الرحلة والحلقة المفقودة (قصة) - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         من أبطال الإسلام.. المثنى بن حارثة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          تعريف علوم القرآن (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          من أقوال السلف في حسن الخلق (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          يوم التباهي الأعظم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          المشكلات الأسرية وأثرها على الأطفال (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          فتاوى الشيخ مصطفى العدوى من خلال صفحته على الفيس ***متجدد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1016 - عددالزوار : 86325 )           »          قراءة في كتاب إخوة علي وأبو بكر (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3662 - عددالزوار : 586212 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3135 - عددالزوار : 264467 )           »          مُلَح وأسرار في الحج والاعتمار (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى الشعر والخواطر > من بوح قلمي

من بوح قلمي ملتقى يختص بهمسات الاعضاء ليبوحوا عن ابداعاتهم وخواطرهم الشعرية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-12-2021, 07:07 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 86,147
الدولة : Egypt
افتراضي الرحلة والحلقة المفقودة (قصة)

الرحلة والحلقة المفقودة(1) (قصة)
زوزان صالح اليوسفي






استأذنتُ من زوجي لزيارة أمي التي تبعُد مسافة ساعة عن مدينتنا، غادرت البيتَ في العاشرة صباحًا إلى محطة المسافرين، وصلت باكرًا، وأخذتُ أبحث عن حافلة الركاب، كان هناك القليلُ من المسافرين، أغلبُهم من الذُّكور.

كان يومًا ربيعيًّا هادئًا وقد امتلأت ساحةُ المحطة وأسوارُها بأسراب من الطُّيور المُهاجرة؛ حيث تكثُر في هذا الفصل من كل عام في مدينتنا وضواحيها، وخاصَّة على الطُّرقات الخارجية - الطيورُ المُهاجرة بكل أنواعها ومنها الغربان، وتَمتلئ أعمدةُ الكهرباء بهذه الطيور، حتى إنَّك حينما تنظر إليها يُخال إليك أنَّك تعيش أجواء فيلم (الطيور) لِهتشكوك، فيقشعرّ الجسم من هذا المنظر الغريب والراعب في الوقت نفسه، بدأتُ أشعرُ ببعض القلق وأنا أتطلَّع إلى تلك الغربان المتجمعة وهي تَملأ الفضاء بنعيقها، خاصَّة أنه فصلُ التزاوُج بينهم.

كانت هناك حافلة تستعدُّ للمغادرة، وكان السائقُ بانتظار أن يكتملَ عددُ المسافرين؛ ليملأ المقاعد القليلة الفارغة.

ركبتُ الحافلة واخترتُ مقعدًا بجانب النافذة يَحمل رَقْم ستة، وبقي المقعد رقم سبعة بجانبي فارغًا، تمنيت أن تشاركني امرأة في المقعد؛ لكي أضمنَ أنَّها لن تُدخِّن؛ فأشدُّ ما يُبغضني في ركوب الحافلات هو دخان السجائر، الذي يبدأ به المسافرون من ابتداء الرحلة حتى نهايتها؛ مما يزيد من توتُّري وشعوري بالغثيان خلال الرحلة.

أخذتُ أنظر من النافذة والساعة تقتربُ من الحادية عشرة، وما زلنا ننتظر المقاعد الفارغة.

اقتربت نحوي بخطوات بطيئة، ثم وقفت وأشارت إلى المقعد الفارغ قائلة: هل أستطيع الجلوس أو المقعد محجوز؟

نظرت إليها وأنا أرسم ابتسامة مصطنعة، ثم أجبت: لا... ليس محجوزًا، تفضلي.

جلست بقربي، كانت امرأةً في عقدها الرابع، يبدو عليها وكأنَّها موظفة في إحدى الدوائر، أو مُعلمة في إحدى المدارس، كانت تحمل حقيبةَ يَدٍ وكتابًا.

رَغم أنَّني ارتحتُ من جلوسها بجانبي، ولكن لا أدري لماذا انتابني بعضُ القلق؟! كان هناك شيءٌ غامض في داخلي يُقلقني؛ حيث لديَّ شعورٌ قوي من قوة حاستي السادسة في حدسِها لبعض المواقف والأمور التي سبق أن مَرَرْت بها.

