غزة رمز للعزة - الصفحة 2 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الشرق والغرب منطلقات العلاقات ومحدداتها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 36 - عددالزوار : 4699 )           »          الصالون الأدبي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 11 - عددالزوار : 2665 )           »          الرحمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          صور من حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          أسباب الافتراق ومظاهره وصفات الفرقة الناجية ومميزاتها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          لحظية المعاملة مع الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          نعم الله بين الحاضر والماضي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          في تفسير قوله تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله...} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4581 - عددالزوار : 1287885 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4125 - عددالزوار : 812080 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 06-05-2024, 09:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 139,747
الدولة : Egypt
افتراضي رد: غزة رمز للعزة

غزة رمز للعزة (11) طوفان الأقصى (6)



نشر التوثيق لانتهاكات إسرائيلية خلال الهدنة المؤقتة

كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبعد مرور 48 يومًا من بدء عملية طوفان الأقصى والاشتباكات العنيفة بعدها، تم التوصل إلى عقد هدنة مؤقتة تتم خلالها صفقة تبادل بين الفلسطينيين الموجودين في سجون إسرائيل وبين المحتجزين من الإسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية.
وقد تم وضع بنود الهدنة برعاية مصرية قطرية أمريكية، وقد دخلت الهدنة المؤقتة -ومدتها ستة أيام- حيز التنفيذ في يوم 24 نوفمبر 2023، وقد تم خلال أيام الهدنة تبادل مجموعات من الأسرى والمحتجزين بين الطرفين، مع تعهد الطرفين بعدم الاشتباك ووقف جميع العمليات العسكرية، إلى جانب وقف حركة الطيران في جنوب القطاع على مدار أربعة أيام، ووقف حركة الطيران في شمال القطاع لمدة ست ساعات يوميًّا، لكن الهدنة لم تفرض على قوات الاحتلال الإسرائيلية مغادرة المواقع الاستراتيجية التي سيطرت عليه، حيث تبقى عند خطوط وقف إطلاق النار داخل غزة، وتقرر أنه في أثناء تلك الهدنة يتم إدخال شاحنات المواد الإغاثية والطبية لقطاع غزة بواقع 200 شاحنة يوميًّا. وقد تم مد الهدنة الإنسانية في اللحظات الأخيرة منها ليوم سابع إضافي، مع السماح بالإفراج عن رهائن في مقابل معتقلين فلسطينيين.
ورغم ترقب العالم كله للالتزام بالهدنة وتنفيذ بنودها فقد خالفت قوات الاحتلال من اليوم الأول للهدنة بنودها؛ مما أدى إلى تأخر موعد تسليم الأسرى والمحتجزين بعض الوقت، ثم تم في اليوم الأول من الهدنة -كما طلبت حماس- الإفراج عن 42 أسيرة وطفل فلسطيني كانوا في سجون الاحتلال، وفي اليوم التالي كان الإفراج عن 6 أسيرات و33 طفلًا داخل سجون الاحتلال.
قصص من سجون الاحتلال:
- كان من ضمن الأسيرات المحررات (إسراء جعابيص)، التي رصدت الصحافة والفضائيات بعضًا من معاناتها مع الاحتلال، فقد اقتحمت قوات الاحتلال قبل إطلاق سراحها منزل عائلتها وأبعدت عشرات المجتمعين من أهلها ومن جيرانها ومن رجال الأعمال القادمين لتهنئتها بالخروج من سجون الاحتلال، وقد أجبرت أسرتها على تغيير المنزل الذي تجتمع فيه لاستقبالها بعد غياب 9 سنوات في سجون لاحتلال، حيث أجبرت الأسرة على الذهاب إلى منزل أحد أفراد العائلة فوق جبل له طريق متعرج يصعب الوصول إليه، مع تحذير الأسرة من اتخاذ أي مظاهر للاحتفال، ومع هذا فقد كان هناك كثيرون في استقبالها.
بدأت قصة إسراء مع الاعتقال عندما تعطلت سيارتها في الطريق وتوقفت ففوجئت بقوات الاحتلال تلاحقها بوابل من النيران؛ مما أدى إلى انفجار سيارتها واشتعال النيران بها، بل ونالت النيران نحو 60% من جسد إسراء، واعتقلتها سلطات الاحتلال وأهملت علاجها وحكم عليها بالسجن، وعانت إسراء أثناء السجن من تعنت سلطات الاحتلال في السماح لأهلها ولأقربائها بزيارتها في السجن، حتى وحيدها الصغير (معتصم) رفضت سلطات الاحتلال زيارته لوالدته عندما توجه لزيارتها في السجن مع خالته، ولم يكن قد بلغ من العمر وقتها 8 سنوات؛ بدعوى أنه لا يحمل بعد بطاقة هوية!
واستمر منع الأم من رؤية ابنها، ومنع رؤية الطفل لأمه حتى بلغ الطفل حاليًا الخامسة عشر من عمره، وبعد حرمان طال لنحو تسع سنوات ها هو ابنها يحتضنها أخيرًا بعد تحررها من السجن.
- وفي القدس كانت من ضمن الأسيرات المحررات (شروق الدويات) التي أمضت في سجون الاحتلال 8 سنوات بعد اعتقالها وتعطل استكمال مشوارها الدراسي، والتي ذكرت أنها ومن كن معها من الأسيرات تم أخذهن من الزنازين مقيدات دون إخبارهن إلى أين يذهبن، فتوقعن جولة جديدة من التنكيل بهن والتعذيب والقهر والضغط النفسي كما أعتدن من وقت لآخر، فلما علمن بالإفراج عنهن انتابتهن الفرحة الغامرة.
وذكرت أن الزنازين تكتظ بأعداد تفوق المساحة المتاحة فيها بكثير، فالمكان الذي يستوعب ثماني سجينات يوضع فيه أكثر من ست عشرة سجينة، جميعهن في غرفة واحدة، ويمنعن من الخروج منها لأيام، وقد جردن من الأغطية والملابس الكافية، والكتب، وغيرها، مع التعرض المتواصل للمضايقات والسب والضرب والتعذيب، لكنهن تعلمن الصمود والتحمل، وقد اتفقن على أن لا شيء يكسرهن، وكن يعلمن الفتيات الصغيرات ذلك لرفع معنوياتهن، وزيادة قدرتهن على الصبر والتحمل.
وذكرت أن الأسيرات لم يعتقلن إلا بسبب تداول ونشر (بوستات) على مواقع الاتصال يتحدثن فيها عن فلسطين، أو ينشرن فيها مشاهد من قمع سلطات الاحتلال للفلسطينيين، أو لكونهن يضعن علم فلسطين، وأن في سجون الاحتلال أمهات وسيدات، وذكرت كذلك أن هناك فتيات صغيرات أعمارهن تتراوح بين 12 و15 سنة، قد سلبت منهن طفولتهن إذ يعاملن في السجون كالمعاملة السيئة للنساء الكبيرات.
وذكرت أن سلطة الاحتلال نبهت على الفلسطينيات المحررات بمنع أي مظاهر للفرح أو الاحتفال بالتحرر، وعدم ممارسة أي أنشطة وإلا فسيتم إعادة اعتقالهن.
وقد روت أسيرات أخريات محررات صورًا من المعاناة من خلال التنقل بين سجون الاحتلال، والقسوة والقهر في المعاملة، ومن الحرمان لأوقات من الطعام والشراب، وكون الطعام الذي يقدم قليلًا؛ إذ يقدم الطعام الذي يكفي عشرة أفراد للثمانين أسيرة، إلى جانب التجريد من الأغطية والملابس الكافية رغم شدة البرد، مما كان يجعلهن يضربن عن الطعام للحصول على الضروري من الاحتياجات، فضلًا عن تعرض العديد من الأسرى السجناء للإصابة بالأمراض ووفاة البعض منهن بسببها.
وفي الوقت الذي اطلع فيه العالم على المعاملة السيئة للغاية من سلطات الاحتلال للأسرى والسجناء الفلسطينيين، شاهد العالم في نفس الوقت من خلال اللقاءات الإعلامية والتصريحات ممن أفرج عنهم من المحتجزين من قِبَل حماس ما لقوه من حسن معاملة طوال مدة الاحتجاز لدى حماس مما دفع سلطات الاحتلال إلى منع هؤلاء العائدين من لدى حماس من إجراء أية لقاءات صحفية أو مقابلات إعلامية حتى لا يدرك العالم الفرق الشاسع بين أصحاب الدين والخُلُق وبين من لا خلق لهم، ولا شرف من مجرمي الحرب، وقتلة الأطفال والنساء.
مأساة شعب غزة تحت الحصار والقصف:
من خلال التواصل مع أهل قطاع غزة خلال فترة الهدنة، ومن خلال إدخال بعض المساعدات الطبية والغذائية والوقود لهم، كان السماع للأهوال والمعاناة غير المسبوقة التي تعرض لها شعب غزة في ظل الحصار الخانق المفروض عليهم، والقصف المتواصل بالطيران من الجو، ومن المدفعية على الأرض ومن الزوارق البحرية من البحر، في وقت لا يملك هؤلاء السكان العزل أي قدرة على حماية أنفسهم، فضلًا عن المقاومة والدفاع عن أنفسهم، في مواجهة آلات القتل الصهيونية الرهيبة، ومع ذلك فقد ضربت غزة الأبية الصابرة المثل الأعلى في العزة والصمود والتحمل.
كان لابد أن تقطع قوات الاحتلال كل الاتصالات عن شعب غزة، الهواتف والإنترنت والكهرباء، حتى تعزل غزة عن العالم بالكلية، لتبقى فريسة سهلة قد تركها العالم للكيان الصهيوني ليمزقها ويفترسها كيفما يشاء، مدعومة بكل معداته العسكرية التي أمدته بها الولايات المتحدة بلا حدود ومدعومًا بالفيتو الأمريكي في المحافل الدولية، ومؤيدًا بالمعايير المزدوجة لدول الغرب، وبلا أي خطوط حمراء طوال مدة العدوان توقف همجية محتل غاشم، بدأ احتلال هذه الأرض بلا أخلاق أو شرف، وها هو يسعى بكل قوة لأن يواصل هذا الاحتلال أيضًا بلا أخلاق أو شرف، أشبه بذئب مسعور استفرد بفريسته بعد أن جردها من القدرة على المقاومة وعزلها عن العالم.
- ليل غزة طوال أيام العدوان وفي ظل الحرمان من الكهرباء والوقود هو ظلام دامس ممتد، لا ضوء تدركه السماء إلا ضوء نيران انفجارات القنابل الفسفورية، ولا صوت يسمع إلا صوت قذائف الدبابات والطائرات الحربية ومدافع الزوارق البحرية تختلط جميعها بصراخ واستغاثات من الأطفال والنساء الذين يئنون من شدة الدمار!
- إن ليل غزة هو كتلة من الجحيم، أما نهار غزة فلا إمكانية فيه لسكان غزة للانتقال من مكان إلى مكان، ولو لجلب القليل من الطعام أو الماء إن وجد، في ظل القصف والتوغل والاقتحام من جانب قوات الاحتلال، ومن كان منهم بلا مأوى ونزح إلى المستشفيات أو المدارس أو إلى المساجد، أو إلى المنشآت التابعة للأونروا التابعة للأمم المتحدة، لم يكن في مأمن من التهديدات والاستهدافات بالقصف والقنص من قوات الاحتلال؛ هناك المئات مدفونون أو مفقودون تحت الأنقاض، والجرحى لا يجدون من يقوم بإسعافهم أو مداواتهم من أطقم إغاثة، أو من يقوم بنقلهم إلى المستشفيات في ظل تعذر الحركة والانتقال حتى لسيارات الإسعاف التي صارت هدفًا متعمدًا ضربه من أهداف قوات الاحتلال، ومن أمكن نقله إلى المستشفيات منهم فلا يجد العلاج اللازم حتى صارت العمليات الجراحية منها ما يجرى بغير تخدير.
توثيق منظمة العفو الدولية لجرائم قوات الاحتلال:
وثقت منظمة العفو الدولية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلية ضد المدنيين في قطاع غزة طوال مدة امتدت لأكثر من شهر من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وذكرت المنظمة على موقعها الرسمي على الإنترنت أنها قد حصلت على أدلة دامغة لارتكاب قوات الاحتلال جرائم حرب في القطاع على مدى أكثر من 35 يومًا منذ بدء الحرب، وشملت تلك الجرائم:
- القضاء على عائلات فلسطينية بأكملها من خلال هجماتها المكثفة غير القانونية والعشوائية على القطاع بلا مراعاة لوجود هؤلاء المدنيين؛ لذا تسببت في خسائر كبيرة لا مبرر لها في صفوف المدنيين، وأنه يجب التحقيق فيها باعتبارها جرائم حرب في حق هؤلاء المدنيين.
- عمليات القصف الجوي التي نفذتها قوات الاحتلال في المدة ما بين 7 إلى 12 من أكتوبر، والتي تسببت في دمار مروع، والتي تحققت المنظمة منها من خلال الصور ومقاطع الفيديو وتحليل صور الأقمار الصناعية، إلى جانب التحدث إلى الناجين وشهود العيان حيث انتهكت فيها قوات الاحتلال الإسرائيلية بوضوح القانون الإنسان الدولي بعدم اتخاذها الاحتياطات الواجبة والممكنة لتجنب المدنيين خلال عمليات القصف المكثفة؛ إذ أظهرت قوات الاحتلال خلالها استهتارًا مروعا بحياة العزل من المدنيين خلال القصف، إذ سحقت قوات الاحتلال شارعا بعد شارع لتدمير البنية التحتية في القطاع؛ مما أسفر عن مقتل أعداد كبيرة من المدنيين.
- الإصرار على وضع القيود لمنع إنفاذ الماء والغذاء والدواء والكهرباء والوقود إلى القطاع كله طوال فترة الحرب.
- بعد تحويل قطاع غزة إلى أكبر سجن مفتوح في العالم من خلال الحصار الإسرائيلي غير القانوني طوال 17 عامًا، كان العمل من خلال الحرب الحالية على تحويل القطاع إلى مقبرة كبيرة جماعية للفلسطينيين؛ مما يتعين معه تحرك المجتمع الدولي للتحرك لمنع ذلك، كما يجب على الفور فرض حظر شامل على تزويد إسرائيل بالأسلحة؛ نظرًا لارتكابها انتهاكات خطيرة متعددة في قطاع غزة بموجب القانون الدولي.
- استهداف قوات الاحتلال لمبانٍ سكنية ومخيم للاجئين بعشرات الهجمات، والزعم بأنها إنما تهاجم أهدافًا عسكرية فقط، ولم تجد منظمة العفو في تحقيقاتها في عدد من الحالات أي دليل على وجود أهداف عسكرية في المنطقة المجاورة أو مقاتلين وقت تلك الهجمات.
- في الساعة العاشرة والنصف صباح يوم 9 أكتوبر أصابت الغارات الجوية الإسرائيلية سوقًا في مخيم جباليا للاجئين الواقع على بضعة كيلو مترات شمال مدينة غزة، مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 69 شخصًا، ومن المعروف أن شارع هذا السوق هو من أكثر المناطق التجارية ازدحامًا في شمال غزة، وقد كان السوق في هذا اليوم أكثر ازدحامًا عن المعتاد، حيث كان مليئًا بآلاف الأشخاص من المناطق المجاورة الذين فروا من منازلهم في وقت سابق من هذا الصباح بعد تلقي رسائل تهديد من قوات الاحتلال تدعوهم إلى مغادرة منازلهم.
وقد قام مختبر أدلة الأزمات التابع لمنظمة العفو الدولية بمراجعة ستة مقاطع فيديو تظهر آثار الغارة الجوية التي تمت على سوق مخيم جباليا، وتظهر هذه الصور أن المنطقة كانت مكتظة بالسكان، وأن بها مبانٍ متعددة الطوابق، ثم تظهر مقاطع الفيديو وصور الأقمار الصناعية لما بعد الحادث ما لا يقل عن ثلاثة مبانٍ متعددة الأطباق مدمرة بالكامل.
وتظهر العديد من المباني في المنطقة المحيطة وقد تعرضت لأضرار بالغة، كما شوهدت العديد من الجثث تحت الأنقاض في اللقطات المصورة، واستنادًا إلى شهادة الشهود وصور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو التي تم التحقق منها، فإن الهجوم كان عشوائيًّا، بما يوجب التحقيق فيه باعتباره جريمة حرب. ودعت المنظمة الدولية في تقريرها إسرائيل إلى الوقف الفوري للهجمات غير القانونية والالتزام بالقانون الإنساني الدولي، وأيضًا ضمان اتخاذ الاحتياطات الواجبة والممكنة لتقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين والعائلات المدنية ووقف الهجمات العشوائية، وأيضًا السماح فورًا بوصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين في غزة دون عوائق، كما طالبت المنظمة جميع دول العالم بالامتناع عن تزويد إسرائيل بالأسلحة والمواد العسكرية بما في ذلك المساعدات التقنية والتدريب، وأيضًا الامتناع عن أي تصريح أو أي إجراء ولو بشكل غير مباشر من شأنه أن يضفي الشرعية على جرائم انتهاكات إسرائيل في غزة.
توثيق المكتب الإعلامي في قطاع غزة لجرائم الحرب:
وقد وثق المكتب الإعلامي في غزة أيضا خلال فترة الهدنة حجم المجازر الكبيرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي والتي ألقت أكثر من 40 ألف طن من المتفجرات على قطاع غزة، حيث أودت بحياة أكثر من 15 ألف شخص بينهم أكثر من 6 آلاف طفلًا، و4 آلاف امرأة، وأصيب أكثر من 36 ألف، 75% منهم من الأطفال والنساء، ونحو 7 آلاف مفقود تحت الأنقاض أو مصيرهم مجهول، بينهم أكثر من 4700 طفل وامرأة، بينما بلغ عدد ضحايا الكوادر الطبية 207، والضحايا من طواقم الدفاع المدني 26، ومن الصحفيين 70.
كما دمر الجيش الإسرائيلي 103 مقرات حكومية، و266 مدرسة، خرجت 67 منها من الخدمة، كما تسببت العمليات العسكرية لقوات الاحتلال في تدمير 88 مسجدًا تدميرًا كليًّا، و174 مسجدًا تدميرًا جزئيًّا، وتم استهداف 3 كنائس، كما تعرضت 50 ألف وحدة سكنية للهدم الكلي، و240 ألف وحدة للهدم الجزئي، كما خرجت كذلك 26 مستشفى و55 مركزًا صحيًّا من الخدمة، وتم تدمير 56 سيارة إسعاف.
وقد بلغ عدد النازحين في القطاع نحو 1.8 مليون شخص نزحوا من شمال القطاع إلى جنوبه، وإنه بحلول 29 نوفمبر كان ما يقرب من 1و1 مليون نازح يقيمون في 156 منشأة تابعة للأونروا في جميع المحافظات الخمس في قطاع غزة، وبسبب الحرب تقلص نصيب الفرد في القطاع من المياه الصالحة للشرب من 80 لترًا إلى ثلاث لترات فقط، كما أغلقت كل محطات معالجة مياه الصرف الصحي، مع نقص الغذاء والدواء والوقود بما ينذر بكارثة إنسانية حقيقية، وأن 45 % من المباني السكنية والمرافق التعليمية تم تدميرها بالكامل بسبب القصف، كما تم تدمير ما لا يقل عن 33 مدرسة تابعة للأونروا، وتم تدمير ما يزيد عن نحو 36 % من المناطق الزراعية، وتضرر نحو 1023 حقلًا زراعيًّا في غزة وحدها، كما تضررت شبكة الطرق بنحو 539 طريقًا.
جريمة التهجير القسري:
تتضمن غالبية دساتير العالم نصوصًا تحظر إبعاد أي مواطن عن وطنه، أو تمنعه من العودة إليه، كما تتضمن العديد من المواثيق والاتفاقيات الدولية بنودًا تحظر التهجير القسري.
وتستند قواعد القانون الجنائي الدولي في عد التهجير القسري جريمة لا تسقط بالتقادم، إلى قواعد منها:
- إن حظر التهجير القسري قد أكده الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لتعارضه مع حق الإنسان في التنقل.
- تضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي وافقت عليها الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 16 ديسمبر 1966 النص على حماية حق الإنسان في التنقل، وعدم جواز تهجيره قسريا.
- طبقًا للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة فإن التهجير القسري يقع بنقل وإبعاد المدنيين من المنطقة التي يوجدون فيها بالطرد، أو بأي فعل قسري آخر بدون مبررات يسمح بها القانون الدولي جريمة ضد الإنسانية، متى ارتكب بطريقة متتابعة ومنظمة أو على نحو واسع النطاق ضد أي مجموعة من السكان المدنيين.
- تحظر اتفاقية جينيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب التهجير القسري، حيث نصت على أنه يحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال، أو إلى أي أراضي أخرى في أي دول أخرى محتلة أو غير محتلة أيًّا كان دواعيه.
- يضمن كل من البروتوكولين الإضافيين لاتفاقيات جينيف الأربع عام 1949، النص على أن الاتفاقيات تشمل السكان المدنيين بالحماية في النزاعات المسلحة.
وتضم الأطر القانونية والاتفاقيات الدولية لحماية المدنيين والمؤسسات الطبية ومقدمي الخدمات الصحية:
- اتفاقية جينيف الرابعة عام 1949 المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب لا سيما المواد 1، 18،19، 146، 147، 148.
- القانون الدولي الإنساني.
- القانون الدولي لحقوق الإنسان.
- نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما في 17 يوليو 1998، لا سيما أركان جريمة الحرب وأركان الجرائم ضد الإنسانية.
- اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة في 15 ديسمبر 1948.
- القانون الدولي العرفي المتعلق بحماية الجرحى والمرضى في المجال الطبي ومجال تقديم المساعدات الإنسانية.
- قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة التي تتعلق بحماية المدنيين.
- قرار مجلس الأمن رقم 2268 لعام 2016، والذي ينص على ضرورة احترام العاملين في المجال الطبي وحماية المؤسسات الصحية والعاملين بها، وعدم توجيه هجمات ضد المستشفيات والمرافق الصحية.
- القانون الدولي الإنساني الخاص بحظر النقل القسري والترحيل الجماعي.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 03-08-2024, 10:14 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 139,747
الدولة : Egypt
افتراضي رد: غزة رمز للعزة

