الدعوة الإسلامية وأهميتها - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         نقد كتيب من آداب المروءة وخوارمها (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3407 - عددالزوار : 512662 )           »          تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 213 - عددالزوار : 9974 )           »          مقدمة لديوان " دمشق في عيون الأثري " (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 13 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2855 - عددالزوار : 231810 )           »          تعريف الشعر بين القدماء والمحدثين (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 11 )           »          قفزت دجاجتنا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 7 )           »          أبناء مترفيها (قصة) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          نموذج فلاور flower للكتابة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          رأي في كتاب: توضيح قطر الندى (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > الملتقى العلمي والثقافي

الملتقى العلمي والثقافي قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19-10-2021, 08:40 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,059
الدولة : Egypt
افتراضي الدعوة الإسلامية وأهميتها

الدعوة الإسلامية وأهميتها
هبة حلمي الجابري



لا بد أن نستشعر أهمية الدعوة في حياتنا وخصوصًا في هذه الأيام، فإن للدعوة إلى الله تعالى أهمية كبيرة؛ فهي حياة الأديان، وبها يُعرف الحق من الباطل، كما أنها وظيفة الأنبياء والمرسلين والمصلحين.

ولو نظرنا إلى الأديان والمذاهب، لوجدنا أنها قامت بالدعوة إليها من قِبَل أتْباع يدعون لها ويؤيدونها وينصرونها، فالعقول البشرية لا تستطيع وحدَها أن تُدرك مصالحها الحقيقية التي تكفل لها السعادة في الدنيا والآخرة، ولا تهتدي إلى تمييز الخير من الشرِّ، والمعروف والمنكر، وليس من طبيعتها الوقوف على حقائق الأمور مهما وصلت إلى الغاية القصوى من الإدراك، فمن الممكن أن تميل عن الحق إلى الباطل، وتنحرف عن الصلاح إلى الفساد، وقد يخفى عليها وجه المصلحة، وقد تظن الشرَّ خيرًا والخيرَ شرًّا؛ يقول تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 162]؛ ولذلك فقد أنزل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى الناس؛ حتى لا يكون لأحد من الناس حجة على الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 165]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 15].

وجاء مسك الختام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأُمَّة، وكشف الغُمَّة، ومَحَا الظُّلْمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى نزل عليه قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].

وجاء الصحابة رضي الله عنهم بعده، فحملوا الرسالة، وبلَّغوها إلى الإنسانية، فانتشر الإسلام، وأصبحت له القوة والعزة والمناعة.

وهكذا العلماء والدعاة في كل زمان ومكان تهتدي الأُمَّة بهم، وبهم يُحفظ الدين، وتُرفع راية السنة، وتُصان عزة الأمَّة وكرامتها، وعلى العكس من ذلك يوم تخلَّى المسلمون عن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألغوا عقولهم هانوا وحُرِموا الخير كله.

ومن هنا تأتي أهمية الدعوة في حياتنا، والسكوت عنها يؤدي إلى أن تأخذ المنكرات طريقها إلى النفوس، فتتمكَّن منها، وهذا يؤدي إلى الدمار، وقد حذَّرنا الله تعالى من ذلك فقال: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾ [الإسراء: 16]؛ ولهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بعده فقال: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الذاريات: 55]، وقال: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾ [الغاشية: 21]، ويقول تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110].

فما بالكم بزمن للأسف كثير من المسلمين فيه لا يعرفون شيئًا عن أساسيات دينهم، والمناهج الدراسية الدينية في المدارس لا تُقدِّم أي شيء، والبرامج التلفزيونية - لو تكلمت عن الدين - تتحدَّث عن قشور؛ بل أصبح بعضها موجهًا لبث الشك في نفوس المسلمين وزعزعة ثوابت الدين والطعن في أئمتهم.

وهناك من هو متعطش لتعلم أمور الدين، حتى وإن كان مظهرهم الخارجي لا يدل على ذلك، ففي نفوس كثير منهم خير يحتاج إلى من يبرزه، يريدون معرفة تعاليم دينهم؛ لكن لا يعرفون السبيل إلى ذلك، ليس هذا فقط؛ بل إن غير المسلمين بحاجة ماسَّة إلى الدعوة، يحتاجون إلى معرفة حقيقة الإسلام، وليس الإسلام المشوَّه الذي يصل إليهم عن طريق الإعلام أو بسبب سلوك بعض المسلمين البعيد تمامًا عن حقيقته.