أخيرًا اكتمل العددُ في الحافلة، فجلسَ السائقُ في مقْعدهِ، وردَّد قائلاً: توكلنا على الله يا جماعة، أرجو لكم رحلةً مُوَفَّقة.

تحركت بنا الحافلة، أخذتُ أتطلع من خلال نافذة السيارة إلى الطريق، وأحيانًا كنت أختلسُ النَّظَر إلى حيث السيدة بقربي، كنتُ أراها تقلِّب صفحاتِ الكتاب الذي بين يديها تُطالعها بنَهم، حاولت كثيرًا أن أعرفَ عنوانَ الكتاب وأنا أختلسُ النظر إليها، رغم أنَّه ليس من عاداتي أن أراقبَ الناس، أو يستحوذ عليَّ الفضولُ إلى ذلك.

ولكن في هذه اللحظة بالذات شعرت بفضول شديد؛ لأعرفَ عنوانَ الكتاب الذي بين يديها، لا أدري لماذا؟ ربما لشعوري بالوحدة، أو لأنَّ حاستي السادسة بدأ مفعولُها يَجري!

وبعد اليأس من معرفة عنوان الكتاب تركت السيدة، وأخذتُ أنظر إلى الطَّريق مَرَّة ثانية، وفجأة سَمعت صوتَها وهي توجِّه حديثَها لي قائلة: هناك حلقة مفقودة وغامضة، وحقيقة مجهولة!

أجفلت على حديثها وأنا في ظلِّ سكوني، ثم نظرت إليها بصَمْتٍ وحرص يشوبه الخوف والاستغراب، وبدأت أشعرُ بأنَّ هذه السيدة ربَّما تكون غير طبيعية؛ وإلا ما معنى هذه الكلمات والمصطلحات الغريبة؟! ماذا تقصد؟! فأكثر شيء أخافهُ هو أن ألتقيَ أنا وشخصٌ مجنون.

ازداد شعوري بالخوف، وساد صمتٌ قصير بيننا، لا أعرف بماذا أجيبها؟!

ثم مرة أخرى بادرت بالحديث معي بابتسامة باردة قائلة: صدقيني، هناك أشياء في هذا العالم ما زلنا نجهل حقيقتها!

انتابَني الفضولُ مرة أخرى، وتأكَّد لي أنَّ الكتابَ له علاقة بحديثها، ولا أدري كيف ولماذا أجبتها قائلة: بالتأكيد هناك أشياء كثيرة ما زالت غامضة وغير مكتشفة إلى الآن، ثم التزمتُ الصَّمْت، أجابتني على الفور: نعم، هناك أشياء ما وراء الطبيعة، أشياء غير مرئية، أشياء لا نراها، لكنَّها موجودة، قد يكون قلة من الناس جدًّا يرونها أو يشعرون بها، ولكن للأسف من يدَّعيها يُتهمون بالجنون، ويُعَدُّون أشخاصًا نكرة في المجتمع.

لا أدري لماذا وكيف استرسلت في الاستماع والحديث معها، وكأَنَّ هناك قوة تجذبني لمعرفة شخصية هذه السيدة؟! رغم أنِّي تَمنيت في هذه اللحظة لو كان شخص آخر جالسًا بجانبي، حتى لو كان يُدخن طوال الرحلة، بدلاً من هذه السيدة الغريبة!

ولكن مع هذا أجبتها دون تردُّد: أشك أنَّ الكتابَ الذي بين يديكِ لهُ علاقة بالموضوع.

أجابتني وهي تقلبُ صفحاتِ الكتاب: صحيح، فهذا الكتاب يتحدث عن الكثير من الألغاز المُحيرة عن الحياة والموت وما وراء الطبيعة.. عنوانه: "الحلقة المفقودة".

ثم استمرت قائلة: يُمكنكِ استعارتهُ، فقد انتهيت من قراءتهِ.

احترت من دعوتها ما بين قَبول العرض أو رفضه، خاصَّة أن عنوان الكتاب استحوذ على فضولي، رغم أنني لا أرغب في استعارة أي شيء من أحد، فكيف إذا كان من شخصٍ غريب؟!

وبعد صمت قصير أجبتها قائلة: أنا آسفة، لكنني لا أعرفك لأردَّه إليك ثانية.

