آبـاء وأبــناء في القــــــرآن الكـــريـــم - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 570 - عددالزوار : 30508 )           »          معارك حاسمة في تاريخ الإسلام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 12 - عددالزوار : 1562 )           »          فقد قيل ... ! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          البطالة مسئولية الجميع (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          سبق الحاج! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          فضل التسبيح بالأصابع وأذكار الصباح والمساء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          تخريج حديث: إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          تأملات في قوله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          حديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          النهي عن الجلوس في الطرقات (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16-11-2021, 10:03 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 83,215
الدولة : Egypt
افتراضي آبـاء وأبــناء في القــــــرآن الكـــريـــم

آبـاء وأبــناء في القــــــرآن الكـــريـــم


الشيخ سعيد بن عماش السعيدي





نوح - عليه السلام - وابنه
إن قصة نوح - عليه السلام - فيها الدروس والعبر من جميع نواحي الحياة، فيها الحكمة وفيها الصبر وحسن العرض للدعوة والشفقة، والالتجاء لله تعالى، بل كلها عظات، وقد حظي أقرب الناس إليه بعناية خاصة وهو ابنه {يا بني اركب معنا} فنلاحظ هذا التلطف مع الولد العاق يتدفق من قلب العبد الشكور، عليه السلام.

وقد وردت قصته - عليه السلام - في العديد من السور، وله سورة سميت باسمه في القرآن الكريم، ويعد نوح - عليه السلام - أول الرسل - عليهم السلام - وأول أولي العزم منهم، ويعد أطول الأنبياء عمراً في مسيرة الدعوة إلى الله، وقد ذكر ابن جرير الطبري - رحمه الله تعالى - أن مولده كان بعد وفاة آدم - عليه السلام - بمائة وست وعشرين سنة، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على الإسلام، وقد بعثه الله تعالى رحمة للعباد، لما انحرف الناس عن الفطرة السوية وعبدوا الأصنام.

هذا وقد جاء عن جابر في حديث الشفاعة الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - تقرير أن نوحا هو أول المرسلين؛ فقد ورد في الحديث «أن الناس يأتون آدم - عليه السلام - ثم يأتون نوحا، فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبدا شكورا، ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما بلغنا؟! ألا تشفع لنا إلى ربك - عز وجل؟! فيقول: ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، نفسي نفسي...» وذكر تمام الحديث بطوله كما رواه البخاري في قصة نوح - عليه السلام.

والآن مع ما ذكره الله تعالى عن ذلك العبد الشكور مخلدا ذكره في الكتاب العزيز:

قال تعالى: {وهي تجري بهم في موج كالجبال} (هود: 42).

وصف للحالة مرعب مخيف، السفينة تجري، أين تجري؟ يا إلهي! تجري في الأمواج التي تتقاذفها وقد وصفت لعظمتها بأنها كالجبال الشامخات.

جاء في «أضواء البيان»: ذكر الله تعالى في هذه الآية أن السفينة تجري بنوح ومن معه في ماء عظيم أمواجه كالجبال، وبين جريانها هذا في ذلك الماء الهائل في مواضع أخرى؛ قال تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية} (الحاقة: 11).

وقوله تعالى: {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر} (القمر: 11 - 12).

إن الهول هنا هولان: هول في الطبيعة الصامتة التي تفجرت بعنف، وهول في النفس البشرية وقد التقيا.

وفي هذه اللحظة الرهيبة الحاسمة يبصر نوح فإذا أحد أبنائه يصارع الأمواج؛ فيثور في كيانه حنان الأبوة الملهوفة.. ويروح يهتف بالولد الشارد؛ قال تعالى: {ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين} (هود: 42).

جاء في «فتح القدير» (2/654): هو كنعان، قيل: وكان كافرا، واستبعد كون نوح ينادي من كان كافرا مع قوله تعالى: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} (نوح: 26)، وأجيب بأنه كان منافقا فظن نوح أنه مؤمن، وقيل: حملته شفقة الأبوة على ذلك. ولكن البنوة العاقة لا تهتم بصياح الأبوة المجروحة: {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} (هود: 43).

ثم هاهي ذي الأبوة المدركة لحقيقة الهول وحقيقة الأمر وأن العذاب فريد من نوعه، ترسل النداء الأخير: {قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} (هود: 43) وفي لحظة يتغير المشهد، فهاهو ذا الموج يبتلع كل شيء: {وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} (هود: 43)، سكن الهول واختفى كل شيء واستوت على الجودي، مرة أخرى تستيقظ في نفس نوح آلام الوالد المفجوع، وعظيم ظنه بربه: {ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي} (هود: 45) أطلقها يستنجز ربه وعده في نجاة أهله، وهذا منهج الرسل - عليهم السلام - في الالتجاء إلى الله كما فعل محمد [ يوم بدر، وأيوب، وزكريا، ويونس، عليهم السلام.

قال الله تعالى: {وكان في معزل يا بني اركب معنا} (هود: 42).

قال القرطبي - رحمه الله تعالى-: {في معزل} أي: من دين أبيه، وقيل: من السفينة، وقيل: إن نوحا لم يعلم إن كان ابنه كافرا وأنه ظن أنه مؤمن؛ ولذلك قال له: {ولا تكن مع الكافرين} (هود: 42) ا. هـ.

قلت: كذلك قول نوح - عليه السلام -: {إن ابني من أهلي}؛ فلو علم بكفره لم يقر به لنفسه {من أهلي}؛ لأن رباط الدين أوثق وأعظم، وهذا ليس خفيا على نوح، وفيه سر آخر أن السرائر لا يعلمها إلا رب العالمين؛ لا نبي مرسل ولا ملك مقرب.

قوله تعالى: {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} (هود: 43).

قال أهل التفسير: أي أرجع وأنضم إلى جبل يمنعني من الماء فلا أغرق، واعتقد أن الطوفان لن يبلغ إلى رؤوس الجبال، فقال له أبوه نوح - عليه السلام -: إن هذا العذاب شديد فريد في نوعه؛ قال تعالى: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} (هود: 43).


جاء في «بدائع التفسير» 2/430): على أصح الوجوه في الآية فإنه تعالى لما ذكر العاصم استدعى معصوما مفهوما من السياق فكأنه قيل: لا معصوم اليوم من أمره إلا من رحمه؛ فإنه لما قال: {لا عاصم} بقي الذهن طالبا للمعصوم؛ فكأنه قيل: فمن الذي يُعْصَم؟ فأجيب بأنه لا يعصم إلا من رحمه الله تعالى، ودل هذا اللفظ باختصاره وجلالته وفصاحته على نفي كل عاصم سواه وعلى نفي كل معصوم سوى من رحمه الله تعالى؛ فدل الاستثناء على أمرين: على المعصوم من هو، وعلى العاصم، وهو ذو الرحمة سبحانه وتعالى، وهذا من أبلغ الكلام وأفصحه وأوجزه، ولا يلتفت إلى ما قيل في الآية بعد ذلك. ا هـ.

