خواطر قرآنية" سورة السجدة" - الصفحة 2 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3215 - عددالزوار : 451978 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2644 - عددالزوار : 204391 )           »          أيقظ المارد الذي بداخلك! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          أحداث الفتنة وتزييف الحقائق (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          المختصر في تفسير القرآن الكريم***متجدد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 549 - عددالزوار : 17544 )           »          أسباب الشرك بالله تعالى (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          خطبة عن سلمان الفارسي رضي الله عنه (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          خطبة في حسن الخلق (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          الإيمان باليوم الآخر وأثره في صلاح الفرد والمجتمع (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 19-03-2021, 12:42 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,331
الدولة : Egypt
افتراضي رد: خواطر قرآنية" سورة السجدة"

خواطر قرآنية" سورة السجدة" ( 11-30 )
أيمن الشعبان

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، ومعلمَ العلوم والآداب، خالقَ الناس من تراب، ناصر المؤمنين العزيزِ الوهاب، والصلاة والسلام على خير من صلى وتاب، وجميع الآل والأصحاب ومن تبعهم إلى يوم المئاب، وبعد:
بعد إنكار الكفار البعث وكفرهم بلقاء الله، ومعلوم أن البعث إيجاد حياة جديدة، فإذا بالقرآن يحدثهم عن الوفاة، وهي نقض للحياة، ليذكرهم بهذه الحقيقة.
قال تعالى ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ )[1].
ولما ذكر استبعادهم، وأتبعه عنادهم، وكان إنكارهم إنما هو بسبب اختلاط الأجزاء بالتراب بعد إنقلابها تراباً، فكان عندهم من المحال تمييزها من بقية التراب. دل على أن ذلك عليه هين بأن نبههم على ما هو مقرّون به مما هو مثل ذلك بل أدق. فقال مستأنفاً: {قل} أي جواباً لهم عن شبهتهم: {يتوفاكم} أي يقبض أرواحكم كاملة من أجسادكم بعد أن كانت مختلطة بجميع أجزاء البدن، لا تميز لأحدهما عن الآخر بوجه تعرفونه بنوع حيلة.[2]
{يتوفاكم مَّلَكُ الموت} لا كما تزعمون أنَّ الموتَ من الأحوالِ الطَّبيعيةِ العارضةِ للحيوانِ بموجبِ الجبلَّةِ أي يقبضُ أرواحكم بحيث لايدع فيكم شيئاً أو لا يتركُ منكم أحداً على أشد ما يكون من الوجوهِ وأفظعِها من ضربِ وجوهِكم وأدبارِكم.[3]
أُمِرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يُعِيدَ إِعْلَامَهُمْ بِأَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ. فَالْمَقْصُودُ مِنَ الْجُمْلَةِ هُوَ قَوْلُهُ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ إِذْ هُوَ مَنَاطُ إِنْكَارِهِمْ، وَأَمَّا أَنَّهُمْ يَتَوَفَّاهُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ فَذَكَرَهُ لِتَذْكِيرِهِمْ بِالْمَوْتِ وَهُمْ لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُمْ أَلْهَتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا عَنِ النَّظَرِ فِي إِمْكَانِ الْبَعْثِ وَالِاسْتِعْدَا دِ لَهُ فَذُكِّرُوا بِهِ ثُمَّ أُدْمِجَ فِيهِ ذِكْرُ مَلَكِ الْمَوْتِ لِزِيَادَةِ التَّخْوِيفِ مِنَ الْمَوْتِ وَالتَّعْرِيضِ بِالْوَعِيدِ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ فَإِنَّهُ مُوَكَّلٌ بِكُلِّ مَيِّتٍ بِمَا يُنَاسِبُ مُعَامَلَتَهُ عِنْدَ قَبْضِ رُوحِهِ.[4]
يَعْنِي لَا بُدَّ مِنَ الْمَوْتِ ثُمَّ مِنَ الْحَيَاةِ بَعْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَغْفُلُ عَنْكُمْ وَإِذَا جَاءَ أَجَلُكُمْ لَا يُؤَخِّرُكُمْ إِذْ لَا شُغْلَ لَهُ إِلَّا هَذَا.[5]
ومعنى الآية الإجمالي:
قُلْ لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا بعد ما سمعت قولهم وانكارهم هذا يَتَوَفَّاكُمْ ويستوفى اجلكم أولا ايها المنهمكون في الغفلة والضلال مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ بإذن الله لقبض أرواحكم ثُمَّ بعد ما قبضتم في النشأة الاولى وبعثتم من قبوركم احياء في النشأة الاخرى إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ للعرض والجزاء.[6]
والتوفي أخذ الشيء على تمام, مأخوذ من توفية العدد ومنه قولهم استوفيت دَيْني من فلان.[7]
الله عز وجل الذي خلق الخلق، يتوفى الأنفس حقيقة ويأمر ملك الموت بانتزاع الروح، والذي له أعوان يرتقون بالروح إلى مستقرها في عليين إذا كانت مؤمنة، وفي سجين إذا كانت كافرة.
قال تعالى( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا )[8]، وقال عز وجل ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ )[9].
{ثم إلى ربكم} أي الذي ابتدأ خلقكم وتربيتكم وأحسن إليكم غاية الإحسان ابتداء، لا إلى غيره، بعد إعادتكم {ترجعون} بأن يبعثكم كنفس واحدة فإذا أنتم بين يديه، فيتم إحسانه وربوبيته بأن يجازي كلاًّ بما فعل، كما هو دأب الملوك مع عبيدهم، لا يدع أحد منهم الظالم من عبيده مهملاً.[10]
وفى هذا إثبات للبعث مع تهديدهم وتخويفهم، وإشارة إلى أن القادر على الإماتة قادر على الإحياء.[11]
فالحق الذي قال أنا خلقتُ الإنسان لم يقُلْ وأنا سأعدمه إنما سأتوفاه، فهو عندي كاملٌ بروحه وبذراته التكوينية، والذي خلق في البَدْء قادر على الإعادة، وجمع الذرات التي تشتتت.[12]
وفي بعض الأحاديث التي ذكرت ملك الموت منها قوله عليه الصلاة والسلام( إنَّ رجلًا مِمَّن كانَ قبلَكُمْ أتاه ملَكُ الموتِ ليَقبِضَ نَفْسَه، فقال لهُ: هل عمِلتَ مِن خيرٍ؟ قال: ما أَعلَمُ، قال لهُ، انظُرْ، قال: ما أعلَمُ شيئًا غيرَ أنِّي كنتُ أُبايِعُ النَّاسَ وأُحارِفُهمْ، فأُنظِرُ المُعسِرَ، وأتجاوَزُ عن الموسِرِ، فأدخلَه اللهُ الجنَّةَ ).[13]
ينتشر لدى كثير من الناس أن اسم ملك الموت" عزرائيل!" وهذا غير صحيح، فلم يثبت من الأسماء إلا ملك الموت، وهذه من القضايا الغيبية التي لا يمكن أن تؤخذ بالرأي والاجتهاد أو الروايات الضعيفة والموضوعة، فما ورد في القرآن كما في الآية التي معنا هو " ملك الموت" وكذا في الأحاديث الصحيحة.
في هذه الآية موعظة عظيمة وتذكرة جليلة، فالموت الفاجعة التي لا تماثلها فاجعة، والكارثة التي لا تدانيها كارثة، والمصيبة التي لا تقاربها مصيبة.
الموت مفرق الجماعات، ومشتت القرابات، ومُيتّم البنين والبنات، ولولا الموت لتنعم أهل النعيم بنعيمهم، ولكن الموت نغص عليهم هذا النعيم فهلا نعيما لا موت فيه؟!
فالموت لا مفر منه، قال تعالى ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، وقال سبحانه( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ).
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما أصبح أحد إلا وهو ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مردودة.
يقول عليه الصلاة والسلام( قال لي جبريل: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه و اعمل ما شئت فإنك ملاقيه).[14]
ولنعلم جميعا يقينا، أن كل باكٍ سيُبكى، وكل ناعٍ سينعى، وكل مذكور سيُنسى، وكل مدخور سيفنى، ليس غير الله يبقى، من علا فالله أعلى، وكل من شيع جنازة سيشيع، وكل من غسل ميتا سيُغسل، وكل من مشى في جنازة سيُمشى في جنازته، وكل من حفر قبرا سيُحفر له قبره، فلماذا الغفلة وطول الأمل والتكبر والغرور وربنا سبحانه يقول ( يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ).
قال كعب الأخبار رضي الله عنه: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا.
حينما حضر المأمون الموت قال: " أنزلوني من على السرير". فأنزلوه على الأرض ... فوضع خده على التراب و قال: "يا من لا يزول ملكه ... إرحم من قد زال ملكه".

لما كان موضوع السورة الخضوع ومادتها اليقين، ذكر الله سبحانه في هذه الآية عدة مخوفات لحصول تلك الثمرة لمن تأمل وتدبر وألقى السمع وهو شهيد، منها:
- المبلغ لحقيقة المعاد والبعث بعد الموت هو النبي عليه الصلاة والسلام، ( قل ) للكفار ( يتوفاكم ملك الموت )، وهذا فيه تعظيم لتلك الحقيقة حتى يزداد أيضا اليقين بها.
- ذكر الموت مع أن غاية الآية بالأصل إثبات المعاد والرجوع إلى الله، لكن لأنهم انشغلوا بالملذات وغرتهم الحياة الدنيا غفلوا عن الموت فوقعوا بالتعلق بالدنيا وإنكار لقاء الله، والموت الزائر الذي يأتي بلا استئذان، ولولاه لتنعم أهل الدنيا بدنياهم، وهو حق على كل نفس، وما ذكر في قليل إلا كثّره ولا كثير إلا قلله!
- ذكر ملك الموت باسمه لزيادة اليقين بهذا الانتقال من الحياة إلى الموت، وهو من الملائكة العظام الذي ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ).
- ( وكل بكم ): أي: يرقبكم ولا يغفل عنكم، يلازمكم ولا ينصرف عنكم، بحيث لا مهربَ منه ولا فكَاك.[15]
- في الآية انتقال والتفات من أسلوب الغائب ( وقالوا أإذا ضللنا )، إلى المخاطب ( يتوفاكم ) دليل على أهمية الخضوع والتضرع وشدة التهديد بالموت ثم المعاد.
- ( ثم إلى ربكم ترجعون ) تفيد أن المعاد والحساب يحصل بعد الأمر الأول وهو الموت، وهنالك فترة زمنية يقضيها الإنسان في القبر!
اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.

