وقفات مع سورة الكهف - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         الحجُّ أعظم اجتماع على كلمة التوحيد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          أسباب هلاك الأمم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          لو صفت الدنيا من الأكدار لما تعلقت القلوب بالجنة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          التغريب يغرق شرقاً! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          نظرات فى كتاب فريضة الحج وجواز النيابة فيها (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3757 - عددالزوار : 608446 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3235 - عددالزوار : 273235 )           »          كيف علم المسلمون العالم تكريم الأدباء؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 12 )           »          النعامة والغزال ديير (قصة للأطفال) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          علامات الفعل في اللغة العربية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 29-05-2022, 11:29 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,517
الدولة : Egypt
افتراضي وقفات مع سورة الكهف



وقفات مع سورة الكهف (1)









كتبه/ خالد آل رحيم


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فسورة الكهف مِن السور العظيمة في كتاب الله، ولها فضائل كثيرة؛ لذلك سيكون لنا معها وقفات للحديث عنها، وبيان عظمتها ومكانتها، والغوص في أعماق معانيها، واستخراج دُررها.

سورة الكهف مكية، وسُميت بسورة الكهف؛ لأنها ذَكَرَتْ قصة أصحاب الكهف في ثناياها، قال أبو عمرو الداني: وسورة الكهف مكية، وكلمها: 1577 كلمة، وحروفها: 6360 حرفًا، وآياتها: 110 آية كما عند الكوفيين، وترتيبها في النزول 69، وفي المصحف 18، ونزلت بعد الغاشية وقبل الشورى.

وقد ذكر الألوسي رحمه الله تعالى: أنها نزلت جملة، ونزل معها سبعون ألفًا من الملائكة (روح المعاني).

وجاء ترتيبها في المصحف بعد سورة الإسراء؛ وذلك لأمورٍ، منها:

1- أن سورة الإسراء خُتمت بالحمد: "وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرًا"، وبدأت به سورة الكهف: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا".

ومنها: أن سورة الإسراء حوت الجواب عن الروح، والذي لم يرد في الكهف بقوله تعالى: "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا"، وجاء الجواب عن الرجل الطَّوَّاف، والفتية في سورة الكهف.

ومنها: أن آخر آية في الإسراء أنكرت على مَن يدعي لله الولد، وكذلك بداية سورة الكهف.

فضلها:

جاء عند الإمام مسلم في صحيحه عن النواس بن سمعان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أدركه الدجال؛ فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف"، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن حفظ عشر آيات من سورة الكهف عُصِم من الدجال"، وفي رواية: "من آخر الكهف"، وكذلك أنها مِن السور الخمس التي بدأت بحمد الله تعالى، وهي سور: (الفاتحة، والأنعام، وسبأ، وفاطر).

وسبب نزولها كما ذكر ابن كثير رحمه الله: "عن ابن عباس رضي لله عنه قال: بعثت قريش النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهما: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من عِلْم الأنبياء، فخرجا حتى آتيا المدينة فسألوا أحبار يهود عن النبي صلى الله عليه وسلم ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال: فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإلا فرجل متقول فرَوْا فيه رأيكم؛ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول وما كان من أمرهم فإنهم قد كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها وما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول؛ فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.

فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما على قريش فقالا: قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمورٍ، فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد، أخبرنا ... فسألوه عما أمروهم به.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبركم غدًا ولم يستثنِ، فانصرفوا عنه ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يُحدث الله له في ذلك وحيًا، ولا يأتيه جبريل عليه السلام حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وَعَدَنا محمدٌ غدًا، واليوم خمسة عشر قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه، فشق عليه ما يتكلَّم به أهل مكة، ثم جاء جبريل عليه السلام من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف (تفسير ابن كثير).


وإلى اللقاء في الحلقة القادمة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-06-2022, 11:27 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,517
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات مع سورة الكهف



وقفات مع سورة الكهف (2)









كتبه/ خالد آل رحيم


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنواصل في الحديث عن سورة الكهف، والتي تبدأ بقوله تعالى: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ"، وفي حمده نفسه عز وجل على إنزال القرآن على عبده محمدٍ صلى الله عليه وسلم توجيه لعباده الأخيار كي يحمدوه على هذه النعمة العظيمة.