غزة رمز للعزة (12) إسرائيل: استعمار وعنصرية وبطش وإبادة



كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تأثرت الحركة الصهيونية الحديثة عند نشأتها بما ساد أوروبا في ظل النهضة الأوروبية الحديثة من تبني الفكر القومي والأخذ بالنزعة الاستعمارية، والفكر القومي يقوم -كما هو معلوم- على الشعور والاعتزاز بالانتماء إلى قوم أو عرق أو جنس مع التعصب لذلك الانتماء، بينما تقوم النزعة الاستعمارية -كما هو معلوم- على الاستيلاء على ممتلكات الغير من أرض أو ثروات سواء بشكل مباشر باستخدام القوة العسكرية المباشرة أو بشكل غير مباشر ببسط السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية على الغير فيصبح خاضعًا له منقادًا إليه حتى بدون احتلال عسكري.
وقد قامت الدولة الأوروبية الحديثة بعد الثورة الفرنسية عام 1789 على توجهات ثلاثة: العلمانية والقومية والديموقراطية كلها مجتمعة معًا.
وقد مارست الدول الأوروبية القوية منها السياسة الاستعمارية المباشرة ضد الشعوب الضعيفة، وتوسعت في ذلك؛ خاصة في القرن التاسع عشر الميلادي وحتى الحرب العالمية الأولى في القرن العشرين، وأصبح لها مستعمرات تخضع لها مباشرة في قارات العالم المختلفة إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وقد تأثر قادة الحركة الصهيونية الحديثة بداية من (تيودور هرتزل) مؤسس الحركة في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ومَن قاد الحركة مِن بعده على ما ساد دول أوروبا الغربية في تلك الفترة من النزعة القومية والنزعة الاستعمارية من خلال العمل على إقامة دولة قومية لليهود تستعمر أرضا تقيم عليها دولتها.
وقد عمل قادة الحركة الصهيونية بقوة على إغراء الدول الأوروبية بتأييد فكرة إقامة دولة يهودية على النهج الأوروبي الحديث في فلسطين، فتكون هذه الدولة الناشئة ملاذًا يأوي إليه يهود العالم؛ خاصة يهود أوروبا، فتنتهي بذلك مشكلة اليهود في أوروبا وتكرر اضطهادهم فيها، على أن تكون هذه الدولة بنهجها الغربي وخلفيتها الاستعمارية رأس حربة للغرب في مواجهة شعوب المنطقة العربية، وهو ما أشار هرتزل في كتابه (الدولة اليهودية) في قوله: (بالنسبة لأوروبا سنقيم هناك - أي: في فلسطين- جزءًا من السور المضاد لآسيا، وسنكون -أي: اليهود الذين سينتقلون إلى فلسطين ويتخذونها وطنًا- حراس الحضارة المتقدمي الموقع ضد البربر) يعني بالبربر الشعوب العربية حول فلسطين التي هي في نظر الغرب متخلفة عن الحضارة الأوروبية.
وبعد وفاة هرتزل نجح (حاييم وايزمان) الذي خلف هرتزل في زعامة الحركة الصهيونية في الحصول من بريطانيا على وعد من وزير خارجيتها بلفور في عام 1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ومن هذا الفكر والمنطلق تبنت إنجلترا والتي كانت وقتها دولة استعمارية عظمى فكرة إقامة وطن لليهود على حساب شعب فلسطين بموافقة ومباركة ضمنية من دول أوروبا الغربية من خلال عصبة الأمم بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وبعد الحرب العالمية الثانية وأفول نجم إنجلترا تولت وريثتها الولايات المتحدة الأمريكية هذا التبني.
وكما ارتبط الاستعمار الأوروبي بالنظرة العنصرية التي ترى علو الرجل الأوروبي الأبيض على غيره، وأنه هو الأحق بأن يتملك ويسود، فقد ارتبطت النظرة الاستعمارية الصهيونية بنظرة عنصرية مستمدة من ديانتهم التي حرفوها، والتي ترى أن اليهود دون غيرهم من الشعوب والأجناس هم شعب الله المختار الذي يجب أن يسود العالم كله ويحكمه بما فيهم الفلسطينيين والعرب.
يقول المفكر روجيه جارودي: (والديمقراطية الإسرائيلية يشوبها تمييز عنصري أساسي كما هو الحال في كل المستعمرات، حيث يتمتع الرجل الأبيض وحده بالحكم. ويمكن مقارنة هذه الديمقراطية الإسرائيلية العجيبة بالديمقراطية الأمريكية التي نادت في تصريح الاستقلال بالمساواة بين الناس جميعًا، ثم أبقت الرق طيلة قرن من الزمان بأكمله بالنسبة للسود، وأطلقت عليهم تأدبًا منها اسم المؤسسة الخاصة، كما سمحت بمطاردة الهنود الحمر فكانوا يذبحون ويطردون من أراضيهم. فإسرائيل إذًا دولة ديمقراطية إلا بالنسبة لزنوجها ولهنودها التي تطلق عليهم القوانين الأساسية في إسرائيل تأدبًا منها السكان غير اليهود) (ملف إسرائيل، ص 112، 113).
وسياسة التفرقة العنصرية المنبثقة عن النظرة العنصرية تهدف وترمي إلى إقامة دول يفصل داخلها بين الأجناس والأعراق الموجودة فيها، فيتم تخصيص جنس أو عرق بكل الامتيازات العالية، ويحرم منها من سواهم في نفس الوطن، كما كان الفصل العنصري بين البيض والسود الذي كان سائدًا في المستعمرات الأوروبية في إفريقيا، وأشهرها ما كان في دولة جنوب إفريقيا قبل تخلصها من هذه التفرقة العنصرية.
وللتمييز العنصري صور، منها:
- التحيز العنصري: أي: التحيز إلى جنس ضد جنس آخر أو أجناس آخرين.
- الاضطهاد العنصري: يجمع بين التحيز لجنس واضطهاد الجنس الآخر.
- الفصل العنصري: الذي يجمع إلى جانب التحيز لجنس والاضطهاد لآخر فصل الجنس الآخر المضطهد وعزله عن الجنس الآخر اجتماعيًّا.
وهذا الفصل العنصري هو ما مارسته الصهيونية وتمارسه بقوة ضد الفلسطينيين منذ قيام دولة إسرائيل، ومن مظاهر هذا الاضطهاد والفصل العنصري الذي مارسته وتمارسه إسرائيل منذ قيامها ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين:
- إصدار قانون في يوليو 1950 يعطي أي يهودي في العالم الحق ما أسموه بحق العودة (أي: الهجرة) إلى إسرائيل (أي: إلى فلسطين المحتلة)، مع تيسير حصوله على الجنسية الإسرائيلية بمجرد وصوله لأرض فلسطين. هذا بينما ترفض إسرائيل وبشكل قاطع منح حق العودة لأي لاجئ فلسطيني إلى أرض فلسطين، بل ولا تعطي إسرائيل هذه الجنسية الإسرائيلية للفلسطينيين من المولودين أو المقيمين في فلسطين لمنع حصولهم على حق المواطنة، ولا تمنح الجنسية لأي فلسطيني إلا بشروط صعبة وبموافقة شخصية من وزير داخلية إسرائيل لذا نجد كثيرًا من الفلسطينيين الذين يعيشون على أرض فلسطين يعاملون فيها كأجانب بلا جنسية.
- إخضاع كافة الفلسطينيين للحكم العسكري لجيش الاحتلال الإسرائيلي، مع منح الحكام العسكريين الإسرائيليين صلاحيات كبيرة تمكنهم من اضطهاد الفلسطينيين، من خلال فرض القيود على التحرك والانتقال والعمل والتضييق على سبل العيش وذلك لحمل الفلسطينيين؛ حملًا على ترك ديارهم وهجرتها، مع تقسيم وتجزئة المدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحصار هذه التقسيمات والأجزاء والتحكم في مداخلها ومعابرها وبالتالي عزل الفلسطينيين فيها.
- القيام بعمليات طرد جماعي للفلسطينيين من أراضيهم وقراهم لبناء المستوطنات اليهودية عليها مع انتزاع ومصادرة مساحات من الأراضي الفلسطينية والاستيلاء عليها بدعاوى وتبريرات واهية.
- حرمان الشعب الفلسطيني من حق التعبير عن نفسه من خلال النقابات أو الجمعيات والتنظيمات، وقصر السبيل على ممارسة ذلك من خلال الأحزاب الإسرائيلية فقط.
- إقامة حاجز الفصل العنصري بين الضفة الغربية وإسرائيل.
وقد وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر 1975 على قرار بإدانة الصهيونية واعتبارها شكلًا من أشكال التمييز العنصري، لكنها تراجعت وألغت قرارها بضغط الولايات المتحدة، مع أن الواقع يشهد وبصورة صارخة كم أن الحركة الصهيونية حركة عنصرية متعصبة. وكانت الجمعية العامة قد أدانت من قبل في ديسمبر 1973 التعاون والتحالف الآثم بين الصهيونية والنظام العنصري القائم وقتها في جنوب إفريقيا.
وبسبب هذه النزعة الاستعمارية لدى الحركة الصهيونية فإن إسرائيل ترفض منذ نشأتها وحتى الآن أن تكون لها حدودًا واضحة ثابتة، فهي دولة استعمارية لكل اليهود تتمدد على حساب من بجوارها من الدول العربية كلما أمكنها ذلك، ولتبرير ذلك روجت إسرائيل كعادتها شعارًا زعمت كعادتها في الكذب والترويج لهذا الكذب أنه مستمد من تاريخها وباسم الدين (من الفرات إلى النيل أرضك الموعودة يا إسرائيل).
ولا يخفى -ولعل الأمر ازداد وضوحًا على وضوح بعد عملية طوفان الأقصى- أن إنشاء دولة إسرائيل هو نتيجة التقاء في المصالح بين الدول الغربية الاستعمارية -وفي مقدمتها إنجلترا قديمًا والولايات المتحدة حديثًا- وبين الحركة الصهيونية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى:
- حيث رأت إنجلترا متزعمة الاستعمار الأوروبي وقتها أن قيام دولة لليهود في قلب الأمة العربية تدين لها بالولاء يعني إدخال المنطقة العربية في صراعات تستنزف طاقاتها ومواردها وتضعفها، وتمنع توحدها بعد أن تم تقسيمها عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى وزوال الدولة العثمانية.
- بينما لعبت الصهيونية العالمية دورًا مزدوجًا بأن تكون ربيبتها إسرائيل رأس حربة للغرب، وفي نفس الوقت هي دولة قومية استعمارية عنصرية لليهود.
وزيادة على تلك النظرة القومية العنصرية الاستعمارية فإن لليهود وضعًا آخر يتمثل في أنهم يحملون ديانة محرفة تقوم على تمجيد اليهود دون غيرهم، وزعم أنهم شعب الله المختار الذي يجب أن يعلو وأن يسود، وأن غيرهم من الشعوب جميعها إنما هم أقل شأنا من اليهود بكثير، فهم يجب أن يكونوا خدمًا وعبيدًا لأسيادهم من اليهود بأمر من الرب بزعمهم؛ لذا فهم إن تمكنوا من رقاب العباد قاموا باضطهادهم غاية الاضطهاد، فلا يتورعوا عن استباحة أعراضهم وأموالهم ودمائهم باسم الرب بزعمهم، وما أوردوه في كتبهم المقدسة المحرفة وفي أقوال حاخاماتهم وتصريحات قادتهم وأفعالهم ما يؤكد ذلك غاية التأكيد، وكذلك يؤكده تاريخهم الأسود عبر العصور؛ إذ لم يعرف التاريخ من هم أقسى قلوبا من اليهود، وقد حدثنا القرآن عن تلك القسوة التي التصقت بهم منذ القدم، قال -تعالى- في شأن اليهود: (‌ثُمَّ ‌قَسَتْ ‌قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة:74).
واليهود يزعمون في ذلك أن الرب هو الذي أمرهم به، بل وأوجبه عليهم، فهو الذي أمرهم -ويأمرهم- منذ وجدوا بإبادة سائر الشعوب التي تقف أمامهم، فتكون لهم بعد تلك الإبادة أرضًا بلا سكان يقيمون فيها وطنًا قوميًّا لليهود بلا منازعة من السكان الأصليين، فمن ذلك:
- ما جاء في التوراة التي بين أيديهم من قول الرب لهم: (متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها، وطرد شعوبًا كثيرة من أمامك الحيثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، سبعة شعوب أكثر وأعظم منك ودفعهم الرب إلهك أمامك وضربتهم، فإنك تحرمهم -أي: تقتلهم- لا تقطع لهم عهدًا ولا تشفق عليهم) (سفر التثنية: الإصحاح 7: (1 - 3) - انظر: الكتاب المقدس: العهد القديم والعهد الجديد، ط. دار الكتاب المقدس - القاهرة، ص 290).
- وتتم الحرب مع تلك الشعوب على النحو التالي: (حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك. وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربًا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًّا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا (أي: فلسطين). وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبق منها نسمة ما، بل تحرمها (أي: تقتلها) تحريمًا: الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك) (سفر التثنية: الإصحاح 20: 10 - 18)- انظر المصدر السابق، 311).
- ما جاء في إبادة شعب سيحون ملك حبشون بناء على أوامر من الرب: (فدفعه الرب إلهنا أمامنا فضربناه وبنيه وجميع قومه وأخذنا كل مدنه في ذلك الوقت، وحرمنا من كل مدينة الرجال والنساء والأطفال لم نبقِ شاردًا، لكن البهائم نهبناها لأنفسنا وغنيمة المدن التي أخذنا).
- ما جاء في إبادة شعب عوج (بضم العين) ملك باشان: (فدفع الرب إلهنا إلى أيدينا عوج أيضًا ملك باشان وجميع قومه، فضربناه حتى لم يبق له شارد، وأخذنا كل مدنه في ذلك الوقت، لم تكن قرية لن نأخذها منهم، ستون مدينة...)، (كل هذه كانت مدنا محصنة بأسوار شامخة وأبواب ومزالج سوى قرى الصحراء الكثيرة جدًّا، فحرمناها كما فعلنا بسيحون ملك حبشون محرمين كل مدينة الرجال والنساء والأطفال) (سفر التثنية: الإصحاح 3:3 - 7) - انظر المصدر السابق، ص 282).
- ما جاء في التمادي في عمليات الإبادة والإفناء: (فقال الرب ليشوع مد المزراق الذي بيدك نحو (عاي) لأني بيدك أدفعها فمد يشوع المزراق الذي بيده نحو المدينة وضربوهم حتى لم يبقَ منهم شارد ولا منفلت. وأما ملك عاي فأمسكوه حيًّا وتقدموا به إلى يشوع، وكان لما انتهى إسرائيل من قتل جميع سكان عاي في الحقل في البرية حيث لحقوهم وسقطوا جميعًا بحد السيف حتى فنوا، أن جميع إسرائيل رجع إلى عاي وضربوها بحد السيف. فكان جميع الذين سقطوا في ذلك اليوم من رجال ونساء اثني عشر ألفًا جميع أهل عاي. ويشوع لم يرد يده التي مدها بالمزراق حتى حرم جميع سكان عاي، لكن البهائم وغنيمة تلك المدينة تهبها إسرائيل لأنفسهم حسب قول الرب الذي أمر به يشوع).
- ما جاء في الفتك بأهل مديان من شعب فلسطين وإبادتهم ونهبهم دون سابق إنذار: (وكلم الرب موسى قائلًا: انتقم نقمة لبني إسرائيل من المديانيين ثم تضم إلى قومك....)، (.... فتجندوا على مديان كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر، وملوك مديان قتلوهم فوق قتلاهم...)، (... وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم، وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار، وأخذوا كل الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم) (سفر العدد: الإصحاح 31: 1 - 12).
- ولما أبقى قادة الجيش على حياة النساء والأطفال من شعب فلسطين وسبوهم أمر موسى بأن يطهر جنوده بعد ذبح النساء الأطفال: (وقال لهم موسى هل أبقيتم كل أنثى حية... فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة عرفت رجلًا بمضاجعة ذكر اقتلوها).
- ومن بعد موسى تسلم الراية يوشع بن نون فاستهل يوشع أعماله بأريحة المنكوبة: (وحرموا (أي: قتلوا) كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف...)، (وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها. إنما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها في خزانة بيت الرب) (يشوع: الإصحاح 6:21 - 25).
- ولما طلب داود ابنة شاؤل زوجة له طلب شاؤل من داود أن يقطع له مائة غلفة (بضم الغين وسكون اللام وفتح الفاء) من أعضاء الذكور من الفلسطينيين ويقدمها مهرًا لابنته ميكال، (فقال شاؤل هكذا تقولون لداود ليست مسرة الملك بالمهر، بل بمائة غلفة من الفلسطينيين للانتقام من أعداء الملك....)، (ولم تكمل الأيام حتى قام داود وذهب هو ورجاله وقتل من الفلسطينيين مائتي رجل وأتى داود بغلفهم فأكملوها للملك لمصاهرة الملك. فأعطاه شاؤل ميكال (بكسر الميم وفتح الكاف) ابنته امرأة...) (صموئيل الأول: الإصحاح 18: 25 - 29).
من صور الإبادة الكاملة التي قام بها اليهود كما جاء في التوراة التي يروونها: إبادة أهل لينة، وإبادة أهل أريحا، وإبادة أهل لخيش، وإبادة أهل عجلون، وإبادة أهل فيرون، وإبادة أهل دبير، وإبادة أهل حاصور، وإبادة ملوك مادون، وإبادة ملوك شامرون، وإبادة ملوك أكشاف، وإبادة بني بنيامين، وإبادة يابيش جلعاد، وإبادة مدينة الكهنة، وإبادة بني عامون (راجع في ذلك : دماء على صفحات التوراة والتلمود: 79 - 89).
فهذه حروب بني إسرائيل كما في كتبهم التي يقدسونها؛ ليست حروبًا بغرض إقامة شرع الله تعالى في الأرض وإزالة الأنظمة التي تحول دون ذلك كما هو الجهاد في الإسلام، بل هي لإعلاء جنس بني إسرائيل على غيرهم، فبنو إسرائيل شعب الله المختار ومن عداهم أحط منهم، وليس الأمر أن أكرمكم عند الله -تعالى- أتقاكم، وهم في قتالهم هذا لا يتورعون عن قتل الأطفال والنساء والشيوخ، بل يستهدفونهم، والإسلام يمنع قتلهم في الحروب، ويمنع كذلك قتل غير المحاربين من الرهبان والعباد في الصوامع والأديرة، واليهود يستهدفون -كما رأينا ونرى- المساجد والمستشفيات والمدارس بلا تحفظ.
وقد انعكست هذه التوجهات مجتمعة الاستعمارية والعنصرية والقومية اليهودية على الحياة الفكرية والثقافية والاجتماعية والتعليمية في إسرائيل، حيث نشأت في إسرائيل أجيال يهودية تربت على الكراهية الشديدة للعرب عامة وللفلسطينيين خاصة، وعلى اختلاق التبريرات والدوافع لكل ما ارتكبته -وترتكبه- آلة الحرب الإسرائيلية عبر عقود طويلة من جرائم وفظائع ومجازر بدم بارد ضد الفلسطينيين وجيرانهم من العرب. فمناهج التعليم في إسرائيل تمتلئ بتشويه للحقائق وتبني للأكاذيب وللأساطير الصهيونية لزرع ونشر الحقد والكراهية والتحريض المستمر ضد الأبرياء من الفلسطينيين، بل والعرب أجمعين، وبصورة لا يعرف لها مثيل، وهي التي تترجم عمليًّا في مظاهر القسوة المفرطة التي تمارسها قوات الاحتلال والمستوطنين اليهود ضد الفلسطينيين؛ هذا من جهة ومن جهة فهي تعلي بصورة مبالغ فيها من شأن الجنس اليهودي وأنه شعب الله المختار.
وقد قامت الدكتورة (صفا عبد العال) في كتابها: (تربية عنصرية في المناهج الإسرائيلية) بترجمة وتحليل مضمون 16 كتابًا في الدراسات الاجتماعية (التاريخ والجغرافيا) مقررة على التلاميذ الإسرائيليين من الصف الثالث وحتى الصف السادس الابتدائي، فوجدتها مليئة بصورة مشوهة للعربي، ومنها وصفه بالصفات الوضيعة: فهو اللص السفاح القذر وأنه كالأفعى.
وفي تكريس النظرة الدونية للعرب تصور كتب التعليم العبرية العربي على أنه بدوي متخلف جاهل غير قادر على استغلال أرضه وموارده، وأنه بطبيعته عدواني؛ وعليه فإن احتلال بعض الأقطار العربية يجلب لها النعمة لا النقمة!
وفي المقابل: تربط مناهج التعليم في إسرائيل الطلاب الإسرائيليين بأرض فلسطين؛ بدعوى أن لليهود الحق المطلق في أرض فلسطين، مع إنكار أي حق للفلسطينيين فيها! كما أنها تكرس لتفوق جنس اليهود حضاريًّا وعرقيًّا على غيرهم، وتحقر من شأن الجنس العربي عامة، وذلك لغرس النظرة الاستعلائية اليهودية من جهة، ولتبرير فظائع جرائم اليهود واستيلائهم على الأراضي الفلسطينية وطرد وتشريد أهلها عبر العقود الطويلة الماضية.
وتعمد المناهج التعليمية في إسرائيل إلى جانب زرع الكراهية والعداء للفلسطينيين والعرب زرع الخوف منهم في نفوس النشء؛ لذا فالنشء هناك يعيش في حالة تحفز مستمر يستحيل معها العيش مع الفلسطينيين والعرب، ويلازم الحذر الدائم منهم، فهم الخطر الأكبر والعدو القريب الذي يتطلع إلى القضاء على دولة إسرائيل وإبادة الجنس اليهودي، وبالتالي فلا بقاء للإسرائيليين إلا بإبادة الفلسطينيين أو إبعادهم وعدم السماح لهم مطلقًا بالعودة من جديد لأرض فلسطين، وهذا هو الهدف الذي تسعى إليه الصهيونية وتعمل من أجله، وتحقيق السلام عندهم لا سبيل له إلا بتسليم الفلسطينيين والعرب بالسيادة الإسرائيلية الكاملة على كامل فلسطين.
فحصيلة ما زرعته المناهج العنصرية في نفوس الإسرائيليين جيلًا بعد جيل حالة دائمة من الخوف من المستقبل والقلق والتوتر من المستقبل مع العرب في الوقت الذي هم فيه يحتقرون العرب ويتعالون عليهم، فهم في نظرهم الأقل تحضرًا والأكثر تخلفًا وفقرًا، وهم عندهم إرهابيون قتلة مخربون (كتاب: "دماء على صفحات التلمود والتوراة" تأليف: عبد الحليم الجبيصي. طبعة المكتبة التوفيقية. القاهرة، من ص 79 إلى 89).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 08-08-2024, 04:16 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 139,747
الدولة : Egypt
افتراضي رد: غزة رمز للعزة