-------------------------------------
[1]( السجدة:11).
[2]البقاعي.
[3]تفسير أبي السعود.
[4]ابن عاشور.
[5]مفاتيح الغيب.
[6]الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية.
[7]تفسير الماوردي.
[8] ( الزمر:42).
[9] ( الأنعام:61).
[10]البقاعي.
[11]المراغي.
[12]الشعراوي.
[13]صحيح الجامع برقم 2079.
[14] صحيح الجامع برقم 4355.
[15]الشعراوي.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 19-03-2021, 12:42 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,331
الدولة : Egypt
افتراضي رد: خواطر قرآنية" سورة السجدة"

خواطر قرآنية" سورة السجدة" ( 12-30 )
أيمن الشعبان

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، ومعلمَ العلوم والآداب، خالقَ الناس من تراب، ناصر المؤمنين العزيزِ الوهاب، والصلاة والسلام على خير من صلى وتاب، وجميع الآل والأصحاب ومن تبعهم إلى يوم المئاب، وبعد:
في الآية التي معنا ينتقل الله سبحانه وتعالى، لوصف وبيان حال من لم يخضعوا لمقاصد هذه السورة، لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُرْجَعُونَ إِلَى رَبِّهِمْ بَيَّنَ مَا يَكُونُ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ[1]فيقول جل وعلا ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ).[2]
لما تقرر دليل البعث بما لا خفاء فيه ولا لبس، شرع يقص بعض أحوالهم عند ذلك، فقال عادلاً عن خطابهم استهانة بهم وإيذاناً بالغضب، وخطاباً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسلية له، أو لكل من يصح خطابه، عاطفاً على ما تقديره: فلو رأيتهم وقد بعثرت القبور، وحصل ما في الصدور، وهناك أمور أيّ أمور، موقعاً المضارع في حيز ما من شأنه الدخول على الماضي، لأنه لتحقق وقوعه كأنه قد كان.[3]
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَحَالِهِمْ حِينَ عَايَنُوا الْبَعْثَ، وَقَامُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ حَقِيرِينَ ذَلِيلِينَ، نَاكِسِي رُؤُوسِهِمْ.[4]
أي: لو رأيت يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث ناكسوا رؤوسهم عند ربهم[5]، من الغم والذلّ والحياء والندم وشدة الوجل والخزي والخسارة، يقولون: أبصرنا يقينا ما كنا نشك ونكذب به في الدنيا من البعث والحساب يوم القيامة، لم يوقنوا في الدنيا اختيارا فأيقنوا في الآخرة اضطرارا!
عِنْدَ رَبِّهِمْ لِبَيَانِ شِدَّةِ الْخَجَالَةِ لِأَنَّ الرَّبَّ إِذَا أَسَاءَ إِلَيْهِ الْمَرْبُوبُ، ثُمَّ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَكُونُ فِي غَايَةِ الْخَجَالَةِ.[6]
وفي الأصل هم يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا، لكن حذفت لبيان شدة خجالتهم!
قَالَ قَتَادَة: أبصروا حِين لم يَنْفَعهُمْ الْبَصَر. وسمعوا حِين لم يَنْفَعهُمْ السّمع.[7]
نلحظ في هذا الأسلوب دقة الأداء في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى. .} [السجدة: 12] فلم يقل مثلاً: ولو تعلم؛ لأن إخبار الله كأنه رؤيا العين، فحين يخبرك الله بأمر، فاعلم أنه أصدق من عينك حين ترى؛ لأن عينك قد تخدعك، أما إخبار الله لك فهو الحق.[8]
المجرمون جمع مجرم، وهو الإنسان المخطئ الآثم صاحب الخطيئة الذي أشرك أتى الكبائر وأجرم في حق خلقه وخالقه.
في معظم الآيات يقدم السمع على البصر إلا في آية قصة الكهف وهذه الآية والسبب، لأن الساعة حين تأتي بأهوالها نرى الهول أولاً، ثم نسمع ما نراه.
قال تعالى في سورة الكهف (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً {26}) وقال في سورة السجدة (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ {12}) والمعلوم أن الأكثر في القرآن تقديم السمع على البصر لأن السمع أهم من البصر في التكليف والتبليغ لأن فاقد البصر الذي يسمع يمكن تبليغه أما فاقد السمع فيصعب تبليغه ثم إن مدى السمع أقل من مدى البصر فمن نسمعه يكون عادة أقرب ممن نراه، بالإضافة إلى أن السمع ينشأ في الإنسان قبل البصر في التكوين. أما لماذا قدّم البصر على السمع في الآيتين المذكورتين فالسبب يعود إلى أنه في آية سورة الكهف الكلام عن أصحاب الكهف الذين فروا من قومهم لئلا يراهم أحد، ولجأوا إلى ظلمة الكهف لكيلا يراهم أحد، لكن الله تعالى يراهم في تقلبهم في ظلمة الكهف، وكذلك طلبوا من صاحبهم أن يتلطف حتى لا يراه القوم، إذن مسألة البصر هنا أهم من السمع فاقتضى تقديم البصر على السمع في الآية.
وكذلك في آية سورة السجدة، الكلام عن المجرمين الذين كانوا في الدنيا يسمعون عن القيامة وأحوالها ولا يبصرون لكن ما يسمعوه كان يدخل في مجال الشك والظنّ ولو تيقنوا لآمنوا أما في الآخرة فقد أبصروا ما كانوا يسمعون عنه لأنهم أصبحوا في مجال اليقين وهو ميدان البصر (عين اليقين) والآخرة ميدان الرؤية وليس ميدان السمع وكما يقال ليس الخبر كالمعاينة. فعندما رأوا في الآخرة ما كانوا يسمعونه ويشكون فيه تغير الحال ولذا اقتضى تقديم البصر على السمع.[9]
هنا بالذات يقدم البصر على السمع، لأن اليقين أقرب حصوله في البصر من مجرد سماع الخبر كما في درجات اليقين ( علم اليقين ) تسمع بالخبر عن الجنة لكن لو رأيتها تكون عين اليقين، ثم حق اليقين إذا دخلتها.
في آية أخرى يختصر الكافر المجرم رجوعه إلى الدنيا بعمل واحد هو الصدقة، لما عرف فضلها وعاين حقيقتها وأجرها، يقول ربنا سبحانه واصفا هذا المشهد( وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ )[10].

من هداية الآية:
- الجزاء من جنس العمل، فكل من خالف أوامر الله في الدنيا سيعاقب بنقيض قصده يوم القيامة.
- تنكيس رؤوس المجرمين يوم القيامة، إشارة إلى أن من تكبر وترفع ولم يستجب لأوامر الله في الدنيا، نُكِّس رأسه في الآخرة، ومن تواضع رفعت رأسه.

يصور لنا ربنا في هذه الآية مشهدا من مشاهد يوم القيامة، وكيف يساق المجرم ذليلا مهانا، ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا . هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ )[11]، كما أن هنالك مشاهد لأهل النار حري بنا الوقوف عليها وتأمل سياقها وما يحصل فيها من خطاب وكلام المجرمين في النار:
المشهد الأول: قال تعالى ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )[12].
المشهد الثاني: قال تعالى( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ )[13].
المشهد الثالث: قال تعالى(وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ).[14]
المشهد الرابع: قال تعالى(وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ .قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ )[15].
المشهد الخامس: قال تعالى( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ . لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ )[16].
فلا يستجاب لهم في رجوع أو شراب أو طعام أو تخفيف أو حتى القضاء عليهم بالموت، ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ . لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ )[17].
اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.


--------------------------------
[1]مفاتيح الغيب.
[2]( السجدة:12).
[3]البقاعي.
[4]ابن كثير.
[5]الهداية إلى بلوغ النهاية.
[6]مفاتيح الغيب.
[7]تفسير السمعاني.
[8]الشعراوي.
[9]د. فاضل السامرائي.
[10]( المنافقون:10).
[11]( الطور:13).
[12]( المؤمنون: 99-100).
[13]( فاطر:37 ).
[14]( الأعراف: 50).
[15]( غافر: 49-50).
[16]( الزخرف:77-78).
[17]( الزخرف:74-75).
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 19-03-2021, 12:45 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,331
الدولة : Egypt
افتراضي رد: خواطر قرآنية" سورة السجدة"

خواطر قرآنية" سورة السجدة" ( 13-30 )
أيمن الشعبان


بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، ومعلمَ العلوم والآداب، خالقَ الناس من تراب، ناصر المؤمنين العزيزِ الوهاب، والصلاة والسلام على خير من صلى وتاب، وجميع الآل والأصحاب ومن تبعهم إلى يوم المئاب، وبعد:
يقول ربنا سبحانه جوابا عن قولهم: ( رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا )، وَبَيَانُهُ هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِنِّي لَوْ أَرْجَعْتُكُمْ إِلَى الْإِيمَانِ لَهَدَيْتُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَمَّا لَمْ أَهْدِكُمْ تَبَيَّنَ أَنِّي مَا أَرَدْتُ وَمَا شِئْتُ إِيمَانَكُمْ فَلَا أَرُدُّكُمْ.[1]
ولما لم يذكر لهم جواباً، علم أنه لهوانهم، لأنه ما جرأهم على العصيان إلا صفة الإحسان، فلا يصلح لهم إلا الخزي والهوان، ولأن الإيمان لا يصح إلا بالغيب قبل العيان.
ولما كان ربما وقع في وهم أن ضلالهم مع الإمعان في البيان، لعجز عن هدايتهم أو توان، قال عاطفاً على ما تقديره: إني لا أردكم لأني لم أضلكم في الدنيا للعجز عن هدايتكم فيها، بل لأني لم أرد إسعادكم، ولو شئت لهديتكم، صارفاً القول إلى مظهر العظمة لاقتضاء المقام لها: {ولو شئنا} أي بما لنا من العظمة التي تأبى أن يكون لغيرنا شيء يستقل به أو يكون في ملكنا ما لا نريد {لأتينا كل نفس} أي مكلفة لأن الكلام فيها {هداها} أي جعلنا هدايتها ورشدها وتوفيقها للإيمان وجميع ما يتبعه من صالح الأعمال في يدها متمكنة منها.[2]
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها أي تقواها ولكن حق القول مني أي في القضاء السابق لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أي سبق القول حيث قلت لإبليس، عند قوله لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين.[3]
{من الجنة} أي الجن طائفة إبليس، وكأنه أنثهم تحقيراً لهم عند من يستعظم أمرهم لما دعا إلى تحقيرهم من مقام الغضب وبدأ بهم لاستعظامهم لهم ولأنهم الذين أضلوهم.[4]
(وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها) أي ولو أردنا أن نلهم كل نفس ما تهتدى به إلى الإيمان والعمل الصالح لفعلنا، ولكن تدبيرنا للخلق على نظم كاملة، كفيلة بمصالحه، قضى أن نضع كل نفس فى المرتبة التي هى أهل لها بحسب استعدادها، كما توضع فى الإنسان العين فى موضع لا يصلح له الظفر والإصبع، والمعدة فى موضع لا يصلح له القلب، وهذا هو المراد من قوله:
(وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) أي ولكن سبق وعيدي بملء جهنم من الجنة والناس الذين هم أهل لها، بحسب استعدادهم، ولا يصلحون لدخول الجنة كما لا يعيش البعوض والذباب، إلا فى الأماكن القذرة، ليخلّص الجو من العفونات، ولو جعلا في القصور النظيفة النقية ما عاشا فيها، إذ لا يجدن فيها غذاء ولا منفعة لهما.[5]
( ولكن حق القول مني ) أي وقع وثبت وقُطع به.
وَالْمَعْنَى: لَوْ شِئْنَا لَجَبَلْنَا كُلَّ نَفْسٍ عَلَى الِانْسِيَاقِ إِلَى الْهُدَى بِدُونِ اخْتِيَارٍ كَمَا جُبِلَتِ الْعَجْمَاوَاتُ عَلَى مَا أُلْهِمَتْ إِلَيْهِ مِنْ نِظَامِ حَيَاةِ أَنْوَاعِهَا فَلَكَانَتِ النُّفُوسُ غَيْرَ مُحْتَاجَةٍ إِلَى النَّظَرِ فِي الْهُدَى وَضِدِّهِ، وَلَا إِلَى دَعْوَةٍ مِنَ اللَّهِ إِلَى طَرِيقِ الْهُدَى، وَلَكِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكِلَ إِلَى نَوْعِ الْإِنْسَانِ تَعْمِيرَ هَذَا الْعَالَمِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ عُنْوَانًا لِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَأَنْ يُفَضِّلَهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ الْعَامِرَةِ لِهَذَا الْعَالَمِ اقْتَضَى لِتَحْقِيقِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ أَنْ يَخْلُقَ فِي الْإِنْسَانِ عَقْلًا يُدْرِكُ بِهِ النَّفْعَ وَالضُّرَّ، وَالْكَمَالَ وَالنَّقْصَ، وَالصَّلَاحَ وَالْفَسَادَ، وَالتَّعْمِيرَ وَالتَّخْرِيبَ، وَتَنْكَشِفُ لَهُ بِالتَّدَبُّرِ عَوَاقِبُ الْأَعْمَالِ الْمُشْتَبِهَةِ وَالْمُمَوَّهَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ لَهُ اخْتِيَارُ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ أَجْنَاسِ وَأَنْوَاعِ الْأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ فِي مُكْنَتِهِ بِإِرَادَةٍ تَتَوَجَّهُ إِلَى الشَّيْءِ وَضِدِّهِ، وَخَلَقَ فِيهِ مِنْ أَسْبَابِ الْعَمَلِ وَآلَاتِهِ مِنَ الْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ إِذَا كَانَتْ سَلِيمَةً فَكَانَ بِذَلِكَ مُسْتَطِيعًا لِأَنْ يَعْمَلَ وَأَنْ لَا يَعْمَلَ عَلَى وِفَاقِ مَيْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَكَسْبِهِ.[6]

