الفَهْمُ الصَّحِيحُ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         قواعد تعامل الباحث مع التراث .. "التراث التربوي الإسلامي" نموذجا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          القنوت في الصلاة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ}ا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 121 - عددالزوار : 11733 )           »          الذين لا يحبهم الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          العزم والإصرار والجلد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          دور الحوار في تربية الأبناء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          الوعي والبصيرة بالواقع (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          إشاعة الفاحشة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          مصيبة تلو المصيبة - كيف أجد السعادة ! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          قلة الثقافة الزوجية أدت إلى المشكلات (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > الملتقى العلمي والثقافي

الملتقى العلمي والثقافي قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 22-10-2021, 10:18 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 76,820
الدولة : Egypt
افتراضي الفَهْمُ الصَّحِيحُ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ

الفَهْمُ الصَّحِيحُ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ (1)


الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر




الفَهْمُ الصَّحِيح لِمَنْهَجِ السَّلَف موضوع في غاية الأهمِّية، وينبغي لكل مسلم -يريد سعادة نفسه وفوزها وفلاحها وسعادتها في الدُّنيا والآخرة- أن يهتمَّ بفهم هذا الموضوع الفهم الصَّحيح، وأن يُعنى بذلك غاية العناية؛ لأنّ الأمر والعبرة ليس بمجرَّد الدعوى، من يدَّعي الإسلام ولا يُقيمه لا قيمة لدعواه، ومن يدَّعي السُّنَّة ولا يقيمها لا قيمة لدعواه، وإنَّما العبرة بالحقائق والأعمال، ليست العبرة بالدَّعاوى، كما جاء عن الحسن البصريِّ -رحمه الله- قال: «ليس الإيمان بالتمنِّي ولا بالتحلّي، ولكنّ الإيمان ما وقر في القلب وصدّقته الأعمال»، والله -عزَّ وجلَّ- يقول: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} (النساء:123)، ويقول: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (آل عمران:31)، فالعبرة هي بالاتِّباع والاقتداء والعمل بطاعة الله -جلَّ وعلا- والتَّقرُّب إليه بما يحبه ويرضاه من صالح الأقوال والأعمال، وليست العبرة بالدَّعَاوى.

ومن هنا ينبغي أن نفهم أنَّ السَّلفية أو السَّلف أو الدعوة السَّلفية أو نحو ذلك ليست دعوى يدَّعيها المرء لنفسه أو لطائفته أو لجماعته أو لفئة من النَّاس؛ وإنَّما هي منهج وطريقة وهدًى مستقيم يوصل إلى رضوان الله -تبارك وتعالى-، وطريقةٌ صحيحةٌ هي أصحُّ الطُّرق وأسلمها وأعلمها وأحكمها؛ طريقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام والتَّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

السَّلف والسَّلفية

ولهذا عندما يعرف المسلم السَّلف أو السَّلفية أو الدَّعوة السَّلفية ينبغي أن يعرفها المعرفة الصَّحيحة السَّليمة البعيدة عن التَّيَّارات الجارفة- والفتن الكثيرة المطغية الملهية المبعدة عن طاعة الرَّب -تبارك وتعالى-، فينتسب إلى السَّلفية أو إلى السَّلف قولًا وعملًا واعتقادًا، ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وعلنًا، ينتسب إليهم بهذه الطَّريقة، ويأتسي بهم، ويعرف سيرتهم، ويعتقد عقيدتهم، ويتَّبع آثارهم، ويقتفي ما هم عليه، ويستن بسنَّتهم، والمرء كما أخبر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مع من أحب، كما يقول شيخ الإسلام: «من كان بهم أشبه كان إليهم أقرب» أي السَّلف الصالح، ولهذا لابدَّ من فهم منهج السَّلف، والعلم بمعنى أو مفهوم السَّلفية، يتعرَّف على المنهج وعلى السَّلفية وعلى الطريقة السُّنيِّة، يتعرَّف عليها، يعرف أماراتها، يتعلَّم سماتها وعلاماتها، يترسَّم طريقها، ثم يسلك هذا الطَّريق؛ فيكون من أهل السُّنة ومن السَّلف إذا قام بهذا الأمر، فليست العبرة بالدعوى، لابد من العلم النَّافع المؤدِّي للعمل الصَّالح المقرِّب إلى الله -تبارك وتعالى.

