من مشاهير علماء المسلمين .. - الصفحة 7 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3215 - عددالزوار : 451966 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2644 - عددالزوار : 204373 )           »          أيقظ المارد الذي بداخلك! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          أحداث الفتنة وتزييف الحقائق (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          المختصر في تفسير القرآن الكريم***متجدد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 549 - عددالزوار : 17530 )           »          أسباب الشرك بالله تعالى (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          خطبة عن سلمان الفارسي رضي الله عنه (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          خطبة في حسن الخلق (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          الإيمان باليوم الآخر وأثره في صلاح الفرد والمجتمع (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > الملتقى العلمي والثقافي

الملتقى العلمي والثقافي قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #61  
قديم 24-03-2021, 07:05 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,331
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

من تراث علم الاقتصاد: كتاب الإشارة إلى محاسن التجارة


فاطمة حافظ




شهدت الحضارة العربية في قرونها الأولى نشاطا علميا واسعا فما من علم من العلوم المتداولة في ذلك الزمان إلا وكان للأسلاف صنفوا فيه مصنفات قد تزيد أو تكثر بحسب أهمية العلم ومدى الحاجة إليه، ومن ضمن هذه العلوم علم الاقتصاد الذي كان يظن أنه من وضع الحضارة الغربية. وبصفة عامة، اتخذ التصنيف المتخصص في علم الاقتصاد في الحضارة الإسلامية أحد شكلين:

الأول: كتب الفقه الاقتصادي، وهي كتب تناقش الموضوع الاقتصادي من أرضية فقهية شرعية، ولدينا تراث عريض من هذه الكتب التي افتتح التصنيف فيها منذ وقت مبكر للغاية مؤسسي الفقه الإسلامي كأبي يوسف في كتابه الخراج والحسن الشيباني في كتابه الكسب، وتندرج ضمن هذا القسم كل كتب الحسبة والأموال.
والثاني: كتب أصول الاقتصاد، وهي كتب تؤصل لعلم الاقتصاد بمعزل عن العلوم الأخرى أو تناقش بعض الظواهر الاقتصادية، وهي أقل من سابقتها ومن أمثلتها: التبصرة بالتجارة للجاحظ، والإشارة لمحاسن التجارة لأبي جعفر بن علي الدمشقي، وهو واحد من المصنفات التي حظيت بعناية الدارسين والمستشرقين بحسبانه أكثرها نضجا واكتمالا.
جعفر بن علي الدمشقي وكتابه

هوية جعفر بن علي الدمشقي ليست معروفة لنا إلا من خلال بعض الشواهد البسيطة المتضمنة في كتابه الذي يحمل عنوان “الإشارة إلى محاسن التجارة ومعرفة جيد الأعراض ورديئها وغشوش المدلسين فيها” والمتضمنة أن الانتهاء من نسخه تم في السادس من رمضان سنة سبعين وخمسمائة، أي أنه عاش في القرن السادس، وقد فسر الدكتور رفعت العوضي عدم وجود ترجمة له ضمن كتب التراجم والببلوغرافيا مرجعا ذلك إلى اشتغاله بالتجارة في الأسواق كما أشار في أحد مواضع الكتاب، وهو ما حال دون وضعه ضمن كتب التراجم التي عنيت إما بأهل العلم أو الأدباء أو المهنيين.[1]
صدر الكتاب للمرة الأولى عن مطبعة المؤيد بالقاهرة عام 1901 وعلى نفقتها، وهذه الطبعة تستبق طبعة المستشرق الألماني هيلموت ريتر ( 1892-1971) للكتاب وترجمته له، ويقع الكتاب في ثلاثين فصلا تتفاوت من حيث الإيجاز والتطويل فبعضها لا يتجاوز صفحة وبعضها يبلغ تسعة عشر صفحة وأعني به فصل (جيد الأعراض ورديئها).
تناول الدمشقي في كتابه قائمة طويلة من الموضوعات من قبيل: تعريف المال وتقسيماته، الغنى، نسبية قيمة الأموال، الحاجات وتعددها، الثمن، وظائف النقود، العرض والطلب، كيفية اكتساب الثروة، وأنواع الملكية، وبيان بالبضائع المتداولة في الأسواق وكيفية التمييز بين رديئها وجيدها، أنواع التجار وما يلزم كل تاجر، وسائل حفظ المال وسبل تنميته، والمال وعلاقته بالأخلاق، والمال والعلم، والنهي عن إضاعة المال، وما إلى ذلك من موضوعات جلها يندرج في صلب علم الاقتصاد.
وهذه الموضوعات يمكن تصنيفها تصنيفات متعددة؛ فبعضها يتعلق بالتاجر وبعضها الآخر يتعلق بالبضائع كما تفترض دائرة المعارف الإسلامية، وبعضها يتعلق بالتصنيف الفني لموضوعات الكتاب والذي يقترحه شوقي دنيا الذي وضع موضوعات الكتاب ضمن ثلاث مجموعات: المسائل الاقتصادية، والمسائل الإدارية، والمسائل الفنية المتعلقة بصنوف الأموال. وبغض النظر عن هذه التقسيمات فإن الكتاب تناول عددا من القضايا التي ربما لم يسبقه أحد في تناولها بهذا العمق والتخصص كتعريف المال وأنواعه، وسبل التعامل معه، وذكر أنواع التجار والقواعد الواجب عليهم اتباعها.
المال وتقسيماته