الهداية نوعان:
الأولى: هداية بيان وإرشاد ودلالة، وبها تقام الحجة على الناس.
الثانية: هداية إذعان وخضوع وانتفاع ومعونة، والتي يوفق لها عباد الله المؤمنين الطائعين.
قال تعالى( وأما ثمود فهديناهم ) أي دللناهم وأرشدناهم، ( فاستحبوا العمى على الهدى ).
والحق سبحانه يترك الكافر يكفر باختياره، والعاصي يعصي باختياره ليؤذي الناس بإثم الكافر وبإثم العاصي، وعندها يعودون إلى تشريع الله ويلجئون إلى ساحته سبحانه، ولو أن الناس عملوا بشرع الله ما حدث فساد في الكون ولا خَلَلٌ في حياتهم أبداً.
لذلك نفرح حينما ينتقم الله من أهل الكفر ومن أهل المعصية، ونقول: الحمد لله الذي أراح منهم البلاد والعباد.[7]
ومعنى {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13] عرفنا أن الله تعالى خلق الجنة، وخلق لها أهلاً يملأونها، وخلق النار وخلق لها أهلاً يملأونها، فليس فيهما أزمة أماكن، فالجنة أُعِدَّتْ لتسع جميع الخَلْق إنْ آمنوا، وكذلك النار أُعِدَّتْ لتسع الخَلْق جميعاً إنْ كفروا.
لذلك حين يذهب أهل الجنة إلى الجنة يرثون أماكن أهل النار فيها، كما قال سبحانه: {ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43].[8]
( لأملأن جهنم ) النار تمتلئ دون الجنة، لأن رحمة الله واسعة والجنة واسعة!
جهنم: اسم من أسماء النار، وهي النار المستعرة المتقدة الحمراء الملتهبة، وتطلق على الشيء المشتعل، وتطلق على عين الأسد أنها جهنمة، لما فيها من غضب.
وهذا التنوع مؤمن وكافر.. صادق وكاذب.. غني وفقير.. طائع وعاصي.. هو ابتلاء ليفتن بعضنا ببعض كما قال سبحانه ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون )، وربنا قادر أن يجعلنا جميعا مؤمنين كالملائكة!
فالكافر فتنة للمؤمن والمؤمن فتنة للكافر، والغني فتنة للفقير والفقير فتنة للغني، والصحيح فتنة للمريض والمريض فتنة للصحيح، والقوي فتنة للضعيف والضعيف فتنة للقوي، والجميل فتنة للقبيح والقبيح فتنة للجميع، والرجل فتنة للمرأة والمرأة فتنة للرجل وهكذا.
الله سبحانه وتعالى بحكمته وعلمه قسم الخلق إلى شقي وسعيد، وابتلاهم وامتحنهم ليظهر المطيع المنقاد من العاصي المتمرد، وجعل لهم دارين‏‏: دار الجنة للمتقين المؤمنين ودار العذاب - وهي جهنم - للكفار والمنافقين.
دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، هو الحق الذي يناسب كل إنسان إلى العاقبة التي تجانس عمله، إحقاقا للحق وإبطالا للباطل، وهذا من تمام حكمة الله وعدله بأن لا يساوي بين المختلفين، وقد نص الله على هذه الحقيقة بعدة مواضع منها قوله ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون )، وقوله سبحانه ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار )، وغيرها.
الله سبحانه وتعالى غني عن عذاب الناس ولكن بشرط الشكر والإيمان كما قال سبحانه ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ).
رحمة الله تعالى ورأفته وحلمه وعفوه ونحو ذلك من صفاته، لا يصح أن تفصل عن علمه وحكمته وعدله وعزته وجبروته وانتقامه ونحو ذلك من صفاته؛ فإن قضاء الله وقدره يجري بمقتضاها جميعا.[9]
كثير من الناس عندما يقترف المعاصي يقول: بأن الله قدر علي ذلك! لكن الحقيقة كما تشير الآية لو شاء الله أن يجبر الناس على شيء لأعطى كل نفس هدايتها وصلاحها وتقواها لا العكس فتأمل!
مع أن الكفار طلبوا من الله إرجاعهم إلى الدنيا، لم يلتفت الله سبحانه إليهم بل أجاب وقرر حقيقة عظيمة تتعلق بقدر الله ومشيئته، فاليقين بقدر الله يجعل القلب خاضعا مطمئنا ساجدا لله تعالى كما قال ( لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ).
قال عطاء بن الخفاف: ما لقيت الثوري إلا باكياً، فقلت: ما شأنك؟ قال: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً!

ومن هداية الآية:
- كل خير واستقامة وصلاح وتقوى هو بتوفيق الله وفضله وكرمه علينا لا بقوتنا أو حنكتنا، وكما قيل: ما نزل شيء إلى الأرض أعظم من التوفيق.
- ينبغي أن نحمد الله على نعمة الإسلام، ونتأمل ونتفكر بمن حولنا، كيف اصطفانا الله سبحانه من بين هذه الملايين من الناس واختصنا بتلك النعمة العظيمة التي ينبغي أن لا نفتر عن شكرها.
اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.




----------------------------
[1]مفاتيح الغيب.
[2]البقاعي.
[3]محاسن التأويل.
[4]البقاعي.
[5]المراغي.
[6]ابن عاشور.
[7]الشعراوي.
[8]الشعراوي.
[9]موقع إسلام ويب.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 07-04-2021, 06:47 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,331
الدولة : Egypt
افتراضي رد: خواطر قرآنية" سورة السجدة"

خواطر قرآنية" سورة السجدة" ( 14-30 )
أيمن الشعبان


بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، ومعلمَ العلوم والآداب، خالقَ الناس من تراب، ناصر المؤمنين العزيزِ الوهاب، والصلاة والسلام على خير من صلى وتاب، وجميع الآل والأصحاب ومن تبعهم إلى يوم المئاب، وبعد:
لما بين الله سبحانه للكفار، أنه لا رجوع لهم إلى الدنيا، أنبهم على ما عملوا من تدسية نفوسهم بفعل المعاصي وترك الطاعة له، فقال ( فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا ).
بعد أن يُلقى بالمجرمين في نار جهنم يقال لهم: على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم بيوم القيامة، واستبعادكم وقوعه، وتناسيكم له، وعملكم عمل الناسي له، لذا فإنا سنعاملكم معاملة الناسي لأنه تعالى لا ينسى شيئا، ولا يضل عنه شيء، وهذا ما يسمى بأسلوب المقابلة أو المشاكلة.
{فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي: يقال للمجرمين، الذين ملكهم الذل، وسألوا الرجعة إلى الدنيا، ليستدركوا ما فاتهم، قد فات وقت الرجوع ولم يبق إلا العذاب، فذوقوا العذاب الأليم، بما نسيتم لقاء يومكم هذا، وهذا النسيان نسيان ترك، أي: بما أعرضتم عنه، وتركتم العمل له، وكأنكم غير قادمين عليه، ولا ملاقيه.[1]
وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوما، لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم؛ أي: فإذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة: ذوقوها وجربوها بسبب نسيانكم وترككم الاستعداد للقاء ربكم في يومكم هذا، بترك الإيمان والطاعات.[2]
{وذوقوا عذاب الخلد} أي: العذاب غير المنقطع، فإن العذاب إذا كان له أجل وغاية، كان فيه بعض التنفيس والتخفيف، وأما عذاب جهنم - أعاذنا الله منه - فليس فيه روح راحة، ولا انقطاع لعذابهم فيها. {بما كنتم تعملون} من الكفر والفسوق والمعاصي.[3]
فذوقوا ما أنتم فيه مما دعاكم إلى أن تسألوا الرجوع إلى الدنيا.
النسيان: الإهمال والإضاعة.
والباء للسببية: أي بسبب إهمالكم الاستعداد لهذا اليوم.
والنسيان في قوله نسيناكم مستعمل في الحرمان من الكرامة مع المشاكلة.
{ إنا نسيناكم } أي عاملناكم بما لنا من العظمة ولكم من الحقارة معاملة الناسي، فأوردنا النار كما أقسمنا أنه ليس أحد إلا يردها، ثم أخرجنا أهل ودنا وتركناكم فيها ترك المنسي.[4]
يومكم هذا: أضيف إلى ضمير المخاطب من باب التهكم، لأنهم أنكروا هذا اليوم في الدنيا، فلما عاينوه أصبح أشد اختصاصا بهم.
ولأن الجزاء من جنس العمل، فلما نسوا وأهملوا وتكبروا عن أوامر الله وكذبوا بهذا اليوم واستبعدوا وقوعه، تركهم الله في العذاب وسبب استحقاقهم تلك الإذاقة إهمالهم التدبر في حلول هذا اليوم.
ويقال لهم أيضا على سبيل التأكيد: وذوقوا عذاب النار الدائم الذي تخلدون فيه بسبب كفركم وتكذيبكم وسوء أعمالكم.[5]
فكأن الله يقول: إنني عاقبتهم على نسيانهم ذلك اليوم، بأن جعلتهم هملا يوم القيامة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم عظيم مهين!
فإنْ كنتم قد تمردتم على الله وكفرتم به في دنيا محدودة، وعمرك فيها محدود، فإن العذاب الواقع بكم اليوم خالد باقٍ دائم، فخسارتكم كبيرة، ومصيبتكم فادحة.[6]
الخلود إما في الجنة أو في النار، وهنا يذكر ربنا حال الكفار وخلودهم في النار، أما الموحد من المسلمين لا يخلد في النار لكن قد يدخلها بحسب ذنوبه ثم يخرج منها.
هذه آية عظيمة مزلزلة تقشعر لها الأبدان وترتجف لها القلوب وتخشع لها الأبصار، وقد حذرنا الله أن نكون كأولئك الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم!
يا من نسيت صلاتك وما فرض الله عليك من طاعات، تأمل إلى مآلك ونتيجتك يوم القيامة، هل تقوى على هذا العذاب؟!!
يا من فرطت في جنب الله، ألا تتفكر وتتأمل للحظات بأن هذه الدنيا فانية زائلة، وأنك ستقف بين يدي الله يحاسبك على ما اقترفت من ذنوب ومعاصي؟!!
فقد بين الله سبحانه وتعالى وفصّل في مواضع، ما الذي يذوقه الكافر المُعّذَّب في نار جهنم عياذا بالله؛ من الماء المغلي وعصارة أهل النار من القيح والصديد المنتن قال تعالى( لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا . إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ).[7]
كما أنهم لا يجدون طعم الخلاص والراحة حتى فيما يشتهون من الموت، قال تعالى ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ )[8].
كذلك يذوق الكفار العذاب بأموالهم التي جمعوها وحرموا الفقراء حقوقهم في الدنيا، قال تعالى ( يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ )[9].
يبين ربنا سبحانه في موضع آخر أصناف العذاب الذي يتذوقه الكفار في نار جهنم، يقول سبحانه( إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ . طَعَامُ الْأَثِيمِ . كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ . كَغَلْيِ الْحَمِيمِ . خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ . ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ . ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ )[10].
وبالنتيجة يتذوق الكافر المجرم في النار؛ الذل والهوان وانقطاع الأمل متمثلا بالخلود الأبدي في العذاب ( وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )، وَالْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ تَضَمَّنَتْ أَنَّ ذَلِكَ الْعَذَابَ مُسْتَمِرٌّ وَأَنَّ سَبَبَ اسْتِمْرَارِ الْعَذَابِ وَعَدَمِ تَخْفِيفِهِ أَعْمَالُهُمُ الْخَاطِئَةُ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ نِسْيَانِهِمْ لِقَاءَ يومهم ذَلِك.[11]
والسبب الرئيس في هذا العذاب الدائم؛ هو كسبكم وعملكم وما اقترفت أيديكم في الدنيا، وهنا لابد الإشارة إلى أهمية العمل الصالح وأنه سبب دخول الجنة لا مجرد العلم فقط أو الأماني، قال تعالى ( وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )[12].
لذلك لا ينبغي أن نستزيد من العلم لمجرد العلم، بل لابد من العمل بمقتضى هذا العلم، وإلا سيكون حجة علينا ووبالا يوم القيامة، قال تعالى( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ )[13]، روي عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم، وخالفوه إلى غيره.[14]
قال عليه الصلاة والسلام( مَثلُ العالِمِ الّذي يُعلِّمُ الناسَ الخيرَ، وينسَى نفسَهُ، كمَثَلِ السِّراجِ يُضِيءُ للناسِ، ويَحرِقُ نفسَهُ ). صحيح.[15]
وقال صلى الله عليه وسلم( يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلانا ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه ). صحيح.[16]
ويقول عليه الصلاة والسلام( القرآن حجة لك أو عليك ). صحيح[17]، قال ابن عثيمين: لك إن عملت به، وعليك إن لم تعمل به.[18]
عن مالك بن دينار قال: مكتوب في التوراة: كما تدين تدان وكما تزرع تحصد.[19]
ويقول علي رضي الله عنه: هَتَفَ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ، وَإِلَّا ارْتَحَلَ.[20]
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرَّوِايَةِ، إِنَّمَا الْعِلْمُ الْخَشْيَةُ.[21]
يقول أبو الدرداء: إن أخوف ما أخاف إذا وقفت للحساب أن يقال لي : ما عملت فيما علمت؟[22]
اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.