عندنا هنا أمران: سلفيّة أو سلف، ويقابلها ويضادّها خَلَفِيّةٌ أو خَلَف؛ سلفٌ وخلف، هذان الاسمان ينبغي على المسلم أن يتعرَّف إليهما ويعرف معنى كلٍّ منهما «السَلف، والخَلَف»؛ مَن السَلف ومن الحقيق بهذا الاسم؟ ومَن الخَلَف ومن الحقيق بهذا الاسم؟

حديث عظيم

لعلِّي أنطلق في توضيح أو بيان ضابط كلٍّ منهما من خلال حديث عظيم يرويه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، وهو حديث عظيم جدًّا ينبغي لنا أن نتدبَّره، قال ابن مسعود: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ».

هذا حديثٌ عظيم جدًّا، ومن خلاله نستطيع أن نستوضح ونتبيّن مَن السَّلف؟ ومَن الخَلَف ؟ أو ما علامة السلف؟ وما علامة الخلف ؟ فقوله: «إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ»؛ أنا أعتقد أنَّ هذا أحسن ضابط لتعريف السَّلف أو السَّلفيّ، مَن كان كذلك فهو السَّلفيّ أو الذي على الدَّعوة السَّلفية وعلى المنهج السَّلفي.

تعريف السَّلفيِّ

وأهل العلم قالوا في تعريف السَّلفيِّ: بأنَّه مَن كان على مِثل ما كان عليه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؛ كما ثبت في حديث الافتراق ولعله يأتي معنا نص الحديث، بماذا وصفهم -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- في حديثنا هذا ؟ قال: «يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ»، هاتان صفتان رئيستان لكلِّ سلفيٍّ ولكلِّ منتمٍ للسَّلف، يأخذ بسنَّة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ويقتدي بأمر النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم -، صفتان عظيمتان جدًّا لكلِّ سلفيّ، وهما أهم الصِّفات:

- الأوَّل: الأخذ بالسُّنَّة.

- والثَّاني: الاقتداء بالأمر.

«الأخذ بالسُّنة»

هذا فيه إشارة إلى سلامة مصدر التَّلقي عند السَّلفيّ أو المتّبِع للسَّلف، مصدر تلقيه، منهجه في التَّلقي هو الأخذ بالسُّنة؛ يُنحِّي الآراء، يُنحِّي الأهواء، يُنحِّي الأذواق، يُنحِّي جميع المصادر التي هي المصادر التي هي مصادر للتَّلقي عند أهل البدع، وهي متنوعة وكثيرة جدًّا، فهو مصدره في التَّلقي الأخذ بالسُّنة.

مصادر مختلفة

بينما عندما تنظر تتأمل في الطَّوائف والفرق المختلفة تجد مصادرهم في التَّلقي متباينة؛ منهم من مصدره الذَّوق والوَجد، ومنهم من مصدره المنام أو الإلهام فيما يدَّعي، ومنهم من مصدره الكشف، ومنهم من مصدره العقل، يعتمد على العقل، وما يقوله العقل هو المقدَّم على ما يقوله الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإذا تعارض أمران يدلُّ على أحدهما النَّقل ويدلُّ على الآخر عقله أخذ بما يدلُّ عليه عقله، ومن المعلوم أنَّ العقول متفاوتة وليست عقلًا واحدًا، فالحق مع عقل من ؟! بهذا ردَّ السَّلف ضمن ردودٍ كثيرة على أهل هذا القول، بل قال بعض السَّلف: مِن لازِم قولِ هؤلاء أن يقول الواحد منهم أشهد أنَّ عقلي رسول الله، بدل أنَّ يقول أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله؛ لأنّ عقله مقدَّم على قول الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، ومن المصادر أيضًا الإسرائيليات، والقصص، والتَّجارب، وأشياء كثيرة تجدها في كتب أهل البدع والأهواء.

