تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ - الصفحة 35 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         كتاب الجدول في إعراب القرآن ------ متجدد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 514 - عددالزوار : 44026 )           »          خديجة بنت خويلد أم المؤمنين سيدة نساء العالمين (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          للنساء فقط .. 7 أمور تنهي الحب بين الزوجين (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          الابتزاز الإلكتروني (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 371 - عددالزوار : 12304 )           »          ضيِّع وقتك! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          قضايا الانحراف في السرد العربي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          المبدع: الدور والرسالة والشخصية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          في حزام الفقر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          التبيان في قواعد إعراب القرآن (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #341  
قديم 12-08-2022, 11:31 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,415
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الرابع
الحلقة (339)
سُورَةُ الْحَجِّ
صـ 468 إلى صـ 475







أما الليل فقد قدمنا أن الشافعية ، والمالكية ، والحنفية كلهم يقولون : يرمي ليلا . والمالكية بعضهم يقولون : الرمي ليلا قضاء ، وهو المشهور عندهم ، وبعضهم يتوقف في كونه قضاء أو أداء ، كما قدمناه عن الباجي ، والحنفية يقولون : إن الليلة التي بعد اليوم تبع له ، فيجوز الرمي فيها تبعا لليوم ، والشافعية لهم وجهان مشهوران في الرمي في الليلة التي بعد اليوم ، هل هو أداء ، أو قضاء ؟ كما قدمناه مستوفى ، والحنابلة قدمنا أنهم يقولون : لا يرمي ليلا ، بل يرمي من الغد بعد زوال الشمس ، كما ذكرنا فيه كلام صاحب المغني ، وأما رمي يوم من أيام التشريق في يوم آخر منها ، فلا خلاف فيه بين من يعتد به من أهل العلم ، إلا أنهم اختلفوا في أيام التشريق الثلاثة هل هي كيوم واحد ؟ فالرمي في جميعها أداء ; لأنها وقت للرمي كيوم واحد ، أو كل يوم منها مستقل ، فإن فات هو وليلته التي بعده فات وقت رميه ، فيكون قضاء في اليوم الذي بعده ، فعلى القول الأول لو رمى عن اليوم الأول في الثاني ، أو عن الثاني في الثالث ، أو عن الأول ، والثاني في الثالث ، فلا شيء [ ص: 468 ] عليه ; لأنه رمى في وقت الرمي ، وعلى الثاني يلزمه دم عن كل يوم فاته رمي فيه إلى الغد عند من يقول : بتعدد الدماء كالشافعية ، أو دم واحد عن اليومين ، عند من يقول : بعدم التعدد .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : التحقيق في هذه المسألة أن أيام التشريق كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي ، فمن رمى عن يوم منها في يوم آخر منها أجزأه ، ولا شيء عليه ، كما هو مذهب أحمد ، ومشهور مذهب الشافعي ، ومن وافقهما .

والدليل على ذلك : هو ما رواه مالك في الموطإ ، والإمام أحمد ، والشافعي ، وابن حبان ، والحاكم ، وأصحاب السنن الأربعة ، عن عاصم بن عدي العجلاني رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لرعاء الإبل ، أن يرموا يوما ، ويدعوا يوما هذا لفظ أبي داود ، والنسائي وابن ماجه ، وفي لفظ : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى ، يرمون يوم النحر ، ثم يرمون الغداة ، ومن بعد الغداة ليومين ، ثم يرمون يوم النفر . ولهذا الحديث ألفاظ متقاربة غير ما ذكرنا ، ومعناها واحد ، وقال الإمام مالك رحمه الله في الموطإ ما نصه : تفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في تأخير رمي الجمار فيما نرى والله أعلم : أنهم يرمون يوم النحر ، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد ، وذلك يوم النفر الأول ، فيرمون لليوم الذي مضى ، ثم يرمون ليومهم ذلك ، لأنه لا يقضي أحد شيئا حتى يجب عليه ، فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك ، فإن بدا لهم النفر فقد فرغوا ، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر ، ونفروا . انتهى منه ، وهذا المعنى الذي فسر به الحديث هو صريح معناه في رواية من روى : أن يرموا يوما ويدعوا يوما ، وحديث عاصم العجلاني هذا قال فيه الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

فإن قيل : أنتم سقتم هذا الحديث مستدلين به على أن أيام التشريق كاليوم الواحد ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رخص لهم في تأخير رمي يوم إلى اليوم الذي بعده دل ذلك على أن اليوم الثاني وقت لرمي اليوم الأول ، لأنه لو فات وقته لفات بفوات وقته لإجماع العلماء على أنه لا يقضي في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة الذي هو خامس يوم النحر فما بعده ، ولكن ظاهر كلام مالك في تفسيره الحديث المذكور يدل على أن رمي يوم في اليوم الذي بعده قضاء لقوله في كلامه المذكور : فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء .

فالجواب عن ذلك من وجهين :

[ ص: 469 ] أحدهما : أن إطلاق القضاء على ما فات وقته بالكلية اصطلاح حادث للفقهاء ; لأن القضاء في الكتاب والسنة يطلق على فعل العبادة في وقتها ، كقوله تعالى : فإذا قضيتم الصلاة الآية [ 4 ] ، وقوله : فإذا قضيت الصلاة [ 62 \ 10 ] ، وقوله تعالى : فإذا قضيتم مناسككم الآية [ 2 \ 200 ] . فالقضاء في هذه الآيات بمعنى الأداء .

الوجه الثاني : أنا لو فرضنا أن مالكا رحمه الله ، يريد بالقضاء في كلامه المذكور المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء ، وهو أن القضاء فعل العبادة بعد خروج وقتها المعين لها تداركا لشيء علم تقدم ما أوجب فعله في خصوص وقته ، كما هو المعروف في مذهبه ، إنه إن أخر الرمي إلى الليل فما بعده ، أنه قضاء . يلزم به الدم ، فإنا لا نسلم أن رمي يوم في اليوم الذي بعده قضاء لعبادة خرج وقتها بالكلية استنادا لأمرين :

الأول : أن رمي الجمار عبادة موقتة بالإجماع ، فإذن النبي صلى الله عليه وسلم في فعلها في وقت دليل واضح على أن ذلك الوقت من أجزاء وقت تلك العبادة الموقتة ; لأنه ليس من المعقول أن تكون هذه العبادة موقتة بوقت معين ينتهي بالإجماع في وقت معروف ، ويأذن النبي صلى الله عليه وسلم في فعلها في زمن ليس من أجزاء وقتها المعين لها . فهذا لا يصح بحال ، وإذا تقرر أن الوقت الذي أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فعل العبادة الموقتة فيه أنه من وقتها علم أنها أداء لا قضاء ، والأداء في اصطلاح أهل الأصول هو إيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعا لمصلحة اشتمل عليها ذلك الوقت .

الأمر الثاني : أنه لا يمكن أن يقال هنا : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالرمي في وقت غير وقته ، بل بعد فوات وقته ، وأن أمره به في ذلك الوقت أمر بقضائه بعد فوات وقته المعين له ، لما قدمنا من إجماع المسلمين على أنه لا يجوز الرمي في رابع يوم النحر ، ولو كان يجوز قضاء الرمي بعد فوات وقته ، لجاز الرمي في رابع النحر وخامسه ، وما بعد ذلك . والقضاء في اصطلاح الفقهاء والأصوليين : لا يطلق إلا على ما فات وقته بالكلية ، والصلاة في آخر الوقت الضروري أداء عندهم ، حتى إنه لو صلى بعضها في آخر الضروري ، وبعضها بعد خروج الوقت الضروري ، فهي أداء عندهم على الصحيح . ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم : " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " وعرف في مراقي السعود الأداء والوقت والقضاء عند الأصوليين بقوله :


فعل العبادة بوقت عينا شرعا لها باسم الأداء قرنا

[ ص: 470 ] وكونه بفعل بعض يحصل
لعاضد النص هو المعول وقيل ما في وقته أداء
وما يكون خارجا قضاء والوقت ما قدره من شرعا
من زمن مضيقا موسعا وعكسه القضا تداركا لما
سبق الذي أوجبه قد علما


وقوله : وعكسه القضا ; يعني : أن القضاء ضد الأداء .

وبما ذكرنا : تعلم أن التحقيق أن أيام الرمي كلها كاليوم الواحد ، وأن من رمى عن يوم في الذي بعده ، لا شيء عليه لإذن النبي صلى الله عليه وسلم للرعاء في ذلك ، ولكن لا يجوز تأخير يوم إلى يوم آخر إلا لعذر ، فهو وقت له ، ولكنه كالوقت الضروري . والله تعالى أعلم .

أما رمي جمرة العقبة ، فقال بعض أهل العلم : إن حكمه مع رمي أيام التشريق كواحد منها ، فمن أخر رميه إلى يوم من أيام التشريق ، فهو كمن أخر يوما منها إلى يوم ، وعليه ففيه الخلاف المذكور ، وقال بعض أهل العلم : هو مستقل بوقته دونها لأنه يخالفها في الوقت والعدد ; لأنها جمرة واحدة أول النهار ، وأيام التشريق بعكس ذلك وله وجه من النظر . والله أعلم .
الفرع الرابع : أظهر قولي أهل العلم عندي أنه إن قضى رمي اليوم الأول والثاني من أيام التشريق في اليوم الثالث منها ، ينوي تقديم الرمي عن اليوم الأول قبل الثاني ، ولا يجوز تقديم رمي الثاني بالنية ; لأنه لا وجه لتقديم المتأخر ، وتأخير المتقدم من غير استناد إلى دليل كما ترى . والظاهر أنه إن نوى تقديم الثاني لا يجزئه لأنه كالمتلاعب خلافا لمن قال : يجزئه ، والله تعالى أعلم .
الفرع الخامس : اعلم أن العلماء اختلفوا في القدر الذي يوجب تركه الدم من رمي الجمار ، فذهب مالك ، وأصحابه إلى أن من أخر رمي حصاة واحدة من واحدة من الجمار إلى ليل ذلك اليوم لزمه الدم ، وما فوق الحصاة أحرى بذلك ، وسواء عندهم في ذلك من جمرة العقبة يوم النحر ، ورمي الثلاث أيام التشريق . ومعلوم أن من توقف من المالكية في كون الرمي ليلا قضاء يتوقف في وجوب الدم ، إن رمى ليلا ، ولكن مشهور مذهبه : هو أن الليل قضاء كما قال خليل في مختصره : والليل قضاء . وذهب أبو حنيفة ، وأصحابه : إلى أن الدم يلزمه بترك رمي الجمرات كلها ، أو رمي يوم واحد من أيام التشريق ، وكذلك عندهم رمي جمرة العقبة ، فرمي جمرة العقبة ورمي يوم من أيام التشريق ، ورمي الجميع سواء عندهم يلزم في ترك كل واحد منها دم واحد ، وما هو أكثر [ ص: 471 ] من نصف رمي يوم عندهم كرمي اليوم يلزم فيه الدم ، فلو رمى جمرة وثلاث حصيات من جمرة ، وترك الباقي ، فعليه دم ; لأنه رمى عشر حصيات وترك إحدى عشرة حصاة ، فإن ترك أقل من نصف رمي يوم كأن ترك جمرة واحدة ، فلا دم عليه ، ولكن عليه الصدقة عندهم ، فيلزمه لكل حصاة نصف صاع من بر ، أو صاع من تمر ، أو شعير إلا أن يبلغ ذلك دما فينقص ما شاء هكذا يقول . ولا أعلم له مستندا من النقل ، وقد قدمنا أن الدم يلزم عند أبي حنيفة بفوات الرمي في يومه وليلته التي بعده ، ولو رماه من الغد في أيام التشريق ، وخالفه في ذلك صاحباه . ومذهب الشافعي في هذه المسألة فيه اختلاف يرجع إلى قولين :

القول الأول : وعليه اقتصر صاحب المهذب : أنه إن ترك رمي الجمار الثلاث في يوم من أيام التشريق لزمه دم ، وإن ترك ثلاث حصيات من جمرة ، فما فوقها : لزمه دم لأن ثلاث حصيات فما فوقها يقع عليها اسم الجمع المطلق ، فصار تركها كترك الجميع ، وإن ترك حصاة واحدة فثلاثة أقوال :

الأول : يجب عليه ثلث دم .

والثاني : مد .

والثالث : درهم . وحكم الحصاتين كذلك ، قيل : يلزم فيها ثلثا دم ، وقيل : مدان وقيل درهمان ، فإن ترك الرمي في أيام التشريق كلها ، فعلى القول المشهور عندهم أنها كيوم واحد ، فاللازم دم واحد . وإن قلنا : بأن كل يوم منفرد بوقته ، فثلاثة دماء ، وإن ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر ، ورمى أيام التشريق ، فعلى القول بأن رمي يوم النحر كرمي يوم من أيام التشريق ، لزمه على القول الأول أنها كيوم واحد دم واحد ، وإن قلنا : بانفراد رمي يوم النحر عن أيام التشريق ، لمخالفته لها وقتا وعددا ، فإن قلنا : بالمشهور أن أيام التشريق كيوم واحد ، لزمه دمان ، وإن قلنا : بانفراد كل يوم منها عن الآخر بوقته ، لزمه أربعة دماء .

القول الثاني : أن الجمرات الثلاث كلها كالشعرات الثلاث ، فلا يكمل الدم في بعضها بل لا يلزم إلا بترك جميعها ، بأن يترك رمي يوم ، وعليه فإن ترك رمي جمرة من الجمار ، ففيه الأقوال الثلاثة المشهورة عندهم ، فيمن حلق شعرة أظهرها : مد ، والثاني : درهم ، والثالث : ثلث دم ، فإن ترك جمرتين ، فعلى هذا القياس ، وهو لزوم مدين ، أو درهمين ، أو ثلثي دم ، وعلى هذا لو ترك حصاة من جمرة ، فعلى أن في الجمرة ثلث دم يلزمه في الحصاة جزء من واحد وعشرين جزءا من دم ، وعلى أن فيها مدا أو درهما ، ففي الحصاة [ ص: 472 ] سبع مد ، أو سبع درهم ، وللشافعية في هذا المبحث تفاصيل كثيرة ، تركناها لطولها ، ومذهب الإمام أحمد : أن من أخر الرمي كله عن أيام التشريق . لزمه دم ، وعنه في ترك رمي الجمرة الواحدة دم ، ولا شيء عنده في الحصاة ، والحصاتين وعنه يتصدق بشيء . وروي عنه أن في الحصاة الواحدة : دما كقول مالك . وروي عنه أن في ثلاث حصيات : دما كأحد قولي الشافعي ، وفيما دون ذلك كل حصاة مد كأحد الأقوال عند الشافعية والعلم عند الله تعالى .

وإذا عرفت أقوال أهل العلم في حكم من أخل بشيء من الرمي ، حتى فات وقته .

فاعلم أن دليلهم في إجماعهم على أن من ترك الرمي كله وجب عليه دم ، هو ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : من نسي من نسكه شيئا ، أو تركه ، فليهرق دما ، وهذا صح عن ابن عباس موقوفا عليه ، وجاء عنه مرفوعا ولم يثبت . وقد روى مالك في موطئه عن أيوب بن أبي تميمة السختياني ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : من نسي من نسكه شيئا إلى آخره باللفظ الذي ذكرنا وهذا إسناد في غاية الصحة إلى ابن عباس كما ترى . وقال البيهقي في سننه : أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أنبأ ابن وهب ، أخبرني عبد الله بن عمر ، ومالك بن أنس ، وغيرهما : أن أيوب بن أبي تميمة ، أخبرهم عن سعيد بن جبير ، عن عبد الله بن عباس أنه قال : من نسي من نسكه شيئا ، أو تركه فليهرق دما اهـ .

وقال النووي في شرح المهذب : وأما حديث : " من ترك نسكا فعليه دم " فرواه مالك ، والبيهقي ، وغيرهما بأسانيد صحيحة ، عن ابن عباس موقوفا عليه لا مرفوعا ، ولفظه : عن مالك ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير : أن ابن عباس قال : من نسي من نسكه شيئا ، أو تركه فليهرق دما قال مالك : لا أدري قال : ترك أم نسي قال البيهقي : وكذا رواه الثوري ، عن أيوب : من ترك شيئا من نسكه فليهرق له دما وما قال البيهقي ، فكأنه قالهما يعني البيهقي أن أو ليست للشك كما أشار إليه مالك بل للتقسيم ، والمراد به يريق دما سواء ترك عمدا أو سهوا والله أعلم . انتهى كلام النووي .

وقال ابن حجر في تلخيص الحبير : حديث ابن عباس موقوفا عليه ومرفوعا : " من ترك نسكا فعليه دم " ، أما الموقوف ، فرواه مالك في الموطإ ، والشافعي عنه ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عنه بلفظ : " من نسي من نسكه شيئا ، أو تركه فليهرق دما " وأما [ ص: 473 ] المرفوع فرواه ابن حزم ، من طريق علي بن الجعد ، عن ابن عيينة ، عن أيوب به ، وأعله بالراوي ، عن علي بن الجعد أحمد بن علي بن سهل المروزي فقال : إنه مجهول ، وكذا الراوي عنه علي بن أحمد المقدسي قال : هما مجهولان . انتهى من التلخيص .

فإذا علمت أن الأثر المذكور ثابت بإسناد صحيح ، عن ابن عباس .

فاعلم أن وجه استدلال الفقهاء به على سائر الدماء التي قالوا بوجوبها غير الدماء الثابتة بالنص ، أنه لا يخلو من أحد أمرين .

الأول : أن يكون له حكم الرفع ، بناء على أنه تعبد ، لا مجال للرأي فيه ، وعلى هذا فلا إشكال .

والثاني : أنه لو فرض أنه مما للرأي فيه مجال ، وأنه موقوف ليس له حكم الرفع ، فهو فتوى من صحابي جليل لم يعلم لها مخالف من الصحابة ، وهم رضي الله عنهم خير أسوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أما اختلاف العلماء في لزوم الدم بترك جمرة ، أو رمي يوم ، أو حصاة ، أو حصاتين إلى آخر ما تقدم : فهو من نوع الاختلاف في تحقيق المناط فمالك مثلا القائل : بأن في الحصاة الواحدة دما يقول الحصا الواحدة داخلة في أثر ابن عباس المذكور ، فمناط لزوم الدم محقق فيها ، لأنها شيء من نسكه فيتناولها قوله : من نسي من نسكه شيئا ، أو تركه إلخ ، لأن لفظة شيئا نكرة في سياق الشرط ، فهي صيغة عموم ، والذين قالوا : لا يلزم في الحصاة ، والحصاتين دم ، قالوا : الحصاة ، والحصاتان لا يصدق عليهما نسك ، بل هما جزء من نسك ، وكذلك الذين قالوا : لا يلزم في الجمرة الواحدة دم ، قالوا : رمي اليوم الواحد نسك واحد فمن ترك جمرة في يوم لم يترك نسكا ، وإنما ترك بعض نسك ، وكذلك الذين قالوا : لا يلزم إلا بترك الجميع قالوا : إن الجميع نسك واحد ، والعلم عند الله تعالى .
الفرع السادس : اعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا : يستحب رمي جمرة العقبة راكبا إن أمكن ، ورمي أيام التشريق ماشيا في الذهاب والإياب إلا اليوم الأخير ، فيرمي فيه راكبا ، وينفر عقب الرمي وقال بعضهم : يرميه كله راكبا .

وأظهر الأقوال في المسألة : هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو قد رمى جمرة العقبة راكبا ، ورمى أيام التشريق ماشيا ذهابا وإيابا ، والله تعالى أعلم .
الفرع السابع : إذا عجز الحاج عن الرمي ، فله أن يستنيب من يرمي عنه ، وبه قال كثير [ ص: 474 ] من أهل العلم ، وهو الظاهر . وفي الموطإ قال يحيى : سئل مالك ، هل يرمى عن الصبي ، والمريض ؟ فقال : نعم ، ويتحرى المريض حين يرمى عنه ، فيكبر وهو في منزله ، ويهريق دما ، فإن صح المريض في أيام التشريق : رمى الذي رمي عنه ، وأهدى وجوبا انتهى من الموطإ .

أما الرمي عن الصبيان فهو كالتلبية عنهم ، والأصل فيه ما رواه ابن ماجه في سننه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا عبد الله بن نمير ، عن أشعث ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعنا النساء ، والصبيان ، فلبينا عن الصبيان ، ورمينا عنهم ، ورجال إسناد ابن ماجه هذا ثقات معروفون إلا أشعث ، وهو ابن سوار الكندي النجار الكوفي مولى ثقيف فقد ضعفه غير واحد ومسلم إنما أخرج له في المتابعات ، وهو ممن يعتبر بحديثه ، كما يدل على ذلك إخراج مسلم له في المتابعات . وروى الدورقي ، عن يحيى : أشعث بن سوار الكوفي ثقة ، وقال ابن عدي : لم أجد لأشعث متنا منكرا ، وإنما يغلط في الأحايين في الأسانيد ويخالف . وأما الرمي عن المريض ونحوه ممن كان له عذر غير الصغر فلا أعلم له مستندا من النقل إلا أن الاستنابة في الرمي ، هي غاية ما يقدر عليه والله تعالى يقول : فاتقوا الله ما استطعتم [ 64 \ 16 ] وبعض أهل العلم يستدل لذلك بالقياس على الصبيان ، بجامع العجز في الجميع وبعضهم يقيس الرمي على أصل الحج قال النووي في شرح المهذب : استدل أصحابنا على جواز الاستنابة في الرمي بالقياس على الاستنابة في أصل الحج ، قالوا : والرمي أولى بالجواز ا هـ .

تنبيه

إذا رمى النائب ، عن العاجز ، ثم زال عذر المستنيب ، وأيام الرمي باقية ، فقد قدمنا قول مالك في الموطإ : أنه يقضي كل ما رماه عنه النائب ، مع لزوم الدم وقال بعض أهل العلم : لا يلزمه قضاء ما رمى عنه النائب ; لأن فعل النائب كفعل المنوب عنه ، فيسقط به الفرض ، ولكن تندب إعادته ، وهذا هو مشهور مذهب الشافعي . وفي المسألة لأهل العلم غير ما ذكرنا .

قال مقيده عفا الله وغفر له : أظهر أقوال أهل العلم عندي في هذه المسألة : أنه إذا زال عذر المستنيب وأيام الرمي باق بعضها : أنه يرمي جميع ما رمي عنه ، ولا شيء عليه ; لأن الاستنابة إنما وقعت لضرورة العذر ، فإذا زال العذر والوقت باق بعضه ، فعليه [ ص: 475 ] أن يباشر فعل العبادة بنفسه .

وقد قدمنا أن أقوى الأقوال دليلا هو قول من قال : إن أيام الرمي كيوم واحد بدليل ما قدمنا من ترخيصه صلى الله عليه وسلم للرعاء أن يرموا يوما ، ويدعوا يوما كما تقدم إيضاحه والعلم عند الله تعالى .
الفرع الثامن : اعلم أن التحقيق في عدد الحصيات التي ترمى بها كل جمرة أنها سبع حصيات ، فمجموع الحصى سبعون حصاة سبع منها ترمى بها جمرة العقبة يوم النحر ، والثلاث والستون الباقية تفرق على الأيام الثلاثة في كل يوم إحدى وعشرون حصاة ، لكل جمرة سبع .

وأحوط الأقوال في ذلك قول مالك وأصحابه ومن وافقهم : أن من ترك حصاة واحدة كمن ترك رمي الجميع ، وقال بعض أهل العلم : يجزئه الرمي بخمس أو ست ، وقال ابن قدامة في المغني : والأولى ألا ينقص في الرمي عن سبع حصيات ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بسبع حصيات ، فإن نقص حصاة ، أو حصاتين فلا بأس ، ولا ينقص أكثر من ذلك نص عليه يعني أحمد ، وهو قول مجاهد ، وإسحاق ، وعنه : إن رمى بست ناسيا ، فلا شيء عليه ، ولا ينبغي أن يتعمده ، فإن تعمد ذلك تصدق بشيء ، وكان ابن عمر يقول : ما أبالي رميت بست ، أو بسبع . وعن أحمد : أن عدد السبع شرط ، ونسبه إلى مذهب الشافعي ، وأصحاب الرأي لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بسبع . وقال أبو حبة : لا بأس بما رمى به الرجل من الحصى ، فقال عبد الله بن عمرو : صدق أبو حبة ، وكان أبو حبة بدريا .

ووجه الرواية الأولى ما روى ابن أبي نجيح قال : سئل طاوس عن رجل ترك حصاة ؟ قال : يتصدق بتمرة أو لقمة ، فذكرت ذلك لمجاهد فقال : إن أبا عبد الرحمن لم يسمع قول سعد قال سعد : رجعنا من الحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضنا يقول : رميت بست وبعضنا يقول : بسبع ، فلم يعب ذلك بعضنا على بعض . رواه الأثرم وغيره . انتهى كلام ابن قدامة في المغني . وما رواه عن أبي نجيح قال : سئل طاوس إلخ رواه البيهقي بإسناده في السنن الكبرى ، من طريق الفريابي ، عن ابن عيينة ، عن أبي نجيح .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #342  
قديم 12-08-2022, 11:34 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,415
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الرابع
الحلقة (340)
سُورَةُ الْحَجِّ
صـ 476 إلى صـ 483


قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : التحقيق أنه لا يجوز أقل من سبع حصيات للروايات الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان يرمي الجمار بسبع حصيات . مع قوله : " خذوا عني مناسككم " فلا ينبغي العدول عن ذلك ; لوضوح دليله وصحته ، ولأن مقابله لم يقم [ ص: 476 ] عليه دليل يقارب دليله ، والعلم عند الله تعالى . والظاهر أن من شك في عدد ما رمى يبني على اليقين ، وروىالبيهقي عن علي رضي الله عنه ما يؤيده .
الفرع التاسع : اعلم أن جمهور أهل العلم على أن من غربت شمس يوم النفر الأول ، وهو بمنى لزم المقام بمنى ، حتى يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال في اليوم الثالث ، ولا ينفر ليلا . وممن قال بهذا : الأئمة الثلاثة : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وهو قول أكثر أهل العلم . وقال ابن قدامة في المغني : وهو قول عمر ، وجابر بن زيد ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وأبان بن عثمان ، ومالك ، والثوري ، والشافعي ، وإسحاق ، وابن المنذر . وقال ابن المنذر : ثبت عن عمر أنه قال : " من أدركه المساء في اليوم الثاني ، فليقم إلى الغد ، حتى ينفر مع الناس " . وخالف أبو حنيفة الجمهور في هذه المسألة فقال : له أن ينفر ليلة الثالث عشر من الشهر حتى يطلع الفجر من اليوم الثالث ، فإن طلع الفجر لزمه البقاء ، حتى يرمي .