قوله تعالى: {وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} (هود: 43).

وفي لحظة خاطفة يتغير المشهد، فهاهو ذا الموج الغامر يبتلع كل شيء من غير رحمة، ويقطع الرجاء وتختفي المعالم وتلتهب اللوعة والجزع فتحل في قلب الوالد الملهوف، وإذا به ينادي ربه: {ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي} (هود: 45).

قالها يستنجز ربه وعده في نجاة أهله، أي الذين وعدت أن تنجيهم من الغرق، وسأل نوح ربه نجاة ولده لقوله تعالى: {وأهلك إلا من سبق عليه القول} (هود: 40)، وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ومن معي من المؤمنين وإن وعدك الحق الذي لا خلف فيه أبدا، فأجابه تعالى بقول فصل لا مجاملة ولا مدارة فيه، بقوله: {إنه ليس من أهلك} (هود: 46)، أي: الذين وعدتك بإنجائهم؛ لأنه على غير دينك وعلى خلاف منهجك {إنه عمل غير صالح} (هود: 46).

وجاء الرد بالحقيقة الكبرى، الأهل عند الله وفي دينه ليسوا قرابة الدم، وإنما هم قرابة العقيدة والتوحيد وهي العروة الوثقى التي يتعلق بها الناجون، وهذا الابن لم يكن مؤمنا، في علم الله المطلق؛ فليس إذن من أهلك يا نوح.

سمع نوح - عليه السلام - هذا الرد في قوته وتوكيده وهو يشبه العتب على نوح - عليه السلام -: {قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} (هود: 46). وقد روي عن ابن عباس وعروة وعكرمة وغيرهم: {إنه عَمِلَ غَيْرَ صالحٍ} (هود: 46)، أي: ابنك عمل عملا غير صالح، فحذف المضاف كقول الشاعر:

ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت

فإنما هي إقبال وإدبار

أي: ذات إقبال وإدبار.

قوله تعالى: {فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} (هود: 46)، فوعد الله قد تحقق، ونجا أهلك الذين هم أهلك على التحقيق، أهل الدين والعقيدة.

{إني أعظك} أي: أنهاك {أن تكون من الجاهلين} فتسألني ما ليس لك به علم، فقال العبد الشكور نوح - عليه السلام -: {رب} أي: يا رب {إني أعوذ بك} أي: أستجير وأتحصن بك أن أسألك بعد الآن {ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} أي الذين ظلموا أنفسهم، فأدركت رحمة الله نوحا، تطمئن قلبه، وتباركه هو والصالح من نسله؛ فأما الآخرون فيمسهم عذاب أليم.


وسمع النداء المسلّي الشافي بعد كل تلك الكروب التي صاحبت ذلك الحدث العظيم «الطوفان»؛ حيث كان ذلك مفزعا له في جنانه وأركانه فإذا به يسمع: {قيل يا نوح اهبط بسلام منا...} (هود: 43).

وكانت خاتمة المطاف: البشرى من الله لأوليائه وعبيده، والتهديد والعذاب الموعود للمخالفين، ثم يسدل الستار على هذه القصة العظيمة التي جاءت فصولها بصدق في كتاب ربنا دروسا للحاضرين والغائبين، والحمد لله رب العالمين.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21-11-2021, 07:23 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 83,215
الدولة : Egypt
افتراضي رد: آبـاء وأبــناء في القــــــرآن الكـــريـــم

آباء وأبناء في القرآن الكريم يعقـوب ويوسف عليهمـا السلام


الشيخ سعيد بن عماش السعيدي




إذا عرف الإنسان ربه واتقاه واقتدى بالنبي صلى اللـه عليه وسلم نال التوفيق والصلاح في كل شيء






قوله تعالى: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} (البقرة: 132)، قال الشوكاني رحمه الله تعالى: {ووصى بها} راجع إلى الملة، أي وصى أولاده بهذا الدين القيم والملة السمحة. {ويعقوب} معطوف على إبراهيم، أي: وأوصى يعقوب بنيه، كما أوصى إبراهيم بنيه.



قلت: نلاحظ الموقف التربوي الذي يحمل بين طياته حسن الخطاب والتودد واللين الذي صدر من يعقوب عليه السلام، وهو في حالة الموت؛ حيث استغل ذلك الموقف عندما لانت قلوب الأبناء، ومُلئت شفقة على الوالد الذي يصارع الموت، فالنفوس مستعدة لسماع النصيحة الأخيرة وإذا هو يطلقها بثبات وعزيمة وصدق، حيث الآن لا مدارات ولا لين: {يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (البقرة: 132).

ومما لا شك فيه أن يعقوب عليه السلام قد ناصح أولاده قبل ذلك وهم من الذرية المباركة الصالحة، وهذا الموقف يشد أذهاننا إلى هذه القضية، فالاهتمام بالأبناء والتواصل معهم في التناصح والتوجيه المستمر حتى وإن كانوا كبارا في السن أمر لا غنى عنه.

< تصوير للموقف من جانب آخر:

قوله تعالى: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} (البقرة: 133).

ذكر أهل التفسير - رحمهم الله - أن الخطاب لليهود والنصارى الذي ينسبون إلى إبراهيم ما لم يوص به بنيه، وأنهم على اليهودية والنصرانية، فرد الله عليهم قولهم وكذبهم وقال لهم على جهة التوبيخ: أشهدتم يعقوب وعلمتم بما وصى فتدعون عن علم؟! أي لم تشهدوا، بل أنتم تفترون.

قوله تعالى: {ما تعبدون من بعدي} أي بعد موتي، وحُكي أن يعقوب عليه السلام حين خُيّر كما تخير الأنبياء، اختار الموت وقال: أمهلوني حتى أوصي بني وأهلي، فجمعهم وقال لهم هذا، فاهتدوا وقالوا: {نعبد إلهك}، فأروه ثبوتهم على الدين ومعرفتهم بالله تعالى.

قلت: فزاد اطمئنانه وقرت عينه بهذا الجواب الكافي، ويظهر لنا جليا الحرص على الذرية كي تصبح صالحة تكمل المسيرة بعد الممات، كما جاء في حديث الرسول[ عن أبي هريرة] أن رسول الله [ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم.

مواقف تربوية:

1. أهمية الوصية في حياة المسلم وأنها من هَدي الرسل والأنبياء عليهم السلام ومنهم محمد [.

2. أهمية التودد واللين في عرض الموضوع: {يا بني}.

3. مراعاة الوقت المناسب في عرض النصيحة حتى في الأيام الأخيرة.

4. ترتيب الأمر حسب الأهمية في التوجيه، ونلاحظ ذلك في {ما تعبدون من بعدي} حين قدم الجانب التعبدي على الجوانب الأخرى.

5. على الأبناء النجباء طمأنة الوالدين في حالة سيرهم على الطريق المستقيم، ونلحظ ذلك في قول تلك الذرية المباركة: {نعبد إلهك وإله آبائك}، وفي هذا ثبات على الجادة.

