقِلالِ هَجَر"، وهي: الجَرَّة العظيمة) قالَ: فَلَمَّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللهِ ما غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْعَتَها (أي: يصفها) مِن حُسْنِها)، وفي رواية: (وغَشِيَهَا ألْوَانٌ لا أدْرِي ما هي) (أي: من الجمال العجيب والألوان العجيبة).
وذكر النووي -رحمه الله- الجمع بين ما ورد في حديث أنس من أن سدرة المنتهى في السماء السابعة، وفي حديث ابن مسعود أنها في السماء السادسة؛ بأن أصلها في السماء السادسة، ومعظمها في السابعة، فقد علم أنها في نهاية مِن العِظَم، والله أعلى وأعلم.
ومِن الآيات التي أراها الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم- أنه رأى الجنة ودخلها، ففي حديث أنس في صحيح مسلم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنابِذُ اللُّؤْلُؤِ وإذَا تُرَابُهَا المِسْكُ)، وسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- صريف الأقلام التي تكتب بها المقادير اليومية، كما في حديث ابن عباس وأبي حَبَّة الأنصاري عند مسلم: كان يقولان: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ثُمَّ عَرَجَ بي حتّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أسْمَعُ فيه صَرِيفَ الأقْلامِ).
قال النووي -رحمه الله-: "معنى "ظهرتُ" علوت، و"المستوى" قال الخطابي: المراد به المصعد. وقيل: المكان المستوي. و"صريف الأقلام" تصويتها حال الكتابة. قال الخطابي: هو صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية الله -تعالى- ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله -تعالى- من ذلك أن يُكتب ويرفع لما أراده من أمره وتدبيره.
قال القاضي: في هذا حجة لمذهب أهل السنة في الإيمان بصحة كتابة الوحي والمقادير في كُتْب الله -تعالى- من اللوح المحفوظ وما شاء بالأقلام التي هو -تعالى- يعلم كيفيتها على ما جاءت به الآيات من كتاب الله -تعالى- والأحاديث الصحيحة، وأن ما جاء من ذلك على ظاهره، لكن كيفية ذلك وصورته وجنسه مما لا يعلمه إلا الله -تعالى-، أو مَن أطلعه على شيء مِن ذلك من ملائكته ورسله، ولا يتأوُّل هذا ويحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان؛ إذ جاءت به الشريعة المطهرة، ودلائل العقول لا تحيله، والله -تعالى- يفعل ما يشاء ويحكم ويريد؛ حكمةً من الله -تعالى- وإظهارًا لما يشاء مِن غيبه لمَن يشاء مِن ملائكته وسائر خلقه؛ وإلا فهو الغني عن الكتب والاستذكار سبحانه وتعالى.
قال القاضي -رحمه الله-: وفيه علو منزلة نبيبنا -صلى الله عليه وسلم-، وارتفاعه فوق منازل سائر الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، وبلوغه حيث بلغ من ملكوت السماوات دليل على علو درجته وإبانة فضله" (شرح النووي على مسلم).
ومن الآيات التي أراها اللهُ نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم-: أنه رأى البيت المعمور ومن حوله سبعون ألفًا مِن الملائكة يطوفون حوله كل يوم لا يعودون إلى يوم القيامة، بل يأتي غيرهم كما سبق ذكر ذلك من الأحاديث الصحيحة.
ومن ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى مالكًا -خازن النار- وسلَّم عليه، رواه مسلم من رواية ابن عباس -رضي الله عنهما-.
ورأى أرواح الأنبياء مصورةً في صورة أجسادهم، إلا عيسى ابن مريم -صلى الله عليه وسلم- فإنه رآه بروحه وجسده في السماء الثانية، فرأى في السماء الأولى آدم -عليه السلام-، ورأى في الثانية عيسى ويحيى -ابني الخالة-، ورأى في السماء الثالثة يوسف -عليه السلام-، ورأى إدريس في السماء الرابعة، ورأى هارون في السماء الخامسة، ورأى موسى في السماء السادسة، وفي رواية: في السابعة، ورأى إبراهيم في السماء السابعة، وفي رواية: في السادسة، والله أعلى وأعلم، ولا مانع من أن ينتقل الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- بين هذه السماوات.