طريقة أهل السنة

فأهل السُّنة ليسوا في شيء من ذلك؛ بل سَمْتهم وسبيلهم وطريقتهم الأخذ بالسُّنة، ولهذا من أسماء السَّلفيين أو السَّلف: «أهل السُّنة والجماعة»، سُمُّوا بذلك لهذا؛ لأنهم يأخذون بسنَّته - صلى الله عليه وسلم -، مصدرهم في التَّلقي سنَّة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وهذا منهم إنَّما كان عملًا بوصيته - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّه أخبر أنَّ الأمَّة ستفترق في الأهواء إلى فرق كثيرة قال: «عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً»، فلمّا أخبر بأنها ستفترق أوصى للسَّلامة من هذه الشُّرور وللوقاية من هذه الآفات بلزوم السُّنة ومجانبة البدعة فقال -صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا»، أي فرقا وأهواءً وطوائفَ واتجاهاتٍ ونحو ذلك «فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا»، ثم أجاب - صلى الله عليه وسلم - دون أن يُسأل مبيّنًا السَّبيل والمخرَج من هذه الأمور؛ فقال: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»؛ فأرشد إلى هذا الأمر (إلى الأخذ بالسُّنة)، التَّمسك بها، واقتفاء آثار الرَّسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، والبعد عن البدع والأهواء أيًّا كان نوعها ومهما كانت صفتها، يبتعد عنها ويحذرها غاية الحذر، ويسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُنجّيه من بوائقها وآفاتها، ويسأل الله -جل وعلا- أن يُوفَّقه للزوم السُّنة.

أبرز صفة لأهل السُّنة


فهذه صفة بارزة، بل هي أبرز صفة لأهل السُّنة أو للسَّلف هي أخذهم بسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يبحثون عنها ويَسألون، ويقرؤون الكتب، ويبحثون ويتتبعون آثارها، ثم ينقادون ويستسلمون، ولا يُقدِّمون قول أحد على قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يقدِّمون رأي أحد على حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يتعصّبون لقول أيِّ شخصٍ غيرِ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويعتقدون أنَّ كل أحدٍ يؤخذ من قوله ويُترك إلا الرسول -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، ويتتبَّعون السُّنن ويبحثون عنها ويطبِّقونها في أنفسهم، يجتهدون في ذلك، ويسألون الله -تبارك وتعالى- أن يعينهم على هذا الأمر، (الأخذ بسنَّته).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 22-10-2021, 10:22 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 76,820
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الفَهْمُ الصَّحِيحُ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ


الفَهْمُ الصَّحِيحُ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ (2)


الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر



ما زال الحديث موصولاً عن الفَهْم الصَّحِيح لِمَنْهَجِ السَّلَف؛ حيث ذكرنا أنه ينبغي لكل مسلم يريد سعادة نفسه وفوزها وفلاحها في الدُّنيا والآخرة، أن يهتمَّ بهذا الفهم الصَّحيح، وأن يُعنى بذلك غاية العناية؛ لأنّ الأمر والعبرة ليس بمجرَّد الدعوى، وإنَّما العبرة بالحقائق والأعمال، كما جاء عن الحسن البصريِّ -رحمه الله- قال: «ليس الإيمان بالتمنِّي ولا بالتحلّي، ولكنّ الإيمان ما وقر في القلب وصدّقته الأعمال»، وقد ذكرنا أن من صفات السلف الصالح الأخذ بالسنة، والاقتداء بالأمر، والصفة الأولى وهي الأخذ بالسنة تتعلق بالعلم، والأمر الثاني وهو الاقتداء بأمره يتعلَّق بالعمل.

فأهل السُّنة يقتدون بالرَّسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فهو أسوتهم وقدوتهم كما قال الله -جلَّ وعلا-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب: 21)، قدوتهم هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقتدون به، ينظرون في أعمال النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويسألون عن عبادات النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، عن طاعاته، وقيامه بأمر الله، ويسألون عن صفة صلاته، وصفة حجِّه، وصفة ذكره لله -جلَّ وعلا-، ثم يقتدون به. وهذا - ولا ريب - يتطلّب العلم بسنَّة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - العلم الصَّحيح، وتمييز الصَّحيح من الضَّعيف ومعرفة الثابت من غيره، ثم يقتدي بأمر الرَّسول - صلى الله عليه وسلم .

هدي أهل السُّنة

وعندما قال: «بَأَمْرِهِ» أي بما ثبت أنه من أمره، فما لم يثبت أنَّه من أمر الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - يَدَعُونه ويقتدون بأمره؛ أي الثَّابت عنه - رضي الله عنه -، فهذا هدي أهل السُّنة في الأخلاق والأعمال والعبادات والسُّلوك في الاقتداء بأمر الرَّسول - صلى الله عليه وسلم .