عرف الدمشقي المال بأنه اسم لكل ما يقتنى الجليل منه والحقير، وقسمه إلى أربعة أنواع.
  • المال الصامت: وهو الذهب والفضة.
  • العرض: وهو البضائع والسلع على اختلافها.
  • العقار: وهو صنفان مسقف كالحوانيت والفنادق، ومزدرع كالبساتين والحقول.
  • المال الناطق: وهو الحيوان.
ويرى الدمشقي أن الأموال كلها نافعة إذا دبرت كما يجب، وبعضها يفضل بعض، وأفضل أنواعه المال الصامت أي الذهب والفضة لسرعة وسهولة سبكهما وتشكيلهما، وعدم إمكانية فسادهما وتغيرهما، وقابليتهما للحمل.
والأموال كما يعتقد الدمشقي ليست محتقرة في ذاتها بل هي محمودة، والغنى يفضل الفقر ذلك أنه لو كان الغنى موروثا لأخبر عن عراقة أصل وإن كان مكتسبا طارئا لأخبر عن همة عالية وعقل وافر ورأي كامل، ويبلغ مدح الدمشقي للغنى مبلغه حين يقول: ولو لم يكن في الغنى إلا أنه من صفات الله تعالى لكفى فضلا وشرفا عظيما[2]، وبهذا المعنى فإن الدمشقي يعد صوتا من التراث يؤمن أن الإسلام يحبذ الغنى ولا ينحاز للفقر وذلك خلافا للفكرة الشائعة أن الإسلام يقف في صف الفقر.
اكتساب المال وسبل حفظه

يعتقد الدمشقي أن اكتساب جميع الأموال يتأتى من سبيلين هما:
  • سبيل القصد والطلب: وهو يقع على ثلاث صور؛ إما اكتساب عن طريق القيام بالصنائع العلمية كالعلوم الدينية أو الصنائع العملية كالفلاحة والحياكة أو ممارسة التجارة، وإما اكتساب بطريق القوة والغلبة كالسرقة والنهب وفرض الرسوم المالية من قبل السلطان، وإما اكتساب مركب من النوعين السابقين كتجارة السلطان حيث لا يقوى أحد أن يزيد عليه في حال الشراء أو يمنع تحكمه في البيع.
  • سبيل المصادفة والعرض: وهو الاكتساب الذي يتحصل عن طريق غير السعي، كالإرث أو العثور على كنز مخبوء أو ما شابه[3].
ويترتب على اكتساب المال مسألة أخرى هي كيفية الاحتفاظ به وتنميته، ويبسط الدمشقي خمس قواعد في ذلك يمكن إجمالها على الوجه التالي:
  • ألا ينفق الإنسان أكثر مما يكتسب؛ فإنه إن فعل ذلك لم يلبث المال أن يفنى ولا يبقى منه شيء البتة.
  • ألا يكون ما ينفق مساويا لم يكسب بل دونه ليبقى ما يكون عنده لأي نازلة تحل به.
  • أن يحذر الإنسان أن يمد يده إلى ما يعجز عنه وعن القيام به؛ كأن يبعث بماله إلى ضياع يتعذر عليه الوصول إليها.
  • ألا يضع ماله فيما لا يحتاج إليه عامة الناس كأن يشتري كتب الحكمة التي لا يتداولها إلا عدد محدود من طلاب العلم.
  • أن يكون الرجل سريعا في بيع تجارته بطيئا عن بيع عقاره وإن عظم الربح فيه[4].
صنوف التجار وما يلزمهم

ومما يميز كتاب الدمشقي عن سائر المصنفات الاقتصادية تمييزه بين صنوف التجار وما يلزم كل تاجر منهم، وهم حسب تصنيفه:
  • التاجر الخزان، أي تاجر الجملة وهو الذي يحاول أن يشتري بضاعته في أشد الظروف ملاءمة كي يبيعها عندما تندر ويرتفع ثمنها، ولذلك فهو أحوج الناس إلى تقديم المعرفة بأحوال البضائع في أماكنها وبلادها كي لا تفوته خير الأوقات للشراء والبيع، ويجب عليه أن يعرف أحوال السلطان الذي يعيش في كنفه هل هو عادل قوي أم ضعيف خائر، فهذا مما يؤثر في تجارته.
  • التاجر الركاض، ويعني به التاجر المتجول، وينبغي له التزام الحيطة، إذ ربما تأخر مسيره إلى البلد الذي يقصده، لسبب ما كخوف الطريق فيضطر لبيع بضاعته في البلد الذي اشترى منه ويخسر، ويستحب له كذلك أن يستحضر رقعة بأسعار جميع البضائع في البلد الذي يريد العودة إليه، وأن يعرف المكوس وإلا خسر ربحه.
الثالث: التاجر المُجهز، أي المصدر للسلع ويجب عليه أن ينصب له وكلاء أمناء في البلد الذي يريد أن يرسل إليه بضاعته، وأن يتعامل مع أفضل الوكالات التجارية[5].
مما سبق يتبين أن كتاب الإشارة إلى محاسن التجارة لأبي جعفر الدمشقي يعد أحد المصنفات التأسيسية في علم الاقتصاد، وإذا كانت بعض موضوعاته لا تندرج ضمن علم الاقتصاد الوضعي فما ذلك إلا لأن صاحبها أراد أن يقدم علما لا ينفصل عن المبادئ الدينية والقواعد الأخلاقية.
[1] رفعت العوضي، تحليل اقتصادي لكتاب الإشارة إلى محاسن التجارة للدمشقي (القرن السادس الهجري)، القاهرة: مجلة الدراسات الإسلامية التجارية، يناير أبريل 1985، مج 2 ع 5-6، ص 161.