ابتسمت بلُطف قائلة: لا يهم يا عزيزتي، بإمكانك الاحتفاظُ به، وإذا رغبت بردِّه، فأنا مُعلمة في مَدرسة الزهور الابتدائية، بالتأكيد سمعتِ بهذه المدرسة؟

فأجبتها وأنا ما زلت حائرة ومترددة: أجل أعرف المَدرسة، إنها قريبة من زقاقِنا.

ناولتني الكتاب قائلة: اسألي فقط هناك عن الست ليلى، هيَّا خذيه، إنهُ كتاب مُشوِّق، وسوف يُعجبكِ.

لا أدري كيف أخذت منها الكتاب وأنا أنظر إليها بشرود، وضعت الكتابَ في حقيبتي، والتزمتُ الصمت، وبقيت شاردة طوال الرحلة.

قاربنا على الوصول، كانت تتراصُّ أشجارُ الصفصاف والصنوبر على جانبي الطريق، وقد امتلأت على أغصانِها طيورُ الغربان وهي تَملأ الفضاء بنعيقها، وعلى مشارف المدينة كانت توجد مقبرة على جانب اليسار، وعندما وصلنا إلى ذلك المكان طلبت السيدةُ من السائق التوقُّف.

فقامت وهي تُودعني قائلة: أستودعك الله.

استغربت من نزولِها في هذا المكان الموحش، فاستودعتها قائلة: مع السلامة، سوف أردُّ الكتاب إليك قريبًا ست ليلى.

ابتسمت ببرود وتركت الحافلة.

سارت الحافلة بنا إلى داخل المدينة، كنت أنظر إليها من خلال النافذة وهي تعبرُ الشارع إلى جهة المقبرة، ثم غابت عن ناظري والحافلة تسير، نظرتُ إلى مقعدها بجانبي، فرأيتُ وَرَقَةَ تذكرَتِها، أخذت التذكرة وكان عليها رقم مقعدها (7)، أصابتني الدهشة حينما رأيت وقد كُتِبَ عليها اسْمُ الكتاب "الحلقة المفقودة"، أخذت التذكرة ووضعتها مع تذكرتي في الحقيبة.

كنت طوال الوقت شاردة حتى بعدما زرتُ أمي، وفي المساء عدت إلى بيتي متعبة، فتوجهت إلى غرفتي واسترسلت في نوم عميق.

في اليوم التالي بعد أن نهضت، تذكَّرت رحلةَ الأمس والسيدة التي قابلتها في الحافلة والكتاب، فبادرتُ على الفور نحو حقيبتي أبحثُ عن الكتاب، لكنَّني تفاجأت بعدم وجودهِ، سألت زوجي والأطفال، لكنَّهم جميعًا أقسموا بأنَّهم لم يشاهدوا أي كتاب، ولم يقتربوا من حقيبتي، بدأت أقلق، أكان الكتابُ قد وقع مني؟! ولكن من المستحيل ذلك؛ لأنني على يقين تام بأنني قد وضعتهُ في حقيبتي، ثم بدأت أشكُّ في أنه ربما يكون قد سُرق مني.. حاول زوجي أن يُخفف من قلقي، لكني أخبرتهُ أنَّه أمانة، ويَجب أن أعيدَه إلى صاحبتهِ، فوعدني بأنهُ سوف يبحث في كل المكتبات عن عنوان الكتاب، وسيكون الكتاب أمامي اليوم أو غدًا.

وفي المساء عاد زوجي وأخبرني قائلاً: لقد فتشت في كل المكتبات يا عزيزتي، فلم أجد الكتاب، ولم يسمع أصحابُ المكتبات بهذا العنوان.

فأجبتهُ بِأَسًى: لا بد أن أزورَها وأعتذر إليها على ضياع كتابها، وسوف أعطيها ثَمَنَهُ، فقد تستطيع هي الحصول على نسخة أخرى، فوافقني زوجي على هذا الرأي.

وفي صباح اليوم الثاني قررت الذهاب إلى مَدرسة الزهور، وصلت هناك ودخلت إلى إدارة المدرسة، سلمتُ على المديرة: صباح الخير.