غزة رمز للعزة (13)

التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل



كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن أوجه التشابه العديدة بين حرب السادس من أكتوبر 1973 (العاشر من رمضان 1373هـ) وطوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 (22 ربيع الأول 1445هـ) الدور الكبير غير العادي الذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في إنقاذ إسرائيل في تلك الكارثتين العظيمتين؛ ففي حرب أكتوبر عقب تخطي القوات المصرية لخط بارليف وإسقاطه في بدايات المعركة، ثم فشل الهجوم الإسرائيلي المضاد في الثامن من أكتوبر، وما ترتب على ذلك من فقد الجيش الإسرائيلي لجزء كبير من دباباته ومدرعاته وطائراته؛ سارعت الولايات المتحدة بتعويض إسرائيل عن كل خسائرها في الدبابات والمدرعات والطائرات، بل وإمدادها بأحدث الأسلحة الأخرى الموجودة في ترسانتها، عن طريق جسر جوي سريع لتصل إمداداتها إلى ساحة المعركة في سيناء مباشرة!
إلى جانب تقديم كل خبراتها العسكرية ومعلوماتها الاستخبارية المتعلقة بتطورات المعركة الدائرة على كل القطاعات في سيناء أولًا بأول، وهو ما ساهم في بقاء إسرائيل رغم الهزيمة الفادحة التي تمت في أيام الحرب الأولى وكانت تنذر بسقوط الجبهة الجنوبية لإسرائيل بالكلية، بل ساهم ذلك في تكرار محاولات القوات الإسرائيلية لزحزحة القوات المصرية شرق القناة وإعادتها لغرب القناة، والتي أسفرت عن حدوث ثغرة الدفرسوار.
وبعد أحداث الثغرة ومحاصرة عشرات الآلاف من القوات الإسرائيلية الموجودة غرب القناة والتخطيط لتصفية الثغرة ومَن فيها بالقوة العسكرية، سارع هنري كيسنجر وزير خارجية أمريكا وقتها بالتهديد بالتدخل العسكري الأمريكي المباشر لإنقاذ القوات الإسرائيلية غرب القناة، وانتهى الأمر بمفاوضات فض الاشتباك، وما تلاها من انسحاب القوات الإسرائيلية من غرب القناة.
وفي أعقاب طوفان الأقصى الذي تسبب في صدمة كبيرة لإسرائيل ترتَّب عليها تأثر الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة تأثر السياحة، وارتفاع الهجرة إلى خارج إسرائيل، وتأثر القوة العاملة من جراء استدعاء مئات الألوف من قوات الاحتياط من أعمالهم المدنية، والدخول بهم في حرب برية طويلة مكلفة، وتأثَّر الإنتاج القومي بذلك؛ مما ترتب عليه انخفاض قوة العملة الإسرائيلية بشدة؛ فسارعت الولايات المتحدة إلى تقديم العون المادي والعسكري بسخاء لتعويض إسرائيل كل ما خسرته، ولزيادة قدرات إسرائيل على الاستمرار في عدوانها الغاشم على قطاع غزة، واستخدام أمريكا نفوذها في الأمم المتحدة أربع مرات لمنع صدور أي إدانة لإسرائيل في حرب إبادتها ضد الفلسطينيين، أو وقف تماديها في قتل وتشريد الفلسطينيين.
وهنا يكمن السؤال: لماذا تتبنى الولايات المتحدة الحفاظ على وجود إسرائيل ودعمها عبر عقود؛ خاصة في حروبها وأزماتها؟ ولماذا تعتبر استمرار وجود إسرائيل وسلامتها واجبًا عليها؟
نحاول هنا بيان الجواب على ذلك:
إسرائيل دولة وظيفية:
دأبت سياسات بعض الدول أنها تخصص مجموعة بشرية من داخل المجتمع تسند إليها مهامًا أو وظائف أو أعمالًا، لا يمكن للدولة الاضطلاع بها في سياستها المعلنة؛ لكونها قد تكون في نظر المجتمع والدول الأخرى ككل والمجتمع الدولي وظائف ومهام مشينة، لا تحظى بالاحترام في سلم القيم والأخلاق السائدة، والمجتمع ككل يريد الحفاظ على قيمه ومثله، وقد يكون اللجوء إلى تلك المجموعة؛ لسد فجوة، أو تحقيق رغبة أو حاجة لا يمكن إشباعها والوفاء بها من خلال سياسات الدولة المعلنة؛ لكونها مشينة لها، وغالبًا ما تكون هذه الوظائف والمهام ذات حساسية خاصة أو يكون لها طابع أمني.
وبالطبع يتوارث أعضاء هذه المجموعة الوظيفية خبراتهم في مجالهم الوظيفي ويتوحدون معها، وتكون لهم بذلك هويتهم ورؤيتهم الخاصة للأمور؛ يتعاملون ويعاملون بمقتضاها، ويتقبل المجتمع هذه المجموعة الوظيفية من خلال وظيفتهم تلك، ورؤيتهم ذات البعد الواحد المجرد بعيدًا عن الأبعاد الأخرى الأخلاقية أو الإنسانية أو المثالية.
وبالتالي تكون علاقة المجتمع بتلك المجموعة علاقة نفعية تقوم على الحياد والوقوف على مسافة منها، بينما تكون العلاقة قريبة وقوية بين النخبة الحاكمة وتلك المجموعة؛ لذا فهي تدعمها بما يضمن لها الاستمرارية والبقاء والتفوق، وفي المقابل: فإن هذه المجموعة يكون ولاؤها التام دائمًا لهذه النخبة الحاكمة، وهي وسيلة وأداة لتلك النخبة لخدمة مصالحها بوسائلها التي قد تكون وسائل مشينة لا يمكن أن تمارسها الدولة في سياساتها المعلنة أمام الجميع.
وبالتالي يعد تحقيق المنفعة والمصلحة بوجود تلك المجموعة مبررًا كافيًا لوجودها ودعمها لاستمرار دورها، والعضو في هذه المجموعة يصير جزءًا منها يحمل هويتها ورؤيتها، وهو في نفس الوقت أداة من أدوات النخبة الحاكمة لتحقيق أهداف تراها تلك النخبة دون أن تتورط فيها بصورة معلنة.
وعلى هذا النحو تعمل الدول الاستعمارية على المستوى العالمي، فتوظف فئة في دولة ما، أو توظف دولة في منطقة ما، تقوم بإيجادها ودعمها وتضمن لها البقاء والقوة لتحقيق مصالح متبادلة لا تحدث إلا من خلال وسائل لا أخلاقية أو مشينة ليس من مصلحة تلك الدولة ممارستها بصورة معلنة وصريحة، فيتم ممارستها وتحقيقها عن طريق فئة أو دولة عميلة.
ومن ذلك: استغلال الدول الاستعمارية وجود الأقليات في بعض الدول لتحويلها إلى مجموعة وظيفية تدين لها بالولاء وتحقق لها مصالحها، وتضمن هي لها البقاء والقوة، تثير المشاكل وتحدث الانشقاقات، وتضعف من شأن الدولة التي تعيش فيها.
قال دكتور عبد الوهاب المسيري: "ويحاول الاستعمار دائمًا أن يحول أعضاء الأقليات إلى جماعات وظيفية يسندها إليها، وتتمتع بمزايا تقدمها لها حتى تدين له بالولاء" (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - د. عبد الوهاب المسيري - دار الشروق - ط. الخامسة 2009 - المجلد الأول، ص 28).
وتعد دولة إسرائيل المقامة على أرض فلسطين العربية مثالًا واضحًا للدولة الوظيفية التي أوجدها ودعمها ويدعمها الاستعمار بقوة؛ سواء الاستعمار في ثوبه القديم (إنجلترا) أو في ثوبه الجديد (الولايات المتحدة).
قال د. عبد الوهاب المسيري عن الدولة الوظيفية: "يرتبط بمفهوم الجماعة الوظيفية مفهوم الدولة الوظيفية، والدولة الوظيفية هي الدولة التي تؤسس أو يعاد صياغة توجهها أو توجه نخبتها الحاكمة لتضطلع بوظيفة معينة، ويصبح جوهرها هو هذه الوظيفة؛ فالدولة الوظيفية هي الدولة التي تشكل إعادة إنتاج لدور الجماعة الوظيفية في العصر الحديث" (المصدر السابق).
ثم يضيف د. عبد الوهاب المسيري إلى كلامه تعريفه للدولة الصهيونية الوظيفية -يعني إسرائيل- بقوله: "الدولة الصهيونية الوظيفية دولة تتسم بكل سمات الجماعة الوظيفية، فهي تدخل في علاقات تعاقدية مع الغرب (خدمة المصالح الغربية نظير أن يقوم الغرب بحمايتها)، وهي دولة (جيتو / قلعة منعزلة) عن محيطها الحضاري ذات رؤية حلولية كمونية، فهي تتصور أنها منفصلة عن الزمان والمكان، ولديها إحساس عميق بتفوقها ورسالتها المقدسة، تتبنى أخلاقيات مزدوجة في علاقاتها مع الذات، ومع الآخر" (المصدر السابق).
عجز الدولة الوظيفية:
تحتاج الدولة الوظيفية إلى راعٍ يحميها، ويكفل لها أمنها ومستواها المعيشي نظير أن تقوم هي على خدمته ورعاية مصالحه ضد أعدائه.
قال د. عبد الوهاب المسيري: "وظلت إنجلترا الراعية الأساسية الشاملة للجيب الصهيوني، توظف الدولة الوظيفية لحسابها ولحساب الحضارة الغربية، وحينما بدأت الولايات المتحدة قيادة التشكيل الاستعماري الغربي تراجع الدور الإنجليزي، وأصبحت الولايات المتحدة راعية الجيب الوظيفي الإسرائيلي ومظلته الواقية"، و"تقوم الدولة الراعية بدعم الدولة الوظيفية حتى يمكنها الاستمرار في وظيفتها بكفاءة"، "وقد تزايد الدعم الأمريكي لإسرائيل إلى أن أصبحت الدولة الوظيفية معتمدة تمامًا عليها"، "وقد أصبح حجم هذه المساعدات من الضخامة بحيث تتضاءل بجواره المساعدات التي يرسلها يهود العالم" (المصدر السابق - المجلد الثاني، ص 384، 385 بتصرفٍ).
ويضيف: "ورغم هذا الاعتماد الكلي على الدولة الراعية تتمتع الدولة الوظيفية الصهيونية بقدر من الاستقلال النسبي، وقد يبدو هذا لأول وهلة وكأنه تناقض، ولكن التناقض سيختفي تمامًا إن تذكرنا أن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لا يشكل جزءًا عضويًّا من الاستعمار الغربي، وإنما هو مجرد آلة في يد الغرب"، "وقد قام الصهاينة بطرد الفلسطينيين فعلًا وأنشأوا دولتهم الصهيونية المستقلة، ولكن التطورات التاريخية أظهرت أن الجيب الصهيوني يعتمد على قوة غربية عظمى اعتمادًا كاملًا، ولكنه في الوقت نفسه يتمتع بدرجة كبيرة من الاستقلال؛ مثل هذا الوضع الشاذ يمكن إرجاعه إلى عدة عوامل خاصة بالصهيونية وحدها، فالمستوطنون الصهاينة لم ينشئوا في دولة أوروبية واحدة يدينون لها وحدها بالولاء، وتقدم هي لهم بدورها الحماية والمأوى في حالة تصفية الجيب الاستيطاني"، "فالعلاقة بين المستوطنين الصهاينة والدولة الغربية التي ترعاهم تستند إلى المصلحة المشتركة، فهي علاقة تعاقدية نفعية، وليست نتاج روابط حضارية عميقة أو عضوية؛ ولذا فإن الجيب الصهيوني لا يتمتع بالحماية الدائمة من جانب دولة واحدة، وإنما يتمتع بالحماية المؤقتة من جانب عدد من الدول (الواحدة تلو الأخرى)؛ ولعل هذا يفسر سبب انتقال القيادة الصهيونية من مركز جذب إلى آخر، ولكن بسبب هذا الوضع نفسه حقق الجيب الاستيطاني قدرًا كبيرًا من الاستقلال" (المصدر السابق، ص 385 بتصرفٍ).
"هذا الإيقاع المركب من الجذب والتنافر، من الحكم الذاتي والاعتماد المذل، ومن التحالف مع الدولة الحامية والصراع معها، هو الذي ميَّز العلاقات الصهيونية الغربية منذ البداية. وقد حاول كل جانب أن يستغل الآخر، وأن يحدد منطقة المصالح المشتركة بطريقة تخدم مصالحه هو أساسًا، فالصهاينة لم يتمكنوا من اكتساب موطئ قدم في الأرض الفلسطينية إلا من خلال وعد بلفور والانتداب البريطاني"، "ولم يشدد المستوطنون الصهاينة قبضتهم على الأرض ولم يتزايد عددهم إلا بعد تعاونهم الكامل مع حكومة الانتداب، وهو الأمر الذي أدى في نهاية الأمر إلى الانتصار الصهيوني عام 1948؛ أي: أن الراعي الإمبريالي لعب دوره كاملًا تجاه الجماعة الوظيفية الاستيطانية حتى تحولت إلى دولة وظيفية استيطانية" (المصدر السابق، ص 385 -386).
"ويعقد الموقف تمتع يهود العالم بدرجة من الاستقلال النسبي، وإن كانوا يشكلون في الوقت نفسه جزءًا من كيان أكبر يخضعون لقوانينه وتوجيهاته؛ فالأمريكيون اليهود يمدون إسرائيل بالمساعدات المالية والسياسية بحماس شديد، ولكن مثل هذه المساندة ستستمر ما دامت هناك مصالح مشتركة أساسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ويلعب الصهاينة التوطينيون دورًا مزدوجًا، فهم يقومون بالضغط على الولايات المتحدة لتحصل إسرائيل على درجة من الحرية والاستقلال أكثر من أي دولة أخرى تابعة، ولكنَّ هؤلاء التوطنيين كثيرًا ما يجدون أنفسهم مضطرين في مرحلة ما (وهنا تكمن سخرية الموقف) إلى أن يمارسوا الضغط على إسرائيل عندما تقرر الولايات المتحدة أنه ينبغي على إسرائيل أن تغير سياستها بطريقة تتماشى مع المصالح الدولة الأمريكية.
إن تاريخ الصهيونية مليء بالتوترات؛ ليس بين الصهيونية ويهود العالم فحسب، ولكن بين الصهيونية الاستيطانية والصهيونية التوطينية كذلك. ومهما يكن الأمر فإن علاقة الشد والجذب تبين مدى تعاقدية العلاقة ونفعيتها" (المصدر السابق، ص 386).
مختصر تاريخ التحالف الأمريكي الإسرائيلي:
قال د. المسيري: "لا شك أن القوى الاستعمارية هي التي تبنت المشروع الصهيوني، وتكفلت برعايته ووفرت له كل أسباب النجاح. وحتى الحرب العالمية الثانية كانت أوروبا هي القاعدة المركزية للنشاط الصهيوني، وكانت بريطانيا الدولة العظمى التي تقود عملية إنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين؛ أما بعد التحولات التي أخذت تتبلور مع الحرب العالمية الثانية فإن النشاط الصهيوني سارع في الانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية مركز القوة الجديد في الغرب، فكانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بإسرائيل بعد دقائق من إعلان قيامها في 15 مايو 1948.
وقد أيدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة موقف إسرائيل من الصراع العربي الإسرائيلي باستثناء العدوان الثلاثي سنة 1956، ولكن الدعم العسكري والاقتصادي ظل متواضعًا حتى منتصف الستينيات، حيث كانت إسرائيل تعتمد على التعويضات الألمانية من الناحية الاقتصادية وعلى السلاح الفرنسي من الناحية العسكرية، وبدأ التبدل النوعي في العلاقة بين الطرفين مع تولي (لندن جونسون) رئاسة الولايات المتحدة في وقت أصبح من الواضح فيه أنها وريثة الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة وزعيمة العالم الغربي في عالم ما بعد الاستعمار.
وبذلك انطوت حقبة كاملة من السياسة التي تميزت بالتوازن النسبي أحيانًا أو الانحياز المحدود المقتصر على مؤسسة الرئاسة كما في ولاية (ترومان). وبدأت حقبة مختلفة مع جونسون اتسمت بالانحياز الجارف إلى إسرائيل على جميع المستويات الرئاسية والحكومية وبخاصة بعد حرب 1967، حيث أصبحت الولايات المتحدة المورد الأساسي للسلاح لإسرائيل.
وفي عهد (رونالد ريجان)، قطعت هذه العلاقة مسافة أخرى على طريق التنسيق الإستراتيجي المتكامل، حيث تم توقيع اتفاقية التعاون الإستراتيجي لسنة 1981. وبعد أسابيع من توقيعها أعلنت إسرائيل ضم مرتفعات الجولان السورية، وبعد عام واحد على وجه التحديد في يونيو 1982 قامت إسرائيل باجتياح لبنان، ثم انضمت عام 1983 إلى مبادرة الدفاع الإستراتيجي الأمريكية، وتم توقيع اتفاقية إستراتيجية أخرى بين الولايات المتحدة وإسرائيل حصلت بموجبها إسرائيل على مكاسب جديدة، وفتحت أمامها آفاق جديدة من التعاون والمساعدات الأمريكية، فقد تكفلت الولايات المتحدة في هذه الاتفاقية بأن تقوم وزارة الدفاع الأمريكية بشراء ما قيمته 200 مليون دولار سنويًّا من إسرائيل، كما سمحت للشركات الإسرائيلية بدخول المناقصات التي تجريها وزارة الدفاع الأمريكية من أجل الحصول على عقود صنع السلاح، كذلك حصلت إسرائيل على تعهد أمريكي بمدها بالمعلومات التي تحصل الولايات المتحدة عليها في الشرق الأوسط عن طريق الأقمار الصناعية.
وفي عام 1985 وقعت الحكومتان اتفاقية تم بمقتضاها إلغاء التعريفة الجمركية بينهما؛ أي: قبل سبع سنوات من إبرامها اتفاقية مماثلة مع جارتيها كندا والمكسيك. واستمرت إدارة الرئيسين بوش وكلينتون في دعم إسرائيل"، "وفي يناير 1986 أعلن عن قيام حلف دفاعي بين إسرائيل والولايات المتحدة يستند إلى مجموعة متنوعة من الخدمات المميزة التي يمكن أن توفرها إسرائيل للولايات المتحدة باعتبارها رصيدًا إستراتيجيًّا.
وهي تتمثل في:
- الموقع الجغرافي: فإسرائيل قاعدة انطلاق مثالية للقوات الأمريكية إذا هددت مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهي منطقة مهمة من الناحية الجيوبوليتيكية؛ بسبب ما يحويه من نفط ورؤوس أموال وأسواق. ومن المعروف أن نقل قوة لها شأنها إلى هذه المنطقة يستغرق عدة أشهر، أما مع وجود إسرائيل كحليف فإنه لا يحتاج إلى بضعة أيام.
- البني التحتية والمواصلات والاتصالات: تستطيع القوات الأمريكية استخدام القواعد الجوية والبحرية والبرية الإسرائيلية، إما لهدف عسكري مباشر أو عمليات الإسناد أو كقواعد وسيطة.
- البحث والتطوير والاستخبارات: يمكن أن تستفيد القوات الأمريكية من الخبرات الحية للتجربة العسكرية الإسرائيلية، ومن المعلومات التي جمعتها إسرائيل عن المنطقة.
- القدرة الدفاعية: يمكن استخدام القدرات العسكرية الإسرائيلية لحماية قوة تدخل أمريكية في الشرق الأوسط؛ خصوصًا أن سلاح الجو الإسرائيلي يسيطر على المجال الجوي".
"ويترتب على هذه العناصر تحقيق وحدة المصالح الإسرائيلية الأمريكية، وخصوصية علاقتهما وتفردها، باعتبار إسرائيل موقعًا أمريكيًّا متقدمًا في منطقة الشرق الوسط.
وفكرة إسرائيل رصيد إستراتيجي للولايات المتحدة لا تنفصل عن الصراع العربي الإسرائيلي، فالخبرات والقدرات السابقة لم تكتسبها إسرائيل إلا بانغماسها في ذلك الصراع، كما أن تصاعد الصراع واحتدامه؛ أدَّى إلى زيادة الروابط العسكرية والإستراتيجية بين البلدين" (المصدر السابق، ص 380-381).
الدعم الأمريكي هو الراعي لإسرائيل:
تطورت المساعدات الأمريكية لإسرائيل وتصاعدت خلال السبعينيات والثمانينات، وقفزت خاصة بعد حرب 1967 قفزة كبيرة حتى بلغت 3 مليار دولار سنويًّا تقريبًا؛ طبقًا للإحصائيات الأمريكية الرسمية، منها: 1.8 مساعدات عسكرية، و1.2 مساعدات اقتصادية.
وقد أخذت هذه المساعدات منذ الثمانينيات طابع المنح بدلًا من القروض، وتشير بعض التقديرات إلى أن إجمالي ما حصلت عليه إسرائيل من معونة أمريكية حتى عام 1996 يبلغ 78 مليار دولار؛ منها ما يزيد عن 55 مليار دولار منحة لا ترد، بينما ترفع بعض التقديرات الأخرى مبلغ المعونة الفعلية إلى أعلى من هذا بكثير.
ولا تكشف هذه الأرقام بطبيعة الحال عن حجم المساعدات غير الحكومية التي تتلقاها إسرائيل من أفراد ومؤسسات داخل الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أصبحت منذ منتصف السبعينيات ثاني أكبر مصدر لتدفق الأموال الخارجية على إسرائيل بعد الحكومة الأمريكية؛ ففي الولايات المتحدة توجد حوالي 200 مؤسسة تعمل في مجال جمع التبرعات لإسرائيل، وتشير بعض التقديرات إلى أن المساعدات التي حصلت عليها إسرائيل من مصادر غير حكومية في الفترة من 1948 إلى 1986 قد بلغت 24.5 مليار دولار؛ منها: 6.5 مليار مساعدات أفراد، و11 مليار مساعدات من مؤسسات و7 مليارات قيمة سندات دولة إسرائيل.
وقد قدمت كل تلك المساعدات لدولة عدد سكانها أقل من خمسة ملايين، وتقدر حصة الفرد الإسرائيلي من المساعدات الأمريكية ما بين 1600 إلى 2000 دولار سنويًّا دون حساب عوائد الدعم الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي والعسكري والسياسي (راجع المصدر السابق، ص 382، 383).
والدولة الصهيونية تعد في حالة حرب دائمة تلتهم جزءًا كبيرًا من ميزانية الدفاع والأمن، وهو ما يشكل استنزافًا اقتصاديًّا دائمًا، كما أن عمليات بناء المستوطنات تتطلب أيضًا ميزانيات ضخمة؛ خاصة وأن بناء هذه المستوطنات لا يخضع بالضرورة لمقاييس الجدوى الاقتصادية الصارمة، وإنما يخضع لمتطلبات الاستيطان، وهو ما يسبب إرهاقًا ماليًّا كبيرًا.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 15-08-2024, 08:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 139,747
الدولة : Egypt
افتراضي رد: غزة رمز للعزة