إنها لنعمة كبيرة أن يكون لديك لغة أخرى بجانب اللغة العربية، تستطيع بها أن تدعو أصحاب الأمم الأخرى إلى الإسلام، وذلك من منطلق أن الدعوة الإسلامية دعوة عالمية جاءت للبشرية جمعاء، ولم تختصَّ ببيئة معينة كما كانت الدعوات السابقة لها، ولم تتحدد بزمان أو مكان معين؛ بل جاءت للناس كافة؛ ولهذا قال المولى عز وجل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [سبأ: 28]، الأبيض والأسود والأحمر والأصفر والعرب والعجم والإنس والجن.

قد يقول قائل: ليس عندي العلم الشرعي الكافي للدعوة، وللإجابة عليه نقرأ هذا الحديث النبوي الخطير، فلن يجعل لأي فرد حُجَّة في ترك الدعوة إلى الله؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري: ((بلِّغُوا عني ولو آيةً، وحدِّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرجَ، ومَنْ كذبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأْ مقعدَه من النارِ))، فبلِّغوا: فيها تكليف، وعنِّي: فيها تشريف، ولو آية: فيها تخفيف.

لو عَلِمْتُم آية واحدة فقط بلغوها، واجعلوا لكم دَورًا في رجوع الأمَّة للصراط المستقيم.
((بلِّغُوا عني ولو آية)): بلغوا الناس بما يقول، وبما يفعل، وبجميع سُنَّته عليه الصلاة والسلام، ((بلِّغوا عني ولو آية)) من كتاب الله، و((لو)) هنا للتقليل؛ فلا يقول الإنسان: أنا لا أبلغ إلا إذا كنت عالِمًا كبيرًا؛ إنما يبلغ الإنسان ولو آية بشرط أن يكون قد علمها، وتأكد أنها من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال في آخر الحديث: ((ومن كذب علي متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النار))؛ من كذب على الرسول متعمِّدًا، فيعلم أنه كاذب، فليتبوَّأ مقعده من النار، فهنا اللام للأمر؛ لكن المراد بالأمر هنا الخبر، يعني: فقد تبوَّأ مقعده من النار، والعياذ بالله؛ أي: فقد استحقَّ أن يكون من ساكني النار؛ لأن الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كالكذب على واحد من الناس، الكذب على الرسول كذب على الله عز وجل، ثم هو كذب على الشريعة؛ لأن ما يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من الوحي هو من شريعة الله.

كل من كان عنده معلومة ممكن أن يستفيد منها مسلم ولم يذكرها ولم يُعَلِّمها لغيره، ماذا سيقول لله عندما يقف بين يديه؟
ويقول صلى الله عليه وسلم: ((نضَّر اللهُ امْرَأً سمِع منَّا شيئًا، فبلَّغه كما سمِعَهُ، فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعَى لهُ من سامِعٍ))؛ صحيح الجامع، وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((رُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيهٍ، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفْقَهُ منه))؛ صحيح الترغيب، والحديثان يدلان على أهمية تبليغ الدين نزولًا عند قوله صلى الله عليه وسلم: ((بلِّغُوا عني ولو آية))، ولا يَصُدُّ المبلِّغ في تبليغه جهله بالمبلغ به.

قد تسمع حديثًا أو معلومةً لا تفهم معناها أو المغزى منها وتنقلها فتكون حبل نجاة لغيرك، وقد تنقل مقالة أو ردًّا على سؤال لا تلقي له بالًا يكون سببًا في تغيير حياة إنسان، وتجعله يفيق من غفلته، أو يُصوب فعلًا خاطئًا كان يعمله.

وهنا لا بد من وقفة لتسأل نفسك إذا كان المطلوب منك ولو آية ولو حديث، فماذا قدَّمت لدين الله؟ هل بذلت جهدًا في خدمة الدين ولو كان قليلًا؟ هل أهديت لقريب أو زميل شريطًا بعد أن سمِعته أو كتيبًا بعد أن قرأته؟ هل قرأت معلومة أعجبتك، فنشرتها على وسائل التواصل الاجتماعي؟
لم تنتشر المنكرات في مجتمعنا في يوم وليلة؛ ولكن انتشرت لأن واحدًا فعل، وآخر سكت، وهما شريكان في الإثم، ولا ينجو إلَّا من نهى عن المنكر، وأمر بالمعروف.