6. عدم اليأس من روْح الله في حالة الشدائد والكروب وإن كبرت في عيون الناس.

7. بث روح التفاؤل في الأبناء وعدم اليأس والقنوط.

وإن هذا الكون فيه من المسرات ما يكون سببا في سعادة الدارين، فإذا عرف الإنسان ربه واتقاه واقتدى بسيرة سيد الثقلين [ حصل له التوفيق والصلاح في كل شيء.

قول الله تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين} (يوسف: 4-5).

يعقوب عليه السلام، كان له من البنين اثنا عشر ولدا ذكرا، وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم، وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام.

روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله [ قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب ابن إسحق بن إبراهيم».

قال المفسرون: عندما رأى يوسف عليه السلام وهو صغير هذه الرؤيا، ذهل من ذلك فلما استيقظ قصها على أبيه، فأولها أبوه بأنه سينال منزلة عالية في الدنيا والآخرة، فأمره بكتمانها وألا يقصها على إخوته؛ كي لا يحسدوه.

قلت: وهذا موقف تربوي يجب التنبه إليه؛ ففي قوله تعالى: {قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب} (يوسف: 13)، توجس من الوالد الحنون وقد وقع ما كان يخاف؛ قال تعالى: {وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} (يوسف: 18).

وفي قوله تعالى: {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} (يوسف: 86-87)، توجيه تربوي عملي سمعه الأبناء من الأب الحزين حين رفع شكواه إلى مولاه وكله ثقة به، وعدم يأس من رحمته، سمع ذلك أولئك الذين هم الفاعلون لذلك الفعل الشنيع الذي أزعج الشيخ الكبير، لكنه لم يصارحهم بذلك؛ حفاظا على ما تبقى وخوفا من شتات الأسرة، وفي ذلك درس في عدم التسرع واتخاذ القرار في الحال.

فوائد في قصة يوسف عليه السلام

1. الابن النجيب يعرض على والده رؤيا أذهلته وكذلك يكون كل ابن بار قريبا من والده يشاكيه في أموره كلها، لأخذ الخبرة من تجاربه، قال تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه} (يوسف: 4).

2. تخوف الوالد وخبرته في الحياة ظهرت {يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا} (يوسف: 5).

3. لم يسلم أحد من وسوسة الشيطان حتى الرسل عليهم السلام مع علو مكانتهم؛ فحري بمن دونهم أخذ الحذر والحيطة.

4. الأحكام السريعة لها مضرة في بعض الأوقات؛ فالتريث يكون محمود العواقب، «لم يصارح الأبناء بالفعلة الشنيعة».

5. لا يأمن من الفتنة أحد وإن كبر شأنه وظهر صلاحه.

6. هَمُّ الدين والدعوة إليه كان في دم وروح يوسف عليه السلام؛ قال تعالى: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} (يوسف: 39).

7. التسامح من الصفات الحميدة؛ فهاهو ذا يصفح عمن أساء إليه: {لا تثريب عليكم}.

8. الله تعالى يصرف عن أوليائه وسوسة الشيطان ويجيب دعاءهم {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن} (يوسف: 33).


9. إن بعض القصور عالية البنيان تكون مظنة الفساد.

10. بعد انتهاء تلك الفصول في حياته علم أن البقاء لله وحده؛ فأطلق ذلك الدعاء العظيم المقرون بشكر النعمة والفضل، قال تعالى: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين} (يوسف: 101).











__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 24-11-2021, 10:52 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 83,215
الدولة : Egypt
افتراضي رد: آبـاء وأبــناء في القــــــرآن الكـــريـــم

آباء وأبناء في القرآن الكريم إبراهيـم عليه السـلام (1)