----------------------------------
[1]السعدي.
[2] حدائق الروح والريحان.
[3]السعدي.
[4] البقاعي.
[5]التفسير المنير للزحيلي.
[6]الشعراوي.
[7] ( النبأ:24-25).
[8] ( الزخرف:77).
[9] ( التوبة:35).
[10] (الدخان:43-49).
[11]التحرير والتنوير لابن عاشور.
[12] ( الزخرف:72).
[13]( الشعراء:94 ).
[14]تفسير القرطبي.
[15]صحيح الجامع برقم 5831.
[16]صحيح البخاري.
[17]رواه مسلم.
[18]كتاب العلم.
[19]اقتضاء العلم العمل.
[20]ذم من لا يعمل بعلمه لابن عساكر.
[21]روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبان.
[22]سير أعلام النبلاء.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 07-04-2021, 06:49 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,331
الدولة : Egypt
افتراضي رد: خواطر قرآنية" سورة السجدة"

خواطر قرآنية" سورة السجدة" ( 15-30 )
أيمن الشعبان

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، ومعلمَ العلوم والآداب، خالقَ الناس من تراب، ناصر المؤمنين العزيزِ الوهاب، والصلاة والسلام على خير من صلى وتاب، وجميع الآل والأصحاب ومن تبعهم إلى يوم المئاب، وبعد:
ولما كان قوله تعالى: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} قد أشار إلى أن الحامل لهم على الكفر الكبر، وذكر سبحانه أنه قسم الناس قسمين لأجل الدارين، تشوفت النفس إلى ذكر علامة أهل الإيمان كما ذكرت علامة أهل الكفران.[1]
في هذه الآية انتقال من مشهد المكذبين الذين لا يخضعون، إلى مشهد المؤمنين الموقنين، وجاءت هذه الآية في وسط السورة كاللؤلؤة في وسط العقد، فهي مادتها ونتيجتها وخلاصتها، فمن يوقن بهذه الحقائق لا يملك إلا أن يخضع لله ويسجد له.
لما ذكر الله تعالى الكافرين بآياته وما أعد لهم من العذاب؛ قال تعالى عن أهل الإيمان ( إنما يؤمن بآياتنا ) يذعن ويصدق ويخضع ويخبت، ( الذين إذا ذكروا بها ) أي تذكيرا فيه بشارة أو نذارة، ( خروا سجدا ) سقطوا متذللين مبادرين ممتثلين ما فيها من أوامر ونواهي وعبر لسرعة قبولهم لها بصفاء فطرتهم، ومع ذلك ( سبحوا بحمد ربهم ) تنزيها عما لا يليق به من النقائص والعيوب، معترفين بنعم الله عليهم مستمرين على شكرها خاشعين أذلاء، واضعين جباههم على التراب مبتعدين عن الكبر والخيلاء والترفع، وهم بذلك حققوا أعلى مراتب الذل والتواضع والعبودية ( وهم لا يستكبرون ) لا بقلوبهم ولا بأبدانهم، عن طاعة ربهم وخالقهم أو عن الانقياد بأوامره وأحكامه.
إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْآيَاتِ كَالْحَاصِلِ، وَإِنَّمَا يَنْسَاهُ الْبَعْضُ فَإِذَا ذُكِّرَ بِهَا خَرَّ سَاجِدًا لَهُ، يَعْنِي انْقَادَتْ أَعْضَاؤُهُ لَهُ، وَسَبَّحَ بِحَمْدِهِ، يَعْنِي وَيُحَرِّكُ لِسَانَهُ بِتَنْزِيهِهِ عَنِ الشِّرْكِ، وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، يَعْنِي وَكَانَ قَلْبُهُ خَاشِعًا لَا يَتَكَبَّرُ وَمَنْ لَا يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ فهو المؤمن حقا.[2]
هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ أَنَّهُمْ لِإِلْفِهِمُ الْكُفْرَ لَا يُؤْمِنُونَ بِكَ، إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِكَ وَبِالْقُرْآنِ الْمُتَدَبِّرُونَ لَهُ وَالْمُتَّعِظُونَ بِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ" خَرُّوا سُجَّداً".
المراد بالآيات هنا آيات القرآن بقرينة قوله الذين إذا ذكروا بها بتشديد الكاف، أي أعيد ذكرها عليهم وتكررت تلاوتها على مسامعهم.[3]
{خروا سجداً} أي بادروا إلى السجود مبادرة من كأنه سقط من غير قصد، خضعاً لله من شدة تواضعهم وخشيتهم وإخباتهم له خضوعاً ثابتاً دائماً.[4]
أَيْ خَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى وُجُوهِهِمْ تَعْظِيمًا لِآيَاتِهِ وَخَوْفًا مِنْ سَطْوَتِهِ وَعَذَابِهِ. (وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) أَيْ خَلَطُوا التَّسْبِيحَ بِالْحَمْدِ، أَيْ نَزَّهُوهُ وَحَمِدُوهُ، فَقَالُوا فِي سُجُودِهِمْ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ، أَيْ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعَالَى عَنْ قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ.[5]
هنالك فرق بين ( فقعوا له ساجدين ) ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ) ( خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم ).
في الأولى: بعد أن نفخ الله بآدم الروح وكان الملائكة مشغولين بالتسبيح والتحميد ولأهمية هذا الحدث من كان مشغولا بشيء ثم انتبه كأنه وقع.
والثانية: هو السجود الطبيعي الذي نقوم به في الصلاة، وكذلك سجود الملائكة لآدم عليه السلام.
والثالثة: عندما يقرأ الإمام في الركعة الأولى من فجر الجمعة بسورة السجدة ويصل إلى قوله ( إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا ) فإنهم ينزلون من قيامهم خاضعين ساجدين متذللين لله عز وجل، كخرير الماء وهو هبوط مصحوبا بصوت، كأنه صوت الخشوع والبكاء، وفرق بين شخص قرأ آية فسجد، وآخر قرأ آية مؤثرة فسجد وهبط إلى الأرض وهو يبكي.
وأوثرت صيغة المضارع في إنما يؤمن لما تشعر به من أنهم يتجددون في الإيمان ويزدادون يقينا وقتا فوقتا.[6]
والخرور: الهوي من علو إلى سفل، والسقوط بغير نظام ولا ترتيب.
والسجود: وضع الجبهة على الأرض إرادة التعظيم والخضوع.[7]
وكل سجود في القرآن يتلو هذه المادة (خرَّ) دليل على أنها أصبحتْ مَلَكة وآلية في المؤمن، بل ويؤكدها الحق سبحانه بقوله: {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} [الإسراء: 107] لأنه سجود يأخذ الذقن، فهو متمكن في الذلّة، وهو فوق السجود الذي نعرفه في الصلاة على الأعضاء السبعة المعروفة.[8]
هذه الآية من عزائم السجود، فيسن السجود عند تلاوتها للقارئ والمستمع، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقرأُ السورةَ التي فيها السجدةَ، فيَسْجُدُ ونَسْجُدُ، حتى ما يَجِدُ أحدُنا مكانًا لموضعِ جبهتِه.[9]
ويقول عليه الصلاة والسلام: إذا قرَأ ابنُ آدَمَ السَّجدةَ فسجَد اعتزَل الشَّيطانُ يبكي ويقولُ: يا ويلَه أُمِر ابنُ آدَمَ بالسُّجودِ فسجَد فله الجنَّةُ وأُمِرْتُ بالسُّجودِ فأبَيْتُ فلِيَ النَّارُ.[10]
والسجود عبادة جليلة لها فضائل عظيمة ومنافع كبيرة وآثار محمودة نذكر منها:
أثنى الله سبحانه على صحابة نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله( تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ )[11].
قال الله لنبيه مثنيا عليه مبينا عظم هذه العبادة( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ . وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ )[12]، وتقلبك راكعا وساجدا خصها بالذكر، لفضلها وشرفها[13]، وللأسف شتان من يتقلب في أماكن المعاصي واللهو وضياع الأوقات، ومن يتقلب ساجدا طائعا خاشعا لله!
قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام ( كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ )[14].
وقد أثنى الله على عباد الرحمن المؤمنين بقوله( وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا )[15].
قال عليه الصلاة والسلام( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد . فأكثروا الدعاء ).[16]
قال عليه الصلاة والسلام لثوبان رضي الله عنه( عليك بكثرةِ السجودِ للهِ فإنك لا تسجدُ للهِ سجدةً إلا رفعَك اللهُ بها درجةً وحطَّ عنك بها خطيئةً ).[17]
وقال عليه الصلاة والسلام( وحرَّمَ اللهُ على النارِ أنْ تأكلَ آثارَ السجودِ ).[18]
فائدة السجود من الناحية العلمية:
بسبب التطور التقني وكثرة الأجهزة الكهربائية والآلات المتعددة، التي يستخدمها الإنسان وتكون حوله يوميا، يستقبل كميات كبيرة من الأشعة الكهرومغناطيسية، فيصاب بالصداع والضيق والكسل والخمول.
باحث غربي غير مسلم اكتشف أن أفضل طريقة لتخلص الجسم من تلك الشحنات الموجبة المؤذية؛ أن يضع جبهته أكثر من مرة على الأرض السالبة، والأفضل أن تضعها على التراب مباشرة! والطريقة الأمثل أن تضع جبهتك وأنت في اتجاه مركز الأرض التي هي الكعبة في مكة المكرمة!
ومن هداية الآية:
( إذا ذكروا بها ) من أي مذكر كان، وهنا فائدة وهي ضرورة الاستجابة والتواضع والانقياد للنصيحة والتذكرة، أيا كان صاحبها، فاتباع الحق لا يتوقف على عين حامله وقائله! فالحق أحق أن يتبع.
في السجود تضع وجهك وجبهتك، وهي رمز العلو والرِّفْعة تضعها على الأرض خضوعاً لله عَزَّ وَجَلَّ.[19]
إذا رضي المؤمن أن يضع أعز شيء فيه وهي جبهته، على التراب وهو أذل شيء يطئه الناس، فقد عرف الله حقه.
الله جل جلاله غني عن سجود جميع الخلق، ولكن ما رزق المؤمن السجود له وأعانهم عليه إلا لأنه يحبهم، وهذا من أعظم التوفيق.
النفس تمر بحالات من الغفلة والنسيان، فهي بحاجة لتذكير مستمر وتنشيط للأذهان وتجديد للإيمان، فتعاهد قلبك واستثمر الفرص والمواسم كرمضان.
إياك والتسويف فالمؤمن الحق بمجرد التذكير يتذكر، ويخر ساجدا خاضعا لله.
سرعة الاستجابة لأوامر الله من أعظم علامات الشكر على النعم.
جزاء من يستجيب الجنة كما في هذه الآية، وجزاء من يستكبر النار قال تعالى (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ).
في الآية أهمية تأمل وتدبر آيات القرآن لحصول التذكر والتفكر ثم الخضوع والاستجابة.
اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.