غزة رمز للعزة (14) بين الصهيونية والنازية



كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أدَّى ما قامت به قوات الاحتلال الإسرائيلية من جرائم حرب فظيعة وعقوبات جماعية، وما اقترفته من مذابح شنيعة، وما خلَّفته من مقابر جماعية، وما دأبت عليه لعدة شهور متتالية من أعمال إبادة جماعية للسكان في قطاع غزة في أعقاب عملية (طوفان الأقصى) - إلى إعادة ما كان يثار ويتداول حول علاقة وتعاون الحركة الصهيونية مع النظام النازي في ألمانيا، وتأثرها به خلال النصف الأول من القرن العشرين الميلادي.

وإذا كان الشائع أن الحكم النازي في ألمانيا قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية قد ارتبط بمعاداة اليهود، وأن اضطهاد النازيين لليهود بلغ مداه من خلال إقامة معسكرات لاعتقال اليهود ثم قتل الآلاف منهم فيها، والذي نجحت وسائل الإعلام بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وبعد سقوط النازية فيها في تضخيم هذا العداء والمبالغة في تقدير ضحاياه من اليهود، في ظل صمت أو ترحيب من الحلفاء المنتصرين؛ شماتة في الحكم النازي المهزوم، في مبالغة طغت حتى أخفت وراءها حقيقة أخرى حرصت الصهيونية العالمية كل الحرص على إخفائها تمامًا، ومنع أي حديث عنها تتعلق بصور من المساعي للتعاون المشترك بين الحركة الصهيونية وقتها وبين النظام النازي في ألمانيا، وهو ما أثارته، بل وأثبتته العديد من الأرشيفات القضائية والمكاتبات الدبلوماسية في تلك الفترة، وهو ما سعى في إثباته البعض في مؤلفات تناولت وعالجت الجوانب المختلفة لتلك العلاقة المشبوهة بين الصهيونية والنازية، والتي كشفت وأظهرت خفايا مذهلة غابت عن الكثيرين.

ومن تلك الأعمال والجهود المبذولة في هذا الأمر:

- الدراسة التي أعدها (ليني برينر) بعنوان: (الصهيونية في عصر الديكتاتوريين)، وهي من منشورات (كوروين هيلم) - لندن - عام 1983.

- الدراسة من إعداد (لوسي دافيدوفيتش) بعنوان: (الحرب على اليهود)، وهي من منشورات (بانجوين بوكز) عام 1977.

- الدراسة التي أعدها (آري بوبير) بعنوان: (إسرائيل الأخرى)، وهي من منشورات (أنكر بوكز) - نيويورك - عام 1962.

- الدراسة التي أعدها (بن هيكت) بعنوان: (الخيانة)، وهي من منشورات (جوليان نيسنر) - نيويورك - عام 1961.

- كتاب (آنا ارينت) بعنوان (إيخمان في القدس)، وهو من منشورات (فايكنج برس) - نيويورك - عام 1955.

هذا إلى جانب العديد من المؤلفات الأخرى.

لماذا تتعاون الصهيونية مع النازية؟

لقد كان من دأب زعماء الحركة الصهيونية الحديثة -التي تبنت فكرة إنشاء دولة لليهود على أرض فلسطين- منذ نشأتها السعي للاستفادة من كل الأطراف على الساحة العالمية، بلا استثناء ومهما كان هذا الطرف، لتحقيق هدفها الأكبر، من باب أن الغاية تبرر الوسيلة؛ فمنذ مؤسسها (تيودور هرتزل) الذي اتصل بكل الأطراف على الساحة الدولية على ما بينها من اختلافات، بل وتناقضات لإقناع كل منها على حِدَة للتعاون معه لصالح حركته الصهيونية، مع إغراء هذا الطرف أو ذاك بتحقيق مصلحة له من وراء مساعدته في إيجاد أرض لليهود وإقامة دولة يهودية لهم فيها، فكانت محاولات هرتزل الدؤوبة مع: البريطانيين والروس والألمان والإيطاليين، بل ومع الدولة العثمانية.

