منافع الحج ومقاصده - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حل إشكالات الإنتصار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 93 )           »          الخصائص العشرة لتربية إسلامية فعالة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          حريص عليكم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          رسائل العلماء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 24 )           »          مساجد من غير مراهقين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          مجالس تدبر القرآن ....(متجدد) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 204 - عددالزوار : 68237 )           »          الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 88 - عددالزوار : 7822 )           »          مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 137 - عددالزوار : 39328 )           »          من أساليب التربية النبوية أسلوب القص (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-06-2024, 05:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,824
الدولة : Egypt
افتراضي منافع الحج ومقاصده

مَنَافِعُ الْحَجِّ وَمَقَاصِدُهُ (1)

(الإِخْلاَصُ - التَّقْوَى)

عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت

عناصر الخطبة:
1- مقصد الإخلاص.
2- مقصد التقوى.

الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد:
فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله: الله عز وجل شرع الشرائع لمصلحة العباد، وبيَّن الحكمة من التشريع في الكثير من العبادات، ومن تلكم العبادات التي تزخَر بالكثير من الفوائد والمقاصد الجليلة في تشريعها - عبادة الحج والعمرة؛ قال تعالى: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ [الحج: 27، 28]، ومعرفة المقاصد والحِكَمِ والفوائد طمأنينة للقلب، وتشجيع على الإقبال على العبادة بوعْيٍ وإخلاص، وداعٍ للاستمرار فيها، فما هي منافع الحج ومقاصده؟ أكتفي لكم في هذه الخطبة بمقصدين اثنين:
عباد الله: من منافع الحج ومقاصده:
تحقيق الإخلاص لله جل وعلا؛ الإخلاص أساس قبول الأعمال، ومن حُرِمَ الإخلاص حُرِمَ القَبول، فأنت اسأل نفسك: أحُجُّ لمن؟ أعتمر لمن؟ أصوم لمن؟ أُصلِّي لمن؟ أتصدَّق لمن؟ أقرأ القرآن لمن؟ الجواب: لله، هذا هو الإخلاص، فإذا كنت تحج أو تعتمر حبًّا في مدح الناس، أو لأنك أو أنك في حاجة لمن يناديك بالحاج أو الحاجة، أو تغضب وتغضبين إذا لم تنادَ به، أو تريد كسب ثقة الناس والتغطية على قبح الأفعال بالحج، وغيرها من المقاصد القادحة في الإخلاص - فأنت بعيد عنه؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5]، واعلموا أن الله لا يقبل عملًا أُشْرِك فيه معه غيره؛ ففي الحديث القدسي قال صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمِلَ عملًا أشرك فيه معي غيري، تركتُه وشركَه))[1]، ومن الغبن أن ينفق الإنسان أمواله، ويتكلف من الجهد والمشقة الشيءَ الكثير، ثم يكون حَجُّه رياءً لغير وجه الله، وهو الذي يلبي قائلًا: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك، والملك لا شريك لك"[2]، فيجعل تلبيته في الظاهر لله، وفي الباطن لغيره، وهذا الحسن البصري يعاتب نفسه ويقول: "تتكلمين بكلام الصالحين القانتين العابدين، وتفعلين فعل الفاسقين الْمُرائين، والله ما هذه بصفات المخلصين"، وهذا أبو سليمان الداراني يقول: "إذا أخلص العبد، انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء"[3]، ويقول الفضيل بن عياض: "ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما"[4]، قال ابن القيم: "العمل بغير إخلاص ولا اقتداء، كالمسافر يملأ جرابه رملًا، يُثْقِله، ولا ينفعه"[5]، فاحرصوا - رعاكم الله - على تصفية نواياكم من الشوائب والعلائق، واجعلوا حَجَّكم خالصًا لوجه الله، لا يشاركه فيه أحد، فاللهم اجعلنا من عبادك المخلِصين المخلَصين، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن اقتفى؛ أما بعدعباد الله:
فمن منافع الحج ومقاصده:
تحقيق منفعة التقوى؛ التقوى هي المنفعة العظمى لفريضة الحج في قوله تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ [الحج: 28]، والتقوى هي طاعة الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فالحاج يُلبِّي بالحج تنفيذًا وطاعةً لأمر الله له بالحج؛ في قوله: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 97]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس، قد فُرِض عليكم الحَجُّ فحُجُّوا))[6]، وفي الحج إحرام بالقول أو الفعل، والتزام بعدم فعل محظورات الإحرام قبل التحلُّل الأصغر أو الأكبر، وفي الحج طواف بالبيت وسعي بين الصفا والمروة، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ورمي للجِمار، ونَحْرٌ للهَدْيِ، وحلق أو تقصير للشعر، وكلها طاعات يتقرب بها الحاج لرب العالمين بالفعل أو الترك، فيحقق التقوى لرب العالمين، سيدنا عمر رضي الله عنه سأل أُبَيَّ بن كعب عن التقوى، فقرَّب له معناها بتشبيه عجيب، فماذا قال له؟ قال له: أمَا سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى، قال: فما عمِلت؟ قال: شمَّرت واجتهدت، قال: فذلك التقوى[7]، ورحلة الحج كما هي مليئة بالأشواق، مليئة بالأشواك والابتلاءات وأقدار الله المؤلمة، فقد تُبتلى في نفسك ومالك، وقد تُبتلى بالرفقة التي معك، وقد تُبتلى بمشقة السفر، فالإخلاص والتقوى خير مُعِينٍ، ومن عرف ما قصد، هان عليه ما وجد، فكيف نحقق التقوى في حَجِّنا؟