والأظهر عندي حجة الجمهور ; لأن الله تعالى قال : فمن تعجل في يومين [ 2 \ 203 ] ولم يقل في يومين وليلة .

ووجه قول أبي حنيفة : هو أن من نفر بالليل فقد نفر في وقت لا يجب فيه الرمي ، بل لا يجوز فجاز له النفر كالنهار . وقد قدمنا أيضا عن الحنفية أنهم يرون الليلة التي بعد اليوم من أيام التشريق تابعة له ، فيجوز فيها ما يجوز في اليوم الذي قبلها كالرمي فيها والنفر فيها إن كان يجوز في يومها .

والأظهر عندي : أنه لو ارتحل من منى فغربت عليه الشمس ، وهو سائر في منى لم يخرج منها أنه يلزمه المبيت ، والرمي ، لأنه يصدق عليه أنه غربت عليه الشمس في منى ، فلم يتعجل منها في يومين خلافا للمشهور من مذهب الشافعي القائل بأن له أن يستمر في نفره ولا يلزمه المبيت والرمي .

والأظهر عندي أيضا : أنه لو غربت عليه الشمس ، وهو في شغل الارتحال أنه يبيت ، ويرمي خلافا لمن قال : يجوز له الخروج منها بعد الغروب ; لأنها غربت ، وهو مشتغل بالرحيل ، وهما وجهان مشهوران عند الشافعية ، والعلم عند الله تعالى .

واعلم : أن التحقيق أن التعجل جائز ، لأهل مكة فهم فيه كغيرهم ، خلافا لمن فرق بين المكي وغيره ، إلا لعذر ; لأن الله قال : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه [ 2 \ 203 ] [ ص: 477 ] وهو عموم شامل لأهل مكة وغيرهم ، ولا شك أن التأخر أفضل من التعجل ; لأن فيه زيادة عمل ، والنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع لم يتعجل .
الفرع العاشر : اعلم أن العلماء اختلفوا في المبيت في منى ليالي أيام التشريق هل هو واجب ، أو مستحب ، مع إجماعهم على أنه مشروع ؟ فذهب مالك ، وأصحابه : إلى أنه واجب ، ولو بات ليلة واحدة منها أو جل ليلة ، وهو خارج عن منى . لزمه دم لأثر ابن عباس السابق . وروى مالك في الموطإ ، عن نافع أنه قال : زعموا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : كان يبعث رجالا يدخلون الناس من وراء العقبة . وروى مالك في الموطإ أيضا ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أن عمر بن الخطاب قال : لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة . اهـ منه .

وهو دليل على وجوب المبيت ليالي أيام التشريق بمنى كما أنه دليل على أن ما وراء جمرة العقبة ، مما يلي مكة ليس من منى ، وهو معروف ، ومذهب أبي حنيفة : هو أن عدم المبيت بمنى ليالي منى مكروه ، ولو بات بغير منى لم يلزمه شيء ، عند أبي حنيفة ، وأصحابه ، لأنهم يرون أن المبيت بمنى لأجل أن يسهل عليه الرمي ، فلم يكن من الواجبات عندهم . ومذهب الشافعي في هذه المسألة : هو أن في المبيت بمنى ليالي منى طريقتين ، أصحهما ، وأشهرهما فيه قولان أصحهما : أنه واجب ، والثاني : أنه سنة ، والطريق الثاني أنه سنة قولا واحدا فعلى القول بأنه واجب ، فالدم واجب في تركه ، وعلى أنه سنة ، فالدم سنة في تركه ، ولا يلزم عندهم الدم ، إلا في ترك المبيت في الليالي كلها ، لأنها عندهم كأنها نسك واحد ، وإن ترك المبيت في ليلة من الليالي الثلاث ، ففيه الأقوال المذكورة في ترك الحصاة الواحدة عندهم أصحها أن في ترك مبيت الليلة الواحدة مدا ، والثاني : أن فيه درهما ، والثالث : أن فيه ثلث دم كما تقدم ، وحكم الليلتين معلوم كما تقدم .

ومذهب الإمام أحمد في هذه المسألة : أن المبيت بمنى ليالي منى واجب ، فلو ترك المبيت بها في الليالي الثلاث . فعليه دم على الصحيح من مذهبه ، وعنه : يتصدق بشيء ، وعنه : لا شيء عليه فإن ترك المبيت في ليلة من لياليها ، ففيه ما في الحصاة الواحدة من الأقوال التي قدمنا ، قيل : مد ، وقيل : درهم ، وقيل ، ثلث دم .

فإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فاعلم أن أظهر الأقوال دليلا أن المبيت بمنى أيام منى نسك من مناسك الحج ، يدخل في قول ابن عباس : من نسي من نسكه شيئا ، أو تركه فليهرق دما .

[ ص: 478 ] والدليل على ذلك ثلاثة أمور : الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها الليالي المذكورة ، وقال : " لتأخذوا عني مناسككم " ، فعلينا أن نأخذ من مناسكنا البيتوتة بمنى الليالي المذكورة .

الثاني : هو ما ثبت في الصحيحين : أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس أن يبيت بمكة أيام منى ، من أجل سقايته وفي رواية : أذن للعباس .

وقال ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث الترخيص للعباس المذكور عند البخاري ما نصه : وفي الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى وأنه من مناسك الحج ; لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة ، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة ، وإذا لم توجد هي أو ما في معناها لم يحصل الإذن وبالوجوب قال الجمهور : وفي قول للشافعي ، ورواية عن أحمد ، وهو مذهب الحنفية : أنه سنة ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الخلاف ، ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل انتهى محل الغرض منه . وما ذكره من أخذ الوجوب من الحديث المذكور واضح .

وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على الحديث المذكور : هذا يدل لمسألتين :

إحداهما : أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق مأمور به ، وهذا متفق عليه ، لكن اختلفوا هل هو واجب أو سنة ؟ وللشافعي قولان ، أصحهما : واجب ، وبه قال مالك ، وأحمد ، والثاني : سنة . وبه قال ابن عباس ، والحسن ، وأبو حنيفة ، فمن أوجبه أوجب الدم في تركه ، وإن قلنا : سنة ; لم يجب الدم بتركه ، ولكن يستحب انتهى محل الغرض منه وكأنه يقول : إن الحديث لا يؤخذ منه الوجوب ، ولكن يؤخذ منه مطلق الأمر به ; لأن رواية مسلم ليس فيها لفظ الترخيص ، وإنما فيها التعبير بالإذن ، ورواية البخاري فيها رخص النبي صلى الله عليه وسلم ، والتعبير بالترخيص : يدل على الوجوب كما أوضحه ابن حجر في كلامه الذي ذكرناه آنفا .

الأمر الثالث : هو ما قدمنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنه كان يمنع الحجاج من المبيت خارج منى ، ويرسل رجالا يدخلونهم في منى ، وهو من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالاقتداء بهم ، والتمسك بسنتهم ، والظاهر أن من ترك المبيت بمنى لعذر لا شيء عليه ، كما دل عليه الترخيص للعباس من أجل السقاية ، والترخيص لرعاء الإبل في عدم [ ص: 479 ] المبيت ورمي يوم بعد يوم .
الفرع الحادي عشر : في حكمة الرمي .

اعلم أنه لا شك في أن حكمة الرمي في الجملة هي طاعة الله ، فيما أمر به وذكره بامتثال أمره على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، قال أبو داود في سننه : حدثنا مسدد ، ثنا عيسى بن يونس ، ثنا عبيد الله بن أبي زياد ، عن القاسم ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " ، وقال النووي في شرح المهذب في حديث أبي داود هذا ، وهذا الإسناد كله صحيح إلا عبيد الله فضعفه أكثرهم ضعفا يسيرا ، ولم يضعف أبو داود هذا الحديث ، فهو حسن عنده كما سبق . وروى الترمذي هذا الحديث من رواية عبيد الله هذا ، وقال هو حديث حسن ، وفي بعض النسخ : حسن صحيح ، فلعله اعتضد برواية أخرى . انتهى محل الغرض منه .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : عبيد الله بن أبي زياد المذكور ، هو القداح أبو الحصين المكي ، وقد وثقه جماعة ، وضعفه آخرون ، وحديثه هذا معناه صحيح بلا شك ، ويشهد لصحة معناه قوله تعالى : واذكروا الله في أيام معدودات [ 2 \ 203 ] لأنه يدخل في الذكر المأمور به : رمي الجمار بدليل قوله بعده فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه الآية [ 2 \ 203 ] ، وذلك يدل على أن الرمي شرع لإقامة ذكر الله ، كما هو واضح ، ولكن هذه الحكمة إجمالية ، وقد روى البيهقي رحمه الله في سننه عن ابن عباس مرفوعا قال : لما أتى إبراهيم خليل الله عليه السلام المناسك ، عرض له الشيطان عند جمرة العقبة ، فرماه بسبع حصيات ، حتى ساخ في الأرض ، ثم عرض له عند الجمرة الثانية ، فرماه بسبع حصيات ، حتى ساخ في الأرض ، ثم عرض له في الجمرة الثالثة ، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : الشيطان ترجمون وملة أبيكم تتبعون . انتهى بلفظه من السنن الكبرى للبيهقي ، وقد روى هذا الحديث الحاكم في المستدرك مرفوعا ، ثم قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وعلى هذا الذي ذكره البيهقي ، فذكر الله الذي يشرع الرمي لإقامته ، هو الاقتداء بإبراهيم في عداوة الشيطان ، ورميه ، وعدم الانقياد إليه ، والله يقول : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم الآية [ 60 \ 4 ] ، فكأن الرمي رمز وإشارة إلى عداوة الشيطان التي أمرنا الله بها في [ ص: 480 ] قوله : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا [ 35 \ 6 ] وقوله منكرا على من والاه : أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو الآية [ 18 \ 50 ] ، ومعلوم أن الرجم بالحجارة من أكبر مظاهر العداوة .

وقال النووي في شرح المهذب : فرع في الحكمة في الرمي ، قال العلماء : أصل العبادة الطاعة ، وكل عبادة فلها معنى قطعا ; لأن الشرع لا يأمر بالعبث ، ثم معنى العبادة قد يفهمه المكلف ، وقد لا يفهمه ، فالحكمة في الصلاة : التواضع ، والخضوع ، وإظهار الافتقار إلى الله تعالى ، والحكمة في الصوم كسر النفس وقمع الشهوات ، والحكمة في الزكاة : مواساة المحتاج ، وفي الحج : إقبال العبد أشعث أغبر من مسافة بعيدة إلى بيت فضله الله كإقبال العبد إلى مولاه ذليلا .

ومن العبادات التي لا يفهم معناها : السعي والرمي ، فكلف العبد بهما ليتم انقياده ، فإن هذا النوع لا حظ للنفس فيه ، ولا للعقل ، ولا يحمل عليه إلا مجرد امتثال الأمر ، وكمال الانقياد ، فهذه إشارة مختصرة تعرف بها الحكمة في جميع العبادات ، والله أعلم انتهى كلام النووي .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : ما ذكره الشيخ النووي رحمه الله : من أن حكمة السعي والرمي غير معقولة المعنى غير صحيح فيما يظهر لي والله تعالى أعلم ، بل حكمة الرمي ، والسعي معقولة ، وقد دل بعض النصوص على أنها معقولة ، أما حكمة السعي : فقد جاء النص الصحيح ببيانها ، وذلك هو ما رواه البخاري في صحيحه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة ترك إبراهيم هاجر ، وإسماعيل في مكة ، وأنه وضع عندهما جرابا فيه تمر ، وسقاء فيه ماء ، وفي الحديث الصحيح المذكور : " وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ، وتشرب من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت ، وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى ، أو قال : يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ، ثم سعت سعي الإنسان المجهود ، حتى جاوزت الوادي ، ثم أتت المروة فقامت عليها ، ونظرت هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات " قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " فذلك سعي الناس بينهما " الحديث . وهذا الطرف الذي ذكرنا من هذا الحديث سقناه بلفظ البخاري رحمه الله في صحيحه ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث : " فذلك سعي [ ص: 481 ] الناس بينهما " ، فيه الإشارة الكافية إلى حكمة السعي بين الصفا والمروة ; لأن هاجر سعت بينهما السعي المذكور ، وهي في أشد حاجة ، وأعظم فاقة إلى ربها ، لأن ثمرة كبدها ، وهو ولدها إسماعيل تنظره يتلوى من العطش في بلد لا ماء فيه ، ولا أنيس ، وهي أيضا في جوع ، وعطش في غاية الاضطرار إلى خالقها جل وعلا ، وهي من شدة الكرب تصعد على هذا الجبل فإذا لم تر شيئا جرت إلى الثاني فصعدت عليه لترى أحدا ، فأمر الناس بالسعي بين الصفا ، والمروة ليشعروا بأن حاجتهم وفقرهم إلى خالقهم ورازقهم كحاجة وفقر تلك المرأة في ذلك الوقت الضيق ، والكرب العظيم إلى خالقها ورازقها ، وليتذكروا أن من كان يطيع الله كإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لا يضيعه ، ولا يخيب دعاءه وهذه حكمة بالغة ظاهرة دل عليها حديث صحيح وقد قدمنا في حديث البيهقي المذكور حكمة الرمي أيضا فتبين بذلك أن حكمة السعي ، والرمي معروفة ظاهرة خلافا لما ذكره النووي . والعلم عند الله تعالى .
المسألة الثانية عشرة في مواقيت الحج والعمرة

اعلم أن الحج له ميقات زماني : وهو المذكور في قوله تعالى : الحج أشهر معلومات الآية [ 2 \ 197 ] ، وهي : شوال ، وذو القعدة ، وعشر من ذي الحجة . وقيل : وذو الحجة مع الإجماع على فوات الحج بعدم الوقوف بعرفة قبل الفجر من ليلة النحر ، وميقات مكاني ، والمواقيت المكانية خمسة ; أربعة منها بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم ، بلا خلاف بين العلماء لثبوت ذلك في الصحيحين ، وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم ، وواحد مختلف فيه هل وقته النبي صلى الله عليه وسلم ، أو وقته عمر رضي الله عنه .

أما الأربعة المجمع على نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي : ذو الحليفة ، وهو ميقات أهل المدينة ، والجحفة وهي : ميقات أهل الشام ، وقرن المنازل وهو : ميقات أهل نجد ، ويلملم وهي ميقات أهل اليمن ، أخرج توقيت هذه المواقيت الأربعة الشيخان في صحيحيهما ، عن ابن عباس ، وابن عمر رضي عنهم إلا أن ابن عمر لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم توقيت يلملم لأهل اليمن ، بل سمعه من غيره صلى الله عليه وسلم ، وهو مرسل صحابي ، والاحتجاج بمراسيل الصحابة معروف ، أما ابن عباس فقد سمع منه صلى الله عليه وسلم المواقيت الأربعة المذكورة .

[ ص: 482 ] فتحصل : أن ذا الحليفة ، والجحفة ، وقرن المنازل اتفق الشيخان على إخراج توقيتها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من حديث ابن عمر ، وابن عباس . وأن يلملم اتفقا أيضا على إخراج توقيته عنهما معا ، إلا أن ابن عباس سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، وابن عمر سمعه من غيره ، كما أوضحناه ، وذو الحليفة هو المسمى الآن بآبار علي ، وقرن المنازل هو المسمى الآن : بالسيل . والجحفة خراب الآن ، والناس يحرمون من رابغ ، وهو قبلها بقليل ، وهو موضع معروف قديما ، وفيه يقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي :


ولما أجزنا الميل من بطن رابغ بدت نارها قمراء للمتنور


وأما الميقات الخامس الذي اختلف العلماء فيه ، هل وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو وقته عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فهو : ذات عرق لأهل العراق ، فقال بعض أهل العلم : توقيت ذات عرق لأهل العراق من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم : هو بتوقيت عمر رضي الله عنه . وقال ابن حجر في فتح الباري : كون توقيت ذات عرق ، ليس منصوصا من النبي صلى الله عليه وسلم بل بتوقيت عمر ، هو الذي قطع به الغزالي ، والرافعي في شرح المسند ، والنووي في شرح مسلم ، وكذا وقع في المدونة لمالك ، وصحح الحنفية ، والحنابلة ، وجمهور الشافعية ، والرافعي في الشرح الصغير ، والنووي في شرح المهذب : أنه منصوص . انتهى محل الغرض من فتح الباري .

وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على ميقات ذات عرق : واختلف العلماء ، هل صارت ميقاتهم بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم ، أم باجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؟ وفي المسألة وجهان لأصحاب الشافعي أصحهما ، وهو نص الشافعي رضي الله عنه في الأم : بتوقيت عمر رضي الله عنه . انتهى محل الغرض منه . وقال النووي في شرح المهذب : وممن قال إنه مجتهد فيه من السلف ، طاوس ، وابن سيرين ، وأبو الشعثاء جابر بن زيد ، وحكاه البيهقي وغيره عنهم ، وممن قال من السلف إنه منصوص عليه : عطاء بن أبي رباح وغيره ، وحكاه ابن الصباغ ، عن أحمد ، وأصحاب أبي حنيفة ، وإذا عرفت اختلاف أهل العلم فيمن وقت ذات عرق لأهل العراق ، فهذه تفاصيل أدلتهم :

أما الذين قالوا : إنه باجتهاد من عمر فاستدلوا بما رواه البخاري في صحيحه : حدثني علي بن مسلم ، حدثنا عبد الله بن نمير ، حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نجد قرنا ، وهو جور عن طريقنا ، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا . [ ص: 483 ] قال : فانظروا حذوها من طريقكم ، فحد لهم ذات عرق ا هـ منه . قالوا : فهذا الحديث الصحيح صريح في أن توقيت ذات عرق باجتهاد من عمر ، وقد جاءت بذلك أيضا آثار عن بعض السلف .

وأما الذين قالوا : إنه بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستدلوا بأحاديث منها : ما رواه مسلم في صحيحه ، وحدثني محمد بن حاتم ، وعبد بن حميد ، كلاهما عن محمد بن بكر ، قال عبد : أخبرنا محمد ، أخبرنا ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير : أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، يسأل عن المهل ؟ فقال : سمعت أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : مهل أهل المدينة من ذي الحليفة ، والطريق الآخر الجحفة ، ومهل أهل العراق من ذات عرق ، ومهل أهل نجد من قرن . ومهل أهل اليمن : من يلملم . انتهى منه . وهذا الإسناد صحيح كما ترى إلا أنه ليس فيه الجزم برفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث : فهذا إسناد صحيح ، لكنه لم يجزم برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم : فلا يثبت رفعه بمجرد هذا ، ورواه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي بضم الخاء المعجمة بإسناده عن جابر مرفوعا بغير شك ، لكن الخوزي ضعيف لا يحتج بروايته ، ورواه الإمام أحمد في مسنده ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بلا شك أيضا ، لكنه من رواية الحجاج بن أرطاة ، وهو ضعيف ، وعن عائشة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق " ، رواه أبو داود ، والنسائي ، والدارقطني ، وغيرهم بإسناد صحيح ، لكن نقل ابن عدي أن أحمد بن حنبل أنكر على أفلح بن حميد روايته هذه ، وانفراده به مع أنه ثقة ، وعن الحارث بن عمرو السهمي الصحابي رضي الله عنه : " أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق " ، رواه أبو داود ، وعن عطاء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه وقت لأهل المشرق ذات عرق " رواه البيهقي ، والشافعي بإسناد حسن ، عن عطاء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، وعطاء من كبار التابعين . وقد قدمنا في مقدمة هذا الشرح أن مذهب الشافعي الاحتجاج بمرسل كبار التابعين ، إذا اعتضد بأحد أربعة أمور :

منها : أن يقول به بعض الصحابة ، أو أكثر العلماء ، وهذا قد اتفق على العمل به الصحابة ، ومن بعدهم ، قالالبيهقي : هذا هو الصحيح من رواية عطاء أنه رواه مرسلا ، قال : وقد رواه الحجاج بن أرطاة ، عن عطاء ، وغيره متصلا ، والحجاج ظاهر الضعف . انتهى كلام النووي . وقال صاحب نصب الراية : وأخرجه الدارقطني في سننه ، وابن أبي شيبة ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو يعلى الموصلي في أسانيدهم ، عن حجاج ، عن عطاء ، عن [ ص: 484 ] جابر . وحجاج لا يحتج به ، وذكر الحافظ في الفتح أن أحمد روى هذا الحديث من طريق ابن لهيعة من غير شك في الرفع .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #343  
قديم 29-08-2022, 11:03 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,415
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الرابع
الحلقة (341)
سُورَةُ الْحَجِّ
صـ 484 إلى صـ 491





قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : أظهر القولين عندي دليلا أن ذات عرق وقتها النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العراق ، والدليل على ذلك من وجهين :

أحدهما : أن ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث منها : ما هو صحيح الإسناد ، ومنها : ما في إسناده كلام ، وبعضها يقوي بعضا .

قال أبو داود رحمه الله في سننه : حدثنا هشام بن بهرام المدائني ، ثنا المعافى بن عمران ، عن أفلح يعني : ابن حميد ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة رضي الله عنها : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق " انتهى من سنن أبي داود ، وهذا الإسناد صحيح كما ترى ; لأن طبقته الأولى هشام بن بهرام المدائني أبو محمد ، وهو ثقة ، وطبقته الثانية المعافى بن عمران الأزدي الفهمي أبو مسعود الموصلي ، وهو ثقة عابد فقيه . وطبقته الثالثة أفلح بن حميد بن نافع المدني أبو عبد الرحمن ، ويقال له : ابن صغيراء ، وهو ثقة ، وطبقته الرابعة ، والخامسة القاسم بن أبي بكر ، عن عمته عائشة رضي الله عنها ، فهذا إسناد في غاية الصحة كما ترى .

وقال النسائي في سننه : حدثنا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي ، قال : حدثنا أبو هاشم محمد بن علي ، عن المعافى ، عن أفلح بن حميد ، عن القاسم ، عن عائشة قالت : " وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة : ذا الحليفة ، ولأهل الشام ومصر : الجحفة ، ولأهل العراق : ذات عرق ، ولأهل نجد : قرنا ، ولأهل اليمن : يلملم " ، وهذا إسناد صحيح أيضا ; لأن طبقته الأولى محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي ; وهو ثقة حافظ ، وطبقته الثانية هي أبو هاشم محمد بن علي الأسدي ، وهو ثقة عابد ، وباقي الإسناد هو ما تقدم الآن في إسناد أبي داود ، وكلهم ثقات كما أوضحناه الآن ، فهذا الإسناد لا شك في صحته ، ومتنه فيه التصريح بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات عرق لأهل العراق .

واعلم أن تضعيف من ضعف هذا الحديث بأن الإمام أحمد رحمه الله أنكر على أفلح بن حميد ذكره في هذا الحديث لذات عرق ، وأنه انفرد بذلك غير مسلم لأن أفلح بن حميد ثقة ، وزيادة العدل مقبولة ، ولا يضره انفراد المعافى بن عمران أيضا لأنه ثقة ، وكم من حديث صحيح غريب انفرد به ثقة ، عن ثقة ، كما هو معلوم في الأصول ، وعلم الحديث . وقال الشيخ الذهبي رحمه الله في ميزان الاعتدال في نقد الرجال في ترجمة أفلح بن [ ص: 485 ] حميد المذكور : وثقه ابن معين ، وأبو حاتم . وقال ابن صاعد : كان أحمد ينكر على أفلح بن حميد قوله : ولأهل العراق ذات عرق ، وقال ابن عدي في الكامل : هو عندي صالح ، وهذا الحديث ينفرد به المعافى بن عمران ، عن أفلح ، عن القاسم ، عن عائشة .

قلت : هو صحيح غريب . انتهى كلام الذهبي . وتراه صرح بأن هذا الحديث صحيح غريب مع أن هذا الحديث في توقيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات عرق لأهل العراق له شواهد متعددة .

منها : حديث جابر في صحيح مسلم ، وإن كان لم يجزم فيه بالرفع ، لأن قوله : أحسبه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ظن من أبي الزبير أن جابرا رفع الحديث ، وهذا الظن يقوي الروايات ، التي فيها الجزم بالرفع .

ومنها : ما رواه أبو داود في سننه : حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا عتبة بن عبد الملك السهمي ، حدثني زرارة بن كريم : أن الحارث بن عمرو السهمي ، حدثه : قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمنى أو بعرفات ، وقد أطاف به الناس قال : فتجيء الأعراب ، فإذا رأوا وجهه قالوا : هذا وجه مبارك ، قال : ووقت ذات عرق لأهل العراق . انتهى منه . وهذا الإسناد لا يقل عن درجة الحسن ; لأن طبقته الأولى : عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر المقعد التميمي المنقري ، وهو ثقة ثبت رمي بالقدر ، وطبقته الثانية : عبد الوارث وهو ابن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوري ، وهو ثقة ثبت رمي بالقدر ، ولم يثبت عنه ، وطبقته الثالثة : عتبة بن عبد الملك السهمي ، وهو بصري . ذكره ابن حبان في الثقات ، وطبقته الرابعة : زرارة بن كريم بن الحارث بن عمرو السهمي ، وهو له رؤية ، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين ، وطبقته الخامسة : الحارث بن عمرو السهمي الباهلي رضي الله عنه وهو صحابي ، فهذا الإسناد لا يقل عن درجة الحسن ، وهو صالح لأن يعتضد به حديث عائشة المتقدم عند أبي داود ، والنسائي الذي قدمنا : أن إسناده صحيح ، وقد سكت أبو داود على هذا الحديث . ومعلوم أن أبا داود إذا سكت على حديث ، فهو صالح للاحتجاج عنده ، كما قدمناه مرارا . وقد ذكر ابن حجر في الإصابة في ترجمة الحارث بن عمر ، والمذكور : أن حديثه هذا صححه الحاكم ، ولم يتعقب ذلك بشيء . وذكر البخاري هذا الحديث في تاريخه في ترجمة زرارة بن كريم بالسند الذي رواه به أبو داود ، ولم يتعقبه بشيء .