كان الهدف الأسمى وقتها هو: تهجير أكبر عدد ممكن من اليهود الأوروبيين عامة والألمان خاصة إلى أرض فلسطين. ومن جانب آخر: كانت النازية في ألمانيا -كغيرها في أوروبا- ممن تعادي اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية، فكان الاشتراك بين الصهيونية والنازية في هذه الغاية يفتح بابًا للتعاون بينهما لتحقيق هذا الهدف المشترك.

كان هدف الحركة الصهيونية وهو دفع أكبر عدد يمكن دفعه من يهود أوروبا عامة وألمانيا خاصة لقبول الهجرة إلى أرض فلسطين والاستيطان فيها، وكان أكثر يهود أوروبا وقتها غير متقبلين لفكرة الحركة الصهيونية تلك في ظل اندماج الكثيرين منهم في المجتمعات الأوروبية، وكان هدف النازية هو التخلص من اليهود الألمان؛ لذا لم تهتم الحركة الصهيونية وهي تسعى لتحقيق حلمها إلا باليهود الفارين من أوروبا عامة وألمانيا خاصة، المتوجهين إلى فلسطين دون غيرهم، فلم تكن الحركة الصهيونية تكترث وقتها باليهود ممن لم تكن وجهتهم فلسطين؛ لذا لم تهتم الحركة الصهيونية وقتها كثيرا بإنقاذ اليهود المعتقلين أو المهددين منهم بالموت، بل بلغ الأمر بالتضحية بهؤلاء اليهود لتحقيق الحلم الأكبر.

فلقد حاولت بعض الدول الأوروبية أكثر من مرة مساعدة اليهود الراغبين في الفرار من الاضطهاد النازي بنقلهم، ولكن لوجهات أخرى غير فلسطين، ولكن الحركة الصهيونية لم تقبل هذا النقل ليهود أوروبا إلى غير فلسطين.

ومن أمثلة ذلك:

- سعي الحركة الصهيونية إلى إفشال مؤتمر (أفيان) في فرنسا عام 1938، الذي حضره ممثلون عن كثير من الدول لإنقاذ اليهود من اضطهاد النازية بنقلهم إلى بلدان أخرى آمنة بالنسبة لهم.

- رفض الحركة الصهيونية لعرض جمهورية الدومينيك وقتها باستقبال 100 ألف لاجئ يهودي.

- رفض الحركة الصهيونية اقتراحًا بنقل 300 ألف يهودي، نصفهم إلى بريطانيا، والنصف الآخر إلى أمريكا، رغم موافقة البلدين على ذلك.

- رفض الحركة الصهيونية نقل عشرات اليهود إلى النرويج بعد ما أقر البرلمان في النرويج قانونا يسمح باستقبالهم.

لقد كان هدف الحركة الصهيونية واضحًا لا لبس فيه أنه لا سبيل لإنقاذ اليهود إلا من خلال الهجرة إلى فلسطين دون غيرها. وقد نقل عن (بن جوريون) قوله في تصريح له في عام 1938 أمام زعماء الصهيونية: "لو علمت أنه يمكن إنقاذ كل الأطفال اليهود الألمان بنقلهم إلى انجلترا أو إنقاذ نصفهم فقط بنقلهم إلى أرض إسرائيل (يعني أرض فلسطين) لفضلت الحل الثاني على الأول وأخذت به"؛ "إذ يتعين علينا أن نأخذ في اعتبارنا لا حياة هؤلاء الأطفال وحسب بل كذلك تاريخ شعب إسرائيل" (راجع في ذلك: تاريخ المسألة الفلسطينية، فيصل أبو خضرا، ص 135، 136، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، د. عبد الوهاب المسيري - ط. دار الشروق الخامسة، 1/ 201).

ورغم معارضة الحركة الصهيونية تلك؛ فقد فر وهاجر الكثير من يهود أوروبا وقتها إلى دول غير فلسطين فتحت لهم أبوابها؛ منها: روسيا وأمريكا.

- ومما تم الكشف عنه في هذا الشأن: رسالة تم الكشف عنها وُجِدت في أرشيف السفارة الألمانية في أنقرة في مطلع عام 1983 تشير إلى وجود قنوات للاتصال بين منظمة (شترن) الصهيونية الإرهابية وبين مسئولين من النازيين الألمان بهدف التنسيق بين الطرفين، وفي الرسالة عروض للتعاون واردة من (إسحاق شامير) أحد قادة منظمة شترن، وكان اسمه وقتها (إسحاق يرتشينسكي)، تتناول إمكانية التقاء المصالح بين إقامة نظام أوروبي جديد وفقًا للمفاهيم الألمانية النازية وبين تطلعات منظمته الإرهابية.

قضية تفجير الباخرة (باتريا):

غرقت تلك الباخرة (باتريا) وهي تحمل على متنها 252 يهوديًّا أنقذتهم بريطانيا من الألمان، وقد قبلوا جميعًا الانتقال بحرًا والهجرة إلى جزيرة (موريس) في المحيط الأطلنطي، وعند توقف الباخرة في طريقها في ميناء حيفا بفلسطين تعرضت لانفجار أغرقها وأودى بحياة كل من فيها، وارتفعت الأصوات اليهودية بزعم أن يهود الباخرة هم الذين فجروا الباخرة في انتحار جماعي احتجاجًا منهم على عدم السماح لهم بالنزول طبقًا لرغبتهم في فلسطين، واستغلت الصهيونية ذلك الزعم للضغط على الرأي العام الدولي لحمل بريطانيا على التراجع عن قرارها وقتها بتحديد وتقييد الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين، وأيضًا حمل أمريكا على الضغط على بريطانيا في نفس الاتجاه، ثم إنه في عام 1950 -أي: بعد عقد من الزمان- اتضحت الحقيقة أن تفجير تلك السفينة كان بموجب قرار اتخذته المنظمة الإرهابية التي كان يرأسها وقتها (بن جوريون) لإعادة فتح باب الهجرة اليهودية لفلسطين بلا أي قيود (راجع: تاريخ المسألة الفلسطينية، ص 57).

قال الأستاذ فيصل أبو خضرا تعليقًا على هذه الميكافيلية الصهيونية: "فمن يفعل ذلك هل يتردد أمام دير ياسين؟ وهل يتردد أمام كل ما جنته يداه في فلسطين وما حولها؟) (راجع المصدر السابق).

- وأيضًا من أمثلة التعاون مع النازية على حساب اليهود أنفسهم لصالح هدف الصهيونية الأكبر ما كشف عنه المسئول النازي الكبير (إيخمان) أثناء محاكمته في إسرائيل في عام 1955، وذكرته (آنا ارنيت) في كتابها (إيخمان في القدس)، من أن (رودلف كاستنر) نائب رئيس المنظمة الصهيونية تعهد أثناء الحرب العالمية الثانية بنقل 476 ألف يهودي من معتقلات مختلفة إلى معتقل (أوشتز)، وهو معسكر اعتقال في بولونيا يعد رمزًا للقتل الجماعي الذي مارسته النازية الألمانية ضد اليهود والبولونيين، مقابل قيام (إيخمان) بإرسال 1684 يهوديًّا من النخبة اليهودية إلى فلسطين.

قال الأستاذ فيصل أبو خضرا تعقيبًا على ذلك: "هذه هي الميكافيلية الصهيونية في أغرب صورها، فمن يفعل ذلك مع مئات وآلاف يهود لقاء مساهمة بسيطة في بناء الدولة اليهودية؛ فماذا تنتظر منه أن يفعل معنا نحن العرب؟!) (المصدر السابق، ص 56، 57).

نشأة النازية:

اسم النازية مأخوذ بنوع من الاختصار والتصرف لحركة عرقية شمولية تعني الاشتراكية الألمانية القومية. وهذه الحركة حركة سياسية وفكرية، قادها (أدولف هتلر) وهيمنت على مقاليد الحكم في ألمانيا وعلى المجتمع الألماني بأسره خلال فترة الثلاثينيات. ويعد حزب العمال الألمان هو النواة الأساسية للنازية في ألمانيا، وقد تأسس هذا الحزب في عام 1918 بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وإذلالها على يد الدول الغربية المنتصرة.

ويقوم الحزب على عقيدة لها صبغة قومية قوية وطابع اشتراكي، يدعو إلى ملكية الدولة للأرض. وقد أعيد تنظيم الحزب عام 1920 وسمي باسم: (حزب العمال الألماني الاشتراكي القومي)، وترأسه هتلر الذي رأى فيه أعضاء الحزب القدرة على تقويض النظام السياسي القائم على وقف تقدم الشيوعيين، وقد تزايد نفوذ الحزب مع اتساع نطاق الكساد الاقتصادي عام 1929، وسرعان ما حل كتاب (كفاحي) لهتلر محل برنامج الحزب؛ مما أسفر عن تراجع الخطاب الاشتراكي ليحل محله الخطاب النازي الأكثر مادية وتبلورًا.

وتقدم الحزب النازي بخطى واسعة في بداية الثلاثينيات، حتى بلغ عدد أعضائه نحو المليونين ليصبح الحزب الثاني في ألمانيا. وفي عام 1933 وبتعيين هتلر مستشارًا لألمانيا تحول الحزب النازي إلى الحزب الأوحد المنفرد بالحكم، ليبدأ في عام 1936 خطة السنوات الأربع لإعادة تسليح ألمانيا وإعادة تنظيم الاقتصاد الألماني انطلاقًا من الاعتماد على الذات، وحقق النازيون نجاحًا اقتصاديًّا باهرًا، زاد من التفاف الجماهير حولهم، وقد سيطر هتلر على حزبه سيطرة كاملة، وأصبح رئيسًا للدولة لا ينازعه السلطة أحد، فشرع في تنفيذ مخططه الإمبريالي في الداخل والخارج.

وقد تبنت النازية فيما تبنت من أفكار النظرية العرقية الغربية، التي تقوم على التفوق العرقي للشعب الألماني على كل شعوب أوروبا، ولشعوب أوروبا على كل شعوب العالم، من خلال فكرة الشعب العضوي (فولك) الذي توجد بين أعضائه وحدة عضوية من جهة وبين حضارتهم والأرض التي يعيشون عليها من جهة أخرى، وهي وحدة دائمة لا تنفصم عراها، وتواترت في الخطاب العضوي النازي عبارة (الدم والتربة)، وصارت شعارًا أساسيًّا للنازية تجعل رابطة الدم والأرض الصفتين الأساسيتين اللتين يستند إليهما رقي الجنس الألماني، وانطلاقًا منهما ينصب الشعب الألماني نفسه إلهًا على بقية الشعوب، فدمه وتربته يحويان كل القداسة ويعطيانه حقوقًا مطلقة لا يمكن النقاش بشأنها.

وقد انعكس ذلك وترجم إلى مفهوم العرق السيد، وهو العرق الآري الألماني الذي سيحتفظ بنقائه العرقي، ويؤسس أمة قدرها المحتوم أن تحكم الأعراق الأخرى الدنيا، وانطلاقًا من هذا وضعت ألمانيا فوق الجميع وأصبح للألمان حقوق مطلقة فيما تصوروا أنه مجالهم الحيوي (راجع في ذلك: الموسوعة - د. المسيري، ص 179).

ولا يخفى أن هذه الأطروحات الأساسية للنازية ليست غريبة على أطروحات الحضارة الغربية الحديثة التي شكلت -وتشكل- الإمبريالية الغربية، والتي استقت منها أيضًا الحركة الصهيونية فكرها كحركة قومية استعمارية نبتت في أجواء هذه الحضارة الأوروبية الحديثة. "وبالفعل حظيت الحركة النازية في البداية بتأييد رأسمالي غربي؛ لأنها كانت تنظر إلى الاتحاد السوفيتي باعتباره العدو الأكبر (السلافي) للحضارة الآرية، ومن ثم كان الرايخ الثالث (الألماني) من هذا المنظور يشكل قلعة ضد الزحف السلافي الشيوعي"، "ثم تحالف الغرب الرأسمالي مع الشرق الاشتراكي ضد هتلر؛ لا دفاعًا عن المبادئ، ولكن لأنه بدأ يهدد مصالحهما معًا" (انظر: موسوعة د. المسيري - 1/ بتصرف).

قال د. المسيري: "إن جوهر الفكر النازي متمثلًا في كتابات أدولف هتلر (وغيره من المفكرين النازيين) لا يختلف كثيرًا عن فكر سير آرثر بلفور صاحب الوعد المشهور (وغيره من الساسة والمفكرين الاستعماريين". فكلٌّ من: هتلر وبلفور، يدور داخل الإطار الإمبريالي العرقي المبني على الإيمان بالتفاوت بين الأعراق، وعلى حل مشاكل أوروبا عن طريق تصديرها، وكلاهما مؤمن بفكرة الشعب العضوي، وكلاهما يرى في اليهود عنصرًا غير مرغوب فيه، ويؤكد من ثم ضرورة وضع حل نهائي للمسألة اليهودية في أوروبا، وكلاهما لا يلتزم بأية منظومة أخلاقية سوى منظومة المنفعة المادية ومنظومة الصراع الداروينية. وقد تم الحل النهائي في حالة بلفور بنقل (ترانسفير) اليهود خارج إنجلترا وأوروبا إلى فلسطين" (انظر: المصدر السابق).

ويضيف د. المسيري: "ولعل أكبر دليل على أن الصهيونية جزء أصيل من الحضارة الغربية: أن الغرب يحاول تعويض اليهود عما لحق بهم على يد النازيين بإنشاء الدولة الصهيونية على جثث الفلسطينيين، وكـأن جريمة أوشفيتس (وهو من أشهر معسكرات الاعتقال للنازيين) يمكن أن تمحى بارتكاب جريمة دير ياسين أو مذبحة بيروت أو مذبحة قانا. وقد أنجزت الصهيونية ما أنجزت من اغتصاب للأرض وطرد وإبادة للفلسطينيين من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي، واستخدمت كل أدواته من غزو وقمع وترحيل وتهجير. والغرب الذي أفرز هتلر وغزواته هو نفسه الذي ينظر بإعجاب إلى الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان وبيروت وأنحاء أخرى من العالم العربي. وهو الذي ينظر بحياد وموضوعية داروينية للجريمة التي ارتكبت وترتكب يوميًّا ضد الشعب الفلسطيني" (انظر المصدر السابق، ص 197).

أوجه الشبه بين الصهيونية والنازية:

1- التشابه في خطابهما: "كلاهما يستخدم مصطلحات القومية؛ مثل: الشعب العضوي (فولك)، والرابطة الأزلية بين الشعب وتراثه وأرضه، والشعب المختار". وقد سُئِل هتلر عن سبب معاداته لليهود، فكانت إجابته قصيرة بقدر ما كانت قاسية: "لا يمكن أن يكون هناك شعبان مختاران؛ نحن وحدنا شعب الله المختار! هل هذه إجابة شافية؟!" (الموسوعة - د. المسيري، 1/ 198).