الخالِف بالشر

ثم لما ذكر - صلى الله عليه وسلم - هاتين الصِّفتين للحواريين والأصحاب قال: «ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ» ومعنى قوله: «تَخْلُف» أي تَحْدُث، يحدث بعد هؤلاء الذين يأخذون بالسُّنة ويقتدون بالأمر يحدُث ويوجَد خُلوف، والخُلوف: جمع خَلْف {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} (الأعراف: 169)، والخَلْف هو الخالِف بالشر؛ مَن يخلُف الصَّحابة في الشَّر بترك ما هم عليه بالإحداث والابتداع وابتكار الآراء والمناهج والطُّرق هو خَلْفٌ، والذي يتَّبع هدْي هؤلاء الذين هم الصَّحابة ويقتدي بهم ويستنّ بهم وهم مستنُّون بسنَّة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - هو من السَّلف.

صفات الخلوف

«ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ» بماذا وَصَفهم - صلى الله عليه وسلم ؟ وصفهم بصفتين: قال: «يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ»؛ هاتان صفتان بإزاء الصِّفتين السَّابقتين لأهل السُّنة وهي: الأخذ بالسُّنَّة، والاقتداء بالأمر، أمَّا الخلف أو الخُلوف هم الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، و«يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ»: هذا فيه إشارة وتنبيه إلى أنَّ من طريقة هؤلاء الخَلَف كثرة القول وعدم الاهتمام بالعمل.

أهل الكلام

ومن الألقاب التي هي لقب لعددٍ من الطوائف لقب (أهل الكلام)؛ لأنَّ شغلهم الشَّاغل هو الكلام والجدل وكثرة القيل والقال كما قال أحدهم:

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا

سوى أن جمعْنا فيه قيل وقالوا

فيهتمُّون بالكلام والنَّظر ولا يهتمُّون بالعمل، مع أنَّ غاية العلم العمل، كما يقول عليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -:

يهتف العلم بالعمل

فإن أجابه وإلا ارتحل

والله -عزَّ وجلَّ- يمقت ويبغض من يقول ولا يعمل، قال -تعالى-: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف: 3)، فلابدَّ من العمل بالعلم، أمّا أن يقول ويتكلم ولا يعمل فهذا ليس من هدي أهل السُّنة والجماعة؛ ولهذا قال الله -عزَّ وجلَّ- عن شعيب -عليه السَّلام-: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} (هود: 88)، ويقول -تعالى-: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (البقرة: 44)، فلابدَّ من العمل.

غاية الاجتهاد

ولهذا عندما يسمع المسلم السُّني السَّلفيّ الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو الآثار المروية عن السَّلف الصَّالح، فإنه يَجِدُّ في المتابعة والاقتداء والائتساء غاية الاجتهاد ليخرج من هذه الصِّفة وهي القول بلا عمل؛ بل يجدُّ في المحافظة على أركان الإسلام ومن أهمها بعد الشَّهادتين الصَّلاة.

مصيبة عظيمة

ولهذا تجد بعض الشَّباب مَن لا يقوم إلى صلاة الفجر، ويشتغل في جدل ونقاش، ويسهر اللَّيل في نقاشٍ في رأيه أنه ينتصر به للدِّين ونحو ذلك، ثم ينام عن صلاة الفجر ويداوم على ذلك، وهذه مصيبة عظيمة جدًّا! المسلم يعتني بالعمل بطاعة الله، بعبادة الله، بامتثال أمر الله، بالاقتداء برسول الله، بأصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ويديم النَّظر ويُكثر القراءة في سيرة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وفي سيرة أصحابه، ويجتهد في التَّشبه بهم، أمّا أن يكون كذلك فهذا خطر عظيم.

خطر صفة الخُلُوف

ولهذا ينبغي للمسلم أن يستشعر خطر هذه الصِّفة (صفة الخُلُوف)، وهي أن يقول ما لا يفعل «يقولون ما لا يفعلون»، بل ينبغي أن يكون قوله موافقا لفعله، ومنطقه موافقا لباطنه، وقالبه موافقا لقلبه، يجتهد في ذلك، ولا يكون من أهل هذه الصِّفة.

