الجهاد في سبيل الله وعوامل النصر على الأعداء - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4487 - عددالزوار : 1021629 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4023 - عددالزوار : 539214 )           »          إضاءات سلفية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 306 )           »          تأديب الأولاد :المهمة يسيرة والنتائج غزيرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          الإحسان إلى النفس باللباس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          أخطاء الواقفين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 244 )           »          مهــارات بنــاءمجمـوعـات العـمـل الدعوي والتربوي وتفـعيـلها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 176 )           »          ما نصيبنا بعد تقسيم الأرض والعلوم والأخلاق بين الأمم؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »          (الهالووين) اليوم المقدس لعبدة الشياطين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 47 )           »          المرتكزات الاقتصادية للمشروع الإيراني في المنطقتين العربية والإسلامية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 20-05-2024, 11:14 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,744
الدولة : Egypt
افتراضي الجهاد في سبيل الله وعوامل النصر على الأعداء





الجهاد في سبيل الله وعوامل النصر على الأعداء

عبد الله بن جار الله الجار الله


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، وبعدُ:
فإن القيام بالدين والجهاد فيه قِوام الأمور وصلاحها، وأخذ الحذر لمقاومة الأعداء به كمال الأمور ونجاحها، فقد أمر الله بالجهاد وحثَّ عليه ورغَّب فيه في نصوص كثيرة، ورتَّب عليه خيرات الدنيا والآخرة، ففي الدنيا النصرُ والعزُّ والفتح القريب، وفي الآخرة الفوز بجنات النعيم، والسلامة من العذاب الأليم، وما لا يتمُّ المأمور إلا به من أسبابه ووسائله، فهو داخلٌ في المأمور ومترتِّب عليه ما فيه من الأجور والخيرات، فلا يقوم الجهاد إلاَّ بتعلُّم العلوم الحربية، والتفنُّن بالفنون العسكرية، والتدريب على القوة والشجاعة والحزم في أمور الحرب؛ قال الله - تعالى -: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60].
فأمر الله المؤمنين بالاستعداد لأعدائهم الكافرين الساعين في إهلاكهم وإبطال ما كانوا عليه من دين الإسلام، وأمَرَهم بإعداد ما يقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يُعِين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواعُ الصناعات التي تُعمل فيها أنواعُ الأسلحة والآلات، من المدافع والرشاشات والطائرات الجوية، والمراكب البريَّة والبحرية، وجميع آلات الدفاع والرأي والسياسة التي بها يتقدَّم المسلمون ويندفع عنهم به شرُّ أعدائهم؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي»؛ (أخرجه مسلم وأحمد وابن ماجه وأبو داود).
وقال الشاعر:
الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ ** هُوَ أَوَّلٌ وَهْيَ الْمَحِلُّ الثَّانِي
فَإِذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِنَفْسٍ مِرَّةٍ[1] * بَلَغَتْ مِنَ الْعَلْيَاءِ كُلَّ مَكَـــانِ

ومن ذلك الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال؛ كالسيارات، والدبابات، والمدرَّعات، وكل وسيلة يحصل بها إرهاب الأعداء، ومن أعظم ما يعين على قتالهم بذلُ النفقات المالية، وفي ذلك ما لا يُحصَى من الثواب وعظيم الأجور؛ ولهذا جاء في الحديث: «إن الدرهم الذي يُنْفَق في سبيل الله يضاعَف ثوابه بسبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة»[2]، كما قال - تعالى -: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن أنفق نفقةً في سبيل الله، كُتِب له سبعمائة ضعف»[3].

