المؤمنون بين الاستضعاف والتمكين - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تاريخ النقابات المهنية في الحضارة الإسلامية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 148 )           »          وقفات تربوية من أحاديث خير البرية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 159 )           »          تحت العشرين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 72 - عددالزوار : 15785 )           »          {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          حُميد الهلالي الجمال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          أخطاء وعثرات الأقلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 59 )           »          قراءة في كتاب:الدبلوماسية الدينية الدبلوماسية الدينية والخيرية ودورها في تحقيق التعاي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 52 )           »          حل إشكالات الإنتصار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 237 )           »          آفاق التنمية والتطويرخارطة الطريق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 329 )           »          هذا الميدان فأين المشمرون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 52 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-07-2024, 10:36 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,957
الدولة : Egypt
افتراضي المؤمنون بين الاستضعاف والتمكين

المؤمنون بين الاستضعاف والتمكين (1)



(من تراث الدعوة)

كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا. عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) (الإسراء:4-8).
قدَّر الله أن تساء وجوه أقوام على يد كافرين وظالمين، وصفهم الله بأنهم أولو بأس شديد "بختنصر"، ومن بعده الذين خربوا بيت المقدس، وقدَّر أن يدخل هؤلاء الكافرون المسجد الأقصى الذي شرَّفه الله -عز وجل- ويدمروا كل ما استولوا عليه (وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا)، كل ذلك لماذا؟! (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ)، قدَّر الله ذلك لرحمةٍ أرادها -عز وجل- بالمغلوبين المظلومين؛ لأنهم سبق منهم من الذنوب ما يهلكهم؛ فأراد الله أن يرحمهم، ولا سبيل إلى ذلك في حكمة الله -عز وجل- وعلمه السابق إلا بأن يسلِّط عليهم مَن ينكل بهم، ولكنه هو أرحم الراحمين.
وتأمل دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وتأمل قول الله -تعالى-: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى:30)، فلابد أن نتوب إلى الله -عز وجل- عسى ربنا أن يرحمنا بعد ما حلَّ ببلادنا من البلاء، ولا بد أن نعلم أن حكمة الله -عز وجل- بالغة، وأن قدره سابق، وأن وجود سفك الدماء الذي يبغضه الله وحرمه شرعًا -ومع ذلك- قدَّره لوجود عبادات أخرى من عبادٍ له مؤمنين: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:30)، قال غير واحد من السلف: "يعلم أنه سيوجد منهم النبيون والعباد والزهاد والعلماء، والآمرون المعروف والناهون عن المنكر"، توجد المنكرات والمؤمن هو المقصود منها؛ ليس المقصود أن يقع فيها، ولكن المقصود أن يكرهها وينكرها، ويسعى إلى إزالتها بالوسائل التي شرعها الله -عز وجل-.
وكما أن الله -عز وجل- قدَّر أن ألم الجوع يدفع بالأكل، وأن ألم العطش يدفع بالشرب، هكذا قدَّر الله لكل شيء أسبابًا، وشرع لنا أن نأخذ بها لنصلح واقعنا، فالله -عز وجل- لا يحب الفساد، وقد أوجب علينا أن ننظر في مآلات الأمور وعواقبها، وهذا يقتضي دراسة للشرع وسنن الأنبياء والاقتراب من كتاب الله -عز وجل-، ومن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسيرته، ثم دراسة الواقع.
ولنتأمل في قصة موسى -عليه السلام -وبني إسرائيل: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:4)، هل نحتمل مثل هذا الاستضعاف؟! أن تتم المتابعة قبل الولادة، وتُسجل كل امرأة حامل فإذا قرب وقت ولادتها مروا عليهم كل حين لينظروا أين ذهب الحمل، فإذا كان ذكرًا دخل الذبَّاحون بشفراتهم ليذبحوا مَن؟! الرضيع!
تخيل هذه المسألة... ما ذنبه؟!
لم يخرج من بيته، لم يشهر سلاحًا، لم يعترض حتى بكلمة... ولكنه الطغيان والجبروت؛ ليس إلا إرادة التجبر والتكبر، واستضعاف طائفة بأن تكون ذليلة مهانة؛ ليس لشيء إلا لأنها آمنت بالله، أو إن منها مَن آمن بالله، فيدخل الذباحون فيذبحون الذكور ويتركون الإناث للخدمة والذل، وليتخيل الواحد منا ابنته الكريمة العزيزة عنده تؤخذ منه لتخدم الكفرة المجرمين، وليتصور أمة عامتها إناث بلا ذكور كيف يكون حالها؟!
وقد استمر هذا الاستضعاف مِن قبْل ولادة موسى -عليه السلام- إلى أن جاء -عليه السلام- بعد حوالي 40 سنة، فكانت رحلة طويلة من الاستضعاف!