ومنها : ما رواه أحمد ، وابن أبي شيبة ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو يعلى الموصلي في [ ص: 486 ] مسانيدهم ، والدارقطني في سننه : عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت ذات عرق : لأهل العراق من غير شك في الرفع ، وقد قدمنا في كلام النووي ، والزيلعي ، وابن حجر : أن في إسناده ابن لهيعة ، والحجاج بن أرطاة ، وكلاهما ضعيف .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : لا شك أن رواية الحجاج بن أرطاة معتبر بها صالحة لاعتضاد غيرها ، ومن أجل ذلك أخرج له مسلم في صحيحه مقرونا بغيره ، كما قاله الذهبي في الميزان ، وقد أثنى عليه غير واحد ، وروى عنه شعبة ، وقال : اكتبوا حديث حجاج بن أرطاة ، وابن إسحاق ، فإنهما حافظان . وقال فيه الثوري : ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه ، وقال فيه حماد بن زيد : كان أقهر عندنا لحديثه من سفيان . وقال فيه الذهبي في الميزان : هو أحد الأعلام على لين في حديثه . وقال فيه الذهبي : وأكثر ما نقم عليه التدليس ، وفيه تيه لا يليق بأهل العلم ، وقال فيه ابن حجر في التقريب : صدوق كثير الخطإ والتدليس ا هـ .

وعلى كل حال : فلا شك في الاعتبار بروايته ، وصلاحها لتقوية غيرها ، وابن لهيعة لا شك في أن روايته تعضد غيرها ، وقد أخرج له مسلم أيضا مقرونا بغيره . وقد قدمنا الكلام عليه .

وعلى كل حال فرواية الحجاج ، وابن لهيعة عاضدة للرواية الصحيحة . ومنها الحديث الذي رواه عطاء مرسلا كما قدمنا في كلام النووي ، وقد قال : إنه رواه الشافعي ، والبيهقي بإسناد حسن ، ومرسل عطاء هذا في توقيت النبي صلى الله عليه وسلم : ذات عرق لأهل العراق محتج به عند الأئمة الأربعة . أما مالك ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، فالمشهور عنهم الاحتجاج بالمرسل كما قدمناه مرارا . وأما الشافعي : فقد قدمنا عن النووي : أنه يعمل بمرسل التابعي الكبير إن قال به بعض الصحابة أو أكثر أهل العلم ، ومرسل عطاء هذا أجمع على العمل به الصحابة ، فمن بعدهم إلى غير ذلك من الأدلة العاضدة ، لأن توقيت ذات عرق لأهل العراق من النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال ابن حجر في فتح الباري بعد أن ساق بعض طرق حديث توقيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات عرق لأهل العراق ما نصه : وهذا يدل على أن للحديث أصلا ، فلعل من قال : إنه غير منصوص لم يبلغه ، ورأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق لا يخلو من مقال . انتهى محل الغرض منه .

وقد بينا أن بعض روايات هذا الحديث صحيحة ، ولا يضرها انفراد بعض الثقات بها .

[ ص: 487 ] الأمر الثاني من الأمرين المذكورين في أول هذا المبحث : هو إنما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر ، مما يدل على أن توقيت ذات عرق لأهل العراق باجتهاد من عمر ، كما قدمناه لا يعارض هذه الأدلة التي ذكرناها على أنه منصوص لاحتمال أن عمر لم يبلغه ذلك ، فاجتهد فوافق اجتهاده توقيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو رضي الله عنه معروف أنه وافقه الوحي في مسائل متعددة ، فلا مانع من أن تكون هذه منها لا شرعا ، ولا عقلا ، ولا عادة . وأما إعلال بعضهم حديث ذات عرق ، بأن العراق لم تكن فتحت يومئذ فقد قال فيه ابن عبد البر : هي غفلة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح ، لأنه علم أنها ستفتح ، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق . انتهى بواسطة نقل ابن حجر في الفتح .
فروع تتعلق بهذه المسألة

الفرع الأول : اعلم أن المواقيت الخمسة التي ذكرنا مواقيت أيضا لكل من مر عليها من غير أهلها ، وهو يريد النسك حجا كان أو عمرة ، ففي حديث ابن عباس المتفق عليه ، الذي ذكرناه في أول هذا المبحث بعد ذكر المواقيت المذكورة : " هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة " هذا لفظ البخاري في صحيحه من رواية ابن عباس : وفي لفظ في البخاري ، عن ابن عباس : " هن لأهلهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة " وكلا اللفظين في صحيح مسلم من رواية ابن عباس ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم .
الفرع الثاني : اعلم أن من كان مسكنه أقرب إلى مكة من الميقات ، فميقاته من موضع سكناه ، ففي حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور آنفا : " فمن كان دونهن فمهله من أهله " وفي رواية : " فمن كان دونهن فمن أهله " ، وفي لفظ : " ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ " ، كل هذه الألفاظ في صحيح البخاري من حديث ابن عباس مرفوعا ، واللفظان الأخيران منها في صحيح مسلم أيضا من حديث ابن عباس ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم .
الفرع الثالث : اعلم أن أهل مكة يهلون من مكة ، وفي حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور آنفا : " حتى أهل مكة ، يهلون منها " ، وفي لفظ : " حتى أهل مكة يهلون من مكة " ، وكلا اللفظين في الصحيحين من حديث ابن عباس المذكور ، وهذا بالنسبة إلى الإهلال بالحج ، لا خلاف فيه بين أهل العلم إلا ما ذكره بعضهم من أن المكي يجوز له أن يحرم من أي [ ص: 488 ] موضع من الحرم ، ولو خارجا عن مكة وهو ظاهر السقوط لمخالفته للنص الصريح ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما إهلال المكي بالعمرة ، فجماهير أهل العلم على أنه لا يهل بالعمرة من مكة ، بل يخرج إلى الحل ، ويحرم منه ، وهو قول الأئمة الأربعة وأصحابهم ، وحكى غير واحد عليه الإجماع .

قال صاحب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي : الوقت لأهل مكة الحرم في الحج ، والحل في العمرة للإجماع على ذلك . انتهى منه .

وقال ابن قدامة في المغني في الكلام على ميقات المكي : وإن أراد العمرة فمن الحل ، لا نعلم في هذا خلافا . انتهى منه .

وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على ميقات أهل مكة : وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل ، كما سيأتي بيانه في أبواب العمرة .

قال المحب الطبري : لا أعلم أحدا جعل مكة ميقاتا للعمرة . انتهى محل الغرض منه .

وقال ابن القيم : إن أهل مكة لا يخرجون من مكة للعمرة ، وظاهر صنيع البخاري أنه يرى إحرامهم من مكة بالعمرة ، حيث قال : باب مهل أهل مكة للحج والعمرة ، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس المذكور ، ومحل الشاهد عنده منه المطلق للترجمة هي قوله : " حتى أهل مكة من مكة " فقوله في الترجمة : باب مهل أهل مكة للحج والعمرة ، وإيراده لذلك ، حتى أهل مكة يهلون من مكة دليل واضح على أنه يرى أن أهل مكة يهلون من مكة للعمرة والحج معا كما هو واضح من كلامه .

وإذا علمت ذلك ، فاعلم أن دليل هذا القول هو عموم حديث ابن عباس المتفق عليه . الذي فيه حتى أهل مكة يهلون من مكة ، والحديث عام بلفظه في الحج والعمرة ، فلا يمكن تخصيص العمرة منه إلا بدليل يجب الرجوع إليه ، وأما القائلون : بأنه لا بد أن يخرج إلى الحل ، وهم جماهير أهل العلم كما قدمنا ، فاستدلوا بدليلين :

أحدهما : ما ثبت في الصحيحين ، وغيرهما من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة في عمرتها من مكة إلى التنعيم ، وهو أدنى الحل . قالوا : فلو كان الإهلال من مكة بالعمرة سائغا لأمرها بالإهلال من مكة ، وأجاب المخالفون عن هذا : بأن عائشة آفاقية والكلام في أهل مكة لا في الآفاقيين ، وأجاب الآخرون عن هذا بأن الحديث [ ص: 489 ] الصحيح دل على أن من مر بميقات لغيره كان ميقاتا له ، فيكون ميقات أهل مكة في عمرتهم هو ميقات عائشة في عمرتها ; لأنها صارت معهم عند ميقاتهم .

الدليل الثاني : هو الاستقراء وقد تقرر في الأصول : أن الاستقراء من الأدلة الشرعية ، ونوع الاستقراء المعروف عندهم بالاستقراء التام حجة بلا خلاف ، وهو عند أكثرهم دليل قطعي ، وأما الاستقراء الذي ليس بتام وهو المعروف عندهم بإلحاق الفرد بالأغلب فهو حجة ظنية عند جمهورهم . والاستقراء التام المذكور هو : أن تتبع الأفراد ، فيؤخذ الحكم في كل صورة منها ، ما عدا الصورة التي فيها النزاع ، فيعلم أن الصورة المتنازع فيها حكمها حكم الصور الأخرى التي ليست محل نزاع .

وإذا علمت هذا فاعلم أن الاستقراء التام أعني تتبع أفراد النسك دل على أن كل نسك من حج ، أو قران ، أو عمرة غير صورة النزاع لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم ، حتى يكون صاحب النسك زائرا قادما على البيت من خارج كما قال تعالى : يأتوك رجالا وعلى كل ضامر الآية [ 22 \ 27 ] . فالمحرم بالحج أو القران من مكة لا بد أن يخرج إلى عرفات : وهي في الحل ، والآفاقيون يأتون من الحل لحجهم وعمرتهم ، فجميع صور النسك غير صورة النزاع لا بد فيها من الجمع بين الحل والحرم ، فيعلم بالاستقراء التام أن صورة النزاع لا بد فيها من الجمع أيضا بين الحل والحرم ، وإلى مسألة الاستقراء المذكورة أشار في مراقي السعود بقوله :


ومنه الاستقراء بالجزئي على ثبوت الحكم للكلي فإن يعم غير ذي الشقاق
فهو حجة بالاتفاق
إلخ

وقوله : فإن يعم . . . البيت : يعني أن الاستقراء إذا عم الصور كلها غير صورة النزاع فهو حجة في صورة النزاع بلا خلاف ، والشقاق الخلاف . فقوله : غير ذي الشقاق ؛ أي : غير محل النزاع .

واعلم أن جماعة من أهل العلم يقولون : إن أهل مكة ليس لهم التمتع ، ولا القران ، فالعمرة في التمتع ، والقران ليست لهم ، وإنما لهم أن يحجوا بلا خلاف والعمرة منهم في غير تمتع ، ولا قران جائزة عند جل من لا يرون عمرة التمتع ، والقران لأهل مكة ، وممن قال : لا تمتع ، ولا قران لأهل مكة : أبو حنيفة ، وأصحابه ، ونقله بعض الحنفية ، عن ابن عمر ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وهو رأي البخاري رحمه الله كما ذكره في صحيحه ، ومنشأ الخلاف في أهل مكة هل لهم تمتع ، أو قران ، أو لا ؟ هو اختلاف العلماء [ ص: 490 ] في مرجع الإشارة في قوله تعالى : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فالذين قالوا : لأهل مكة تمتع ، وقران كغيرهم ، قالوا : الإشارة راجعة إلى الهدي ، والصوم ، ومفهومه أن من كان أهله حاضري المسجد الحرام إذا تمتع فلا هدي عليه ، ولا صوم ، والذين قالوا : ليس لأهل مكة تمتع ولا قران ، قالوا : الإشارة راجعة إلى قوله : فمن تمتع [ 2 \ 196 ] ؛ أي : ذلك التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أما من كان أهله حاضري المسجد الحرام ، فلا تمتع له ، والقران داخل في اسم التمتع في عرف الصحابة ، كما تقدم إيضاحه ، والذين قالوا هذا القول زعموا أن في الآية بعض القرائن الدالة عليه ، منها التعبير باللام في قوله : لمن لم يكن أهله الآية ; لأن اللام تستعمل فيما لنا لا فيما علينا ، والتمتع لنا أن نفعله ، وأن لا نفعله بخلاف الهدي ، فهو علينا وكذلك الصوم عند العجز عن الهدي ، ومنها : أنه جمع في الإشارة بين اللام والكاف ، وذلك يدل على شدة البعد والتمتع أبعد في الذكر من الهدي والصوم .

وأجاب المخالفون : بأن الإشارة ترجع إلى أقرب مذكور وهو الهدي ، والصوم ، وأن الإشارة إلى القريب إشارة البعيد أسلوب عربي معروف ، وقد ذكره البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ، ومنه قوله : ذلك الكتاب [ 2 ] ؛ أي : هذا القرآن . لأن الكتاب قريب ، ولذا تكثر الإشارة إليه بإشارة القريب كقوله : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم [ 17 \ 9 ] وقوله : وهذا كتاب أنزلناه الآية [ 65 \ 92 ] وأمثال ذلك كثير في القرآن ، ومن إطلاق إشارة البعيد على القريب قول خفاف بن ندبة السلمي :


فإن تك خيلي قد أصيب صميمها فعمدا على عيني تيممت مالكا


أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا إنني أنا ذلكا


فقد أشار إلى نفسه إشارة البعيد ، ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون بعيدا من نفسه قالوا : واللام تأتي بمعنى على كقوله : وإن أسأتم فلها [ 7 \ 17 ] ؛ أي : فعليها ، وقوله تعالى : ويخرون للأذقان [ 17 \ 109 ] ؛ أي : على الأذقان ، ومنه قول الشاعر ، وقد قدمناه في أول سورة هود :


هتكت له بالرمح جيب قميصه فخر صريعا لليدين وللفم


وفي الحديث : " واشترطي لهم الولاء " أو أن المراد ذلك الحكم بالهدي والصوم مشروع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام .

[ ص: 491 ] قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : أقرب أقوال أهل العلم عندي للصواب في هذه المسألة : أن أهل مكة لهم أن يتمتعوا ، ويقرنوا وليس عليهم هدي ; لأن قوله تعالى : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج الآية [ 2 \ 196 ] عام بلفظه في جميع الناس من أهل مكة ، وغيرهم ولا يجوز تخصيص هذا العموم ، إلا بمخصص يجب الرجوع إليه ، وتخصيصه بقوله : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام لا يجب الرجوع إليه ; لاحتمال رجوع الإشارة إلى الهدي والصوم ، لا إلى التمتع كما أوضحناه ، وأن المكي إذا أراد العمرة خرج إلى الحل فأحرم منه ، والدليل على هذا هو ما قدمناه من إرسال النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها مع أخيها لتحرم بعمرتها من التنعيم ، وهو نص متفق على صحته ، وقول من قال : إن النبي أرسلها مع أخيها لتلك العمرة تطييبا لخاطرها ، لا تقوم به حجة ألبتة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمرها بعمرة ، وهي نسك وعبادة إلا على الوجه المشروع لعامة الناس لاستواء جميع الناس في أحكام التكليف ، فعمرتها المذكورة نسك قطعا ، والحالة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأداء ذلك النسك عليها لا شك أنها مشروعة لجميع الناس إلا فيما قام دليل يجب الرجوع إليه بالخصوص ، وقصة عمرة عائشة المذكورة لم يثبت فيها دليل على التخصيص والعلم عند الله تعالى .
الفرع الرابع : اعلم أن من سلك إلى الحرم طريقا لا ميقات فيها فميقاته المحل المحاذي ، لأقرب المواقيت إليه ، كما يدل عليه ما قدمناه في صحيح البخاري من توقيت عمر ذات عرق لأهل العراق لمحاذاتها قرن المنازل . وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم .
الفرع الخامس : قد قدمنا في حديث النسائي أن الجحفة ميقات لأهل مصر وأهل الشام ، وعليه فميقات أهل مصر منصوص ، والحديث المذكور قد قدمنا أنه صحيح الإسناد .
الفرع السادس : أظهر قولي أهل العلم عندي : أن أهل الشام ، ومصر مثلا إذا قدموا المدينة ، فميقاتهم من ذي الحليفة ، وليس لهم أن يؤخروا إحرامهم إلى ميقاتهم الأصلي الذي هو الجحفة ، أو ما حاذاها . لظاهر حديث ابن عباس المتفق عليه : فهن لهن ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن . وقس على ذلك .
الفرع السابع : اعلم أن جمهور أهل العلم على أن من جاوز ميقاته من المواقيت المذكورة غير محرم ، وهو يريد النسك أن عليه دما ، ودليله في ذلك أثر ابن عباس الذي [ ص: 492 ] قدمناه موضحا : " من نسي من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما " ، قالوا : ومن جاوز الميقات غير محرم ، وهو يريد النسك فقد ترك من نسكه شيئا ، وهو الإحرام من الميقات ، فيلزمه الدم .

وأظهر أقوال أهل العلم عندي : أنه إن جاوز الميقات ، ثم رجع إلى الميقات ، وهو لم يحرم أنه لا شيء عليه ; لأنه لم يبتدئ إحرامه إلا من الميقات ، وأنه إن جاوز الميقات غير محرم ، وأحرم في حال مجاوزته الميقات ، ثم رجع إلى الميقات محرما أن عليه دما لإحرامه بعد الميقات ، ولو رجع إلى الميقات فإن ذلك لا يرفع حكم إحرامه مجاوزا للميقات . والله تعالى أعلم .
الفرع الثامن : في الكلام على مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس المتفق عليه ممن أراد النسك ، ومفهومه صادق بصورتين :

إحداهما : أن يمر إنسان على واحد من هذه المواقيت المذكورة وهو لا يريد النسك ، ولا دخول مكة أصلا كالذي يمر بذي الحليفة قاصدا الشام أو نجدا مثلا وهذه الصورة لا خلاف في أنه لا يلزمه فيها الإحرام ، وأن مفهوم قوله : ممن أراد النسك دالا على أنه لا إحرام عليه في هذه الصورة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #344  
قديم 29-08-2022, 11:05 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,415
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الرابع
الحلقة (342)
سُورَةُ الْحَجِّ
صـ 492 إلى صـ 499





والثانية : هي أن يمر على واحد من هذه المواقيت وهو لا يريد حجا ، ولا عمرة ، ولكنه يريد دخول مكة لقضاء حاجة أخرى .

وهذه الصورة اختلف فيها أهل العلم ، فقال بعض أهل العلم : لا يجوز لأحد دخول مكة بغير إحرام ، ولو كان دخوله لغرض آخر غير النسك . وقال بعضهم : إذا كان دخوله مكة لغرض غير النسك ، فلا مانع من دخوله غير محرم ، والخلاف في هذه المسألة مشهور بين أهل العلم .

وقال ابن حجر في فتح الباري : في باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام في هذه المسألة : وقد اختلف العلماء في هذا . فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقا ، وفي قول : يجب مطلقا ، وفيمن يتكرر منه دخولها خلاف ، وهو أولى بعدم الوجوب . والمشهور عن الأئمة الثلاثة : الوجوب . وفي رواية عن كل منهم لا يجب ، وهو قول ابن عمر ، والزهري ، والحسن ، وأهل الظاهر ، وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة ، واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات ، وزعم ابن عبد البر أن أكثر [ ص: 493 ] الصحابة والتابعين على القول بالوجوب . انتهى كلام ابن حجر . ونقل النووي في شرح مسلم عن القاضي عياض : أن هذا هو قول أكثر العلماء .

وإذا علمت اختلاف العلماء في هذه المسألة فهذه تفاصيل أدلتهم . أما الذين قالوا : إنه لا يجوز دخول مكة بغير إحرام إلا للمترددين عليها كثيرا كالحطابين ، وذوي الحاجات المتكررة كالمالكية والحنابلة ، ومن وافقهم فقد استدلوا بأدلة :

منها قول بعضهم : إن من نذر دخول مكة لزمه الإحرام . قالوا : ولو لم يكن واجبا لم يجب بنذر الدخول كسائر البلدان .

ومنها : ما رواه البيهقي في سننه أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني ، أنبأ أبو سعيد بن الأعرابي ، ثنا سعدان بن نصر ، ثنا إسحاق الأزرق ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، عن ابن عباس أنه قال : ما يدخل مكة أحد من أهلها ، ولا من غير أهلها إلا بإحرام ، ورواه إسماعيل بن مسلم ، عن عطاء ، عن ابن عباس : فوالله ما دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حاجا ، أو معتمرا . انتهى من البيهقي . وقال ابن حجر في التلخيص : حديث ابن عباس لا يدخل أحد مكة إلا محرما . رواه البيهقي من حديثه ، وإسناده جيد ، ورواه ابن عدي مرفوعا من وجهين ضعيفين ، ولابن أبي شيبة من طريق طلحة ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : لا يدخل أحد مكة بغير إحرام إلا الحطابين ، والعمالين ، وأصحاب منافعها . وفيه طلحة بن عمرو فيه ضعف . وروى الشافعي ، عن ابن عيينة ، عن عمرو ، عن أبي الشعثاء : أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم . ا هـ منه .

ومنها : أن دخول مكة بغير إحرام مناف للتعظيم اللازم لها .

وأما الذين قالوا بجواز دخول مكة بلا إحرام لمن لم يرد نسكا ، فاحتجوا بأدلة :

منها : ما رواه البخاري في صحيحه ، قال : باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام . ودخل ابن عمر ، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإهلال لمن أراد الحج والعمرة ، ولم يذكر الحطابين وغيرهم . ثم ساق بسنده حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور سابقا وفيه : " هن لهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة " الحديث ، ومراد البخاري رحمه الله أن مفهوم قوله : ممن أراد الحج والعمرة أن من لم يرد الحج ، والعمرة لا إحرام عليه ، ولو دخل مكة .

وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث وحاصله : أنه خص [ ص: 494 ] الإحرام بمن أراد الحج والعمرة ، واستدل بمفهوم قوله في حديث ابن عباس : ممن أراد الحج والعمرة ، فمفهومه أن المتردد إلى مكة لغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإحرام . انتهى محل الغرض منه ، ثم قال البخاري رحمه الله : حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء رجل فقال : إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال : اقتلوه " انتهى منه ، فقول أنس في هذا الحديث الصحيح : دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر دليل على أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح بغير إحرام ، كما هو واضح ، وحديث أنس هذا أخرجه مالك في الموطإ ، وزاد : ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ محرما ، وأخرجه أيضا مسلم في صحيحه باللفظ الذي ذكره البخاري في باب جواز دخول مكة بغير إحرام .

وقال مسلم رحمه الله في صحيحه أيضا : حدثنا يحيى بن يحيى التميمي ، وقتيبة بن سعيد الثقفي ، قال يحيى : أخبرنا ، وقال قتيبة : حدثنا معاوية بن عمار الدهني ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة " وقال قتيبة : " دخل يوم فتح مكة ، وعليه عمامة سوداء بغير إحرام " وفي رواية قتيبة قال : حدثنا أبو الزبير ، عن جابر ، وفي رواية أخرى عند مسلم ، عن جابر أيضا : " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة ، وعليه عمامة سوداء " ، وفي رواية عند مسلم من طريق جعفر بن عمرو بن حريث ، عن أبيه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس ، وعليه عمامة سوداء " ، وفي لفظ لمسلم ، عن جعفر بن عمرو بن حريث ، عن أبيه قال : كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ، وعليه عمامة سوداء ، قد أرخى طرفيها بين كتفيه . ولم يقل أبو بكر : على المنبر . انتهى منه .

فإن قيل : في بعض هذه الأحاديث الصحيحة : أنه دخل مكة ، وعلى رأسه المغفر ، وفي بعضها : أنه دخل وعليه عمامة سوداء .

فالجواب : أن العلماء جمعوا بين الروايتين . قال القاضي عياض : وجه الجمع بينهما أن أول دخوله كان على رأسه المغفر ، ثم بعد ذلك كان على رأسه العمامة بعد إزالة المغفر ، بدليل قوله : خطب الناس ، وعليه عمامة سوداء ; لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة ، وجمع بعض أهل العلم بينهما بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر وكانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدإ الحديد ، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيئا للحرب ، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم انتهى محل [ ص: 495 ] الغرض منه من فتح الباري . وقال ابن حجر في الفتح في قول البخاري : ( ودخل ابن عمر ) وصله مالك رحمه الله في الموطإ عن نافع قال : أقبل عبد الله بن عمر من مكة ، حتى إذا كان بقديد - يعني بضم القاف - جاءه خبر من المدينة ، فرجع ، فدخل مكة بغير إحرام ا هـ منه ، وقد ذكر مالك في الموطإ في جامع الحج بلفظ : جاءه خبر من المدينة يدل عن الفتنة ، وباقي اللفظ كما ذكره ابن حجر .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : أظهر القولين عندي دليلا : أن من أراد دخول مكة حرسها الله لغرض غير الحج والعمرة أنه لا يجب عليه الإحرام ، ولو أحرم كان خيرا له ; لأن أدلة هذا القول أقوى وأظهر فحديث ابن عباس المتفق عليه : خص فيه النبي صلى الله عليه وسلم الإحرام بمن أراد النسك . وظاهره أن من لم يرد نسكا فلا إحرام عليه . وقد رأيت الروايات الصحيحة بدخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح غير محرم ، ودخول ابن عمر غير محرم والعلم عند الله تعالى .