---------------------------
[1]البقاعي.
[2]مفاتيح الغيب.
[3]ابن عاشور.
[4]البقاعي.
[5]القرطبي.
[6]ابن عاشور.
[7]ابن عاشور.
[8]الشعراوي.
[9]متفق عليه.
[10]صحيح مسلم.
[11]( الفتح:29).
[12]( الشعراء: 217-219).
[13]السعدي.
[14]( العلق:19).
[15]( الفرقان:64).
[16]صحيح مسلم.
[17]صحيح مسلم.
[18]صحيح الجامع برقم 7033.
[19]الشعراوي.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #16  
قديم 13-04-2021, 04:57 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,331
الدولة : Egypt
افتراضي رد: خواطر قرآنية" سورة السجدة"

خواطر قرآنية" سورة السجدة" ( 16-30 )
أيمن الشعبان

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، ومعلمَ العلوم والآداب، خالقَ الناس من تراب، ناصر المؤمنين العزيزِ الوهاب، والصلاة والسلام على خير من صلى وتاب، وجميع الآل والأصحاب ومن تبعهم إلى يوم المئاب، وبعد:
في الآية التي معنا يذكر ربنا سبحانه وتعالى بعض أحوال المؤمنين وأعمالهم، من أعظم صور اليقين والخضوع فيقول عز وجل( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ).
تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ أي ترتفع والمعنى يتركون مضاجعهم بالليل من كثرة صلاتهم النوافل، ومن صلى العشاء والصبح في جماعة فقد أخذ بحظه من هذا.[1]
الجفوة ترك مع كراهية المتروك، لأن مجرد الترك قد يصاحبه شوق وألم للمتروك!
{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع } أي: ترتفع جنوبهم، وتنزعج عن مضاجعها اللذيذة، إلى ما هو ألذ عندهم منه وأحب إليهم، وهو الصلاة في الليل، ومناجاة الله تعالى.[2]
ولما كان المتواضع ربما نسب إلى الكسل، نفى ذلك عنهم بقوله مبيناً بما تضمنته الآية السالفة من خوفهم: {تتجافى} أي ترتفع ارتفاع مبالغ في الجفاء - بما أشار إليه الإظهار، وبشر بكثرتهم بالتعبير بجمع الكثرة فقال: {جنوبهم} بعد النوم {عن المضاجع} أي الفرش الموطأة الممهدة التي هي محل الراحة والسكون والنوم، فيكونون عليها كالملسوعين، لا يقدرون على الاستقرار عليها، في الليل الذي هو موضع الخلوة ومحط اللذة والسرور بما تهواه النفوس.[3]
قد بعدوا في خلال الليالي عن مواضع رقودهم واستراحتهم يَدْعُونَ رَبَّهُمْ حينئذ خَوْفاً من بطشه وأخذه حسب قهره وجلاله وَطَمَعاً لمرضاته وسعة رحمته وجوده ومغفرته حسب لطفه وجماله وَهم لا يقتصرون بمجرد قيام الليل وصلاة التهجد فيه بل مِمَّا رَزَقْناهُمْ وسقناهم نحوهم من الرزق الصوري والمعنوي يُنْفِقُونَ في سبيلنا على الطالبين المتوجهين إلينا منقطعين عن لذائذ الدنيا ومزخرفاتها سوى سد جوعة وستر عورة وهم بارتكاب هذه المتاعب والمشاق ما يريدون إلا وجه الله وما يطلبون إلا رضاه سبحانه موثرين رضاء الله على أنفسهم مخلصين فيه.[4]
المضاجع آخر مرحلة في اليقظة، ولم تأْتِ إلا بعد عدة مراحل من التعب، ومع ذلك شوق المؤمنين إلى ربهم ورغبتهم في الوقوف بين يديه سبحانه يُنسبهم هذه الراحة، ويُزهِّدهم فيها، فيجفونها ليقفوا بين يدي الله.[5]
ولما كانت العبادة تقطع عن التوسع في الدنيا، فربما دعت نفس العابد إلى التمسك بما في يده خوفاً من نقص العبادة عن الحاجة لتشوش الفكر والحركة لطلب الرزق، حث على الإنفاق منه اعتماداً على الخلاق الرزاق الذي ضمن الخلف ليكونوا بما ضمن لهم أوثق منهم بما عندهم، وإيذاناً بأن الصلاة سبب للبركة في الرزق {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك} [طه: 132] ، فقال لفتاً إلى مظهر العظمة تنبيهاً على أن الرزق منه وحده: {ومما رزقناهم} أي بعظمتنا، لا حول منهم ولا قوة {ينفقون } من غير إسراف ولا تقتير في جميع وجوه القرب التي شرعناها لهم.[6]
{ومما رزقناهم} من الرزق، قليلا كان أو كثيرا {ينفقون} ولم يذكر قيد النفقة، ولا المنفق عليه، ليدل على العموم، فإنه يدخل فيه، النفقة الواجبة، كالزكوات، والكفارات، ونفقة الزوجات والأقارب، والنفقة المستحبة في وجوه الخير، والنفقة والإحسان المالي، خير مطلقا، سواء وافق غنيا أو فقيرا، قريبا أو بعيدا، ولكن الأجر يتفاوت، بتفاوت النفع، فهذا عملهم.[7]
لما ذكر إيثارهم التقرب إلى الله على حظوظ لذاتهم الجسدية ذكر معه إيثارهم إياه على ما به نوال لذات أخرى وهو المال إذ ينفقون منه ما لو أبقوه لكان مجلبة راحة لهم فقال ومما رزقناهم ينفقون أي: يتصدقون به ولو أيسر أغنياؤهم فقراءهم.[8]
وفي إسناد التجافي إلى الجنوب دون أن يقال: يجافون جنوبهم إشارة إلى أن حال أهل اليقظة والكشف، ليس كحال أهل الغفلة والحجاب، فإنهم لكمال حرصهم على المناجاة، ترتفع جنوبهم عن المضاجع حين ناموا بغير اختيارهم، كأن الأرض ألفتهم من نفسها، وأما أهل الغفلة فيتلاصقون بالأرض لا يحركهم محرك.[9]
( يدعون ربهم خوفا وطمعا ) في صلاتهم وجميع أحوالهم هم يكثرون من الدعاء يذكرون الله سبحانه ويدعونه في وقت البلاء والرخاء.
المؤمن إذا عرف ما عند الله من عظيم الفضل، طمع بما عنده رجاء ثوابه، وبالوقت ذاته يخشى عذاب الله وعقابه ولا يأمن مكر الله، دون أن يدفعه ذلك إلى اليأس والقنوط من رحمته، فهو بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، وهذه قمة العبادة.
وصف الله عباده القائمين الليل بوصف آخر إذ يقول (كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ ).
واعلم أن قيام الليل من علو الهمة، وهو وهب من الله تعالى، فمن وهب له هذا فليقم ولا يترك ورد الليل بوجه من الوجوه.[10]
قال عليه الصلاة والسلام( عليكُم بقيامِ اللَّيلِ، فإنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحينَ قبلَكُم، و قُربةٌ إلى اللهِ تعالى ومَنهاةٌ عن الإثمِ و تَكفيرٌ للسِّيِّئاتِ، ومَطردةٌ للدَّاءِ عن الجسَدِ ).[11]
وقال عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما( نعم الرجل عبد الله ، لو كان يصلي من الليل. فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا).[12]
سُئلَ عليه الصلاة والسلام: أيُّ الصلاةِ أفضلُ بعد المكتوبةِ ؟ وأيُّ الصيامِ أفضلُ بعد شهرِ رمضانَ ؟ فقال ( أفضلُ الصلاةِ، بعد الصلاةِ المكتوبةِ، الصلاةُ في جوفِ الليل. وأفضلُ الصيامِ، بعد شهرِ رمضانَ، صيامُ شهرِ اللهِ المُحرَّمِ ).[13]
يقول عليه الصلاة والسلام( إِنَّ في الجنةِ؛ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُها من باطِنِها، وباطِنُها من ظَاهِرِها، أَعَدَّها اللهُ تعالى لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وأَفْشَى السلامَ، وصلَّى بِالليلِ والناسُ نِيامٌ ).[14]
صلاة الليل عبادة جليلة لذلك اعتنى بها السلف الصالح بشكل كبير، وهذه نماذج من اهتمامهم البالغ وحرصهم وتمسكهم بها:
عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان تحت عينيه خطان أسودان من كثرة البكاء! وكان يقوم الليل ويوقظ أهله.
وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه اذا هدأت العيون وأرخى الليل سدوله، سمع له دويّ كدوي النحل وهو قائم يصلي!!
يقول أحد التابعين: كابدت قيام الليل سنة، فاستمتعت به عشرين سنة.
وهذا سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما يقول: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم، وأن ذنوبك الكثيرة قيدتك!!
وقال أبو سليمان: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.
قال ابن المنكدر: ما بقى من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، وصلاة الجماعة.
ويقول أحد التابعين: منذ أربعين سنة ما حزنت على شيء كحزني على طلوع الفجر!!
الآية فيها إشارة لكثرة قيامهم الليل بدليل جمع الكثرة " جنوبهم" بمعنى أن الأصل والغالب الأعم القيام، وليس الاستثناء! وأن تجافي جنوبهم في الليلة الواحدة يتكرر!
قد يهجر المضجع أناس لغير العبادة، سهرا على معصية أو لهو وضياع وقت، لذلك أكد الله في هذه الآية أن تجافي مضاجع هذا الصنف من المؤمنين للعبادة بقوله ( يدعون ربهم خوفا وطمعا ).
من صفات المؤمنين أنهم مشغولون بذكر الله، لا ينامون إذا نام الناس، ولا يلهون أو يلعبون إذا خاض الناس في سفاسف الأمور!
في الآية تعريض بالمشركين إذ يمضون ليلهم بالنوم لا يصرفه عنهم تفكر بل يسقطون كما تسقط الأنعام.[15]
الإنفاق في سبيل الله أجره عظيم وفضله جسيم، يكفي أن الله لخص كل الأعمال الصالحة في الدنيا لمن طلب الرجوع في الصدقة! قال تعالى ( وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ).[16]
اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.