نجَّى الله موسى -عليه السلام- بقدرته عندما أوحى الله إلى أمه: (أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7)، ولنتأمل في حكمة الله -تعالى- فيما هيأه لبني إسرائيل بعد أكثر من 40 سنة، هيأ لها نصرًا وتمكينًا بدأ بولادة في عام الخطر والقتل، ولادة يُخشى منها، ولادة مَن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا يملك له أهله شيئًا، رميه في البحر مفسدته أقل من مفسدة حضنه في بيت أبيه وأمه! (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) (القصص:7-8)، منة من الله -عز وجل -على موسى -عليه السلام-، ومنة سابقة منه -عز وجل -على بني إسرائيل، وهو يريد -عز وجل- نجاتهم على يد موسى -عليه السلام-، وقبل أن يذكر الله -عز وجل- نجاتهم وقبل أن تقع هذه النجاة بـ40 سنة أو أكثر، قال -تعالى-: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص:5-6)؛ وقع ما كانوا يخافون منه ويحذرون، فالحذر لا يغني عن القدر (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) (القصص:8).
كبر موسى -عليه السلام- في بيت فرعون بحرمان ظاهر كان سببًا في عطاء مستمر: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ)، أتوا بالمرضعات يريدون أن يرضعن موسى -عليه السلام-، وموسى -عليه السلام- يأبى، يوشك أن يهلك، والحقيقة أن الحياة تكتب له بهذا الحرمان (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ . فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (القصص:12-14)، فإذا كنتَ تريد الحكم والعلم في مواطن الشبهات والفتن فأحسن في عبادة الله (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وأن تحسن في معاملة الخلق (وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني)، وحُسْن الخلق حتى مع الكفار يثمر ثمرات عجيبة!
ولننظر كيف أثمر تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة الذي أسرته خيل المسلمين؟ ربطه النبي -صلى الله عليه وسلم- في المسجد ثلاثة أيام لا يكلمه في شيء إلا: "(مالك يَا ثُمَامُ هَلْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْكَ؟) فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تَعْفُ تَعْفُ عَنْ شَاكِرٍ، وَإِنْ تَسْأَلْ مَالاً تُعْطَهُ، فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَتَرَكَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ مَرَّ بِهِ، فَقَالَ: مالك يَا ثُمَامُ؟ قَالَ: خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تَعْفُ تَعْفُ عَنْ شَاكِرٍ. وَإِنْ تَسْأَلْ مَالاً تُعْطَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قَالَ أَبُو هُرْيَرَةَ: فَجَعَلْنَا الْمَسَاكِينُ نَقُولُ بَيْنَنَا: مَا نَصْنَعُ بِدَمِ ثُمَامَةَ؟ وَاللَّهِ لأَكْلَةٌ مِنْ جَزُورٍ سَمِينَةٍ مِنْ فِدَائِهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ دَمِ ثُمَامَةَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ مَرَّ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (مالك يَا ثُمَامُ؟) قَالَ: خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تَعْفُ تَعْفُ عَنْ شَاكِرٍ، وَإِنْ تَسْأَلْ مَالاً تُعْطَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَطْلِقُوهُ قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ يَا ثُمَامُ).
فَخَرَجَ ثُمَامَةُ حَتَّى أَتَى حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَاغْتَسَلَ فِيهِ وَتَطَهَّرَ، وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- وهو جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ كُنْتُ وَمَا وَجْهٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، وَلا دِينٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، وَلا بَلَدٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، ثُمَّ لَقَدْ أَصْبَحْتُ وَمَا وَجْهٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، وَلا دِينٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، وَلا بَلَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" (أسد الغابة لابن الأثير، وأصله في الصحيحين).
أطلقه النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أنه صاحب مال كثير، وقتله فيه غيظ للكفار، لكن هناك رسائل ترسل عبر القلوب تأسرها، كان ثمامة يسمع إعلامًا مضللًا، ولا يعلم حقيقة هذا الدِّين، فلما ظل ثلاثة أيام يسمع القرآن، ويرى المصلين، ويعرف حقيقة الإسلام؛ تغير تمامًا؛ كل هذا بالخُلُق الحسن، بالمن، بالعطاء، تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك مع ثمامة -رضي الله عنه- وكان كافرًا؛ فكيف بأهل الإسلام؟! الأهل، الجيران، الأقارب، أهل الوطن الواحد الطيبون في معظمهم، وإذا كان هذا الإحسان لمن أساء، فكيف بمن لم يسئ؟! فينبغي علينا أن نحسن ألفاظنا وأفعالنا، نطهر صدورنا وقلوبنا، والحوارات التي تجري بين الناس لا تسمع فيها إلا السب والشتم والاختلاف، والتهديد بالقتل، ويا للأسف يوجد مَن يقتل بدم بارد، ولا يشعر بألم حين يقتل كأن هذه النفوس لا تؤثر فيه! وهذا هو الجبروت -نسأل الله أن يعافينا وأن ينجي بلادنا من كل جبار عنيد-، لكن ذلك لا يمنع الإحسان إلى الخلق، فإن ذلك يجعلك تبصر عند الفتن (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-07-2024, 10:37 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,957
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المؤمنون بين الاستضعاف والتمكين