وأما قول بعض أهل العلم من المالكية وغيرهم أن دخول مكة بغير إحرام من خصائصه صلى الله عليه وسلم ، فهو لا تنهض به حجة ; لأن المقرر في الأصول وعلم الحديث أن فعله صلى الله عليه وسلم لا يختص حكمه به إلا بدليل يجب الرجوع إليه ، لأنه هو المشرع لأمته بأقواله ، وأفعاله ، وتقريره كما هو معلوم .
الفرع التاسع : في حكم تأخير الإحرام عن الميقات ، وتقديمه عليه قد قدمنا أنه لا يجوز تأخير الإحرام عن الميقات ممن يريد حجا ، أو عمرة ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ، وقد قدمنا دليله ، وأما ما رواه مالك رحمه الله في الموطإ عن نافع : أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أهل من الفرع . ومعلوم أن الفرع وراء ميقات أهل المدينة الذي هو ذو الحليفة ، فهو محمول عند أهل العلم كما ذكره ابن عبد البر وغيره ، على أنه وصل الفرع وهو لا يريد النسك فطرأت عليه نية النسك بالفرع ، فأهل منه ، وهذا متعين ; لأن ابن عمر رضي الله عنهما ممن روى المواقيت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن المعلوم أنه لا يخالف ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما الإحرام من موضع فوق الميقات ، فأكثر أهل العلم على جوازه وحكى غير واحد عليه الاتفاق .

واختلفوا في الأفضل من الأمرين وهما الإحرام من الميقات ، أو الإحرام من بلده إن كان أبعد من الميقات ؟ قال النووي في شرح المهذب : أجمع من يعتد به من السلف [ ص: 496 ] والخلف من الصحابة ، فمن بعدهم ، على أنه يجوز الإحرام من الميقات ومما فوقه . وحكى العبدري وغيره عن داود أنه قال : لا يجوز الإحرام مما فوق الميقات ، وأنه لو أحرم مما قبله لم يصح إحرامه ، ويلزمه أن يرجع ، ويحرم من الميقات . وهذا الذي قاله مردود عليه بإجماع من قبله . انتهى كلام النووي .

وحجة من قال : إن الإحرام من الميقات أفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم في حجته وعمرته من الميقات الذي هو ذو الحليفة ، وهذا مجمع عليه من أهل العلم ، وأحرم معه في حجه وعمرته أصحابه كلهم من الميقات ، وكذلك كان يفعل بعده خلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة والتابعين ، وجماهير العلماء ، وأهل الفضل فترك النبي صلى الله عليه وسلم الإحرام في مسجده الذي صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وإحرامه من الميقات دليل واضح لا شك فيه أن السنة هي الإحرام من الميقات ، لا مما فوقه ، واحتج من قال : يكون الإحرام مما فوق الميقات أفضل بما رواه أبو داود في سننه : حدثنا أحمد بن صالح ، ثنا ابن أبي فديك ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس ، عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي ، عن جدته حكيمة ، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، أو وجبت له الجنة " شك عبد الله أيتهما قال : قال أبو داود : يرحم الله وكيعا أحرم من بيت المقدس ، يعني إلى مكة . انتهى من سنن أبي داود . واحتج أهل هذا القول أيضا بتفسير عمر ، وعلي رضي الله عنهما لقوله : وأتموا الحج والعمرة لله [ 2 \ 196 ] قالا : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، واحتجوا أيضا بما رواه مالك في الموطإ عن الثقة عنده أن عبد الله بن عمر : أهل من إيلياء . وهي بيت المقدس ، ورد المخالفون استدلال هؤلاء بأن حديث أم سلمة : ليس بالقوي .

قال النووي في شرح المهذب : وأما حديث أم سلمة ، فرواه أبو داود ، وابن ماجه ، والبيهقي ، وآخرون وإسناده ليس بالقوي ، وبأن تفسير علي ، وعمر رضي الله عنهما للآية ، وفعل ابن عمر كلاهما مخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وأفعاله في حجته تفسير لآيات الحج . وقد قال صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني مناسككم " ، وإحرامه من الميقات مجمع عليه .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : أظهر القولين عندي دليلا هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والإحرام من الميقات ، فلو كان الإحرام قبله فيه فضل لفعله صلى الله عليه وسلم ، والخير كله في اتباعه صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 497 ] وقال النووي في شرح المهذب ، بعد أن بين أن الإحرام من الميقات أفضل من غيره ما نصه : فإن قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم من الميقات لبيان جوازه .

فالجواب من أوجه :

أحدها : أنه صلى الله عليه وسلم قد بين الجواز بقوله صلى الله عليه وسلم : " مهل أهل المدينة من ذي الحليفة " .

الثاني : أن بيان الجواز فيما يتكرر فعله ، ففعله صلى الله عليه وسلم مرة أو مرات يسيرة على أقل ما يجزئ بيانا للجواز ويداوم في عموم الأحوال على أكمل الهيئات ، كما توضأ مرة في بعض الأحوال وداوم على الثلاث ، ونظائر هذا كثيرة ، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أحرم من المدينة ، وإنما أحرم بالحج وعمرة الحديبية من ذي الحليفة .

الثالث : أن بيان الجواز إنما يكون في شيء اشتهر أكمل أحواله بحيث يخاف أن يظن وجوبه ، ولم يوجد ذلك هنا ، وهذا كله إنما يحتاج إليه على تقدير دليل صريح صحيح في مقابلته ولم يوجد ذلك ، فإن حديث أم سلمة قد سبق أن إسناده ليس بالقوي فيجاب عنه بأربعة أجوبة :

الأول : أن إسناده ليس بقوي .

الثاني : أن فيه بيان فضيلة الإحرام من فوق الميقات ، وليس فيه أنه أفضل من الميقات ، ولا خلاف أن الإحرام من فوق الميقات فيه فضيلة ، وإنما الخلاف أيهما أفضل .

فإن قيل : هذا الجواب يبطل فائدة تخصيص المسجد الأقصى .

فالجواب : أن فيه زيادة هي تبيين قدر الفضيلة فيه .

والثالث : أن هذا معارض لفعله صلى الله عليه وسلم المتكرر في حجته ، وعمرته ، فكان فعله المتكرر أفضل .

الرابع : أن هذه الفضيلة جاءت في المسجد الأقصى ; لأن له مزايا عديدة معروفة ، ولا يوجد ذلك في غيره ، فلا يلحق به والله تعالى أعلم . انتهى كلام النووي . ولا شك : أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من المسجد الأقصى بدليل الحديث المتفق عليه : " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه ; إلا المسجد الحرام " ، ولا خلاف بين أهل العلم في دخول المسجد الأقصى في هذا العموم ، وتفضيل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم عليه في الجملة ، فلو كان فضل المكان سببا للإحرام فيه قبل الميقات لأحرم النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده ; لأنه لا يفعل إلا ما هو الأفضل والأكمل صلوات الله وسلامه عليه ، ولا يخفى أن [ ص: 498 ] الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أفضل ، وأكمل من غيره .
الفرع العاشر : في حكم تقديم الإحرام على ميقاته الزماني ، الذي هو أشهر الحج التي تقدم بيانها .

اعلم أن جماعة من أهل العلم قالت : لا يعتقد الإحرام بالحج في غير أشهر الحج ، وأكثر من قال بهذا يقولون : إنه إن أحرم بالحج في غير أشهره ينعقد إحرامه بعمرة لا حج ، وهذا هو مذهب الشافعي . قال النووي في شرح المهذب : وبه قال عطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وأبو ثور . ونقله الماوردي عن عمر ، وابن مسعود ، وجابر ، وابن عباس ، وأحمد . وقال الأوزاعي : يتحلل بعمرة . وقال ابن عباس : لا يحرم بالحج إلا في أشهره . وقال داود : لا ينعقد . وقال النخعي ، والثوري ، ومالك ، وأبو حنيفة ، وأحمد : يجوز قبل أشهر الحج ، ولكن يكره قالوا : فأما الأعمال فلا تجوز قبل أشهر الحج بلا خلاف ، واحتج لهم بقوله تعالى : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج [ 2 \ 189 ] فأخبر سبحانه وتعالى أن الأهلة كلها مواقيت للناس والحج ; ولأنها عبادة تدخلها النيابة ، وتجب الكفارة في إفسادها ، فلم تخص بوقت كالعمرة ، ولأن الإحرام بالحج يصح في زمان لا يمكن إيقاع الأفعال فيه ; وهو شوال ، فعلم أنه لا يختص بزمان . قالوا : ولأن التوقيت ضربان توقيت مكان وزمان . وقد ثبت أنه لو تقدم إحرامه على ميقات المكان صح ، فكذا الزمان قالوا : وأجمعنا على أنه لو أحرم بالحج قبل أشهره انعقد لكن اختلفنا ، هل ينعقد حجا أو عمرة ؟ فلو لم ينعقد حجا لما انعقد عمرة . انتهى محل الغرض من كلام النووي .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : ومن العجيب عندي أن يستدل عالم بمثل هذه الأدلة التي هي في غاية السقوط كما ترى ; لأن آية : قل هي مواقيت للناس والحج ليس معناها : أن كل شهر منها ميقات للحج ، ولكن أشهر الحج إنما تعلم بحساب جميع الأشهر ; لأنه هو الذي يتميز به وقت الحج من غيره ، ولأن هذه الأدلة التي لا يعول عليها في مقابلة آية محكمة من كتاب الله صريحة في توقيت الحج بأشهر معلومات هي قوله تعالى : الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج [ 2 \ 197 ] فتجاهل هذا النص القرآني ، ومعارضته بما رأيت من الغرائب كما ترى .

[ ص: 499 ] والتحقيق الذي يدل عليه القرآن هو قول من قال : إن الحج لا ينعقد في غير زمنه ، كما أن الصلاة المكتوبة لا ينعقد إحرامها قبل وقتها ، وانقلاب إحرامه عمرة له وجه من النظر ، ويستأنس له بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه المحرمين بالحج الذين لم يسوقوا هديا أن يقلبوا حجهم الذي أحرموا به عمرة ، وبأن من فاته الحج تحلل من إحرامه للحج بعمرة ، والعلم عند الله تعالى .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #345  
قديم 29-08-2022, 11:10 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,415
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الخامس
الحلقة (343)
سُورَةُ الْحَجِّ
صـ 3 إلى صـ 10



المجلد الخامس

[ ص: 3 ] المسألة الثانية عشرة في التلبية في بيان أول وقتها ووقت انتهائها وفي حكمها وكيفية لفظها ومعناها :

أما لفظها : فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - وفي صحيح البخاري ، من حديث عائشة - رضي الله عنها - ومسلم من حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في تلبيته ، إذا أهل محرما " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " ورواية البخاري عن عائشة المذكورة إلى قوله : " إن الحمد والنعمة لك " وقد أجمع المسلمون على لفظ التلبية المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه .

وحديث جابر عند مسلم ، عند الإحرام بالحج أو العمرة . ولكن اختلفوا في الزيادة عليه بألفاظ فيها تعظيم الله ، ودعاؤه ، ونحو ذلك فكره بعضهم : الزيادة ، على تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحكاه ابن عبد البر ، عن مالك قال : وهو أحد قولي الشافعي ، انتهى منه بواسطة نقل ابن حجر في " الفتح " .

وقال آخرون : لا بأس بالزيادة المذكورة ، واستحب بعضهم الزيادة المذكورة .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : الذي يظهر لي في هذه المسألة : أن الأفضل هو الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والاقتصار على لفظ تلبيته الثابت في الصحيحين وغيرهما ; لأن الله تعالى يقول : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [ 33 \ 21 ] وهو - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لتأخذوا عني مناسككم " وأن الزيادة المذكورة لا بأس بها . والدليل على ذلك من وجهين :

أحدهما : ما رواه مسلم في صحيحه ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - بعد أن ساق حديثه بلفظ تلبية النبي - صلى الله عليه وسلم - المذكورة قال : قال نافع : كان عبد الله - رضي الله عنه - يزيد مع هذا : لبيك لبيك وسعديك ، والخير بيديك لبيك ، والرغباء إليك ، والعمل . وقال مسلم [ ص: 4 ] - رحمه الله - في صحيحه أيضا بعد أن ساق حديثه ، بتلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ابن عمر من رواية ابنه سالم - رضي الله عنه - وكان عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يقول : كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يهل بإهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هؤلاء الكلمات ويقول : لبيك اللهم لبيك ، لبيك وسعديك ، والخير في يديك والرغباء إليك والعمل . ، ا هـ .

وقال ابن حجر في " الفتح " بعد أن ذكر الرواية عن عمر وابنه عبد الله ، فعرف أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه ، ا هـ .

ومعلوم أن الزيادة على تلبية النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان فيها محذور ، لما فعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابنه عبد الله - رضي الله عنهما - .

الوجه الثاني : هو ما ثبت في صحيح مسلم في حديث جابر الطويل ، فإن فيه ما نصه : فأهل بالتوحيد : " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " ، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم شيئا منه . انتهى محل الغرض من حديث جابر المذكور ، وهو واضح في أنهم يزيدون على تلبيته - صلى الله عليه وسلم - ويقرهم على ذلك ، ولم ينكره عليهم كما ترى .

وأما أول وقتها : فأظهر أقوال أهل العلم فيه : أنه أول الوقت ، الذي يركب فيه مركوبه عند إرادة ابتداء السير لصحة الأحاديث الواردة ، بأنه - صلى الله عليه وسلم - أهل حين استوت به راحلته .

قال البخاري في صحيحه : باب من أهل حين استوت به راحلته قائمة : حدثنا أبو عاصم ، أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني صالح بن كيسان ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - : قال : أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استوت به راحلته قائما .

باب الإهلال مستقبل القبلة ، وقال أبو معمر : حدثنا عبد الوارث ، حدثنا أيوب ، عن نافع قال : كان ابن عمر - رضي الله عنهما - : إذا صلى بالغداة بذي الحليفة ، أمر براحلته فرحلت ، ثم ركب ، فإذا استوت به استقبل القبلة قائما ، ثم يلبي حتى يبلغ الحرم ، ثم يمسك ، حتى إذا جاء ذا طوى بات به ، حتى يصبح ، فإذا صلى الغداة اغتسل ، وزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك . تابعه إسماعيل عن أيوب في الغسل : حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع ، حدثنا فليح ، عن نافع قال : كان ابن عمر - رضي الله عنهما - إذا أراد الخروج إلى مكة ادهن بدهن ، ليس له رائحة طيبة ، ثم يأتي مسجد الحليفة ، فيصلي ثم يركب ، وإذا استوت به راحلته قائمة أحرم ، ثم قال : هكذا رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل . انتهى من صحيح البخاري .

[ ص: 5 ] فهذه الروايات الصحيحة الثابتة ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - : أنه - صلى الله عليه وسلم - أحرم حين استوت به راحلته قائمة واضحة فيما ذكرنا ، من أن أول وقت الإحرام عندما يركب حالة شروعه في السير من الميقات .

وقال مسلم في صحيحه : حدثنا يحيى بن يحيى ، قال : قرأت على مالك عن موسى بن عقبة ، عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه - رضي الله عنه - يقول : بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ما أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من عند المسجد يعني : ذا الحليفة . وحدثناه قتيبة بن سعيد ، حدثنا حاتم يعني : ابن إسماعيل ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم قال : كان ابن عمر - رضي الله عنهما - إذا قيل له : الإحرام من البيداء قال : البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من عند الشجرة ، حين قام به بعيره . وفي لفظ لابن عمر - رضي الله عنهما - عند مسلم : فإني لم أر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل حتى تنبعث به راحلته . وفي لفظ له أيضا عند مسلم قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وضع رجله في الغرز ، وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة . وفي مسلم عنه ألفاظ أخرى متعددة بهذا المعنى ، ومراد ابن عمر - رضي الله عنهما - بكذبهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإحرام من البيداء هو ما رواه البخاري ، من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - بلفظ : فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته ، حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه . الحديث ، وما رواه البخاري - رحمه الله - في صحيحه أيضا ، عن أنس بن مالك بلفظ قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ، ثم بات بها ، حتى أصبح ، ثم ركب حتى استوت به على البيداء : حمد الله وسبح ، وكبر ، ثم أهل بحج وعمرة ، وأهل الناس بهما ، الحديث . ومراد ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل محرما حين استوت به راحلته قائمة من منزله بذي الحليفة ، قبل أن يصل البيداء ، ووجه الجمع بين حديث ابن عمر ، وحديث ابن عباس ، وأنس معروف عند أهل الحديث ، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - ابتدأ إهلاله حين استوت به راحلته قائمة فسمعه قوم ، ثم لما استوت به على البيداء أعاد تلبيته فسمعه آخرون لم يسمعوا تلبيته الأولى فحدث كل واحد منهم بما سمع .

وقال بعضهم : أحرم في مصلاه فسمعه بعضهم ، ولم يسمعه ابن عمر ، حتى استوت به راحلته ، وجزم ابن عمر أنه ما أهل حتى استوت به راحلته يدل على أنه علم أنه لم يهل حتى استوت به ، فالأحاديث متفقة ومراد ابن عمر بالإنكار والتكذيب خاص بمن زعم أنه [ ص: 6 ] لم يلب قبل وصوله البيداء ، وهذا الجمع ذكره ابن حجر ، عن أبي داود ، والحاكم ، وقال ابن حجر في " الفتح " : فائدة البيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة ، لمن صعد من الوادي ، قاله أبو عبيد البكري وغيره . انتهى منه .

وإذا عرفت مما ذكرنا أول وقت التلبية ، وأنه وقت انعقاد الإحرام ، فاعلم أن الصحيح الذي قام عليه الدليل : أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة ، وقال بعض أهل العلم : حتى ينتهي رميه إياها .

والدليل على أن هذا القول هو الصواب دون غيره من أقوال أهل العلم هو ما ثبت في صحيح مسلم من حديث الفضل بن العباس - رضي الله عنهما - وكان رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع من مزدلفة إلى منى ، ففي لفظ لمسلم عن الفضل بن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة . وقوله في هذا الحديث الصحيح : حتى بلغ الجمرة ، هو حجة من قال : يقطع التلبية ، عند الشروع في الرمي ; لأن بلوغ الجمرة هو وقت الشروع في الرمي . وفي لفظ مسلم ، عن الفضل أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبي ، حتى رمى جمرة العقبة " وقوله في هذا الحديث " حتى رمى جمرة العقبة " هو حجة من قال : يلبي حتى ينتهي رميه ، وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - من طريق عبد الله بن يزيد قال : قال عبد الله : ونحن بجمع سمعت الذي أنزلت عليه سورة " البقرة " ، يقول في هذا المقام : " لبيك اللهم لبيك " وجمع هي المزدلفة . وهذا الحديث الصحيح يدل على تلبية النبي - صلى الله عليه وسلم - بمزدلفة بعد الرجوع من عرفة ، وفي لفظ لابن مسعود عند مسلم أيضا : قال عبد الله : أنسي الناس أم ضلوا سمعت الذي أنزلت عليه سورة " البقرة " يقول في هذا المكان : " لبيك اللهم لبيك " وفي لفظ عنه أيضا عند مسلم ، من رواية عبد الرحمن بن يزيد والأسود بن يزيد قالا : سمعنا عبد الله بن مسعود يقول بجمع : سمعت الذي أنزلت عليه سورة " البقرة " هاهنا يقول " لبيك اللهم لبيك " ثم لبى ولبينا معه .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : فهذه النصوص الصحيحة ، تدل على عدم قطع التلبية ، والأظهر أنه يقطعها عند الشروع في رمي العقبة ، وأن رواية مسلم : حتى رمى جمرة العقبة ، يراد به الشروع في رميها ، لا الانتهاء منه .

ومن القرائن الدالة على ذلك : ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير مع كل حصاة ، فظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير ، مع الحصاة لتتابع رمي الحصيات .

[ ص: 7 ] قال الزرقاني في " شرح الموطأ " ، ولابن خزيمة عن الفضل : أفضت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يزل يلبي ، حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة ، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة ، قال ابن خزيمة : حديث صحيح مفسر لما أبهم في الرواية الأخرى ، وأن المراد بقوله : حتى رمى جمرة العقبة ، أتم رميها ، ا هـ . وعلى تقدير صحة هذه الرواية لا ينبغي العدول عنها .

وإذا علمت الصحيح الذي دلت عليه النصوص ، فاعلم أن في وقت انتهاء الرمي مذاهب للعلماء غير ما ذكرنا . فقد روي عن سعد بن أبي وقاص ، وعائشة : أنه يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف ، وعن علي ، وأم سلمة : أنهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس يوم عرفة ، وهذا قريب من قول سعد وعائشة ، وكان الحسن يقول : يلبي حتى يصلي الغداة يوم عرفة ، ومذهب مالك أنه يقطعها إذا زاغت الشمس من يوم عرفة ، وقد روى مالك - رحمه الله - في " الموطأ " عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان يلبي بالحج ، حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة ، قطع التلبية . قال مالك : وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا ، ا هـ . وروى مالك في " الموطأ " أيضا عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنها كانت تترك التلبية إذا رجعت إلى الموقف ، وروي في " الموطأ " أيضا عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم . حتى يطوف بالبيت . وبين الصفا والمروة . ثم يلبي حتى يغدو من منى إلى عرفة . فإذا غدا ترك التلبية . وكان يترك في العمرة ، إذا دخل الحرم ، ا هـ .

والتحقيق أنه لا يقطعها ، إلا إذا رمى جمرة العقبة ؛ لدلالة حديث الفضل بن عباس الثابت في الصحيح على ذلك دلالة واضحة ، ودلالة حديث ابن مسعود الثابت في الصحيح على تلبية النبي بمزدلفة أيضا ، ولم يثبت في كتاب الله ، ولا سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - شيء يخالف ذلك ، والعلم عند الله تعالى .

وأما حكم التلبية فقد اختلف فيه أهل العلم اختلافا معروفا ، قال ابن حجر في " فتح الباري " : لم يتعرض المصنف لحكم التلبية ، وفيها مذاهب أربعة ، يمكن توصيلها إلى عشرة .

الأول : أنها سنة من السنن لا يجب بتركها شيء ، وهو قول الشافعي وأحمد .

ثانيها : واجبة ، ويجب بتركها دم حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة من الشافعية ، [ ص: 8 ] وقال : إنه وجد للشافعي نصا يدل عليه ، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية ، والخطابي عن مالك وأبي حنيفة . وأغرب النووي فحكى عن مالك أنها سنة ، ويجب بتركها دم ، ولا يعرف ذلك عندهم إلا أن ابن الجلاب قال : التلبية في الحج مسنونة غير مفروضة ، وقال ابن التين : يريد أنها ليست من أركان الحج وإلا فهي واجبة ، ولذلك يجب بتركها الدم ، ولو لم تكن واجبة لم يجب ، وحكى ابن العربي : أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم ، وهذا قدر زائد على أصل الوجوب .

ثالثها : واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج ، كالتوجه على الطريق ، وبهذا صدر ابن شاس من المالكية كلامه في الجواهر له ، وحكى صاحب الهداية من الحنفية مثله ، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر ، كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين ، وقال ابن المنذر : قال أصحاب الرأي : إن كبر أو هلل أو سبح ينوي بذلك الإحرام ، فهو محرم .

رابعها : أنها ركن في الإحرام لا ينعقد بدونها حكاه ابن عبد البر عن الثوري ، وأبي حنيفة ، وابن حبيب من المالكية ، والزبير من الشافعية ، وأهل الظاهر قالوا : هي نظيرة تكبيرة الإحرام للصلاة ، ويقويه ما تقدم من بحث ابن عبد السلام ، عن حقيقة الإحرام ، وهو قول عطاء ، أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه ، قال : التلبية فرض الحج ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وطاوس ، وعكرمة ، وحكى النووي عن داود أنه لا بد من رفع الصوت بها ، وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنا . انتهى من " فتح الباري " .

وإذا عرفت مذاهب أهل العلم في حكم التلبية ، فاعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبى كما ذكرنا وقال : " لتأخذوا عني مناسككم " فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا التلبية ، وهذا القدر هو الذي قام عليه الدليل : أما كونها مسنونة أو مستحبة أو واجبة يصح الحج بدونها ، وتجبر بدم فكل ذلك لم يرد فيه دليل خاص ، والخير كله في اتباعه - صلى الله عليه وسلم - والعلم عند الله تعالى .

وأما معنى التلبية : فهي من لبى بمعنى : أجاب ، فلفظة : لبيك مثناة على قول سيبويه والجمهور ، وتثنيتها للتكثير : أي إجابة لك بعد إجابة ، ولزوما لطاعتك ، وقال يونس بن حبيب البصري : لبيك : اسم مفرد لا مثنى ، قال : وإنما انقلبت ألفه ياء لاتصالها بالضمير ، كما قلبت ألف لدى ، وإلى ، وعلى في حالة الاتصال بالضمير فتقول : لديك ، وإليك وعليك بإبدال الألف ياء ، والأظهر قول سيبويه ، وجمهور أهل اللغة .

ومما يدل على ذلك أنه سمع في كلام العرب ثبوت الياء مع الإضافة للاسم الظاهر [ ص: 9 ] لا الضمير كما في قول الشاعر ، وهو أعرابي من بني أسد :


دعوت لما نابني مسورا فلبى فلبى يدي مسور


وقال ابن الأنباري : ثنوا لبيك كما ثنوا حنانيك : أي تحننا بعد تحنن ، وقال القاضي عياض : اختلفوا في معنى لبيك واشتقاقها ، فقيل معناها : اتجاهي وقصدي إليك ، مأخوذ من قولهم : داري تلب دارك أي تواجهها ، وقيل معناها محبتي لك مأخوذ من قولهم : امرأة لبة ، إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه ، وقيل معناها : إخلاصي لك مأخوذ من قولهم : حب لباب ، إذا كان خالصا محضا ، ومن ذلك لب الطعام ولبابه ، وقيل معناها : أنا مقيم على طاعتك ، وإجابتك مأخوذ من قولهم : لب الرجل بالمكان ، وألب به إذا أقام فيه ، قال ابن الأنباري :

وبهذا قال الخليل . وقيل في لبيك : أي قربا منك ، وطاعة ، والإلباب : القرب ، وقال أبو نصر معناه : أنا ملب بين يديك أي : خاضع . انتهى كلام عياض ، مع تصرف وحذف يسير بواسطة نقل النووي في " شرح مسلم " ، وما قاله الشيخ عياض - رحمه الله - يدور حوله كلام أهل اللغة في معنى التلبية ، وبقية ألفاظ التلبية معانيها ظاهرة .