الشيخ سعيد بن عماش السعيدي


إن الحديث هنا عن خليل الرحمن عليه السلام بوصفه أباً عظيماً، وأخذ العبر والدروس والتوجيهات من تلك الشخصية الفذة النادرة، وما صدر عنها من تلك الدعوات الحارة الممزوجة بالعطف والحنان، حين أطلقها من أجل تلك الذرية، فأصلحها الله بصدق مطلقها عليه السلام، فحقا قولك يا رب: {إن إبراهيم كان أمة}؛ حيث نرى تلك الخلجات في سيرته التربوية المباركة في أكثر من موضع ما بين تضرع ودعاء، وذلك منهجٌ سار عليه إبراهيم الخليل طوال حياته، فيا ليت الأمة والجماعات والأفراد تدرس ذلك وتسلكه ونستفيد منه.
وأول ذلك الغيث أن الله تعالى جعله إماما وقدوة للعالمين، وما كان ذلك إلا بعد توفيق الله تعالى له، وأنه كان ذا قلب سليم اختاره الله واجتباه على العالمين؛ قال تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} (النحل: 120-121)، وقال تعالى: {وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم} (الصافات: 83-84).
ونلاحظ عددا من المحاور التربوية ارتكزت عليها دعوته بعد اختيار الله تعالى له:
طلبه المزيد من فضل الله ومن الذرية الصالحة التي تحمل هم هذا الدين إلى يوم القيامة
قال الله تعالى: {قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} (البقرة: 124-126).
وقال الله تعالى: {رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم} (الصافات: 100-101).
وقال الله تعالى: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق إن ربي لسميع الدعاء} (إبراهيم: 39).
إنه عليه السلام طلب إلى ربه عز وجل عند هجرته من موطنه وقومه، أولادا صالحين يعينونه على الدعوة والطاعة ويؤنسونه في الغربة؛ قال تعالى: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين. رب هب لي من الصالحين}.
قال الله تعالى: {ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا} (الأنعام: 84).
وقال الله تعالى: {فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحق يعقوب} (هود: 71).
قال أهل التفسير في قوله تعالى: {هب لي من الصالحين} يريد الولد؛ لأن لفظ الهبة غلب في الولد، ووُصف بأنه من الصالحين؛ لأن نعمة الولد تكون أكمل إذا كان صالحا؛ فإن صلاح الأبناء قرة عين الوالدين. ولا خير في الأولاد إن لم يكونوا صالحين، فربما كان الولد مصدر شقاء وهم وحزن، نسأل الله من فضله العظيم، صلاحا في النية والذرية.الخوف من الشرك
تجد في سيرة إبراهيم الخليل عليه السلام أنه سأل ربه تعالى أن يحفظه وبنيه من عبادة الأصنام؛ قال تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} (إبراهيم: 35-36).
قال الشيخ السعدي- رحمه الله تعالى-في تفسيره: أي اجعلني وإياهم جانبا بعيدا من عبادتها والإلمام بها؛ فما أشد خوف خليل الرحمن على نفسه وعلى أولاده من الوقوع في عبادة الأصنام؛ لأن ذلك شرك بالله العظيم، مخرج من الملة، وله صور خبيثة: كالذبح، والنذر، والخوف، والتعلق بالأشجار والأحجار والشياطين، فخاف الخليل عليه السلام، وهو من هو في الإمامة وصلاح أبنائه!
قال القرطبي- رحمه الله تعالى-: «ما أروع ما قاله الشيخ إبراهيم التيمي -رحمه الله تعالى-: من يأمن البلاء بعد الخليل عليه السلام حين يقول: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} كما عبدها قومه؟! قال تعالى محذرا من الشرك: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق}».
وقال ابن كثير في تفسيره: «ينبغي لكل داع أن يدعوَ لنفسه ولوالديه وذريته».
قلت: وما أكثر صور الشرك اليوم التي تغافل عنها أولياء الأمور، ومنها تعليق التمائم والودع والذهاب إلى العرافين والذبح والنذر لغير الله، وبعض الممارسات التي تؤدي إلى الخروج من الملة عياذا بالله العظيم.
أهمية الصلاة في منهج الخليل عليه السلام
ومما نجده في سيرة الخليل عليه السلام، أنه كان شديد الاهتمام بأن تكون ذريته من مقيمي الصلاة، وذلك عندما أسكن تلك الذرية المباركة عند البيت العتيق؛ قال تعالى: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة} (إبراهيم: 37).
إنه عليه السلام دعا ربه عز وجل أن يجعله وذريته مقيمين للصلاة.
وقال تعالى: {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء} (إبراهيم: 40).
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «{رب اجعلني مقيم الصلاة} أي محافظا عليها مقيما لحدودها، {ومن ذريتي} أي واجعلهم كذلك مقيمين لها» ابن كثير (2/295).
قلت: ومما يجب التنبيه عليه في هذا المقام أن الخليل عليه السلام، دعا مولاه واتخذ الأسباب. وكذلك محمد [ أمر بأَمْر أهله بالصلاة؛ قال عز وجل: {وأُمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} (طه: 132).
وعلى هذا المنهج وجه الرسول [ الأمة إلى أهمية الصلاة، فقال: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع»، فعلى الآباء والأمهات، ومن له ولاية على صغير الاهتمام بهذا الجانب، وأن يكون إبراهيم عليه السلام ومحمد [ قدوة ومثالا يحتذى؛ فإن التربية عليها في الصغر تكون ذات فعالية عند البلوغ والكبر؛ حيث تعظم في نفسه من اهتمام الأهل بها، فالصغار يلحظون كثيرا ويفعلون ما نفعله تقليدا، وهذا مشاهد في الأسر التي تحافظ على الصلوات أنهم يحاكون.
فدعونا ننبت تلك البذرة الطيبة «الصلاة» في تلك القلوب الطاهرة الزكية بالتربية الصالحة.
غبطة الخليل عليه السلام بهذه الملة له ولذريته
نجد في سيرته عليه السلام أنه دعا ربه عز وجل أن يجعله وذريته أمة مسلمة منقادة لله تعالى، نلحظ ذلك في قوله تعالى: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} (البقرة: 128).
قال الشيخ السعدي -رحمه الله تعالى- في تفسيره: «ودعوا لأنفسهما وذريتهما بالإسلام الذي حقيقته خضوع القلب، وانقياده لربه، المتضمن لانقياد الجوارح»، قلت: قال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران: 19)، فهو المرضي عند رب العالمين، فمن الواجب توطين أنفسنا وذريتنا على الانقياد والسمع والطاعة والفخر والاعتزاز به، فما أعظمه من دعاء! إن الإسلام نعمة جليلة القدر، قد امتن الله تعالى بها على الناس قال تعالى: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} (الحجرات: 17).
قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة: 3).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26-11-2021, 11:01 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 83,215
الدولة : Egypt
افتراضي رد: آبـاء وأبــناء في القــــــرآن الكـــريـــم

آباء وأبناء في القرآن الكريم -الخليل عليه السلام يدعو الله أن يكون معلمهم منهم


الشيخ سعيد بن عماش السعيدي




قال تعالى: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك} (البقرة: 129).

يرجو أن تتزكى هذه الذرية، وأن يكون منهم من يتعلم كتاب ربها كي ينفع الآخرين. قال الشيخ السعدي -رحمه الله- في تفسير: {يتلو عليهم آياتك} لفظا وحفظا وتحقيقا، وقال القرطبي -رحمه الله تعالى-: «الحكمة» المعرفة بالدين والفقه في التأويل والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى، قال قتادة -رحمه الله تعالى-: «الحكمة» السنة وبيان الشرائع.

و: «يزكيهم» قال الشيخ السعدي -رحمه الله تعالى- في تفسيره: {ويزكيهم} بالتربية على الأعمال الصالحة، والتبرؤ من الأعمال الرديئة التي لا تزكو النفس معها.

وانظر إلى لطيفه ذكرها جمع من العلماء في قوله تعالى: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} فهذا الدعاء يدل على النضج والكمال الذي وصلت إليه هذه الذرية المباركة، وأنهم أهل لحمل رسالة ربهم تعالى وتكاليفه، وفي ذلك رفعة لشأنهم وعزتهم، وكونه منهم يكون أشفق عليهم وأرحم بهم.

قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} (الجمعة: 2).

وقال تعالى: {عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} (التوبة: 128).

وفي ذلك من الدروس أن يكون الخير الذي في أيدي الدعاة والمصلحين ألا يتعدى ذراريهم وأهليهم أولاً؛ قال [: «الأقربون أولى بالمعروف».

قال تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} (الشعراء: 214).

-وصية الخليل عليه السلام لذريته

ومما يستفيده المرء أنه -عليه السلام- وصاهم بالثبات على الدين حتى الممات؛ قال تعالى: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (البقرة: 132).

قلت: ومن المعلوم وعُرف في الطبع أنه لا تكون الوصية إلا بشيء ذي قيمة وله أثر في سلوك الفرد الموصى كي يزداد حرصه واهتمامه، وأي شيء أهم من الدين والملة؟!

لذلك أطلقها الخليل عليه السلام كي تدوي في الآفاق، «أذن وعلينا البلاغ»، فاستفاد منها أهل الغبراء قديما وحديثا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

-أهمية البيئة الصالحة

إبراهيم -عليه السلام- اهتم باختيار البيئة الصالحة لتلك الذرية المباركة، وقد جاء ذكر ذلك في قوله تعالى: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} (إبراهيم: 37).

فهو عليه السلام يهيئ المكان الصالح لتلك البذرة الصالحة، فلا يسكنهم في مكان يكثر فيه الفساد، بل بحث عن مكان يظهر فيه الخير وتفوز الفضيلة، فلا يرون إلا خيرا ولا يسمعون إلا خيرا، وهو بذلك يخط خطا في مراعاة الأمور الدينية قبل الدنيوية، ولكن بعض الناس لا يحفل بهذا المنهج الرباني، ويعتمد على الوسائل المادية، وقلما ينجو من السقوط في براثن المنكرات والفواحش بسبب تلك البيئات الفاسدة التي يرتع فيها المفسدون، ويجدون بغيتهم، فالناصح لنفسه وذريته يجب عليه الحرص على الأماكن الفاضلة كي تنمو الذرية بجو من الفضيلة، فالعجب ممن يُسكن أسرته في بعض الأماكن المشبوهة التي تحوم حولها الرذيلة، ويتمنى النجاة والصلاح!