كلنا قرأنا قصة أصحاب السبت في سورة الأعراف: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ [الأعراف: 164]، يقولون لمن ينهى أصحاب السبت عما يفعلونه من منكر: لماذا تتعبون أنفسكم مع قوم لا أمل في هدايتهم؟! فيقولون: ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 164]، فماذا كانت النتيجة؟ لما نزل العذاب، ذكر الله كيف نجا من أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وذكر عذاب أصحاب السبت، أما من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد سكتوا، فسكت الله عنهم.

في مجالسنـا ومجتمعنا من يشوش على الناس مفاهيمهم ويُـلبِّس عليهم دينهم، وينتقص أهل الصلاح منهم! فهل دافعت عن دينك وعن أهل الصلاح بالتي هي أحسن؟
ويحضرني هنا قصَّتان الأولى: قصة تلك المرأة النصرانية التي حضرت أحد المؤتمرات التي أُقيمت للتعريف بالدين الإسلامي، وبعد سماعها لتعريف مختصر لخصائص هذا الدين ومميزاته، قالت: لئن كان ما ذكرتموه عن دينكم صحيحًا إنكم لظالمون! فقيل لها: ولماذا؟ قالت: لأنكم لم تعملوا على نشره بين الناس والدعوة إليه!

والثانية: ذكر أحد الدعاة أنه كان في بعض دول أفريقيا في رحلة شاقَّة إلى قرية من القرى، وكانت السيارة تسير وسط غابة كثيفة، والطريق وعرٌ وعورةً يستحيل معها أن تسرع السيارة أكثر من 20كم في الساعة، وقد بلغ منَّا الإرهاق مبلغه، وكأن البعض قد ضاق صدره من طول الرحلة، وبدأ يتأفَّف من شدة الحر وكثرة الذباب والغبار الذي ملأ جو السيارة، وفجأة يقول: شاهدنا على قارعة الطريق امرأة أوربية قد امتطت حمارًا وعلَّقت صليبًا كبيرًا على صدرها، وبيدها منظار، وعند سؤالها عن سبب وجودها في هذه الغابة تبيَّن أنها تدعو للصليب في كنيسة داخل القرية، ولها سنتان، قال صاحبي: فقلنا: "اللهم إنا نعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة" .

الهدهد يعمل للدعوة، فلا يستطيع أن يرى منكرًا ويسكت، لم يقل: إن هذا لا يعنيني! لم يقل: أَسْألُ الله لهم الهداية واكتفى بذلك! لم يتصرَّف بسلبية! بل تحرَّك وكان سببًا في هداية قوم سبأ جميعًا.

هذا الداعية الكويتي عبدالرحمن السميط يدعو إلى الله في أدغال أفريقيا فيُسلم على يديه ثلاثة ملايين شخص! وهذه امرأة تدعو بالمراسلة على شبكة الإنترنت ويُسلم على يديها الآلاف وهي امرأة مقعدة لا يتحرَّك منها إلا رأسها! وهذا شاب مصري يهتدي على يديه عبر الإنترنت ما يزيد على خمسمائة من النصارى!

قال صلى الله عليه وسلم: ((مَن دَعا إلى هُدى كان له من الأجرِ مِثلُ أجورِ مَن تَبِعَه، لا ينقص ذلك من أجورِهم شيئًا))؛ رواه مسلم.

كان أول من أسلم برسالة الإسلام خديجة بنت خويلد، وأبو بكر الصديق، وزيد بن حارثة، وعلي بن أبي طالب، وفي اليوم الثاني من أيام الدعوة بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الأوائل يتحركون لانتقاء عناصر جديدة. ولنا وقفة مهمة مع حركة الصديق رضي الله عنه، فقد كان الصديق إيجابيًّا بدرجة لا يمكن وصفها، أسلم على يديه: عثمان بن عفان (28) سنة، والزبير بن العوام (15) سنة، وسعد بن أبي وقاص (17) سنة، وطلحة بن عبيد الله (16) سنة، وعبدالرحمن بن عوف (30) سنة رضي الله عنهم جميعًا، وكل هؤلاء أخذوا قرار تغيير الدين والارتباط بالإسلام وتحمُّل المشاق الضخمة في هذه السن المبكرة، وهؤلاء الخمسة جميعهم من العشرة المبشرين بالجنة.