--------------------------------
[1]التسهيل لعلوم التنزيل.
[2]السعدي.
[3]البقاعي.
[4]الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية.
[5] الشعراوي.
[6]البقاعي.
[7]السعدي.
[8]ابن عاشور.
[9] حدائق الروح والريحان.
[10]روح البيان.
[11]صحيح الجامع برقم 4079.
[12]صحيح البخاري.
[13]صحيح مسلم.
[14]تخريج المشكاة برقم 1189.
[15]ابن عاشور.
[16] ( المنافقون:10).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #17  
قديم 18-05-2021, 04:00 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,331
الدولة : Egypt
افتراضي رد: خواطر قرآنية" سورة السجدة"

خواطر قرآنية" سورة السجدة" ( 17-30 )
أيمن الشعبان


بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، ومعلمَ العلوم والآداب، خالقَ الناس من تراب، ناصر المؤمنين العزيزِ الوهاب، والصلاة والسلام على خير من صلى وتاب، وجميع الآل والأصحاب ومن تبعهم إلى يوم المئاب، وبعد:
بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى صفات المؤمنين في الآيتين السابقتين؛ من سرعة السجود والخضوع والتسبيح والتحميد، وهجران المضاجع قائمين ساجدين مستغفرين بالأسحار، منفقين مما رزقهم الله، شرع في بيان وتعظيم جزاءهم إذ قال(فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ).
يَعْنِي مِمَّا تَقَرُّ الْعَيْنُ عِنْدَهُ وَلَا تَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهِ يُقَالُ إِنَّ هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي عَيْنِي، يَعْنِي عَيْنِي تَطَلَّعُ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ تَطَلُّعٌ لِلْعَيْنِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَبْقَ لِلْعَيْنٍ مَسْرَحٌ إِلَى غَيْرِهِ فَتَقَرُّ جَزَاءً بِحُكْمِ الْوَعْدِ، وَهَذَا فِيهِ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَنَّ مِنَ الْعَبْدِ شَيْئًا وَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَمِنَ اللَّهِ أَشْيَاءُ سَابِقَةٌ مِنَ الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَغَيْرِهِمَا وَأَشْيَاءُ لَاحِقَةٌ مِنَ الثَّوَابِ وَالْإِكْرَامِ، فَلِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَقُولَ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِحْسَانٌ، وَأَنَا أَحْسَنْتُ أَوَّلًا وَالْعَبْدُ أَحْسَنَ فِي مُقَابَلَتِهِ، فَالثَّوَابُ تَفَضُّلٌ وَمِنْحَةٌ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ.[1]
أَيْ: فَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ عَظَمَةَ مَا أَخْفَى اللَّهُ لَهُمْ فِي الْجَنَّاتِ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَاللَّذَّاتِ الَّتِي لَمْ يَطَّلِعُ عَلَى مِثْلِهَا أَحَدٌ، لَمَّا أَخْفَوْا أَعْمَالَهُمْ أَخْفَى اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ، جَزَاءً وِفَاقًا؛ فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.[2]
والمراد: لا تعلم نفس ما أخفي لهم علما تفصيليا، وإلا فنحن نعلم ما أعد للمؤمنين من النعيم إجمالا، من حيث إنه غرف في الجنة وقصور وأشجار وأنهار وملابس ومآكل وغير ذلك، ذكره أبو السعود.[3]
أي نفس لا تعلم مهما بلغ بها الخيال والطموح والتفكير، فلا تقدر أن تعرف شيئا عن نعيمهم وما الذي ينتظرهم.
العين تشير إلى مظهر ومعالم وتقاسيم الإنسان، فمن خلالها تظهر السعادة أو الحزن، والتعب أو الراحة، كما أنها تعبر عن كثير من المشاعر والهواجس، حتى القناعة من غيرها تظهر على العين!
أهل الجنة استقرت عيونهم، فلا مطامع ولا مطامح ولا رغبات مكبوتة أو معلنة، فقد نالوا كل فضل وكرامة وشرف وخير، بل كل ما تشتهيه الأعين فاستقرت أعينهم!
ولما كانت العين لا تقر فتهجع إلا عند الأمن والسرور قال: {من قرة أعين} أي من شيء نفيس سارّ تقر به أعينهم لأجل ما أقلعوها عن قرارها بالنوم.[4]
(قرة العين) أي: استقرارها على شيء بحيث لا تتحول عنه إلى غيره، والعين لا تستقر على الشيء إلا إذا أعجبها، ورأتْ فيه كل ما تصبو إليه من متعة.[5]
قَالَ الْحَسَنُ: أَخْفَى الْقَوْمُ أَعْمَالًا فَأَخْفَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ.[6]
فَلا تَعْلَمُ ولا تعرف ولا تأمل نَفْسٌ منهم كيفية ما أُخْفِيَ وأعد لَهُمْ من قبل الحق قُرَّةِ أَعْيُنٍ ألا وهي فوزهم بشرف لقائه ورؤية وجهه الكريم.[7]
{فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ} يدخل فيه جميع نفوس الخلق، لكونها نكرة في سياق النفي. أي: فلا يعلم أحد {مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} من الخير الكثير، والنعيم الغزير، والفرح والسرور، واللذة والحبور، كما قال تعالى على لسان رسوله: "أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".[8]
قال اللهُ تعالى : أعددتُ لعبادي الصالحينَ ، ما لا عينٌ رأتْ ، ولا أذنٌ سمعتْ ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ . فاقرؤوا إن شئتم : ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) .[9]
سأل موسى ربه : ما أدنى أهل الجنة منزلة ؟ قال : هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له : ادخل الجنة . فيقول أي رب ! كيف ؟ وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم ؟ فيقال له : أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا ؟ فيقول : رضيت ، رب ! فيقول : لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله . فقال في الخامسة : رضيت ، رب ! فيقول : هذا لك وعشرة أمثاله . ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك . فيقول : رضيت ، رب ! قال : رب ! فأعلاهم منزلة ؟ قال : أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي . وختمت عليها . فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر . قال ومصداقه في كتاب الله عز وجل : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين).[10]
قرة عين كل واحد: ما كان بغيتَه وهِمَّته في الدنيا، فمن كانت همته القصور والحور، أعطاه ما تقر به عينه من ذلك، ومن كانت بغيته وهمته النظرة، أعطاه ما تقر به عينه من ذلك، على الدوام. قال أبو سليمان: شتان بين مَنْ هَمُّهُ القصور والحور، ومن همه الحضور ورفع الستور. جعلنا الله من خواصهم. آمين.[11]
ففي الجنة تقرّ العيون بحيث لم يَعُدْ لها تطلعات، فقد كَمُلَتْ لها المعاني، فلا ينبغي لها أنْ تطمع في شيء آخر إلا الدوام.[12]
الأعمال ليست ثمنا للجنة بل هي سببا، لأن ثمن الجنة غالي جدا جدا ( ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة ).
فالجنة سلعة الله الغالية لعباده المؤمنين الخاضعين لأوامره، ولا نقدر تتبع أو ذكر كل ما أعده الله في دار كرامته، لكن نذكر على سبيل الأمثلة:
قال تعالى( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ).
وقال تعالى( والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ).
وقال تعالى( يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين ).
أما بناء الجنة يقول عليه الصلاة والسلام( الجنةُ بناؤها لَبِنَةٌ من فضةٍ ، ولَبِنَةٌ من ذهبٍ ، ومِلاطُها المسكُ الأذفرُ ، وحصباؤها اللؤلؤُ والياقوتُ ، وتربتُها الزَّعفرانُ ، من يدخلُها ينعَمْ لا يبْأَسُ ، ويخلدْ لا يموتُ ، لا تَبلى ثيابُهم ، ولا يَفنى شبابُهم ).[13]
ومن هداية الآية أهمية الإخلاص في الأعمال، فلما أخفى القائمون القانتون لله أعمالهم وتواروا عن أنظار الناس، في صلاة الليل، أعظم الله ثوابهم وأخفى جزاءهم، لأن الجزاء من جنس العمل.
وقد دلت العديد من الآيات على أهمية إخلاص النية لله في الأعمال، قال تعالى( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ )[14].
وقال سبحانه( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ )[15].
وقال عليه الصلاة والسلام( إنما الأعمال بالنيات ).[16]
ولأهمية الإخلاص كان العلماء إذا التقوا يتناصحون بالتالي:
كَانَتِ الْعُلَمَاءُ إِذَا الْتَقَوْا تَوَاصَوْا بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَإِذَا غَابُوا كَتَبَ بِهَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ أَنَّهُ: مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنِ اهْتَمَّ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ.[17]
وقال بلال بن سعد: لَا تَكُنْ وَلِيًّا لِلَّهِ فِي الْعَلَانِيَةِ وَعَدُوَّهُ فِي السَّرِيرَةِ.[18]
والإخلاص هو أن يستوي عملك في السر والعلن، وأن لا تبتغي في أعمالك أجرا ولا فضلا ولا ثناء ولا محمدة إلا من الله وحده.
ونقل عن بعض السلف أقوالهم:
بالصدق والإخلاص يفتح الله على العبد من الفتوحات العلمية والإيمانية ما الله به عليم.
لما سُئِلَ عن أهم الأعمال قال: "الإخلاص ولا تستطيعه النفوس إلا بالمجاهدة".
أعز شيء في الدنيا الإخلاص.
ينبغي التفرغ لتعليم الناس الإخلاص.
مَا نزل من السَّمَاء أعز من التَّوْفِيق، وَلَا صعد من الأَرْض أعز من الْإِخْلَاص[19].
اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.

------------------------------------
[1]مفاتيح الغيب.
[2]ابن كثير.
[3]حدائق الروح والريحان.
[4]البقاعي.
[5]الشعراوي.
[6]القرطبي.
[7]الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية.
[8]السعدي.
[9]متفق عليه.
[10]صحيح مسلم.
[11]البحر المديد.
[12]الشعراوي.
[13]صحيح الجامع برقم 3116.
[14]( البينة:5).
[15]( الزمر:11).
[16]متفق عليه.
[17]الإخلاص والنية لابن أبي الدنيا.
[18]الإخلاص والنية لابن أبي الدنيا.
[19]التحبير شرح التحرير.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #18  
قديم 18-05-2021, 04:01 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,331
الدولة : Egypt
افتراضي رد: خواطر قرآنية" سورة السجدة"