واعلم أن لفظة لبيك ملازمة للإضافة لضمير المخاطب ، وشذ إضافتها للظاهر ; كما تقدم قريبا ، وشذ أيضا إضافتها لضمير الغائب كقول الراجز : إنك لو دعوتني ودوني زوراء ذات متزع بيون لقلت لبيه لمن يدعوني .
فروع تتعلق بهذه المسألة

الفرع الأول : اعلم أنه ينبغي للرجال رفع أصواتهم بالتلبية ، لما رواه مالك في " الموطأ " ، والشافعي ، وأحمد ، وأصحاب السنن ، وابن حبان ، والحاكم . من حديث خلاد بن السائب الأنصاري ، عن أبيه السائب بن خلاد بن سويد - رضي الله عنه - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية " ، ا هـ .

ولفظ مالك في موطئه : " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ، أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال " يريد أحدهما . وقال الترمذي في هذا الحديث : حديث حسن صحيح ، وجمهور أهل العلم على أن هذا الأمر المذكور في الحديث للاستحباب ، وذهب الظاهرية إلى أنه للوجوب ، والقاعدة المقررة في الأصول مع الظاهرية ، وهي أن [ ص: 10 ] الأمر يقتضي الوجوب إلا لدليل صارف عنه ، وأما النساء فلا ينبغي لهن رفع الصوت بالتلبية كما عليه جماهير أهل العلم .

قال مالك في موطئه : إنه سمع أهل العلم يقولون : ليس على النساء رفع الصوت بالتلبية ، لتسمع المرأة نفسها ، وعلل بعض أهل العلم خفض المرأة صوتها بالتلبية ، بخوف الافتتان بصوتها .

وقال الرافعي في شرحه الكبير المسمى : " فتح العزيز في شرح الوجيز " : وإنما يستحب الرفع في حق الرجل ، ولا يرفع حيث يجهد ويقطع صوته ، والنساء تقتصرن على إسماع أنفسهن ، ولا يجهرن كما لا يجهرن بالقراءة في الصلاة .

قال القاضي الروياني : ولو رفعت صوتها بالتلبية لم يحرم ; لأن صوتها ليس بعورة خلافا لبعض أصحابنا ، ا هـ . وذكر نحوه النووي عن الروياني ثم قال : وكذا قال غيره : لا يحرم لكن يكره ، صرح به الدارمي ، والقاضي أبو الطيب والبندنيجي ، ويخفض الخنثى صوته كالمرأة ذكره صاحب البيان وهو ظاهر .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : أما المرأة الشابة الرخيمة الصوت ، فلا شك أن صوتها من مفاتن النساء ولا يجوز لها رفعه بحال ، ومن المعلوم أن الصوت الرخيم من محاسن النساء ومفاتنها ، ولأجل ذلك يكثر ذكره في التشبيب بالنساء ، كقول غيلان ذي الرمة :
لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر وعينان قال الله كونا فكانتا
فعولان بالألباب ما تفعل الخمر


فتراه جعل الصوت الرخيم من محاسن النساء ، كالبشرة الناعمة ، والعينين الحسنتين ، وكقول قعنب ابن أم صاحب :
وفي الخدود لو أن الدار جامعة بيض أوانس في أصواتها غنن






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #346  
قديم 29-08-2022, 11:13 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,415
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الخامس
الحلقة (344)
سُورَةُ الْحَجِّ
صـ 11 إلى صـ 18




فتراه جعل الصوت الأغن من جملة المحاسن ، وهذا أمر معروف لا يمكن الخلاف فيه ، وقد قال جل وعلا مخاطبا لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - وهن خير أسوة لنساء المسلمين فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا لأن تليين الصوت وترخيمه يدل على الاهتمام بالريبة كإبداء غيره من محاسن المرأة للرجال كما قال الشاعر :

[ ص: 11 ]
يحسبن من الكلام زوانيا ويصدهن عن الخنا الإسلام


الفرع الثاني : اعلم أنه يستحب الإكثار من التلبية في دوام الإحرام ، ويتأكد استحبابها في كل صعود وهبوط ، وحدوث أمر من ركوب ، أو نزول ، أو اجتماع رفاق ، أو فراغ من صلاة وعند إقبال الليل والنهار ، ووقت السحر ، وغير ذلك من تغاير الأحوال ، وعلى هذا أكثر أهل العلم .

قال صاحب المهذب : يستحب أن يكثر من التلبية ، ويلبي عند اجتماع الرفاق ، وفي كل صعود وهبوط ، وفي أدبار الصلوات ، وإقبال الليل والنهار ، لما روى جابر - رضي الله عنه - قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبي إذا رأى ركبا أو صعد أكمة أو هبط واديا ، وفي أدبار المكتوبة وآخر الليل . انتهى محل الغرض منه . ولم يتكلم النووي في شرحه للمهذب على حديث جابر المذكور ، وقال ابن حجر في " التلخيص الحبير " في حديث جابر المذكور : هذا الحديث ذكره الشيخ في المهذب ، وبيض له النووي ، والمنذري ، وقد رواه ابن عسكر في تخريجه لأحاديث المهذب من طريق عبد الله بن محمد بن ناجية في فوائده بإسناد له إلى جابر قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبي إذا لقي ركبا " فذكره ، وفي إسناده من لا يعرف ، وروى الشافعي ، عن سعيد بن سالم ، عن عبد الله بن عمر ، عن نافع عن ابن عمر أنه كان يلبي راكبا ، ونازلا ، ومضطجعا . وروى ابن أبي شيبة من رواية ابن سابط قال : كان السلف يستحبون التلبية في أربعة مواضع : في دبر الصلاة ، وإذا هبطوا واديا أو علوه ، وعند التقاء الرفاق ، وعند خيثمة نحوه وزاد : وإذا استقلت بالرجل راحلته . انتهى من التلخيص .

وقال مالك في " الموطأ " : سمعت بعض أهل العلم يستحب التلبية دبر كل صلاة ، وعلى كل شرف من الأرض . ويستأنس لحديث جابر المذكور بقول البخاري ، باب التلبية : إذا انحدر في الوادي ، ثم ساق بسنده الحديث عن ابن عباس وفيه قال : " أما موسى كأني أنظر إليه ، إذا انحدر في الوادي يلبي " وقال في " الفتح " في شرح هذا الحديث ، وفي الحديث : أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين ، وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود .

الفرع الثالث : اعلم أن العلماء اختلفوا في استحباب التلبية في حال طواف القدوم والسعي بعده ، وممن قال إنه لا يلبي في طواف القدوم ، والسعي بعده : مالك وأصحابه ، وهو الجديد الصحيح من قولي الشافعي ، وقال ابن عيينة : ما رأيت أحدا يقتدى به يلبي [ ص: 12 ] حول البيت إلا عطاء بن السائب ، وممن أجاز التلبية في طواف القدوم : أحمد ، وقال ابن قدامة في " المغني " : وبه يقول ابن عباس ، وعطاء بن السائب ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وابن أبي ليلى ، والشافعي . وروي عن سالم بن عبد الله أنه قال : لا يلبي حول البيت ، وقال ابن عيينة : ما رأينا أحدا يقتدى به يلبي حول البيت ، إلا عطاء بن السائب ، وذكر أبو الخطاب : أنه لا يلبي ، وهو قول للشافعي ; لأنه مشتغل بذكر يخصه ، فكان أولى . انتهى محل الغرض من " المغني " ، وقد قدمنا لك أن القول الجديد الأصح في مذهب الشافعي : أنه لا يلبي خلافا لما يوهمه كلام صاحب المغني ، وروى مالك في موطئه عن نافع : أن عبد الله بن عمر كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم . حتى يطوف بالبيت . وبين الصفا والمروة . ثم يلبي حتى يغدو من منى إلى عرفة . فإذا غدا ترك التلبية . وكان يترك التلبية في العمرة ، إذا دخل الحرم . انتهى من " الموطأ " ، وروى مالك في " الموطأ " أيضا عن ابن شهاب ، أنه كان يقول : كان عبد الله بن عمر لا يلبي ، وهو يطوف بالبيت انتهى منه ، وقد روي عن ابن عمر أيضا خلاف هذا ، فقد ذكر ابن حجر في " التلخيص " : أن ابن أبي شيبة أخرج من طريق ابن سيرين عن ابن عمر أنه كان إذا طاف بالبيت لبى .

الفرع الرابع : اعلم أنه لا خلاف بين من يعتد به من أهل العلم في أن المحرم يلبي في المسجد الحرام ، ومسجد الخيف بمنى ، ومسجد نمرة بقرب عرفات ; لأنها مواضع نسك . واختلفوا في التلبية فيما سوى ذلك من المساجد .

وأظهر القولين عندي : أنه يلبي في كل مسجد ، إلا أنه لا يرفع صوته رفعا يشوش على المصلين ، والعلم عند الله تعالى .

الفرع الخامس : أظهر قولي أهل العلم عندي : أن المحرم يلبي في كل مكان في الأمصار وفي البراري ، ونقل النووي عن العبدري أنه قال به أكثر الفقهاء . خلافا لمن قال : التلبية مسنونة في الصحاري ، ولا يعجبني أن يلبي في المصر ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة الثالثة عشرة

فيما يمتنع بسبب الإحرام على المحرم حتى يحل من إحرامه

فمن ذلك ما صرح الله بالنهي عنه في كتابه في قوله : فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج [ 2 \ 197 ] والصيغة في قوله : فلا رفث ولا فسوق ولا جدال [ ص: 13 ] صيغة خبر أريد بها الإنشاء : أي فلا يرفث ولا يفسق ، ولا يجادل ، وقد تقرر في فن المعاني أن الصيغة قد تكون خبرية ، والمراد بها الإنشاء لأسباب منها التفاؤل كقولك : رحم الله زيدا ، فالصيغة خبرية ، والمراد بها إنشاء الدعاء له بالرحمة ، ومنها إظهار تأكيد الإتيان بالفعل ، وإلزام ذلك ; كقوله تعالى : هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله الآية [ 61 \ 10 - 11 ] : أي آمنوا بالله بدليل جزم الفعل في قوله يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم الآية [ 61 \ 12 ] فهو مجزوم بالطلب المراد بالخبر في قوله تؤمنون بالله أي : آمنوا بالله ، يغفر لكم ذنوبكم ; كقوله قاتلوهم يعذبهم الله الآية [ 9 \ 14 ] تعالوا أتل الآية [ 6 \ 151 ] ، ونحو ذلك . فالمسوغ لكون الصيغة في الآية خبرية ، هو إظهار التأكد ، واللزوم في الإتيان بالإيمان فعبر عنه بصيغة الخبر ، لإظهار أنه يتأكد ويلزم أن يكون كالواقع بالفعل المخبر عن وقوعه ، وكقوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن الآية [ 2 \ 233 ] ، وقوله : والمطلقات يتربصن بأنفسهن الآية [ 2 \ 228 ] . فالمراد الأمر بالإرضاع ، والتربص وقد عبر عنه بصيغة خبرية لما ذكرنا ، كما هو معروف في فن المعاني .

والأظهر في معنى الرفث في الآية أنه شامل لأمرين :

أحدهما : مباشرة النساء بالجماع ومقدماته .

والثاني : الكلام بذلك كأن يقول المحرم لامرأته : إن أحللنا من إحرامنا فعلنا كذا وكذا ، ومن إطلاق الرفث على مباشرة المرأة كجماعها قوله تعالى : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم [ 2 \ 187 ] فالمراد بالرفث في الآية : المباشرة بالجماع ومقدماته ، ومن إطلاق الرفث على الكلام قول العجاج :


ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم

وقد قدمنا هذا البيت في سورة " المائدة " ، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه لما أنشد وهو محرم قال الراجز :


وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا


فقيل له : أترفث ، وأنت محرم ؟ قال : إنما الرفث : ما روجع به النساء ، وفي لفظ : ما قيل من ذلك عند النساء .

والأظهر في معنى الفسوق في الآية أنه شامل لجميع أنواع الخروج عن طاعة الله تعالى ، [ ص: 14 ] والفسوق في اللغة : الخروج ، ومنه قول العجاج : يهوين في نجد وغورا غائرا فواسقا عن قصدها جوائرا

يعني بقوله : فواسقا عن قصدها : خوارج عن جهتها التي كانت تقصدها .

والأظهر في الجدال في معنى الآية : أنه المخاصمة والمراء : أي لا تخاصم صاحبك وتماره حتى تغضبه ، وقال بعض أهل العلم : معنى ولا جدال في الحج : أي لم يبق فيه مراء ولا خصومة ; لأن الله أوضح أحكامه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن ذلك ما صرح الله بالنهي عنه في كتابه ، من حلق شعر الرأس في قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله [ 2 \ 196 ] ، ومن ذلك تغطية المحرم الذكر رأسه لما ثبت في الصحيح ، من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المحرم الذي خر عن راحلته فوقصته فمات : " لا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا " ، وفي رواية في صحيح مسلم : " ولا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " وهذا الحديث في صحيح مسلم بألفاظ متعددة في بعضها الاقتصار على النهي عن تخمير الرأس ، وفيها النهي عن تخمير الرأس والوجه ، وفي بعضها : النهي عن مسه بطيب ، وفي بعضها : النهي عن أن يقربوه طيبا وأن يغطوا وجهه ، وكل ذلك ثابت ، وهو نص صريح في منع تغطية المحرم الذكر رأسه أو وجهه ، أما المرأة فإنها تغطي رأسها ، ولا تغطي وجهها ، إلا إذا خافت نظر الرجال الأجانب إليه ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى . ومن ذلك لبس كل شيء محيط بالبدن ، أو بعضه ، وكل شيء يغطي الرأس كما تقدم قريبا : فلا يجوز للمحرم لبس القميص ، ولا العمامة ، ولا السراويل ، ولا البرنس ، ولا القباء ، ولا الخف إلا إذا لم يجد نعلا فإنه يجوز له لبس الخفين ، ويلزمه أن يقطعهما أسفل من الكعبين ، وكذلك إذا لم يجد إزارا : فله أن يلبس السراويل على الأصح فيهما .

وكذلك لا يجوز له أن يلبس ثوبا مسه ورس أو زعفران . وهذه أدلة منع ما ذكر .

قال البخاري - رحمه الله - في صحيحه : حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - : أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما يلبس المحرم من الثياب ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يلبس القمص المحرم ، ولا العمائم ، ولا السراويلات ، ولا البرانس ، ولا الخفاف ، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران أو ورس " انتهى من صحيح البخاري .

[ ص: 15 ] وقال مسلم بن الحجاج - رحمه الله - في صحيحه : حدثنا يحيى بن يحيى ، قال : قرأت على مالك عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - : أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما يلبس المحرم من الثياب ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا تلبسوا القمص ، ولا العمائم ، ولا السراويلات ، ولا البرانس ، ولا الخفاف ، إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس " . وأخرج مسلم - رحمه الله - هذا الحديث عن ابن عمر أيضا من طريق ابنه سالم . وأخرج بعضه أيضا من طريق عبد الله بن دينار . ثم قال مسلم : حدثنا يحيى بن يحيى ، وأبو الربيع الزهراني ، وقتيبة بن سعيد جميعا ، عن حماد ، قال يحيى : أخبرنا حماد بن زيد ، عن عمرو ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب يقول : " السراويل لمن لم يجد الإزار ، والخفان لمن لم يجد النعلين " يعني : المحرم . وقد ذكر مسلم هذا الحديث من طرق ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، وزاد شعبة في روايته ، عن عمرو : يخطب بعرفات .

وأخرج البخاري نحوه عن ابن عباس أيضا ، قال مسلم - رحمه الله - : وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، حدثنا زهير ، حدثنا أبو الزبير ، عن جابر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من لم يجد نعلين ، فليلبس خفين ، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل " انتهى من صحيح مسلم ، وهو يدل دلالة واضحة على جواز لبس السراويل للمحرم ، الذي لم يجد إزارا ، كجواز لبس الخفين لمن لم يجد نعلين ، وفي حديث ابن عباس ، وجابر المذكورين زيادة على حديث ابن عمر : وهي جواز السراويل لمن لم يجد إزارا ، وهذه الزيادة يجب قبولها ، خلافا لمن منع قبولها ، وإطلاق الخفين في حديث ابن عباس ، وجابر المذكورين يجب تقييده بما في حديث ابن عمر من قطعهما أسفل من الكعبين ; لوجوب حمل المطلق على المقيد ، ولا سيما إذا اتحد حكمهما وسببهما كما هنا ، كما هو مقرر في الأصول .

فأظهر الأقوال دليلا : أنه لا يجوز لبس الخفين ، إلا في حالة عدم وجود النعلين ، وأن قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين لا بد منه ، وأن لبس السراويل جائز للمحرم الذي لم يجد إزارا ، خلافا لمن ذهب إلى غير ذلك .

وقال النووي في " شرح المهذب " : وأما حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يلبس المحرم القميص ، ولا السراويلات ، ولا البرنس ، ولا العمامة ، ولا الخف ، إلا [ ص: 16 ] ألا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران " فرواه البخاري ومسلم هكذا ، وزاد البيهقي وغيره فيه : " ولا يلبس القباء " وقال البيهقي : هذه الزيادة صحيحة محفوظة ، انتهى منه وهو دليل على منع لبس القباء للمحرم .

وقال ابن حجر في " فتح الباري " في شرحه لحديث ابن عمر المذكور : زاد الثوري في روايته ، عن أيوب ، عن نافع في هذا الحديث : " ولا القباء " ، أخرجه عبد الرزاق ، ورواه الطبراني من وجه آخر عن الثوري ، وأخرجه الدارقطني ، والبيهقي من طريق حفص بن غياث ، عن عبد الله بن عمر ، عن نافع أيضا . انتهى محل الغرض منه . وهذا الذي ذكرنا من تحريم اللباس المذكور إنما هو في حق الرجال ، وأما النساء فلهن أن يلبسن ما شئن من أنواع الثياب ، إلا أنهن لا يجوز لهن أن ينتقبن ، ولا أن يلبسن القفازين ; لأن إحرام المرأة في وجهها وكفيها .

وقد قال البخاري - رحمه الله - في صحيحه : حدثنا عبد الله بن يزيد ، حدثنا الليث ، حدثنا نافع ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : قام رجل فقال : يا رسول الله ، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب . . . الحديث ، وفيه " ولا تنتقب المرأة المحرمة ، ولا تلبس القفازين " تابعه موسى بن عقبة ، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، وجويرية ، وابن إسحاق في النقاب والقفازين ، وقال عبد الله : ولا ورس ، وكان يقول : لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين ، وقال مالك عن نافع عن ابن عمر : لا تنتقب المحرمة ، وتابعه ليث بن أبي سليم . انتهى من صحيح البخاري .

وقال أبو داود - رحمه الله - في سننه بعد أن ساق حديث ابن عمر المتقدم : حدثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه . وزاد : " ولا تنتقب المرأة الحرام ، ولا تلبس القفازين " . وفي لفظ عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين " وقال النووي في " شرح المهذب " في هذا الحديث : وأما حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى النساء في إحرامهن عن القفازين ، والنقاب ، وما مسه الورس ، والزعفران من الثياب وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من أنواع الثياب من معصفر أو خز أو حرير ، أو حليا ، أو سراويل ، أو قميصا ، أو خفا ، فرواه أبو داود بإسناد حسن ، وهو من رواية محمد بن إسحاق صاحب المغازي ، إلا أنه قال : حدثني نافع عن ابن عمر وأكثر ما أنكر على ابن إسحاق التدليس ، وإذا قال المدلس : حدثني ، [ ص: 17 ] احتج به على المذهب الصحيح المشهور . انتهى منه .

وقال ابن حجر في " التلخيص " : حديث أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى النساء في إحرامهن عن النقاب ، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب معصفرا ، أو خزا ، أو حليا ، أو سراويل ، أو قميصا ، أو خفا . رواه أبو داود والحاكم والبيهقي من حديث ابن عمر ، واللفظ لأبي داود زاد فيه بعد قوله : عن النقاب : " وما مس الزعفران والورس من الثياب وليلبسن بعد ذلك " . ورواه أحمد إلى قوله " من الثياب " ، ومن ذلك استعمال المحرم الطيب في بدنه ، أو ثيابه ، والطيب هو ما يتطيب به ، ويتخذ منه الطيب ، كالمسك ، والكافور ، والعنبر ، والصندل ، والورس ، والزعفران ، والورد ، والياسمين ونحو ذلك ، والأصل في منع استعمال الطيب للمحرم هو ما قدمنا في حديث ابن عمر المتفق عليه من نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن لبس ما مسه الزعفران ، والورس من الثياب في الإحرام ، وما قدمنا من حديث مسلم في الذي وقع عن راحلته فأوقصته فمات . ففي لفظ في صحيح مسلم : فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغسل بماء وسدر وأن يكفن في ثوبين ، ولا يمس طيبا ، الحديث . وفي لفظ في صحيح مسلم : فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اغسلوه ولا تقربوه طيبا ، ولا تغطوا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة يلبي " ، فقوله : " ولا يمس طيبا " في الرواية الأولى نكرة في سياق النفي وقوله : " ولا تقربوه طيبا " في الرواية الثانية نكرة في سياق النهي ، وكلتاهما من صيغ العموم ، كما هو مقرر في الأصول فهو يدل على منع جميع أنواع الطيب للمحرم ، وترتيبه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك بالفاء .

قوله : " فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " دليل على أن علة منع ذلك الطيب كونه محرما ملبيا ، والدلالة على العلة المذكورة هي من دلالة مسلك الإيماء والتنبيه ، كما هو معروف في الأصول . ومن ذلك عقد النكاح ، فإنه لا يجوز للمحرم أن يتزوج ، ولا أن يزوج غيره بولاية أو وكالة ، وسيأتي الخلاف في تزويج المحرم غيره بالولاية العامة إن شاء الله تعالى .
وكون إحرام أحد الزوجين أو الولي مانعا من عقد النكاح ، هو الذي عليه أكثر أهل العلم . وعزاه النووي في " شرح المهذب " لجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم . وقال : وهو مذهب عمر بن الخطاب ، وعثمان ، وعلي ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والزهري ، ومالك ، وأحمد ، والشافعي ، وإسحاق ، وداود ، وغيرهم . وقال في " شرح مسلم " : قال مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وجمهور العلماء من الصحابة ، فمن بعدهم : لا يصح نكاح المحرم ، ا هـ . وقال ابن قدامة في " المغني " . وروي ذلك عن عمر وابنه ، وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - وبه [ ص: 18 ] قال سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والزهري ، والأوزاعي ، ومالك ، والشافعي ، ا هـ .

وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم إلى أن إحرام أحد الزوجين ، أو الولي ، ليس مانعا من عقد النكاح ، وممن قال بهذا القول : أبو حنيفة ، وهو مروي عن الحكم ، والثوري ، وعطاء ، وعكرمة ، وعزاه صاحب " المغني " ، لابن عباس ، والظاهر أن عزو هذا القول الأخير لابن عباس أصح من عزو النووي له القول الأول كما ذكرناه عنه آنفا كما سترى : ما يدل على ذلك إن شاء الله تعالى .

وإذا علمت أقوال أهل العلم في الإحرام بحج أو عمرة ، هل هو مانع من عقد النكاح ، أو لا ؟ ، فهذه أدلتهم . أما الجمهور القائلون : بأن الإحرام مانع من النكاح ، فاستدلوا بما رواه مسلم - رحمه الله - في صحيحه : حدثنا يحيى بن يحيى قال :

قرأت على مالك ، عن نافع ، عن نبيه بن وهب أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر ، بنت شيبة بن جبير . فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك وهو أمير الحج . فقال أبان : سمعت عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تنكح المحرم ، ولا ينكح ولا يخطب " .

وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع . حدثني نبيه بن وهب ، قال : بعثني عمر بن عبيد الله بن معمر ، وكان يخطب بنت شيبة بن عثمان على ابنه . فأرسلني إلى أبان بن عثمان وهو على الموسم . فقال : ألا أراه أعرابيا : " إن المحرم لا ينكح ولا ينكح " ، أخبرنا بذلك عثمان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحدثني أبو غسان المسمعي ، حدثنا عبد الأعلى ( ح ) ، وحدثني أبو الخطاب زياد بن يحيى ، حدثنا محمد بن سواء . قالا جميعا : حدثنا سعيد عن مطر ، ويعلى بن حكيم ، عن نافع ، عن نبيه بن وهب ، عن أبان بن عثمان ، عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا ينكح المحرم ، ولا ينكح ولا يخطب " .

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد ، وزهير بن حرب . جميعا عن ابن عيينة . قال زهير : حدثنا سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى ، عن نبيه بن وهب ، عن أبان بن عثمان ، عن عثمان يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " المحرم لا ينكح ولا يخطب " .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #347  
قديم 29-08-2022, 11:17 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,415
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الخامس
الحلقة (345)
سُورَةُ الْحَجِّ
صـ 19 إلى صـ 26




حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث ، حدثني أبي عن جدي ، حدثني خالد بن يزيد ، حدثني سعيد بن أبي هلال ، عن نبيه بن وهب : أن عمر بن عبيد الله بن معمر أراد [ ص: 19 ] أن ينكح ابنه طلحة بنت شيبة بن جبير في الحج ، وأبان بن عثمان يومئذ أمير الحج ، فأرسل إلى أبان : إني أردت أن أنكح طلحة بن عمر . فأحب أن تحضر ذلك ، فقال له أبان : ألا أراك عراقيا جافيا ! إني سمعت عثمان بن عفان يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا ينكح المحرم " .