ردت: صباح الخير يا سيدتي، هل من خدمة؟
أجبتها: جئت أستفسر عن مُعلمة هنا اسمها ليلى، هل أستطيع رؤيتها؟

نظرت إلي باستغراب ثم أجابت: ليس لدينا معلمة بهذا الاسم، أخشى أن تكوني متوهمة بالمَدرسة.
فأجبتها: لا، أنا متأكدة من اسمها ومن المدرسة أيضًا.

كانت هناك مُعلمة جالسة تستمعُ إلى حوارنا، فأجابتني: ما اسمُ والدها؟
ارتبكت من سؤالها ثم أجبت: آسفة جدًّا، في الحقيقة لا أعرفُ.

فردت: كانت لدينا مُعلمة واحدة فقط اسمُها ليلى، ولكنَّها للأسف تُوفيت قبل ثلاث سنوات في حادث سير.

سَرَتْ في جسمي قُشَعْريرة، وخارت قواي وأنا أسمعُ منها هذا الحديث، وضاعت عني الحروفُ والكلمات، ومَرَّت الثواني كالدهر، ولَم أعُدْ أستطيع الوقوفَ، فجلستُ، وبالكاد استطعت أن أستردَّ أنفاسي وقواي.

لاحظت المُعلمة ما أصابني، وأخذت تنظر إلَيَّ بإشفاق، ثم رَدَّت بعد صمت: اسمعي سيدتي، يُمكنني مُساعدتك إن كانت هي السيدة التي تقصدينها؛ حيث لدينا ملفُّها وصورتُها، وبإمكانك معرفةُ أكانت هي الست ليلى أم لا؟

ثم أخذت تبحث في درج المكتبة عن بعض الملفات.

كنت أتمنى ألاَّ تفعلها، لا أدري! شيء غريبٌ كان يدور في ذهني مثل المطرقة، وبقيت شاردة وخائرة القوى، وفي دَوَّامة من الرعب والهلع، ثم أفقت من شرودي على صوت المُعلمة وهي ترد: هذا هو ملفُّها وعليه صورتُها، يُمكنك معرفة أكانت هي؟ فالصورة واضحة.

بدأ كل جسمي يرتجف، وخاصة يدي وأنا أمدُّها نحو الملف!

أخذت الملف وبدأت أنظر، ويا هول ما رأيت! ولولا شعوري بالشلل التام في قدمي، لهربتُ بأقصى ما أستطيع من سرعة.

أخذت أردِّد مع نفسي بكلمات مبهمة، إنها هي، يا إلهي بالملامح والنظرات نفسها، كأنها تنظر إلَيَّ حقيقةً، التسريحة، الملابس نفسها، لا يا إلهي، لا... لا أصدق...!

ضاقت الدنيا حولي وغرقتُ في دوامة الذهول والشرود والخوف، وكدتُ يُغمى عليَّ، وقد انتبهت المُعلمة لِما أصابني، ثم ردت بشفقة: يبدو سيدتي أنَّها هي، يظهر أنَّها كانت زميلة عزيزة عليك، نحن أيضًا كنا نحبها، إنا لله وإنا إليهِ راجعون!

لم أستطعِ الكلامَ، ولزمتُ الصمت، وحاولت النهوض بكل طاقتي وبادرت بالخروج وأنا بالكاد أسحبُ قدميَّ، وعُدت إلى بيتي وأنا ما زلت شاردة في دوامة الرعب والذُّهول، أخذت أشك في نفسي، أكنت طبيعية أم قد تسرب الجنون إلى مُخَيِّلتي؟! لا أدري ماذا أفعل؟! هل أخبر زوجي، أو ألتزم الصمت؛ خوفًا من أن يشك ويتهمني بالجنون؟!

بدأت أشك في نفسي وفيما جرى لي في رحلتي وفي صاحبة الكتاب؛ فالكتاب كان الدليل الوحيد؛ ليثبت صدقي، وقد ضاع مني، كيف؟! لا أعلم!


