مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان - الصفحة 3 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         تحميل لعبة امونج اس 2021 (اخر مشاركة : إلياس نت - عددالردود : 2 - عددالزوار : 216 )           »          عيد الفطر وصايا ومحاذير (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          حافظي على رشاقتك في العيد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          العـيد في بـيت النبوة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          عيد الشباب وشباب العيد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          حكاية كعك العيد عبر التاريخ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          خطبة عيد الفطر المبارك (1440هـ) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          خطبة عيد الفطر (الجنة) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          اليوم عيد الفطر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          خطبة عيد الفطر عام 1439 هـ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #21  
قديم 03-05-2021, 04:21 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


من فضائل القرآن في رمضان
عبدالرحمن بن أحمد بن رجب ( ابن رجب الحنبلي )
(21)


قال كعب: يُنادي يوم القيامة منادٍ: إنَّ كلَّ حارث يعطى بحرثه ويزاد، غير أن أهل القرآن والصيام يعطون أجورهم بغير حساب، ويشفعان له أيضًا عند الله - عَزَّ وَجَلَّ - كما في "المسند"، عن عبدالله بن عمرو، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الصِّيام والقُرآن، يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: ربِّ مَنَعْته الطَّعام والشراب بالنهار، ويقول القرآن: منعته النَّوم باللَّيل، فَشَفّعني فيه، فيشفعان)).
فالصِّيام يشفع لِمَن منعه الطَّعام والشَّهَوات المُحَرَّمة كلها، سواء كان تحريمها يختص بالصِّيام، كشَهوة الطعام، والشَّراب، والنِّكاح، ومقدماتها، أو لا يختص به، كشهوة فضول الكلام المُحَرَّم، والسَّماع المحرم، والنَّظَر المُحَرَّم، والكَسْب المُحَرَّم، فإذا منعه الصيام مِن هذه المحرمات كلها، فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: ياربِّ، منعته شهواته، فشَفِّعني فيه، فهَذا لِمَن حفظ صيامه، ومنعه من شهواته، فأمَّا مَن ضَيَّع صيامَه، ولم يمن
عه عمَّا حَرَّمَهُ الله عليه، فإنه جديرٌ أن يضرب به وجه صاحبه، ويقول له: ضَيَّعَكَ الله كما ضَيَّعْتَنِي، كما وَرَد مثل ذلك في الصَّلاة.

قال بعض السَّلَف: إذا احتضر المؤمن يُقال لِلْملك: شم رأسه، قال: أجد في رأسه القرآن، فيقال: شم قلبه، فيقول: أجد في قلبه الصيام، فيقال: شم قدميه، فيقول: أجد في قدميه القيام، فيقال: حفظ نفسه، حفظه الله - عز وجل.
وكذلك القرآن إنَّما يشفع لِمَن منعه منَ النَّوم بالليل، فإن مَن قَرَأ القرآن وقام به، فقد قام بحقِّه؛ فيشفع له.
وقد ذكر النَّبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً فقال: ((ذاك لا يتوسد القرآن))؛ يعني لا ينام عنه، فيصير له كالوسادة.
وخرج الإمام أحمد، من حديث بُرَيْدة مرفوعًا: "إنَّ القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة، حتى ينشق عنه قبره، كالرجل الشاحب، فيقول: هل تعرفني؟ أنا صاحبكَ الذي أظمأتُكَ في الهَوَاجِر، وأسهرتُ ليلكَ، وكل تاجِرٍ من رواء تجارته، فيُعْطَى المُلْك بِيَمِينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوَقار، ثم يقال له: اقْرأ، واصعد، في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هَذًّا كان، أو ترتيلاً".
وفي حديث عُبادة بن الصامت، الطويل: أنَّ القرآن يأتي صاحبه في القبر، فيقول له: أنا الذي كنت أسهر ليلكَ، وأظمئ نهارك، وأمنعك شهوتك، وسمعك وبصرك، فستجدني منَ الأَخِلاَّء خليل صدق، ث
م يصعد فيسأل الله له فِرَاشًا ودثارًا، فيُؤْمَر له بفراشٍ منَ الجَنَّة، وقنديل منَ الجنَّة، وياسمين منَ الجنَّة، ثم يدفع القرآن في قبلة القبر، فيوسع عليه ما شاء الله مِن ذلك".
قال ابن مسعود: ينبغِي لقارئ القرآن أن يُعْرَف بِلَيْلِه إذا الناس ينامون، ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبِوَرَعه إذا الناس يخلطون، وبِصَمْته إذا الناس يخوضون، وبِخُشوعه
إذا الناس يَخْتالون، وبِحُزنه إذا الناس يفرحون.
قال محمد بن كعب[9]: كنا نعرف قارئ القرآن بِصُفرة لونه، يشير إلى سَهَره، وطول تَهَجُّده.

قال وهيب بن الورد[10]: قيل لرجل: ألا تنام؟ قال: إنَّ عجائب القرآن أطرن نَوْمي، وصحب رجل رجلاً شهرين، فلم يره نائمًا، فقال: مالي لا أراك نائمًا؟ قال: إنَّ عجائب القرآن أطرن نومي، ما أخرج من أعجوبة إلاَّ وقَعْتُ في أخرى.
قال أحمد ابن أبي الحواري[11]: إنِّي لأقرأ القرآن، وأنظر في آية فيحير عقلي بها، وأعجب من حُفَّاظ القرآن، كيف يهنيهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء منَ الدنيا، وهم يتلون كلام الله، أما إنهم لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه، وتَلَذَّذوا به، واستحلوا المناجاة به، لذهب عنهم النوم فرحًا بما قد رزقوا[12].
أنشد ذو النون المصري:
مَنَعَ القُرَانُ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ مُقْلَ العُيُونِ بِلَيْلِهَا لاَ تَهْجَعُ
فَهِمُوا عَنِ المَلِكِ العَظِيمِ كَلاَمَهُ فَهْمًا
تَذِلُّ لَهُ الرِّقَابُ وَتَخْضَعُ
فأمَّا مَن كان معه منَ القرآن فنامَ بالليل، ولم يعملْ به بالنهار، فإنَّه ينتصب القرآن خصمًا له، يطالبه بحقوقه التي ضَيَّعَها.
وخرج الإمام أحمد من حديث سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في منامِه رجلاً مستلقيًا على قفاه، ورجل قائمٌ بيده فهر[13] أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فيتدهده[14] الحجر، فإذا ذهبَ ليأخذه عاد رأسه كما كان، فيصنع به مثل ذلك، فسأل عنه، فقيل له: هذا رجل آتاه الله القرآن، فنامَ عنه بالليل، ولم يعمل به بالنهار، فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة؛ وقد خرجه البخاري بغير هذا اللفظ.
وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله
عليه وسلم -: ((يمثل القرآن يوم القيامة رجلاً، فيؤتى بالرجل قد حمله، فخالف أمره، فيمثل له خصمًا، فيقول: يا ربِّ حملته إياي، فبئس حامل تعدى حدودي، وضيع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فلا يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال: شأنك به، فيأخذ بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار، ويؤتى بالرجل الصالح كان قد حمله، وحفظ أمره، فيمثل خصمًا دونه، فيقول: يا رب حملته إياي، فخير حامل، حفظ حدودي، وعمل بفرائضي، واجتنب مَعصيتي، واتبع طاعتي، فلا يزال يقذف له بالحجج حتى يقال: شأنك به، فيأخذ بيده فما يرسله حتى يلبسه حلة الإستبرق، ويعقد عليه تاج الملك، ويسقيه كأس الخمر)).

يا مَن ضَيَّع عمره في غير الطاعة، يا مَن فَرَّط في شهره؛ بل في دهره وأضاعه، يا مَن بضاعته التسويف والتفريط، وبئست البضاعة، يا مَن جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة.
وَيْلٌ لِمَنْ شُفَعَاؤُهُ خُصَمَاؤُهُ وَالصُّورُ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ يُنْفَخُ

رُبّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، وقائم حَظّه من قيامه السَّهر، كل قيام لا يَنْه عن الفَحْشاء والمنكر لا يزيد صاحبه إلاَّ بُعْدًا، وكل صيام لا يُصان عن قول الزُّور والعمل به، لا يورث صاحبه إلاَّ مَقْتًا وردى، يا قوم أين آثار الصيام، أين أنوار القيام.
إِنْ كُنْتَ تَنُوحُ يَا حَمامَ البَانِ لِلْبَيْنِ أَيْنَ شَوَاهِدُ الأَحْزَانِ
أَجْفَانُكَ لِلدُّمُوعِ أَمْ أَجْفَانِي لاَ تُقْبَلُ دَعْوى بِلا بُرْهَانِ
هذا - عبادَ الله - شهر رمضان، الذي أُنْزل فيه القرآن، وفيه بقيته للعبادين مستمتع، وهذا كتاب الله يُتْلى فيه بين أظهركم ويسمع، وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا يَتَصَدَّع، ومع هذا فلا قَلْب يخشع، ولا عين تدمع، ولا صيام يُصان عنِ الحرام فينفع، ولا قيام استقام فيرجى لصاحبه أن يشفع، قلوب خَلَت منَ التقوى فهيَ خراب بلقع[15]، وتراكمتْ عليها ظلمة الذنوب، فهي لا تبصر ولا تسمع.
كم تتلى علينا آيات القرآن، وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة، وكم يتوالى علينا شهر رمضان، وحالنا فيه كحال أهل الشقوة، ولا الشاب منا ينتهي عنِ الصبوة، ولا الشيخ منَّا يَنْزَجر عن القبيح فيلتحق بالصفوة، أين نحن من قوم، إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة، وإذا تليت عليهم آيات الله وجلت قلوبهم، وجلتها جلوة
؛ وإذا صاموا صامت منهم الألسنة والأسماع والأبصار، أفما لنا فيهم أسوة؟ كم بيننا وبين أهل الصفا؟ بيننا أبعد مما بيننا، وبين الصفا والمروة[16]، كلما حسنت منَّا الأقوال، ساءت منا الأعمال، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله.

يَا نَفْسُ فَازَ الصَّالِحُونَ بِالتُّقَى وَأَبْصَرُوا الحَقَّ وَقَلْبِي قَدْ عَمِ
يَا حُسْنَهُمْ وَاللَّيْلُ قَدْ جَنَّهُمُ وَنُورُهُمْ يَفُوقُ نُورَ الأَنْجُمِ
تَرَنَّمُوا بِالذِّكْرِ فِي لَيْلِهِمُ فَعَيْشُهُمْ قَدْ طَابَ بِالتَّرَنُّمِ
قُلُوبُهُمْ بِالذِّكْرِ قَدْ تَفَرَّغَتْ دُمُوعُهُمْ كَلُؤْلُوءٍ مُنْتَظِمِ
أَسْحَارُهُمْ بِهِمْ لَهُمْ قَدْ أَشْرَقَتْ وَخلعُ الغُفْرَانِ خَيْر القَسَمِ
وَيْحَكِ يَا نَفْسُ أَلاَ تَيَقّظ يَنْفَعُ قَبْلَ أَنْ تَزِلَّ قَدَمِي
مَضَى الزَّمانُ فِي تَوَانٍ وَهَوًى فَاسْتَدْرِكِي مَا قَدْ بَقِي وَاغْتَنِمِي
[1] يقصد حيث الصَّحيحينِ عن ابن عباس - رضيَ الله عنهما - ق
ال: "كان النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أجود ما يكون في رمضان، حين يَلْقاه جبريل، فيُدَارسه القرآن - فَلَرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يلقاه جبريل أجود منَ الرِّيح المرسلة".
[2] سورة المزمل الآية 6.
[3] سورة القدر الآية 1.
[4] سورة البقرة الآية 185.
[5] سورة الدخان الآية 3.
[6] يُلاحَظُ أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قَدَّمَ "النِّساء" على "آل
عمران"، وهذا أحق بالاتِّباع منَ الذين أَوْجَبُوا متابعة القراءة في الصلاة، حسب تَرْتيب المُصْحَف.
[7] إذا كان الإمام في التَّراويح بعهد عمر، يقرأ في الرَّكعة مائتي آية، ويطيل القِيَام والركوع والسجود، فكَيف تكون التَّراويح أكثر من ثماني ركعات؟! وانظر رسالة "صلاة التَّراويح"، طبع المكتب الإسلامي.
[8] هو أبو عبدالرحمن، زبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب اليامي الكُوفي، ثقة ثَبْت عابِد، روى له الجماعة، توفِّي سنة 122 هـ.
[9] هو أبو حمزة القرظي التابعي المدني، من أهل العِلْم والرِّواية، قالوا عنه: ما كان أحدٌ أعلم بتأويل القرآن منه، وكان يقص في المسجد، فوقع عليهم السّقف، ومات سنة 118.
[10] هو عبدالوهاب بن الورد المخزومي بالولاء، أبو أمية، تابعي، متعبد، معروف بالحكمة والأدب، كان الإمام سفيان الثوري يسميه: الطيب، عاش وتوفي في مكة سنة 153هـ، وصغر اسمه وعرف بـ"مهيب".
[11] هو أحمد بن عبدالله بن ميمون بن أبي الحواري، التغلبي، م
نَ الزُّهاد، وكان ثقة في الحديث، مات سنة 146هـ.
[12] ولو شهد ما نعهده من أكثر القُرَّاء الآن، مِن اهتمام بالإلحان، وجعل القرآن مزامير وغناء، وأخذ الأجور على التلاوة، وارتكاب المخالفات!! فماذا يقول؟!
[13] الفهر: الحجر الذي يملئ الكف، ويكون رقيقًا.
[15] البلقع: المكان المقفر الخالي من كل خير.
[16] الصفا والمروة في مكة، وهو يقول هذا في دمشق للدلالة على بعد المسافة.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #22  
قديم 04-05-2021, 04:16 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


عرضُ القرآن في ليالي رمضان

الشيخ محمد صفوت نور الدين
(22)


عن ابن عباس[1] - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كلِّ ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أجود من الريح المرسلة؛ رواه البخاري ومسلم.
في الحديث الشريف: أن الرفقة الصالحة في الزمان الفاضل، عند هدوء شواغل الدنيا، وطيب الزاد (بمائدة القرآن الكريم: يطيب الخلق، وتعلو الهمة، وتهون أعراض الدنيا.
فالحديث حثَّ المسلم أن يتخذ الأيام الفاضلة كرمضان وذي الحجة، ليصحب فيها أهل الفضل على الزاد الطيب في العلم النافع من القرآن والسنة، فيقوى العبد في جهاد أعداء الإسلام، ولذا كان شهر رمضان شه
ر الانتصارات الباهرة للمسلمين على مر العصور، وكذلك هو شهر الجود، والعطاء، والألفة، والإخاء، والمحبة، وزوال البغضاء، وشهر العبادة والطاعة.
قال النووي: من فوائد الحديث: الحثُّ على الجود في كلِّ وقت، والزيادة في رمضان عند الاجتماع بأهل الصلاح، ومنه: زيارة الصلحاء وأهل الخير، وتكرار ذلك، إذا كان المزور لا يكرهه، ومنها: استحباب الاستكثار من قراءة القرآن في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار.
قال ابن حجر: وفيه إشارة أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان، فكان يعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفِّي فيه، عارضه به مرتين.