وقد وَصَف المولى تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالعبودية في ثلاث حالات:

الأولى: حال إنزال القرآن عليه كما في هذه الآية، وكذلك آية سورة الفرقان: "‌تَبَارَكَ ‌الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا".

والثانية: حال الدفاع عنه، كما في آية سورة البقرة: "وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ".

والثالثة: حال الإسراء به، كما في قوله تعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا".

وفي هذه الآية يتحدَّث المولى تعالى عن إنزال القرآن عليه بقوله: "الْكِتَابَ"، وقد حدثنا المولى تعالى عن هذا الكتاب ببيان صفته، والغاية من إنزاله؛ فصفته: أنه كتاب حق كله؛ ليس فيه خلل في أخباره، ولا أحكامه، والغاية منه: أنه يبشِّر المؤمنين بالأجر العظيم، وينذر مَن لم يؤمن به بالعقاب الأليم.

قال البقاعي رحمه الله: "وقدَّم المولى تعالى ذكرَ النبي صلى الله عليه وسلم على المنزَّل (القرآن)؛ لأن المراد الدلالة على صحة رسالته بما لا تحتاج قريش إلى سؤال اليهود ولا غيرهم، بما لا يقدر عليه غيره" (انتهى)؛ ولذلك وَصَف المولى تعالى الكتاب بوصفين مشتملين على أنه الكامل من جميع الوجوه، وهما: نفي العوج عنه، وإثبات أنه قَيِّم مستقيم، بقوله تعالى: "وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا".

ونفي العوج معناه: إثبات الاستقامة؛ فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة مجمع عليها، ومع ذلك مَن يدقق قد يجد أدنى عوج؛ فلما أثبت له الاستقامة أزال شبهة بقاء الأدنى (العوج)، و"عوجًا": نكرة في سياق النفي؛ فهي تعم جميع أنواع العوج.


ولذلك قال تعالى: "قَيِّمًا" أي: على سائر الكتب يصدِّقها. وقيل: أي ذا اعتدال؛ لا إفراط فيه ولا تفريط في كلِّ ما حواه، ودعا إليه من التوحيد والعبادة، والآداب، والشرائع والأحكام. وقيل كذلك: أنه بمعنى قَيِّم بمصالح الخَلْق الدينية والدنيوية.

وللحديث بقية إن شاء الله.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26-06-2022, 12:06 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,517
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات مع سورة الكهف

وقفات مع سورة الكهف (3)









كتبه/ خالد آل رحيم



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

نواصل في الحديث عن وقفاتنا مع سورة الكهف حيث إن هذا الكتاب القَيِّم المنفي عنه كل عوج، إنما جاء بنذارة وبشارة؛ أما النذارة فجاءت أولاً: بإنذار الله عز وجل للناس من بأسه الشديد بقوله تعالى: "لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ"، والإنذار هو: الإعلام من الله تعالى مع الوعيد. وقيل البأس: هو العذاب كما قال: "فجاءها بأسنا" أي: عذابنا، وهنا يُراد به البأس في الآخرة، وبأس عذاب الدنيا، أما عذاب الآخرة فظاهر، وعذاب الدنيا بعضه بالقتل، وبعضه بالأسر، وهي من أفعال الناس، ولكن الله أمر بها؛ فهما مِن لدنه: أي مِن قِبَلِه.

وأما البشارة: فجاءت للمؤمنين بقوله تعالى: "وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا"، والتبشير هو: الإخبار بما يسر؛ فهو يبشِّر المؤمنين بما يسرهم بشرط عمل الصالحات، وهذا يدل على أنه لا بد مع الإيمان عمل الصالح، وبذلك ينالون الأجر الحسن؛ ليس هذا فحسب، بل يمكثون فيه أبدًا.

والمكث: الاستقرار في المكان، والمعني: أي: باقين فيه أبدًا إلى ما لا نهاية، فلا مرض ولا موت، ولا جوع ولا عطش، ولا حر ولا برد؛ كل شيء كامل من جميع الوجوه.