ورأى النبي -صلى الله عليه وسلم- صورة الدجال، وكُشف له عنها، وليس معنى ذلك أن الدجال في السماء؛ بل هو في الأرض كما دل عليه حديث تميم الداري في إحدى جزر البحار الشرقية.
كل هذا رأه النبي -صلى الله عليه وسلم- دون أن يطلب؛ فعلمنا بذلك فضله -صلى الله عليه وسلم-، وأنه أفضل من جميع الخلق، وعلمنا معنى قول إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّما كُنتُ خليلًا مِن وراءَ وراءَ) (رواه مسلم)، فخلة النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم خلة من جميع الأخلاء، ومنزلته فوق جميع الخلق -صلى الله عليه وسلم-.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #53  
قديم اليوم, 04:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,072
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (53) قصة إحياء الطيور الأربعة (15)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -عز وجل-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ‌أَرِنِي ‌كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:260).
الفائدة الحادية عشرة: ما رآه إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- من الآية العظيمة:
قد جَعَلَ اللهُ لنا في آياته المشهودة التي أرشدتنا إليها آياتُه المقروءة ما هو مثله لمَن تدبر في خَلْق الإنسان، وفي إحياء الأرض بعد موتها، قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ? فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون:12-14).
وقال الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ . ذَ?لِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ) (الحج:5-7).
وفي علم الأجنة الحديث ومتابعة مراحل السقط، بل تصوير حركة الحيوانات المنوية والبويضة ونموها، وكيف تحيط الحيوانات المنوية بالبويضة؛ حتى إذا أدخل واحدٌ مِن هذه العشرات من الملايين من الحيوانات المنوية -التي هي جزء من مئات الملايين في الدفقة الواحدة من الرَّجل- رأسَه في جدار البويضة؛ توقفت كل الحيوانات الأخرى، ثم تدخل المادة الوراثية -الموجودة في نواة الحيوان المنوي- داخل البويضة، وينحل جدار نواة البويضة، وتصطف كل الكروموزومات من الحيوان المنوي ومن البويضة كلٌ أمام نظيره؛ ثلاثة وعشرون زوجًا نصفها من الرجل، ونصفها من المرأة، تحمل كل الصفات الوراثية على أشرطتها من خلال مئات الآلاف من الجينات المرصودة وغير المرصودة.
ثم يتكوَّن غشاء للنواة الجديدة في البويضة الملقحة، ثم تهاجر البويضة الملحقة إلى تجويف الرحم، ثم تُزرع في جداره الخلفي الأعلى، وتبدأ في امتصاص المواد الغذائية والأكسجين من دم الأم الموجود في جدار الرحم؛ لتبدأ مرحلة العلقة، كما تمص العلقة (الدودة) الدم من جلد المحجوم ومَن تلتصق بجلده، ثم تتكاثر الخلايا وتهاجر من أماكنها؛ لتصطف في ثلاث طبقات خارجية وداخلية ومتوسطة.
وتبدأ مرحلة المضغة تمامًا مثل قطعة اللحم الممضوغة، ثم تهاجر كل مجموعة من الخلايا إلى موضع العضو الذي سيتكوَّن منها بقدرة الله، إلى أن يتم خلق الخلايا العظمية، ثم بعدها الخلايا اللحمية، ثم يُشكل الإنسانُ من بداية الأسبوع السابع؛ أي: عند اثنتين وأربعين ليليةً -كما في الحديث الذي رواه مسلم عن حذيفة بن أُسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم- إلى تمام ست وخمسين يومًا من تاريخ التلقيح؛ فتتكوَّن كل أجهزة الجسم من الطبقات الثلاثة التي خُلِقت في مرحلة المضغة.
فيتكوَّن الجهاز العصبي والجلد والجهاز الدوري -بما فيه من القلب والشرايين- والرئتان والجهاز التنفسي كله، والكليتان والجهاز البولي، والجهاز التناسلي، والجهاز الهضمي، والهيكل العظمي، واليدان، والرجلان، والرأس وما حواه؛ من العينين والأذنين، والفم والأنف، واللسان والشفتين بطريقة عجيبة بديعة! واللهِ إنها لأعجبُ من هجرة أجزاء الطيور الأربعة -التي رآها إبراهيم- إلى رؤوسها وأجزائها الأخرى، حتى عادت كما كانت! فتبارك الله أحسن الخالقين.