وفيه: أن فضل الزمان إنما يحصل بزيادة العبادة.
وفيه: استحباب تكثير العبادة في آخر العمر.
وفيه: مذاكرة الفاضل بالعلم، وإن كان لا يخفى عليه.
وفيه: فضل الليل في رمضان عن النهار في التلاوة، لأن الليل يخلو من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية.
من صور جود النبي - صلَّى ال
له عليه وسلَّم:
قال جابر: "ما سُئل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - شيئًا قطُّ، فقال: لا"؛ متفق عليه.
وعن أنس: أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يُسأل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، قال: فأتاه رجل، فأمر له بشاءٍ[2] كثير بين جبلين مِن شاء الصدقة، قال: فرجع إلى قومه، فقال يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة؛ رواه مسلم.
وعن أنس: أن رجلاً سأل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم، فأعطاه غنمًا بين جبلين، فأتى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاءً، ما يخاف الفاقة، فإن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما يريد إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه وأعز عليه من الدنيا وما فيها؛ رواه أحمد.
فكان في عطائه - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتألَّف القلوب في الإسلام، كما فعل
يوم حنين، حيث قسم الإبل الكثيرة، والشاء، والذهب، والفضة في المؤلفة، ولم يعط الأنصار وجمهور المهاجرين شيئًا، بل أنفقه فيمن كان يحب أن يتألَّفهم على الإسلام، وترك أولئك لما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، ثم قال لمن سأل من الأنصار: ((أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - تحوزونه إلى رحالكم؟))، قالوا: رضينا برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.
وقال أنس: كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أجود الناس، وأشجع الناس.

وكيف لا يكون كذلك، وهو رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - المحمول على أكمل الصفات، الواثق بما في يدي الله - عزَّ وجلَّ - الذي أنزل في كتابه العزيز: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الحديد:10]، وقال تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39] ولقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - لبلال: ((أنفق بلالُ ولا تخش من ذي العرش إقلالاً))، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلاَّ وملكان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا))، وقال لعائشة: ((لا توعي فيوعي الله عليك، ولا توكي
فيوكي الله عليك)).
قال ابن الأثير: أي: لا تجمعي وتشحي بالنفقة، فيشح عليك وتُجازَيْ بتضييق في رزقك، ولا توكي؛ أي: لا تدخري وتشدي ما عندك، وتمنعي ما في يدك، فتنقطع مادة الرزق عنك.
وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يقول الله - تعالى -: ابن آدم، أَنفق أُنفق عليك))، فكيف لا يكون أكرم الناس وأشجعهم، وهو المتوكل الذي لا أعظم من توكله، الواثق برزق الله ونصره، المستعين بربه في جميع أمره؟! ولقد كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - ملجأ الفقراء والأرامل والأيتام والضعفاء والمساكين.
دوافع الشح ودوافع الجود:
الإيمان بالقضاء والقدر، وأن الله قدر العطاء تقديرًا، وأن الله - سبحانه - لا يترك عبدًا بغير رزق ساعة من نهار أو ليل - يزيل عن العبد شحه ويظهر جوده، وإيمان العبد بأنه لا ينفق نفقة إلا وجدها عند الله يوم القيامة؛ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8]، ذلك يُزيل شحَّه ويزيد جوده.
وإيمان العبد بأهوال يوم القيامة، وأن الله - سبحانه - يدفعها بالصالحات من الأعمال: ((عبدي استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: كيف أطعمك وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول: استطعمك عبدي فلان، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي))، فإذا علم العبد أن النفقة في رمضان يضاعف فيها الأجر، ويزاد فيها الثواب، سارع بالإنفاق في سبيل الله في رمضان، كل ذلك يدفع الشح ويظهر الجود.
فإذا صح اعتقاد العبد في ربِّه، واليوم الآخر، والقض
اء والقدر، زال شُحُّه، وظهر جوده.
فإذا حسنت رفقته أعين على ذكره في ليله ونهاره، عند ذلك تهون الدنيا عليه، ويؤثر الحياة الباقية على الفانية، فيزداد جوده وعطاؤه[3].

ولذا فإن الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا دخل رمضان، ورافق جبريل، ورتَّل القرآن، كان في عطائه كالريح المرسلة، وفى التشبيه لعطاء الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالريح المرسلة - أى: بالخير - من المناسبة البديعة، ولذا، فإن الله - سبحانه - يقول في سورة الروم: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ * اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 46-
50].
وهكذا يذكرنا الله بأنه أرسل الرياح، وأرسل الرسل، وجعل في كلٍّ حياة، وجعل في الرياح بشرى، والرسل جاؤوا مبشرين، والماء الذي تسوقه الرياح يحيي موات الأرض، والرسل يحيون موات القلوب، وينصر الله المؤمنين، فإذا جاء رمضان شهر القرآن، جمع للرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وللمؤمنين من بعده بين العطاءين: القرآن عطاء الهداية، والصدقة والإنفاق عطاء المال، فيحيي به الله موات القلوب، وموات الأبدان، ويؤلف القلوب على الإسلام.
يقول ابن حجر: يعني: أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع، وبجوده كما تعمُّ الريح المرسلة ج
ميع ما تهبُّ عليه.
عرض القرآن:
في حديث فاطمة - عليها السلام -: أسرَّ إلىَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كلَّ سنة، وأنه عارضني العامَ مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي.
وفى حديث أبى هريرة: كان يعرض على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف في كل عام عشرًا، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه.
ومن ذلك نفهم أن الله قد أحكم كتابه إحكامًا، فلم تنته حياة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حتى عارضه بالقرآن ودارسه القرآن، فكان القرآن بسوره، وفواصله، وترتيبه، وتلاوته، كله وحي من عند الله – سبحانه - نصًّا، وتلاوةً، وترتيبًا، وقد حضر العرض الأخير زيد بن ثابت، وقيل: إن ابن مسعود حضرها كذلك، فلله الحمد نزَّل القرآن، وحفظه، فحفظ به الأمة، فدين في عنق الأمة مدارسة القرآن، وأن تكون أكثر المدارسة له في شهر رمضان.

[1]راوي الحديث هو عبدالله بن العباس بن عبد المطلب، وهو ابن عم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأبوه العباس بن عبد المطلب، هو العم الذي عاش على الإسلام بعد وفاة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعبدالله بن عباس حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، وكنيته أبو العباس، ولد بشعب بني هاشم، قبل الهجرة بثلاث سنوات، صحب النبي - صلَّ
ى الله عليه وسلَّم - نحوًا من ثلاثين شهرًا، وحدَّث عنه أحاديث كثيرة، وعن عمر، وعلي، ومعاذ، والعباس، وعبدالرحمن بن عوف، وأبى سفيان، وأبى ذر، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وخلق كثيرين من الصحابة، وقرأ القرآن على أُبي وزيد، وقرأ عليه مجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة من أهل القرآن، وروى عنه ابنه علي، وابن أخيه عبدالله، ومواليه: عكرمة، ومقسم، وكريب، وطاوس، وسواهم كثير، وكان وسيمًا، جميلاً، مديد القامة، مهيبًا، كامل العقل، ذكي النفس، من رجال الكمال، هاجر مع أبيه سنة الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، فقد صحَّ عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان، وأمي من النساء، قال ابن عباس: مسح النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأسي ودعا لي بالحكمة، مات رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وابن عباس له ثلاث عشرة سنة، غزا ابن عباس إفريقية مع ابن أبي السرح، وروى عنه من أهل مصر خمس عشرة نفسًا، ودعا له النبى - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اللهم علِّمه التأويل وفقِّهه في الدين))، ومناقبة كثيرة وعلمه غزير، فليراجع في مواضعه من كتب الرجال.
[2] الشاء: الغنم جمع شاة.
[3] هذا هو الدواء لكل من شكا من نفسه شحًّا أوشكا انصرافًا وإعراضًا.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #23  
قديم 05-05-2021, 04:23 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


حال السلف مع القرآن في رمضان

الشيخ المحدث عبد الكريم الخضير حفظه الله
(23)

رسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد قال -جلا وعلا-: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} ماذا يرجون؟ {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ}[(29) سورة فاطر]يرجون تجارة لا يسطو عليها لص ولا سارق، ولا يخاف عليها من كساد، إنما هي رابحة لن تبور {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ}[(30) سورة فاطر] تجارة رابحة -أيها الإخوان- لو حسبنا القرآن الكريم الذي جاء الترغيب في قراءته، وأن لكل حرفٍ عشر حسنات، يقول الرسول -عليه الصلاة والسلام-: ((لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) والقرآن على الخلاف بين أهل العلم في المراد بالحرف، هل المراد به حرف المبنى، أو حرف المعنى، فالأكثر على أن المراد به حرف المبنى، وذلك اللائق بفضل الله -جل وعلا-، وعلى هذا فالقرآن بالحسابات العادية التجارية، الحرف بعشر حسنات، وهو أكثر من ثلاثمائة ألف
حرف، حرف المبنى، إذاً الختمة الواحدة كفيلة بتحصيل ثلاثة ملايين حسنة، هذا على أقل تقدير، والله يضاعف لمن يشاء، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، حتى جاء في المسند أن الله -جل وعلا- يضاعف لبعض عباده الحسنة إلى ألفي ألف حسنة، مليوني حسنة، والحديث فيه مقال، لا يسلم من ضعف؛ لكن فضل الله لا يحد.

وعلى القول الثاني: وهو أن المراد بالحرف حرف المعنى، يكون عدد حروف القرآن حروف المعاني، يعني كلمات القرآن، تزيد على سبعين ألف يعني الربع، على هذا تكون الختمة الواحدة فيها سبعمائة ألف حرف، شيخ الإسلام ابن تيمية يرجح القول الثاني؛ لكن ثقتنا بفضل الله -جل وعلا- أعظم من ثقتنا بعلم شيخ الإسلام -رحمه الله-، فالمرجح أن المراد بالحرف حرف المبنى، وهذا هو اللائق بفضل الله -جل وعلا- وكرمه، فإذا قلنا: {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ}[(29) سورة فاطر]أقل ما يقال في الختمة الواحدة: ثلاثة ملايين حسنة.
وجاء الحث على قراءة القرآن، وتعلم القرآن، وتعليم القرآن، وتدبر القرآن، وفهم القرآن، والعمل بالقرآن، النصوص في ذلك كثيرة جداً، ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) ((لا حسد إلا في اثنتين)) (لا حسد) يعني لا غبطة ((إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به)) يعني يتعلم
ه ويعلمه، تعلم هذا الكتاب العظيم، ولذا يغبط كثيرٌ من الناس من إذا تخرج واصل الدراسة، وهذا مع النية الصالحة لا شك أنه مغبوط، يصرف وقته فيما ينفعه؛ لكن الحسد الحقيقي والغبطة الحقيقية إنما تكون في هذين الأمرين، ولذا قال في الحديث الصحيح: ((لا حسد إلا في اثنتين)) وجاء في الحديث الصحيح: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) تعلم القرآن، وتعليم القرآن، وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "أهل القرآن هم العاملون به، العالمون به، المعلمون له" حتى قال: "ولو لم يحفظوه" يعني بعض الناس يصل إلى حد قارب من اليأس من حفظ القرآن؛ لأنه فرط في أول الأمر، ثم كثرت مشاغله، فعليه أن يعنى بكتاب الله، قراءة وإقراءً وتدبراً، التدبر له شأن عظيم، وإن كان تحصيل أجر الحروف يحصل ولو لم يتدبر

الإنسان، ولو قرأ القرآن هذاً، يحصل أجر الحروف؛ لكن القراءة على الوجه المأمور به أفضل عند جمهور أهل العلم، وإن قلت الح
روف، قراءة الهذّ تحصل أجر الحروف، والدليل على ذلك ما في مسند الدارمي بإسناد حسن: ((يقال لقاري القرآن: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذّاً كان أو ترتيلاً)) فدل على أن قراءة الهذّ شرعية، إلا أنها دون قراءة الترتيل المأمور به {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}[(4) سورة المزمل]، وجاء الأمر بتدبر القرآن، والحث عليه في أربع آيات: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}[(82) سورة النساء]، {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[(24) سورة محمد]، {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}[(29) سورة ص].
المقصود أن التدبر أجره قدرٌ زائد على مجرد أجر تحصل الحروف، والقراءة على الوجه المأمور به، كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: "تورث من العلم والعمل واليقين والطمأنينة والإيمان ما لا يدركه إلا من فعله" فلا شك أن القراءة بالتدبر والترتيل عند عامة أهل العلم أفضل من قراءة الهذّ، ولو كانت أقل في عدد الحروف؛ لأنه وإن كانت قراءة الهذّ محصلة لأجر الحروف، إلا أن كون العمل يأتي على مراد الله -جل وعلا- يفوق ما جاء مما رتب عليه الأجر الكبير أضعاف مضاعفة.

ألا ترى أن الذي أصاب السنة أفضل بمراحل ممن له الأجر مرتين: ((والذي يقرأ القرآن وهو يتتعتع فيه له أجران)) له أجر القراءة، وأجر المشقة، ((والماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة)) فلا يستوي أجر عُدَّ وحسب على ما عند الله -جل وعلا- مما يوافق مراده -عز وجل-، هذا من جهة فإذا افترض
نا أن شخصاً قال: أريد أن أجيد في ساعة، هل أقرأ في هذه الساعة خمسة أجزاء أو أقرأ جزئين؟ نقول له: إن كنت تريد مجرد أجر الحروف فاقرأ الخمسة، وهو مرجحٌ عند الإمام الشافعي، وإن كنت تريد ما هو أعظم من ذلك لتحقق الهدف الذي من أجله أنزل القرآن فاقرأ جزئين، وأجرك أعظم عند جمهور أهل العلم.
ونحن مقبلون على شهرٍ عظيم مبارك، هو شهر القرآن {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}[(185) سورة البقرة]هو شهر القرآن عند أهل العلم، ولذا إذا دخل رمضان أقبل كثيرٌ من السلف على كتاب الله -عز وجل-، وتركوا أعمالهم، وارتباطاتهم ال
خاصة والعامة؛ لينكبوا على كتاب الله -جل وعلا-.
وذكر في سيرهم شيءٌ هو في عداد كثيرٍ من طلاب العلم مع الأسف الشديد ضربٌ من الخيال، أو من الأساطير، حتى كان بعضهم يختم القرآن في يوم، وبعضهم مرة في النهار، ومرة في الليل، وهذا ثابت عن بعض الصحابة، وهو كثيرٌ في التابعين ومن بعدهم.
قد يقول قائل: النبي -عليه الصلاة والسلام- قال لعبد الله بن عمرو: ((اقرأ القرآن في سبع ولا تزد)) يعني لو قرأ القرآن في أقل من سبع زاد وخالف، وجاء في الحديث الذي في السنن وهو صحيح: ((لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)) هذه النصوص أولاً حديث عبد الله بن عمرو جاء ليعالج مشكلة، وهي أن عبد الله بن عمرو كان مندفعاً؛ ليفرغ نفسه للعبادة ليقوم الليل فلا ينام، ويصوم النهار فلا يفطر، ويقرأ القرآن في كل لحظةٍ من لحظاته، فمثل هذا المندفع يعالج بالتخفيف، ولذا جاء العرض عليه بأن يقرأ القرآن في كل شهرٍ مرة، في كل شهرٍ مرتين، ثم قيل له: ((اقرأ القرآن في سبع ولا تزد)) فمثل هذا علاج لبعض المندفعين، يبدأ بالأخف الأخف؛ لكن لو جاء شخص مفرط معرض إذا قيل له: اقرأ القرآن في كل يوم وعسى أن يقرأه في كل شهر، فمثل هذا يورد له من أعمال السلف ما
ثبت عنهم عله أن يندفع لقراءة القرآن، عله أن تشحذ الهمة لقراءة كتاب الله -عز وجل-.
أما حديث: ((لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)) فهو محمول عند أهل العلم على من كان ديدنه ذلك، أما من استغل المواسم الزمانية والمكانية فلا يدخل في هذا، على أن ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو يحمله أهل العلم على أنه للرفق به، وما جاء بالرفق بالشخص فإنه لا يدل على ظاهره من الأمر، بل يحمل على حاله وحال من يشبهه كمن ذكره من المندفعين.