فالصهيونية كالنازية؛ تقوم على أن الرابطة بين اليهود وأرضهم هي رابطة الدم والتربة، ومن ثم تطالب بضرورة العودة إلى فلسطين؛ حيث توجد التربة التي يمكن للدم اليهودي أن يتفاعل معها ويبدع من خلالها.

- استخدام النازيين والصهاينة -على حدٍّ سواء- الخطاب المبني على القوة وإسقاط القيمة الأخلاقية؛ "إذ يستخدم الصهاينة شأنهم في هذا شأن النازيين مصطلحًا محايدًا، فهم لا يتحدثون عن طرد الفلسطينيين، وإنما عن تهجيرهم أو دمجهم في المجتمعات العربية، وهم لا يتحدثون عن الاستيلاء على القدس وإنما عن توحيدها، ولا على الاستيلاء على فلسطين أو احتلالها، وإنما على استقلال إسرائيل، أو عودة الشعب اليهودي إلى أرض أجداده" (المصدر السابق).

2- التشابه في ادعاء النقاء العرقي.

3- الأصول الألمانية للزعماء الصهاينة: فنلاحظ "الأصول الألمانية الراسخة للزعماء الصهاينة الذين صاغوا الأطروحات الصهيونية الأساسية. فـ(تيودور هرتزل) و(ماكس نوردو) و(ألفريد نوسيج) و(أوتو) و(وربورج) كانوا إما من ألمانيا أو النمسا، يكتبون بالألمانية ويتحدثون بها، كما كانوا ملمين بالتقاليد الحضارية الألمانية ويكنون لها الإعجاب"، "وقد غير هرتزل اسمه من (بنيامين) إلى تيودور حتى يؤلمن اسمه، وسمى (ماكس نوردو) نفسه بهذا الاسم؛ لإعجابه الشديد بالنورديين". ولا يختلف زعماء يهود اليديشية عن ذلك، فلغتهم اليديشية هي رطانة ألمانية أساسًا.

ومن جهة أخرى: كانت الألمانية لغة المؤتمرات الصهيونية الأولى، كما توجه الزعماء النقل الصهاينة أول ما توجهوا لقيصر ألمانيا لكي يتبنى المشروع الصهيوني. وأكد جولدمان أن هرتزل وصل إلى فكرته القومية (العضوية) من خلال معرفته بالفكر والحضارة الالمانيين. وكان كثير من المستوطنين الصهاينة يكنون الإعجاب بالنازية، وأظهروا تفهما عميقًا لها ولمثلها ولنجاحها في إنقاذ ألمانيا، بل عدوا النازية حركة تحرر وطني. وسجل حاييم كابلان، وهو صهيوني كان موجودًا في جيتو وارسو (حين كان تحت الحكم النازي)؛ أنه لا يوجد أي تناقض بين رؤية الصهاينة والنازيين للعالم فيما يخص المسألة اليهودية، فكلتاهما تهدف إلى الهجرة، وكلتاهما ترى أن اليهود لا مكان لهم في الحضارات الأجنبية" (المصدر السابق، ص 199).

معاهدة لنقل النازيين اليهود إلى فلسطين:

معاهدة (الهعفراه) معاهدة وقَّعها المستوطنون الصهاينة مع النازيين. والهعفراء كلمة عبرية أو الترانسفير، وقد كان الصهاينة الاستيطانيون (اليهود المهاجرون إلى فلسطين) في الثلاثينيات يبحثون عن وسائل لدعم المستوطنين وحماية مصالحهم بأية طريقة، ومن ذلك التعاون مع النظام النازي. وبينما كان صهاينة الخارج التوطينيون (اليهود المندمجون في المجتمعات الأوروبية) وقادة الجماعات اليهودية مشغولين بإنقاذ يهود ألمانيا، ومن ضمن جهودهم تنظيم مقاطعة اقتصادية ضد النظام النازي، وقد شكلت المقاطعة في البداية تهديدًا للنظام النازي حتى تبنى الصهاينة المستوطنون خطتهم لخدمة مصالحهم بالتعاون مع النظام النازي.

وقد تم توقيع الاتفاق عام 1933، ويقضي بأن تسمح السلطات الألمانية لليهود الذين يقررون الهجرة من ألمانيا إلى فلسطين بنقل جزء من أموالهم إلى هناك رغم القيود التي كانت تفرضها ألمانيا على تداول العملة الصعبة، يتم ذلك بتمكين أولئك اليهود من إيداع مبلغ مسموح بتحويله في حساب بنكي في برلين أو هامبورج، واستعماله في شراء تجهيزات وآلات زراعية مختلفة من ألمانيا وتصديرها إلى فلسطين، وهناك يتم بيع هذه البضائع وتسدد بأثمانها المبالغ المستحقة لمودعيها بعد وصولهم إلى فلسطين.

وقد أفادت المعاهدة النظام النازي بكسر طوق المقاطعة اليهودية للبضائع الألمانية، وأفادت الاستيطان اليهودي بهجرة 52 ألف و300 يهودي إلى فلسطين بين عامي: 1933، 1941 بموجب هذه الاتفاقية، وهذا العدد يشكل 25% من مجموع اليهود المهاجرين إلى فلسطين خلال تلك الفترة. وقد ظلت هذه الاتفاقية سارية المفعول حتى نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1939 حيث توقف العمل بموجبها دون أن تلغى رسميًّا. (للاستزادة راجع موسوعة د. المسيري، ص 203 - 205).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 29-08-2024, 08:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 139,747
الدولة : Egypt
افتراضي رد: غزة رمز للعزة