[2] أبو الفضل جعفر ابن علي الدمشقي، الإشارة إلى محاسن التجارة، القاهرة: مطبعة المؤيد، 1318هـ، ص2-3.



[3] نفسه، ص 38-41.



[4] نفسه، ص57-58.




[5] نفسه، 48-52.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #62  
قديم 26-03-2021, 11:05 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,331
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..



ابن الجزار طبيب القيروان







. حسن محمد إبراهيم



يعتبر ابن الجزار أول طبيب عربي متخصِّص في مجال طب الأطفال





ابن الجزار هو أبو جعفـر أحمد بن إبراهيـم أبي خالد القيرواني التونسي الذي اشتهر باسم ابن الجزار؛ وهو طبيب مشهور ولد بمدينة القيروان وتوفي فيها في سنة 369 هـ. ويُعدُّ ابن الجزار من أشهر أطباء وفلاسفة المسلمين في القرن الرابع الهجري وكان صاحب مكانة علمية غير مسبوقة؛ خاصة في بلاد المغرب الإسلامي.

أسس ابن الجزار مدرسة طبية، وتتلمذ عليه كثير من الأطباء؛ منهم الطبيب الأندلسي عمر بن حفص بن بريق الـذي عاد إلى الأندلـس حاملاً معه نسخة من كتاب ابن الجزار الشهير (زاد المسافر وقوت الحاضر)، ولقد عرف هذا الكتاب رواجاً كبيراً في أوروبا، كما تمت ترجمته إلى اللغة اللاتينية واليونانية.

لقد عمل ابن الجزار على تعديل القوانين الطبية القديمة وتطويرها، كما ضبط أسماء النباتات بثلاث لغات هي الأمازيغية والعربية واليونانية، ولقد ذاع صيته وتجاوزت شهرته حدود البلاد التونسية وكان طلاب الأندلس يتوافدون إلى مدينة القيروان لتحصيل الطب منه.

وكان ابن الجزار يعالج مرضاه بأقل تكلفة ممكنة كما بيَّن ذلك في مقدمة كتابه الشهير (طب الفقراء والمساكين)، ولقد كان له الفضل الكبير على المسلمين؛ إذ كان يوزع الأدوية على الفقـراء والمعـوزين دون مقابل.

ألَّف ابن الجزار العديد من الكتب التي شملت علوماً مختلفة ولكنها اتجهت في المقام الأول إلى العلوم الطبية، ولعل من أشهرها كتابه (زاد المسافر) وهو يتكون من مجلدين، وقد تمت ترجمته إلى عدة لغات، وهو كتاب ذو قيمة طبية هامة؛ إذ ما تزال بعض الكليات والجامعات تستفيد منه إلى اليوم، ولقد ألَّفه ليكون ابن الجزار دليلاً طبياً للمسافر إلى البلدان البعيدة التي لا يوجد فيها طبيب.

كما ألَّف كتاباً في الأدوية يُعرَف بـ (الاعتماد في الأدوية المركبة)، وكتاب (العدة لطول المدة) وهو أكبر كتاب له في الطب، وكتاب (التعريف بصحيح التاريخ) وهو تاريخ مختصر يشتمل على وفيات علماء زمانه وفي ذكر اختلاف الأوائل فيها، وكتاب في المعدة وأمراضها ومداواتها، وكتاب (طب الفقراء)، وكتاب في الفرق بين العلل التي تشتبه أسبابها وتختلف أعراضها، وكتاب (الخواص)، وكتاب (نصائح الأبرار)، وكتاب (المختبرات)، وكتاب في تحديد الأسباب المولدة للوباء.

كما ألَّف في مجال التاريخ والسير كتاب (مغازي إفريقيا)، وكتاب (أخبار الدولة)، وكتاب (التعريف بصحيح التاريخ). وفي علم الجيولوجيا ألَّّف كتاب (الأحجار)، وفي الجغرافيا كتاب (عجـائب البلدان)، وفي الأدب واللغة كتاب (المكلل في الأدب) و (الفصول في سائر العلوم والبلاغات).

بالإضافة إلى العديد من الرسائل؛ وخاصة منها رسالة في إبدال الأدوية، ورسـالة في التحـذير مـن إخراج الدم من غير حاجة دعت إلى إخراجه، ورسالة في الزكام وأسبابه وعلاجه، وكذلك رسالة في النوم واليقظة.

ولقد خصص ابن الجزار تربية الأطفال والأمراض التي تصيبهم بمؤلَّف خاص وهو كتابه (سياسة الصبيان وتدبيرهم)، وقد شرح فيه طرق العناية بالأطفال منذ ولادتهم، وبيَّن كيفية تغذيتهم ونظافتهم وإِرضاعهم، وشرح الأمراض التي قد يتعرض لها الصبيان من الرأس حتى القدم وقدَّم سبل علاجها، ولقد ختمَ كتابَه في الحديث عن طبائع الصبيان وعاداتهم، وبفضل هذا الكتاب اعتبر ابن الجزار أول طبيب عربي متخصِّص في مجال طب الأطفال.