القرآن هو كلام الله الذي لا يشبع منه طالب العلم، وفيه الأعاجيب، لا تنقضي عجائبه، عجباً لهذا الكلام الذي يردد في كل يومٍ عند بعض الناس، وفي كل ثلاث وفي كل سبع عند كثير، ويقرأه الإنسان في كل وقت ولا يمله، بينما لو ردد كلام البشر مرتين أو ثلاث لن يطيق
أكثر من ذلك، فالقرآن كما ذكرنا كلام الله -جل وعلا-، وفضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، فعلينا أن نعنى بكتاب الله -جل وعلا- في كل وقت، وقراءة القرآن في سبع لا تكلف شيئاً، من جلس بعد صلاة الصبح حتى تنتشر الشمس في كل يوم قرأ القرآن بسبع ولم يحتاج إلى المزيد على ذلك.
من المتقدمين من يقرأ -معروف عند أهل العلم- من يقرأ قراءة الهذّ لتحصيل الحروف ويكثر من ذلك ويجعل له ختمة تدبر، يفيد منها في قلبه وفي علمه وفي عمله.

فتدبر القرآن إن رمت الهدى
فالعلم تحت تدبر القرآنِ

لكن لو خصص الإنسان ساعة بعد صلاة الصبح ونصف ساعة بعد صلاة العصر، وهذا الوقت لا يعيقه عن شيءٍ من أمور دينه ودنياه، كفيلٌ أن يقرأ القرآن بسبع بالتدبر المناسب، لو زاد نص ساعة زاد الأمر تدبراً وتفكراً وإفادةً.
وعلى طالب العلم أن يقرأ ما يعينه على فهم كلام الله -جل وعلا-، من كلام أهل العلم الموثوقين حول القرآن، من التفاسير المختصرة، ويغني من ذلك تفسير الشيخ ابن سعدي أو تفسير الشيخ فيصل بن مبارك، أما من يريد أن يقرأ ويفيد من جميع أنواع علوم القرآن، ويمكنه أن يست
نبط من القرآن فعليه بالمطولات، والتفاسير الموثوقة موجودة، ولله الحمد.
المقصود أن طالب العلم يعجب من حاله إذا زهد بكتاب الله، مع الأسف الشديد أن بعضهم لا يفتح القرآن إلا في رمضان، أو إن تيسر له أن يحضر إلى الصلاة قبل الإقامة بخمس أو عشر دقائق فتح القرآن، بل الأعجب من ذلك من يتعجب ممن يقرأ القرآن، يأتي طالب ينتسب إلى العلم لبعض المشايخ ويقول له: إنه يريد أن يقرأ عليه كتاب في العلم في الحديث أو في الفقه أو في العقيدة أو في غيرها من التخصصات الشرعية التي تعينه في سيره إلى الله والدار الآخرة، ثم يجد الشيخ يقرأ القرآن في المسجد، فيعتذر

الشيخ بأنه مشغول، فيتعجب الطالب كيف يقول: مشغول وهو جالس يقرأ قرآن؟ هذا كلام له دلالته، دلالة خطيرة، كأن بعض طلاب العلم ليس في قاموسهم وفي ترتيبهم نصيب من كتاب الله -عز وجل-، وهذه سمعت ما هو بكلام افتراضي، هذا كلام مسموع، وملاحظ ومشاهد، نعم ا
لإقبال على الحفظ موجود، والحفظة فيهم كثرة -ولله الحمد- أكثر من ذي قبل، كما جاء في الحديث الصحيح: ((يكثر العلم ويقل العمل)) ولذا نجد آثار ذلك ظاهرة من وجود الجفاء عند كثيرٍ ممن يطلب العلم لا سيما ممن لم يتمكن العلم إلى قلبه، ولذا تجد نصيب الكبير منهم في القيل والقال، أخطأ فلان، زل فلان، أفتى فلان، قال فلان، وهل جعلك الله حكماً بين العباد؟! مثل هذا في الغالب أنه لا يفلح، وفي الغالب أن يحرم بركة العلم والعمل، كما نص على ذلك ابن عبد البر وغيره.
فالمقصود أن على طالب العلم أن يلزم خاصة نفسه، وأن يحرص على ما ينفعه من كسب الحسنات ودرء وترك السيئات، ويحافظ على ما اكتسبه، ولا يأتي مفلساً يوم القيامة، يأتي بأعمالٍ أمثال الجبال، ثم يفرقها بين فلان وعلان، يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسرق مال هذا، وقذف هذا، ثم يأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته إلى آخره في الحديث المعروف في حديث المفلس.
مع الأسف أنه يوجد في صفوف طلاب العلم من هذه صفته، فاكهتهم الأعراض، لا سيما أعراض أهل العلم،
هم يفترضون في أهل العلم العصمة، ولا عصمة لأحد، كلٌ يخطئ، وكلٌ يؤخذ من قوله ويرد، إلا النبي -عليه الصلاة والسلام- المعصوم، وما عدا ذلك يخطئ، إذا كنت بالفعل مشفق على صاحبك الذي أخطأ امنحه النصيحة، اكتب له، قابله، ناقشه إلى غير ذلك، وإلا فالتعريض فيه لا يغني عن التصريح لا سيما إذا خشي الضرر من انتشار هذه الفتوى التي هي خلاف الصواب، فلا مانع أن يقال: من غير تسمية، بعض الناس يفتي بكذا، والمرجح عند أهل العلم كذا، حتى لا ينسب إلى نفسه شيء وهو ما زال صغيراً، والله المستعان، ولا أريد أن أطيل عليكم، وكلكم يعرف مثل هذا الكلام؛ لكن الشيخ -حفظه الله- طلب هذه الكلمة المختصرة عن كتاب الله، وإلا كلكم يعرف مثل هذا الكلام، والله المستعان




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #24  
قديم 06-05-2021, 04:14 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


كيف نحب القرآن ونتدبره؟

د. بن يحيى الطاهر ناعوس
(24)


الحياة الحقَّة: هي تلك التي منبعها الإيمان الصادق، الذي أُسِّس على معالم واضحة، و لَبِنات مادتها الأساسية التزكية الإيمانية المحروسة مِن الزَّلَل، البعيدة عن الغبن النفسي الذي مصدره البعد عن الله تعالى؛ ولهذا فإنَّ الحياة في ظلال القرآن نعمة، نعمة لا يعرفها إلا مَن ذاقها، نعمة ترفع العُمر وتباركه وتزكيه.
حُبُّ القرآن الكريم غاية إيمانية:
لِنغرس في نفوسنا حُبَّ القرآن الكريم، ونسأل الله التوفيق، لا بدَّ لنا مِن وسائل تُعِينُنا في ذلك، وكيف تكون حياة الإنسان إذا وفَّقه الله أن يَغرسَ القرآن الكريم في قلبه؟ والله إنها حياة طيبة ولحظة سعيدة، فمِن هنا سنحاول في هذا المقال توضيحَ بعضِ الوسائل التي تعيننا على غرسه في أعماقنا؛ لنشعر بالس
عادة والطمأنينة.
أسرار قيام الليل:

لكي تكُون نفوسُنا مُهيَّئة لاستقبال حُبِّ القرآن الكريم بكل طواعية وراحة، واستعدادٍ نفسي وروحي، نبدأ بقيام الليل، ففيه جلاء للنفوس، وصَقْلٌ للقلوب حتى تطهر مِن الشوائب الزائدة والملتزقة بها، وفي هذا قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ï´¾ [المزمل:1-7].
عن جُبير بن مُطعم رضي الله عنه قال: ((كُنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالجحفة، فخرج علينا، فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن القرآن جاء مِن عندِ الله؟)) قلنا: نعم، قال: ((فأبشِروا، فإن هذا القرآن طرفه بيدِ اللهِ وطرفه بأيديكم، فتمسَّكوا به ولا تهلكوا بعده أبدًا))؛ "المعجم الكبير" (2/ 126)، جاء سعد بن هشام بن عامر إلى عائشة رضي الله عنها يسألها عن قيام النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: (( أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّ
هُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ))،[1] فقيام الليل على هذا عامل أساسٌ في تحسين العلاقة بين الإنسان والقرآن الكريم، إنه لا صلاح لهذه الأرض، ولا راحة لهذه البشرية، ولا طمأنينة لهذا الإنسان، ولا رِفعة ولا بركة ولا طهارة، ولا تناسُق مع سُنن الكون وفطرة الحياة إلا بالرجوع إلى كتاب الله تعالى تدبُّرًا، وحُبًّا، وقراءة، وتطبيقًا.

والرجوع إلى كتاب الله له صورة واحدة، وطريق واحد، واحد لا سواه، إنه العودة بالحياة كلِّ
ها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم، إنه تحكيم هذا الكتاب وحدَه في حياتها، والتحاكم إليه وحدَه في شؤونها، وإلا فهو الفساد في الأرض، والشقاوة للناس، والارتكاس في الحمأة، والجاهلية التي تَعبد الهوى مِن دُون الله؛ ï´؟ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ï´¾ [القصص:50]"[2].
ومِن هنا نجدُ في سيرة السلف صفحات نيِّرة ومُشرقة، صنعتها صِلَتُهم القوية بكتاب الله تعالى؛ تدبُّرًا وتلاوةً وقراءةً متأنِّيةً واعيةً، ترمي إلى الكشف عن الرسائل التي يتضمنها النص الشريف في سياقاته المتعددة والمتنوعة، والمزهرة بالخير والبركة والنماء لكل البشرية، وفي هذا يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليلِه إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مُفطرون، وبحزنه إذا الناس فرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا مَحزونًا حليمًا حكيمًا سكيتًا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيًا ولا غافلً
ا، ولا سخَّابًا ولا صيَّاحًا ولا حديدًا"؛ وصايا غالية ثمينة ذهبية.

مناجاة الله في الصلاة، والقرب الروحي الذي يُحسُّه المؤمنُ وتحسُّه المؤمنة، وهو بين يدي الله فيه مِن الحلاوة والطلاوة الخير الكثير، ولهذا لا بدَّ لنا مِن كثرة الدعاء، والصدق فيه، وفي هذا يقول ابن مسعود رضي الله عنه مبيِّنًا أسرارَ قيام الليل، والصلاة بصفة عامَّة: "ما دمتَ في صلاة فأنتَ تَقرع باب الملِك، ومَن يقرع باب الملِك يُفتح له".
عبد الله بن مسعود و حب القرآن الكريم:
نجح ابن مسعود رضي الله عنه، بتوفيق من الله، وتبيين من قِبل النبي الكريم صلَّ
ى الله عليه وسلَّم، في حُبِّ القرآن الكريم؛ ولهذا كان أول مَن جهر بالقرآن بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بمكة، إذ اجتمع يومًا أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالوا: والله ما سمعَتْ قريشٌ مثْل هذا القرآن يُجهر لها به قط، فمَن رجل يُسْمِعُهُمُوهُ؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا، قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلًا له عشيرته يمنعونه من القوم إنْ أرادوه، قال: دعوني، فإنَّ الله سيمنعني، فغدا ابنُ مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريشٌ في أنديتِها، فقام عند المقام، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم رافعًا صوته: ï´؟ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ ï´¾ [الرحمن:1- 2]، ثم استقبلَهم يقرؤها، فتأمَّلوه قائلين: ما يقول ابن أمِّ عبد؟ إنه ليتلو بعضَ ما جاء به محمد، فقاموا إليه وجعلوا يَضرِبون وجهَه، وهو ماضٍ في قراءته حتى بلغ منها ما شاء الله أن يَبلغَ، ثم عاد إلى أصحابه مُصابًا في وجهه وجسده، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداءُ اللهِ أهونَ عليَّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينَّهم بمثلها غدًا، قالوا: حسْبُك، فقد أسمعتَهم ما يكرهون[3].
تدبُّر القرآن طريق النجاح:
تدبُّر القرآن الكريم فهمه، والنظر فيه بروية وتفكر؛ ï´؟ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ï´¾ [المؤمنو
ن:68]؛ أي: ألَم يَتَفَهَّمُوا ما خُوطِبُوا به في القُرْآنِ؟ وقول الله تعالى: ï´؟ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ï´¾ [محمد:24]، وقال تعالى: ï´؟ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ï´¾ [ص:29].

ولو رُزِقَ العبدُ منَّا حسْن التدبُّر في القرآن الكريم، عن طريق الترتيل المتكرر، وحسْن القراءة وخاصَّة في الأوقات الفاضلة، وأعْظمها أثناء الصلاة، سيعيش حياته متنعِّمًا بالقرآن الكريم طَوال عُمره، ينشُر الخير أينما حلَّ أو ارتحل.
ولا يستطيع العبدُ منَّا الوقوفَ على جميع معاني القرآن الكريم، إنما هي فتو
حاتٌ ربانيَّة يَهبها اللهُ لمن صدقتْ نيَّتُه، وحسُن إيمانه، وألحَّ في الطلب، وفي هذا يَقول سهل بن عبد الله التُسْتَري: "لو أُعطي العبدُ بكل حرف مِن القرآن ألفَ فهم، لم يبلغ نهاية ما أَودَع اللهُ في آية مِن كتابه؛ لأنه كلام الله، وكلامه صفته، وكما أنه ليس لله نهاية، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه، وإنما يَفهم كلٌ بمقدار ما يَفتح اللهُ على قلبه، وكلام الله غير مخلوق، ولا يبلغ إلى نهاية فهمه فهوم محدثة مخلوقة" ا. هـ[4].
ويؤكِّد ما قلنا سلفًا قول ثابت البناني: "كابدتُ القرآنَ عشرين سَنة، ثم تنعَّمتُ به عشرين سَنة".
و بهذا يصِل المؤمنُ الصادق إلى نتيجة عجيبة وجميلة، ذكرها القرآنُ الكريم في عدة مواطن، منها: قول الله تعالى: ï´؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ï´¾ [النساء: 175]، وفي هذا بِشارة طيبة لكلِّ مَن سار على درب بِشر بن عبَّاد رضي الله عنه، نموذج المحبِّ المتدبِّر.
لنعش في ختام الأمر مع هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه، وهو في اتصال ع
جيب مع القرآن الكريم؛ لندرك عظمة وقيمة حُبِّ القرآن الكريم وتدبُّره، وفي هذا يقول أصحاب السيَر: "بعد أن فرغ رسولُ الله والمسلمون مِن غزوة ذات الرقاع، نزلوا مكانًا يَبيتون فيه، واختار الرسولُ للحراسة نفرًا مِن الصحابة يَتناوبُونها، وكان منهم: عمَّار بن ياسر وعبَّاد بن بشر في نوبة واحدة، ورأى عبَّاد صاحبَه عمارًا مُجهَدًا، فطلب منه أن ينامَ أوَّل الليل على أن يقوم هو بالحراسة حتى يأخذَ صاحبُه مِن الراحة حظًّا يمكِّنه مِن استئناف الحراسة بعد أن يَصحو، ورأى عباد أن المكان مِن حوله آمن، فلمَ لا يملأ وقتَه إذًا بالصلاة، فيذهب بمثوبتها مع مثوبة الحراسة؟! وقام يُصلِّي، وإذ هو قائم يقرأ بعد فاتحة الكتاب سورًا من القرآن، احترم عضدَه سهمٌ، فنزعه واستمر في صلاته.