أخذتُ أبحث عن دليل، حاولت كثيرًا، أخيرًا تذكَّرت حقيبتي، هُرعتُ إليها، وأخرجت محفظتي ويداي ترتجفان، يا إلهي هناك فعلاً تذكرتان لمقعدين، السادس كان لي، والسابع هو مقعدها، وما زالت تلك الكلمات محفوظة عليها "الحلقة المفقودة"!!
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-12-2021, 07:08 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 86,147
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرحلة والحلقة المفقودة (قصة)

الرحلة والحلقة المفقودة(2) (قصة)
زوزان صالح اليوسفي



(الجزء الثاني)




مرَّتِ الأيام وتغيَّرت حياتي رأسًا على عقبٍ بعدما مررتُ بتلك الحادثة الغريبة في الحافلة، ومع تلك السيدة التي تُدعى: "ست ليلى"، لم أُفشِ بسرِّي لكائن مَن يكون، رغم ملاحظة زوجي وأطفالي ما جرى لي من هذا التغيُّر المفاجئ في طبيعتي الشاردة في المدة الأخيرة، من الصمتِ والتفكير والهدوء على غير عادتي، ومن حالات الشُّرود والأرَقِ، وعدم الشهيَّة للطعام، أو الرغبة في الخروج، أو مجرد التفكير في أي شيء!

وأصبحت الكوابيسُ تداهمني في أحلامي، لأرى نفسي - أحيانًا - في نفس الحافلة التي أقلَّتني في زيارة والدتي الأخيرة، وأن المقعد الذي بجانبي فارغ، وأحيانًا أرى تلك السيدة بجانبي وهي تقرأ في كتابها، وأحيانًا أرى عشرات القصاصات من البطاقات مكتوبًا عليها رقم سبعة، وجملة: (الحلقة المفقودة)!

وأحيانًا أرى تلك السيدةَ وهي واقفةٌ في المقبرة، تنظر نحوي، وتُودِّعني، مشيرةً بيدها وأنا في الحافلة وهي تمضي، وفي كل مرة أنهضُ من نومي مذعورةً، والعرق يتصبَّب مني، وبالكاد أتنفَّس!

لم يَرتَحْ لي بال ليلًا أو نهارًا، ولا أستطيع البَوْح عما في داخلي؛ خوفًا من الردود العكسيَّة والسلبية التي سوف تنهال عليَّ لا شكَّ!
فحتى لو لم أكن أنا التي مرَّت عليها هذه الحادثة، أو أن غيري ادَّعت هذه القصة أمامي، فبالتأكيد كنت سوف أعتبر أن هذا نوعٌ من الجنون أو الهَلْوسة!

أخذتُ أتذرعُ بعشرات الحجج حينما كان الأطفال يرغبون في زيارة جدَّتِهم، كنت أدَّعي شتَّى الادِّعاءات؛ لكي أفرَّ من هذه الزيارة، بالرغم من أن هذا التذرع بالحججِ كان يحزن أولادي المشتاقين لجدَّتهم، بينما كان يُسعد زوجي بعضَ الشيء بالتخفيف من القيام بهذا الواجب.

أصبح ذلك الطريقُ بالنسبة لي مثلَ الكابوس لمجرد التفكير فيه، ولكن إلى متى؟ سألت نفسي، وما هو الحلُّ لأستعيد حياتي السابقة مرة أخرى؟
أخذتُ أفكِّر، وأبحث بنفسي عن الحل، أخيرًا قرَّرت أن أستعين بإحدى العرَّافات اللَّاتي يتحدَّث عنهن زميلاتي كلما مرَرْن بمشكلة، بالرغم من أنني كنت الوحيدةَ بينهن التي لم تؤمن لا بالعرَّافات، ولا بأيِّ أمر يتعلَّق بالغيب؛ فأنا على ثقة بأن الغيبَ لا يعلم به غيرُ الخالق، وهذه القناعة في داخلي لا شكَّ فيها إطلاقًا، إلا أنني وفي هذا الموقف الغريب شعرتُ أنه لا بأسَ أن أستعين بإحدى العرَّافات؛ لعلِّي وعسى أن أصل إلى نتيجةٍ، أو خيط ينجدُني في حلِّ هذا اللُّغز والحدث الغريب؛ لأعيدَ حياتي الطبيعية مرة أخرى!