صفات أهل الكلام

ذكرتُ أنّ أهل الكلام الباطل هذه من صفاتهم؛ القول والبحث والنَّظر، يعني على سبيل المثال: تجده يتحدث في محاضرات وكتب ونحو ذلك عن الإسلام والانتصار للإسلام، ومحاسن الدِّين ويُدافع عنه ونحو ذلك؛ لكنه يُفرِّط، يُفرِّط في الأركان ربَّما، يُفرِّط في الواجبات، يُفرِّط في الطَّاعات، ربَّما لا يقيم الصَّلاة أو يتهاون فيها، فإذا كان يبيّن محاسن الدِّين للنَّاس لابد أن يكون من أسبق النَّاس قياماً بالدِّين وبطاعة الله، أمّا أن يكون قولا بلا فعل، فهذا يمقته الله -تبارك وتعالى-، فينبغي لنا أن يكون القول موافقًا للعمل، والقول ليس أيَّ قول، بل يكون القول هو ما ثبت عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لا بالبدع والأهواء والمحدثات.

وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ

أما الصفة الثانية فهي قوله: «وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ»؛ هذا فيه إشارة إلى فساد مصدر التَّلقي عندهم؛ لأنّ صاحب السُّنة مصدر التَّلقي عنده كما تقدّم الأخذ بالسُّنة، يفعل ما يؤمر به، أمّا هؤلاء يفعلون ما لا يؤمرون، فمصدر التَّلقي عندهم فاسد، لم يؤمر بالأمر، لم يأت فيه نص لا في الكتاب ولا في السُّنة فيفعله ويتعبَّد لله تبارك وتعالى به، إمّا بناءً على رأيه أو على عقله أو على وَجْده أو على ذَوقه أو على قصص وحكايات أو منامات أو ادِّعاءات مثل ما يدّعي بعض المتصوِّفة يقول: «حدثني قلبي عن ربي» أو نحو ذلك، فهؤلاء كلهم ينطبق عليهم قوله: «ويفعلون ما لا يؤمرون»، ولا يسلم من هذه الصِّفة إلا من يتّبع الأمر ويفعل بما أُمر به ويكون من أهل - ما تقدم معنا - الأخذ بالسُّنة والاقتداء بالأمر، لا يسلم من هذه الصِّفة إلا من كان كذلك، ومَن سواهم لم يسلم؛ بل يكون وصفًا لازمًا له فِعْلُ ما لم يؤمر حتى يدَع الأهواء ويترك البدع والمحدثات، يدَعها تمامًا اتِّباعًا للرَّسول صلى الله عليه وسلم واقتداءً به.

دراسة صفات السنة وعلاماتها

من هنا ينبغي للمسلم أن يعرف السُّنة وصفاتها وعلاماتها، ويدرس ذلك دراسةً جيِّدة ليعمل بها، وينبغي له أيضًا في الوقت نفسه أن يعرف البدعة وصفاتها وأهلها حتى يحذرها، كما كان الصَّحابي الجليل حذيفة بن اليمان - وقد ثبت كلامه في صحيح البخاري- أنه كان يقول: «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي»، المسلم يعرف الشَّرَّ وسبله وطرقه حتى يحذرها ويتقها.


تعلَّمِ الشَّرَّ لا للشرِّ ولكـــنْ لتوقِّيه

فإن مَن لم يعرفِ الشَّرَّ مِن النَّاسِ يقعُ فيه


فهنا عرّف النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بصفات أهل الخير وعلاماتهم، وعرّف بصفات أهل الشر وعلاماتهم، وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - نصيحة للأمة، وإعذار وإقامة للحجة والمعذرة، نصحهم ببيان ذات وعلامات أهل الخير وصفات أهل الشر وعلاماتهم، فالمسلم ينظر في علامات أهل الخير ويتدبرها ويتأملها تأمُّلًا جيدًا، ويتبصّر فيها ثم يقتدي بهم، وأيضًا يعرف علامات أهل الشَّرِّ ويتفقَّد نفسه وينظر في حاله، هل فيه شيء من ذلك ؟ فإن كان فيه فليجتهد في إبعاده عن نفسه، وإن كان سالماً فليحمد الله -تبارك وتعالى- ويسأله الثَّبات.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 22-10-2021, 10:30 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 76,820
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الفَهْمُ الصَّحِيحُ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ

الفَهْمُ الصَّحِيحُ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ (3)


الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر



ما زال الحديث موصولاً عن الفَهْم الصَّحِيح لِمَنْهَجِ السَّلَف؛ حيث ذكرنا أنه ينبغي لكل مسلم يريد سعادة نفسه وفوزها وفلاحها وسعادتها في الدُّنيا والآخرة، أن يهتمَّ بهذا الفهم الصَّحيح، وأن يُعنى بذلك غاية العناية؛ لأنّ الأمر والعبرة ليس بمجرَّد الدعوى، وإنَّما العبرة بالحقائق والأعمال، واليوم نعرض لبعض الأسئلة التي أُجيب عنها، وتدور حول هذا الفهم، والإشكالات التي تدور حوله.
الانتساب لمنهج السلف
- ما قولكم فيمن يقول لمن ينتسب إلى منهج السلف الصالح بأنه وهابي؟
- هذا من قديم، وأهل الأهواء البدع يحاولون صرف الناس عن الحق وعن المنهج الصحيح، (منهج السلف الصالح) بوضع ألقابٍ معيَّنة، ثم يصِفون هذه الألقاب بصفات مستشنعة وبشِعة، ثم من خلال ذلك ينفِّرون النَّاس عن هذه الدعوة، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام من أئمة أهل السنة، وشيخ من الشيوخ السلفيين، وهو يدعو إلى اتِّباع منهج السَّلف الصالح، ويدعو إلى التمسك بكتاب الله وسنة نبيه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، ولم يأت بدين جديد ولم يأتِ بمذهب جديد، لكن أهل البدع والأهواء أرادوا صرف الناس عن هذه الدعوة الصحيحة (الدعوة إلى عبادة الله وإخلاص التوحيد له وإخلاص الدين له واتباع سنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - والتحذير من الشرك والبدع)، فجاء أهل البدع بصرفهم عنه فأخذوا يلقبونه بألقاب، ذكروا أنه وهابي، وأن الوهابية مذهبٌ خامس، وأنها دينٌ جديد، وأن ابن عبد الوهاب يكفِّر المسلمين وكذا وكذا، كل ذلك بقصد صرف الناس عنه.
هدفهم صرف الناس عن الحق
ثم كل من كان على السنة وعلى المنهج السلفي الصحيح يصفونه بهذه الصفة، ثم يلقبونه بهذا اللقب ويصفونه بالصفات التي جعلوها لازمةً لهذا اللقب من عندهم، فكل هذا مقصوده التنفير، والأنبياء حصل لهم مثل ذلك وأكثر، وصفوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه ساحر وأنه مفترٍ، وأنه يقول على الله، وأنه تقول القرآن، وأشياء من هذا القبيل، والمسلم لا يؤثر فيه أراجيف هؤلاء وطرائقهم في الصرف عن الحق ويصبر ويحتسب، وإلا فعلاً هؤلاء مقصدهم بهذا القدح في المنهج والقدح في شخص الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- ووصفوه بصفات كثيرة لا مجال لبسطها.
اتهام كل متَّبع لهذا المنهج
ثم إنهم يجعلون كل متَّبع لهذا المنهج سالك لهذا السبيل يقولون: هو وهابي، أي على طريقة محمد بن عبد الوهاب، وقد أخذت الغفلة بعضهم فاختلَّ عنده الزمن التاريخي، فأحدهم قال عن ابن القيم -رحمه الله-: «ابن القيم وهابي» مع العلم أن ابن القيم -رحمه الله- متوفى قبل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بقرون ! وهذا يؤكد لكم أن هؤلاء إنما قصدوا بذلك التنفير بأي طريقة كانت وبأي صفة.
الفرقة الناجية
- من هي الفرقة الناجية؟ وما صفاتها؟ ومن الطائفة المنصورة؟ وما الفرق بينهما؟