المؤمنون بين الاستضعاف والتمكين (2)



(من تراث الدعوة)

كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فنستكمل قصة موسى -عليه السلام -وبني إسرائيل، قال الله -تعالى-: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ . فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ . فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) (القصص:15-19).
(فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ) إذًا كان الأمر واضحًا عند موسى -عليه السلام-، هناك رجل من شيعته من بني إسرائيل، وهناك أعداء، فالتمييز حاصل (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ)، ولا شك أن هذا منظر مؤلم؛ أن يرى موسى -عليه السلام- واحدًا من الطائفة المستضعفة يُضرب ويهان، ويوشك أن يقتل وهو مظلوم، وموسى -عليه السلام- لا يمكن أن يترك المظلوم وهذا هو الأصل (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) فموسى -عليه السلام- كان قد آتاه الله قوة عظيمة.
وتأمل في حال موسى -عليه السلام- الذي لم يقصد أن يقتل هذا الرجل، لم يتعمد قتله، بل كان يريد أن يدفعه فقط، وهو رجل كافر معتدٍ ظالم، ويريد قتل رجل من الطائفة المظلومة، لكن ضربه موسى -عليه السلام- ضربة كانت فيها نهايته، فكيف وَزَنها موسى -عليه السلام-؟ (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) سبحان الله! قتلُ كافر ظالم معتدٍ يريد قتل مظلوم، يكون قتله -خطأ لا قصدًا- من عمل الشيطان!
فلماذا وزنها موسى -عليه السلام- بهذه الطريقة؟!
لأن الشيطان يريد أن يدمر أمة، يدمر دعوة، الشيطان يريد أن يوقف خيرًا مستمرًا في المجتمع بوجود موسى -عليه السلام-، (إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ)، وسمَّى موسى فعله هذا ظلمًا (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وفي حديث الشفاعة قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي... ) (متفق عليه).
ينسحب موسى -عليه السلام- من الشفاعة لأجل هذا الموقف ويظل ذاكرًا له: (وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا)، يقول هذا في قتل نفس كافر ظالم؟! نعم؛ لأنه ترتب على قتلها فساد في الأرض، وأذى للمسلمين، وتوقف الدعوة إلى الله لسنوات بحكمة الله البالغة الذي قدَّر ذلك من عداوة الشيطان للإنسان الذي يريد أن يورده المهالك، ويوهمه أنه يفعل ذلك من أجل الدين، وبالقطع لا نشك أن موسى -عليه السلام- فعل ذلك مِن أجل الدين، ونصرة للمظلوم، ولكنها كانت عاطفة بغير رجوع إلى الشرع في هذه اللحظة خطأ لا عمدًا (وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا) مع أنه لم يقل: "نهيت عن قتلها"؛ فكيف بما نُهي عنه من قتل النفوس المسلمة المعصومة؟! وكذلك النفوس المعاهَدة من غير المسلمين؟
بل سمى موسى -عليه السلام- هذا الذي صدر منه خطأ ضلالًا حين قال له فرعون: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ . وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (الشعراء:18-19)، فأجابه موسى -عليه السلام-: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) (الشعراء:20)، فسماها موسى -عليه السلام- ضلالًا أي: بالنسبة لما صار إليه بعد ذلك من الحكمة والعلم.
وجاءت المرحلة نفسها بعد هذا، وقال فرعون: (سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ . قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف:127-129).