أكل الحلال ودوره البارز

على عظم منزلة إبراهيم -عليه السلام- نلحظ اهتمامه بالأمور المعيشية التي تعين النشء على الكرامة والعفة، فها هو ذا يدعو لهم؛ قال تعالى: {وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} (إبراهيم: 37)، قال العلامة الشوكاني، رحمه الله تعالى: :{وارزقهم من الثمرات} أي: ارزق ذريتي الذين أسكنتهم هناك أو هم ومن يساكنهم من الناس من أنواع الثمرات التي تنبت فيه أو تجلب إليه.

وفي قوله تعالى: {الثمرات} تعريف الاستغراق، أي جميع الثمرات المعروفة، فهو يدعو لهم بالرفاهية التي تجعلهم يلتصقون بهذه الأرض المباركة مكة، وكذلك في قوله تعالى: {لعلهم يشكرون}.

- يقول الفخر الرازي: ذلك يدلّ على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، وكذلك نلاحظ اهتمام الخليل -عليه السلام- بالدعاء لابنه وأهله بالبركة فيما رزقوا؛ فقد روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال في رواية طويلة: إن إبراهيم -عليه السلام- جاء إلى بيت إسماعيل -عليه السلام- بمكة. ولم يكن ابنه موجودا، سأل زوجه عن عيشتهم وهيئتهم وكان مما سأل أن قال: «ما طعامكم؟» قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: «الماء»، قال: «اللهم بارك لهم في اللحم والماء»، وجاء في رواية أخرى أن إبراهيم -عليه السلام- قال: «اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم».

الأمن ودوره في الحياة

تجد في سيرة إبراهيم الخليل -عليه السلام- اهتمامه بالأمن؛ قال تعالى: {رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات} (البقرة: 126).

بيّن الشوكاني -رحمه الله تعالى- حكمة الابتداء بطلب الأمن، بقوله: «وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا».

هذا وقد استجاب الله تعالى لدعوة خليله عليه السلام، قال تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون} (العنكبوت: 67)، ويتجلى هذا كذلك في قول الرسول [: «من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا».

فعلى الوالدين الاهتمام بهذا الجانب، ولاسيما في حماية الأسرة والأولاد من الخلافات بين الزوجين أمام الأولاد؛ لأن هذا يؤثر على سلوكياتهم ويجعلهم ينحون إلى الهروب من تلك المنازعات، ويصيبهم بالخوف والهلع، وفي حالات يقعون بأيد فاسدة تزيد في بعدهم عن جادة الصواب.

فحل الخلافات في حجرات مغلقة أحسن وأفضل وأسلم؛ لكي يحصل الأمن والاطمئنان، فأحيانا الصغار لا يقدرون الأمور التقدير الصحيح، فيصيب أنفسهم خدش وما يخفونه أعظم مما يظهر فيما بعد على شكل سلوكيات عدوانية ضد كل شيء، بل أحيانا متمردة يصعب على الوالدين توجيهها إلى الصواب.

الخليل عليه السلام يسن قانوناً للبشرية في أهمية المشاورة

إنه لما أراد بناء الكعبة المشرفة أشرك معه إبنه إسماعيل عليه السلام في ذلك البناء؛ فقد روى الإمام البخاري رحمه الله عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، في حديث طويل: «ثم لبث (أي إبراهيم -عليه السلام-) عنهم ما شاء الله تعالى: (أي عن إسماعيل عليه السلام وزوجه) ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل -عليه السلام -يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك.

قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا - وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت - فجعل إسماعيل -عليه السلام- يأتي بالحجارة، وإبراهيم -عليه السلام- يبني. حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل -عليه السلام- يناوله الحجارة، وهما يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} (البقرة: 127)، قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}.

قلت: فما أجمل هذا المنظر! الابن الثمرة يساعد الوالد في بناء البيت العتيق تقربا لله تعالى.

فهل نحن دعونا أولادنا وأشركناهم في مثل هذه الأعمال الفاضلة؛ كي تتهذب أخلاقهم وسلوكياتهم عملا وليس قولا؟!

وكذلك قال تعالى: {فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} (الصافات: 102).

قال الحافظ ابن الجوزي «لم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر الله تعالى، لكن أراد أن ينتظر ما عنده من الرأي».

فحب الولد لم يمنع الخليل عليه السلام من طاعة الله تعالى، وخاصة عندما نضج الغلام وهو أحب ما يكون عند الوالد عادة.

وقال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {فلما بلغ معه السعي}: «أي أدرك أن يسعى معه وبلغ سنا يكون في الغالب أحب ما يكون لوالديه، قد ذهبت مشقته، وأقبلت منفعته» (770). ورغم ذلك كله كان دور الخليل عليه السلام الاستسلام الكامل لأمر مولاه عز وجل بلا تأويل ولا تردد، وجاء بيان ذلك في قول الحق تعالى: {فلما أسلما وتله للجبين} (الصافات: 103)، قال أهل التفسير: {فلما أسلما}: استسلما لأمر الله، أو سلّم الذبيح نفسه وإبراهيم ابنه. {وتله للجبين}: صرعه على شقه فوقع جبينه على الأرض.

قلت: الله أكبر، موقف ما أشده وأصعبه على النفس! لكن {الله أعلم حيث يجعل رسالته} (الأنعام: 124).

وإذا بالفرج يكون أسرع من البرق: «{أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} (الصافات: 104-105)، {وفديناه بذبح عظيم} (الصافات: 107)، فالتفت إبراهيم عليه السلام فإذا هو بكبش أبيض أعين كما روي في عدد من الآثار.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 07-12-2021, 11:24 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 83,215
الدولة : Egypt
افتراضي رد: آبـاء وأبــناء في القــــــرآن الكـــريـــم

آباء وأبناء في القرآن الكريم- الخليل عليه السلام -المحبة ونشر الدعوة


الشيخ سعيد بن عماش السعيدي



الخليل عليه السلام يدعو الله أن تكون ذريته محبوبة لدى الناس؛ قال تعالى: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} (إبراهيم: 37).

قال الشيخ السعدي -رحمه الله تعالى- في تفسيره: {تهوي إليهم}: تحنّ إليهم، وقال قتادة: تنزع إليهم، وقال الفراء: «تريدهم» (4/367).

وقد علم الخليل عليه السلام أنه لا تكون المحبة في قلوب الخلق لهم إلا بطاعة الله تعالى، حين تجلب تلك المحبة قلوب الخلائق وتربطها بتلك الشخوص الطائعة التي تمشي على الأرض؛ كما في حديث جبريل عليه السلام المعروف من حديث أبي هريرة ] عن النبي [ قال: «إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل: إن الله تعالى يحب فلاناً فأحبه؛ فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: أن الله يحب فلاناً فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض.