غزة رمز للعزة (15) قوات الاحتلال تدمر المنظومة الصحية في قطاع غزة



كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلم تكتفِ قوات الاحتلال الإسرائيلية بكل ما ارتكبته من جرائم حرب وحشية لا مثيل لها في التاريخ الحديث ضد المنشآت والمباني الحكومية، والمدنية، والبيوت، وأبراج المدنيين السكنية وممتلكاتهم، والمدارس بأنواعها، والجامعات، والمساجد في قطاع غزة بأكمله من شماله إلى جنوبه، في وحشية غير مسبوقة تدل على اللا مبالاة بالقيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية، والقوانين والأعراف الدولية منها والإنسانية!
بل قامت كذلك تلك القوات الهمجية باستهداف ومهاجمة منشآت المنظومة الصحية في قطاع غزة بأكمله، ومنعها من القيام بالمطلوب منها لإنقاذ وإسعاف الجرحى والمصابين من جراء الاعتداءات العسكرية الوحشية المتواصلة جوًّا وبحرًا وبرًّا على سكان القطاع، والتي خلَّفت وراءها عشرات الآلاف من المدنيين القتلى ومئات الآلاف من الجرحى والمصابين الذين يحتاجون وبصورة عاجلة إلى الإسعافات السريعة الطارئة لإنقاذ حياتهم المهددة بالضياع؛ فضلًا عن علاج مئات الألوف من المرضى أصحاب الأمراض الطارئة والمزمنة، ومنهم الكثيرون ممن يحتاجون إلى الحجز في عنابر المستشفيات أو إلى إجراء العمليات لإنقاذ أرواحهم أو إزالة أوجاعهم ومعاناتهم؛ فضلًا عن حالات الولادة ومتابعة الحمل لعشرات الآلاف من الفلسطينيات الحوامل في القطاع، وهذه أبسط الحقوق المدنية لأي شعب سواء كانت تحت الاحتلال العسكري أو بدونه والتي لا يقبل أي تهاون فيها أو منع لها حتى في ظروف الحروب العسكرية أو الصراعات والنزاعات المسلحة.
وقد ضربت قوات الاحتلال بكل تلك الحقوق عرض الحائط ولشهور طويلة في جرائم حرب متعمدة هدفها الواضح الانتقام والتشفي من شعب غزة الصامد المتطلع إلى إقامة دولته المستقلة الحرة على أرضه، بل ومارست تلك القوات -وبقوة غاشمة- أعمال عقاب وإبادة جماعية ضد كل السكان الفلسطينيين في القطاع تحت ستار صراعها مع حركة حماس ومنظمات المقاومة الفلسطينية.
ولكون تلك الجرائم البشعة التي لا مثيل لها تتم تحت أعين وسمع العالم بأسره ويصعب سترها وإخفاؤها كلها بالكلية؛ فقد مارست إسرائيل الأكاذيب المعتادة منها للتبرير غير المقبول -مهما كانت دوافعه- لما تقترفه من حصار وجرائم في حق المنظومة الصحية لقطاع غزة، تارة بزعم أن هذه المنشآت والمستشفيات يوجد تحتها أنفاق يعيش فيها رجال المقاومة الفلسطينية، وتارة بزعم أنها لم تقصف أو تهاجم تلك المنشآت الصحية والمستشفيات، أو أنها قصفتها بالخطأ، أو تنسب ما تعرضت له تلك المستشفيات أنه من إصابات من فعل رجال المقاومة الفلسطينية خلال استهدافهم للقوات الإسرائيلية المقتحمة لقطاع غزة والمنتشرة فيه، وتارة بزعم أن استهداف قوات الاحتلال لتلك المنشآت والمستشفيات تم لكون رجال المقاومة الفلسطينية يتخذون منها مراكز للقيادة أو الاختفاء أو تخزين السلاح، وهي المزاعم التي ثبت كذبها بعد ذلك -كذبًا لا شك فيه- بعد تدمير ما تم تدميره من هذه المنشآت الصحية والمستشفيات، وبعد التوغل فيها واقتحامها واحتجاز واعتقال كل من كان فيها، من: أطقم طبية وعمال وتمريض، وجرحى ومصابين ومرضى، ومدنيين نازحين اختبأوا فيها؛ رجاء أن تحميهم من بطش قوات الاحتلال، وهم الذين تركوا بيوتهم بعد تعرضهم للقصف والقتل والقنص، ليُجبروا من جديد على عدم الخروج من تلك المستشفيات بالحصار العسكري، ثم تعرضوا للحجز والاعتقال والتحقيق معهم على ما في ذلك كله من تعطيل لهذه المستشفيات والمنشآت بالكامل عن العمل وأداء المطلوب منها، في ظل ظروف القطاع الصحية الحرجة للغاية، واحتياج سكان القطاع الشديد لجهود هذه المنظومة الصحية، في استهانة واضحة من قوات الاحتلال بإنقاذ أرواح عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء المهددين بالموت، ولامبالاة -غير مسبوقة- لرفع المعاناة التي يكابدونها من جراء العدوان العسكري الإسرائيلي المتواصل عليهم بلا انقطاع ولعدة شهور.
لقد شهدت المنظومة الصحية في قطاع غزة من الأسابيع الأولى للعدوان وطوال شهور متواصلة بعدها صورًا غير مسبوقة من جرائم الحرب والإبادة التي قامت وتقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلية والتي لا يوجد لها مثيل، ومنها:
- قطع الغاز والوقود عن القطاع الصحي ولشهور طويلة مما ترتب عليه وقف عمل الأجهزة الطبية جميعها، وتوقف العمل في غرف العمليات والاستقبال والطوارئ؛ مما أودى بحياة الكثير من الحالات المحتاجة للغسيل الكلوي نتيجة نقص الكهرباء اللازمة لتشغيل ماكينات غسيل الكلى لنقص وقود مولدات الكهرباء، وكذلك وفاة الكثير من الأطفال حديثي الولادة والمبتسرين (الخداج) لتعطل تشغيل حضانات المستشفيات.
ومع تدهور الأوضاع داخل المنظومة الصحية ذكر مدير مستشفى الشفاء في غزة د. محمد أبو سلمية: "أن الأطباء يقومون بلف الأطفال الخدج بورق الألمونيوم ووضعهم بجوار الماء الساخن، في محاولة يائسة منهم لإبقائهم على قيد الحياة في الظروف الكارثية التي يمر بها أكبر مستشفى في القطاع".
وقد أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مع منتصف شهر نوفمبر 2023 عن وفاة 6 أطفال خدج و9 مرضى في المستشفى بسبب نفاد الوقود وخروج أقسامه عن الخدمة نتيجة حصار القوات الإسرائيلية له. وقال د. أبو سليمة لـ(سي إن إن) الأمريكية: "لم يعد هناك ماء أو طعام أو حليب للأطفال الرضع... الوضع في المستشفى كارثي" (انظر جريدة الأسبوع - عدد 5 فبراير 2024، ص 3، نقلا عن شبكة (سي إن إن) الأمريكية في 11 نوفمبر 2023).
وقال مدير مستشفى الشفاء أيضا لوكالة الصحافة الفرنسية: "إن 179 جثة على الأقل دفنت الثلاثاء في قبر جماعي بموقع المؤسسة الاستشفائية، موضحا أن بينهم 7 أطفال خدج توفوا جراء انقطاع الكهرباء، وقال: اضطررنا إلى دفنهم في قبر جماعي. مشيرًا إلى أن جثثًا تنتشر في ممرات المستشفى، والكهرباء مقطوعة عن برادات المشارح بعد منع دخول الوقود منذ السابع من أكتوبر" (المصدر السابق نقلًا عن وكالة الصحافة الفرنسية في 14 نوفمبر 2023).
وقد ذكرت منظمة الصحة العالمية: أن هناك تلالًا من النفايات في شوارع غزة بسبب نقص الوقود اللازم لجمع تلك النفايات، مما يهدد بانتشار الأوبئة؛ هذا إلى جانب توقف الاتصالات وانقطاع شبكة النت بالكامل، وبالتالي عزل قطاع غزة تمامًا عن العالم الخارجي.
- قطع المياه عن القطاع ولشهور طويلة مما ترتب عليه فقد دائم لمياه الشرب، وفقد القدرة على أعمال التنظيف والتطهير لشح المياه عامة والمياه النظيفة خاصة؛ خاصة في غرف العمليات وغرف العناية المركزة وغرف الاستقبال وعنابر المستشفيات التي يتم فيها حجز المرضى والحوامل المحتاجين للرعاية الطبية الدائمة، كما أن نقص الوقود أوقف تشغيل المرافق الأساسية في قطاع غزة مثل محطات تحلية المياه ومحطات ضخ المياه، مما ألجأ أكثر السكان في قطاع غزة إلى مصادر للمياه غير صالحة للشرب، بما في ذلك المياه عالية الملوحة والمياه العسرة من الآبار الزراعية، بما يهدد الصحة العامة في القطاع، كما أن محطات معالجة مياه الصرف الصحي الخمس في غزة قد توقفت تمامًا عن العمل بسبب نقص الوقود، مما أدى خلال أول شهرين من العدوان إلى تصريف أكثر من 120 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي في البحر مما يعرض مياه البحر للتلوث.
وقد عرضت تلك الأوضاع المأساوية البيئة في قطاع غزة لمأساة متزايدة وكارثة بيئية غير مسبوقة:
- حيث تم تدمير البنية التحتية والبيئية والأراضي الزراعية، مع تشديد الإغلاق والحصار على قطاع غزة، وقطع الإمدادات من الكهرباء والوقود والمياه والطعام والغذاء والأدوية وسائر المستلزمات الطبية، وما نجم عن ذلك من تبعات وآثار على الصعيد البيئي والصحي والاجتماعي.
- تراكم كميات هائلة من النفايات الصلبة والسائلة والمخلفات الطبية ومخلفات المياه والصرف الصحي وغيرها من المخلفات بأنواعها، والتي تعذر نقلها أو التخلص منها، والتعرض لكل ما ينتج عنها من تلوث للبيئة وروائح كريهة تعد بيئة خصبة لانتشار الأمراض والأوبئة الخطيرة، وتنذر بكارثة صحية في القطاع.
- تراكم مخلفات المنشآت والمباني المدمرة بأنواعها، ومنها ما يرقد تحتها مفقودون وقتلى تعذر إخراجهم من جراء القصف المتواصل.
- بقايا جثث وأشلاء قتلى تعذر نقلهم أو دفنهم بسبب أعمال القصف والقنص التي تقوم بها قوات الاحتلال والقناصة الإسرائيليين، ومنها جثث تعرضت لنبش الكلاب والحيوانات الضالة.
- تأثر البيئة خاصة الهواء والأراضي الزراعية ومصادر المياه بآلاف الأطنان من نواتج المتفجرات والصواريخ المحتوية على المواد السامة والعناصر المعدنية الثقيلة الخطرة على الصحة العامة، إلى جانب استخدام الأسلحة المحرمة دوليًّا والتي لها تأثيرات بالغة الخطورة على الهواء والتربة ومصادر المياه، ويعد ذلك انتهاكًا صريحًا لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 المتعلقة بحماية السكان المدنيين وقت الحروب، والتي ينص البروتوكول الأول منها على حظر استخدام وسائل أو أساليب قتال يقصد بها أو يتوقع منها أن تلحق بالبيئة الطبيعية أضرارًا بالغة وواسعة الانتشار وطويلة المدى. وهو ما تقوم به قوات الاحتلال بشكل متعمد ومتكرر؛ خاصة ما تحتويه هذه الصواريخ التي أطلقت بكميات كبيرة على القطاع من مواد كيميائية عديدة ضارة منها الفسفور الأبيض، والذي كما يقتل البشر فهو يضر بشدة كل ما يقابله من مواد في الأرض والجو والمياه، وهذه المواد الكيميائية الضارة تتسرب أيضًا إلى التربة الزراعية ومصادر المياه الجوفية فتلوثها وتجعلها غير صالحة للاستخدام البشري بعد ذلك.