قد نتخيَّل أن الصديق بعد هذا المشوار الطويل الضخم الذي أسلم فيه على يديه خمسة من أعظم عظماء الإسلام قد أخذ قسطًا من الراحة، لا، بل إنه مباشرة أتى بمجموعة ثانية من العمالقة في الإسلام:
أول اسم: أبو عبيدة بن الجراح، أمين هذه الأُمَّة.

الاسم الثاني: عثمان بن مظعون رضي الله عنه من كبار الصحابة، ومن أوائل المهاجرين إلى الحبشة.

الاسم الثالث: الأرقم بن أبي الأرقم، وهذا الاسم يحمل معاني كثيرة.

الاسم الرابع: أبو سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنه، زوج أم سلمة، وكلاهما من أوائل من أسلم، وغيرهم كثير.

هذا النشاط يحتاج إلى وقفة وتحليل ودراسة، ما معنى أن تكون دعوة الصديق بهذه الروعة؟ لماذا استُجيب للصديق بهذه الصورة؟
لقد كان الصديق ليِّن الجانب، وببساطة ليس بالفظِّ ولا بالغليظ، وكان تاجرًا ذا خلق واستقامة، فقد كان صدوقًا، كريمًا رحيمًا، فيه رأفة وأدب وخُلُق حسن، كما كان الصديق عالِمًا بعلم زمانه، وهو علم الأنساب، والطبقة المثقفة في مكة كانت تحب أن تجلس معه، وتسمع منه الأنساب، وكان من أدبه رضي الله عنه أنه كان لا يطعن في أنساب أحد، مع علمه بكل نقيصة في كل نسب، فهذا من حسن خلقه رضي الله عنه وأرضاه؛ فكيف لا يستجيب الناس لدعوته وهو بهذه الصفات؟

وهنا نقف وقفة مع أنفسنا، ونسأل: أتى الصديق بهؤلاء ونحن بمن أتينا؟
هل أتينا إلى المسجد بمسلم لا يعرف طريق المساجد؟! هل دفعنا بمسلم إلى قراءة القرآن بعد أن هجره السنوات الطوال؟! هل شرحنا لمسلم حال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وقد نسيهم أو تناساهم؟! هل هذَّبنا من أخلاق أبنائنا وأصحابنا وشركائنا وزبائننا وجيراننا؟! هل وصلنا بالدعوة إلى كل من نعرف؟! هل؟! هل؟!

كان من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يترك صغيرًا ولا كبيرًا إلا ودعاه للإسلام، فدعا مجلسًا فيه ستة من الرجال، وبدأ يتكلم مع هؤلاء في منتهى الحماس، قال: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج، والخزرج قبيلة كبيرة مشهورة في يثرب، وهناك قبيلة أخرى مشهورة هي الأوس، فجلس معهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وقرأ عليهم القرآن، كأي قبيلة من القبائل، فآمن هؤلاء الستة من ساعتهم. ونعود ونقول: ليس المهم كم شخصًا آمنوا على يديك؛ ولكن المهم كم شخصًا أوصلت إليه رسالة الإسلام.

وعاد الستة إلى يثرب وبدؤوا يتكلمون عن الإسلام، وليس هكذا فقط؛ بل بدؤوا يتحدثون مع الأوس بهذا الشأن، وتناسوا يوم بعاث، وآمن بالفعل على أيديهم اثنان من الأوس: أبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة رضي الله عنهما.

نسوا حرب بعاث، ونسوا العداوة، فقد دخل نور الإيمان في قلوبهم، وأرادوا أن يصل هذا النور لجميع البشر - حتى لمن كانوا أعداءهم - ومرَّت سنة كاملة وهم يعملون في الدعوة في يثرب، ومع أن علمهم قليل، وسمعوا آيات قليلة من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لكنهم تحركوا بهذه الآيات ((بلِّغُوا عني ولو آية)).