ثم رماه المهاجم في ظلام الليل بسهم ثانٍ نزعه وأنهى تلاوته، ثم ركع، وسجد، وك
انت قواه قد بدَّدها الإعياء والألم، فمدَّ يمينَه وهو ساجد إلى صاحبه النائم جواره، وظلَّ يهزُّه حتى استيقظ، ثم قام مِن سجوده، وتلا التَّشهد، وأتمَّ صلاته، وصحا عمَّار على كلماته المتهدِّجة المتعبة تقول له: قم للحراسة مكاني؛ فقد أُصبتُ، ووثب عمار مُحدِثًا ضجَّة وهرولة أخافت المتسللين، ففرُّوا ثم التفَتَ إلى عبَّاد، وقال له: سبحان الله، هلَّا أيقظتني أوّل ما رُميتَ! فأجابه عبَّاد: كنتُ أتلو في صلاتي آيات من القرآن ملأتْ نفسي روعة فلم أُحِبَّ أن أقطعها، ووالله، لولا أن أضيِّعَ ثغرًا أمرني الرسول بحفظه، لآثرتُ الموتَ على أن أقطعَ تلك الآيات التي كنتُ أتلوها".
زاوية الختام:
في هذه الكلمة القصيرة أوجِّه رسالة إلى قلبك، أيها القارئ الكريم، عنوانها الحبُّ، وطابعها الإخلاص، وغلافها الإيمان الصادق، وموزعها الصلة الروحية التي تجمعنا بتوفيق مِن الله، وتاريخها مبعث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وبدايتها الفاتحة، وخاتمتها سورة الناس، وعطرها الريحان، وبيتها الجَنَّة، وأمنيتُنا رضا الرحمن، وشفاعة المصطفى العدنان صلى الله عليه وسلم.
[1] صحيح مسلم (4/ 104).

[2] في ظلال القرآن الكريم.
[3] روى هذه القصة الزبير بن العوام رضي الله عنه، كما وردتْ في كتب السيَر.
[4] مقدمة تفسير البسيط للواحدي (رسالة دكتوراه): 1-34.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #25  
قديم 07-05-2021, 04:14 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


على قارعة التدبر

إبراهيم السكران


(25)

1- مناصحة ذاتية:

الله الله يا نفسُ بتدبر القرآن...
الله الله أن يكون لكِ ورد يومي من التدبر لا يفوتك مهما كانت الأعباء...
يا نفسُ ألا ترين كثيرًا من الصالحين وكيف يتحدثون عما يرونه من فرق مبهر في حياتهم، وفرقًا عظيمًا في فهمهم وصحة نظرهم واستقرار تفكيرهم ببركة هذا القرآن...
ألا ترين كثيرًا من الصالحين كيف يبثون شجواهم عما يجدونه في أنفسهم بعد تلاوة القرآن... يتحدثون عن شيء يحسون به كأنما يلمسونه من قوة الإرادة في فعل الخيرات والتأبي على المعاصي... وراحة النفس في صراعات المناهج والأفكار واحترابات التيارات...

بل تأملي يا نفسُ كيف تشرّف النبي ذاته بالقرآن!
تأملي كيف كانت حال النبي قبل القرآن، وحال النبي بعد القرآن، كما قال تعالى: {وَكَذَظ°لِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا غڑ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى من الآية:52]، وقوله تعالى: {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـظ°ذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف من الآية:3].
فانظر بالله عليك كيف تأثرت حال النبي بعد إنزال القرآن عليه، بل انظر ما هو أعجب من ذلك وهو حال النبي بعد الرسالة إذا راجع ودارس القرآن مع جبريل كيف يكون أجود بالخير من الريح المرسلة كما في البخاري، هذا وهو رسول الله الذي كمل يقينه وإيمانه، ومع ذلك يتأثر بالقرآن فيزداد نشاطه في الخير، فكيف بنفوسنا الضعيفة المحتاجة إلى دوام العلاقة مع هذا القرآن...
بل انظر كيف جعل خاصية الرسول تلاوة هذا القرآن فقال: {رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً} [البينة:2].
وانظر إلى ذلك التصوير الشجي لحال أهل الإيمان في ليلهم كيف يسهرون مع القرآ
ن {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ} [آل عمران من الآية:113].

أترى أن الله جل وعلا ينوع ويعدد التوجيهات لتعميق العلاقة مع القرآن عبثًا؟
فتارةً يحثنا صراحة على التدبر {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [محمد من الآية:24]...



وتارةً يحثنا على الإنصات إليه{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف من الآية:ظ¢ظ*ظ¤]...
وتارةً يأمرنا بالتفنن في الأداء الصوتي الذي يخلب الألباب لتقترب من معاني هذا القرآن {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل من الآية:4]...
وتارةً يأمرنا بالتهيئة النفسية قبل قراءته بالاستعاذة من الشيطان لكي تصفو نفوسنا لاستقبال مضامينه {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّـهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98]...
وتارةً يغرس في نفوسنا استبشاع البعد عن القرآن {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَـظ°ذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30]...
وتارات أخرى ينبهنا على فضله، وتيسيره للذكر فهل من مدكر، وعظيم المنة به، الخ كل ذلك ليرسخ علاقتنا بالقرآن...
أيا نفسُ... هل ترين ذلك كله كان اتفاقًا ومصادفة لا تحمل وراءها الدلالات الخطيرة؟!


2- مع القلوب الصخرية:

الحديث عن قسوة القلب حديث ذو شجون، ومن رزايا هذا الزمن أن صرنا لا نستحي من المناصحة عن قسوة القلب بينما قلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة... لكن دعنا يا أخي ندردش دردشة المحبوسين يتشاجون لبعضهم كيف يهربون من معتقلات خطاياهم...

يا أخي والله لقد قرأت كثيرًا كثيرًا في كتب الرقائق والإيمانيات والمواعظ، وجربت كثيرًا من الوسائل التي ذكروها، وأصدقك القول أنني رأيتها محدودة الجدوى، لا أنكر أن فيها فائدة، لكن ليست الفائدة الفعلية التي كنت أتوقعها، ووجدت العلاج الحقيقي الفعال الناجع المذهل في دواء واحد فقط، دواء واحد لا غير، وكلما استعملته رأيت الشفاء في نفسي، وكلما ابتعدت عنه عادت لي أسقامي، هذا العلاج هو بكل اختصار (تدبر القرآن).

دع عنك كلما يذكره صيادلة الإيمان، ودع عنك كل عقاقير الرقائق التي يصفونها، واستعمل (تدبر القرآن) وسترى في نفسك وإيمانك وقوتك على الطاعات وتأبيك على المعاصي وراحة نفسك في صراعات المناهج والأفكار شيئًا لا ينقضي منه العجب.
كل تقصير يقع فيه الانسان، سواء كان تقصيرًا علميًا بالتأويل والتحريف للشريعة، أو كان تقصيرًا سلوكيًا بالرضوخ لدواعي الشهوة، فإنه فرع عن قسوة القلب.
وهل تعلم كيف تحدث قسوة القلب؟
قسوة القلب ناشئة عن البعد عن الوحي، ألا ترى الله تعالى يقول: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن
تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ غ– وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:16]...

أرأيت يا أخي؟ إنه طول الأمد...!
لما طال بهم الأمد قست قلوبهم... ولو جددوا العهد مع الوحي لحيت قلوبهم...
فإذا قسا القلب تجرأ الانسان على الميل بالشريعة مع هواه... وإذا قسا القلب تهاون الانسان في الطاعات واستثقلها... واذا قسا القلب عظمت الدنيا في عين المرء فأقبل عليها وأهمل حمل رسالة الاسلام للناس... وإذا قسا القلب ضعفت الغيرة والحمية لدين الله...
وما العلاج إذًا؟
العلاج لما يحيك في هذه الصدور هو مداواتها بتدبر القرآن... بالله عليك تأمل في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس:57]... هكذا تقدم الآية المعنى بكل وضوح {وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ}...

ولكن ما الذي في الصدور؟!
في الصدور شهوات تتشوف... وفي الصدور شبهات تنبح... وفي الصدور حجبٌ غليظة... وفي الصدور طبقات مطمورة من الرين {كَلَّا غ– بَلْ غœ رَانَ عَلَىظ° قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين:14]...
وهذه الدوامات التي في الصدور دواؤها كما قال الله {قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس من الآية:57]...
فإذا شفيت الصدور وجدت خفة نفس في الطاعات... وإذا شفيت الصدور انقادت للنصوص بكل سلاسة ونفرت من التأويل والتحريف... وإذا شفيت الصدور تعلقت بالآخرة واستهانت بحطام الدنيا... وإذا شفيت الصدور امتلأت بحمل هم إظهار الهدى ودين الحق على الدين كله...

وأعجب من ذلك أنه إذا شفيت الصدور استقزمت الأهداف الصغيرة... تلك الاهداف التي تستعظمها النفوس الوضيعة... الولع بالشهرة... وحب الظهور... وشغف الرياسة والجاه في عيون الناس... وشهوة غلبة الأقران...

النفوس التي شفاها هذا القرآن... ترى كل ذلك حطام إعلامي ظاهره لذيذ فإذا جرب الانسان بعضه اكتشف سخافته... وأنه لا يستحق لحظة من العناء فضلًا عن اللهاث سنوات... فضلًا عن تقبل أن يقوم المرء بتحر
يف الوحي ليقال فلان الوسطي الراقي الوطني التنموي الحضاري النهضوي التقدمي.. الخ من عصائب الأهواء التي تعشي العيون عن رؤية الحقائق...

هل تظن يا أخي أن تحريف معاني الشريعة لا صلة له بقسوة القلب؟! أفلا تقرأ معي يا أخي قوله تعالى {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً غ– يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} [المائدة من الآية:13]...
على أية حال... دعنا نعيد قراءة آية الشفاء {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس:57]
يا الله... هل قال الله {شِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ}... نعم إنه شفاء لما في الصدور... هكذا بكل وضوح...
هذا القرآن يا أخي له سحر عجيب في إحياء القلب وتحريك النفوس وعمارتها بالشوق لباريها جل وعلا... وسر ذلك أن هذا القرآن له سطوة خفية مذهلة في صناعة الاخبات والخضوع في النفس البشرية كما يقول تعالى {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج من الآية:54]..

فإذا أخبتت النفوس... وانفعلت بالتأثر الإيماني... انحلت قيود الجوارح... ولهج اللسان بالذكر... وخفقت الأطراف بالركوع والسجود والسعي لدين الله... كما يصور الحق تبارك وتعالى ذلك بقوله {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىظ° ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر من الآية:23] لاحظ كيف تقشعر... ثم تلين... إنها الرهبة التي تليها الاستجابة... وذلك هو سحر القرآن...


3- وبدأ الانحراف يسبل إزاره:
أولًا وقبل كل شيء... أسأل الله أن يثبتنا وإياك على دينه.
حالات الانحراف عن التدين كثرت هذه الأيام... وبينها تفاوت كبير... فبعضهم مشكلته (علمية) بسبب رهبة عقول ثقافية كبيرة انهزم أمامها... وبعضهم مشكلته (سلوكية) بسبب ضعفه أمام لذائذ اللهو والترفيه... وإن كان الأمر دومًا يكون مركبًا من هوى وشبهة لكنه يكون أغلب لأحدهما بحسب الحال.
وأنا إلى هذه الساعة على كثرة ما تعاملت مع هذه الحالات لا أعرف علاجًا أنفع من (تدبر القرآن) فإن القرآن يجمع نوعي العلاج (الإيماني والعلمي) وهذا لا يكاد يوجد في غير القرآن، فالقرآن له سر عجيب في صناعة الإخبات في النفس البشرية {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج من الآية:54]... وإذا تهيأ المحل بالإيمان لان لقبول الحق والإذعان له كما قال تعالى {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىظ° ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر من الآية:23].

وفي القرآن من بيان العلم والحق في مثل هذه القضايا المنهجية ما لا يوجد في غيره، ومفتاح الهداية مقارنة هدي القرآن بسلوكيات التيارات الفكرية.
أعني أنه إذا رأى متدبر القرآن تفريق القرآن بين المعترف بتقصيره حيث جعله قريبًا من العفو {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة من الآية:102]، وبين تغطية وتبرير التقصير بحيل التأويل الذي جعله الله سببا للمسخ {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة:65]، ومجرد المعصية بالصيد في اليوم المحرم لا تستحق المسخ فقد جرى من بني اسرائيل ما هو أكثر من ذلك ولم يمسخهم الله، ولكن الاحتيال على النص بالتأويل ضاعف شناعتها عند الله جل وعلا.


وإذا رأى متدبر القرآن -أيضًا- تعظيم القرآن لمرجعية الصحابة في فهم الاسلام، وربطه فهم الإسلام بتجربة بشرية، كقوله تعالى {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ} [البقرة من الآية:137]، وقوله تعالى {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} [التوبة من الآية:100]، وقوله تعالى {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة من الآيتين: 6-7]وقوله تعالى {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىظ° هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [سبإ من الآية:24]، وقوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ} [البقرة من الآية:75]، وقوله تعالى {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىظ° أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء من الآية:83]، ففي مثل هذه الآيات البينات يكشف تعالى أن الوحي ليس نصًا مفتوحًا، بل هو مرتبط بالاهتداء بتجربة بشرية سابقة، فيأمرنا صريحا أن نؤمن كما آمن الصحابة، وأن نتبع الصحابة بإحسان، ويأمرنا بكل وضوح أن نرد الأمر إلى أولي العلم الذين يستنبطونه، وهذا كله يبين أن الإسلام ليس فكرة مجردة يذهب الناس في تفسيرها كل مذهب... ويتاح الفهم لكل شخص كما يميل... بل هناك تجربة بشرية حاكمة للتفسيرات.

وإذا رأى متدبر القرآن -أيضًا- بيان القرآن لتفاهة الدنيا، وكثرة ما ضرب الله لذلك من الأمثال كنهيه نبيه عن الالتفات إلى الدنيا {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىظ° مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه من الآية:131]، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} [الأحزاب من الآية:28].
وإذا رأى متدبر القرآن -أيضًا- ما في القرآن من بيان الله لحقارة الكافر وانحطاطه حيث جعله القرآن في مرتبة الأنعام والدواب والحمير والكلاب والنجاسة والرجس والجهل واللاعقل والعمى والصمم والبَكم والضلال والحيرة الخ من الأوصاف القرآنية المذهلة التي تملأ قلب قارئ القرآن بأقصى ما يمكن من معاني ومرادفات المهانة والحقارة، كقوله تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ} [محمد من الآية:12]، وقوله {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال من الآية:55] وقوله {كَذَظ°لِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام من الآية:125] وأمثالها كثير.



وإذا رأى متدبر القرآن -أيضًا- ما في القرآن من عناية شديدة بالتحفظ في العلاقة بين الجنسين، كوضع السواتر بين الجنسين كما في قوله {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب من الآية:53]، وحثه المؤمنات على الجلوس في البيت {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب من الآية:33]، ونهيه عن تلطف المرأة في العبارة {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} [الأحزاب من الآية:32]، ونهيه عن أي حركة ينبني عليها إحساس الرجل بشيء من زينة المرأة {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} [النور من الآية:31] ونحو ذلك.

وإذا رأى متدبر القرآن -أيضًا- عظمة تصوير القرآن للعبودية كتصويره المؤمنين في ذكرهم لله على كل الأحوال{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىظ° جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ} [آل عمران من الآية:191]، وحينما أراد أن يصف الصحابة بأخص صفاتهم قال {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ غڑ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ غ– تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح من الآية:29]، وكيف وصف الله ليلهم الذي يذهب أغلبه في الصلاة {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىظ° مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ} [المزمل من الآية:20].