ثم تأتي النذارة الثانية: "وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا"، وهي لمَن ادعى لله الولد، وهم: المشركون، واليهود والنصارى؛ فالمشركون قالوا: "أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا"، واليهود: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ"، والنصارى: "وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ"؛ ولذلك نَفَى عنهم تعالى العِلْم بقولهم هذا، بل ونفى عنهم حجتهم باتباع الآباء؛ حتى لا يحتجون بذلك في قوله: "مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ"، فإذا لم يكن لآبائهم حجة على ما يقولون؛ فليسوا جديرين بأن يقلدوهم بهذه الكلمات الشنيعة، والتي وصفها المولى تعالى: "كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا" أي: عظمت في الشناعة والقبح.

وكيف لأفواههم أن تقول هذه الكلمة، وهم يعلمون أنهم يكذبون؟!

ولهذا جاء الأمر من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم أن لا يحزن عليهم، ولا يتأسف بقوله تعالى: "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا"، أي: مهلك نفسك على أثر توليهم وإعراضهم.

وقوله: "عَلَى آثَارِهِمْ"، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتتبعهم بآثارهم أملًا أن يؤمنوا به؛ ولذلك قال تعالى: "بِهَذَا الْحَدِيثِ".

قال البقاعي رحمه الله: "لما صَوَّر بُعدهم، صوَّر ما دعاهم إليه، ويسر تناوله بقوله تعالى: "بهذا الحديث" أي: القَيِّم المتجدد تنزيله على حسب التدريج".

ونهاه تعالى عن الأسف الذي هو الحزن والغضب معًا. وقيل: الجزع. وقيل: الندم والتلهف والأسى.

والحزن هنا نوعان: نوع يحزن؛ لأنه لم يقبل، ونوع يحزن؛ لأن الحق لم يقبل، والثاني ممدوح؛ لأن الأول دعا لنفسه، والثاني دعا لله، وحُزن النبي صلى الله عليه وسلم كان من النوع الثاني، وقد نهى المولى تعالى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحزن في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات"، وقوله تعالى: "وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ"، وقوله تعالى: "فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ".


والفائدة من هذه الآيات كما قال السعدي رحمه الله: "إن المأمور به هو التبليغ، والسعي بكل سبب يوصل للهداية، وسد طريق الضلال والغواية، مع التوكل على الله في ذلك؛ فإن اهتدوا فبها ونعمت، وإلا فلا يحزن ولا يأسف".

وللحديث بقية إن شاء الله.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 09-08-2022, 04:07 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,517
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات مع سورة الكهف



وقفات مع سورة الكهف (4)









كتبه/ خالد آل رحيم


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنواصل الحديث عن سورة الكهف بقوله تعالى: "إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا"، فبعد أن أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لا ينبغي أن يحزن عليهم؛ لأن ما يفعلونه في هذه الدنيا ما هو إلا متاع زائل، بل الدنيا ذاتها زائلة، بل وكل ما عليها من زينة فهو زائل، وما جعلنا ذلك إلا ابتلاء لهم: "لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا" أي: أيهم أصلح عملًا. وقيل: أيهم أترك للدنيا، وبعد كل ذلك سيذهب هذا المتاع وهذه الزينة.

وقوله تعالى: "وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا" أي: الزينة التي كانت عليها من الحيوانات والجمادات والنباتات والمباني، وغيرها، وستصير "صَعِيدًا جُرُزًا"، وهو التراب المستوي من الأرض. وقال الزجاج: هو الطريق الذي لا نبات فيه.

قال السعدي رحمه الله: "لقد اغتر بزخرف الحياة الدنيا وزينتها الذين نظروا إلى ظاهرها دون باطنها، فصحبوا الدنيا صحبة البهائم، وتمتعوا بها تمتع السوائم، همهم تناول الشهوات من أي جهة حصلت؛ فهؤلاء إذا حضر أحدهم الموت قلق لخراب ذاته، وفوات لذاته؛ لما قدَّمت يداه من التفريط والسيئات" (انتهى).

ثم انتقل الحديث عن الفتية فقال تعالى: "أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا"، وأصحاب الكهف: الفتية، والكهف: الغار الواسع في الجبل. والرقيم: نوع من الحجارة، أو غيرها كُتِبت فيه قصتهم. وقيل: أسماؤهم.

وقوله تعالى: "إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ" أي: اتخذوا الكهف منزلًا، وذكر ابن كثير رحمه الله عن كثيرٍ مِن المفسرين: أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وكان الناس يجتمعون في يوم عيدٍ لهم يعبدون الأصنام ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار يُدْعَى (دقيانوس)، وكان يأمر الناس بذلك، فلما خرج الناس وخرج معهم الفتية ونظروا إلى صنيعهم علموا أن هذا لا ينبغي إلا لوجه الله، فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه حتى جلسوا إلى شجرة، وكان لا يعرف كلُّ واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم الإيمان.