اهتِداءُ شخص واحد بسَبَب دعوتك ونصيحتك خيرٌ لك من أنفَسِ الأموال؛ يقول عليه الصلاة والسلام: ((فوَالله، لأن يهدِيَ الله بكَ رَجلًا واحدًا خيرٌ لك مِن حُمُر النَّعَم))؛ متفق عليه؛ وحمر النعم: جمع حمراء؛ وهي الناقة الحمراء، وكانت أعجب المال إلى العرب في ذلك الزمان، وأحب المال إلى العرب في ذلك الزمن، فإذا هدى الله بك رجلًا واحدًا، كان ذلك خيرًا لك من حمر النعم، خيرًا لك من كنوز الدنيا كلها، تخيَّل كيف تأخذ مثل حسناته؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أوزارهم شَيْئًا))؛ رواه مسلم.

داعية مسلم شهير في مدينة (ميونخ) الألمانية، وعند مدخل المدينة توجد لوحة كبيرة مكتوب عليها أنت لا تعرف إطارات يوكوهاما، فنصب هذا الداعية لوحة كبيرة بجانب هذه اللوحة، وكتب عليها: أنت لا تعرف الإسلام، إن أردت معرفته اتصل بنا على هاتف كذا وكذا، وانهالت عليه اتصالات من الألمان من كل حدب وصوب حتى أسلم على يديه في سنة واحدة ألف ألماني ما بين رجل وامرأة، وأقام مسجدًا ومركزًا إسلاميًّا ودارًا للتعليم، فالبشرية حائرة وهي بحاجة ماسَّة إلى الإسلام.

هذا هو حال أصحاب الهمة، من جعلوا حياتهم كلها للدعوة، ما يشغل بالهم هو صلاح الناس وهدايتهم، لم يكتفوا بأن يكونوا صالحين؛ بل اختاروا أن يكونوا مصلحين.

ولكن نقرأ في سورة المائدة قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: 105]، فهل هذه الآية تنافي معنى الدعوة إلى الله؟ أو تنافي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

هذه الآية لا تنافي الدعوة؛ لأن لطريق الدعوة مراحلَ أوَّلها التبليغ، وثانيها الهداية، نحن دورنا التبليغ فقط - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - أما الهداية فهي بيد الله، وطالما بلغنا ينبغي ألَّا ننشغل بغيرنا وردة فعلهم إذا عاندوا ورفضوا وضلوا، بل نهتمُّ بأنفسنا والثبات على الحق.

يقول ابن باز رحمه الله: "الآية الكريمة تدلُّ على أن الواجب على الإنسان أن يعتني بنفسه، وأن يهتمَّ بها، وأن يجتهد في صلاحها، ولا يضرُّه من ضلَّ بعد ذلك إذا اهتدى، الإنسان مسؤول عن نفسه، ولا يضرُّه ضلال غيره؛ يقول الله جل وعلا: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [فاطر: 18]، وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يجني الجاني إلا على نفسه))، فعلى المؤمن أن يسعى في صلاح نفسه واستقامتها على طاعة الله ورسوله، ولا يضُرُّه من ضلَّ إذا اهتدى.

والذي يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما اهتدى، فهو ناقص الهداية، ناقص الإيمان، فالمعنى: أنه لا يضره من ضل إذا أدَّى الواجب الذي عليه، ومن الواجب عليه أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، هذا من الواجب عليه، وقد خطب الصديق أبو بكر الناس، وقال لهم: إن بعض الناس يقرأ هذه الآية ويضعونها في غير موضعها، وإني سمِعت النبي يقول صلى الله عليه وسلم: ((إن الناس إذا رأوا المنكر، فلم يُغيِّروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه))، ومراده: أنه ما يكون مهتديًا من ضيَّع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يكون ناقص الهداية، ناقص الإيمان، ضعيف الإيمان، فمعنى إذا اهتديتم يعني: إذا أدَّيتم الواجب الذي عليكم وتركتم ما حرَّم الله عليكم، لا يضُركم من ضلَّ بعد ذا، لا يضرك ضلال أبيك ولا أخيك ولا أهل بلدك ولا الناس كلهم، لا يضرك إذا أدَّيت الواجب واجتهدت في الواجب، فإنه لا يضرك من ضل، وربك يقول سبحانه: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [فاطر: 18].