اتَّصلت ببعض زميلاتي لأستفسرَ منهن عما يَعرفْنَ عن هؤلاء العرَّافات وعناوينهن، رغم أنهن يُدركِنْ جيدًا بأنني لم أكن أؤمِنُ بهذه المُعتقدات قطعًا، ولكن ما مررتُ به فرض عليَّ ذلك، سواءٌ كان حقيقةً، وهذا ما أنا واثقةٌ منه مائة بالمائة، أو أنه مجردُ أوهامٍ بسبب خللٍ ما قد أصاب ذاكرتي، ولِمَ لا؟ فكلُّ شيء جائزٌ، رغم أنني أشكُّ في ذلك، ولست مقتنعةً بغير الحقيقة التي رأيتُها بعيني وأنا في كامل وعيي، ولكن مع هذا لا بأسَ، قلت مع نفسي:
أقسمتُ ألَّا أُفشيَ بسرِّي هذا لكائن مَن يكون؛ فهي مشكلتي، ويجب أن أصلَ إلى الحقيقة الغامضة، وأحلَّ شفرةَ هذه الحلقة المفقودة؛ لأضعها في مكانها المناسب.

يا لخباثةِ بعض النساء! فجميعُ مَن اتصلتُ بهنَّ من زميلاتي توقَّعْنَ أن هناك شيئًا بيني وبين زوجي، وأنني أحاول الاستعانةَ بالعرَّافات لحل مشكلتي الزوجية، وأخذَتْ كل واحدة منهن تنصحُني بما لديها من تجارب في معالجة هذه الأمور، ومن كثرة تردُّدِهنَّ على العرَّافات والعرَّافين أصبحت لكل واحدة منهن خبرةٌ تفوق حتى العرَّافات، وكل واحدة منهن أصبحت تنصحني بطريقتها الغريبة عن كيفية كسب مودة الزوج!

أدركتُ حينها تفاهةَ أفكار المرأة الشرقية عن كيفية الاحتفاظ بمحبة زوجها، واتِّباع أخسِّ الطرق إلى ذلك على حِساب كرامتها!
المهم استطعتُ أن آخذَ بعض العناوين منهنَّ، حاولت الاستعانة بعرَّافتَيْنِ إحداهن تقرأ الفنجانَ، والأخرى تفتح بالرمل، لم أقتنع بأيِّ واحدة منهن؛ فكلامُهن كان ساذجًا ومملًّا، ولا يبحث عن شيء غامضٍ وغريب، ولا تقلُّ أفكارُهن سذاجةً عن أفكار زميلاتي! واكتشفت أن الاستعانةَ بالعرَّافين شيءٌ مقرفٌ، وعديمُ الفائدة!

عدتُ أدراجي، وأخذت أفكِّر بنفسي: ما الذي يجب أن أفعلَه أنا؛ لأحلَّ هذا اللغز الذي نكَّد حياتي دون الاستعانة بأحدٍ؟! فمحاولتي نسيانَ هذا الحدَث لم تفلح مع أفكاري وأحلامي وكوابيسي! لذا قرَّرْتُ أن أفكَّ شفرة اللُّغز بنفسي، وأيقنْتُ في داخلي بأن هناك شيئًا بيني وبين تلك السيدة "ست ليلى"، شيئًا أجهله تمامًا!

أخذت أحاول أن أتذكَّر الحوار الذي جرى بيننا في ذلك اللقاء الغريب في الحافلة، حاولت التفكير في أدقِّ التفاصيل في ذلك اليوم لحظة بلحظة، تذكرت حين أعطتْني تلك السيدة ذلك الكتابَ، وأخبرتني أنني بإمكاني الاحتفاظ به - إن رغبتُ - أو أرده إليها ثانيةً، وأخبرتني أنها معلمة في مَدرسة الزهور، وأن أسأل هناك عن "ست ليلى" في تلك المدرسة.

إذًا فهناك علاقة بينها وبين المدرسة، وإلا لما أخبرتني عن ذلك! لغزٌ مُبهم ومُحير!
ماذا أفعل؟ قرَّرْتُ أن أكتشف ذلك بنفسي.

وبعد تفكير طويل قرَّرْتُ أن أذهب يوميًّا صباحًا إلى المدرسة؛ أراقب دخول الطلبة والمعلمات إلى المدرسة، شيئًا غامضًا استلهمتُه من حاسَّتي السادسة، كنت أجهلُ سرَّه، وهو الذي كان يقودني إلى هذا التفكير في مراقبة المدرسة!