فلما اجتمعوا قالوا: "رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً" أي: هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها، وتسترنا عن قومنا. وقيل: المقصود الهداية في الدين. "وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا" أي: الخير وإصابة الحق والنفع والصلاح، فكانت الإجابة من الله تعالى: "فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ"، قال الشنقيطي: "وعَبَّر بالضرب؛ ليدل على قوة المباشرة واللصوق واللزوم". والمراد: قوينا قلوبهم بالصبر على هجر الأوطان، والفرار بالدِّين إلى الكهف والغبران، وافتراش صعيدها، وجسرناهم على قول الحق والجهر به أمام الملك الجبار (دقيانوس).

وخص تعالى الآذن؛ لأنها الجارحة التي منها عظم فساد النوم، وقلما ينقطع نوم نائم إلا من جهة آذنه، ولا يستحكم النوم إلا مع تعطل السمع؛ ولهذا كان النوم كما ذكر تعالى: "سِنِينَ عَدَدًا"، قال البغوي رحمه الله: "وذكر العدد على سبيل التأكيد، وذلك يدل على الكثرة؛ فإن القليل لا يُعد في العادة".

ثم كان البعث والذي فيه المعجزة: "ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ"، وسَمَّى الله تعالى الاستيقاظ من النوم بعثًا؛ لأن النوم وفاة؛ قال الله تعالى: "وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى"، وكان هذا اختبارًا لقومهم.

وقوله تعالى: "لِنَعْلَمَ" أي: لنعلم ذلك موجودًا واقعًا؛ وإلا فإن الله تعالى يعلم كل شيء قبل وجوده، ولا يخفي عليه منه شيء، قال العثيمين رحمه الله: "(لِنَعْلَمَ): الأول: أي: علم رؤية وظهور ومشاهدة، أي: لنرى؛ لأن عِلْمَ الله بالشيء قبل وقوعه علم بأنه سيقع، ولكن بعد وقوعه علم أنه وقع. والثاني: أنه العلم بالذي يترتب عليه الجزاء أي: لنعلم علمًا يترتب عليه الجزاء".


وقوله تعالى: "أَيُّ الْحِزْبَيْنِ" قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الملوك الذين تداولوا المدينة مُلكًا بعد مُلك". وقوله: "أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا" أي: أضبط، والأمد: هو الغاية، وهي نهاية المدة التي لبثوها في الكهف.

والى اللقاء في الحلقة القادمة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 11-08-2022, 02:32 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,517
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات مع سورة الكهف

وقفات مع سورة الكهف (5)






كتبه/ خالد آل رحيم


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنواصل وقفاتنا مع سورة الكهف، ووقفتنا اليوم مع قوله تعالى: "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ" أي: بالصدق، والباء للملاصقة، أي: القصص المصاحب للصدق لا التخرصات.

- "إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ" أي: شباب، وهم أقبل للحق وأهدي للسبيل من الشيوخ الذين عتوا وانغمسوا في دين الباطل؛ ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم شبابًا، وأما المشايخ من قريش؛ فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل.

وكأنها رسالة للنبي صلى الله عليه وسلم، ودعوة للاهتمام بالشباب؛ لأنهم عَصَب الأمة وعمادها، وبهم وعلى أكتافهم تقوم الدول والمجتمعات؛ ولأنهم أقبل للحق.

- قال تعالى: "وَزِدْنَاهُمْ هُدًى" أي: زدناهم إيمانًا إلى إيمانهم، وبصيرة بدينهم حتى صبروا على هجران دار قومهم، والهرب من بين أظهرهم بدينهم إلى الله، وفراق ما كانوا فيه من خفض العيش ولينه إلى خشونة المكث في كهف جبل.

وفوق ذلك أعطاهم المولى تعالى مزية أخرى بقوله: "وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ" أي: ثبتنا قلوبهم وقويناها على الصبر؛ حتى لا يجزعوا ولا يخافوا أن يصدعوا بالحق، ويصبروا على فراق الأهل والنعيم، والفرار بالدين في غار بجبل لا أنيس به، ولا ماء ولا طعام.