لكن إذا قصَّرت في الواجب عليك يضُرُّك، فإذا كنت لا تدعو إلى الله، ولا تأمر بالمعروف، ولا تنهى عن المنكر، ولا تُؤدِّي ما أوجب الله عليك لحق أولادك أو لحق زوجتك أو لحق جيرانك، فأنت ناقص الهداية حينئذٍ، يضرُّك ذلك، حتى تؤدِّي الواجب الذي عليك لله ولعباده.

ومن حق الله عليك أن تُؤدي ما أوجب عليك من الطاعات، وأن تترك ما حرَّم الله عليك، ومن حق الله عليك أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، وأن تنصح لله ولعباده، وأن تدعو إلى الله على حسب طاقتك، ومن الحق عليك أيضًا أن تؤدي حق زوجتك وأولادك بنصيحتهم وتوجيههم إلى الخير، وتربيتهم التربية الإسلامية، وأن تقوم بحق جيرانك من إكرامهم والإحسان إليهم، وكفِّ الأذى عنهم، وإكرام ضيفك إلى غير هذا من الحقوق، فالذي لا يؤدي الحقوق التي عليه ما يسمى مهتديًا، يُسمَّى ناقص الهداية، ضعيف الإيمان، حتى يؤدي الواجبات التي عليه والرسول صلى الله عليه وسلم حذَّرنا من التفريط في تبليغ الدعوة والتقاعُس عنها، وضرب لذلك المثل عبرة وعظة لمن يعتبر ويتعظ".

روى أبو داود بسنده في الحديث الذي ضعَّفه الألباني، وصحَّحه أحمد شاكر، عن عبدالله بن مسعود، قال : ((إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا، اتَّقِ اللهَ، ودَعْ ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلمَّا فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ [المائدة: 78] إلى قوله: ﴿ فَاسِقُونَ ﴾ [المائدة: 81]، ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو نقصرنه على الحق قصرًا)).

وروى الترمذي بسنده عن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيدِه لتَأمرُنَّ بالمعروفِ ولتَنهوُنَّ عن المنكرِ أو ليُوشِكَنَّ اللهُ أن يَبعثَ عليكمْ عقابًا منهُ، فتدعونهُ فلا يَستجيبُ لكمْ)).

فهذه الإنذارات المؤكدة بنزول العذاب، وتسلُّط الظالم، وعدم الاستجابة لدعاء الصالحين، وعدم المغفرة لهم وخِذلانهم جزاء تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدلُّ على غضب الله وسخطه على تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولقد لعن الله عز وجل في كتابه الحكيم كاتم العلم، فقال عز من قائل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ [البقرة: 159]، مهما كنت عظيمًا ومبدعًا وصالحًا، فستظل شخصًا عاديًّا مالم تُشارك بقوة في إصلاح العباد ونفع البلاد.

وهنا نطرح سؤالًا: ماذا إذا نصحت أحدًا ولم يستجب ولم يقبل النصيحة، وكررت النصيحة مرارًا، فهل أيأس وأترك دعوته؟
عليَّ أولًا أن أُراجِع نفسي؛ فقد يكون أسلوبي في دعوتي له غير صحيح، أو لم أختر الزمان أو المكان المناسبين، أو لم آخذ بالأساليب التي وضَعها الله لنا في كتابه؛ لتكون منهجًا لنا في دعوتنا، فإذا وجدتُ أني بذلت جهدي فعلًا، فالحمد لله قد حصلت على الأجر بإذن الله، ومن هم خير مني -من الأنبياء والمرسلين- قُوبِلت دعوتهم بالرفض.

ولكن هل أترك نصحه؟
لقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو قومه إلى الإسلام؛ ولكنهم كانوا مُعاندين ورافضين لها، ومع ذلك لم ييئَس، وبعد فتح مكة دخلوا في دين الله أفواجًا، من يرفض الدعوة اليوم قد يستجيب بعد شهر أو سنة فلا تيئَس.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 70.88 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 69.06 كيلو بايت... تم توفير 1.82 كيلو بايت...بمعدل (2.57%)]