وقال صلى الله عليه وسلم حاثًّا لأمَّته على القوة والشجاعة والتدريبات العسكرية ووسائلها: «ارْمُوا واركبوا، وأن ترموا أحب إليَّ من أن تركبوا»[4]، فإذا أهمل المسلمون هذا الأصل العظيم من أصول دينهم، وضيَّعوا هذا الفرض الذي لا تستقيم الأمور إلا به، بهذا يقع التخاذُل والضعف والهوان؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «(إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد - سلَّط الله عليكم ذلاًّ لا يرفعه حتى تراجعوا دينكم»[5]، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الناس إذا اشتغلوا بالدنيا وانكبُّوا على أسبابها وشهواتها، وأهملوا الاستعداد للجهاد وأَخْذ الحذر من عدوهم - وقع في قلوبهم الجبن والوهن والضعف، وسلُِّطت عليهم الأعداء، ولقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فعلى المسلمين أن يتوبوا إلى ربهم، ويستدركوا أمرهم، ويرجعوا إلى دينهم، ويستعيدوا مجدهم وعزَّتهم، ويستعدُّوا لعدوِّهم بكلِّ ما استطاعوا من قوَّة مادِّية ومعنوية، ومن أهم الأمور في هذه الأوقات تعلُّم النظم الحربية والفنون العسكرية، التي تهيِّئ للمسلمين جيشًا منظَّمًا مدرَّبًا مخلصًا تتمُّ به حماية الدين والبلاد، ويوقف المعتدين عند حدهم ويرهب الكافرين، ولا يكونوا عالة على غيرهم عزلًا من السلاح والتعاليم النافعة والاجتهاد المستمر المثمر، وقد أخبر الله - سبحانه وتعالى - أن دين الإسلام إنما يقوم بالعلم الشرعي والعمل الصالح، والجهاد والقوة والسلاح والحديد، فكلُّ واحد منها يمدُّ الآخَر بمعونة الله وتوفيقه وحوله وقوَّته؛ قال - تعالى -: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25]، وقد وعد الله مَن قام بالإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله بالأموال والأنفس، وعده بمغفرة ذنوبه ودخول الجنات والخلود بما فيها من النعيم والكرامات ممَّا تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين، وتلك تجارةٌ رابحة وفوز عظيم، وعلاوة على ذلك خصلة أخرى محبوبة للنفوس، وهي حصول النصر على الأعداء والفتح القريب، وفي ذلك بشارة للمؤمنين المجاهدين؛ قال تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:10- 13].

كما وعد مَن قام بالإيمان والعمل الصالح بالاستخلاف في الأرض والتمكين فيها لدين الإسلام الذي رضيه الله وأكمله لعباده، وإبدالهم الأمن والاستقرار بعد الخوف ما داموا مستقيمين على عبادة الله وحده لا شريك له، وقد تحقَّق هذا الوعد الكريم لسلفنا الصالح من زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين إلى وقتنا هذا؛ قال - تعالى -: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الدين[6]، وأن مَن مات ولم يغزُ ولم يحدِّث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق[7]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»[8].

وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد.

[1] قال في "المصباح": المِرَّة - بالكسر -: الشدة.
[2] رواه أبو داود.
[3] رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
[4] رواه الإمام أحمد وأهل السنن.
[5] رواه أبو داود من رواية نافع عن ابن عمر، وفي إسناده مقالٌ، ولأحمد نحوه من رواية عطاء، ورجاله ثقات، وصحَّحه ابن القطان.
[6] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
[7] رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
[8] متفق عليه.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25-05-2024, 09:56 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,744
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الجهاد في سبيل الله وعوامل النصر على الأعداء





الجهاد في سبيل الله وعوامل النصر على الأعداء (2)

عبد الله بن جار الله الجار الله


لا شكَّ أن للنصر على الأعداء عواملَ وأسبابًا، كما أن للهزيمة أسبابًا تعين عليها، فمن أعظم أسباب النصر: الإيمان بالله الواحد القهَّار، والاعتماد عليه وحده في حصول النصر وفي كل شيء، وتفويض الأمور إليه، والثقة بوعده بنصر المؤمنين؛ قال - تعالى -: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، ومن ذلك نصرة دين الله والقيام به قولاً واعتقادًا، وعملاً ودعوة؛ قال - تعالى -: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج:40- 41]، وقال - تعالى -: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]، ومن أعظم أسباب النصر الاتحاد والاجتماع والتضامُن بين الشعوب المسلمة؛ قال - تعالى -: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقد شبَّه الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم بالجسد الواحد، والبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضًا، وشبَّك بين أصابعه[1]، وقال الشاعر:
تَأْبَى الرِّمَاحُ إِذَا اجْتَمَعْنَ تَكَسُّرًا ** وَإِذَا انْفَرَدْنَ تَكَسَّرَتْ آحَادَا

ومن أسباب النصر بعد الإيمان بالله إعدادُ ما يمكن من القوة المادية والمعنوية؛ قال - تعالى -: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، ومن ذلك إخلاص النية لله، وأن يكون الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله؛ قال - تعالى -: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

ومن أسباب النصر: الثبات عند لقاء العدو وعدم الفرار والانهزام، وكثرة ذكر الله - تعالى - وطاعة الله ورسوله، وعدم التنازُع والاختلاف المؤدِّي إلى الفشل؛ قال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين} [الأنفال: 45- 46]، ومن ذلك استعمال الصبر؛ قال - تعالى -: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]، وقال صلى الله عليه وسلم: (( {واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا} ))[2]، ومن ذلك إظهار الشجاعة والإقدام والتضحية بالنفس والنفيس، والعلم بأن الموت واحد لا بُدَّ منه وإن تعددت أسبابُه.