نحققها بطاعة الله ورسوله، بأداء مناسك الحج كما كان يؤديها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو القائل: ((خذوا عني مناسككم؛ لعلي لا أراكم بعد عامي هذا))[8]، وقد نقل إلينا الصحابة رضوان الله عليهم طريقةَ حَجِّه، ومن استشكل عليه أمرٌ، فلا مناص من سؤال أهل العلم، أو مرشد الرحلة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43].

نحققها بطاعة الله ورسوله بتَرْكِ محظورات الإحرام، والصبر على المشقة والأذى؛ كالمشار إليها في قوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197]، ومعنى (الرفث)؛ أي: يحرُم عليه الجماع ومقدماته القولية والفعلية، و(الفسوق)؛ أي: يحرم عليه الخروج عن طاعة الله تعالى بفعل المعاصي، و(الجدال في الحج) المحرَّم هو الذي يؤدي إلى الغضب والكراهية، وهنا لا بد من الرفق والصبر مع الرفقة، والجدال المنهيُّ عنه هو الجدال لتحقيق الباطل، أما الجدال لتحقيق الحق، فمأمور به في الحج وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125].

فاحذر - أيها الحاج - من تَرْكِ ركن أو واجب من واجبات الحج، فضلًا عن مستحباته؛ لأنه نريد لحجك أن يكون حجًّا تامًّا كاملًا مبرورًا، واحذر من فعل محظورات الإحرام، تَفُزْ بتقوى ربك وطاعته، وكُفَّ شَرَّك عن المسلمين في كل وقت، قبل تأدية المناسك وأثناءها وبعدها؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه))[9].

فاحرصوا - رعاكم الله - على تحقيق التقوى في حَجِّكم، تفوزوا برضوان ربكم، فاللهم اجعلنا من عبادك المتقين ومن المنتفعين بحجهم، آمين.
(تتمة الدعاء).

[1] رواه مسلم، برقم: 2985.

[2] رواه مالك في الموطأ، برقم: 346.

[3] مدارج السالكين، ابن القيم: 2 /92.

[4] نفسه: 2/92.

[5] الفوائد، ابن القيم: 1/ 49.

[6] رواه البيهقي في السنن الكبرى، رقم: 8615.

[7] تفسير ابن كثير: 1/ 164.

[8] رواه البيهقي في السنن الكبرى، رقم: 9524.