والمراد أنه إذا رأى متدبر القرآن هدي القرآن في هذه القضايا وأمثالها، ثم قارنها بأحوال التيارات الفكرية المعاصرة، ورأى ما في كلام هؤلاء من تأويلات للنصوص لتوافق الذوق الغربي، والإزراء باتباع السلف في فهم الإسلام، وملأ القلوب بحب الدنيا، ولهج بتعظيم الكفار، وتكسير للحواجز بين الجنسين، وتهتك عبادي ظاهر، الخ. إذا قارن بين القرآن وبين أحوال هؤلاء انفتح له باب معرفة الحق.

4- من مفاتيح التدبر:
الحقيقة أنني رأيت كثيرًا من المتخصصين في التفسير كتبوا رسائل رائعة في التدبر، ووسائله، ولست متعمقًا في هذا الموضوع للأسف، لكن دعونا ندردش في الموضوع دردشة المقصرين يتذاكرون كيف يخرجون من شؤم تقصيرهم.
وجهة نظري أنه أولًا: وقبل كل شيء يجب على الانسان أن يتضرع إلى الله ويدعوه ويلح عليه أن يجعله من أهل القرآن، وأن يفتح عليه في فهم كتابه، والعمل به، وأن يجعله ممن قال عنهم {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} [البقرة من الآية:121]، فإن الإنسان لا يفتح عليه في العبودية بمجرد الجهود الشخصية والتخطيط للإنجاز، وإنما فتوحات العبودية من بركات اللجأ إلى الله، وكل أبواب الخير من العلم والديانة إنما هي من باب الاستعانة ولذلك أعقب الله العبادة في سورة الفاتحة التي هي أعظم سورة في القرآن والتي أمرنا الله أن نكررها عشرات المرات يوميًا (وهذا يعني أن مضامينها موضوعة بعناية وليست اتفاقًا)، في هذه السورة العظيمة أعقب الله العبادة بالاستعانة، فالاستعانة بوابة العبادة.
وثانيًا: يجب وضع ورد يومي للتدبر كما كان الصحابة لهم أوراد وكان جمهورهم يحزبه على سبعة ايام كما تعرف، وأن لا يُغلب الانسان على ورده من التدبر مهما كانت الظروف، والورد اليومي من القرآن كما سمعت أحد الصالحين يقول: في اليوم الأول كالجبل وفي الثاني كنصف الجبل وفي الثالث كلا جبل وفي اليوم الرابع مثل الغذاء الذي تتألم لفقده.

وثالثًا: أن يكون الأصل هو التدبر الشخصي، والتفسير معين، لا العكس كما يفعل البعض، وخصوصًا لمن لديهم خلفية شرعية عامة تؤهلهم لفهم جماهير الآيات، والقرآن كما قسمه ابن عباس أربع مراتب: "التفسير على أربعة أوجه: تفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله"... فأنت إذا استحضرت تقسيم ابن عباس العبقري عرفت أنه ليس كل القرآن يحتاج لتفسير.



فيقرأ الانسان في المصاحف المهمشة بالتفاسير، وأجودها وأدقها (كما علمت من كثير من المتخصصين في التفسير) هو التفسير الميسر الصادر عن مجمع الملك فهد، فقد توافر على تصميمه كوكبة محترفة من المتخصصين في التفسير، وهو زبدة رائعة لكتب التفسير، فإذا أشكلت اللفظة أو المعنى الاجمالي راجع الهامش، لكنه يحاول هو أن يستكشف الدلالات العظيمة في هذا القرآن العظيم، فإذا لم يكن متأكدًا من سلامة استنباطه راجع كتب التفسير الموسعة.

وهذا الإمام العلامة أضخم مرجعية فقهية سنية معاصرة ابن عثيمين رحمه الله حين سئل عن طريقة طلب العلم وأولى العلوم بالعناية والاهتمام قال: "نقول: ابدأ بالتفسير قبل كل شيء، لكن هذا لا يعني ألا تقرأ غيره، لكن ركِّز أولًا على علم التفسير...، فعليك بالتفسير، احرص عليه ما استطعت، وطريقة ذلك: أن تفكر أنت أولًا في معنى الآية، قبل أن تراجع الكتب، فإذا تقرر عندك شيء فارجع إلى الكتب، وذلك لأجل أن تمرن نفسك على معرفة معاني كتاب الله بنفسك، ثم إن الإنسان قد يفتح الله عليه من المعاني ما لا يجده في كتب التفسير، خصوصًا إذا ترعرع في العلم وبلغ مرتبة فيه فإنه قد يفتح له من خزائن هذا القرآن الكريم ما لم يجده في غيره" (الباب المفتوح، ل:[86]).
فانظر إلى هذا الفقيه الامام كيف يوصي طلابه بأن يقرأوا الآيات ويستنبطوا منها ثم يراجعوا كتب التفسير، بل وكان يطبق ذلك عمليًا فيعطيهم آيات ويطلب منهم أن يسهروا في الاستنباط منها ويأتون بها غدًا (انظر قصصًا طريفة ذكرها حول هذا الموضوع الأخ مازن الغامدي رحمه الله في قصته مع الشيخ، وهي أهم سيرة ذاتية كتبت عن الداخل الشرعي السعودي).

ثم بعد ذلك يقرأ الانسان في مطولات التفسير قراءة مستقلة، وأعذبها وألذها تفسير الإمام فقيه الأخلاق والفروع ابن سعدي عليه رحمة الله، ومع ذلك فلا بد للإنسان أن يطالع آثار السلف في تفاسير الأثر حتى لا يصادم فهمهم دون وعي، وإذا سئل ابن عثيمين عن التفاسير فإنه كان يذكر ثلاثة دومًا ويمدحها ويثني عليها (ابن كثير، السعدي، الجلالين) فالشيخ كان يحب الدقة اللغوية للجلالين رحمه الله.



ورابعًا: من أجمل الأمور أن يضع الإنسان لأهل بيته برنامجًا في التفسير فيقرءون ويتبارون في الاستنباط ثم يراجعون التفسيرات المختصرة، والأصل في ذلك قوله تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىظ° فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّـهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب من الآية:34]، فالنبي كان يتلو على نسائه القرآن. وهذا له أثر لا يتصوره الكثيرون في تحبيب الأهل في القرآن والاقبال على الاستنباط منه، بل وستجد أهلك يصبحون دائمي التساؤل حول بعض استنباطاتهم للقرآن وهدايات آياته، وأهم من ذلك كله ستجد في أهلك قوة على الطاعة ونظرة مختلفة للدنيا وزخرفها، فهذا القرآن عجيب في تصحيح المفاهيم وتزكية النظرات والتصورات.

وخامسًا: لا أعلم درسًا شرعيًا في كل علوم الاسلام أسسه النبي وأصّله نظريا بنفسه إلا تدارس القرآن، فكل دروس الشريعة نوع من الاجتهاد في تنظيم العلم إلا تدارس القرآن فهو منصوص كما قال النبي في (صحيح مسلم):«ما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده»، هذا هو أعظم الدروس الشرعية التي يحبها الله، ولذلك ما أجمل أن يضع الاخوان لبعضهم برنامجًا أسبوعياً يحضّر كل منهم من تفسير معين ثم يتدارسون معانيه، هذا البرنامج دينامو إيماني ومنهجي في غاية التأثير.
والطرق كثيرة، والموضوع متشعب، والمتخصصون أبدعوا فيه، والمقصر يخجل من مناصحة الآخرين، ولكنه التذاكر والباحث في موضوع والله لم نقدره قدره بعد وما عرفنا اثره.

ولقد تأملت سيرة الصحابة في سير أعلام النبلاء وبعض طبقات ابن سعد وبعض حلية أبي نعيم فهالني والله ما رأيت من اقبالهم وتكثيف جهودهم في القرآن. وعلمت حينها ما الذي منح أولئك تلك المزية، بل انظر في أبي العباس ابن تيمية الذي كتب في التفسير رسائل كثيرة، كتفسير آيات أشكلت، وتفسير سورة الاخلاص، وجمع مطولات في تفسير السلف نسقًا على الآيات (أكثرها مفقود) وجلس سنة يفسر سورة نوح، ومع ذلك حين اعتقل المرة الأخيرة في قلعة دمشق وسحبت منه الكتب والاقلام اقبل على القرآن وقال: "قد فتح الله علي في هذه المرة من معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن"، هذا ابو العباس يندم على تضييع أكثر أوقاته في غير معاني القرآن، برغم أنه من أئمة التفسير أصلًا! فماذا نقول نحن المقصرين مع كتاب الله؟!


اللهم اجعلنا من أهل القرآن، اللهم اجعل القرآن أنيسنا في ليلنا ونهارنا، اللهم شفع سورة تبارك فينا في قبورنا، اللهم اجعل البقرة وآل عمران غيايتان تحاجان لنا يوم القيامة، اللهم أحبنا بحبنا لسورة قل هو الله أحد، اللهم آمين، اللهم آمين

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #26  
قديم 08-05-2021, 04:16 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


كيف نتدبر القرآن ؟
عبد المحسن بن محمد الاحمد
(26)


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وأصلي وأسلم على أشرف خلق الله أجمعين نبينا محمد عليه وعلى آله وصحابته أفضل الصلاة وأتمّ التسليم أما بعد : أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتولى هذا اللقاء كله بأنفاسه ولحظاته وكلماته وطرفاته ونياتنا فيه وأن لا يجعل لبشر مخلوق ضعيف فقير فيه حظ ولا نصيب..
قلنا أننا سنأخذ بالتدبر من بداية تأصيله إلى بإذن الله أن نجيب على كل الأسئلة المتعلقة بالتدبر ،عوائق التدبر ،كيف أتدبر؟ ماهي الخطوات العملية للتدبر ؟ ما معنى التدبر؟ كيف أعرف أني تدبرت بعدما أطبق هذه كيف أعرف إني نجحت في التدبر أو لا ، وكم نسبة نجاحي في تطبيق الشروط ؟ وكم نسبة النتاج والنتيجة والمكاسب التي حصلتها .
الجن ؟ أحبتي تحتاج لدراسة تحليلية جداً ، ما ذكرهم الله سبحانه في سورة كا
ملة إلا يريد للقلوب أن تتحرك لإجل هذا الله سبحانه وتعالى يقول : ï´؟وَكَذلِكَ أَنزَلناهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفنا فيهِ مِنَ الوَعيدِ لَعَلَّهُمï´¾يقصد به أنت يا يحصل عنده ارتفاع أو يحصل عنده على أقل الحد الأدنى ، ما الذي يفترض أن يحصل بعد ما أقرأ هذا التصريف وهؤلاء ماذا سيحصل لهم في الآخرة وفي الدنيا ماذا كانوا يفعلون؟ هذه التصريفات في القرآن من كل مثل (لَعَلَّهُم ) ماذا؟ (لَعَلَّهُم يَتَّقونَ) يعني يتغير..

دخل المسجد وسمع الآيات وخرج ، سرعته إلى المعصية بعد سماع القرآن ينبغي تكون أقل ، وسرعته للطاعة ينبغي تكون أسرع (لَعَلَّهُم يَتَّقونَ )و إذا ما اتقى؟قرأ صفحة وما اتقى؟ ما غيّر مثل الجن؟
طيب أقل شيء ماذا؟ (أَو يُحدِثُ لَهُم ذِكرًاï´¾ قليلاً ، لكن صفر مصيبة إنك تقرأ وتخرج (مَاذَا قَالَ آنِفَا) هذه مشكلة..لأجل ذلك الله سبحانه وتعالى قال (وإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَة ) وقرأها النبي عليه الصلاة والسلام ضربت الأمواج في قلوب الصحابة ليس كلهم قال الله (فَمِنْهُمْ مَن يَقُول) ذهب القرآن ضرب في قلبه ، زلزل الداخل وأفرز أشياء جعلته يتذكر فلما تذكر لابد أن يتكلم ï´؟ فَمِنهُم مَن يَقولُ أَيُّكُم زادَتهُ هذِهِï´¾ الذي سمعناه شحن تعبي سيارك ترى البنزين ذهب ، طيب هذا (أَيُّكُم زادَتهُ هَذِهِ إيمانًا ) من الذي الآن زاد الشحن عنده يودّ يفعل أي شيء يقربه إلى الله سبحانه وتعالى يودّ يبعد عن أي شيء لكن الفرق بين الحالتين إنه سمع ، طيب قال ï´؟ أَيُّكُم زادَتهُ هذِهِ إيمانًاï´¾ كله
م زادتهم إيماناً؟
لا ï´؟ فَأَمَّا الَّذينَ آمَنواï´¾ سبحان الله كيف آمنوا وزادتهم إيمانا ً؟
يعني القرآن يُحدث إيماناً ولا يزيد الإيمان الموجود أصلاً؟
ولا يثبت الإيمان هذه سنجيب عليها في الحلقات إن شاء الله
علاقة القرآن بالإيمان هل هو يصلح لواحد ليس بمؤمن ولا لابد أن يكون عنده إيمان لإجل يزيده ، ولا عنده إيمان وزائد ويحتاج له ثبات ينقص كل هذه سنجيب عليها إن شاء الله في ثنايا هذه الحلقات ..
لكن الله يقول إن هذا الأمر بيغير (لَعَلَّهُم يَتَّقونَ أَو يُحدِثُ لَهُم ذِكرًاï´¾
قاعدة من القواعد القرآنية إذا جاءت الآية دخلت قلبك اتحداك تصمت ، اتحداك
لا تتكلم عنها ، اتحداك لا تعبر عن الذي دخل قلبك .
من الذي قال هذا الكلام ؟ الله سبحانه وتعالى يؤصل لنا هذه القضية في القرآن خذها قاعدة حبيبي الغالي قبل لا ندخل في الدراسة التحليلية في الجن ولماذا استفادوا ؟ أنا أريد أعلم كيف أصل للمرحلة الذين وصلولها هم ، والله يا جماعة ترى كل مرة اسأل نفسي كلما مررت عند الآيات هذه أقول يا جماعة ما بنا؟ المشكلة بنا أو المشكلة في القرآن ؟ لا مستحيل .
ï´؟قُل هُوَ نَبَأٌ عَظيمٌغ‌أَنتُم عَنهُ مُعرِضونَï´¾ سماع مرة واحدة ،كل هذه القرارات وقرارات مصيرية يعني غيروا عقيدة ، مستيقظين (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلباب) قال الله (فَبَشِّر عِبادِغ‌الَّذينَ يَستَمِعونَ القَولَ فَيَتَّبِعونَ أَحسَنَهُ أُولئِكَ الَّذينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُم أُولُو الأَلبابِ) كتاب الأذكياء ..