وهنا عبر لا يمكن أن تصورها المشاعر والأقلام من خوف سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام أن تكون ذريته، مكروهة في الأرض مفسدة مؤذية للخلق. ومع الأسف فإن بعض الناس لا يعير ذلك اهتماماً، بل عنايته بالمأكل والمشرب، ومطالب الدنيا غايته السامية ومبلغ علمه؛ فضعُف الجانب التربوي، وضاعت الغاية من الخلق عند كثير من الناس إلا من رحم ربك، فنسأل الله لنا ولكم ذرية طيبة.

أدب الابن مع أبيه

قوله تعالى: {يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك} (مريم: 43).

قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: «وفي هذا من لطف الخطاب ولينه، ما لا يحفي، فإنه لم يقل: يا أبت، أنا عالم وأنت جاهل، أو ليس عندك من العلم شيء؟ وإنما أتى بصيغة أن عندي وعندك علماً، وإن الذي وصل إلي لم يصل إليك ولم يأتك؛ فينبغي لك أن تتبع الحجة وتنقاد لها.

قلت: أسلوب غاية في الأدب والاحترام لمكانة الأبوة، فيا ليت بعض شبابنا اليوم يعتني بهذا الأسلوب في دعوته لأقرب الناس إليه.

قوله تعالى: {يا أبت لا تعبد الشيطان} {مريم: 44)؛ لأن من عبد غير الله فقد عبد الشيطان، كما قال تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} (يس: 60).

قوله تعالى: {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن} (مريم: 45): «أي إن مت على ما أنت عليه، ويكون «أخاف» بمعنى: أعلم، ويجوز أن يكون «أخاف» على بابها؛ فيكون المعنى: إني أخاف أن تموت على كفرك فيمسك العذاب، {فتكون للشيطان ولياً} (مريم: 45) أي قريناً في النار».

قال السعدي رحمه الله: «فتدرج الخليل عليه السلام بدعوة أبيه، بالأسهل فالأسهل، فأخبره بعلمه وأن ذلك موجب لاتباعك إياي، وأنك إن اتبعتني أهدك إلى الصراط المستقيم، ثم نهاه عن عبادة الشيطان، وأخبره بما فيها من المضار، ثم حذره عقاب الله ونقمته إن أقام على حاله، وأنه يكون ولياً للشيطان، فلم ينجح هذا الدعاء بذلك الشقي، فأجاب بجواب جاهل وقال: {أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم} (مريم: 46) فتبجح بآلهته التي هي من الحجر والأصنام، ولام إبراهيم على رغبته عنها، وهذا من الجهل» ا. هـ.

ومما يستفاد من المواقف السابقة:

1- تقديم أمر الله تعالى ومحبته على كل أمر، كان ذلك عند الخليل عليه السلام والابن إسماعيل عليه السلام على حد سواء.

2- الرضا بما قسم الله تعالى في الأمور كلها مع ظاهر مشقتها.

3- الهمة العالية عند الخليل عليه السلام والعزيمة في الأمر.

4- التربية العالية المثالية لإبراهيم الخليل عليه السلام.

5- المشاورة ودورها في إيضاح الصورة وتجلية الغامض منها؛ كي يكون القرار صواباً، وهذا خلاف ما عليه بعض الآباء فإنهم لا يعرفون إلا إصدار الأوامر وإلقاء التعليمات؛ مما يجعل الأبناء في حيرة من أمرهم فيصدر منهم ما لا تحمد عقباه فيقعون في بعض المخالفات مرة أخرى.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 25-01-2022, 08:42 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 83,215
الدولة : Egypt
افتراضي رد: آبـاء وأبــناء في القــــــرآن الكـــريـــم

آباء وأبناء في القرآن الكريم

-يعقوب ويوسف عليهما السلام



الشيخ سعيد بن عماش السعيدي




قوله تعالى: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} (البقرة: 132).





قال الشوكاني رحمه الله تعالى: {ووصى بها} راجع إلى الملة، أي وصى أولاده بهذا الدين القيم والملة السمحة.



{ويعقوب} معطوف على إبراهيم أي: وأوصى يعقوب بنيه، كما أوصى إبراهيم بنيه.

قلت: نلاحظ الموقف التربوي الذي يحمل بين طياته حسن الخطاب والتودد واللين الذي صدر من يعقوب عليه السلام وهو في حالة الموت، حيث استغل ذلك الموقف عندما لانت قلوب الأبناء، ومُلئت شفقة على الوالد الذي يصارع الموت، فالنفوس مستعدة لسماع النصيحة الأخيرة وإذا هو يطلقها بثبات وعزيمة وصدق، حيث الآن لا مداراة ولا لين: {يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (البقرة: 132).







ومما لا شك فيه أن يعقوب عليه السلام قد نصح أولاده قبل ذلك وهم من الذرية المباركة الصالحة، وهذا الموقف يشد أذهاننا إلى هذه القضية فالاهتمام بالأبناء والتواصل معهم في التناصح والتوجيه المستمر حتى وإن كانوا كباراً في السن أمر لا غنى عنه.



- تصوير للموقف من جانب آخر:

قوله تعالى: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} (البقرة: 133).

ذكر أهل التفسير رحمهم الله أن الخطاب لليهود والنصارى الذين ينسبون إلى إبراهيم ما لم يوص به بنيه، وأنهم على اليهودية والنصرانية، فرد الله عليهم قولهم وكذبهم وقال لهم على جهة التوبيخ: أشهدتم يعقوب وعلمتم بما وصى فتدعون عن علم؟! أي لم تشهدوا، بل أنتم تفترون.

قوله تعالى: {ما تعبدون من بعدي} أي بعد موتي، وحكي أن يعقوب عليه السلام حين خُيّر كما تخير الأنبياء، اختار الموت وقال: أمهلوني حتى أوصي بني وأهلي فجمعهم وقال لهم هذا، فاهتدوا وقالوا: {نعبد إلهك} فأروه ثباتهم على الدين ومعرفتهم بالله تعالى.

قلت: فزاد اطمئنانه وقرت عينه بهذا الجواب الكافي، ويظهر لنا جلياً الحرص على الذرية كي تصبح صالحة تكمل المسيرة بعد الممات كما جاء في حديث الرسول [ عن أبي هريرة ] أن رسول الله [ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم.

- مواقف تربوية:

1 - أهمية الوصية في حياة المسلم وأنها من هَدْيِ الرسل والأنبياء عليهم السلام ومنهم محمد [.

2 - أهمية التودد واللين، في عرض الموضوع. {يا بني إن الله اصطفى لكم الدين}.

3 - مراعاة الوقت المناسب في عرض النصيحة حتى في الأيام الأخيرة.

4 - ترتيب الأمور حسب الأهمية في التوجيه ونلاحظ ذلك في {ما تعبدون من بعدي} حين قدم الجانب التعبدي على الجوانب الأخرى.

5 - على الأبناء النجباء طمأنة الوالدين في حالة سيرهم على الطريق المستقيم، «نلحظ ذلك في قول تلك الذرية المباركة»: {نعبد إلهك وإله آبائك} ففيه ثبات على الجادة.