- ورد حديثان عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أحدهما يقول فيه -صلى الله عليه وسلم -: «لَتَفْتَرِقَنّ َ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ», قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ هِيَ؟ , قَالَ: »الْجَمَاعَةُ»، وورد في الحديث الآخر: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»، والفرقة الناجية هي الطائفة المنصورة (أهل السنة والجماعة)، هذا عند أهل العلم جميعهم لا يفرِّقون بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، فيجعلون الفرقة الناجية فئة وطائفة، والطائفة المنصورة فئة أخرى وطائفة، وهو لقب لجماعة المسلمين المتمسكين بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الملازمين للجماعة، ولهذا ابن تيمية -رحمه الله- في مقدمة كتابه العقيدة الواسطية -الذي يحفظه كثير من طلبة العلم وقد كتبه للحفظ- يقول فيه: «أما بعد؛ فهذه الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة»؛ فأهل السنة هم الفرقة الناجية وهم الطائفة المنصورة، لكن هذه صفات لموصوف واحد، الناجية؛ لأنهم سلكوا سبيل النجاة والأخذ بالسنة والاقتداء بالأمر.
والمنصورة؛ لأن الله -عز وجل- وعد بنصر أنبيائه وأتباعهم {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا} (غافر: 51) {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (الروم: 47)؛ فهي لا تزال منصورة فسُموا بذلك؛ لأن الله -عز وجل- وعَد بنصرهم.
وسموا أهل السنة: لتمسكم بالسنة.
وسُموا أهل الجماعة: لبعدهم عن الفرقة وتمسكهم ولزومهم لجماعة المسلمين.
سُموا سلفيين: لاتِّباعهم السلف الصالح؛ فكلها أسماء لمسمى واحد وصفات لموصوفٍ واحد.
حقيقة الخلاف بين السلفيين والأشاعرة
- ما حقيقة الخلاف في مصدر التلقي بين السلفيين والأشاعرة؟
- التفصيل يطول لكن يمكن الإجمال: أهل السنة - مر معنا - مصدر التلقي عندهم في العقيدة كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -قال -تعالى-: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء: 59)، بينما الأشاعرة مصدر التلقي عندهم العقل والمقدَّم عندهم العقل، وعندهم في هذا فلسفة، يقولون: «نحن لم نعرف النقل إلا بالعقل «من خلال العقل عرفنا النقل هو الذي دلنا، فلهذا يقولون لا يجوز أن يقدَّم النقل على العقل والذي دلنا إلى النقل هو العقل، ولهم في هذا كلام طويل لكن أحد أهل العلم أظنه شيخ الإسلام ابن تيمية ضرب مثالا يوضح فيه فساد هذا القول أو فساد هذا الاستدلال خصوصا، يقول: مثل هؤلاء مثل رجل جاء إلى عامي واستفتاه في مسألة؛ فقال له العامي: أنا ليس عندي علم ولكن هيا أدلك على عالم فدله على عالم فأفتاه العالم، عندما أفتاه العالم قال العامي: «ليس هذا الصواب بل الصواب كذا والواجب عليك أن تأخذ بقولي لا بقول العالم؛ لأني أنا الذي دللتك على العالم «والمعلوم هنا أنه لا يجوز أن يأخذ بقول العامي وإن كان العامي هو الذي دله أو أرشده إلى مكان العالم، فاللائق أن يقول له «قبِلت قولك وتزكيتك له بأنه عالم دونك، ولن أقبل قولك أو أقدِّم قولك على قوله». فإذا كنا عرفنا النقل بالعقل وعرفنا صحته وأنه هو الذي يهدي للتي هي أقوم لا يجوز أن نقدِّم العقل عليه بل نقدم النقل ونتهم عقولنا في الدين وفيما صح عن النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم .

المصدر عند هؤلاء العقل
فالشاهد أن المصدر عند هؤلاء العقل، وشيخ الإسلام له في هذا كتاب معروف (درء تعارض العقل والنقل)، لأنه يقرر إن كان النقل صحيحاً فإنه لا يعارض النقل السليم، لكن هؤلاء لما أشربوا ببعض الأهواء والبدع صارت تعارض النقل فقدَّموا العقل عليها، وكما أشرت تفصيل هذا يطول وفي هذا الموضوع حقيقة كتب كثيرة في الفرق بين أهل السنة والأشاعرة أو الرد عليهم، ومن أهم ما كُتب في ذلك كتابان: كتاب الشيخ عبد الرحمن المحمود الذي بعنوان (منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الأشاعرة)، و كتاب الشيخ خالد عبد اللطيف في الجامعة الإسلامية (الفرق بين منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في التوحيد)، الكتابان فيهما بسط جيد وواف، سواء في مصدر التلقي أمن في التفاصيل، وطالب العلم المهتم يحصِّل الكتابين ويستفيد منهما -إن شاء الله.
ذكر محاسن المبتدعة
- هل من منهج السلف ذكر محاسن المبتدعة على الإطلاق أم أن هناك ضوابط لهذا الأمر؟
- ذكر محاسن المبتدعة على الإطلاق دون ذكر المساوئ هذا فيه غش وخيانة وتلبيس على الناس؛ لأنها عندما تُذكر محاسن هؤلاء ويُسكت عن مساويهم يغتر الناس بهم وينخدعون ويأخذون ما هم عليه من بدعٍ وأهواء، فالواجب في هذا المقام التحذير وبيان الأخطاء نصيحةً للأمة ونصيحةً لهذا المبتدع نفسه؛ لأنه إذا بُينت مساويه وحُذِّر الناس منها يَسْلم من شيء من شرورها؛ لأن الله -عز وجل- يقول: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (النحل: 25)، فإذا حُذِّر الناس من هذه البدع وبُيِنت لهم هذه الأخطاء وتركوها لاشك أن هذا فيه خير حتى للمبتدع نفسه؛ لأنه سيقِلُّ أتباعه وتقِلُّ التبعة التي عليه، فهذا فيه فائدة له وفائدة للمدعوين، أما ذكر المحاسن والسكوت عن المساوئ فيه خطر على المبتدع نفسه وعلى المدعوِّين؛ ولهذا كان من سبيل أهل السنة في مقام التحذير ذكر المساوئ فقط؛ فيقولون فلان جهمي، فلان مرجئ، فلان خارجي، فلان قدري، فلان كذاب بما يتعلق برواية الحديث، فلان ضعيف، بل أفردوا كتبا خاصة، كتبا باسم الكذابين مثلا أو الوضَّاعين، والكتاب تجده في ثلاث مجلدات وأربع مجلدات، كلها قائمة على هذا فلان ابن فلان كذاب، فلان بن فلان رُمي بالوضع ولا يذكر شيئا مع أنه كان يصلي ويصوم وله محاسن لا يذكرون شيئا من ذلك !؛ لأن المقام مقام تحذير ومقام بيان للأمة ونصيحة من الخطر، وإذا سُكت عن مثل هذا انتشرت البدع والأهواء، لكن ينبغي أن يكون هذا قائم على العدل والإنصاف وقصد النصيحة، لا يكون بقصد مثلا التشفي أو الحقد أو الحسد أو مجرد الاغتياب، وإنما يكون قصده بذلك النصح له وللمسلمين، النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، فالأمر بلا إفراط ولا تفريط، وبلا غلو ولا جفاء، لا نسكت عنهم ولا أيضاً نظلمهم.
السكوت عن بدعة المبتدع
- هل من منهج السلف السكوت عن بدعة المبتدع بحجة أنه يخدم الدين؟
- لا، ليس هذا من منهج السلف، إذا كان له بدعة يُخشى على الأمة منها مثلا يتأوَّل الصفات أو مثلاً يجوِّز الاستغاثة بغير الله أو يقع في بعض الصحابة، ويطعن فيهم أو أشياء من هذا القبيل يُخشى على الأمة أنها تغتر بهذه البدعة، بل تبيَّن بالتي هي أحسن ويُنصح للناس، ولا مانع أن يقال فلان في الكتاب الفلاني قال كذا وكذا وكلامه باطل أو هو بدعة وضلال، نبين بدعته ونستغفر له، نسأل الله -عز وجل- أن يغفر له وأن يرحمه لكن بدعته نبيِّنها، ندعو له إن كان حياً ونستغفر له إن كان ميتا، أما البدعة نحذِّر منها، يعني عندما نأتي مثلا إلى (إحياء علوم الدين) للغزالي لابد أن نبين ما فيه من أخطاء حتى لا يغتر الإنسان به، عندما نأتي أيضاً إلى كتب المعاصرين المشتملة على ضلالات وبدع وأخطاء نسميها ونقول هذا الكتاب فيه كذا وكذا لكن يكون الكلام بعلم ويكون أيضا المقصد النصيحة والتحذير، ونشاطه في الساحة إن كان سليماً فهذا خير والحمد لله وعندما نبين الأخطاء التي في البدع ربما يعود هو أو ربما يتركونها أتباعه هذه البدع عندما يسمعون تحذير أهل العلم منها فيكون هذا مما يزيد الساحة الإسلامية سلامة وقوة وتمسكا بالسنة واعتصاما بها، فالمقصد ينبغي أن يكون عند الجميع هو نصر السنة والمحافظة عليها والتحذير من البدعة والتقليل منها.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 93.02 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 90.27 كيلو بايت... تم توفير 2.74 كيلو بايت...بمعدل (2.95%)]