هناك ثلاث عناصر قبل لا نختم هذه ، فيه ثلاث عناصر دائماً ابحث عنها العنصر الأول موجود لا محالة يعني أصلاً سقط بحسابه عنك الثلث ، سقط ركز على باقي الثلثين ، الأول : هو إنزال الكتا
ب من الله عز وجل هذا حصل ، الثلث الثاني : وصول القرآن للقلب إذا وصل القرآن للقلب فيه الثلث الثالث الأخير اتحداك تصمت ، اتحداك تسمع آية وتصل لقلبك يمكن تصل إذنك يمكن تصل عقلك وتحفظها أي مكان في الجزء العلوي عادي لكن تصل قلبك وتصمت ؟ اتحداك
قال الله ï´؟وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ العالَمينَغ‌نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأَمينُï´¾ هذا الأول ، الثاني ï´؟عَلى قَلبِكَï´¾
لما وصل قلبه يقدر يصمت النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا أحد يقدر يصمت فماذا حصل ؟
ï´؟لِتَكونَ مِنَ المُنذِرينَï´¾ (وَأَنذِر بِهِ) أصبح ينذر بالقرآن طيب واحد هذه الثلاثية للنبي صلى الله عليه وسلم ؟
لا لأي مؤمن مستيقظ ، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أولوا الألبا
ب (المصغ‌كِتابٌ أُنزِلَ إِلَيكَ) هذه الأولى صحيح؟
(فَلا يَكُن) أين؟ ركز كم تحفظ ، ركز كم تقرأ ، ركز كم يتحرك لسانك؟ لا ، ركز كم من هذه الصفحات وصل قلبك (فَلا يَكُن في صَدرِكَ) ركز هنا – في القلب- دائما ًهذا أكثر مكان نحن غافلين عنه وهذا أكثر مكان انتبه له النبي صلى الله عليه وسلم "ربيع قلبي" "آت نفسي تقواها" التقوى أين؟ هنا في القلب (فَإِنَّها لا تَعمَى الأَبصارُ وَلكِن تَعمَى القُلوبُ الَّتي فِي الصُّدورِ) لإجل تركز ، الثانية أين؟ (فَلَا يَكُن فِي صَدرِكَ ) يا رب افتح الصدور يا رب العالمين واشرحها واجعل القرآن ربيعها (فَلا يَكُن في صَدرِكَ حَرَجٌ مِنهُ) هذه الثانية ، أين الثالث؟ (لِتُنْذِرِ به) العلامة إذا دخل قلبك اتحداك تصمت ( لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكرى لِلمُؤمِنينَ) وكيف أحصل عليها؟ (اتّبعوا) حسناً هل الجن وصل القرآن لقلوبهم؟ ولا لا ، ما الدليل؟ الله يقول لما وصل القرآن لقلوبهم لم يقدروا يصمتون أصلاً لكن تعال الآن الدراسة التحليلية كيف وصل لقلوبهم؟..
لإجل هذا الله عز وجل علمنا قال سبحانه وتعالى نحن نريد نعرف القرآن كيف وصل لقلوب الجن ماذا فعلوا ؟ مالذي فعله الجن حتى يفتح الله قلوبهم ؟ يعني نحن عند الله أحسن منهم قبل إسلامهم صحيح أم لا أحبتي؟ ومع ذلك هم سمعوه مرة واحدة وتغيرت كل قرارات حياتهم ،كانت النقطة فاصلة حياتهم قسموها إلى ثلاثة أقسام: قسم قبل سماع القرآن وقسم وهم يسمعون وقسم بعد السماع كل شيء بعد السماع تغير ..
ما الدليل قالوا (سَمِعنا قُرآنًا عَجَبًاغ‌يَهدي إِلَى الرُّشدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَن نُ
شرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا) كل قرارات المستقبل سنغيرها ، صفحة سوداء قلبناها بيضاء..

غيروا كل حياتهم بعد نقطة التحول ومحطة التحول هي سماع القرآن لكن لماذا مرة واحدة سمعوه وغيروا
كل شيء ونحن سمعنا مرات ،ويمكن لو أقول لأحدهم أكتب ورقه بينك وبين نفسك قرار قررته بعد مرة سمعت فيه القرآن أو قرأت فيه القرآن قررت تتغير .
ما الذي فعله الجن لإجل يفتح الله قلوبهم للقرآن ؟!
الإنصات الله عزوجل أعطانا شروط في القرآن حقق الشروط تأخذ الوعود(وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ) (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ غ—)
ماهي الشروط التي فعلوها الجن وأعطاهم الله الوعد يقول الله تعالى ( وَإِذَا قُرِئَ
الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )وأنت منشغل هذه لم تفعلها الجن لإجل هذا تغيرت حياتهم ، صار عندهم
شيء لم يكن عندنا (فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا )ما الوعد لهذه الشروط (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )
إذا رحمك الله فتح قلبك وإذا أنفتح قلبك للقرآن لاتسأل ما أثر الآيات على قلبك و هل الجن
طبقوها نأخذها تدريجياً ؟!
( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآن( "كل حرف له طعم بالقرآن لحاله هكذا يهز قلبك
(يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآن(هذا حقق خمسين بالمئة من الشروط.
(فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا) حسناً أنت جالس تسمع يقول لايكفي الكلام هذا يحتاج إلى تركيز
فوق التركيز مليء هذا الكلام مليء هديات مليان أنوار مليء حياة و روح ، قال الله تعالى ( فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ) ماهذا الأدب أمام هذا الكلام العظيم ، أحبتي في الحديث الصحيح
حديث النواس بن سمعان يقول : قال الرسول صلى الله عليه وسلم (إذا أراد الله أن يتكلم بالوحي ـ
أي يقول آية من الآيات التي نسمعها الآن قال أخذت السماوات السبع رعداً قامت ترجف أو قال
رجفه شديدة قامت السماوات تهتز لم يتكلم الله عزوجل بالوحي
لكن الآن أستعداد للكلام الذي
يقوله الله عزوجل قال أخذت السماوات السبع رعداً شديداً أو رجفة شديدة قال فتكلم بالوحي
فخّر كل الملائكة من ضمنهم حملة العرش ، في الطبراني والأوسط حديث صحيح قال :
"قال النبي عليه الصلاه والسلام (حملة العرش مابين شحمه أذن أحدهم إلى عاتقه مسيره سبع مائة سنة
يخفق فيها الطير يتحرك الطير من كتفه ونموت جميعاً ويأتي أجيال بعدنا وبعدها سبع مائة سنة
وللتو يصل إلى أذنه يخرّ فكيف أدبنا مع القرآن ؟
ثم يتكلم الله بالوحي فيكون أول من يرفع جبريل عليه السلام ف
يسمع الآيات فتأتي الملائكة لجبريل
فيقولوا "ماذا قال ربنآ ؟قال الحق وهو العلي الكبير "
دائماً في القرآن العلي الكبير، العلي العظيم لصفة الله عزوجل كل خلق الله كل مادون الله كلما أرتفع
في السماء كلما صغر إلا الله غير خلقه ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ غ–)"مع علوه هو عظيم وكبير جل في علاه
الشآهد أن هولاء أدب عندهم شديد (لَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىظ° قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ)
طبقوا شروط الإستماع والإنصات وجاءتهم الرحمة وفتح الله قلوبهم فتدبروا القرآن بعد ذلك حققوا

شروط أخرى وصارعندهم وعود أخرى ،القرآن جاء يضمن لك خمس أمور، خمس وعود بشرط واحد
خمس وعود يضمنها لك القرآن بل يضمنها لك من قال وتكلم بالقرآن عزوجل أصدق القائلين إذا
طبقت شرط واحد، الشاهد ما الشرط الواحد والوعود الخمسة ؟!
إذا حققت الشرط الوحيد أسأل الله أن يجعلنآ وأحبابنا ممن يختصهم الله برحمته فيعينهم على تحقيق
هذا الشرط.
الشرط الأول : أنك لا تخاف ، في حياتك لا تخاف ، لو تزلزل الدنيا حولك أنت بداخلك آمن ومن عظمة القرآن أنه ركز على قضية قوية جداً ، المصيبة وأثرها ، إذا فهمتها سترى حياتك تغيرت أنت الذ
ي يهزك في السابق ، سوف لا يهزك الآن !
سأذكر مثال ما معنى المصيبة وأثر المصيبة ؟
لو أقف اثنان هناك ولبست أحدهم سترة ضد الرصاص، والآخر ليست لديه سترة، وطلبت من كل
واحد منكم أن يطلق على صاحب السترة عشر طلقات، والذي ليست ل
ه سترة أطلق عليه طلقة،
وأطلق على صاحب السترة في صدره -مكان القلب-، أما الذي بدون سترة فأطلق عليه في أي مكان،
في كتفه في رجله،لكن طلقة واحدة، أي أن كل عشر طلقات تقابلها طلقة واحدة،
المصيبة الأكبر -الرصاص- تكون في حق من؟
الذي بدون سترة، إذاً هذا يصاب فالناس يرحمونه، لكن أثر الطلقة عليه يضحك يشرب ماء،لذلك
نرى الناس عندنا في المستشفى يصلهم خبر بوفاة ابنهم فيقولون: الحمدلله رب العالمين،لن يقدم
موتي مرضٌ ولن تؤخره صحةٌ، والآخر على النقيض تمامًا،إذاً توجد مصيبة ويوجد أثر للمصيبة،
إذا حقق هذا الشرط كان له واقٍ بضمان الله، ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : "اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْطَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا..."،تهون به : شيء داخلي يصد هذه المصائب فتهون وتسقط،
فإذا دخل القرآن قلبك رحل عنه الخوف ونسفت كل مخاوفك، بل بالعكس : كلما أخافوك كلما
زاد إيمانك، (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَ
وْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ، تريد أن تخيفه، لكنه زاد إيمانًا (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) .
قال البخاري في الأدب المفرد :قال النبي صلى الله عليه وسلم قلها ثلاثاً "الله أعز من خلقه جميعًا، الله أعز مما أخاف
وأحذر أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو ، الممسك السموات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه من شر عبدك فلان ،وجنوده وأتباعه وأشياعه ، من الجن والأنس ، اللهم كن لي جاراً من شرهم ، جل ثناؤك وعز جارك ، وتبارك اسمك ، ولا إله غيرك "
ما دام هو أعز من كل المخلوقات الممسك السماوات السبع أن تقع على الأرض إلا بإذنه،
ألا يستطيع أن يدفع الجيش والدولة عني؟

(أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) إذا لم يقنعك هذا الكلام..
ماذا قال الله بعده؟ (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) أما من استفاد من الكلام وعلم أن الله -عز وجل- أعز من خلقه جميعًا، قال : (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ
اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ)
ولما مر موسى - عليه السلام - على السحرة والتفت عليهم وقال كلمة، قال : (قَالَ لَهُمْ مُوسَىظ° وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىظ°) ما معنى
يسحتكم؟ لم يقل يطحنكم لأن الطحن قد يبقى معه الأثر، أما السحت فلا يبقى معه شيء .
الشاهد أن العزيز سبحانه إذا أراد أن يطمئن قلبك جعل المخاوف تزيدك إيمانًا، هناك وعودٌ أخذها الجن والشرط واحد، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)الوعد الأول : أنك لا تخاف ، يؤمنك الله، أنت أنت
لكنك لا تخاف، الوعدالثاني : أنك لا تحزن، الوعد الثالث : أنك لا تحتار، الوعد الرابع : أنك لاتشقى مهما تغيرت الظروف، الوعد الخامس : أنك تعيش في سلام وعقلك في سلام ، وقد ذاق الجن بعضها
وتكلموا فيه قالوا : (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىظ° آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا)
(وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ) ينتفضون منه، (يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ)وال
له كنا نزيدهم رهقاً
( فَزَادُوهُمْ رَهَقًا)،لإجل هذا الجن من القناعات التي تغيرت، ونحن قلنا لِيدّبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب، تتغير قناعاتهم صحيح !
قالوا(وَأَنَّهُ تَعَالَىظ°)، لما لم يقولوا ربنا تعالى مثل ما نقول نحن؟ لا القرآن هزّ أركانهم هزّ، ما تجرؤوا حتى يقولون قرآن عادي، قالوا: (قُرْآنًا عَجَبًا)، ولا قدرا يقولون ربنا هكذا عادي قالوا وَأَنَّهُ تَعَالَىظ°
جَد ربِّنَا)فوق،( مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَأَنَّهُ كَانَ يَقُول) كبيرُنا؟ لا لم يبقى كبيرنا هو كان أهم واحد
وأكبر شيء قبل أسمع القرآن، الآن القرآن أتى رتب الأوراق، قال هذا الكبير ينزل في الأسفل
والله الذي كنتم ناسيينه يصعد في الأعلى(وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا)
فالقرآن هو الذي يُرتّبُ أوراق حياتك .
استودع الله كل مؤمنٍ ومُؤمنة من أذى كلّ ذي شر مِن الإنسِ والجن، وأسأل الله في هذه الليلة أن يفرج همّ كل مهموم، وأن يُعيد كل مأسورٍ لأهله، وأن ينصرَ الإسلامَ وأهلهِ، وأن لا يُبقي فينا صدور ولاير
انا أو مَن سمعنا أو قرأ لنا أُمنيةً هي لله رضاً ولنا فيها صلاح، إلا كتب قضائها قبل أن ننفضّ مِن مجلِسنا هذا، إن ربّي على ذلكَ قدير، وإنّهُ بالإجابةِ جدير سبحانه، والسلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاته


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #27  
قديم 09-05-2021, 04:13 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


الإكثار من تلاوة القرآن وختمه في رمضان

محمد بن موسى الشريف
(27)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
يتنافس الناس في رمضان في كثرة تلاوة القرآن وتعدد مرات ختمه، وهذا أمر حسن يثابون عليه إن شاء الله، لكن هل هو الأفضل في حقهم؟ وهل هو ما ينبغي عليهم أن يصنعوه في هذا الشهر الكريم؟
فأقول وبالله التوفيق: إنه في شهر رمضان الكريم يستحب الإكثار من تلاوة القرآن الكريم، وهكذا كان السلف يصنعون، فقد كانت أحوالهم في قراءة القرآن الكريم عجيبة طوال السنة، ليس في رمضان فقط لكنهم إذا جاء رمضان يكثرون من التلاوة كثرة مضاعفة، فقد كانت عادة أكثر الصحابة -رضي الله عنهم- ختم القرآن
كل أسبوع مرة، وبعضهم كل ثلاث ليال. وكانوا إذا جاء رمضان يقومون بالقرآن عامة ليلهم إلا قليلاً.
وعلى ذلك جرى التابعون -رحمهم الله- تعالى والسلف الصالح من بعدهم، فهذا الأسود بن يزيد صاحب عبدالله بن مسعود يختم القرآن كل ست ليال، فإذا جاء رمضان ختم كل ليلتين، وكان قتادة المفسر التابعي يختم كل سبع ليال، فإذا جاء رمضان ختم كل ثلاث، فإذا جاء العشر الأواخر ختم كل ليلة، وهذا أبو بكر ابن عياش قد ختم القرآن ثماني عشرة ألف ختمة طيلة

حياته، وهو رقم يُتعجب منه ويُخضع له، وصح عن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- أنه ختم القرآن في رمضان ستين مرة، وكان الإمام ابن عساكر يحاول اللحاق بالشافعي في صنيعه هذا حتى أنه كان يعتكف في المنارة البيضاء في مسجد دمشق طيلة رمضان لكنه لم يستطع إلا أن يختمه 59 مرة! -رحمهم الله- تعالى- ما أعظم هممهم.
وكان الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- يختم في رمضان في النهار كل يوم خ
تمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة، وكان يسهل على السلف كثرة الختم في رمضان لتفرغهم له وعدم انشغالهم بغيره، وكان منهم الإمام مالك إذا دخل رمضان لم يقبل إلا على القرآن وترك دروسه الحديثية وغير ذلك.
فإن قال قائل: ألم يَنه النبي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث ليال، كم
ا صح في واقعة عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- حيث طلب منه أن يختم القرآن في أقل من ثلاث فأبى عليه النبي.
فإن قيل ذلك، فإنه يقال رداً على هذا: إن السلف العظام، ومنهم الإمام الشافعي وغيره ممن كانوا يكثرون الختم في رمضان، قد عرفوا هذا الحديث الشريف وحفظوه، لكنهم أرادوا استغلال الزمان واغتنام أجر تلاوة أكبر قدر ممكن من الختمات القرآنية. وذلك جائز إن لم يكن على سبيل المداومة طيلة الحياة، فإن داوم إنسان على الختم في أقل من ثلاث يُنهى عن هذا ويساق له هذا الحديث، أما إن تفرغ مدة من الزمان شريفة مباركة في رمضان لينهل من حوض القرآن ويكثر ختمه فلا