[9] رواه البخاري، رقم: 10.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 07-06-2024, 05:52 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,824
الدولة : Egypt
افتراضي رد: منافع الحج ومقاصده

مَنَافِعُ الْحَجِّ وَمَقَاصِدُهُ (2)

(الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ - التَّعَارُفُ والتَّعَاونُ وَالمُسَاوَاةُ)

عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت



عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ:
1- مَنْفَعَةُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ.
2- مَنْفَعَةُ التَّعَارُفِ والتَّعَاونِ وَالمُسَاوَاةِ.


الْخُطْبَةُالْأُولَى:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّه نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغفِرهُ ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا،﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.

أَمَّا بَعْدُ:فإنَّ أَصْدَقَ الْحَديثِ كِتَابُ اللهِ تَعالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَشَرَّ الأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدعَةٌ وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ وكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ. أعَاذَنِي اللهُ وإيَّاكُمْ مِنَ النَّارِ.

عِبَادَ اللهِ: تَحَدَّثْنَا فِي الْخُطْبَةِ الْمَاضِيَةِ عَنْ مَنْفَعَةِ الْإِخْلَاصِ، وَمَنْفَعَةِ التَّقْوَى فِي أَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ. وَحَدِيثُنَا الْيَوْمَ عَنْ مَنْفَعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لِلْحَجِّ وَهْمَا: مَنْفَعَةُ؛ إِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ. وَمَنْفَعَةُ؛ التَّعَارُفِ والتَّعَاونِ وَالمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.

عِبَادَ اللهِ:مِنْ مَنَافِعِ الْحَجِّ وَمَقَاصِدِهِ:
1-مَنْفَعَةُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ؛ شُرِعَ الْحَجُّ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى:﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [البقرة:198-202]. فَالذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ نَبْدَأُ بِهِمَا فَرِيضَةَ الْحَجِّ وَيَسْتَمِرَّانِ أَثْنَاءَ أَدَاءِ الْفَرِيضَةِ وَبَعْدَهَا. فَالْإِخْبَارُ عَنْ نِيَّةِ النُّسُكِ ذِكْرٌ، وَالتَّلْبِيَةُ ذِكْرٌ وَابْتِهَالٌ، وَهِيَ عُنْوَانُ الْحَجِّ وَشِعَارُ الْحَاجِّ. سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ:" الْعَجُّوَالثَّجُّ"[1]. وَالْعَجُّ؛ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ؛ سَيَلَانُ دِمَاءِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ. وَفِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ، فَكَانَصلى الله عليه وسلم يَقُولُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؛ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ:رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ السَّعْيِ يَقُولُ: نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ. وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ مُكَبِّرًا وَمُوَحِّدًا وَدَاعِيًا، وَيَقُولُ:لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ [2]. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ مَاءِ زَمْزَمَ:" مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، فَإِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي بِهِ شَفَاكَ اللَّهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ مُسْتَعِيذًا عَاذَكَ اللَّهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأَكَ قَطَعَهُ". قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا شَرِبَ مَاءَ زَمْزَمَقَالَ:" اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ"[3]. وَالْوقُوفُ بِعَرَفَةَ يَوْمٌ لِلذَّكَرِ وَالدُّعَاءِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:" أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ"[4]. وَشُرِعَ رَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ وَالدُّعَاءِ بَعْدَهَا، عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:" إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ"[5]. وَلِذَلِكَ نُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَنَقِفُ بَعْدَ الرَّمْيِ مُسْتَقْبِلِينَ الْقِبْلَةَ نَدْعُو. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرٌ بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ.