وأما حياة النبات: فتبدأ من جنين البذرة؛ فإذا سُقيت البذرةُ وامتص جنينُها العناصرَ الغذائية -الموجودة حوله داخل البذرة نفسها- بدأ في تصنيع الجذر والساق الذي يتجه كلٌّ منهما بوجهته المعروفة؛ هذا إلى باطن الأرض، والساق إلى فوق، ثم يشق الأرض.
وعندها يبدأ تكوُّن الأوراق التي تمتص الأكسجين وثاني أكسيد الكربون والطاقة الشمسية، ويتحول كل ذلك -بقدرة الله من خلال مادة الكلورفيل- إلى عناصر غذائية مع الماء، والعناصر الأرضية التي امتصها الجذر من باطن الأرض، وهذه كلها لا تدرك ولا تعقل، وليس لها عقلٌ، ولكن آثار قدرة الله -سبحانه وتعالى-.
وتمتد الخلايا وتتكاثر وتنمو وتهاجر إلى أجزائها المرتقبة من مزيد الجذور، والساق المرتفعة والأغصان والأوراق، ثم الثمار بعد الأزهار، ثم في نهاية الأمر كما قال -سبحانه وتعالى- تراه مصفرًا ثم يكون حطامًا، قال -سبحانه وتعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَذِكْرَى? لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (الزمر:21)، وقال -عز وجل-: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ . أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ . نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ . عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ . وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى? فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ . أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ . أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ . لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ . إِنَّا لَمُغْرَمُونَ . بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) (ق:58-67).
الفائدة الثانية عشرة:
ختْمُ هذه الآية الكريمة بقوله -عز وجل-: (وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) دليلٌ على أن ابتداء الخلق وإعادته، وإحياء الموتى من مقتضى عزته وحكمته -سبحانه وتعالى-؛ فهو عز وجل العزيز الغالب الذي لا يُمانَع، الذي قهر الخلق جميعًا بقدرته، (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) (الأنعام:18)، وهو سبحانه وتعالى غالبٌ على أمره؛ إذا أراد شيئًا قال له كن فكان.
وهو -عز وجل- الحكيم الذي أحكم خَلْق الأشياء وأتقن صنع كل شيء، وهو -سبحانه- الذي أحكم ما شاء مِن خلقه؛ ليريَ عبادَه قدرتَه، ثم هو الحكيم الذي له الحكمة التامة في خَلْق ما خَلَق، وفي شرع ما شرع.
ومَن تأمل الكون المشهود عَلِم الحكمة التامة، والعِلْم والعِزَّة، والقهر والغلبة، ظاهرةً باديةً في الموت والحياة، وفي دورة حياة الإنسان، وحياة النبات، وحياة الحيوان.
وكل ذلك -لمن تدبر- دالٌّ على كمال أسماء الله -سبحانه وتعالى- وصفاته.
ونسأل الله عز وجل أن يمنَّ علينا بشهود معاني أسمائه وصفاته في الكون، كما نتعلمها من كتاب الله سبحانه وتعالى.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #54  
قديم اليوم, 04:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 133,072
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (54) اصطفاءُ الله -عز وجل- لإبراهيم -عليه السلام- وذريته (1)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ‌آدَمَ ‌وَنُوحًا ‌وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران: 33-34).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ اخْتَارَ هَذِهِ الْبُيُوتَ عَلَى سَائِرِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَاصْطَفَى آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ خَلَقَهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَهْبَطَهُ مِنْهَا، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَاصْطَفَى نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَعَلَهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَمَّا عَبَدَ النَّاسُ الْأَوْثَانَ، وَأَشْرَكُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانَا، وَانْتَقَمَ لَهُ لَمَّا طَالَتْ مُدَّتُهُ بَيْنَ ظَهْرَاني قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجِهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا فِرَارًا، فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَأَغْرَقَهُمُ اللَّهُ عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ، وَاصْطَفَى آلَ إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْهُمْ: سَيِّدُ الْبَشَرِ وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم-، وَآلَ عِمْرَانَ، وَالْمُرَادُ بِعِمْرَانَ هَذَا: هُوَ وَالِدُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ أُمِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسار: هُوَ عِمْرَانُ بْنُ يَاشَمَ بْنِ أَمُونَ بْنِ مَيْشَا بْنِ حِزْقِيَا بْنِ أحريق بن يوثم بن عزاريا ابن أَمْصِيَا بْنِ يَاوشَ بْنِ أجريهو بْنِ يَازِمَ بْنِ يَهْفَاشَاطَ بْنِ إِنْشَا بْنِ أَبِيَّانَ بْنِ رُخَيْعَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ-، فَعِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ" (انتهى من تفسير ابن كثير).