يُنهى عن هذا ولا يعترض عليه معترض، ألم يقرأ عثمان القرآن في ركعة عند الكعبة، كما وردت بذلك الأخبار عنه، وكذلك قرأه الإمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى- في ركعة، وممن صنع ذلك سعيد ب
ن جبير والقاضي أبو أحمد العسال الأصبهاني وجمع من السلف، وكل ذلك جائز بل مستحب إن لم يكن على سبيل المداومة إذ المداومة على قراءة القرآن في ثلاث ليال أو أكثر هي الحال المطلوبة المثلى.
لكن ينبغي أن نعلم شيئاً مهماً نحقق به التوازن المطلوب، ألا وهو أ
ن المرء في هذا الزمان قد يخفى عليه كثير من معاني القرآن وأحكامه، فمثل هذا لو تفرغ في هذا الشهر المبارك للتفهم والتدبر والتطبيق كان خيراً له من كثير من القراءة وموالاة الختم بلا فهم ولا تدبر ولا تطبيق، بل أجزم أن قراءة القرآن مرة واحدة أو نصفه أو ثلثه أو أقل طيلة رمضان بشرط التفهم والتدبر والتطبيق خير من قراءة ثلاثين ختمة يردد حروفها ولا يفقه حدودها ولا يدري معانيها، وهل ابتلينا بما ابتلينا به من

غلبة الفكر الغربي والثقافة الغربية على بلادنا، ومن الهجمة الصليبية اليهودية العسكرية على أرضنا وانتقاصها وانتهاكها، ومن وقوع عدد من بلدان الإسلام فريسة لهؤلاء الوحوش، ومن فساد أكثر الأنظمة الإسلامية سياسياً وإدارياً، وضعفها اقتصادياً وعسكرياً، هل ابتلينا بكل ذلك إلا لأنا وضعنا كتاب الله وراء ظهورنا ودَبر آذاننا، وأعرضنا عن تفهمه وتدبره ومن ثم تطبيقه؟!
لذلك إذا جاء رمضان وجب على العباد أن يكرعوا وينهلوا من حياض القرآن
، وأن يقبلوا على تفهمه وتدبره، وألا يتهاونوا في تطبيقه، عسى الله -تعالى- أن يرفعنا من وكستنا، وأن يقيل عثرتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 10-05-2021, 03:53 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


حال السلف مع القرآن في رمضان

أحمد عرفة
(28)


هذا عباد الله شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وفي بقيته للعابدين مستمتع وهذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهركم ويُسمع، وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً يتصدع...
التصنيفات: ملفات شهر رمضان والعشر الأواخر -
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبعد:
أيها الأخوة الأحباب: شرف الله عز وجل شهر رمضان المبارك بنزول القرآن الكريم فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، فما أحوجنا إلى أن نعود إلى القرآن في شهر رمضان، فلا عز لنا ولا كرامة ولا رفعة في الدنيا والآخرة إلا من خلال التمسك بالقرآن الكريم حفظاً وفهماً وتدبراً وعملاً كي نسعد في الدنيا والآخرة، ونسود العالم بأسره كما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح رضي الله عنهم تحققت لهم
السيادة والعزة والكرامة عندما أخذوا القرآن الكريم منهج حياة، من هذا المنطلق أكتب هذه المقالة المتواضعة حول السلف الصالح رضي الله عنهم مع القرآن الكريم في رمضان شهر القرآن: قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:185]

والقرآن هو كتاب هذه الأمة الخالد، الذي أخرجها من الظلمات إلى النور، فأنشأها هذه النشأة، وبدلها من خوفها أمناً، ومكن لها في الأرض، ووهبها مقوماتها التي صارت بها أمة، ولم تكن من قبل شيئاً، وهي بدون هذه المقومات ليست أمة وليس لها مكان في الأرض ولا ذكر في السماء، فلا أقل من شكر الله على نعمة هذا القرآن بالاستجابة إلى صوم الشهر الذي نزل فيه القرآن، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان». وعن ابن عباس، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرس
ول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة"، قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل كان ليلاً يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً، فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل:6]، وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} ، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في ليلة القدر، ويشهد لذلك قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]، وقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} [الدخان:3].
انظر إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم مع القرآن الكريم في رمضان: وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، وقد صلى معه حذيفة ليلة في رمضان قال: فقرأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل، فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة
"، وقد روي عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بهم ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، وليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، فقالوا له: لو نفلتنا بقية ليلتنا؟ فقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته»، وهذا يدل على أن قيام ثلث الليل ونصفه يكتب به قيام ليلة لكن مع الإمام، وكان الإمام أحمد يأخذ بهذا الحديث ويصلي مع الإمام حتى ينصرف، ولا ينصرف حتى ينصرف الإمام.

وقال بعض السلف: "من قام نصف الليل فقد قام الليل"، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين».
حال السلف مع القرآن في رمضان:
وانظر كيف كان حال السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم مع القرآن الكريم إذا دخل رمضان: كان قتادة رضي الله عنه: يدرس القرآن في شهر رمضان، وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: "فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام"، وقال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفرّ من قراءة الحديث، ومجالسة أهل ال
علم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف، وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن، وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت، وقال سفيان: "كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه".
علو الهمة عند السلف في تلاوة القرآن وختمه أكثر من مرة بصور عجيبة:
قال الإمام ابن رجب رحمه الله: "وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها"، كان الأسود بن يزيد: يقرأ في كل ليلتين في رمضان، وكان إبراهيم النخعي: يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث، وكان قتادة: يختم في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وعن أبي حنيفة نحوه، ثم قال الإمام ابن رجب رحمه الله بعد ذكر هذه الآثار: وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصاً الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أوفي الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهله
ا، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره، وعن محمد بن مسعر قال: "كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن"، وعن ابن وهب: "قيل لأخت مالك: ما كان شغل مالك في بيته؟ قالت: المصحف، والتلاوة"، وقال عمرو بن علي: "كان يحيى بن سعيد القطان يختم القرآن كل يوم وليلة يدعو لألف إنسان، ثم يخرج بعد العصر فيحدث الناس". وقال البغوي: أخبرت عن جدي أحمد بن منيع رحمه الله أنه قال: "أنا من نحو أربعين سنة أختم في كل ثلاث"، وعن مسبح بن سعيد قال: "كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة"، وقال سليمان بن يسار رحمه الله: "قام عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد العشاء فقرأ القرآن كله في ركعة لم يصل قبلها ولا بعدها". وعن ابن سيرين: أن تميماً الداري كان يقرأ القرآن في ركعة،وعن الحارث بن يزيد: أن سليم بن عتر كان يقرأ القرآن في كل ليلة ثلاث مرات، وقال ابن شوذب: "كان عروة يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف نظراً، ويقوم به الليل".

الإمام حمزة بن حبيب الزيات، القيم بكتاب الله، العابد الخاشع، القانت لله يقول: :"نظرت في المصحف حتى خشيت أن يذهب بصري"، قال يحيى اليماني: "لما حضرت الوفاة أبا بكر بن عياش بكت أخ
ته، فقال لها: ما يبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية، فقد ختم أخوك فيها ثمانية عشر ألف ختمة". وثابت البناني قال عنه شعبة: "كان ثابت يقرأ القرآن في يوم وليلة، ويصوم الدهر"، وقال أسد بن الفرات: "كان ابن القاسم يختم كل يوم وليلة ختمتين قال: فنزل بي حين جئت إليه عن ختمة، رغبة في إحياء العلم"، الإمام أبو حنيفة رحمه الله: كان يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة، وفي رمضان في كل يوم مرتين، مرة في النهار ومرة في الليل، أبو العباس بن عطاء: له في كل يوم ختمة، وفي شهر رمضان كل يوم وليلة ثلاث ختمات، الحافظ بن عساكر: كان يختم كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم. وكان كثير النوافل والأذكار، ويحاسب نفسه على كل لحظة تذهب في غير طاعة، الإمام البخاري رحمه الله: كان يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة، أما إمام أهل السنة أحمد بن حنبل فقد قال عنه جعفر ابن أب هاشم: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: ختمت القرآن في يوم، فعددت موضع الصبر، فإذا هو نيف وتسعون". وقال الإمام علي بن المديني شيخ البخاري: "حفر شبر الحافي قبره، وختم فيه القرآن وكان ورده ثلث القرآن".
شيخ الإسلام الحافظ الناقد أبو بكر بن محمد بن محمد تقي الدين البلاطنس
ي: كان يختم في رمضان في كل ليلة ختمتين، وأكب في آخر عمره على التلاوة فكان لا يأتيه الطلبة لقراءة الدرس إلا وجدوه يقرأ القرآن، والشيخ الفاضل محمد بن علاء شمس الدين البابلي القاهري الشافعي: كان كثير العبادة يواظب على قراءة القرآن سراً وجهراً، وكان راتبه في كل يوم وليلة نصف القرآن ويختم يوم الجمعة ختمة كاملة، وكان كثير البكاء عند قراءة القرآن، محمد بن محمد بن عبد الرحمن التميمي أبو عبد الله الحلفاوي التونسي نزيل غرناطة يعرف بابن المؤذن: كان صاحب مقامات وكرامات، حسن الصلاة جداً، وكان يختم في رمضان مائة ختمة، وعقد الإمام النووي رحمه الله في كتابه القيم: (التبيان في آداب حملة القرآن) فصلاً في موقف السلف مع القرآن الكريم جاء فيه: "ينبغي أن يحافظ على تلاوته ويكثر منها وكان السلف رضي الله عنهم لهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه فروى ابن أبي داود عن بعض السلف رضي الله عنهم أنهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة واحدة وعن بعضهم في كل شهر ختمة، وعن بعضهم في كل عشر ليال ختمة، وعن بعضهم في كل ثمان ليال وعن الأكثرين في كل سبع ليال، وعن بعضهم في كل ست، وعن بعضهم في كل خمس، وعن بعضهم في كل أربع، وعن كثيرين في كل ثلاث، وعن بعضهم في كل ليلتين، وختم بعضهم في كل يوم وليلة ختمة، ومنهم من كان يختم في كل يوم وليلة ختمتين، ومنهم من كان يختم ثلاثاً وختم بعضهم ثمان ختمات أربعاً بالليل وأربعاً بالنهار، فمن الذين كانوا يختمون ختمة في الليل واليوم: عثمان بن عفان رضي الله عنه وتميم الداري وسعيد بن جبير ومجاهد والشافعي وآخرون، ومن الذين كانوا يختمون ثلاث ختمات: سليم بن عمر رضي الله عنه قاضي مصر في خلافة معاوية رضي الله عنه، وروى أبو بكر بن أبي داود أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات، وروى أبو عمر الكندي في كتابه في قضاة مصر أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات.

وانظر إلى هذا الخبر العجيب بعضهم ختم ثماني مرات في اليوم والليلة، قال الشيخ الصالح أبو عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول: كان ابن الكاتب رضي الله عنه يختم بالنهار أربع ختمات وبالليل أربع ختمات وهذا أكثر ما بلغنا من اليوم والليلة، وروى السيد الجليل أحمد الدورقي بإسناده عن منصور بن زادان من عباد التابعين رضي الله عنه أنه كان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر ويختمه أيضاً فيما بين المغرب والعشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل، وروى أبو داود بإسناده الصحيح: أن مجاهداً كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء، وعن منصور قال: "كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضانط، وعن إبراهيم بن سعد قال: "كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن"، ثم يقول الإمام النووي رحمه الله: "وأما الذي يختم في ركعة فلا يحصون لكثرتهم، فمن المتقدمين عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير رضي الله عنهم ختمة في كل ركعة في الكعبة، وأما الذين ختموا في الأسبوع مرة: فكثيرون. نقل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وعبد الله بن
مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب رضي الله عنهم وعن جماعة من التابعين كعبد الرحمن بن يزيد وعلقمة وإبراهيم رحمهم الله"، ثم يقول الإمام النووي رحمه الله بعد ذكر هذه الآثار: "والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر ما يحصل له كمال فهم ما يقرؤه وكذا من كان مشغولا بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة".
قال كعب: "ينادي يوم القيامة مناد بأن كل حارث يعطى بحرثه، ويزاد غير أهل القرآن والصيام يعطون أجورهم بغير حساب، ويشفعان له أيضا عند الله عز وجل"، كما في المسند عن عبد الله بن عمرو عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام والقيام يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب بالنهار، ويقول بالقرآن: منعته النوم بالنهار فشفعني فيه فيشفعان»، قال الإمام ابن رجب رحمه الله: "فالصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها سواء كان تحريمها يختص بالصيام كشهوة الطعام والشراب والنكاح ومقدماتها أو لا يختص به كشهوة فضول الكلام المحرم، والنظر المحرم والسماع المحرم والكسب المحرم، فإذا منعه الصيام من هذه المحرمات كلها فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا رب منعته شهواته فشفعني فيه، فهذا لمن حفظ صيامه ومنعه من شهواته، فأما من ضيّع صيامه ولم يمنعه مما حرمه الله عليه فإنه جدير أن يضرب به وجه صاحبه، ويقول له: ضيّعك الله كما ضيّعتني"، كما ورد مثل ذلك في الصلاة، وقال بعض السلف: "إذا احتضر المؤمن يقال للملك: شمّ رأسه، قال: أجد في رأسه القرآن، فيقال شمّ قلبه، فيقول: أجد في قلبه الصيام، فيقال: شمّ قدميه فيقول: أجد في قدميه القيام، فيقال: حفظ نفسه حفظه الله عز وجل".
وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "ينبغي
لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون"، وقال محمد بن كعب: "كنا نعرف قارئ القرآن بصفرة لونه يشير إلى سهره وطول تهجده"، وقال وهيب بن الورد: "قيل لرجل ألا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي"، وقال أحمد بن الحواري: "إني لأقرأ القرآن وانظر في آية فيحير عقلي بها، وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله، أما إنهم لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه وتلذذوا به واستحلوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحاً بما رزقوا"، وأنشد ذو النون المصريّ:

منع القرآن بوعده ووعيده *** مقل الع
يون بليلها لا تهجع
فهموا عن الملك الكريم كلامه *** فهماً تذل له الرقاب وتخضع
يا إخوتاه: هذا عباد الله شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وفي بقيته للعابدين مستمتع وهذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهركم ويُسمع، وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً يتصدع، ومع هذا فلا قلب يخشع، ولا عين تدمع، ولا صيام يصان عن الحرام فينفع، ولا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع، وتراكمت عليها ظلمة الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع، كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة، وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة، لا الشاب منا ينتهي عن الصبوة، ولا الشيخ ينزجر عن القبيح فيلتحق بالصفوة، أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة وإذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة، وإذا صاموا صامت منهم الألسنة والأسماع والأبصار، أفمالنا فيهم أسوة؟ ما بيننا وبين حال الصفا أبعد مما بين الصفا والمروة، كلما حسنت منا الأقوال ساءت الأعمال.
يا نفس فاز الصالحون بالتقى *** وأبصروا الحق وقلبي قد عمي
يا حسنهم والليل قد جنهم *** ونورهم ي
فوق نور الأنجم
ترنموا بالذكر في ليلهم *** فعيشهم قد طاب بالترنم
قلوبهم للذكر قد تفرغت *** دموعهم كلؤلؤ منتظم
أسحارهم بهم لهم قد أشرقت *** وخلع الغفران خير القسم
ويحك يا نفس ألا تيقظ *** ينفع قبل أن تزل قدمي
مضى الزمان في ثوان وهوى *** فاستدركي ما قد بقى واغتنمي
فما أحوجنا أيها الأخوة الأحباب لاغتنام هذا الشهر الكريم في القرآن الكريم قراءة وحفظاً وفهماً وتدبراً وعملاً حتى نسعد في الدنيا والآخرة وفقنا الله تعالى وإياكم لما يحبه ويرضاه وتقبل منا ومنكم صالح الأعمال إنه ولى ذلك والقادر عليه، والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #29  
قديم 11-05-2021, 09:47 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


هجر القرآن بعد رمضان

محمود إسماعيل شل
(29)


بسم الله الرحمن الرحيم
فضل القرآن عظيم .. فهو كتاب حياة ومنهج وجود للإنسان، وهو يقدم للمسلم كل ما يحتاج في الدنيا والآخرة، ويجيب عن كل ما يخطر بباله من تساؤلات.. إنه أب حنون، وأم رؤوم ينزل على القلوب المؤمنة بردًا وسلامًا، ويمسح بيده الحانية عليها، فيزيل كل ما يعلق بها من أمراض وآلام، فهل يُعقل أن يغفل المسلم عن هذا الخير ولا يجعل لنفسه وِردًا ولو صغيرًا - من القرآن، وقد صدق الحق - جل وعلا -آ؛ إذ يقول:
"… فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلٌّ وَلا يَشقَى * وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيَامَةِ أَعمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرتَنِي أَعمَى وَقَد كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَت
كَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَومَ تُنسَى" - طـه.
إن كثيرًا من المسلمين يضعون المصاحف في علب جميلة مزخرفة ومزركشة.. وكأن القرآن جزء من الديكور والزينة!! والقرآن لم يُجعل لهذا، بل أنزله الله - تعالى -للتدبر والتأمل والفهم والتطبيق.
وقد روى البيهقي في شعبه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قيل يا رسول الله وما جلاؤها؟ قال: تلاوة القرآن وذكر الموت.