وَلِلذِّكْرِ مَفْهُومُ عَامٌ وَشَامِلٌ؛ وَهُوَ كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ اللِّسَانُ، وَتَصَوَّرَهُ الْقَلْبُ، مِمَّا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ، كَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمِهِ، والأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فَهُوَ ذِكْرٌ لِلَّهِ. وَلِهَذَا مِنِ اِشْتَغَلَ بِطَلَبِ الْعِلْمِ النَّافِعِ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، أَوْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَتَفَقَّهُ أَوْ يُفَقِّهُ فِيهِ الْفِقْهَ، فَهَذَا -أَيْضًا-مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ للَّهَ، وَخَافَهُ، وَرَجَاهُ، فَهُوَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ. كَمَا يَدْخُلُ فِي الذِّكْرِ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَالدُّعَاءُ، وَالصَّلَاةُ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَإِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَمُخَاطَبَةُ النَّاسِ بِالْحُسْنَى. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الصَّدَقَةُ، وَنَشْرُ الْكُتُبِ، وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ. فَكُلُّ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ دَاخِلِ فِي عُمُومِ مَفْهُومِ الذِّكْرِ.

فَاللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وآخِرُ دَعْوَانَا الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمِينَ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَى عَبْدِهِ الْمُصْطَفَى وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنِ لِآثَارِهِمُ اقْتَفَى.

عِبَادَ اللهِ:مِنْ مَنَافِعِ الْحَجِّ وَمَقَاصِدِهِ:
2-مَنْفَعَةُ التَّعَارُفِ والتَّعَاونِ وَالمُسَاوَاةِ؛ قَالَ تَعَالَى:﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:27-28]. فَهَؤُلَاءِ النَّاسُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسَلَّمَاتِ اِخْتَلَفَتْ أَوْطَانُهُمْ، وَقَبَائِلُهُمْ، وَأَلْوَانُهُمْ وَلُغَاتُهُمْ، لَكِنَّ مَقْصِدَهُمْ وَاحِدٌ؛ وَهُوَ طَاعَةُ اللَّهِ بِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ. وَقِبْلَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، إِخْوَةٌ جَمَعَتْهُمُ الْعَقِيدَةُ الْوَاحِدَةُ.

وَإِلَى جَانِبِ هَذَا فَالْحَجُّ مُؤْتَمَرٌ سَنَوِيٌّ يَجْمَعُ شَتَاتَ الْأُمَّةِ لِأَجْلِ التَّعَارُفِ وَالتَّعَاوُنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ تَرَكُوا خِلَافَاتِهِمْ جَانِبًا وَنَسُوا جِرَاحَاتِهِمْ، وَلَا فَضْلَ لِغَنِيِّهِمْ عَلَى فَقِيرِهِمْ، وَقَدْ وَحَّدَ اللِّبَاسُ بَيْنَهُمْ. وَلَا فَضْلَ لِأَبْيَضِهِمْ عَلَى أَسْوَدِهِمْ، وَلَا لِشَرِيفِهِمْ عَلَى وَضِيعِهِمْ، إِلَّا بِالتَّقْوَى وَمَدَى طَاعَتِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير [الحجرات:13]. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم فِي خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُنَبِّهًا عَلَى تَرْكِ الْعَصَبِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالِافْتِخَارِ بِالْأَحْسَابِ وَالْأَنْسَابِ وَالْأَلْوَانِ:" يَاأَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ "، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ"[6].

وَهَلْ رَأَيْتُمْ مَجْمَعًا لِلنَّاسِ كَالْحَجِّ فِي نِظَامِهِمْ وَانْتِظَامِهِمْ، وَتَعَاوُنِهِمْ؟! إِنَّ السِّرَّ فِي هَذَا الِانْضِبَاطِ وَالتَّعَاوُنِ -دُونَمَا كُلْفَةٍ أَمْنِيَّةٍ كَبِيرَةٍ- هُوَ فِي الْإِيمَانِ الْكَامِنِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَحِرْصِهِمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ حَجُّهُمْ مَبْرُورًا بِتَجَنُّبِ الْآثَامِ، وَتَجَنُّبِ إِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ، فَيُؤَدُّونَ مَنَاسِكَهُمْ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، وَيَسْتَحْضِرُونَ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:" الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ"[7]. فَهَلِ اِسْتَحْضَرْنَا هَذِهِ الدُّرُوسَ الْبَلِيغَةَ مِنَ الْحَجِّ لِنُطَبِّقَهَا فِي حَيَاتِنَا كُلِّهَا؟

فَاحْرِصُوا -رَعَاكُمُ اللَّهُ -عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِهِ، وَكُونُوا إِخْوَانًا مُتَعَاوِنِينَ مُتَرَاحِمِينَ تَفُوزُوا بِرِضْوَانِ رَبِّكُمْ.

فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ الذَّاكِرِينَ لَكَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُتَّقِينَ وَمِنَ الْمُنْتَفِعِينَ بِحَجِّهِمْ، آمِين. (تَتِمَّةُ الدُّعَاءِ).

فَاحْرِصُوا - رَعَاكُمُ اللَّهُ - عَلَى تَحْقِيقِ التَّقْوَى فِي حَجِّكُمْ تَفُوزُونَ بِرِضْوَانِ رَبِّكُمْ. فَاللَّهُمَّ اِجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُتَّقِينَ وَمِنْ الْمُنْتَفِعِينَ بِحَجِّهِمْ، آمِين. (تَتِمَّةُ الدُّعَاءِ).

[1] - رواه الترمذي، برقم:827.

[2] - رواه مسلم، برقم:1218.

[3] - رواه الحاكم في المستدرك، برقم:1739.

[4]- رواه الإمام مالك في الموطأ، رقم:239.

[5]- رواه أحمد في مسنده، رقم:24351.

[6] - رواه أحمد في مسنده، رقم:23489.

[7] - رواه أحمد في مسنده، رقم:24351.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 13-06-2024, 01:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,824
الدولة : Egypt
افتراضي رد: منافع الحج ومقاصده

منافع الحج ومقاصده (3)

(الإصلاح والتزكية -زيادة الإيمان - تحقيق الرابطة الإسلامية)

عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت


عناصر الخطبة:
1- منفعة الإصلاح والتزكية.

2- منفعة زيادة الإيمان.

3- منفعة تحقيق الرابطة الإسلامية.

الخطبةالأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد:
فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله: تحدَّثنا في الخطبة الماضية عن منفعة الذكر والدعاء، ومنفعة التعارف والتعاون والمساواة، ومنافع الحج لا تُعَدُّ ولا تُحصى؛ قال تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ [الحج: 28]، ومنافع جمع منفعة؛ للإشارة إلى تعددها وتنوعها وكثرتها، وشهود هذه المنافع أمر مقصود في الحج، فعلى الحُجَّاج التماسُ هذه المنافع لأجل الانتفاع بها؛ ومن تلكم المنافع عباد الله:
1- منفعة الإصلاح والتزكية: من أَمَاراتِ الرضا وعلامات القبول في الحج، التحوُّلُ بعد الحج من السيئ إلى الحسن، أو من الحسن إلى الأحسن، فإن ذلك دليل على حسن انتفاعه بحجه؛ إذ إن من ثواب الحسنةِ الحسنةَ بعدها؛ كما قال تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((والحَجُّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))[1] ، ومن علامات الحج المبرور ثلاث علامات: علامتان في أثنائه؛ وهما: الإخلاص لله فيه، والحج وفق حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة بعده؛ وهي صلاح حال الإنسان بعد الحج بأن يُقبِلَ على الطاعات ويجتنب المنهيات، وأن يبدأ حياةً طيبةً معمورةً بالخير والصلاح والاستقامة.

والمتقون رغم عبادتهم لربهم، وتقديم أنواع الطاعات، من صلاة وذكر، وصيام وزكاة وحج، يخافون ألَّا يقبل منهم، فهم بين الخوف والرجاء؛ عن عائشة رضي الله عنها في هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 60]، قالت: ((يا رسول الله، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله؟ قال: لا يا بنت أبي بكر، يا بنت الصِّدِّيق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله عز وجل))[2]؛ قال الحسن البصري: "إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقةً، وإن المنافق جمع إساءةً وأمنًا"[3]؛ ولذلك إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كانا يبنيان البيت ويَدْعُوَان بالقبول؛ كما قال تعالى حكايةً عنهما: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة: 127]، فإذا كانا هذا شأنهما وهما من الأنبياء، فكيف بمن دونهما؟