وأكد العديد من المؤرخين أن ابن الجـزار كان أبيّاً عزيز النفس‏ لا يتزلـف للسلاطين أو الأمراء، ولا يمتنع عن خدمة أي مريض غنياً كان أم فقيراً، وكان رحيماً بالضعفاء‏ يبذل المال لفائدتهم، ويوزع عليهم الأدوية مجاناً، وينفق على علاج الفقراء من أموال أسرته الثرية وكذلك من أجره عند علاج الأغنياء والحكام.

وكان ابن الجزار يذهب إلى مدينـة المنستير ‏على الساحل الشمالي من البلاد التونسية ليرابط فيها مع عدد من العبَّاد والزُّهاد لعدة أيام‏، وفي كل صيف ينطلق مع مجاهدي البحر ليتصدى للسفن النصرانية التي كانت تهاجم مدن المسلمين الواقعة على سواحل البحر الأبيض المتوسط.‏‏

عاش ابن الجزار عالماً متواضعاً لا همَّ له سوى البحث والتقصي والاشتغال بالجديد في مجال النبـاتات والعقاقير؛ حيث صنف في الأمراض واختص بعض الأعضاء بالبحث وبعض الأمراض بالتأليف. كما أنه اختص الفقراء‏ ببعض المؤلفات وأفرد للخواص والأثرياء كتاباً وجعل قسماً من تأليفه متعلقاً بالأدوية‏ وآخَر بالأمراض‏.

اعتُمدَت علوم ابن الجزار في الشرق العربي وفي الأندلس، وأعجب بها كثير من ممارسي مهنة الطب. وفي القرن العاشر الميلادي وصلت إنجازاته الطبية الكبيرة إلى أوروبا وكان نابليون بونابرت يحمـل معه دائماً كتاب ابن الجزار (زاد المسافر وقوت الحاضر).


إن معظم مؤلفات ابن الجزار ما زالت تحظى بالعديد من الدراسات الأكاديمية في ميدان الطب والصيدلة في كليات الغرب؛ وخصوصاً في الجامعات الفرنسية، كما بقيت كتبه تدرَّس في تونس من قِبل الأطباء قرابةَ ستة قرون بعد وفاته.








__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #63  
قديم 11-04-2021, 02:13 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,331
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

الفزاري .. صاحب أول اسطرلاب في الإسلام


نورالدين قلالة





يعتبر محمد الفزاري أشهر علماء المسلمين في الفلك والرياضيات، فهو عالم فلك، ولغوي، ورياضياتي، ومترجم، وفيلسوف.. وهو أيضا الإمام الكبير الحافظ المجاهد القانت الأمَّار بالمعروف.. وقد لعب دورا محوريا في التطور الأولي للتعاليم الفلكية العربية والإسلامية من المصادر الهندية والساسانية واليونانية، لكن لا يوجد أي شيء تقريبا من أعماله حاليا، مع أن أول اسطرلاب في الإسلام من عمل هذا العالم الكبير.

تاريخ المسلمين والعرب حافل بالعلماء العباقرة الأفذاذ الذين أثروا الحياة العلمية والبحثية بالمؤلفات والكتب في شتى مناحي الحياة، في الجغرافيا والتاريخ والأدب والطب والفلك والكيمياء والفيزياء والرياضيات والفقه والتفسير والتراجم، ولعل من بين هؤلاء العلماء: العالم الفذ المشهور المذكور في حكماء الإسلام محمد الفزاري، والذي يعد من أشهر علماء العرب والمسلمين في مجال الرياضيات وعلم الفلك. وقد نال مرتبة علمية وشهرة عظيمة جدا في علمي التنجيم وتقويم الشهور.
وقد ذاع صيت هذا العالم بصفته أول من عمل في الإسلام اسطرلابا، وقد اشتغل في علم الفلك والتنجيم وخاصة في تأليف الكتيبات الفلكية مع جداول لحساب المواقع السماوية خلال ولاية الخليفة المنصور والخلفاء العباسيين اللاحقين.

الفزاري..هوية غامضة

للأسف الشديد، لا يوجد أي شيء تقريبا من أعمال هذا العالم الكبير حاليا. ليس هذا فقط، بل أن بعض الكتابات تشير إلى أن حتى هويته ليست مؤكدة تماما، يوجد بعض الغموض بين كاتبي السيرة الذاتية لمفكري العصور الوسطى حول ما إذا كان “إبراهيم بن حبيب الفزاري” و”محمد بن إبراهيم بن فزاري” ما هما إلا شخصان مختلفان -أي الأب والابن- أم أنهما نفس الشخص.
لكن على أية حال، تشير أدلة مختلفة على أنهما نفس الشخص.
وتعرّف العديد من المصادر محمد بن إبراهيم بن حبيب الفزاري (القرن 8 – القرن 9 م) بأنه عالم فلكي ورياضي ، ولد في الكوفة لأسرة عربية أصيلة ينحدر أصلها من بني فزارة (وبنو فزارة من ذبيان من غطفان من العرب العدنانيين) التي سكنت الكوفة.
مولده ونشأته