ومما يؤكد أهمية القرآن في حياة كل مسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيَّن أن من الدعاء أن يقول العبد: اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي وغمي..
وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن عمر في الحديث المتفق عليه أن يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، كما كان ابن مسعود، وعثمان، وزيد - رضي الله عنهم - يختمون في كل أسبوع مرة.
والقرآن الكريم.. فيه نبأ من قبلنا، وخبر من بعدنا، وحكم ما بيننا، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبَّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدِي إلى صراط مستقيم. ل
ا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء ولا يملٌّه الأتقياء، ولا يبلى على كثرة الرد والتكرار، وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، المتمسكون به ناجون فائزون، والمعرضون عنه هلكى خاسرون، ولم تملك الجن حين سمعته إلا أن قالت:
"إِنَّا سَمِعنَا قُرآنًا عَجَبًا * يَهدِي إِلَى الرٌّشدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُشرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا" سورة الجن. وقال الله - تعالى -: "وَإِذ صَرَفنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَستَمِعُونَ القُرآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوا إِلَى قَومِهِم مُنذِرِين…"، الآيات من سورة الأحقاف.
أنواع هجر القرآن
وبعض الناس يظنون أن هجر القرآن محصور في هجر القراءة فحسب، ولكن الصواب أن أنواع الهجر كثيرة، فهناك هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه، وهناك هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحر
امه، وإن قرأه وآمن به، والثالث هجر تحكيمه والتحاكم إليه، في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته اللفظية، أو أنه يحكي ماضيًا أو أشياء صعبة التحقق، والعدول عنه إلى غيره من شر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة عن الآخرين.
وهناك هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد الله منه، وكل هذا داخل في قول الله - تعالى -: "وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَومِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرآنَ مَهجُورًا" الفرقان.

ومن هجر القرآن كذلك وجود حرج في الصدر منه، وهجر القرآن داء وبيل ومرض خطيرآ؛ لأنه هجر لمصدر النور والهداية والسداد والرشاد، وإن في القرآن خيرًا لا يحصى ومن ذلك أنه:
كتاب هدى: "الـم * ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلمُتَّقِين" البقرة
كتاب رحمة: "الـم * تِلكَ آياتُ الكِتَابِ الحَكِيمِ * هُدً
ى وَرَحمَةً لِلمُحسِنِين" لقمان
كتاب شفاء: "وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنِين" الإسراء
كتاب طمأنينة: "أَلا بِذِكرِ اللهِ تَطمَئِنٌّ القُلُوب" الرعد.
كتاب الحياة الحقيقة: "يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا استَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحيِيكُم" الأنفال.
كتاب السرور والفرح: "قُل بِفضلِ اللهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَليَفرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجمَعُون" يونس.
كتاب خير عام: "وَقِيلَ لِلَّذِينَ آمَنُوا مَ
اذَا أَنزَلَ رَبٌّكُم قَالُوا خَيرًا" النحل.
كتاب حق: "يَا أَيٌّهَا النَّاسُ قَد جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُم فَآمِنُوا خَيرًا لَكُم" النساء.
ويقول الشاعر عمر عسل:
عشـقتك يا كتـاب الله حـتى *** كأنـي لا أري حبًّـا سواكا
إذا حـط الظلام على دروبي *** بلا خوف أسير على سناكا
وإن ضلَّت خُطاي طريق حق *** أرى نور الحقيقة في هواكا
نزلت على الأمين لنا سلامًـا *** فهل تبعث جماعتنا خطاكا؟!
آداب قراءة القرآن
1- التأدب بآدابه والتخلق بأخلاقه، سُئلت السيدة عائشة عن أخلاق النب
ي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: (كان خلقه القرآن).
2- أن يحل حلاله ويحرم حرامه.

3- قراءته على أكمل الحالات من طهارة، واستقبال قبلة، والجلوس في أدب ووقار.
4- ترتيله وعدم الإسراع في القراءةآ؛ لقول الله - تعالى -: (وَرَتِّلِ القُرآنَ تَرتِيلاً) (لا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِه)
5- التزام الخشوع والبكاء أو التباكي عند قراءته كما أمر الرسول - صلى الله عليه و
سلم - فيما رواه ابن ماجه (ابكُوا فإن لم تبكوا فتباكوا)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - (زَيِّنوا القرآن بأصواتكم) رواه النسائي.
6- تحسين الصوت بالقرآن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (زينوا القرآن بأصواتكم) رواه النسائي.
7- الإسرار بالتلاوة إن خشي الرياء، أو كان يشوِّش على مُصَلٍّ,، والجهر بالقراءة إن كان في ذلك فائدة مقصودة تحمِل الناس على قراءته والتفكر في معانيه، وتعظيمه، واستحضار القلب عن تلاوته.
إن تلاوة القرآن قيمة عظيمة فحافظ عليها، لكن القيمة الحقي
قة أن تشهد وتتغير الجوارح بما قرأت.
تذكر دائمًا أنك في مرحلة اختبار قاسٍ, تحتاج لجهد وإرادة، وهذا الاختبار يتكون من سؤال واحد: هل يصبح القرآن حجة لك أم عليك؟ فكِّر جيدًا في السؤال، ثم أجب عليه في حدود الواقع العملي وفي زمن مدته عمرك الذي قدَّره الله لك.
اسأل الله الفائدة لي ولكم......


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #30  
قديم 12-05-2021, 04:25 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 61,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مع آهل القرآن فى شهر القرآن يوميا فى رمضان


هجر القرآن العظيم

محمد القاضي
(30)


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ونحن نستشعر روحانيات الشهر الكريم الذي داعبت فيه أسماعنا آيات الذكر الحكيم وتصدعت قلوبنا بالتدبر؛ فقد تجدد فيها الأمل والشوق إلى العمل الصالح، فيجب علينا أن نستصحب هذه الحالة الإيمانية في بقية العام ببقاء التواصل مع القران الكريم.
فالقرآن فضله عظيم .. فهو منهج حياة، وهو يقدم للمسلم كل ما يحتاج إليه في الدنيا والآخرة، ويجيب عن كل ما يخطر بباله من تساؤلات .. وينزل على القلوب المؤمنة بردًا و
سلامًا، فيزيل كل ما يعلق بها مِن أمراض وآلام، فهل يعقل أن يغفل المسلم عن هذا الخير ولا يجعل لنفسه وِردًا ولو صغيرا مِن القرآن، وقد روى البيهقي في شعبه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قيل: يا رسول الله؛ وما جلاؤها؟ قال: تلاوة القرآن وذكر الموت».
إن كثيرًا مِن المسلمين لا يعرف القرآن إلا في رمضان، وبعد انتهاء الشهر يضعون المصاحف في علب جميلة مزخرفة ومزركشة .. وكأن القرآن جزء مِن الديكور والزينة والقرآن .. لم يجعل القرآن لهذا، بل أنزله الله تعالى للتدبر والتأمل والفهم والتطبيق.

ومما يؤكد أهمية القرآن في حياة كل مسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي», فكيف يكون القرآن ربيع القلوب ونور الأبصار وجلاء الأحزان وهو مهجور؟!
وقد كانت مكانة القرآن في قلوب السلف عظيمة جدًّا, فمِن
مظاهر ذلك قول ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت قول الله تعالى ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواï´¾ فأرعها سمعك، فإنها خير يأمر به، أو شر ينهى عنه». (تفسير القرآن العظيم 1/91)، ولما نزلت آية الحجاب بادر نساء الصحابة للالتزام بها، ولما قال الله تعالى: ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ،إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَï´¾ (المائدة: 90-91)، قال عمر رضي الله عنه: «انتهينا انتهينا». (رواه الترمذي والنسائي)، ولما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع». (رواه مسلم)، فلبث المسلمون زمانًا يجدون ريحها في طرق المدينة لكثرة ما أهرقوا منها.

فانظر إلى سرعة استجابتهم لما به حياتهم، وكذا في تحويل القبلة مِن بيت المقدس إلى البيت الحرام، كيف تلقوا الأمر بالقبول؟ وما كان تحويل القبلة إلا امتحانًا لهم، امتحانًا ليعرف الحي من الميت، قال سبحانه: ï´؟وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهï´¾ (البقرة: 143)، فنجحوا في ذلك الامتحان، فمِن حديث البراء «كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده -أو قال: أخواله- مِن الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأن أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت». وقد كان السلف ينشئون أطفالهم على حفظ القرآن، ثم يحفظونهم الكتب الستة (أي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن الترمذي، وسنن أبي داود، وسنن النسائي، و
سنن ابن ماجة). وبعد أن يتموا ذلك يقومون بتحفيظهم مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم، وبذلك يشب الطفل المسلم على وعي بكتاب ربه وسنة نبيه صلوات ربي وسلامه عليه. وهكذا حقق الإسلام تقدمه وتفرده، وازدهرت حضارة الإسلام على جميع الحضارات التي كانت سائدة في ذلك الوقت، وتفوقت عليها؛ وذلك بحفظ كتابها والعمل بمقتضاه.
ثم خلف مِن بعد ذلك خلوف استهانوا بمكانة القرآن واتخذوه مهجورًا، وبعض الناس يظنون أن هجر القرآن محصور في هجر القراءة فحسب، ولكن الصواب أن أنواع الهجر كثيرة، كما ذكر ابن القيم رحمة الله تعالى في كتاب الفوائد:
- فهناك هجر سماعه والإيمان
به والإصغاء إليه.
- وهناك هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.
- وهجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين وأن أدلته اللفظية أو أنه يحكي ماضيًا أو أشياء صعبة التحقق والعدول عنه إلى غيره مِن شر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة عن الآخرين.

- وهناك هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد الله منه، وهجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلب وأدوائها, فيطلب شفاء دائه مِن غيره, ويهجر التداوي به وإن كان بعض الهجر أهون مِن بعض، وكل هذا داخل في قول الله تعالى: ï´؟وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًاï´¾، وكذلك الحرج الذي في الصدر منه، فإنه تارة يكون حرجًا من إنزاله وكونه حقًّا مِن عند الله، وتارة يكون مِن جهة التكلم به, أو كونه مخلوقًا مِن بعض مخلوقاته ألهم غيره أن تكلم به، وتارة يكون من جهة كفايتها وعدمها وأنه لا يكفي العباد, بل هم محتاجون معه إلى المعقولات والأقيسة, أو الآراء أو السياسات.

وتارة يكون مِن جهة دلالته, وما أريد به حقائقه المفهومة منه عند الخطاب, أو أريد بها تأويلها, وإخراجها عن حقائقها إلى تأويلات مستكرهة مشتركة، وتارة يكون مِن جهة كون تلك الحقائق وإن كانت مرادة, فهي ثابتة في نفس الأمر, أو أوهم أنها مرادة لضرب من المصلحة.
فكل هؤلاء في صدورهم حرج من القرآن
, وهم يعلمون ذلك مِن نفوسهم ويجدونه في صدورهم، ولا تجد مبتدعًا في دينه قط إلا وفي قلبه حرج من الآيات التي تخالف بدعته، كما أنك لا تجد ظالما فاجرًا إلا وفي صدره حرج مِن الآيات التي تحول بينه وبين إرادته. فتدبَّر هذا المعنى ثم ارضَ لنفسك بما تشاء. (الفوائد ص 102).

وقد ضرب لنا القرآن المثل على الأمة التي تضيع العمل بكتابها، فقال تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل، والخطاب للتذكرة والتحذير: ï´؟فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا اْلأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ َلا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِّلَا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ اْلآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَï´¾ (الأعراف: 169).
وقال القرطبي في تفسيره: «وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا؛ فقد روى الدارمي في سننه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب، فيتهافت, يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة, يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب, أعمالهم طمع لا يخال
طه خوف, إن قصروا قالوا سنبلغ, وإن أساءوا قالوا سيغفر لنا, إنا لا نشرك بالله شيئًا».
قال الشيخ أبو بكر الجزائري في تفسيره لهذه الآية: «يحكي الله تعالى عن اليهود أنه قد خلفهم خلف سوء، ورثوا التوراة عن أسلافهم، ولم يلتزموا بما أُخذ عليهم فيها مِن عهود، على الرغم مِن قراءتهم لها، فقد آثروا الدنيا على الآخرة، فاستباحوا الربا والرشا وسائر الم
حرمات، ويدَّعون أنهم سيغفر لهم، وكلما أتاهم مال حرام أخذوه، ومنوا أنفسهم بالمغفرة كذبًا على الله تعالى، وقد قرءوا في كتابهم ألا يقولوا على الله إلا الحق وفهموه، ومع هذا يجترءون على الله ويكذبون عليه بأنه سيغفر لهم!!». (مِن مقال: إن قومي اتخذوا القرآن مهجورًا - صيد الفوائد).

مِن العجب أن تهجر الأمة كتاب ربها، ثم بعد ذلك تتوقع أن ينصرها ربها؟
إن هذا مخالف لسنن الله في الأرض .. إن التمكين الذي وعد به الله والذي تحقق مِن قبل لهذه الأمة كان بفضل التمسك بكتاب الله عز وجل الدستور الرباني الذي فيه النجاة مما أصابنا الآن.
إن الذين يحلمون بنزول النصر مِن الله لمجرد أننا مسلمون لواهمون؛ ذلك أن تحقق النصر له شروط، قال تعالى: ï´؟وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي اْلأَرْضِ كَ
مَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يعبدوننى َلا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَï´¾ (النور: 55).
كما أن ما بعد النصر له شروط، قال الله تعالى: ï´؟الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي اْلأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَو ْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ اْلأُمُورِï´¾ (الحج: 41).
فعودوا إلى كتاب ربكم؛ تنالوا نصره في الدنيا، وتدخلوا جنته في الآخرة.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 218.09 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 212.05 كيلو بايت... تم توفير 6.03 كيلو بايت...بمعدل (2.77%)]