خواطر قرآنية" سورة السجدة" ( 18-30 )
أيمن الشعبان


بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، ومعلمَ العلوم والآداب، خالقَ الناس من تراب، ناصر المؤمنين العزيزِ الوهاب، والصلاة والسلام على خير من صلى وتاب، وجميع الآل والأصحاب ومن تبعهم إلى يوم المئاب، وبعد:
بعد أن بين الله سبحانه حال المؤمنين في الدنيا وما لهم من نعيم في الآخرة، وحال الكفار الفاسقين وصفاتهم ومآلهم يوم القيامة؛ عطف على ذلك سؤال العقلاء: هل يستوي الفريقان؟ يقينا لا يستويان، ليبين أحوال كل فريق يوم القيامة.
ولما كان موضوع السورة الخضوع ومادتها اليقين بحقائق الإيمان؛ قال تعالى ( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ).
ولما كانوا أهل بلاغة ولسن، وبراعة: وجدل، فكان ربما قال متعنتهم: ما له إذا كان ما تزعمون من أنه لا يبالي بشيء ولا ينقص من خزائنه شيء وهو العزيز الرحيم، لا يسوي بين الكل في إدخال الجنة، والمن بالنعيم فيعمهم بالرحمة الظاهرة كما عمهم بها في الدينا كما هو دأب المحسنين؟[1]
{مؤمناً} أي راسخاً في التصديق العظيم بجميع ما أخبرت به الرسل.
{فاسقاً} أي راسخاً في الفسق خارجاً عن دائرة الإذعان.[2]
قال قتادة: لا والله لا يستوون لا في الدينا ولا عند الموت ولا في الآخرة.[3]
أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً يعنى أتظنون ايها الظانون المسرفون الجاحدون المنكرون ان من كان مؤمنا موقنا بوحدانية الله متصفا بالأعمال الصالحة المؤيدة لإيمانه كَمَنْ كانَ فاسِقاً خارجا عن ربقة الايمان والإخلاص وعن عموم حدود الشرائع والأديان الواردة لحفظ الايمان كلا وحاشا انهم لا يَسْتَوُونَ في الشرف والكمال والفوز والنوال.[4]
أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً خارجاً عن الإِيمان لاَّ يَسْتَوُونَ في الشرف والمثوبة تأكيد وتصريح.[5]
يخبر تعالى عن عدله –وكرمه- أنه لا يساوي في حكمه يوم القيامة من كان مؤمنا بآياته متبعا لرسله، بمن كان فاسقا، أي: خارجا عن طاعة ربه مكذبا لرسله إليه.[6]
أفمن كان في حال الوصال يجرّ أذياله كمن هو في مذلة الفراق يقاسى وباله؟
أفمن كان في روح القربة ونسيم الزلفة كمن هو في هول العقوبة يعانى مشقة الكلفة؟
أفمن هو في روح إقبالنا عليه كمن هو في محنة إعراضنا عنه؟
أفمن بقي معنا كمن بقي عنّا؟
أفمن هو في نهار العرفان وضياء الإحسان كمن هو في ليالى الكفران ووحشة العصيان؟
أفمن أيّد بنور البرهان وطلعت عليه شموس العرفان كمن ربط بالخذلان ووسم بالحرمان؟ لا يستويان ولا يلتقيان![7]
ينبه تعالى، العقول على ما تقرر فيها، من عدم تساوي المتفاوتين المتباينين، وأن حكمته تقتضي عدم تساويهما فقال: {أفمن كان مؤمنا} قد عمر قلبه بالإيمان، وانقادت جوارحه لشرائعه، واقتضى إيمانه آثاره وموجباته، من ترك مساخط الله، التي يضر وجودها بالإيمان.
{كمن كان فاسقا} قد خرب قلبه، وتعطل من الإيمان، فلم يكن فيه وازع ديني، فأسرعت جوارحه بموجبات الجهل والظلم، من كل إثم ومعصية، وخرج بفسقه عن طاعة الله.
أفيستوي هذان الشخصان؟.
{لا يستوون} عقلا وشرعا، كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلمة، وكذلك لا يستوي ثوابهما في الآخرة.[8]
{أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} أي أبعدَ ظهورِ ما بينهُما من التَّباينِ البيِّنِ يُتوهَّمُ كونُ المؤمنِ الذي حُكيت أوصافُه الفاضلةُ كالفاسقِ الذي ذُكرت أحوالُه {لاَّ يَسْتَوُونَ} التَّصريح به مع إفادةِ الإنكارِ لنفيِ المشابهةِ بالمرَّة على أبلغِ وجهٍ وآكدِه لبناء التَّفصيل الآتِي عليه.[9]
وكما قال تعالى في وصف مشابه ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ )[10].
وقال سبحانه( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار )[11].
وقوله سبحانه( لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ )[12].
ولم يقل يستويان، لأنّه لم يرد بالمؤمن مؤمنا واحدا، وبالفاسق فاسقا واحدا، وإنّما أراد جميع الفسّاق وجميع المؤمنين[13]، ولأن " مَنْ " تؤدي عن جمع فحمله على المعنى.. فيكون يستوون على هذا قد جمع في موضع التثنية، لأن التثنية جمع في الأصل.[14]
لماذا لم يأت الجواب مثلاً: لا يستوي المؤمن والفاسق؟ قالوا: لأن هذا الأسلوب يسمى أسلوب الإقناع التأكيدي، وهو أن تجعل الخصم هو الذي ينطق بالحكم.[15]
والمعنى: أي فهذا الكافر المكذب وعد الله ووعيده، المخالف أمره ونهيه، كهذا المؤمن بالله، المصدق وعده ووعيده، المطيع لأمره ونهيه، كلا، لا يستوون عند الله، ولا يتعادل الكفار به والمؤمنون.[16]
هنا قال ( فاسقا ) ولم يقل " كافرا " لتناسبه مع موضوع السورة وهو الخضوع، وعكس الخاضع الفاسق الذي يخرج عن طاعة الله.
من هداية الآية:
من باب العدل والإنصاف إعطاء كل ذي حق حقه، وعلى مدراء المؤسسات والمشاريع، التفريق بحسب الكفاءة والتفاني والإخلاص في العمل والبذل والعطاء.
أحد أسباب تخلف وتأخر الأمة، وانتكاس كثير من الشباب، هو تقديم المحسوبيات على الكفاءة والخبرة، حتى صار السافل عاليا والعالي سافلا!
المجتمع الآن للأسف ينظر لمن معه مال ومنصب وتجارة وجاه وقوة، أكثر من نظره إلى العالم والخبير وصاحب الفكر والعقل في نفع الأمة!
المؤسسة التي لا تعامل موظفيها على أساس المهنية والكفاءة والتفاني بغض النظر عن جنسه ولونه وعمره؛ مآلها الفشل ولو بعد حين!
أخبر عليه الصلاة والسلام أن الموازين ستنقلب، ويوسد الأمر لغير أهله، ويتصدر المشهد من لا خلاق لهم، يقول عليه الصلاة والسلام( لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ أسعدَ الناسِ بالدنيا لُكَعُ ابنُ لُكَعٍ ).[17]
في اليابان يعطى لقب " سعادة" للمعلم، من باب التقدير المعنوي وتثمينا لدوره الهام في نهضة المجتمع.
وعندما سُئل إمبراطور اليابان عن أسباب تقدم دولته في وقت قصير، أجاب: بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلمنا من أخطائهم، ومنحنا المعلم حصانة الدبلوماسي وراتب الوزير!
لا ينبغي أن نساوي في التعامل أو المكانة والتقدير والمكافئة؛ بين المؤمن والفاسق.. العالم والجاهل.. الأمين والخائن.. الصادق والكاذب.. المتقن والمهمل.. الحريص والمغفل.. المجتهد والخامل.. المثابر والكسلان!
اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.
-----------------------------------
[1]البقاعي.
[2]البقاعي.
[3]تفسير الماوردي.
[4]الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية.
[5]تفسير البيضاوي.
[6]ابن كثير.
[7]تفسير القشيري.
[8]السعدي.
[9]تفسير أبي السعود.
[10]( الزمر:9).
[11]( ص:28).
[12]( الحشر:20).
[13]تفسير الثعلبي.
[14]الهداية إلى بلوغ النهاية.
[15]الشعراوي.
[16]حدائق الروح والريحان.
[17]صحيح الجامع برقم 7431.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #19  
قديم 25-05-2021, 04:41 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,331
الدولة : Egypt
افتراضي رد: خواطر قرآنية" سورة السجدة"

خواطر قرآنية" سورة السجدة" ( 19-30 )
أيمن الشعبان

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، ومعلمَ العلوم والآداب، خالقَ الناس من تراب، ناصر المؤمنين العزيزِ الوهاب، والصلاة والسلام على خير من صلى وتاب، وجميع الآل والأصحاب ومن تبعهم إلى يوم المئاب، وبعد:
بعد أن نفى استواءهما أتبعه بذكر حال كل منهما على سبيل التفصيل:
( أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي أما الذين صدّقوا الله ورسوله وعملوا صالح الأعمال، فلهم مساكن فيها البساتين والدور، والغرف العالية، جزاء لهم على جليل أعمالهم، وطيب أفعالهم التي كانوا يعملونها فى الدنيا.[1]
أَخْبَرَ عَنْ مَقَرِّ الْفَرِيقَيْنِ غَدًا، فَلِلْمُؤْمِنِينَ جنات المأوى أو يَأْوُونَ إِلَى الْجَنَّاتِ فَأَضَافَ الْجَنَّاتِ إِلَى الْمَأْوَى لان ذلك الْمَوْضِعَ يَتَضَمَّنُ جَنَّاتٍ." نُزُلًا" أَيْ ضِيَافَةً. وَالنُّزُلُ: مَا يُهَيَّأُ لِلنَّازِلِ وَالضَّيْفِ.[2]
( جنات المأوى )أي الجنات المختصة دون الدنيا التي هي دار ممر، دون النار التي هي دار مفر لا مقر، بتأهلها للمأوى الكامل في هذا الوصف بما أشار إليه ب «ال» ثابتون فيها لا يبغون عنها حولاً، كما تبؤوا الإيمان الذي هو أهل للإقامة فلم يبغوا به بدلاً.[3]
فإذا كانت هذه الجنات نزلاً فما ظنك بما بعد ذلك![4]
وأضيفتْ الجنَّةُ إلى المَأْوى لأنَّها المأوى الحقيقيُّ وإنَّما الدُّنيا منزلٌ مرتحلٌ عنه لا محالةَ.[5]
قُرن لفظ الإيمان بالعمل الصالح في القرآن خمسين مرة، في إشارة ودلالة لأهمية الأعمال لا مجرد فقط الإيمان المجرد بالقلب واللسان، فلابد من أعمال صالحة تصدق حقيقة الإيمان، وكما يقول الحسن البصري: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال.
وأصل النزل: ما يعد للضيف من الطعام والشراب والمبيت، ثم أطلق على كل عطاء.[6]
والنزُل هو المكان المعَدّ لينزل فيه الضيف الطارئ عليك؛ لذلك يسمون الفندق (نُزُل) ، فإذا كانت الفنادق الفاخرة التي نراها الآن ما أعَدَّه البشر للبشر، فما بالك بما أعدَّهُ ربُّ البشر لعباده الصالحين؟[7]
أضيفت الجنة إلى المأوى، لأنها المأوى الحقيقي، وإنما الدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة، ولذلك سميت قنطرة، لأنها معبر للآخرة لا مقر.[8]
{بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فأعمالهم التي تفضل الله بها عليهم، هي التي أوصلتهم لتلك المنازل الغالية العالية، التي لا يمكن التوصل إليها ببذل الأموال، ولا بالجنود والخدم، ولا بالأولاد، بل ولا بالنفوس والأرواح، ولا يتقرب إليها بشيء أصلا سوى الإيمان والعمل الصالح.[9]
من هداية الآية:
الإيمان أصل سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة وجماعها التقوى، كما قال الحطيئة:


و لست أرى السعادة جمع مال * و لكن التقي هو السعيد
فتقوى الله خير الزاد ذخراً * وعند الله للأتقى مزيد
و ما لا بد أن يأتي قريب * و لكن الذي يمضي بعيد


أهمية الأعمال الصالحة مع الإيمان، ولا يكفي مجرد ادعاء الإيمان والصلاح دون عمل.
أن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة دار الإقامة الأبدية.
يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فاليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل.
قال أحد الزهاد: لو كانت الدنيا ذهبا يفنى، والآخرة خزفا يبقى، لآثر العاقل خزفا يبقى، على ذهب يفنى، فكيف والدنيا أقل من خزف والآخرة أكثر من ذهب!!
قال عيسى عليه السلام: الدنيا قنطرة اعبروها ولا تعمروها.
ولله در امرأة فرعون آسيا بنت مزاحم رضي الله عنها ما أعقلها، عندما طلقت الدنيا وما فيها من القصور والدور ومتاع الغرور، والتجأت لله العزيز الغفور، حتى" إن فرعون أوتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها و رجليها، فكان إذا تفرقوا عنها ظللتها الملائكة، فقالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة و نجني من فرعون و عمله و نجني من القوم الظالمين ) فكشف لها عن بيتها في الجنة.[10]
اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.