لا تذكر المصادر متى ولد محمد الفزاري، حيث تذكر وفاته فقط في بغداد سنة 180هـ تقريبا، وهو ينتمي إلى عائلة عربية اصيلة قطنت الكوفة، ويذكر المستشرق ديفيد بنقري في (موسوعة تراجم العلماء) أن أول اتصال لابي عبد الله الفزاري ببغداد سنة 144هـ وأن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور أحاطه بالرعاية والتقدير لعلمه الجم.
وعلى العموم، يبدو أن الفزاري كان سليلا لعائلة قديمة في الكوفة (بالقرب من النجف في العراق الحديث)، كما يبدو أنه كان يعمل في علم الفلك والتنجيم – وخاصة في تأليق الكتيبات الفلكية مع جداول لحساب المواقع السماوية (زيج) – خلال ولاية الخليفة المنصور (حكم: 754-775) والخلفاء العباسيين اللاحقين.
ترعرع أبو عبد الله في بيت علم، فقد تتلمذ على يدي أبيه أبي إسحاق إبراهيم بن حبيب الفزاري المتوفي سنة 160هـ، أحد كبار علماء الهيئة في عصره. وكان قد نال شهرة عظيمة جدا في علمي التنجيم وتقويم الشهور.
حياته ومسيرته العلمية

هاجر الفزاري إلى بغداد عام 144هـ /747 م. ليستزيد في علمه من العلماء الكبار الذين قطنوا بغداد مركز الحضارة في ذلك الوقت. ولقد أولى الفزاري دراسة اللغات الأجنبية عناية كبيرة وخاصة اللغة السنسكريتية التي بذل فيها جهدا عظيما لرغبته في معرفة ما وصل إليه علماء الهند القدماء في أرصادهم.
ولقد أهلته قدراته اللغوية هذه إلى أن ينضم إلى فريق الترجمة في بيت الحكمة التي بناها أبو جعفر المنصور. وقد نال الفزاري احترام الخليفة فأحاطه بالرعاية والتقدير لعلمه الغزير.
وفي بيت الحكمة عكف الفزاري على ترجمة العلوم الفلكية والرياضية من المصادر الهندية إلى اللغة العربية. ولقد كان لاطلاعه المباشر على العلوم الهندية في علم الفلك التجريبي أن جعل هذا العلم يستند على الاستقراء والملاحظة الحسية لجميع الأرصاد التي تعلل حركات الكواكب والأجرام السماوية. فاستطاع الفزاري أن يصنع أول أسطرلاب في الإسلام. وكان الفزاري من المغرمين بعلم الأرصاد لدرجة كبيرة حتى إنه نظم قصيدة في النجوم توحي بحبه الشديد لهذا الفن وصارت قصيدته يضرب بها المثل بين علماء العرب والمسلمين في مجال علم الفلك.
السند هند الكبير

سنة 155هـ جاءت بعثة من الهند ومعها كتاب “سدهانتا” الذي يحتوي على معلومات ثمينة عن علم الهيئة، وهو كتاب معروف عند العرب والمسلمين باسم “السند هند”. فأمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، محمد بن إبراهيم الفزاري بترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية، وتصنيف كتاب على غراره، سمي كتاب (السند هند الكبير) فصار هذا الكتاب من اهم المراجع الذي يعول عليها الباحث في علم الفلك الى أيام الخليفة العباسي المأمون.
وأصبح هذا الكتاب المرجع الأساسي الذي استخدمه العلماء في علم الفلك إلى أيام الخليفة العباسي المأمون، حيث قام العالم العربي محمد بن موسى الخوارزمي باختصار الكتاب وأسماه “السند هند الصغير” وأضاف إليه معارف اليونان وغيرهم. ثم استخلص منه قدرا كبيرا من المعلومات، فحل كتاب الخوارزمي محل كتاب الفزاري الذي توفي حوالي 180هـ (796م).
وساهانتا باللغة الهندية تعني (الدهر الداهر)..ومما لاشك فيه أن لهذا الكتاب تأثيرا عظيما في التصويرات الهندسية لحركة الكواكب، التي نتج عنها عمل الأرصاد العديدة في البلاد العربية والإسلامية.
اسطرلاب الفزاري

المعروف لدى المؤرخين في حقل العلوم التجريبية، أن أول اسطرلاب في الإسلام من عمل محمد بن إبراهيم الفزاري، الذي ألف مع جهاز الاسطرلاب كتابا يصف طريقة العمل به، وسماه “كتاب العمل بالإسطرلاب المسطح”.
والأسطرلاب جهاز فلكيّ ذو أشكال مختلفة، استعمله المتقدّمون في تعيين ارتفاعات الأجرام السَّماويَّة ومعرفة الوقت والجهات الأصليّة. وهو عبارة عن آلة دقيقة تُصوَّر عليها حركة النجوم في السماء حول القطب السماوي، وتُستخدم لحل مشكلات فلكية عديدة، كما تم توظيفها في الملاحة وفي مجالات المساحة.
وهناك من يخلط بين الابن وابيه في موضوع صنع أول اسطرلاب في الإسلام، ولكن الثابت أن المقصود الابن محمد بن إبراهيم الفزاري.
وكان محمد بن إبراهيم الفزاري من المغرمين في علم الهيئة، فنظم قصيدة في النجوم، توحي بحبه الشديد لهذا الفن، صارت قصيدته يضرب بها المثل بين علماء العرب والمسلمين في مجال علم الفلك.
وقيل بأن الفزاري كان أول مسلم يصنع “الاسطرلاب المستوي”. ووفقا للعديد من كاتبي السيرة الذاتية، كان الفزاري رائدا وفذًّا في العلوم الفلكية. ومعظم المعرفة الحالية حول الفزاري وصلتنا من البيروني، وهو عالم فلك عاش في القرن الحادي عشر. وكان البيروني أكثر انتقادا وتشكيكا في بعض أفكار الفزاري، إذ يعتقد البيروني باحتمال وجود أخطاء ارتكبها الفزاري وزميله يعقوب بن طارق في تفسير المصطلحات أو التقنيات الفلكية السنسكريتية في الأعمال الذي ترجموها.
تحويل علم الفلك علما عربيا وإسلاميا