فقارن بين الموقفين عندما قَتل موسى -عليه السلام- الذي قتل خطأ وبين التهديد الفظيع وبنو إسرائيل يقولون: (أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا)، وكان الجواب: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا) فهل هذا جبن وخذلان للمظلومين؟ هل هذا تضييع للأمانة أم الحكمة البالغة؟ (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا) (الشعراء:21)، الحُكْم: العلم والفقه في الدين، حتى يعلم حكم الله في الوقائع المختلفة في المراحل المختلفة في الظروف المختلفة بتوفيق الله -تعالى-، والوحي أنزله الله لنعمل به، ليس فقط لنتعلم منه الوضوء والصلاة، بل نتعلم منه كذلك السياسة الشرعية.
وسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها نفس الأمر، فكان يمر على ياسر وسمية وعمار -رضي الله عنهم- وهم يعذبون، بل تقتل سمية -رضي الله عنها- بحربة في موضع عفتها، لكنه -صلى الله عليه وسلم- لا يملك لهم إلا أن يقول: (صَبْرًا آلَ يَاسِر فَإنَّ مَوْعَدَكُمْ الجَنَّةُ) (رواه الحاكم وأبو نعيم في الحلية، وقال الألباني: حسن صحيح)، وفي الحديبية كان معه 1400 مسلم ووعد من الله: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا . سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) (الفتح:22-23)، ومع ذلك يقول: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) (رواه البخاري).
فلا بد من النظر إلى المآلات، وهل فيمَ نفعله تعظيم لحرمات الله أم تضييع لها، وهل في ذلك مصلحة للدين أم تضييع له؟ وقد قَبِل -صلى الله عليه وسلم- شروطًا ظالمة جائرة ليتمم الصلح الذي قال عنه عمر -باجتهاده الخاطئ في تلك اللحظة- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَهُمْ عَلَى البَاطِلِ؟ أَلَيْسَ قَتْلاَنَا فِي الجَنَّةِ، وَقَتْلاَهُمْ فِي النَّارِ؟! قَالَ: (بَلَى)، حق محض وباطل محض، ليس حق معه باطل، وباطل ليس معه حق، ليس معهم من الحق حتى لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال عمر: "فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ، وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا؟!" فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَا ابْنَ الخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا) (متفق عليه)، ويقبل -صلى الله عليه وسلم- أن يرد أبا جندل بن سهيل تنفيذًا للعهد -رغم أنهم قد يفتنونه في دينه!- وقد أتى سيرًا 17 كيلومترًا يرسف في قيوده، وهو مسجون مظلوم ينادي على المسلمين: "يَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، أَتَرُدُّونَنِي إِلَى أَهْلِ الشِّرْكِ، فَيَفْتِنُونِي فِي دِينِي ؟!"، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أَبَا جَنْدَلٍ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ -عز وجل- جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا) (رواه أحمد بسند حسن)، ليكون الفتح المبين (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) (الفتح:1).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



مجموعة الشفاء على واتساب


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 68.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 66.90 كيلو بايت... تم توفير 2.08 كيلو بايت...بمعدل (3.02%)]