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وابن نمير ، وإسحاق الحنظلي جميعا ، عن ابن عيينة ، قال ابن نمير : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي الشعثاء : أن ابن عباس أخبره : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم ، زاد ابن نمير : فحدثت به الزهري فقال : أخبرني يزيد بن الأصم : أنه نكحها وهو حلال ، وحدثنا يحيى بن يحيى ، أخبرنا داود بن عبد الرحمن ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد أبي الشعثاء ، عن ابن عباس أنه قال : تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو محرم .

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا جرير بن حازم ، حدثنا أبو فزارة ، عن يزيد بن الأصم ، حدثتني ميمونة بنت الحارث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهو حلال . قال : وكانت خالتي وخالة ابن عباس . انتهى من صحيح مسلم . وحديث عثمان المذكور في صحيح مسلم رواه أيضا مالك ، وأحمد ، وأصحاب السنن . وقال أبو عيسى الترمذي بعد أن ساقه : حديث عثمان حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم : عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عمر ، وهو قول بعض فقهاء التابعين ، وبه يقول مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، لا يرون أن يتزوج المحرم . وقالوا : إن نكح فنكاحه باطل . وحديث يزيد بن الأصم عن ميمونة المذكور في صحيح مسلم : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نكحها وهو حلال " رواه أيضا الترمذي ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والإمام أحمد ، وقال الترمذي : حدثنا قتيبة ، ثنا حماد بن زيد عن مطر الوراق ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي رافع قال : " تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة ، وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت أنا الرسول فيما بينهما " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن ، لا نعلم أحدا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق ، عن ربيعة . وروى مالك بن أنس عن ربيعة ، عن سليمان بن يسار : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو حلال " رواه مالك مرسلا ، ورواه أيضا سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلا . انتهى محل الغرض منه . وحديث أبي رافع هذا رواه أيضا الإمام أحمد ، وروى مالك - رحمه الله - في موطئه ، عن نافع أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - كان يقول : لا ينكح المحرم ، ولا يخطب على نفسه ، ولا على غيره . وفي " الموطأ " أيضا ، عن مالك أنه بلغه : أن سعيد بن [ ص: 20 ] المسيب وسالم بن عبد الله ، وسليمان بن يسار سئلوا عن نكاح المحرم ؟ فقالوا : لا ينكح المحرم ، ولا ينكح . وفي " الموطأ " أيضا عن مالك ، عن داود بن الحصين : أن أبا غطفان بن طريف المري ، أخبره أن أباه طريفا ، تزوج امرأة وهو محرم . فرد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نكاحه . وحديث أبي غطفان بن طريف ، هذا رواه أيضا الدارقطني ، وروى الإمام أحمد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه سئل عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل ، وهو خارج من مكة ، فأراد أن يعتمر أو يحج ؟ فقال : لا تتزوجها ، وأنت محرم ، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه ، انتهى منه بواسطة نقل المجد في " المنتقى " .

فهذا هو حاصل أدلة من قال : بأن الإحرام مانع من عقد النكاح ، وأما الذين قالوا : بأن الإحرام لا يمنع عقد النكاح ، فقد استدلوا بما رواه الشيخان في صحيحيهما ، وأصحاب السنن ، والإمام أحمد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم " ، وللبخاري : " تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو محرم ، وبنى بها وهو حلال وماتت بسرف " ، ا هـ .

قالوا : فهذا الحديث المتفق عليه ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - فيه التصريح بأنه - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم ، والله تعالى يقول : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [ 33 \ 21 ] وهو المشرع لأمته بأقواله ، وأفعاله ، وتقريره صلوات الله وسلامه عليه ، فلو كان تزويج المحرم حراما لما فعله - صلى الله عليه وسلم - واحتج الجمهور القائلون بمنع نكاح المحرم بالأحاديث المتقدمة ، قالوا : ثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا ينكح المحرم ، ولا ينكح ، ولا يخطب " وصيغة النفي في قوله : " لا ينكح ، ولا ينكح ، ولا يخطب " يراد بها النهي ; كقوله تعالى : فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج أي : لا ترفثوا ، ولا تفسقوا ، ولا تجادلوا في الحج ، وإيراد الإنشاء بصيغة الخبر أبلغ من إيراده بصيغة الإنشاء ; كما هو مقرر في المعاني .

والحديث دليل صحيح من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - على منع نكاح المحرم وهو معتضد بما ذكرنا معه من الأحاديث ، والآثار الدالة على منع نكاح المحرم . وأجاب الجمهور القائلون : يمنع إحرام أحد الزوجين أو الولي عقد النكاح عن حديث ابن عباس المذكور ، بأجوبة .

[ ص: 21 ] واعلم أولا : أن المقرر في الأصول : أنه إذا اختلف نصان وجب الجمع بينهما إن أمكن ، وإن لم يمكن وجب الترجيح .

وإذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن من أجوبتهم عن حديث ابن عباس المذكور ، أنه يمكن الجمع بينه وبين حديث ميمونة ، وأبي رافع : " أنه تزوجها وهو حلال " ووجه الجمع في ذلك ، هو أن يفسر قول ابن عباس : أنه تزوجها وهو محرم بأن المراد بكونه محرما في الشهر الحرام ، وقد تزوجها - صلى الله عليه وسلم - في الشهر الحرام ، وهو ذو القعدة عام سبع في عمرة القضاء ، كما ذكره البخاري - رحمه الله - في صحيحه في كتاب : " المغازي في باب عمرة القضاء " .

قال بعد أن ساق حديث ابن عباس المذكور ، وزاد ابن إسحاق : حدثني ابن أبي نجيح ، وأبان بن صالح ، عن عطاء ، ومجاهد ، عن ابن عباس قال : " تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ميمونة في عمرة القضاء " انتهى منه . ومعلوم أن عمرة القضاء كانت في الشهر الحرام ، وهو ذو القعدة من سنة سبع ، ولا خلاف بين أهل اللسان العربي في إطلاق الإحرام على الدخول في حرمة لا تهتك كالدخول في الشهر الحرام ، أو في الحرم أو غير ذلك .

وقال ابن منظور في " اللسان " : وأحرم الرجل : إذا دخل في حرمة لا تهتك . ومن إطلاق الإحرام على الدخول في الشهر الحرام ، وقد أنشده في اللسان شاهدا لذلك - قول زهير :
جعلن القنان عن يمين وحزنه وكم بالقنان من محل ومحرم


وقول الآخر :
وإذ فتك النعمان بالناس محرما فمليء من عوف بن كعب سلاسله


وقول الراعي :
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ودعا فلم أر مثله مقتولا
فتفرقت من بعد ذاك عصاهم شققا وأصبح سيفهم مسلولا


ويروى : فلم أر مثله مخذولا ، فقوله : قتلوا ابن عفان الخليفة محرما : أي في الشهر الحرام وهو ذو الحجة ، وقيل المعنى : أنهم قتلوه في حرم المدينة ; لأن المحرم يطلق لغة على كل داخل في حرمة لا تهتك ، سواء كانت زمانية ، أو مكانية أو غير ذلك .

وقال بعض أهل اللغة ، منهم الأصمعي : إن معنى قول الراعي : محرما في بيته [ ص: 22 ] المذكور كونه في حرمة الإسلام ، وذمته التي يجب حفظها ، ويحرم انتهاكها وأنه لم يحل من نفسه شيئا يستوجب به القتل ، ومن إطلاق المحرم على هذا المعنى الأخير ، قول عدي بن زيد :
قتلوا كسرى بليل محرما غادروه لم يمتع بكفن


يريد قتل شيرويه أباه أبرويز بن هرمز ، مع أن له حرمة العهد الذي عاهدوه به ، حين ملكوه عليهم ، وحرمة الأبوة ولم يفعل لهم شيئا يستوجب به منهم القتل . وذلك هو مراده بقوله : محرما ، وعلى تفسير قول ابن عباس : وهو محرم بما ذكر فلا تعارض بين حديث ابن عباس ، وبين حديث ميمونة وأبي رافع ، ولو فرضنا أن تفسير حديث ابن عباس بما ذكر ليس بمتعين وليس بظاهر كل الظهور ، وأن التعارض بين الحديثين باق ، والمصير إلى الترجيح إذا واجب . وحديث ميمونة وأبي رافع أرجح من حديث ابن عباس ، لأن ميمونة هي صاحبة القصة ، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره . وقد تقرر في الأصول أن خبر صاحب الواقعة المروية مقدم على خبر غيره ، لأنه أعرف بالحال من غيره ، والأصوليون يمثلون له بحديث ميمونة المذكور ، مع حديث ابن عباس . وإليه أشار في " مراقي السعود " في مبحث الترجيح ، باعتبار حال الراوي بقوله عاطفا على ما ترجح به رواية أحد الراويين على رواية الآخر :
أو راويا باللفظ أو ذا الواقع وكون من رواه غير مانع


ومحل الشاهد منه قوله : أو ذا الواقع : أي يقدم خبر ذي الواقع المروي على خبر غيره كخبر ميمونة ، مع خبر ابن عباس ومما يرجح به حديث أبي رافع على حديث ابن عباس : أن أبا رافع هو رسوله إليها يخطبها عليه ، فهو مباشر للواقعة ، وابن عباس ليس كذلك ، وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المباشر لما روى على خبر غيره ; لأن المباشر لما روى أعرف بحاله من غيره ، والأصوليون يمثلون له بخبر أبي رافع المذكور : أنه - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو حلال ، قال : وكنت الرسول فيما بينهما ، مع حديث ابن عباس المذكور : " أنه تزوجها وهو محرم " .

ومما يرجح به حديث ميمونة ، وحديث أبي رافع معا ، على حديث ابن عباس : أن ميمونة ، وأبا رافع كانا بالغين وقت تحمل الحديث المذكور ، وابن عباس ليس ببالغ وقت التحمل . وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المتحمل بعد البلوغ على المتحمل قبله ; لأن البالغ أضبط من الصبي لما تحمل ، وللاختلاف في قبول [ ص: 23 ] خبر المتحمل ، قبل البلوغ من الاتفاق على قبول خبر المتحمل بعد البلوغ ، وإن كان الراجح قبول خبر المتحمل قبل البلوغ إذا كان الأداء بعد البلوغ ; لأن المتفق عليه أرجح من المختلف فيه ، وإلى تقديم خبر الراوي المباشر على خبر غيره ، وتقديم خبر المتحمل بعد البلوغ على خبر المتحمل قبله .

أشار في " مراقي السعود " في مبحث الترجيح باعتبار حال الراوي ، بقوله عاطفا على ما يرجح أحد الخبرين :
أو كونه مباشرا أو كلفا أو غير ذي اسمين للأمن من خفا


فإن قيل : يرجح حديث ابن عباس ، بأنه اتفق عليه الشيخان في صحيحيهما . ومعلوم أن ما اتفق عليه مسلم والبخاري ، أرجح مما انفرد به مسلم ، وهو حديث ميمونة ، وأرجح مما أخرجه الترمذي وأحمد ، وهو حديث أبي رافع .

فالجواب : أن غاية ما يفيده اتفاق الشيخين صحة الحديث ، إلى ابن عباس ، ونحن لو جزمنا بأنه قاله قطعا لم يمنع ذلك من ترجيح حديث ميمونة وأبي رافع عليه ; لأنهما أعلم بحال الواقعة منه ; لأن ميمونة صاحبة الواقعة ، وأبو رافع هو الرسول المباشر لذلك . فلنفرض أن ابن عباس قال ذلك ، وأن أبا رافع وميمونة خلفاه ، وهما أعلم بالحال منه ; لأن لكل منهما تعلقا خاصا بنفس الواقعة ليس لابن عباس مثله .

ومن المرجحات التي رجح بها بعض العلماء حديث تزوجه - صلى الله عليه وسلم - ميمونة ، وهو حلال على حديث تزوجه إياها ، وهو محرم ، أن الأول : رواه أبو رافع ، وميمونة . والثاني : رواه ابن عباس وحده ، وما رواه الاثنان أرجح مما رواه الواحد كما هو مقرر في الأصول ، وإليه الإشارة بقول صاحب " مراقي السعود " في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي :
وكثرة الدليل والرواية مرجح لدى ذوي الدراية


كما تقدم في سورة البقرة . ولكن هذا الترجيح المذكور يرده ما ذكره ابن حجر في " فتح الباري " ، ولفظه : فالمشهور عن ابن عباس : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهو محرم " وصح نحوه عن عائشة وأبي هريرة . انتهى منه .

وعلى تقدير صحة ما ذكره ابن حجر فمن روى أن تزويجها في حالة الإحرام - أكثر .

[ ص: 24 ] فإن قيل : يرجح حديثهم إذا بالكثرة .

فالجواب : أنهم وإن كثروا فميمونة ، وأبو رافع أعلم منهم بالواقعة كما تقدم ، والمرجحات يرجح بعضها على بعض ، وضابط ذلك عند الأصوليين هو قوة الظن ، ومعلوم أن ما أخبرت به ميمونة - رضي الله عنها - عن نفسها ، وأخبر به الرسول بينها ، وبين زوجها - صلى الله عليه وسلم - الذي هو أبو رافع أقوى في ظن الصدق مما أخبر به غيرهما ، وأشار في " مراقي السعود " إلى ما ذكرنا بقوله :
قطب رحاها قوة المظنه فهي لدى تعارض مئنه


ومن أقوى الأدلة الدالة على أن حديث ابن عباس ، لا تنهض به الحجة ، على جواز عقد النكاح في حال الإحرام هو أنا لو سلمنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة ، وهو محرم ، لم تكن في ذلك حجة على جواز ذلك بالنسبة إلى أمته - صلى الله عليه وسلم - ; لأنه ثبت عنه في صحيح مسلم وغيره من حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ما يدل على منع النكاح في حال الإحرام وهو عام لجميع الأمة . والأظهر دخوله هو - صلى الله عليه وسلم - في ذلك العموم ، فإذا فعل فعلا يخالف ذلك العموم المنصوص عليه بالقول ، دل على أن ذلك الفعل خاص به - صلى الله عليه وسلم - لتحتم تخصيص ذلك العموم القولي بذلك الفعل . فيكون خاصا به - صلى الله عليه وسلم - .

وقد تقرر في الأصول : أن النص القولي العام الذي يشمل النبي بظاهر عمومه لا بنص صريح ، إذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلا يخالفه كان ذلك الفعل مخصصا لذلك العموم القولي ، فيكون ذلك الفعل خاصا به - صلى الله عليه وسلم - . وقد أشار صاحب " مراقي السعود " إلى ذلك في كتاب السنة بقوله :
في حقه القول بفعل خصا إن يك فيه القول ليس نصا


فإن قيل : لا حجة في حديث عثمان المذكور في صحيح مسلم ، على منع عقد النكاح في حال الإحرام ; لأن المراد بالنكاح فيه وطء الزوجة ، وهو حرام في حال الإحرام إجماعا ، وليس المراد به العقد .

فالجواب من أوجه :

الأول : أن في نفس الحديث قرينتين دالتين على أن المراد به عقد النكاح ، لا الوطء . الأولى : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في الحديث المذكور : " لا ينكح المحرم ، ولا ينكح " فقوله : " ولا ينكح " بضم الياء ، دليل على أن المراد : لا يزوج ، ولا يمكن أن يكون المراد بذلك [ ص: 25 ] الوطء ; لأن الولي إذا زوج قبل الإحرام ، وطلب الزوج وطء زوجه في حال إحرام وليها ، فعليه أن يمكنه من ذلك إجماعا ، فدل ذلك على أن المراد بقوله : " ولا ينكح " ليس الوطء بل التزويج ، كما هو ظاهر القرينة الثانية : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال أيضا : " ولا يخطب " ، والمراد خطبة المرأة التي هي طلب تزويجها ، وذلك دليل على أن المراد العقد ، لأنه هو الذي يطلب بالخطبة ، وليس من شأن وطء الزوجة أن يطلب بخطبة كما هو معلوم .

الوجه الثاني : أن أبان بن عثمان راوي الحديث ، وهو من أعلم الناس بمعناه ، فسره بأن المراد بقوله : " ولا ينكح " : أي لا يزوج ; لأن السبب الذي أورد فيه الحديث ، هو أنه أرسل له عمر بن عبيد الله حين أراد أن يزوج ابنه طلحة بن عمر ابنة شيبة بن جبير ، فأنكر عليه ذلك أشد الإنكار وبين له أن حديث عثمان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - دليل على منع عقد النكاح في حال الإحرام ، ولم يعلم أنه أنكر عليه أحد تفسيره الحديث ، بأن المراد بالنكاح فيه العقد لا الوطء .

الوجه الثالث : هو ما قدمنا من الأحاديث ، والآثار الدالة على منع التزويج في حال الإحرام ، كحديث ابن عمر ، عند أحمد : أنه سئل عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل ، وهو خارج من مكة : فأراد أن يعتمر أو يحج ، قال : لا تتزوجها وأنت محرم ، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه ، ا هـ .

فتراه صرح بأن النكاح المنهي عنه في الإحرام التزويج .

وقال الشوكاني في " نيل الأوطار " في حديث ابن عمر هذا : في إسناده أيوب بن عيينة ، وهو ضعيف وقد وثق ، وكالأثر الذي رواه مالك والبيهقي والدارقطني ، عن أبي غطفان بن طريف : أن أباه طريفا تزوج امرأة ، وهو محرم فرد عمر بن الخطاب نكاحه ، ا هـ .

وذلك دليل على أن عمر يفسر النكاح الممنوع في الإحرام بالتزويج ولا يخصه بالوطء . وقد روى البيهقي في " السنن الكبرى " بإسناده عن الحسن ، عن علي قال : من تزوج وهو محرم نزعنا منه امرأته .

وروى بإسناده أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه : أن عليا - رضي الله عنه - قال : لا ينكح المحرم ، فإن نكح رد نكاحه . وروي بإسناده أيضا عن شوذب مولى زيد بن ثابت : أنه تزوج ، وهو محرم ، ففرق بينهما زيد بن ثابت .

[ ص: 26 ] قال : وروينا في ذلك عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - وروي بإسناده أيضا عن قدامة بن موسى قال : تزوجت ، وأنا محرم فسألت سعيد بن المسيب فقال : يفرق بينهما ، وروي بإسناده أيضا عن سعيد بن المسيب : أن رجلا تزوج ، وهو محرم فأجمع أهل المدينة على أن يفرق بينهما .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : الذي يظهر لي رجحانه بالدليل ، هو أن إحرام أحد الزوجين أو الولي مانع من عقد النكاح ; لحديث عثمان الثابت في صحيح مسلم ، ولما قدمنا من الآثار الدالة على ذلك ، ولم يثبت في كتاب الله ، ولا سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - شيء يعارض ذلك الحديث . وحديث ابن عباس معارض بحديث ميمونة ، وأبي رافع ، وقد قدمنا لك أوجه ترجيحهما عليه . ولو فرضنا أن حديث ابن عباس ، لم يعارضه معارض ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة ، وهو محرم . فهذا فعل خاص لا يعارض عموما قوليا لوجوب تخصيص العموم القولي المذكور بذلك الفعل كما تقدم إيضاحه .

أما ما رواه أبو داود في سننه : حدثنا ابن بشار ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا سفيان ، عن إسماعيل بن أمية ، عن رجل ، عن سعيد بن المسيب قال : وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم ، فلا تنهض به حجة على توهيم ابن عباس ; لأن الراوي عن سعيد ، لم تعرف عينه كما ترى ، وما احتج به كل واحد من المتنازعين في هذه المسألة من الأقيسة كقياس من أجاز النكاح في الإحرام ، النكاح على شراء الأمة في الإحرام لقصد الوطء ، وكقياس من منعه النكاح في الإحرام على نكاح المعتدة بجامع أن كلا منهما لا يعقبه جواز التلذذ ; كالوطء والقبلة تركناه وتركنا مناقشته ، لأن هذه المسألة من المسائل المنصوصة فلا حاجة فيها إلى القياس ، مع أن كل الأقيسة التي استدل بها الطرفان لا تنهض بها حجة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #348  
قديم 29-08-2022, 11:19 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,415
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الخامس
الحلقة (346)
سُورَةُ الْحَجِّ
صـ 27 إلى صـ 34





فروع تتعلق بهذه المسألة

التي هي ما يمتنع بالإحرام على المحرم حتى يحل من إحرامه

الفرع الأول : اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي : أن المحرم يجوز له أن يرتجع مطلقته في حال الإحرام ; لأن الرجعة ليست بنكاح مؤتنف ; لأنها لا يحتاج فيها إلى عقد ، ولا صداق ، ولا إلى إذن الولي ولا الزوجة فلا تدخل في قوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا ينكح المحرم ولا ينكح " وجواز الرجعة في الإحرام هو قول جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة ، وأصحابهم : [ ص: 27 ] مالك ، والشافعي وأبو حنيفة ، وهو إحدى الروايتين ، عن الإمام أحمد ، وعزاه النووي في " شرح المهذب " لعامة العلماء إلا رواية عن الإمام أحمد .

وقال ابن قدامة في " المغني " في شرحه قول الخرقي : وللمحرم أن يتجر ويصنع الصنائع ، ويرتجع امرأته - ما نصه :

فأما الرجعة : فالمشهور إباحتها ، وهو قول أكثر أهل العلم ، وفيه رواية ثانية أنها لا تباح . إلى أن قال : وجه الرواية الصحيحة : أن الرجعية زوجة والرجعة إمساك بدليل قوله تعالى : فأمسكوهن بمعروف [ 65 \ 2 ] فأبيح ذلك كالإمساك قبل الطلاق . انتهى محل الغرض منه .

وقال مالك في " الموطأ " في الرجل المحرم : أنه يراجع امرأته ، إذا كانت في عدة منه . وذكر النووي عن الخراسانيين من الشافعية وجهين ، أصحهما : جواز الرجعة ، والثاني : منعها في الإحرام .

الفرع الثاني : اعلم أن التحقيق أن الولي إذا وكل وكيلا على تزويج وليته ، فلا يجوز لذلك الوكيل تزويجها بالوكالة في حالة إحرامه ; لأنه يدخل في عموم الحديث المذكور ، وكذلك وكيل الزوج .

الفرع الثالث : اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي : أن السلطان لا يجوز له أن يزوج بالولاية العامة في حال إحرامه ، لدخوله في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا ينكح المحرم ولا ينكح " فلا يجوز إخراج السلطان من هذا العموم ، إلا بدليل خاص به من كتاب أو سنة ، ولم يرد بذلك دليل ; فالتحقيق منع تزويجه في الإحرام ، وهو قول جمهور العلماء خلافا لبعض الشافعية القائلين : يجوز ذلك للسلطان ، ولا دليل معهم من كتاب ولا سنة ، وإنما يحتجون بأن الولاية العامة أقوى من الولاية الخاصة . بدليل أن الولي المسلم الخاص ، لا يزوج الكافرة بخلاف السلطان ، فله عندهم أن يزوج الكافرة بالولاية العامة .

الفرع الرابع : اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي : أن للشاهد المحرم أن يشهد على عقد نكاح ; لأن الشاهد لا يتناوله حديث : " لا ينكح المحرم ، ولا ينكح " لأن عقد النكاح بالإيجاب والقبول والشاهد لا صنع له في ذلك ، وخالف في ذلك أبو سعيد الإصطخري من الشافعية ، قائلا : إن شهادة الشاهد ركن في العقد ، فلم تجز في حال الإحرام كالولي ، وكره بعض أهل العلم للمحرم أن يشهد على النكاح .

[ ص: 28 ] الفرع الخامس : الأظهر عندي : أن المحرم لا يجوز له أن يخطب امرأة ، وكذلك المحرمة ، لا يجوز للرجل خطبتها لما تقدم من حديث عثمان ، عند مسلم : " لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب " فالظاهر أن حرمة الخطبة كحرمة النكاح ، لأن الصيغة فيهما متحدة ، فالحكم بحرمة أحدهما دون الآخر ، يحتاج إلى دليل خاص ، ولا دليل عليه . والظاهر من الحديث حرمة النكاح وحرمة وسيلته التي هي الخطبة كما تحرم خطبة المعتدة .

وبه تعلم أن ما ذكره كثير من أهل العلم من أن الخطبة لا تحرم في الإحرام ، وإنما تكره أنه خلاف الظاهر من النص ولا دليل عليه ، وما استدل به بعض أهل العلم من الشافعية وغيرهم : على أن المتعاطفين قد يكون أحدهما مخالفا لحكم الآخر ; كقوله تعالى : كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده الآية [ 6 \ 141 ] . قالوا : الأكل مباح وإيتاء الحق واجب ، لا دليل فيه ; لأن الأمر بالأكل معلوم أنه ليس للوجوب ، بخلاف قوله في الحديث " ولا يخطب " فلا دليل على أنه ليس للتحريم ، كقوله قبله : " لا ينكح المحرم " .

الفرع السادس : إذا وقع عقد النكاح في حال إحرام أحد الزوجين أو الولي ، فالعقد فاسد ، ولا يحتاج إلى فسخه بطلاق ; كما هو ظاهر الآثار التي قدمنا ، ومذهب مالك وأحمد : أنه يفسخ بطلاق مراعاة لقول من أجازه كأبي حنيفة ومن تقدم ذكرهم .