يعتبر الفزاري هو من بدأ حركة نقل العلوم الفلكية والرياضية من المصادر المختلفة، وخاصة المصادر الهندية إلى اللغة العربية، والمعروف ان محمد الفزاري كان متمكنا من اللغات الأجنبية وخاصة اللغة السنسكريتية.
وقد بذل الفزاري جهدا عظيما في حقل علم الفلك التجريبي، حيث جعل هذا العمل يستند على الاستقراء والملاحظة الحسية لجميع الأرصاد، التي تعلل حركات الكواكب والاجرام السماوية، لقد كان لتفسيراته للظواهر الفلكية اثر مرموق على مسار المنهج العربي الإسلامي في هذا المضمار.
وقد شجع الخليفة العباسي المنصور(754-775) العالم محمد الفزاري ورفاقه على العطاء فترجمت الكتب التي خلفتها الأمم، ليس فقط الهندية ولكن أيضا اليونانية والفارسية، وصححت الأخطاء التي وقعوا فيها، وعملوا إضافات جوهرية في علم الفلك.
وأخذ علماء العرب والمسلمين من نتاج الأمم السابقة لهم، ودرس الفزاري وزملاؤه وتفهموا جيدا أعمال الهنود واليونان والفرس في علم الفلك، فزادوا على نظرياتهم وتفننوا في حلول بعض المسائل المستعصية عليهم، وفوق هذا كله جعلوا علم الفلك علما عربيا واسلاميا.
مؤلفات وترجمات

ألف الفزاري العديد من الكتب في مجال الفلك والرياضيات، لكن أصول كتبه العربية ضاعت في معظمها، ولم تنجُ من التلف إلا ترجمة لاتينية لكتاب “الأسطرلابات والعمل بها”، طُبِعت في أوروبا ثلاث مرات وذلك في القرن السادس عشر وشكَّلت مصدرا علميا فريدا لكل المهتمين بهذا العلم.
ومن مؤلفات أبي عبد الله الفزاري في مجال علم الفلك مايلي:
  • كتاب “القصيدة في علم النجوم”
  • كتاب “المقياس للزوال”
  • كتاب “الزيج”
  • كتاب “الجداول الفلكية حسب سنوات العرب”
  • كتاب “العمل بالإسطرلاب ذات الحلق”
  • كتاب “العمل بالإسطرلاب المسطح”.
  • كتاب حساب أوساط الكواكب بالتاريخ العربي
وقد ساعد الفزاري في الإشراف على البرج الذي اختار التاريخ الميمون لتأسيس بغداد في عام 762. وشارك في أوائل سبعينات القرن الثامن الميلادي بناء على طلب الخليفة العباسي في ترجمة نصوص فلكية كثيرة باللغة السنسكريتيةز
كما قام الفزاري أيضا بتأليف -على ما يبدو في تقليد أسلوب الأطروحات الفنية باللغة السنسكريتية- قصيدة طويلة عن علم الفلك أو علم التنجيم بعنوان “في علم (أو هيئة) النجوم (قصيدة عن علم أو تكوين النجوم). وقد ذُكِرَت بعض الملاحظات المتناثرة حول هذه الأعمال في أعمال مؤلفين لاحقين.
وهناك أعمال أخرى منسوبة إلى الفزاري لكنها معروفة العناوين فقط مثل:
  • “المقياس للزوال” (كتاب حول قياس الظهيرة)
  • “العمل بالأسطرلاب المسطح” (كتاب حول استخدام الأسطرلاب)
يُنسَب إلى الفزاري ابتكار تحويل الحسابات الهندية الكوكبية التي تتضمن مليارات الدورات الفلكية إلى تلك التي تستخدم النظام الستيني للحركات الوسطية. وكان تصميم كتابه الثاني، وفقا لأحد الجداول الواردة في أعمال لاحقة، لتمكين المستخدم من العثور على المواقع المطلوبة للتواريخ في التقويم العربي.