6 - عدم اليأس من روح الله في حالة الشدائد والكروب وإن كبرت في عيون الناس.

7 - بث روح التفاؤل في الأبناء وعدم اليأس والقنوط.

وإن هذا الكون فيه من المسرات ما يكون سببا في سعادة الدارين.

فإذا عرف الإنسان ربه واتقاه واقتدى بسيرة سيد الثقلين حصل له التوفيق والصلاح في كل شيء.

قول الله تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبتِ إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين قال يا بني لا تقصص رُؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين} (يوسف: 4 - 5).

يعقوب عليه السلام كان له من البنين اثنا عشر ولداً ذكراً، وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام.

روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله [ قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم».

قال المفسرون: عندما رأى يوسف عليه السلام وهو صغير هذه الرؤيا، ذهل من ذلك فلما استيقظ قصها على أبيه، فأولها أبوه أنه سينال منزلة عالية في الدنيا والآخرة؛ فأمره بكتمانها وألا يقصها على إخوته، كي لا يحسدوه.

قلت: وهذا موقف تربوي يجب التنبه إليه ففي قوله تعالى عن يعقوب: {قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب} (يوسف: 13)، توجس من الوالد الجنون وقد وقع ما كان يخافه قال تعالى: {وجاؤوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} (يوسف: 18).

وفي قوله تعالى: {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} (يوسف: 86 - 87).

توجيه تربوي عملي سمعه الأبناء من الأب الحزين حين رفع شكواه إلى مولاه وكله ثقة به وعدم يأس من رحمته، سمع ذلك أولئك الذين هم الفاعلون لذلك الفعل الشنيع الذي أزعج الشيخ الكبير، لكنه لم يصارحهم بذلك حفاظاً على ما تبقى وخوفا من شتات الأسرة، وفي ذلك درس في عدم التسرع واتخاذ القرار في الحال.

- فوائد في قصة يوسف

1 - الابن النجيب يعرض على والده رؤيا أذهلته، وكذلك يكون كل ابن بار قريبا من والده يشاكيه في أموره كلها لأخذ الخبرة من تجاربه؛ قال تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه...} (يوسف: 4).

2 - تخوف الوالد وخبرته في الحياة ظهرت {يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} (يوسف: 5).

3 - لم يسلم أحد من وسوسة الشيطان حتى الرسل عليهم السلام مع علو مكانتهم فحريّ بمن دونهم أخذ الحذر والحيطة.

4 - الأحكام السريعة لها مضرة في بعض الأوقات فالتريث يكون محمود العواقب، فلم يصارح الأب الأبناء بالفعلة الشنيعة.

5 - لا يأمن من الفتنة أحد وإن كبر شأنه وظهر صلاحه.

6 - هم الدين والدعوة إليه كان في دم وروح يوسف عليه السلام؛ قال تعالى: {يا صاحبي السجن أأَرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} (يوسف: 39).


7 - التسامح من الصفات الحميدة، فها هو يصفح عمن أساء إليه {لا تثريب عليكم}.

8 - الله تعالى يصرف عن أوليائه وسوسة الشيطان ويجيب دعاءهم: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن} (يوسف: 33).

9 - إن بعض القصور عالية البنيان تكون مظنة الفساد.

10 - بعد انتهاء تلك الفصول في حياته علم أن البقاء لله وحده؛ فأطلق ذلك الدعاء العظيم المقرون بشكر النعمة والفضل، قال تعالى على لسان يوسف: {ربِ قد آتيتني من المُلك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليِّي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين} (يوسف: 101).







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 14-02-2022, 10:38 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 83,215
الدولة : Egypt
افتراضي رد: آبـاء وأبــناء في القــــــرآن الكـــريـــم

آباء وأبناء في القرآن الكريم لقمـان عليـه السـلام


الشيخ سعيد بن عماش السعيدي


قال تعالى: {ولقد آتينا لقمان الحكمة} (لقمان: 12).


ذكر أهل التفسير أن اسمه لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارح، وقيل غير ذلك في اسم والده.

قال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسود من سودان مصر ذا مشافر، أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة، وقال القرطبي: وعلى هذا جمهور أهل التأويل إنه كان وليا ولم يكن نبياً، وقال بنبوته عكرمة والشعبي، وعلى هذا تكون الحكمة: النبوة، ورجحه القرطبي، قال: والصواب أنه كان رجلاً حكيماً بحكمة الله تعالى، وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدين والعقل.

وروي من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله [ يقول: «لم يكن لقمان نبياً ولكن كان عبداً كثير التفكر حسن اليقين، أحب الله تعالى فأحبه، فمنّ عليه بالحكمة».

قوله تعالى: {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه} (لقمان: 13).

ذكر أهل التفسير أن اسم ابنه ثاران وأنه كان كافراً، فما زال يعظه حتى أسلم، قال القرطبي وغيره: دل على هذا قوله: {لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان: 13)، وفي (صحيح مسلم) وغيره عن عبدالله بن مسعود قال: لما نزلت: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} (الأنعام: 82)، شق ذلك على أصحاب رسول الله [ وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله [ «ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان: 13).

واختلف في قوله: {إن الشرك لظلم عظيم} فقيل: إنه من كلام لقمان، وقيل: هو خبر من الله تعالى منقطع عن كلام لقمان، متصل به في تأكيد المعنى. قال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه} (لقمان: 14).

قال أهل التفسير: هاتان الآيتان اعتراض بين أثناء وصية لقمان، وقيل: إن هذا مما أوصى به لقمان ابنه وأخبر الله به عنه، قال لقمان لابنه: لا تشرك بالله ولا تطع في الشرك والديك؛ فإن الله وصى بهما في طاعتهما فيما لا يكون شركاً ومعصية لله تعالى. وقيل: أي فقلنا للقمان فيما آتيناه من الحكمة: ووصينا الإنسان بوالديه.

وقيل: وإذ قال لقمان لابنه لا تشرك ونحن وصينا الإنسان بوالديه حسناً وأمرنا الناس بهذا وأمر لقمان به ابنه. والصحيح أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص. وعليه جماعة من المفسرين.

{حملته أمه وهناً على وهن} (لقمان: 14).

قال أهل التفسير: لما خص تعالى الأم بدرجة ذكر الحمل وبدرجة ذكر الرضاع حصل لها بذلك ثلاث مرات، وللأب واحدة. وأشبه ذلك قول الرسول [ حين قال له رجل: من أبر؟ قال: «أمك»، قال ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: أبوك».

قوله تعالى: {وهنا على وهن} (لقمان: 14)، أي حملته في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفا على ضعف.

قوله تعالى: {وفصاله في عامين} (لقمان: 14)، ذكر العلماء أن الناس مجمعون على العامين في مدة الرضاع في باب الأحكام والنفقات.