قال ابن القيم رحمه الله: "والربط على القلب عكس الخذلان، فالخذلان حله من رباط التوفيق فيغفل عن ذكر ربه ويتبع هواه، ويصير أمره فرطًا، والربط على القلب: شده برباط التوفيق، فيتصل بذكر ربه، ويتبع مرضاته، ويجتمع عليه شمله".

قال الشنقيطي رحمه لله: "وفي الآية: أن مَن كان في طاعة الله يقوي قلبه، ويثبت على تحمُّل الشدائد والصبر الجميل"، ولأنهم فتية آتاهم الله هدى وربط على قلوبهم صدعوا بالحق.

- "إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا" أي: بين يدي الملك الذي كان يدعو لعبادة الأوثان، وجمعوا بين الإقرار بتوحيد الربوبية وتوحيد الإلهية، والتزام ذلك، وبيان أنه الحق وما سواه باطل، وهذا دليل على كمال معرفتهم بربهم وزيادة الهدى من الله لهم، وإقرارهم كذلك بتوحيد الربوبية والإلهية ردًّا على الكفار الذين كانوا يؤمنون بالربوبية دون الإلهية.

وذكروا هنا "لَن نَّدْعُوَ" قال ابن عاشور رحمه الله: "وذكروا الدعاء دون العبادة؛ لأن الدعاء يشمل الأقوال كلها من إجراء وصف الألوهية على غير الله، ومن نداء غير الله عند السؤال".

وعلموا أن تلك الأقوال من الشطط، "لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا"؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: "جورًا"، وقال قتاده رحمه الله: "كذبًا"، وأصل الشطط: مجاوزة القدر والإفراط. وقيل: الإفراط في مخالفة الحق والصواب؛ ولذلك أكدوا كلامهم كما قال العثيمين رحمه الله: "والجملة هنا مؤكدة بثلاث مؤكدات وهي: (اللام - قد - القسم".

ثم أكمل المولى تعالى الحديث على ألسنتهم بقولهم: "هَؤُلاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ"، والسلطان هو: الحجة والبرهان، والبيِّن أي: الواضح.

وفي هذا تبكيت لهم؛ لأن الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال، وهو دليل على فساد التقليد، وأنه لا بد في الدِّين من الحجة حتى يصح ويثبت.

قال العثيمين رحمه الله: "والسلطان المطلوب أولًا: أن يثبِتوا أن هذه آلهة. والثاني: أن يثبتوا أن عبادتهم لها حق، وكلا الأمرين مستحيل".

ولهذا وصف المولى تعالى هذا الأمر بأنه افتراء عظيم، فقال تعالى: "فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا"، أي: لا أحد أظلم ممَّن افترى على الله الكذب بادِّعاء أن له شريكًا، وهو استفهام إنكاري، والمراد: أنه أظلم من غيره، وليس المساواة بينهما.


وإلى اللقاء في الحلقة القادمة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 26-08-2022, 12:25 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,517
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات مع سورة الكهف



وقفات مع سورة الكهف (6)









كتبه/ خالد آل رحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا زلنا مع سورة الكهف المباركة، ونبدأ وقفاتنا اليوم بقوله تعالى: "وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ"، أي: فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضًا بأبدانكم؛ ولأن العزلة لمَن خشي الفتنة في دينه خير من الخلطة؛ فإن الفتنة في الدين أشد مِن القتل، وذكر المولى تعالى هنا "إِلاَّ اللَّهَ"؛ لبيان أن الفتية تركوا عبادة آلهتهم وعبدوا الله وحده، واعتزلوا عبادة تلك الآلهة ولم يعتزلوا عبادة الله، وهذا دليل على وجوب البراءة من القوم الكافرين كما تكون البراءة من معبوداتهم.

ثم توافقوا بعد ذلك على الذهاب إلى الكهف وكأنهم كانوا يعرفونه مِن قَبْل أو أنهم أعدوا ذلك مسبقًا فقالوا لبعضهم البعض: "فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِه ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا"، أي: اختفوا فيه يبسط لكم من رحمته.

وتأمل قولهم في السابق: "رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا"؛ فالدعاء هنا كان قبل دخول الكهف، ومع ثقتهم بالله أنه سيفعل قالوا: "فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِه".