ويبدو أن المراجع المجزأة كانت كافية – إلى حد ما – لإظهار أن مساهمات الفزاري كانت تمتلك تأثير كبير على علم الفلك العربي الناشئ، على الرغم من أن عمله ككل لا يمكنه أن يجاري المقالات والأعمال اللاحقة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #64  
قديم 09-06-2021, 03:34 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 64,331
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

الإصطخري عالم يسبق عصره



لعل من الصعوبة بمكان أن نختار عالمًا واحدًا من علماء الجغرافيا المسلمين لنتوقف أمام سيرته وإنجازاته توقفًا خاصًّا؛ ذلك أن عبقريات المسلمين في ذلك المجال كثيرة عددًا، غزيرة إنتاجًا، وواسعة سبقًا وريادةً..ومن ثَمَّ سنكتفي هنا بالتوقف أمام أحد أبرز عباقرة الجغرافيا المسلمين، وهو "أبو إسحاق الإصطخري".
وقد ولد الرحالةُ عالِمُ الأرضِ والجغرافيا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي الإصطخري (الذي يُعْرَفُ في بعض الأحيان باسم الكرخي) بمدينة إصطخر، وهي مدينة برسيبوليس القديمة في بلاد فارس.
وعاش في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وإن كنا لا نعرف الكثير عن نشأته الأولى؛ فالموسوعات أو كتب تاريخ العلوم لم تحدد عام ميلاده، وكذلك لم تذكر شيئًا عن سيرة حياته.. إلا أنه كان رحالة زار الكثير من أقطار العالم الإسلامي؛ فقد زار أكثر أقطار آسيا حتى بلغ سواحل المحيط الهندي، ودخل الهند وتوفي بها بعد عام (340هـ/ 951م)[1].
وعن منهجه العلمي الذي اتبعه في كتابه "المسالك والممالك"، الذي يُعَدُّ من أشهر مؤلفاته، فإن "الإصطخري" يستعرض ذلك فيقول: "فإني ذكرت في كتابي هذا أقاليم الأرض على الممالك، وقصدت منها بلاد الإسلام، وتفصيل مدنها، وتقسيم ما يعود بالأعمال المجموعة إليها.. ولم أقصد الأقاليم السبعة التي عليها قسمة الأرض، بل جعلت كل قطعة أفردتها مفردة مصورة، ثم ذكرت ما يحيط به من الأماكن، وما في أصقاعه من المدن والبقاع المشهورة والبحار والأنهار، وما يحتاج إلى معرفة من جوامع ما يشتمل عليه ذكر الإقليم؛ لأن الغرض من كتابي هذا تصوير هذه الأقاليم التي لم يذكرها أحد علمته...".
وقد نهج "أبو إسحاق الإصطخري" منهجًا علميًّا يدل على قدرته الفائقة في تصوُّر شكل الأرض؛ فلم يتجاهل الناحية الفلكلورية أو الاقتصادية أو الإثنوغرافية!! (الإثنوغرافيا هو علم في وصف السلالات البشرية وعادات وأخلاق الشعوب)..
والحق أن هذه الطريقة التي سار عليها "الإصطخري" هي ذات الطريقة التي ينتهجها العلماء المعاصرون في مثل هذا النوع من الدراسات؛ وهو ألا تقتصر الدراسات الجغرافية على الجوانب الطبيعية فقط، دون التفات إلى الأبعاد الاقتصادية والثقافية والسلالية وغيرها مما يخص البشر الذين يحيون في هذه البقعة من الأرض.
كما يُحسَب للإصطخري أنه ركَّز على المدلول الجغرافي والسياسي والإداري، وتجنب النظريات التقليدية التي تنُصُّ على تقسيم الأرض إلى سبعة أقاليم، وأخذ كل إقليم بذاته كوحدة جغرافية مستقلة.
لقد فهم "الإصطخري" منهج علماء المسلمين في مجال علم الجغرافيا فهمًا جيدًا مُحكمًا، وطبَّقه في مؤلفاته بدقة واستنباط ذكي؛ وبهذا عَرَفَ أصول المنهج العلمي التجريبي القائم على القياس والاستقراء، والمستند إلى المشاهدة والتجربة والتمثيل.
وإضافةً إلى كل هذا فقد اشتهر أبو إسحاق الإصطخري بالإنصاف لمن سبقوه من علماء الجغرافيا، كما اتَّصف بالصدق والأمانة العلمية وتقوى الله، وهي صفات - كما ترى - نحن في أَمَسِّ الحاجة إليها في ميادين العلوم التجريبية وغيرها، وهي الصفات التي - كما رأينا من قبل كثيرًا - كانت تميِّز البحث العلمي في عصور الحضارة الإسلامية.. ولم تكن ثمار تلك الصفات مقصورة على الأمة الإسلامية، بل أفادت منها الإنسانية جمعاء.
مؤلفات الإصطخري
أما عن مؤلَّفات "الإصطخري" فإنه لم يكن صاحب مؤلفات كثيرة، وكل ما وصلنا من أعماله كتابان، هما: (صور الأقاليم)، والثاني (المسالك والممالك). ولعل تأثُّر "الإصطخري" واضح بعالم الجغرافيا السابق عليه "ابن خرداذبة" الذي ألَّف كتابًا بنفس العنوان (المسالك والممالك).
كذلك اعتمد على كتاب "البلخي" (تقويم البلدان)؛ فماثل "الإصطخري" كتاب البلخي في مخططه، ولكن بتوسع ومراجعة وتصحيح لكثير مما جاء فيه، وهذان المؤلفان للإصطخري يعدان من المراجع الأمهات في علم الجغرافيا بالأخص.
وقد كان اعتماده الأكبر في تصنيف مؤلَّفَيْهِ السابقَيْن على رحلاته العديدة في طلب العلم في شتى الآفاق الإسلامية؛ فجاء وصف تلك البلدان بإطناب، إضافة إلى تزيينه كتابه الأول (صور الأقاليم) بالخرائط والأشكال التوضيحية[2].