قال الشاعر:
وَمَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ ** تَعَدَّدَتِ الْأَسْبَابُ وَالْمَوْتُ وَاحِدُ

ومن أسباب النصر: المشاورةُ بين المسؤولين في تعبئة الجيوش وإعدادها، وطريقة الدفاع والهجوم، ونحو ذلك؛ قال - تعالى - في وصف عباده المؤمنين: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، وقال لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وكان صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الحروب وغيرها، مع كمال عقله وسداد رأيه؛ امتثالاً لأمر الله، وتطييبًا لنفوس أصحابه.

ومن أسباب النصر: تولية قيادة الجيوش لِمَن عُرِفوا بالإخلاص لله ولدينه، ثم لحكوماتهم وشعوبهم وأوطانهم، ثم إرشادهم وتوجيههم لما يجب أن يعملوه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه بتقوى الله ومَن معه من المسلمين خيرًا؛ فقال: (( «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا مَن كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا» ))[3].

ومن آخر آيات القتال نزولاً قوله - تعالى -: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 5]، وقد قال العلماء في كل آية ذُكِر فيها الصفح والإعراض عن المشركين: إنها منسوخة بهذه الآية، فبسبب الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله والإخلاص له في القول والاعتقاد والعمل - نال سلفنا الصالح العزَّ والنصر والتمكين في الأرض، ودانت لهم الدنيا، وذلت لهم الأمم، وذلك حين كان الإيمان متمكِّنًا في قلوبهم، ومتوغِّلاً في نفوسهم، وعرفوا أن في الجهاد إحدى الحُسْنَيين: إمَّا النصر والغنيمة، وإما الشهادة في سبيل الله ثم الجنة، حتى قال قائلهم:
فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ** عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللهِ مَصْرَعِي

فنصرهم الله لَمَّا نصروه، وأعزَّهم وخذل عدوهم حين أطاعوه؛ {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 172- 173].

أمَّا أسباب الهزيمة، فهي بعكس ذلك كلِّه، فمن أعظمها: عدم الإيمان بالله، والشرك به، والتوكُّل والاعتماد على غيره في حصول النصر، والله - تعالى - هو الكافي لعباده؛ {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]؛ أي: كافيه.

ومن أسباب الهزيمة: معصية الله ورسوله بترك الواجبات وعمل الفواحش والمحرَّمات؛ كترك الصلاة، ومنع الزكاة، وشرب الخمور، وارتكاب جريمة الزنا؛ قال الله - تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة:20- 21]، وقال - تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [المجادلة: 5]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل على هزيمة مَن عصى الله ورسوله في مخالفة الأوامر وارتكاب المنهيَّات والزواجر، علاوة على عذاب الله الأُخْرَوِي الذي هو أشدُّ وأبقى، فإن الجزاء من جنس العمل، والله - تعالى - يبتلي بالسراء والضراء، والشدَّة والرخاء، والعسر واليسر؛ لينظر مَن يشكر فيزيده من فضله، أو يكفر فينتقم منه بعدله، وجاء في الأثر أن الله - تعالى - يقول: إذا عصاني مَنْ يعرفني، سلَّطت عليه مَن لا يعرفني، فلو استقام المسلمون على دينهم وتحكيم شريعة الله التي أنزل بها كتابه وأرسل بها رسوله، وفكَّروا في أسباب النصر فاستعملوها، وأسبابِ الهزيمة فاجتنبوها، وجاهدوا في الله حق جهاده - لانتصروا وانهزم عدوهم أمام الحق والدفاع عنه؛ {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]، {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [محمد: 21]، ولحرَّروا أوطانهم من أيدي البُغَاة والمستعمرين؛ {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126].