الفرع السابع : أظهر قولي أهل العلم عندي : أنه إذا وكل حلال حلالا في التزويج ، ثم أحرم أحدهما أو المرأة أن الوكالة لا تنفسخ بذلك ، بل له أن يزوج بعد التحلل بالوكالة السابقة ، خلافا لمن قال : تنفسخ الوكالة بذلك ، والتحقيق أن الوكيل إذا كان حلالا والموكل محرما ، فليس للوكيل الحلال عقد النكاح ، قبل تحلل موكله خلافا لمن حكى وجها بجواز ذلك ، ولا شك أن تجويز ذلك غلط .
الفرع الثامن : اعلم أنا قدمنا في أول الكلام على هذه المسألة : أن الإحرام يحرم بسببه على المحرم وطء امرأته في الفرج ومباشرتها فيما دون الفرج ; لقوله تعالى : فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج [ 2 \ 197 ] وقد قدمنا أن الرفث شامل للجماع ، ومقدماته . وقد أردنا في هذا الفرع أن نبين ما يلزمه لو فعل شيئا من ذلك ، ولا خلاف بين أهل العلم : أن المحرم إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفات : أن [ ص: 29 ] حجه يفسد بذلك ، ولا خلاف بينهم أنه لا يفسد الحج من محظورات الإحرام ، إلا الجماع خاصة ، وإذا فسد حجه بجماعه قبل الوقوف بعرفات : فعليه إتمام حجه هذا الذي أفسده وعليه قضاء الحج ، وعليه الهدي . وهو عند مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وجماعات من الصحابة بدنة ، وقال أبو حنيفة : عليه شاة ، وقال داود : هو مخير بين بدنة وبقرة وشاة ، فإن كان جماعه بعد الوقوف بعرفات ، وقبل رمي جمرة العقبة ، وطواف الإفاضة فحجه فاسد عند مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله .

وقال أبو حنيفة - رحمه الله - : حجه صحيح ، وعليه أن يهدي بدنة متمسكا بظاهر حديث : " الحج عرفة " وإن كان جماعه بعد رمي جمرة العقبة ، وقبل طواف الإفاضة : فحجه صحيح عند الجميع ، وعند الشافعي : تلزمه فدية ، وعند أبي حنيفة : إن جامع بعد الحلق : فعليه شاة ، وإن جامع قبل الحلق ، وبعد الوقوف : فعليه بدنة .

وعن أحمد روايتان : فيما يلزمه هل هو شاة ، أو بدنة ، ومذهب مالك : أن حجه صحيح ، وعليه هدي وعمرة ، ووجهه عنده أن الجماع لما كان بعد التحلل الأول برمي جمرة العقبة ، لم يفسد به الحج ، ولكنه وقع فيه نقص بسبب الجماع قبل التحلل الثاني ، فكان هذا النقص عنده يجبر بالعمرة والهدي .

وفي " الموطأ " قال مالك في رجل وقع بامرأته في الحج ، ما بينه وبين أن يدفع من عرفة ، ويرمي الجمرة أنه يجب عليه الهدي وحج قابل ، قال : فإن كانت إصابته أهله بعد رمي الجمرة ، فإنما عليه أن يعتمر ويهدي ، وليس عليه حج قابل ، ا هـ .

ونقل الباجي عن مالك : أن محل فساد الحج بالجماع قبل الرمي والإفاضة وبعد الوقوف بعرفة ، فيما إذا كان الوطء واقعا يوم النحر ، أما إن أخر رمي جمرة العقبة ، وطواف الإفاضة معا عن يوم النحر ، وجامع قبلهما : فلا يفسد حجه : وعليه عمرة وهديان : هدي لوطئه ، وهدي لتأخير رمي الجمرة انتهى منه بواسطة نقل المواق في شرحه لمختصر خليل في الكلام على قوله : والجماع ومقدماته ، وأفسد مطلقا كاستدعاء مني ، وإن ينظر قبل الوقوف مطلقا ، إن وقع قبل إفاضته وعقبه يوم النحر أو قبله وإلا فهدي ، ا هـ .

فتحصل : أن الجماع قبل الوقوف بعرفات مفسد للحج ، عند الأئمة الأربعة وبعد التحلل الأول ، وقبل الثاني : لا يفسد الحج عند الأربعة .

وقد عرفت مما قدمنا ما يقع به التحلل عند كل واحد منهم ، وإن وقع بعد الوقوف [ ص: 30 ] بعرفة ، وقبل التحلل : أفسد عند الثلاثة ، خلافا لأبي حنيفة كما تقدم إيضاحه قريبا .

وإذا عرفت أقوال أهل العلم في الجماع ، فاعلم أنهم متفقون على مقدمات الجماع كالقبلة ، والمفاخذة ، واللمس بقصد اللذة حرام على المحرم .

ولكنهم اختلفوا فيما يلزمه لو فعل شيئا من ذلك : فمذهب مالك وأصحابه : أن كل تلذذ بمباشرة المرأة من قبلة ، أو غيرها ، إذا حصل معه إنزال أفسد الحج . وقد بينا قريبا ما يلزم من أفسد حجه حتى إنه لو أدام النظر بقصد اللذة فأنزل : فسد عند مالك حجه ، ولو أنزل بسبب النظرة الأولى من غير إدامة : لم يفسد حجه عند مالك ، وعليه الهدي . أما إذا تلذذ بالمرأة بما دون الجماع ، ولم ينزل فإن كان بتقبيل الفم : فعليه هدي ، والقبلة حرام على المحرم مطلقا عند مالك ، وأما إن كان بغير القبلة كاللمس باليد ، فهو ممنوع إن قصد به اللذة ، وإن لم يقصدها به ، فليس بممنوع ، ولا هدي فيه ولو قصد به اللذة ، وإنما عليه الإثم إلا إذا حصل بسببه مذي فيلزم فيه الهدي ، ومحل هذا عندهم في غير الملاعبة الطويلة والمباشرة الكثيرة ففيها الهدي .

فتحصل : أن مذهب مالك فساد الحج بمقدمات الجماع ، إن أنزل ، وإن لم ينزل ففي القبلة خاصة مطلقا : هدي وكذلك كل تلذذ خرج بسببه مذي ، وكذلك الملاعبة الطويلة والمباشرة الكثيرة ، وما عدا ذلك من التلذذ ، فليس فيه إلا التوبة والاستغفار ، ولا يفسد الحج عنده إلا بالجماع ، أو الإنزال . ومذهب أبي حنيفة - رحمه الله - : أن التلذذ بما دون الجماع كالقبلة ، واللمس بشهوة ، والمفاخذة ونحو ذلك : يلزم بسببه دم ، وسواء عنده في ذلك أنزل أو لم ينزل ، ولو ردد النظر إلى امرأته حتى أمنى ، فلا شيء عليه عند أبي حنيفة .

ومذهب الشافعي - رحمه الله - : هو أنه إن باشر امرأته فيما دون الفرج بشهوة أو قبلها بشهوة : أن عليه فدية الأذى والاستمناء عنده ، كالمباشرة فيما دون الفرج . وصحح بعض الشافعية : أن عليه شاة ، ولو ردد النظر إلى امرأته ، حتى أمنى ، فلا شيء عليه عند الشافعي . ومذهب الإمام أحمد - رحمه الله - : أنه إن وطئ فيما دون الفرج ، ولم ينزل : فعليه دم ، وإن أنزل : فعليه بدنة . وفي فساد حجه روايتان :

إحداهما : أنه إن أنزل فسد حجه ، وعليه بدنة وبها جزم الخرقي .

وقال في " المغني " : في هذه الرواية اختارها الخرقي وأبو بكر ، وهو قول عطاء ، [ ص: 31 ] والحسن ، والقاسم بن محمد ، ومالك ، وإسحاق .

والرواية الثانية : أنه إن أنزل فعليه بدنة ، ولا يفسد حجه .

وقال ابن قدامة في " المغني " : في هذه الرواية : وهي الصحيحة ، إن شاء الله ; لأنه استمتاع لا يجب بنوعه حد فلم يفسد الحج كما لو لم ينزل ، ولأنه لا نص فيه ولا إجماع ، ولا هو في معنى المنصوص عليه . انتهى محل الغرض منه .

وما ذكرنا عن أحمد : من أنه إن أنزل تلزمه بدنة : أي سواء قلنا بفساد الحج ، أو عدم فساده ، وممن قال بلزوم البدنة في ذلك : الحسن ، وسعيد بن جبير ، والثوري ، وأبو ثور ، كما نقله عنهم صاحب " المغني " . وإن قبل امرأته ، ولم ينزل أو أنزل جرى على حكم الوطء فيما دون الفرج ، وقد أوضحناه قريبا .

وإن نظر إلى امرأته ، فصرف بصره ، فأمنى فعليه دم عند أحمد ، وإن كرر النظر ، حتى أمنى : فعليه بدنة عنده .

وقد قدمنا عن مالك : أنه إن كرر النظر ، حتى أمنى فسد حجه ، وهو مروي عن الحسن وعطاء .

واعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي : أن الحج الفاسد بالجماع يجب قضاؤه فورا في العام القابل ، خلافا لمن قال : إنه على التراخي ، ودليل ذلك الآثار التي ستراها إن شاء الله في الكلام على أدلة هذا المبحث .

وأظهر قولي أهل العلم عندي أيضا - أن الزوجين اللذين أفسدا حجهما يفرق بينهما إذا أحرما بحجة القضاء لئلا يفسدا حجة القضاء أيضا بجماع آخر ، كما يدل عليه بعض الآثار المروية عن الصحابة ، والأظهر أيضا : أن الزوجة إن كانت مطاوعة له في الجماع يلزمها مثل ما يلزم الرجل من الهدي والمضي في الفاسد والقضاء في العام القابل ، خلافا لمن قال : يكفيهما هدي واحد . والأظهر أنه إن أكرهها : لا هدي عليها . وإذا علمت أقوال أهل العلم في جماع المحرم ، ومباشرته بغير الجماع ، فاعلم أن غاية ما دل عليه الدليل : أن ذلك لا يجوز في الإحرام ; لأن الله تعالى نص على ذلك في قوله تعالى : فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج [ 2 \ 197 ] ، أما أقوالهم في فساد الحج وعدم فساده ، وفيما يلزم في ذلك ، فليس على شيء من أقوالهم في ذلك دليل من كتاب ولا سنة ، وإنما يحتجون بآثار مروية عن الصحابة . ولم أعلم بشيء [ ص: 32 ] مروي في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا حديثا منقطعا لا تقوم بمثله حجة : وهو ما رواه أبو داود في المراسيل ، والبيهقي في سننه : أخبرنا أبو بكر محمد بن صالح ، أنبأ أبو الحسن عبد الله بن إبراهيم الفسوي الداودي ، ثنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي ، ثنا أبو داود السجستاني ، ثنا أبو توبة ، ثنا معاوية يعني : ابن سلام ، عن يحيى قال : أخبرني يزيد بن نعيم أو زيد بن نعيم : شك أبو توبة : أن رجلا من جذام جامع امرأته ، وهما محرمان ، فسأل الرجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لهما " اقضيا نسككما وأهديا هديا ، ثم ارجعا حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا ولا يرى واحد منكما صاحبه ، وعليكما حجة أخرى فتقبلان حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فأحرما وأتما نسككما واهديا " .

هذا منقطع ، وهو يزيد بن نعيم الأسلمي بلا شك ، انتهى من البيهقي . وتراه صرح بأنه منقطع وانقطاعه ظاهر ; لأن يزيد بن نعيم المذكور من صغار التابعين . وقال الزيلعي في " نصب الراية " بعد أن ذكر الحديث المذكور ، عند أبي داود في المراسيل ، والبيهقي ، وذكر قول البيهقي : أنه منقطع - ما نصه : وقال ابن القطان في كتابه : هذا حديث لا يصح ، فإن زيد بن نعيم مجهول ، ويزيد بن نعيم بن هزال ثقة . وقد شك أبو توبة ، ولا يعلم عمن هو منهما ، ولا عمن حدثهم به معاوية بن سلام ، عن يحيى بن أبي كثير ، فهو لا يصح . قال ابن القطان : وروى ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن ابن المسيب : أن رجلا من جذام جامع امرأته ، وهما محرمان ، فسأل الرجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لهما : " أتما حجكما ، ثم ارجعا ، وعليكما حجة أخرى ، فإذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما ، فأحرما وتفرقا ، ولا يرى واحد منكما صاحبه ، ثم أتما نسككما واهديا " انتهى .

قال ابن القطان : وفي هذا أنه أمرهما بالتفرق في العودة ، لا في الرجوع . وحديث المراسيل على العكس منه ، قال : وهذا ضعيف أيضا بابن لهيعة ، انتهى كلامه . انتهى محل الغرض منه من " نصب الراية " للزيلعي .

وإذا كانت هذه المسألة المذكورة ليس فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا هذا الحديث المنقطع سنده تبين : أن عمدة الفقهاء فيها على الآثار المروية عن الصحابة ، فمن ذلك ما رواه مالك في " الموطأ " بلاغا أن عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وأبا هريرة - رضي الله عنهم - سألوا عن رجل أصاب أهله ، وهو محرم بالحج ؟ فقالوا : ينفذان يمضيان لوجههما حتى يقضيا حجهما ثم عليهما حج قابل والهدي . قال : وقال علي بن أبي طالب - رضي الله [ ص: 33 ] عنه - : وإذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما ، ا هـ .

وهذا الأثر عن هؤلاء الصحابة منقطع أيضا كما ترى .

وفي " الموطأ " أيضا : عن مالك ، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : ما ترون في رجل وقع بامرأته وهو محرم ؟ فلم يقل له القوم شيئا . فقال سعيد : إن رجلا وقع بامرأته ، وهو محرم ، فبعث إلى المدينة يسأل عن ذلك ، فقال بعض الناس : يفرق بينهما إلى عام قابل ، فقال سعيد بن المسيب : لينفذا لوجههما فليتما حجهما الذي أفسداه ، فإذا فرغا رجعا ، فإن أدركهما حج قابل فعليهما الحج والهدي ، ويهلان من حيث أهلا بحجهما الذي أفسداه ويتفرقان ، حتى يقضيا حجهما . قال مالك : يهديان جميعا بدنة بدنة .

قال مالك في رجل وقع بامرأته في الحج ما بينه وبين أن يدفع من عرفة ، ويرمي الجمرة : إنه يجب عليه الهدي وحج قابل ، فإن كانت إصابته أهله بعد رمي الجمرة ، فإنما عليه أن يعتمر ، ويهدي ، وليس عليه حج قابل .

قال مالك : والذي يفسد الحج أو العمرة التقاء الختانين ، وإن لم يكن ماء دافق . قال : ويوجب ذلك أيضا الماء الدافق ، إذا كان من مباشرة ، فأما رجل ذكر شيئا حتى خرج منه ماء دافق ، فلا أرى عليه شيئا ، ولو أن رجلا قبل امرأته ، ولم يكن من ذلك ماء دافق ، لم يكن عليه في القبلة إلا الهدي ، وليس على المرأة التي يصيبها زوجها ، وهي محرمة مرارا في الحج أو العمرة ، وهي له في ذلك مطاوعة : إلا الهدي وحج قابل ، إن أصابها في الحج ، وإن كان أصابها في العمرة ، فإنما عليها قضاء العمرة التي أفسدت والهدي ، ا هـ . وفي " الموطأ " أيضا ، عن مالك عن أبي الزبير المكي ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - : أنه سئل عن رجل وقع بأهله ، وهو بمنى ، قبل أن يفيض ، فأمره أن ينحر بدنة . وفي " الموطأ " أيضا عن مالك عن ثور بن زيد الديلي ، عن عكرمة مولى ابن عباس أنه قال : الذي يصيب أهله قبل أن يفيض يعتمر ويهدي . وفي " الموطأ " أيضا عن مالك : أنه سمع ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول في ذلك مثل قول عكرمة ، عن ابن عباس . قال مالك : وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك . انتهى محل الغرض منه .

وروى البيهقي بإسناده ، عن عطاء : أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال في محرم بحجة أصاب امرأته : يعني وهي محرمة ؟ قال : يقضيان حجهما وعليهما الحج من [ ص: 34 ] قابل من حيث كانا أحرما ، ويفترقان حتى يتما حجهما ، قال : وقال عطاء : وعليهما بدنة ، إن أطاعته ، أو استكرهها ، فإنما عليهما بدنة واحدة ، ا هـ . وهذا الأثر منقطع أيضا ; لأن عطاء لم يدرك عمر - رضي الله عنه - وروى البيهقي بإسناده أيضا : أن مجاهدا سئل عن المحرم ، يواقع امرأته ؟ فقال : كان ذلك على عهد عمر - رضي الله عنه - قال : يقضيان حجهما والله أعلم بحجهما ، ثم يرجعان حلالا ، كل واحد منهما لصاحبه ، فإذا كان من قابل حجا وأهديا ، وتفرقا في المكان الذي أصابها فيه .

وروى البيهقي بإسناده أيضا ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : في رجل وقع على امرأته وهو محرم ؟ قال : اقضيا نسككما ، وارجعا إلى بلدكما ، فإذا كان عام قابل فاخرجا حاجين ، فإذا أحرمتما فتفرقا ، ولا تلتقيا حتى تقضيا نسككما ، واهديا هديا . وفي رواية : ثم أهلا من حيث أهللتما أول مرة ، ا هـ . قال النووي في هذا الأثر الذي رواه البيهقي عن ابن عباس : إسناده صحيح . وروى البيهقي بإسناده ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه : أن رجلا أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأته ؟ فأشار إلى عبد الله بن عمر فقال : اذهب إلى ذلك فسله . قال شعيب : فلم يعرفه الرجل ، فذهبت معه ، فسأل ابن عمر فقال : بطل حجك . فقال الرجل : فما أصنع ؟ قال : اخرج مع الناس واصنع ما يصنعون ، فإذا أدركت قابلا ، فحج واحد ، فرجع إلى عبد الله بن عمرو ، وأنا معه فأخبره ، فقال : اذهب إلى ابن عباس فسله ، قال شعيب : فذهبت معه إلى ابن عباس فسأله فقال له كما قال ابن عمر ، فرجع إلى عبد الله بن عمرو ، وأنا معه ، فأخبره بما قال ابن عباس ، ثم قال : ما تقول أنت ؟ فقال : قولي مثل ما قالا ، ا هـ . ثم قال البيهقي : هذا إسناد صحيح ، وفيه دليل على صحة سماع شعيب بن محمد بن عبد الله عن جده بن عمرو بن العاص ، فترى هذا الأثر عن هؤلاء الصحابة الثلاثة فيه ذلك الحكم عنهم بإسناد صحيح .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #349  
قديم 29-08-2022, 11:22 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,415
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الخامس
الحلقة (347)
سُورَةُ الْحَجِّ
صـ 35 إلى صـ 42





وروى البيهقي أيضا من طرق أخرى ، عن ابن عباس مثل ذلك ، وفي بعض الروايات عن ابن عباس : أن على كل واحد منهما بدنة ، وفي بعضها : أنهما تكفيهما بدنة واحدة ، فهذه الآثار عن الصحابة وبعض خيار التابعين هي عمدة الفقهاء في هذه المسألة .
الفرع التاسع : اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندي : أنه إذا جامع مرارا قبل أن يكفر كفاه هدي واحد ، وإن كان كفر لزمته بالجماع الثاني كفارة أخرى ، كما أنه إن زنى مرارا قبل إقامة الحد عليه كفاه حد واحد إجماعا ، وإن زنى بعد إقامة الحد عليه لزمه حد آخر ، [ ص: 35 ] وهذا هو مذهب الإمام أحمد ، وممن قال به بأنه يكفيه هدي واحد مطلقا : مالك ، وإسحاق ، وعطاء .

والأصح في مذهب الشافعي : أنه يلزمه في الجماع الأول بدنة ، وفي كل مرة بعد ذلك شاة . وعن أبي ثور : تلزمه بكل مرة بدنة ، وهو رواية عن أحمد .

وعن أبي حنيفة : إن كان ذلك في مجلس واحد . فدم واحد وإلا فدمان .

واعلم أنهم اختلفوا فيما إذا جامع ناسيا لإحرامه ؟ ومذهب أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد : أن العمد والنسيان سواء بالنسبة إلى فساد الحج ، وهو قول للشافعي ، وهو قوله القديم . وقال في الجديد : إن وطئ ناسيا أو جاهلا لا يفسد حجه ولا شيء عليه ، أما إن قبل امرأته ناسيا لإحرامه ، فليس عليه شيء عند الشافعي وأصحابه قولا واحدا .

وقال ابن قدامة في " المغني " :

ينبغي أن يكون الأمر كذلك في المذهب الحنبلي .

واعلم أن الجماع المفسد للحج هو التقاء الختانين الموجب للحد والغسل ، كما قدمناه في كلام مالك في " الموطأ " ، والأظهر أن الإتيان في الدبر كالجماع في إفساد الحج ، وكذلك الزنا أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من فعل كل ما لا يرضي الله تعالى .

وقد قدمنا أن أظهر قولي أهل العلم عندنا أنه يفرق بين الزوجين اللذين أفسدا حجهما ، وذلك التفريق بينهما في حجة القضاء . لا في جميع السنة .

وظاهر الآثار المتقدمة أن ذلك التفريق بينهما إنما يكون من الموضع الذي جامعها فيه ، وعن مالك : يفترقان من حيث يحرمان ، ولا ينتظر موضع الجماع ، وهو رواية عن أحمد ، وهو أظهر . وعن مالك وأحمد : أن التفريق المذكور واجب وهو قول أو وجه عند الشافعية ، والثاني عندهم : أنه مستحب وهو وجه أيضا عن الحنابلة ، وممن قال بالتفريق بينهما : عمر بن الخطاب ، وعثمان ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، والثوري ، وإسحاق ، وابن المنذر . كما نقله عنهم النووي في " شرح المهذب " ونقله ابن قدامة في " المغني " ، عن عمر ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، والنخعي والثوري ، وأصحاب الرأي وغيرهم ، وعن أبي حنيفة وعطاء : لا يفرق بينهما ، ولا يفترقان قياسا على الجماع في نهار رمضان ، فإنهما إذا قضيا اليوم الذي أفسداه لا يفرق بينهما .

واعلم أنا قدمنا خلاف العلماء في الهدي الذي على المفسد حجه بالجماع ، وذكرنا أنه عند مالك والشافعي وأحمد : بدنة ، وهو قول جماعات من الصحابة وغيرهم منهم ابن [ ص: 36 ] عباس ، وطاوس ، ومجاهد ، والثوري ، وأبو ثور ، وإسحاق ، وغيرهم . ولم نتكلم على ما يلزمه إن عجز عن البدنة ، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم ، فذهب بعضهم إلى أنه إن عجز عن البدنة كفته شاة ، وممن قال به الثوري ، وإسحاق ، وذهب بعضهم : إلى أنه إن لم يجد بدنة فبقرة ، فإن لم يجد بقرة فسبع من الغنم ، فإن لم يجد أخرج بقيمة البدنة طعاما ، فإن لم يجد صام عن كل مد يوما ، وهذا هو مذهب الشافعي ، وبه قال جماعة من أهل العلم . وعن أحمد رواية : أنه مخير بين هذه الخمسة المذكورة .

واعلم أن المفسد حجه بالجماع إذا قضاه على الوجه الذي أحرم به في حجه الفاسد ، كأن يكون في حجه الفاسد مفردا ويقضيه مفردا أو قارنا ، ويقضيه قارنا فلا إشكال في ذلك وكذلك إن كان مفردا في الحج الذي أفسده وقضاه قارنا فلا إشكال ; لأنه جاء بقضاء الحج مع زيادة العمرة ، وأما إذا كان قارنا في الحج الذي أفسده ثم قضاه مفردا ، فالظاهر أن الدم اللازم له بسبب القران لا يسقط عنه بإفراده في القضاء ، خلافا لمن زعم ذلك .

وقال النووي في " شرح المهذب " : إذا وطئ القارن ، فسد حجه وعمرته ، ولزمه المضي في فاسدهما ، وتلزمه بدنة للوطء ، وشاة بسبب القران ، فإذا قضى لزمته أيضا شاة أخرى ، سواء قضى قارنا ، أم مفردا لأنه توجب عليه القضاء قارنا ، فإذا قضى مفردا لا يسقط عنه دم القران . قال العبدري : وبهذا كله قال مالك ، وأحمد .

وقال أبو حنيفة : إن وطئ قبل طواف العمرة ، فسد حجه وعمرته ، ولزمه المضي في فاسدهما والقضاء ، وعليه شاتان : شاة لإفساد الحج ، وشاة لإفساد العمرة ويسقط عنه دم القران ، فإن وطئ بعد طواف العمرة فسد حجه ، وعليه قضاؤه وذبح شاة ، ولا تفسد عمرته فتلزمه بدنة بسببها ، ويسقط عنه دم القران .

قال ابن المنذر ، وممن قال يلزمه هدي واحد : عطاء ، وابن جريج ، ومالك ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور . وقال الحكم : يلزمه هديان انتهى من " شرح المهذب " .

وقد قدمنا أن الأظهر عندنا : أن الزوجين المفسدين حجهما بالجماع تلزم كل واحد منهما بدنة ، إن كانت مطاوعة له ، وهو مذهب مالك . وبه قال النخعي ، وهو أحد القولين للشافعي .

قال النووي : قال ابن المنذر : وأوجب ابن عباس ، وابن المسيب ، والضحاك والحكم ، وحماد ، والثوري ، وأبو ثور على كل واحد منهما هديا ، وقال النخعي ومالك : [ ص: 37 ] على كل واحد منهما بدنة .

وقال أصحاب الرأي : إن كان قبل عرفة ، فعلى كل واحد منهما شاة ، وعن أحمد روايتان :

إحداهما : يجزئهما هدي واحد .

والثانية : على كل واحد منهما هدي ، وقال عطاء وإسحاق : لزمهما هدي واحد .
الفرع العاشر : إذا جامع المحرم بعمرة قبل طوافه : فسدت عمرته إجماعا ، وعليه المضي في فاسدها والقضاء والهدي ، فإن كان جماعه بعد الطواف ، وقبل السعي فعمرته فاسدة أيضا عند الشافعي ، وأحمد ، وأبي ثور ، وهو مذهب مالك فعليه إتمامها ، والقضاء والدم ، وقال عطاء : عليه شاة ، ولم يذكر القضاء . وقال أبو حنيفة : إن جامع المعتمر بعد أن طاف بالبيت أربعة أشواط لم تفسد عمرته ، وعليه دم ، وإن طاف ثلاثة أشواط ، فسدت ، وعليه إتمامها والقضاء ودم ، وأما إن كان جماعه بعد الطواف والسعي ، ولكنه قبل الحلق ، فلم يقل بفساد عمرته إلا الشافعي .