---------------------------------------
[1]تفسير المراغي.
[2]القرطبي.
[3]البقاعي.
[4] البقاعي.
[5] تفسير أبي السعود.
[6] المنير للزحيلي.
[7] الشعراوي.
[8] حدائق الروح والريحان.
[9] السعدي.
[10] السلسلة الصحيحة.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #20  
قديم 11-06-2021, 02:52 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,331
الدولة : Egypt
افتراضي رد: خواطر قرآنية" سورة السجدة"

خواطر قرآنية" سورة السجدة" ( 20-30 )
أيمن الشعبان

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، ومعلمَ العلوم والآداب، خالقَ الناس من تراب، ناصر المؤمنين العزيزِ الوهاب، والصلاة والسلام على خير من صلى وتاب، وجميع الآل والأصحاب ومن تبعهم إلى يوم المئاب، وبعد:
بعد أن ذكر الله نزل ومقام المؤمنين، أتبعه بيان حال ومآل الكافرين فقال ( وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ )[1].
{وأما الذين فسقوا} أي خرجوا عن دائرة الإيمان الذي هو معدن التواضع وأهل للمصاحبة والملازمة {فمأواهم النار} أي التي لا صلاحية فيها للإيواء بوجهن الوجوه أصلاً.[2]
مقرهم ومحل خلودهم، النار التي جمعت كل عذاب وشقاء، ولا يفتر عنهم العقاب ساعة.[3]
كما قال تعالى واصفا عذاب الكفار المجرمين ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ . لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ )[4].
الْعَمَلَ الصَّالِحَ لَهُ مَعَ الْإِيمَانِ أَثَرٌ أَمَّا الْكُفْرُ إِذَا جَاءَ فَلَا الْتِفَاتَ إِلَى الْأَعْمَالِ، فَلَمْ يَقُلْ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا وَعَمِلُوا السَّيِّئَاتِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ فَسَقُوا كَفَرُوا وَلَوْ جَعَلَ الْعِقَابَ فِي مُقَابَلَةِ الْكُفْرِ وَالْعَمَلِ، لَظُنَّ أَنَّ مُجَرَّدَ الْكُفْرِ لَا عِقَابَ عَلَيْهِ.
قالوا: المأوى المكان الذي ينزل فيه الإنسان على هواه وعلى (كيفه)، أما هؤلاء فينزلون هنا رغماً عنهم، أو أن الكلام هنا على سَبْق التهكم والسخرية، كما قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.[5]
وَقَوْلُهُ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ (لَهُمْ) بِلَامِ التَّمْلِيكِ زِيَادَةُ إِكْرَامٍ لِأَنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ اسْكُنْ هَذِهِ الدَّارَ يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى الْعَارِيَةِ وَلَهُ اسْتِرْدَادُهُ، وَإِذَا قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لَكَ يَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى نِسْبَةِ الْمِلْكِيَّةِ إِلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ بِحُكْمِ قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: لَهُمْ جَنَّاتٍ.[6]
لما كان أهل الحق في الدنيا ينصحون أهل الضلال، بأن يخرجوا من باطلهم وكفرهم من الانحطاط الأخلاقي والروحي والديني، والتمسك بشريعة ربهم وخالقهم والترفع والارتقاء بالإيمان، تكبروا فكان جزائهم يوم القيامة، كلما حاولوا الانتقال من أسفل إلى أعلى أعيدوا ونُكِّل بهم، جزاء وفاقا!
يُروى أنَّه يضربُهم لهَبُ النَّارِ فيرتفعونَ إلى طبقاتِها حتَّى إذا قربُوا من بابِها وأرادُوا أنْ يخرجُوا منها يضربُهم اللَّهبُ فيهوون إلى قعرِها وهكذا يُفعل بهم أبداً.
وكلمةُ " فِي " للدِّلالةِ على أنَّهم مستقرُّون فيها وإنَّما الإعادةُ من بعضِ طبقاتِها إلى بعضٍ.[7]
إن أهل النار إذا ألقوا فيها يكادون يبلغون قعرها، يلقاهم لهبها فيردهم إلي أعلاها،
حتى إذا كادوا يخرجون تلقتهم الملائكة بمقامع من حديد فيضربونهم بها.
نحن مع مشهد عظيم مخيف مهول من مشاهد عذاب أهل النار- عياذا بالله-، فالنار سوداء مظلمة قعرها بعيد وحرها شديد وشرابها الحميم والصديد ومقامعها من حديد، وإن الصخرة العظيمة لتلقى فيها فتهوي سبعين سنة حتى تصل إلى قعرها، ولا تزال يلقى فيها حتى تمتلئ، (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ )[8].
( كلما أرادوا أن يخرجوا منها ) يدل على أنه يزاد في عذابهم بأن يخيل إليهم ما يظنون به القدرة على الخروج منها كما كانوا يخرجون بفسوقهم من محيط الأدلة من دائرة الطاعات إلى بيداء المعاصي والزلات، فيعالجون الخروج فإذا ظنوا أنه تيسر لهم وهم بعد في غمراتها.[9]
كناية عن دوام عذابهم واستمراره.[10]
{وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا.[11]
هم في النار يذوقون العذاب فلماذا يقال لهم" ذوقوا "؟! لأن العذاب المعنوي أشد وأنكى من العذاب الحسي المادي، فيقال لهم " ذوقوا" على سبيل الإهانة والشماتة والعار والشنار والخزي والذل الذي هم فيه!
فالإذاقة تعدَّتْ اللسان واستولتْ على كل الأعضاء، فكل ذرة فيه تذوق عذاب النار جزاء ما كانوا يكذبون بها في الدنيا، حيث كذِّبوا بالأصل، وهو الرجوع إلى الله يوم القيامة.[12]
وأظهرت النار مع تقدمها قبل لزيادة التهديد والتخويف وتعظيم الأمر.[13]
يقول عليه الصلاة والسلام: ( نارُكم جزءٌ من سبعينَ جزءًا من نارِ جهنَّمَ . قيل : يا رسولَ اللهِ ، إن كانتْ لكافيةً ، قال : فُضِّلَتْ عليهنَّ بتسعةٍ وستينَ جزءًا ، كلُّهنَّ مثلُ حَرِّها)[14].
ويصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهون أهل النار عذابا فيقول(إنَّ أهوَنَ أهلِ النَّارِ عذابًا يومَ القيامةِ لرجلٌ ، تُوضَعُ في أخمَصِ قدمَيْه جَمرةٌ ، يَغلي منها دِماغُه ).[15]
وتأملوا رعاكم الله بكاء أهل النار إذ يقول عليه الصلاة والسلام( إنَّ أهلَ النَّارِ ليبكونَ حتَّى لَو أُجْرِيَتِ السُّفُنُ في دُموعِهِم جَرَتْ ، و إنهم ليَبكونَ الدَّمَ ).[16]
وقال تعالى عن حال أهل النار في مشهد تتفطر منه القلوب وتقشعر الأبدان( وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ . يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ).[17]
ومن شدة عذاب أهل النار جعل الله عذابهم تنكيلا لمن لا يزال مصرا على الذنوب والمعاصي، في نار عظيمة حامية وعذاب موجع فظيع لا تقوى عليه الجبال الراسيات! قال سبحانه ( إن لدينا أنكالا وجحيما . وطعاما ذا غصة وعذابا أليما )[18].
هؤلاء الفاسقون المجرمون الذين أكثروا من الذنوب والخطايا والمعاصي مقيدين ومسلسلين ومصفدين بسلاسل من نار في أذل وأشنع صورة، وثيابهم من نار وتحيط بهم من جميع الجهات النار، في مشهد تقشعر له الأبدان قال تعالى(وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ . سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ )[19].

قَالَ الفُضَيل بْنُ عِيَاضٍ: وَاللَّهِ إِنَّ الْأَيْدِيَ لَمُوثَقَةٌ، وَإِنَّ الْأَرْجُلَ لَمُقَيَّدَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَبَ لَيَرْفَعُهُمْ وَالْمَلَائِكَةَ تَقْمَعُهُمْ.[20]
وخلاصة معنى الآية:
وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا وتركوا الايمان بالله وخرجوا عن مقتضيات الأوامر والنواهي الموردة في كتبه سبحانه وعلى ألسنة رسله، فَمَأْواهُمُ مرجعهم ومثواهم في النشأة الاخرى النَّارُ المعدة لأهل الشقاوة الازلية هم فيها خالدون مخلدون مؤبدون لا نجاة لهم منها أصلا، بل كُلَّما أَرادُوا وأملوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها حيث امهلهم الخزنة الموكلون عليهم الى ان يصلوا الى شفيرها، ثم بعد ذلك أُعِيدُوا فِيها زجرا وقهرا تاما مهانين صاغرين، وَقِيلَ لَهُمْ : اى قال لهم الزبانية الموكلون بالهام الله إياهم: ذُوقُوا ايها المنكرون المصرون عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ حين أخبركم به الرسل والكتب وأنذركم به النبيون المنذرون.[21]
الآية ترشدنا إلى شيء خطير؛ أن من كان في العذاب ممكن يتأقلم عليه مع مرور الوقت، لو وضعت يدك في ماء ساخن بداية تشعر بصعوبة وألم لكن شيئا فشيئا تتعود ويخف الألم، ولكن أهل النار لا ينطبق عليهم ذلك، فالعذاب متنوع مختلف مستمر دائم له عدة أشكال ( كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ )[22]، ( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ )[23]، ( كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا )[24].
يقول ابن القيم مبينا أنواع الفسوق:
وأما الفسوق: فهو في كتاب الله نوعان: مفرد مطلق، ومقرون بالعصيان.
والمفرد نوعان أيضا: فسوق كفر، يخرج عن الإسلام، وفسوق لا يخرج عن الإسلام، فالمقرون كقوله تعالى {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} [الحجرات: 7] .
والمفرد الذي هو فسوق كفر كقوله تعالى {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله} [البقرة: 26] الآية، وقوله عز وجل {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون} [البقرة: 99] وقوله: {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} [السجدة: 20] الآية، فهذا كله فسوق كفر.
وأما الفسوق الذي لا يخرج عن الإسلام فكقوله تعالى {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} [البقرة: 282] الآية، وقوله: {ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ} [الحجرات: 6] الآية.[25]
أيها المقصر في طاعة الله، المسرف على نفسه بالمعاصي والذنوب، أما تخشى الموت يأتيك على حين غفلة، وأنت مصر على تلك الخطايا؟!! أما في تلك الآية معتبر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد!
اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.

----------------------------
[1]( السجدة: 20).
[2]البقاعي.
[3]السعدي.
[4]( الزخرف:74-75).
[5]الشعراوي.
[6]مفاتيح الغيب للرازي.
[7]تفسير أبي السعود.
[8]( ق:30).
[9]البقاعي.
[10]محاسن التأويل.
[11]ابن كثير.
[12]الشعراوي.
[13]روح المعاني.
[14]صحيح البخاري.
[15]متفق عليه.
[16]حسن، ينظر صحيح الجامع برقم 2032.
[17]( إبراهيم:15-17).
[18]( المزمل:12-13).
[19]( إبراهيم:49-50).
[20]ابن كثير.
[21]الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية.
[22]( الحج:22).
[23]( النساء:56).
[24]( الإسراء:97).
[25]مدارج السالكين.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 182.34 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 176.31 كيلو بايت... تم توفير 6.03 كيلو بايت...بمعدل (3.31%)]