[1] متفق عليه.
[2] رواه الإمام أحمد.
[3] رواه مسلم، والغلول: الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، والغدر: نقض العهد، والتمثيل: تشويه القتيل بقطع أطرافه.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 29-05-2024, 09:41 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 136,744
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الجهاد في سبيل الله وعوامل النصر على الأعداء





الجهاد في سبيل الله وعوامل النصر على الأعداء (3)

عبد الله بن جار الله الجار الله


تكلَّمنا في الفصلين السابقين عن أهم أسباب النصر والهزيمة، وأن النصر يعتمد - أوَّلاً وقبل كل شيء - على الإيمان بالله والتوكُّل والاعتماد عليه وحده في حصول النصر، مع القيام بما فرض الله من الواجبات، واجتناب المحرمات، وإعداد المستطاع من القوة المادية والمعنوية، وإخلاص النية والعمل لله، ثم الشجاعة والإقدام والصبر والثبات أمام العدو، والتضحية بالنفس والنفيس، مع كثرة ذكر الله وطاعته وطاعة رسوله، وعدم التنازع والاختلاف المؤدِّي إلى الفشل، وتولية القيادة لِمَن عُرِفوا بالإخلاص والأمانة، واستعمال المشاورة في ذلك بين المسؤولين، كما قيل:
شَاوِرْ سِوَاكَ إِذَا تَأْتِيكَ نَائِبَةٌ *** يَوْمًا، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الْمَشُورَاتِ

وحصول التعاون والتناصر بين المسلمين الذين هم كالجسد الواحد، وكالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضًا.

هذا، ومن أعظم أسباب النصر مع ما ذُكِر التوجُّهُ إلى الله بالدعاء والتضرُّع؛ حيث أمر بالدعاء وتكفَّل بالإجابة في قوله - تعالى -: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]، {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، {أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62]، فإذا آمنَّا بالله حقَّ الإيمان واستجبنا له، فأطعناه بفعل ما أمر واجتناب ما نهى، ثم دعوناه - استجاب لنا؛ لأنه - سبحانه - لا يخلف الميعاد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خاف قومًا قال: «اللهم إنَّا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم»[1]، وكان يقول: «اللهم أنت عَضُدي ونصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل»[2]، وكان يقول: «مُنْزِل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم»[3].
هكذا كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يقول ويفعل، وهكذا ينبغي أن نفعل كما أمرنا الله، وكما شرع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم خير الأمَّة وأكرمها على الله؛ {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22]، وقد وصفهم الله في كتابه ومدحهم وأثنى عليهم؛ ترغيبًا لنا في الاقتداء بهم وسلوك طريقهم؛ فقال - تعالى -: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ} [المائدة: 54]، وهكذا وصف الله محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه في التوراة والإنجيل والقرآن، فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ} [الفتح: 29]، وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا بالمؤمنين، غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر، بشوشًا في وجه أخيه المؤمن؛ كما قال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123].

هذه بعض أوصاف المؤمنين وأسباب نصرهم.

كما أن من أسباب الهزيمة سلوكَ الطرق الملتوية المنعطفة عن طريقهم، وذلك بالإعراض عن طريق الحق الذي هو طريق الإيمان والرسول والقرآن؛ علمًا وعملاً، واعتقادًا ودعوة، كما أن من أسباب الهزيمة اللجوءَ إلى غير الله؛ محبةً وخوفًا، ورجاء وتوكلاً، ورغبة ورهبة؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ومَن تعلَّق بشيءٍ وُكِل إليه، والله - تعالى - هو الذي بيده النصر والتأييد والعز والذل، يعزُّ مَن يشاء ويذل مَن يشاء، وهو الفعَّال لما يريد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا مانع لما أعطى، ولا معطى لما منع؛ {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]:
فَيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الإِلَ *** هُ أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَــــــــةٌ *** تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِــــــــــدُ

وقال - تعالى -: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]؛ أي: مَنْ يعتمد عليه فهو كافيه، وقال الشاعر:
لُذْ بِالْإِلَهِ وَلاَ تَلُذْ بِسِوَاهُ *** مَنْ لاَذَ بِالْمَلِكِ الْجَلِيلِ كَفَاهُ

هذا، وأسأل العلي القدير أن يوفِّق المسلمين - حُكَّامًا ومحكومين - إلى العمل بكتابه وسنة رسوله، وأن يؤلِّف بين قلوبهم، ويصلح ذات بينهم، وينصرهم على عدوهم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

[1] رواه أبو داود بإسناد صحيح.
[2] رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
[3] متفق عليه.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 74.52 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 71.97 كيلو بايت... تم توفير 2.55 كيلو بايت...بمعدل (3.42%)]