أما مؤلَّفُه الأشهر (المسالك والممالك) فقد ظل في معظم مكتبات العالم كمخطوط حتى جاءت سنة (1287هـ - 1870م) وطبعه المستشرق (دي خويه) في ليدن بهولندا، وقد أُعِيدَ طبعه بالصور سنة (1346هـ - 1927م)، وقام بتحقيقه محمد جابر عبد العال الحسيني سنة (1381هـ - 1961م) ونشرته وزارة الثقافة المصرية بالقاهرة آنذاك؛ ولعل ذلك كان السبب في انتشار الكتاب وتداوله من قِبَل القراء في جميع أنحاء المعمورة، ومنه عُرفت مكانة الإصطخري في ميدان علم الجغرافيا الإقليمية[3].
إنجازات الإصطخري
والحقيقة أن إنجازات الإصطخري في علم الجغرافيا كانت أكبر بكثير من أن ينظر إليها على أساس مؤلفاته.. فالإصطخري يُعَدُّ من أوائل العلماء الذين جمعوا بين الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا السكانية في كتبهم، وإذا كان قد اقتصر في مؤلفيه على وصف العالم الإسلامي، فقد قسَّمَهُ إلى عشرين إقليمًا، وكان يتحدث عن الإقليم لا بوصفه نطاقًا يضم عددًا من درجات خطوط العرض، ولكن بوصفه منطقة جغرافية واسعة، لها خصائصها الطبيعية والسكانية والثقافية والاقتصادية التي تُميِّزها.
وقد تحدث في البداية عن الرُّبع المعمور من الأرض وأبعاده.. ثم تحدَّث عن البحار.. ثم بدأ بوصف جزيرة العرب والخليج العربي مع المحيط الهندي.. ثم السند والهند وأنهار سجستان.. ثم المغرب مع الأندلس وصقلية.. ومصر مع بلاد الشام وبحر الروم والجزيرة.. وإيران الجنوبية والوسطي والشمالية مع أرمينيا وأذربيجان وبحر الخزر (قزوين).. ومدن برطس في تخوم البحر المذكور وأعمالها وكورها وجبالها وأنهارها وعمائرها.. ثم يختم بحثه أخيرًا بوصف بلاد ما وراء النهر (التركستان).
ويذكر "الإصطخري" عن كل قطر معلومات تتعلق بالحدود والمدن والمسافات وطرق الموأصلاًت، ويذكر تفاصيل متفرقة عن المحاصيل والتجارة والصناعة، وعن أجناس السكان، ولكن معظم التفاصيل تتعلق بالأقطار التي زارها[4].
وقد أولى "الإصطخري" عناية خاصة لموضوع المد والجزر؛ فله نظريات جزئية في هذا المضمار؛ مما يدل على طول باعه في علم الأنواء، والمعروف بين العلماء في الماضي أن علم الأنواء جزء لا يتجزأ من علم الجغرافيا.
ولا ننسى في حديثنا عن إنجازات "الإصطخري" أنه حاول بكل ما يملك أن يصحح الأخطاء الجغرافية التي وقع فيها علماء الجغرافيا السابقون له، واتخذ من الخرائط التي زخرت بها مؤلفاته وسيلة لشرح وإبراز الأفكار الجغرافية التصحيحية.. ومن أبرز تلك الخرائط (خريطة بحر قزوين) التي شهد المستشرقون بدقتها، كما ركز على طريقة المقارنة بين المدن[5].
إلى غير ذلك من الإنجازات المبدعة التي تحملك على الاعتقاد بأنك أمام سيرةٍ وإنجازات لعالِمٍ من القرن العشرين الميلادي (الخامس عشر الهجري)، إلا أنه كان يعيش بين علماء القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي)!!.
وقد عرف قدره المقدسي (ت 380هـ/ 990م) حين أُتيح له أن يرى بعض كتبه؛ فأكثر النقل عنه في (أخبار السند)، وقال يثني عليه: ".. ورأيت ببخارى مترجَمًا لإبراهيم بن محمد الفارسي (يعني الإصطخري)"، ثم يُعلِّق عليه بقوله: "..وهو كتاب قد أجاد أشكاله.."[6].
كما يُذكَر أن "أبا إسحاق الإصطخري" ساح العالم الإسلامي؛ لذا استفاد من رحلاته في تصنيف كتابه (المسالك والممالك) الذي يكتسب أهمية بالغة؛ إذ يعتبر رائدًا للكتب الإقليمية التي أُلِّفَتْ بعده في منهجه ومعلوماته وتبويبه[7].
فرحم الله عالمنا العظيم الإصطخري، ونسأل الله أن يهبنا أمثاله من العلماء الذين غيروا بجهودهم وعقولهم حركة التاريخ ومسيرة البشرية.
-------------------------------
[1] عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص199.
[2] على بن عبد الله الدفاع: رواد علم الجغرافية في الحضارة العربية والإسلامية ص104، 105.
[3] محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص277،276.
[4] عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص199.
[5] على بن عبد الله الدفاع: رواد علم الجغرافية في الحضارة العربية والإسلامية ص104.
[6] عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص199.
[7] على بن عبد الله الدفاع: رواد علم الجغرافية في الحضارة العربية والإسلامية ص103.


منقول
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 105.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 102.23 كيلو بايت... تم توفير 3.26 كيلو بايت...بمعدل (3.09%)]