- منع إمدادات الأدوية والمساعدات والوسائل الطبية عن القطاع ولشهور طويلة، وما ترتب عليه من نقص أو توقف لأعمال مداواة وعلاج المرضى والجرحى والمصابين، وأثر ذلك سلبيًّا على القيام بالعمليات الجراحية اللازمة؛ مما أودى بحياة الكثيرين، خاصة مرضى السرطان وأصحاب الأمراض المزمنة، ويهدد بتفشي الأمراض المعدية والأوبئة في القطاع بأكمله.
- منع الإمداد بالطعام والغذاء لشهور طويلة، واستخدام هذا التجويع لأكثر من 2 مليون من سكان القطاع، مما نتج عنه حدوث أوضاع مأساوية للغاية، أثرت على حياة سكان القطاع وعرضتهم لأمراض سوء التغذية والموت عطشًا وجوعًا؛ خاصة الأطفال والمرضى أصحاب الأمراض المزمنة والحوامل وكبار السن.
- قصف وتدمير سيارات الإسعاف المكلفة بنقل الجرحى والمصابين سريعًا إلى المستشفيات لإنقاذ أرواحهم، مما أسفر عن تدمير كلي وجزئي لمعظم سيارات الإسعاف في القطاع وقتل من فيها، ومنع المصابين فيها من الوصول إلى أماكن العلاج، ومنع تشغيل القليل المتبقي منها إما خوفًا من القصف والتدمير أو لنفاد الوقود اللازم لتشغيلها.
- فرض الحصار العسكري المحكم على تلك المستشفيات ومنع الدخول إليها والخروج منها، ومباشرة أعمال القنص والقتل بلا تمييز لمن يقترب من أبواب المستشفيات من الخارج للدخول فيها أو من الداخل للخروج منها، ثم اقتحامها بالقوة المسلحة، واحتجاز كل من كانوا فيها، والتحقيق معهم، واعتقال البعض منهم واقتيادهم إلى جهات مجهولة.
وأخيرًا: تنتهي هذه المشاهد بنهاية شنيعة باستخدام الجرافات في دفن عشرات القتلى والموتى الفلسطينيين من الهيئات الطبية ومن المرضى ومن المدنيين في مقابر جماعية داخل وحول هذه المستشفيات بعد الانسحاب منها.
استهداف أهم مستشفيات القطاع:
كانت غالبية المستشفيات في قطاع غزة قد خرجت من الخدمة عمليا بعد 38 يومًا من العدوان على غزة؛ حيث أعلنت وزارة الصحة في غزة أن كل المستشفيات في شمال غزة أصبحت الآن خارج الخدمة:
- فمع مرور أسبوعين فقط على بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وقبل القيام بالتوغل البري في القطاع قام الطيران الإسرائيلي -وبدم بارد- بقصف مستشفى المعمداني -التابع للكنيسة الأسقفية الإنجليكانية في القدس- والذي يعد من أقدم المستشفيات في غزة؛ مما أسفر عن سقوط المئات من القتلى والجرحى داخل المستشفى في مجزرة بشعة أدانتها بشدة المنظمات والمؤسسات الدولية التي طالبت بالتدخل الفوري لوقف هذه المجازر البشرية، وطالبت بفتح المحكمة الجنائية الدولية تحقيق عاجل بشأنها؛ خاصة وأن إسرائيل سبق لها التوقيع على ميثاق روما، مما يمد اختصاص هذه المحكمة إلى تلك الأراضي تحت الاحتلال الإسرائيلي.
- ومع بداية توغل قوات الاحتلال الإسرائيلي البري في شمال قطاع غزة داهمت تلك القوات مجمع الشفاء الطبي واجتاحته في الخامس عشر من نوفمبر 2023، حيث سيطرت عليه بالكامل بعد قصف جوي ومدفعي عنيف إطلاق لنيران كثيفة داخل غرف وأروقة المستشفى في وجود الكوادر الطبية والعاملين بالمستشفى والمرضى، مع قصف محيط المستشفى قصفًا طال عدة مبان ومنازل أخرى حول المستشفى، إلى جانب محاصرة الشوارع والأحياء السكنية المجاورة، مع عدم الاكتراث بحياة المدنيين، وتكررت تلك المداهمات للمستشفى بعد ذلك عدة مرات مخلفة بعد كل مداهمة وراءها -بلا أدنى مبالاة- أعدادًا من المدنيين القتلى والجرحى. وتعد اقتحامات هذا المجمع الطبي بالدبابات وقصفه بالطائرات وبالمدفعية جريمة حرب مكتملة الأركان مهما كانت الدوافع والمبررات، وهو ما علق عليه منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بقوله: إن الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة حولت القطاع إلى أكبر مقبرة مفتوحة في العالم بعد أن كان قبل الحرب أكبر سجن مفتوح.
- ونظرًا لتعرض المجمع لتلك الأوضاع المأساوية فقد تم إجلاء العشرات من الأطفال المبتسرين (الخداج)، والحالات الحرجة إلى خارج المستشفى وإرسالهم بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية إلى معبر رفح على أمل نقلهم إلى مصر عبر المنفذ الحدودي هناك بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية. "وقد أكد مدير المستشفيات في قطاع غزة (محمد زقوت) في 19 نوفمبر 2023 إجلاء 31 من الأطفال الخدج من مستشفى الشفاء الكبير في قطاع غزة الذي كان الجيش الإسرائيلي وجه إنذارًا بإخلائه".
وقال زقوت: "تم إجلاء جميع الأطفال الخدج من مستشفى الشفاء وعددهم 31 طفلًا ومعهم 3 أطباء وممرضين"، مضيفًا: "تجري الترتيبات لنقل الأطفال إلى مصر عبر معبر رفح الحدودي بعد قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بنقلهم وعلاجهم في مصر" (انظر: جريدة الأسبوع - عدد 18 مارس 2024، ص 3).
وفي وقت لاحق أفادت قناة القاهرة الاخبارية التليفزيونية بأن سيارات إسعاف مصرية مجهزة عبرت معبر رفح لنقل الأطفال الخدج إلى الجانب المصري من أجل تلقي الرعاية الصحية. وكان المدير العام لوزارة الصحة في قطاع غزة (منير البرش) قد أكد أن الطواقم الطبية والجرحى والنازحين أجبروا قسرا تحت تهديد السلاح على إخلاء مجمع الشفاء الطبي. (انظر: المصدر السابق).
"وفي 18 نوفمبر 2023 نشرت صحيفة الجارديان البريطانية تقريرًا حول ادعاءات إسرائيل عن وجود مقر قيادة حماس أسفل مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، وقالت الصحيفة: إن أدلة الجيش الإسرائيلي أقل بكثير من أن تكون قادرة على إثبات أن مستشفى الشفاء مقر رئيس لحماس كما ادعت. وجاء في التقرير أنه قبل اقتحام مجمع الشفاء الطبي بذلت السلطات الإسرائيلية جهودًا كبيرة لتصوير المجمع بوصفه مقرا لحركة حماس حيث تم التخطيط لهجماتها على إسرائيل، لكن الأدلة المقدمة حتى الآن أقل بكثير من أن تثبت ذلك بحسب التقرير، ولم تظهر مقاطع فيديو الجيش الإسرائيلي سوى مجموعات متواضعة من الأسلحة الصغيرة، معظمها بنادق هجومية تم انتشالها من المجمع الطبي الواسع" (انظر: جريدة الأسبوع - عدد 4 مارس 2024، ص 3).
وفي "تحليل أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن اللقطات التي بثها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي التي تظهر الاكتشاف الواضح لحقيبة تحتوي على مسدس خلف جهاز مسح التصوير بالرنين المغناطيسي، تم تسجيلها قبل ساعات من وصول الصحفيين وعرضها عليهم".
وأشار أيضًا تقرير الجارديان "إلى أن هناك تساؤلات حول مدى اعتماد العرض التصويري للشبكة تحت مجمع الشفاء على ما عرفته إسرائيل بالفعل. وكان المهندس المعماري الخاص بها قد بنى منطقة سفلية واسعة هناك في المرة الأخيرة التي احتلت فيها إسرائيل غزة بشكل مباشر حتى عام 2005". وأضافت: "أن كل هذه الأمور مهمة بموجب اتفاقيات جينيف، التي تحظر العمليات العسكرية ضد المستشفيات ما لم تستخدم في ارتكاب أعمال ضارة بالعدو خارج نطاق واجباتها الإنسانية، وهذا الاستثناء المنصوص عليه في المادة 19 من اتفاقية جينيف الرابعة ينص على وجه التحديد على ما يلي... إن وجود أسلحة صغيرة وذخائر مأخوذة من هؤلاء المقاتلين ولم يتم تسليمها بعد إلى الخدمة المناسبة، لا يعد من الأعمال الضارة بالعدو" (المصدر السابق).
- وقد بلغ مع منتصف شهر نوفمبر 2023 عدد الشهداء من الكوادر الطبية 148 شهيدًا طبقًا للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ما بين طبيب وممرض ومسعف، كما استشهد 22 من رجال الدفاع المدني و51 صحفيًّا، بينما بلغ وقتها إجمالي عدد الشهداء 11320 شهيدًا، بينهم 4650 طفلًا و3145امرأة، بينما بلغ إجمالي عدد المصابين 29200 مصابًا، أكثر من 70% منهم من النساء والأطفال.
وقد أدلى رئيس الوزراء الإسرائيلي (نتن ياهو) بتصريحات وقتها خلال زيارته لجنود الاحتلال على حدود غزة قال فيها: "هذه ليست مجرد عملية، إنها حرب، ولن يكون وقف لإطلاق النار الآن"؛ هذا في الوقت الذي رفض مجلس الأمن مرتين بسبب الفيتو الأمريكي مشروعي قرارين من روسيا يدعوان لوقف إطلاق النار في قطاع غزة.
وقد أصدر الأزهر وقتها بيانًا شديد اللهجة جاء فيه: "إن إسرائيل تستعرض جبروتها على الأطفال والمرضى، وارتكبت من الجرائم ما تعف عنه الحيوانات في الأدغال".
وقال البيان: "إن إرهاب إسرائيل وعزلها قطاع غزة بالكامل، ومنع الوقود والمستلزمات الطبية عن المستشفيات تسبب في خروج عدد كبير منها من الخدمة، ووفاة مرضى الرعاية المركزة وأطفال الحضانات بمستشفى الشفاء".
ودعا الأزهر من سماهم (أحرار العالم) والهيئات والمؤسسات الدولية لكسر هذا الحصار اللا إنساني الذي تفرضه إسرائيل على المستشفيات والمراكز الطبية، مؤكدا أنه يحمل مسئولية هذه الجرائم الشنيعة لكل من يدعم إسرائيل سواء بالتأييد أو الصمت. (جريدة الأسبوع عدد 5 فبراير 2024: ص3، نقلا عن وكالات الأنباء في 13 نوفمبر 2023).
- قيام قوات الاحتلال باستهداف وقصف المستشفى الإندونيسي في 20 نوفمبر 2023؛ مما أدى إلى استشهاد وإصابة العشرات، أعقب ذلك محاصرة المستشفى والتمهيد لاقتحامه وطرد من فيه من الطواقم الطبية والمرضى والجرحى والنازحين تحت تهديد السلاح، ضمن مسلسل الاعتداءات على المستشفيات.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 7 ( الأعضاء 0 والزوار 7)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



مجموعة الشفاء على واتساب


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 157.68 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 154.17 كيلو بايت... تم توفير 3.51 كيلو بايت...بمعدل (2.23%)]