في صباح يومين متتاليَيْنِ وبعد إيصال أطفالي إلى مدارسهم، أخذتُ طريقي وتوجَّهْتُ إلى مدرسة الزهور، وأخذتُ أراقبُ المدرسة من بُعد خطوات عن المدرسة، من الساعة السابعة والنصف إلى الثامنة، حينها تقفلُ بوابة المدرسة معلنةً بداية الدوام الدراسي، يَئستُ من هذه المراقبة ليومين متتالين دون جدوى، ولكني استمرَرْتُ لليوم الثالث أيضًا وقررتُ أن يكون آخر يوم لي من هذه المراقبة العديمة الجدوى، واكتشفتُ مدى فشلي وسخافة قراري في تقمُّص شخصية (شارلوك هولمز)!

وقبل أن أعود أدراجي كانت الساعةُ تشير إلى الثامنة وعشرين دقيقة، انتابني شعورٌ غريب، ووخز في رأسي، وغشاوة أمام عينيَّ، وشعرت بالبرد، وكأنَّ أطرافي قد تجمَّدت رغم أن الجوَّ كان حارًّا في ذلك اليوم! فركتُ عينيَّ، وقبل أن أباشر بالعودة، صعقت؛ لِما رأيت أمامي! لا لا يا إلهي لا! فهذا حقًّا أكبر من طاقتي، أو من أن يصدِّقَه عقلي! هذه المرة لم تُشلَّ قدماي بل بالعكس تصلَّبَتْ كالحجر الكونكريت في محلِّها، وتصلَّبْتُ أنا الأخرى كالتمثال وأنا أرى "ست ليلى" وهي قادمة سيرًا من على بُعد متوجهةً نحو المدرسة، يا إلهي إنها تقترب إلى حيث بوابة المدرسة! يا ترى هل ستعرفُني؟! هل هي حقيقيَّة أم هذا شبحُها؟! سبحان الله إنها هي بنفس الملابس، ونفس التسريحة، ونفس الحقيبة!

إنها تقترب لتمرَّ من أمامي نحو المدرسة، لولا تصلُّب قدميَّ، لفرَرْتُ بأقصى سرعتي، حتى الصراخ ما عاد يخرج من فمي! تسمَّرتُ في مكاني، وكلُّ جزء من جسدي يَرتجِفُ دون هوادةٍ، وأنا أنظر إلى "ست ليلى" وكأنني في عالم الأشباح!

مرَّتْ من أمامي دون أن تنظرَ نحوي، وكأنها لم تعرفْني أبدًا، وأنا أنظر إليها كالبلهاءِ الملدوغة من الصدمة التي أصبتُ بها من رأسي إلى أخمص قدميَّ!

أخذت أتبعها بنظري فقط إلى أن دخلَتِ المدرسة، بقيت هكذا مشدوهةً مثل التمثال لا أعرف كم استمرَّ معي هذا الرقود والتصلُّب من الوقت.

وأخيرًا استفقتُ على صوت سائق إحدى السيارات التي كادت تدعسَني وهو يطالبني بالتنحِّي من المكان؛ ليُوقف سيارته في مكاني، أفقتُ من هذا الموقف الراعب الغريب! وعدتُ إلى بيتي شاردةَ البال، مشتَّتةَ الأفكار وفي حال يُرثى لها!

أصبحت أشكُّ في حالي وفي نفسي، وحتى في هذه الحياة وما فيها من الغرائب التي نجهلُها، أو بالأحرى التي أجهلُها أنا وليس غيري!

مرَّ يومان على هذا الحدث، ولم أجرُأْ على العودة مرة أخرى إلى المدرسة، ولكنني لا أنكر بأنني كنتُ في حالة من الرغبة إلى معرفة المزيد عما يجري أمامي، أو أمام مخيِّلتي، وأصبحت أكثر صبرًا وجرأة وتحدِّيًا بأن أعرف ما يجري معي دون استشارة كائنٍ من يكون؛ فلا شكَّ بأنني لو صرَّحْتُ بربعِ ما أواجهُه، فإنني سوف أُتَّهم بالجنون والهلوسة، وهذا شيءٌ يقينٌ؛ لأنني بدأتُ أشكُّ في حالي، فكيف إذًا سيكون شعورُ الناس إن أخبرتهم، صمَّمْتُ أن أعود مرة أخرى إلى المدرسة، وأراقب "ست ليلى" وقرَّرْتُ أن أسلِّم عليها هذه المرة، وليحصل ما يحصل!