وقال ابن جرير -رحمه الله-: "يعني بذلك جلّ ثناؤه: إن الله اجتبى آدمَ ونوحًا واختارهما لدينهما -أي: مِن أجل دينهما-، وآل إبراهيم وآل عمران لدينهم الذي كانوا عليه؛ لأنهم كانوا أهل الإسلام، فأخبرَ اللهُ -عز وجل- أنه اختار دين مَنْ ذكرنا على سائر الأديان التي خالفته، وإنما عَنَى بـ"آل إبراهيم وآل عمران" المؤمنين" (تفسير الطبري).
وقد دللنا على أن "آل الرجل" أتباعه وقومه، ومَن هو على دينه، عن ابن عباس -رضي الله عنه- في قوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد، يقول الله -عز وجل-: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ‌وَهَذَا ‌النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) (آل عمران: 68)، وهم المؤمنون.
عن قتادة في قوله -تعالى-: "(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) رجلان نبيَّان اصطفاهما الله على العالمين" -(قلتُ: لعله قصد نوحًا وإبراهيم؛ لأن الله ذكرهما مُقدَّمين على العالمين في مواضع عِدَّة)-، وعن قتادة في الآية قال: ذكر الله أهلَ بيتين صالحين، ورجلين صالحين، ففضَّلهم على العالمين، فكان محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- من آل إبراهيم.
وعن الحسن في قوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ) إلى قوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، قال: فضلهم الله على العالمين بالنبوة، على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياءَ المصطفين لربهم، وقوله: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) قال ابن جرير: يعني بذلك: إن الله اصطفى آلَ إبراهيم وآل عمران ذريةً بعضها من بعض.
وإنما جعل "بعضهم من بعض" في الموالاة في الدين، والمؤازرة على الإسلام والحق، كما قال جل ثناؤه: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، وقال في موضع آخر: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) (التوبة: 67)، يعني: أن دينهم واحدٌ وطريقتهم واحدة، فكذلك قوله: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)، إنما معناه: ذرية دينُ بعضها دينُ بعض، وكلمتهم واحدةٌ، وملتهم واحدة في توحيد الله وطاعته.
وعن قتادة في قوله: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)، يقول: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له.
وقوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، يعني بذلك: والله ذُو سمع لقول امرأة عمران، وذو علم بما تُضمره في نفسها، إذ نذَرت له ما في بطنها مُحرَّرًا (انتهى من ابن جرير).
قال القرطبي -رحمه الله-: "قوله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ)، قال: التقدير: إن الله اصطفى دينهم وهو دين الإسلام، فحُذِف المضاف. وقال الزجاج: اختارهم للنبوة على عالمي زمانهم. (وَنُوحًا) قيل: إنه مشتق مِن ناح ينوح، وهو اسم أعجمي؛ إلا أنه انصرف؛ لأنه على ثلاثة أحرف (قلتُ: هذا هو الصحيح، وليس أنه مشتق من النوح؛ فلا دليل على ذلك).
قال: "وهو شيخ المرسلين، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم -عليه السلام- بتحريم البنات والأخوات، والعمات والخالات، وسائر القرابات، ومَن قال: إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وَهِم على ما يأتي بيانه في (الأعراف) إن شاء الله".
قوله -تعالى-: (وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) في البخاري عن ابن عباس قال: آل إبراهيم وآل عمران: المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد، يقول الله -تعالى-: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:68).