2- منفعة زيادة الإيمان: الإيمان يزيد وينقص ويبلى كالثوب تمامًا، فكما أن الثوب يحتاج إلى تجديد أو تنظيف، فكذلك الإيمان، والحج فرصة للتجديد والتنظيف؛ فحينما نقرأ قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة: 197]، دعوة إلى كبح جماح النفس، والحد من مَيلِها ورغباتها وشهواتها، بترك محظورات الإحرام وجميع المعاصي؛ وحينما نقرأ قوله تعالى من نفس السورة: ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: 197]، دعوة إلى المسارعة في فعل الخيرات، والمسابقة لأداء مختلف الطاعات في الحج؛ كالطواف، والسعي، ورمي الجمار، والوقوف بعرفة، أو مع الرفقة؛ بخدمتهم وتعليم الجاهل، وتقديم النصيحة وغيرها؛ وحينما نقرأ قوله تعالى من نفس السورة: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197]، دعوة للاستعداد ليوم المعاد بالعمل الصالح والتقوى كالمسافر الذي يأخذ زاده معه؛ قال ابن القيم: "الناس منذ خُلِقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حطٌّ عن رحالهم إلا في الجنة أو النار، والعاقل يعلم أن السفر مبنيٌّ على المشقة وركوب الأخطار، ومن المحال عادةً أن يُطلَب فيه نعيم ولذة وراحة، إنما ذلك بعد انتهاء السفر"[4]، وبهذا الزاد الذي يتزود منه الحُجَّاج يزدادون إيمانًا، فيهدِم حجهم ما قبله، ويرجعون من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم.

فاللهم ارزقنا الحج إلى بيتك الحرام، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد عباد الله:
فمن منافع الحج ومقاصده:
3- منفعة تحقيق الرابطة الإسلامية: فكلمة التوحيد جمعتهم، يُلبُّون تلبيةً واحدةً: لبيك اللهم لبيك، قبلتهم واحدة، وعلى مقتضى هذه الرابطة؛ رابطة الإيمان، جَعَلَت حملة العرش ومن حوله يستغفرون للمؤمنين؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [غافر: 7 - 9]، وأكَّد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرابطة بمنًى يوم النحر؛ فقال: ((يا أيها الناس، ألَا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألَا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى، أبلَّغتُ؟ قالوا: بلَّغ رسول الله))[5].

فعلينا جميعًا الإحساس بالرابطة الإيمانية بين المسلمين؛ فندعو ونحسن إلى أقاربنا، وجيراننا ومعارفنا، وأصدقائنا، وسائر المسلمين، ونطرح جميع العصبيات العرقية، والشعارات القومية، والنعرات الجاهلية، والتحزبات الضيقة، ونستحضرها خاصةً في هذا الظرف العصيب مع إخواننا في فلسطين، فنقدم لهم ما نستطيع من الدعم والمساندة والتعريف بقضيتهم ضد همجية الكيان الصهيوني في التنكيل بهم، أمام ضعف الأُلفة بين المسلمين وتفرقهم، نتيجة ترك اعتصامهم بحبل الله، وكلمة التوحيد، فمُصابهم مُصابنا، وجرحهم جرحنا، وجوعهم جوعنا، فنحن أمة واحدة كالجسد الواحد، إذا اشتكى عضو من أعضائه، تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسهر.

فاللهم انصر إخواننا في فلسطين، ورُدَّ كيد الأعداء في نحورهم، ووحِّد كلمة المسلمين، آمين.
(تتمة الدعاء).

[1] رواه مسلم، رقم: 1349.

[2] رواه أحمد، رقم: 25263.

[3] الزهد لابن المبارك: 1/350.

[4] الفوائد: 190.

[5] رواه أحمد في مسنده، رقم: 23489.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



مجموعة الشفاء على واتساب


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 86.80 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 84.25 كيلو بايت... تم توفير 2.55 كيلو بايت...بمعدل (2.93%)]