قال السعدي رحمه الله: "ولا جرم أن اللهَ نَشَر لهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقًا، فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم آياته على خلقه، ونشر لهم من الثناء الحسن، وحتى المحل الذي ناموا فيه كان في غاية ما يمكن من الصيانة" (انتهى).

وصار ذاك الكهف على ضيقه أفسح من قصور الأرض، وأرحب من بساتين الدنيا؛ وذلك حين انتشرت فيه رحمته تعالى، والعبرة بطاعة الله وتعلُّق القلب به لا بسعة المكان أو ضيقه.

وقولهم: "ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا" أي: ما تنتفعون به؛ ولذلك سَخَّر الله لهم كل ما يخدمهم ويحفظهم؛ ولأن مَن فَرَّ بدينه مِن الفتن سلَّمه الله منها، وسخَّر له الكون يخدمه على غير طبيعته؛ ولذلك قال تعالى: "وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ" أي: إذا طلعت تميل، وإذا غربت تتركهم وتعدل عنهم وتتجاوزهم، وانظر إلى لطف الله بهم فلا الشمس تؤذيهم، ولا ضيق المكان يزعجهم، وكان مرقدهم في فجوة منه، والفجوة الشيء الداخل في الكهف وليس بابه مباشرة؛ لأن ذلك أحفظ لهم. وقيل: الفجوة: أي متسع مِن الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها.

ولما كانت هذه معجزة عقَّب تعالى بقوله: "ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"، أي: لا سبيل إلى نيل الهداية إلا مِن الله، فهو الهدي المرشد لصالح الدارين، وأنه لا راد لأمر الله، فمن أعمى بصيرته وأضل عن الهدى قلبه لم يُفلح، ولو أعانه أهل الأرض جميعًا، ثم قال تعالى: "وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ".

قال ابن كثير رحمه الله: "ذكر أهل العلم أنهم لما ضُرب على آذانهم بالنوم لم تنطبق أعينهم؛ لئلا يسرع إليها البلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقي لها" (انتهى).

وهذه نعمة مِن النعم التي نشرها لهم المولى تعالى حيث حفظهم مِن أي أحدٍ يقترب منهم، أو يريد ملامستهم، وتأمل هذه النعمة العظيمة أن يلقي عليهم النوم في هذه المحنة العظيمة، فإذا كان النوم حال الأمن نعمة؛ فكيف به حال الشدة والاضطراب، فسبحان مَن له الدوام.

وقوله تعالى: "وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ"، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كانوا يُقلَّبون في السنة مرة من جنب إلى جنب؛ لئلا تأكل الأرض لحومهم"، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: "كان لهم في السنة تقلبان"، وقيل: كان تقلبهم يوم عاشوراء.

وتأمل لماذا الله تعالى يقلِّبهم؟!

أجاب على هذا السؤال الشيخ السعدي رحمه الله قائلًا: "الله تعالى قادر على حفظهم من الأرض من غير تقليب، ولكنه تعالى حكيم أراد أن تجري سننه في الكون ويربط الأسباب بمسبباتها" (انتهى).

وقوله: "وكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيد" أي: جلس على بطنه وقد مدَّ ذراعيه، وقد كان الكلب على مثل حالهم في النوم وهو في رأي العين منتبه، وقد كان كلب صيد لأحدهم، وهنا لفتة قرآنية فالكلب حين ينام يستلقي على جنبه، لكنه هنا باسط ذراعيه حتى إن مَن يراه يظنه منتبهًا وليس نائمًا، وهذا من لطف الله تعالى بالفتية وزيادة في الحفاظ عليهم. والوصيد: فناء الكهف كما قال: مجاهد والضحاك، وقال عطاء: عتبة الباب، وقال السدي: الباب

قال القرطبي رحمه الله رحمه الله: "إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله بذلك في كتابه، فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين للأولياء والصالحين" (انتهى).


وقوله: "لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبً" أي: يا محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: أيها الرائي لو رأيتهم لملأك الرعب من ذلك المشهد.

قال البغوي رحمه الله: "إن الله تعالى منعهم بالرعب؛ لئلا يراهم أحد" (انتهى).

وإلى اللقاء في المقال القادم.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 107.60 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 103.47 كيلو بايت... تم توفير 4.13 كيلو بايت...بمعدل (3.84%)]