قوله تعالى: {أن اشكر لي} (لقمان: 14)، المعنى: ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي، وقيل: قلنا له أن اشكر لي ولوالديك، قيل: الشكر لله على نعمة الإيمان، وللوالدين على نعمة التربية.

قوله تعالى: {وصاحبهما في الدنيا معروفاً} (لقمان: 15)، فيه دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، والرفق بهما في الدعوة لعل الله يهديهما فتقر عين الولد بذلك.

قال تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلىّ} (لقمان: 15)، وصية لجميع العالمين كأن المأمور الإنسان، وأناب، معناه: مال ورجع إلى الشيء، وهذا سبيل الأنبياء والصالحين، وحكي أن المأمور سعد بن أبي وقاص لوجود القصة السابقة.

قال تعالى: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل} (لقمان: 16).

المعنى: وقال لقمان لابنه: يا بني، وهذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه بقدر قدرة الله تعالى، وهذه الغاية التي أمكنه أن يفهمه؛ لأن الخردلة يقال إن الحس لا يدرك لها ثقلاً إذ لا ترجح ميزانا، قال القرطبي: وقد نطقت هذه الآيه بأن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً سبحانه وتعالى.

وروي أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال لقمان له: { يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردل} (لقمان: 16).

فما زال ابنه يضطرب حتى مات، قاله مقاتل.

قوله تعالى: {فتكن في صخرة} (لقمان: 16)، قيل: معنى الكلام المبالغة والانتهاء في التفهيم أي أن قدرة الله تعالى تنال ما يكون في السماء والأرض.

قال تعالى: {يا بني أقم الصلاة وأمُر بالمعروف} (لقمان: 17).

قال تعالى: {يا بني أقم الصلاة...} (لقمان: 17)، وصى ابنه بأعظم الطاعات وهي الصلاة بعد التوحيد وأن يأمر بالمعروف ويزجر عن المنكر، فجمع بين الطاعات والفضائل كلها.

قوله تعالى: {واصبر على ما أصابك} (لقمان: 17)، يقتضي حضا على تغيير المنكر وإن نالك ضرر، فهو إشعار بأن المغير يؤذى أحيانا، وقيل أمره بالصبر على شدائد الدنيا كالأمراض وغيرها وألا يخرج من الجزع إلى معصية الله عز وجل.

قوله تعالى: {إن ذلك من عزم الأمور} (لقمان: 17)، قال ابن عباس: من حقيقة الإيمان الصبر على المكاره، وقيل: المنكر من عزم الأمور، أي مما عزمه الله وأمر به.

وقيل: إن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة.

قوله تعالى: {ولا تصعر خدك للناس} (لقمان: 18).

قال أهل التفسير: {ولا تصعر} أي لا تعرض عنهم تكبرا عليهم، يقال: أصاب البصير صعر وصيَد، إذا أصابه داء يلوي منه عنقه، ثم يقال للمتكبر: فيه صعر وصيد، فمعنى {لا تصعر} أي لا تلزم خدك الصعر، فمعنى الآية: ولا تمل خدك عن الناس كبرا عليهم وإعجابا بنفسك واحتقارا لهم). وهذا تأويل ابن عباس وجماعة.

قال تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحا} (لقمان: 18)، أي متبخترا متكبرا، وهو النشاط والمشي فرحا في غير شغل وفي غير حاجة. وأهل هذا الخُلُق ملازمون للفخر والخيلاء.

قوله تعالى: {واقصد في مشيك واغضض} (لقمان: 19).

قوله تعالى: {واقصد في مشيك} (لقمان: 19)، لما نهاه عن الخلق الذميم رسم له الخلق الكريم الذي ينبغي أن يستعمله. فقال تعالى: {واقصد في مشيك} (لقمان: 19)، أي توسط فيه والقصد ما بين الإسراع والبطء، أي لا تدب دبيب المتماوتين، ولا تثب وثب الشطار، وقد روي عن رسول الله [: «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن».

وقال تعالى: {واغضض من صوتك} (لقمان: 19)، أي انقص منه، أي لا تتكلف رفع الصوت وخذ منه ما تحتاج إليه؛ فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلف يؤذي، والمراد بذلك كله التواضع.

قوله تعالى: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} (لقمان: 19)، أي أقبحها وأوحشها، والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة وكذلك نهاقه، وفي الآية الكريمة دليل على تعريف قبيح رفع الصوت في المخاطبة وجاء في الصحيح عن النبي [: «وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان» وفي الآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاونا بهم.

- مواقف تربوية من قصة لقمان عليه السلام:

1 - الله يهب لمن يشاء الحكمة البالغة «لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر حسن الظن، أحب الله تعالى فأحبه، فمنَّ عليه بالحكمة» رواه عبدالله ابن عمر.

2 - تقديم الموعظة للأقرب فالأقرب.

3 - توجيهات الوالد والمربي تتنوع، فمنها الموعظة ومنها الهجر ومنها أحيانا الضرب.

4 - التلطف والتودد في عرض الموعظة مطلب مهم له دوره في الإصلاح لأنه يحرك المشاعر والعواطف {يا بني لا تشرك بالله} (لقمان: 13).

5 - الشرك بالله خطر عظيم يخرج من الملة قال تعالى: {لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان: 13)، {إن الله لا يغفر أن يشرك به} (النساء: 48)، {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء} (الحج: 31).

6 - رب العزة تعالى يوصي بالوالدين لما لهما من الفضل: {ووصينا الإنسان بوالديه} (لقمان: 14)، ويجعلهما بعد شكره.

7 - معاناة الوالدة (حملا - وإرضاعا - ورعاية) تستحق الشكر والعرفان.

8 - وجوب مصاحبة الوالدين بالمودة حتى إن كانا على غير الإسلام من الرعاية والنصح لهما.

9 - الحث على أن يسلك المرء طريق الصالحين وأن له العاقبة إن فعل ذلك {واتبع سبيل من أناب إليَّ} (لقمان: 15).

10 - المثال يقرب المعنى فلقمان يصور لابنه دقة علم الله تعالى، لعل ذلك يكون داعيا إلى المراقبة {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل} (لقمان: 16).

11 - لقمان يأمر ابنه بتلطف بإقامة الصلاة {يا بني أقم الصلاة} (لقمان: 17).

12 - لقمان يأمر ابنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {وأمر بالمعروف وانْهَ عن المنكر}.

13 - من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قد يصاب بأذى فواجب عليه الاستعداد والتحمل.

14 - عدم التكبر من سمات الصالحين {ولا تصعر خدك للناس} (لقمان: 18).

15 - البطر والخيلاء من صفات قليل الإيمان.


16 - لقمان الحكيم يرشد إلى أن الله تعالى يمقت المختال الفخور بغير حق.

17 - السكينة في المشي وخفض الصوت من هدي الصالحين.

18 - لقمان يحذر ابنه من الأصوات المرتفعة القبيحة.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 142.56 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 137.97 كيلو بايت... تم توفير 4.59 كيلو بايت...بمعدل (3.22%)]