حقيقةً زال الخوف من صدري وفكري تمامًا بعد هذا القرار، ولا بدَّ أن أواجه مشكلتي قبل أن تدمِّرَ حياتي وصحتي ونفسيتي المرهقة.

نمتُ في تلك الليلة ملء جفوني، بعد أن أخذت قراري في المتابعة، نهضتُ في الصباح الباكر، لا أقول: إنني كنتُ سعيدة، ولكنني كنت مرتاحةً نفسيًّا لهذا القرار؛ لكي أتخلَّص من هذه الهواجس وأعرف الحقيقة، ففي كل الأحوال لا أقبلُ الهزيمة مهما كانت النتائج!

توجهتُ مرة ثانيةً، وفي نفس الوقت والمكان أترقَّب الـ"ست ليلى"، تلك السيدة التي غيَّرت حياتي رأسًا على عقب، وأنا أجهل سرَّ دخولها في حياتي هكذا! ومن هذه الحقائق الغامضة التي تواجهني كنتُ مسيطرة على القرار والوضع تمامًا، وقفت في مكاني أترقَّب وكأنني (شارلوك هولمز) فلطالما قرأت مغامراته في صِغري، أو (آجاثا كريستي) التي كنت مولعةً بقصصها الغريبة في فترة المراهقة، ربما من خلال تذكُّري لتلك الروايات أصبحت لديَّ الجرأة في أن أقف في موقف غريبٍ، يتطلَّب الكثير من الشجاعة والجرأة!

مرة أخرى داهمني نفس الشعور السابق الغريب من الوَخْزِ في الرأس، وغشاوة أمام عينيَّ، وشعوري بالبَرد، حاولتُ استعادة توازني، وأنا أنظر إلى طريقها، رأيتُها من بعيد قادمةً نحو المدرسة بنفس الملابس والهِندام، تخطو بخطواتها الوقورة المتَّزنة، وما أن اقتربَتْ مني بدأ الخوف يدبُّ في عروقي، وكأن الدماء تفور وتغلي، ثم تتجمَّد لثوانٍ في داخلي، وشلت قدمايَ، وبالكاد سيطرت على وضعي، كانت تسير دون أن تنظرَ نحوي، استغربت! كان يبدو واضحًا أنها لا تعرفني، رغم أنني تقصَّدت أن أرتديَ نفس الملابس التي التقيت بها في الحافلة؛ لعلَّها تميزني وتتعرف عليَّ، وحين مرَّت من أمامي حاولتُ أن أسلِّم عليها، ولكن شعرتُ وكأن لساني قد شلَّ تمامًا، وأن وزنَه قد أصبح أرطالًا، وهي تواصل سيرَها نحو بوابة المدرسة، أخذْتُ أستعيد وعيي بكلِّ قوة، ونادَيْتُها بكل ما أستطيعُ من قوة وشجاعة، وبرهبة وتلعثم قائلة: سسسست للللليلى ...

بالكادِ خرجت الكلمتان من بين شَفتَيَّ المتجمدتَيْنِ والمتصلِّبتَيْنِ تمامًا!

توقَّفَتْ بصمت واستغراب وهي ترمقُني بنظرات هادئة ومفاجأة، وكأنها تلتقي بي لأول مرة، وأجابَتْ قائلةً: هل من خدمة؟
تسمَّرتُ في مكاني كالتمثال، وقد جحظت عينايَ من هَوْل الصدمة التي شعرت بها من خلال نظراتها! يا إلهي إنها لا تعرفني! يبدو من قَسَمات وجهها وكأنها تراني لأول مرة، لا يا إلهي لا، هذا حقًّا أكثر من طاقتي!
فقد أصبح لديَّ يقينٌ، وأدركتُ في هذه اللحظة بأنني لستُ أمام شبح "ست ليلى" فقط؛ وإنما أعيشُ أيضًا بين زمنين، لا شك في ذلك، ويا هولَ أمري!
(يتبع)

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 81.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 78.75 كيلو بايت... تم توفير 2.29 كيلو بايت...بمعدل (2.82%)]