وقيل: آل إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وإن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- من آل إبراهيم. وقيل: آل إبراهيم نفسه، وكذا آل عمران، ومنه قوله -تعالى-: (وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ) (البقرة: 248)، وفي الحديث: "يا أبا مُوسى لقَدْ أُوتِيتَ مِزْمارًا مِن مَزامِيرِ آلِ داوُدَ" متفق عليه، وقيل: آل عمران آل إبراهيم، كما قال: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)، وقيل: المراد عيسى؛ لأن أمه ابنة عمران، وقيل: نفسه كما ذكرنا، وقال مقاتل: هو عمران أبو موسى وهارون، وهو عمران بن يصهر بن فاهاث بن لاوى بن يعقوب، وقال الكلبي: هو عمران أبو مريم، وهو مِن ولد سليمان -عليه السلام-.
وحكى السهيلي: عمران بن ماتان، وامرأته حنة، خص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء؛ لأن الأنبياء والرسل بقضهم وقضيضهم من نسلهم، ولم ينصرف عمران؛ لأن في آخره ألفًا ونونًا زائدتين، ومعنى قوله: (عَلَى الْعَالَمِينَ) أي: على عالمي زمانهم في قول أهل التفسير، وقال الترمذي الحكيم: على جميع الخلق كلهم، وقيل: (عَلَى الْعَالَمِينَ): على جميع الخلق كلهم إلى يوم الصور؛ وذلك لأن هؤلاء رسل وأنبياء فهم صفوة الخلق، فأما محمد -صلى الله عليه وسلم- فقد جازت مرتبته الاصطفاء؛ لأنه حبيب ورحمة، قال الله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، فالرسل خُلِقوا للرحمة، ومحمد -صلى الله عليه وسلم- خُلق بنفسه رحمة؛ فلذلك صار أمانًا للخلق لما بعثه الله أمن الخلق العذاب إلى نفخة الصور، وسائر الأنبياء لم يَحِلُّوا هذا المحل؛ ولذلك قال -عليه الصلاة والسلام-: "يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا رحمةٌ مُهداةٌ" (رواه الدارمي، وصححه الألباني)، يخبر أنه بنفسه رحمة من الله للخلق، وقوله: "مهداة" أي: هدية من الله للخلق.
ويقال: اختار آدم بخمسة أشياء: أولها: أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته. والثاني: أنه علَّمه الأسماء كلها. والثالث: أمر الملائكة بأن يسجدوا له. والرابع: أسكنه الجنة، والخامس جعله أبا البشر.
واختار نوحًا بخمسة أشياء: أولها: أنه جعله أبا البشر؛ لأن الناس كلهم غرقوا وصار ذريته هم الباقين، والثاني: أنه أطال عمره. ويُقَال: طوبى لمَن طال عمره وحسن عمله. والثالث أنه استجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين. والرابع: أنه حمله على السفينة. والخامس: أنه كان أول مَن نسخ الشرائع، وكان قبل ذلك لم يحرِّم تزويج الخالات والعمات.
واختار إبراهيم بخمسة أشياء: أولها: أنه جعله أبا الأنبياء؛ لأنه رُوي أنه خرج من صُلبه ألف نبي من زمانه إلى زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-. والثاني: أنه اتخذه خليلًا. والثالث: أنه أنجاه من النار. والرابع: أنه جعله إمامًا للناس. والخامس: أنه ابتلاه بالكلمات فوفَّقه حتى أتمهن. (قلتُ: أما أنه خرج من صلبه ألف نبي؛ فهذا لا دليل عليه).
ثم قال: وآل عمران، فإن كان عمران أبا موسى وهارون فإنما اختارهما على العالمين؛ حيث بَعَثَ على قومه المنَّ والسلوى، وذلك لم يكن لأحدٍ مِن الأنبياء في العالم، وإن كان أبا مريم فإنه اصطفى له مريم بولادة عيسى بغير أب ولم يكن ذلك لأحدٍ في العالم، والله أعلم.
وقوله: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ): معنى بعضها مِن بعض، يعني في التناصر في الدين، كما قال: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) يعني في الضلالة، قاله الحسن وقتادة. وقيل: في الاجتباء والاصطفاء والنبوة. وقيل: المراد به التناسل، وهذا أضعفها" (انتهى).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 8 ( الأعضاء 0 والزوار 8)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

 

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 103.35 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 100.04 كيلو بايت... تم توفير 3.30 كيلو بايت...بمعدل (3.19%)]