قال ابن المنذر : ولا أحفظ هذا عن غير الشافعي . وقال ابن عباس ، والثوري ، وأبو حنيفة : عليه دم ، وقال مالك : عليه الهدي ، وعن عطاء : أنه يستغفر الله ، ولا شيء عليه ، قال ابن المنذر : قول ابن عباس أعلى . انتهى بواسطة نقل النووي .

وأظهر قولي أهل العلم عندي : أن المحرمة التي أكرهها زوجها على الوطء حتى أفسد حجها أو عمرتها بذلك ، أن جميع التكاليف اللازمة لها بسبب حجة القضاء من نفقات سفرها في الحج ، كالزاد والراحلة والهدي اللازم لها كله على الزوج ; لأنه هو الذي تسبب لها في ذلك وإن كانت بانت منه ، ونكحت غيره ، وأنه إن كان عاجزا لفقره صرفت ذلك من مالها ، ثم رجعت عليه بذلك ، إن أيسر ، وهذا مذهب مالك وأصحابه وعطاء ، ومن وافقهم ، خلافا لمن قال : إن جميع تكاليف حجة القضاء في مالها لا في مال الزوج ، وهو قول بعض أهل العلم .

قال الشيخ شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق ، شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي ما نصه : قال في " شرح الطحاوي " : أما المرأة إذا كانت نائمة ، أو جامعها صبي أو مجنون ، فذلك كله سواء ، ولا ترجع المرأة من ذلك بما لزمها على المكره ; لأن ذلك شيء لزمها فيما بينها ، وبين الله غير مجبور عليه كرجل أكره على [ ص: 38 ] النذر ، فإنه يلزمه ، فإذا أدى ما لزمه ، فإنه لا يرجع على المكره ، كذلك هنا انتهى إتقاني - رحمه الله تعالى - . انتهى كلام الشلبي في حاشيته .

وقال في موضع آخر من حاشيته المذكورة : ثم إذا كانت مكرهة حتى فسد حجها ولزمها دم ، هل ترجع على الزوج ، عن أبي شجاع : لا ، وعن القاضي أبي حازم : نعم ، ا هـ .

وقد ذكرنا أن الأظهر عندنا لزوم ذلك لزوجها الذي أكرهها ، ووجهه ظاهر جدا ; لأن سببه هو جنايته بالجماع ، الذي لا يجوز له شرعا ، ومن تسبب في غرامة إنسان بفعل حرام ، فإلزامه تلك الغرامة لا شك في ظهور وجهه ، والعلم عند الله تعالى .

وقال ابن قدامة في " المغني " : في مذهب أحمد في هذه المسألة ما نصه : وإذا كانت المرأة مكرهة على الجماع ، فلا هدي عليها ، ولا على الرجل أن يهدي عنها نص عليه أحمد ; لأنه جماع يوجب الكفارة ، فلم يجب به حال الإكراه أكثر من كفارة واحدة كما في الصيام ، وهذا قول إسحاق ، وأبي ثور ، وابن المنذر .

وعن أحمد رواية أخرى : أن عليه أن يهدي عنها ، وهو قول عطاء ، ومالك ; لأن إفساد الحج وجد منه في حقها ، فكان عليه لإفساده حجها هدي قياسا على حجه ، وعنه ما يدل على أن الهدي عليها ; لأن فساد الحج ثبت بالنسبة إليها ، ويحتمل أنه أراد أن الهدي عليها ، ويتحمله الزوج عنها ، فلا يكون رواية ثالثة . انتهى منه .

وفي مذهب الشافعي في هذه المسألة وجهان ، الأصح منهما عند أصحاب الشافعي وجوب ذلك على الزوج ; كما بينه النووي في " شرح المهذب " . كما إن كانت مطاوعة له ، فالأظهر أن على كل واحد منهما تكاليف حجة القضاء ، وكل ما سببه الوطء المذكور ; لأنهما سواء فيه ، ولا ينبغي العدول عن ذلك .
الفرع الحادي عشر : اعلم أنا قدمنا أن من أفسد حجه أو عمرته ، لزمه القضاء ، وقد بينا أن الصحيح وجوبه على الفور لا على التراخي ، وسواء في ذلك كان الحج والعمرة فرضا أو نفلا ; لأن النفل منهما يصير فرضا بالشروع فيه ، وقد أردنا أن نبين في هذا الفرع أنه لو أحرم بالقضاء ، فأفسده أيضا بالجماع ، لزمته الكفارة ولزمه قضاء واحد ، ولو تكرر ذلك منه مائة مرة ، ويقع القضاء عن الحج الأول أي : الذي أفسده أولا ، والعلم عند الله تعالى .
الفرع الثاني عشر : قد قدمنا أن مما يمنع بسبب الإحرام حلق شعر الرأس ; لقوله [ ص: 39 ] تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله [ 2 \ 196 ] ، فإن حلق شعر رأسه لأجل مرض ، أو أذى ، ككثرة القمل في رأسه ، فقد نص تعالى على ما يلزمه بقوله : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [ 2 \ 196 ] .

وهذه الآية الكريمة نزلت في كعب بن عجرة - رضي الله عنه - والتحقيق الذي لا شك فيه : أن الثلاثة المذكورة في الآية على سبيل التخيير بينها ; لأن لفظة " أو " في قوله : ففدية من صيام أو صدقة أو نسك حرف تخيير ، والتحقيق : أن الصيام المذكور ثلاثة أيام ، وأن الصدقة المذكورة ثلاثة آصع بين ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع ، وما سوى هذا فهو خلاف التحقيق .

وقد روى الشيخان في صحيحيهما ، عن كعب بن عجرة - رضي الله عنه - قال : كان بي أذى من رأسي ، فحملت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقمل يتناثر على وجهي ، فقال : " ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى ، أتجد شاة " ؟ قلت : لا . فنزلت الآية : ففدية من صيام أو صدقة أو نسك قال : " هو صوم ثلاثة أيام ، أو إطعام ستة مساكين نصف صاع نصف صاع طعاما لكل مسكين " وفي رواية : " أتى علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية فقال : " كأن هوام رأسك تؤذيك " ؟ فقلت : أجل . قال : " فاحلقه ، واذبح شاة ، أو صم ثلاثة أيام ، أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين " رواه مسلم ، وأحمد ، وأبو داود . ولأبي داود في رواية " فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " احلق رأسك ، وصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، فرقا من زبيب ، أو انسك شاة ، فحلقت رأسي ثم نسكت " وفي رواية عند البخاري ، عن كعب بن عجرة : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : " لعلك آذاك هوامك " ؟ قال : نعم يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " احلق رأسك ، وصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، أو انسك بشاة " وفي رواية عند البخاري أيضا ، عن كعب بن عجرة - رضي الله عنه - قال : " وقف علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية ، ورأسي يتهافت قملا فقال : " يؤذيك هوامك " ؟ قلت : نعم . قال : " فاحلق رأسك ، أو احلق " قال : في نزلت هذه الآية : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه إلى آخرها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : صم ثلاثة أيام ، أو تصدق بفرق بين ستة ، أو انسك بما تيسر " وفي رواية عند البخاري أيضا " فأنزل الله الفدية ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطعم فرقا بين ستة ، أو يهدي شاة ، أو يصوم ثلاثة أيام ، وبعض هذه الروايات في صحيح مسلم وفيه غيرها بمعناها ، [ ص: 40 ] والفرق ثلاثة آصع .

فهذه النصوص الصحيحة الصريحة : مبينة غاية البيان آية الفدية ، موضحة : أن الصيام المذكور في الآية ثلاثة أيام ، وأن الصدقة فيها ثلاثة آصع بين ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع ، وأن النسك فيها ما تيسر شاة فما فوقها ، وأن ذلك على سبيل التخيير بين الثلاثة ، كما هو نص الآية ، والأحاديث المذكورة ، وهذا لا ينبغي العدول عنه ; لدلالة القرآن ، والسنة الصحيحة عليه ، وهو قول جماهير العلماء .

وبه تعلم أن قول الحسن ، والثوري ، وعكرمة ، ونافع : أن الصيام عشرة أيام ، والصدقة على عشرة مساكين - خلاف الصواب لما ذكرنا . وأن ما يقوله أصحاب الرأي : من أنه يجزئ نصف صاع من البر خاصة لكل مسكين ، وأما غير البر كالتمر والشعير مثلا ، فلا بد من صاع كامل لكل مسكين - خلاف الصواب أيضا لمخالفته للروايات الصحيحة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التي ذكرناها آنفا . وأن ما رواه الطبري وغيره ، عن سعيد بن جبير : من أن الواجب أولا النسك ، فإن لم يجد نسكا ، فهو مخير بين الصوم والصدقة - خلاف الصواب أيضا ، للأدلة التي ذكرناها ، وهي واضحة صريحة في التخيير .

ومن أصرحها في التخيير ما رواه أبو داود في سننه : حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا حماد ، عن داود ، عن الشعبي ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : " إن شئت فانسك نسيكة ، وإن شئت فصم ثلاثة أيام ، وإن شئت فأطعم ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين " ، ا هـ . فصراحة هذا في التخيير بين الثلاثة كما ترى . وما رواه مالك في موطئه ، عن عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة - رضي الله عنه - أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرما ، فآذاه القمل في رأسه ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحلق رأسه ، وقال : " صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين مدين مدين لكل إنسان ، أو انسك بشاة ، أي ذلك فعلت أجزأ عنك " انتهى من " الموطأ " .

وقوله : " أي ذلك فعلت أجزأ عنك " صريح في التخيير كما ترى ، مع أن الآية الكريمة ، والروايات الثابتة في الصحيحين نصوص صريحة في ذلك لصراحة لفظة ، أو في التخيير ، والعلم عند الله تعالى .

وهذا الذي بينا حكمه الآن : هو حلق جميع شعر الرأس ، أما حلق بعض شعر الرأس ، أو شعر باقي الجسد غير الرأس ، فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله .

[ ص: 41 ] واعلم أن ما جاء في بعض الروايات أن النسك المذكور في الآية : بقرة ، يجاب عنه من وجهين ، وسنذكر هنا إن شاء الله بعض الروايات الواردة بذلك ، والجواب عنها .

قال أبو داود في سننه : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا الليث ، عن نافع : أن رجلا من الأنصار أخبره عن كعب بن عجرة ، وكان قد أصابه في رأسه أذى ، فحلق فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يهدي هديا بقرة . انتهى منه .

وقال ابن حجر في " الفتح " بعد أن أشار لحديث أبي داود : هذا وللطبراني من طريق عبد الوهاب بن بخت ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : حلق كعب بن عجرة رأسه فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفتدي فافتدى ببقرة .

ولعبد بن حميد من طريق أبي معشر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : افتدى كعب من أذى كان في رأسه ، فحلقه - ببقرة قلدها وأشعرها .

ولسعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلى ، عن نافع عن سليمان بن يسار ، قيل لابن كعب بن عجرة : ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه ؟ قال : ذبح بقرة . انتهى من " الفتح " . ثم قال : فهذه الطرق كلها تدور على نافع .

وقد اختلف عليه في الواسطة التي بينه وبين كعب ، وقد عارضها ما هو أصح منها ، من أن الذي أمر به كعب وفعله إنما هو شاة .

وروى سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد من طريق المقبري ، عن أبي هريرة : أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه ، وهذا أصوب من الذي قبله ، واعتمد ابن بطال على رواية نافع ، عن سليمان بن يسار فقال : أخذ كعب بأرفع الكفارات ، ولم يخالف النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أمره به من ذبح الشاة ، بل وافقه ، وزاد . ففيه : أن من أفتى بأيسر الأشياء فله أن يأخذ بأرفعها ، كما فعل كعب .

قلت : هو فرع ثبوت الحديث ولم يثبت لما قدمته . والله أعلم . انتهى كلام ابن حجر .

وقد علمت منه الروايات المقضية : أن النسك في آية الفدية المذكورة بقرة ، وأن الجواب عنها من وجهين :

الأول : عدم ثبوت الروايات الواردة بالبقرة ، ومعارضتها بما هو صحيح ثابت من أن النسك المذكور في الآية شاة ، كما قدمناه .

والجواب الثاني : أنا لو فرضنا أن تلك الروايات ثابتة ، فهي لا تعارض الروايات [ ص: 42 ] الصحيحة الدالة ، على أن النسك المذكور : شاة ، وذلك بأن اللازم هو الشاة ، والتطوع بالبقرة تطوع بأكثر من اللازم . ولا مانع من التطوع بأكثر مما يلزم ، والعلم عند الله تعالى .

وهذا الذي ذكرنا حكمه : هو حلق الرأس لعذر كمرض ، أو أذى في الرأس ككثرة القمل فيه ، كما هو موضوع آية الفدية ، والأحاديث التي ذكرنا .

أما إن حلق رأسه قبل وقت الحلق لغير عذر من مرض ، أو أذى من رأسه ، فقد اختلف أهل العلم فيما يلزمه ، فذهب مالك والشافعي وهو ظاهر مذهب أحمد : إلى أن الفدية في العمد بلا عذر ، حكمها حكم الفدية لعذر المرض ، أو الأذى في الرأس ، ولا فرق بين المعذور وغيره ، إلا في الإثم ، فإن المعذور تلزمه الفدية ، ولا إثم عليه ، ومن لا عذر له تلزمه الفدية المذكورة مع الإثم ، وهو مروي عن الثوري .

وعن الحنابلة وجه : أنه لا فدية على من حلق ناسيا إحرامه ، وهو قول إسحاق ، وابن المنذر ، واحتجوا بالأدلة الدالة على العذر بالنسيان .

وذهب أبو حنيفة : إلى الفرق بين من حلق لعذر ومن حلق لغير عذر ، فإن حلقه لعذر ، فعليه الفدية المذكورة في الآية على سبيل التخيير ، وفاقا للجمهور ، وإن كان حلقه لغير عذر تعين عليه الدم دون الصيام والصدقة ، ولا أعلم لأقوالهم رحمهم الله في هذه المسألة نصا واضحا يجب الرجوع إليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع .

أما الذين قالوا : إن فدية غير المعذور كفدية المعذور ، فاحتجوا ، بأن الحلق إتلاف ، فاستوى عمده وخطؤه كقتل الصيد . قالوا : ولأن الله تعالى أوجب الفدية على من حلق رأسه لأذى به وهو معذور ، فكان ذلك تنبيها على وجوبها على غير المعذور ، ا هـ . ولا يخفى أن هذا النوع من الاستدلال وأمثاله ليس فيه مقنع .

وأما الذين فرقوا بين المعذور وغيره ، وهم الحنفية فاستدلوا بظاهر قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك قالوا : فرتب الفدية المذكورة على العذر ، فدل ذلك على أن من ليس له عذر ، لا يكون له هذا الحكم المرتب على العذر خاصة .

واحتج بعض أجلاء علماء الشافعية على استدلال الحنفية بالآية المذكورة بأنه قول بدليل الخطاب : يعني مفهوم المخالفة ، والمقرر في أصول الحنفية : عدم الاحتجاج بدليل الخطاب .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #350  
قديم 29-08-2022, 11:25 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,415
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الخامس
الحلقة (348)
سُورَةُ الْحَجِّ
صـ 43 إلى صـ 50






[ ص: 43 ] قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : لا يلزم الحنفية احتجاج الشافعية المذكور عليهم ; لأنهم يقولون : نعم نحن لا نعتبر مفهوم المخالفة ، ولكن نرى أن قوله : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ليس فيه تعرض لحكم الحالق لغير عذر ، لا بنفي الفدية المذكورة ، ولا بإثباتها ، وقد ظهر لنا من دليل آخر خارج عن الآية : أنه يلزمه دم ، ا هـ .

ولا خلاف بين أهل العلم أن صيام الفدية له أن يصومه حيث شاء ، والأظهر عندي في النسك ، والصدقة أيضا أن له أن يفعلهما حيث شاء ; لأن فدية الأذى أشبه بالكفارة منها بالهدي ، ولأن الله لم يذكر للفدية محلا معينا ، ولم يذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - وسماها نسكا ولم يسمها هديا ، والظاهر أنه لا مانع من أن ينوي بالنسك المذكور الهدي ، فيجري على حكم الهدي ، فلا يصح في غير الحرم ، إلا أنه لا يجوز له الأكل منه ; لأنه في حكم الكفارة ، كما قاله علماء المالكية . وعند الحنفية ، ومن وافقهم يختص النسك المذكور بالحرم . والعلم عند الله تعالى .

أما إذا كان الذي حلقه بعض شعر رأسه لا جميعه ، أو كان شعر جسده أو بعضه ، لا شعر الرأس ، فليس في ذلك نص صريح من كتاب ، ولا سنة ، ولا إجماع ; لأن الله جل وعلا إنما ذكر في آية الفدية : حلق الرأس ، وظاهرها حلق جميعه لا بعضه ، والعلماء مختلفون في ذلك ولم يظهر لنا في مستندات أقوالهم ما فيه مقنع يجب الرجوع إليه ، والعلم عند الله تعالى .

فذهب مالك - رحمه الله - وأصحابه إلى أن ضابط ما تلزم به فدية الأذى من الحلق هو حصول أحد أمرين :

أحدهما : أن يحصل له بذلك ترفه .

والثاني : أن يزيل عنه به أذى . أما حلق القليل من شعر رأسه ، أو غيره مما لا يحصل به ترفه ، ولا إماطة أذى ، فيلزم فيه التصدق بحفنة : وهي يد واحدة ، وكذلك عندهم الظفر الواحد لا لإماطة أذى ، وقتل القملة أو القملات .

وقال ابن القاسم في المدونة : ما سمعت بحد فيما دون إماطة الأذى أكثر من حفنة من شيء من الأشياء ، وقد قال في قملة أو قملات : حفنة من طعام ، والحفنة بيد واحدة . انتهى بواسطة نقل المواق في شرحه لقول خليل في مختصره ، وفي الظفر الواحد ، لا لإماطة الأذى حفنة ، ا هـ .

[ ص: 44 ] وذهب الشافعي وأصحابه : إلى أن حلق ثلاث شعرات فصاعدا تلزم فيه فدية الأذى كاملة ، واحتجوا بأن الثلاث : يقع عليها اسم الجمع المطلق ، فكان حلقها كحلق الجميع ، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد ، وقال القاضي : إنها المذهب ، وبذلك قال الحسن ، وعطاء ، وابن عيينة ، وأبو ثور ، كما نقله عنهم صاحب المغني . أما حلق الشعرة الواحدة ، أو الشعرتين فللشافعية فيه أربعة أقوال :

الأول : وهو أصحها عند محققيهم ، وهو نص الشافعي في أكثر كتبه : أنه يجب في الشعرة الواحدة مد وفي الشعرتين مدان .

الثاني : يجب في شعرة واحدة درهم ، وفي شعرتين درهمان .

الثالث : يجب في شعرة ثلث دم وفي شعرتين ثلثاه .

الرابع : أن في الشعرة الواحدة دما كاملا . ومذهب الإمام أحمد : وجوب الفدية كاملة في أربع شعرات فصاعدا ، وهذه الرواية اقتصر عليها الخرقي ، وقد قدمنا قريبا الرواية عنه بوجوب الفدية بثلاث شعرات فصاعدا . أما ما هو أقل من القدر الذي يوجب الفدية ، وهو ثلاث شعرات ، أو شعرتان بحسب الروايتين المذكورتين ففي الشعرة الواحدة : مد من طعام ، وفي الشعرتين : مدان ، وعنه أيضا في كل شعرة : قبضة من طعام ، وروي نحوه عن عطاء .

وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن حلق ربع رأسه ، أو ربع لحيته ، أو حلق عضوا كاملا كرقبته ، أو عانته أو أحد إبطيه ، ونحو ذلك : لزمته فدية الأذى ، إن كان ذلك لعذر ، وإن كان لغير عذر : لزمه دم ، ويلزم عنده في حلق أقل مما ذكر كحلق أقل من ربع الرأس ، أو ربع اللحية ، أو أقل من عضو كامل صدقة ، والصدقة عندهم : نصف صاع من بر ، أو صاع من غيره .

وروي عن أبي حنيفة وأصحابه : أن في كل شعرة قبضة من طعام كما ذكره عنهم صاحب المغني .

وأما حلق شعر البدن غير الرأس ، فقد علمت مما ذكرنا آنفا أن مذهب أبي حنيفة فيه : أنه إن حلق عضوا كاملا ففيه الفدية أو الدم ، وإن حلق أقل من عضو ، ففيه الصدقة ، وأن حكم اللحية عنده كحكم الرأس ، وحلق الربع فيهما كحلق الجميع .

ومذهب الشافعي أن حلق شعر الجسد غير الرأس كحكم حلق الرأس ، فتلزم الفدية [ ص: 45 ] في ثلاث شعرات فصاعدا ، سواء كانت من شعر الرأس أو غيره من الجسد ، وفي الشعرة ، أو الشعرتين من الجسد عندهم الأقوال الأربعة المتقدمة ، وإن حلق شعر رأسه وشعر بدنه معا ، لزمه عند الشافعي ، وأصحابه : فدية واحدة ، خلافا لأبي القاسم الأنماطي القائل : يلزمه فديتان ، محتجا بأن شعر الرأس مخالف لشعر البدن ; لأن النسك يتعلق بشعر الرأس ، فيلزم حلقه ، أو تقصيره بخلاف شعر البدن .

واحتج الشافعية بأنهما وإن اختلف حكمهما في النسك فهما جنس واحد : فأجزأت لهما فدية واحدة .

ومذهب الإمام أحمد في هذه المسألة كمذهب الشافعي فشعر الرأس وشعر البدن حكمهما عنده سواء . وإن حلق شعر رأسه وبدنه : فعليه فدية واحدة ، وعنه رواية أخرى : أنه يلزمه دمان ، إذا حلق من كل من الرأس ، والجسد ما تجب به الفدية منفردا عن الآخر كقول الأنماطي المتقدم .

قال في " المغني " : وهو الذي ذكره القاضي ، وابن عقيل ; لأن الرأس يخالف البدن ، بحصول التحلل به دون البدن ، ولنا أن الشعر كله جنس واحد في البدن ، فلم تتعدد الفدية فيه باختلاف مواضعه كسائر البدن ، وكاللباس ، ودعوى الاختلاف تبطل باللباس فإنه يجب كشف الرأس ، دون غيره ، والجزاء في اللبس فيهما واحد .

وقال ابن قدامة في " المغني " أيضا : وإن حلق من رأسه شعرتين ، ومن بدنه شعرتين فعليه دم واحد ، هذا ظاهر كلام الخرقي ، واختيار أبي الخطاب ، ومذهب أكثر الفقهاء . ومذهب مالك في هذه المسألة : أن شعر البدن كشعر الرأس ، فإن حلق من شعر بدنه ما فيه ترفه ، أو إماطة أذى : لزمته الفدية ، وإلا فالتصدق بحفنة بيد واحدة .

وسئل مالك : عن المحرم يتوضأ فيمر يديه على وجهه ، أو يخلل لحيته في الوضوء ، أو يدخل يده في أنفه لمخاط ينزعه ، أو يمسح رأسه ، أو يركب دابته ، فيحلق ساقه الإكاف أو السرج ؟ قال مالك : ليس عليه في ذلك كله شيء ، وهذا خفيف ، ولا بد للناس منه . انتهى بواسطة نقل الحطاب في كلامه على قول خليل : وتساقط شعر لوضوء أو ركوب ، ا هـ .

وإذا علمت أقوال الأئمة رحمهم الله في شعر الجسد . فاعلم أني لا أعلم لشيء منها مستندا من نص كتاب ، أو سنة .

[ ص: 46 ] والأظهر أنهم قاسوا شعر الجسد على شعر الرأس ، بجامع أن الكل قد يحصل بحلقه الترفه ، والتنظف ، والظاهر أن اجتهادهم في حلق بعض شعر الرأس يشبه بعض أنواع تحقيق المناط ، والعلم عند الله تعالى .
الفرع الرابع عشر في حكم قص المحرم أظافره أو بعضها

وقد اختلف أهل العلم في ذلك ، فالصحيح من مذهب مالك : أنه إن قلم ظفرين فصاعدا : لزمته الفدية مطلقا ، وإن قلم ظفرا واحدا ، لإماطة أذى عنه : لزمته الفدية أيضا ، وإن قلمه لا لإماطة أذى : لزمه إطعام حفنة بيد واحدة .

قال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره : وفي الظفر الواحد لا لإماطة الأذى حفنة ، ما نصه : أما لو قلم ظفرين فلم أر في ابن عبد السلام والتوضيح ، وابن فرحون في شرحه ، لا ومناسكه وابن عرفة ، والتادلي ، والطراز وغيرهم خلافا في لزوم الفدية ، ولم يفصلوا كما فصلوا في الظفر الواحد ، والله أعلم . انتهى منه .

ولا ينبغي أن يختلف في أن الظفر إذا انكسر جاز أخذه ، ولا شيء فيه ; لأنه بعد الكسر لا ينمو فهو كحطب شجر الحرم . والله أعلم .

ومذهب الشافعي وأصحابه : أن حكم الأظفار كحكم الشعر ، فإن قلم ثلاثة أظفار فصاعدا ، فعليه الفدية كاملة ، وأظفار اليد والرجل في ذلك سواء ، وإن قلم ظفرا واحدا أو ظفرين ففيه الأقوال الأربعة فيمن حلق شعرة واحدة أو شعرتين ، وقد قدمنا أن أصحها عندهم أن في الشعرة مدا ، وفي الشعرتين : مدين ، وباقي الأقوال المذكورة موضح قريبا ومذهب الإمام أحمد في الأظفار كمذهبه في الشعر ، ففي أربعة أظفار ، أو ثلاثة على الرواية الأخرى : فدية كاملة ، وحكم الظفر الواحد كحكم الشعرة الواحدة ، وحكم الظفرين كحكم الشعرتين ، وقد تقدم موضحا قريبا .

ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة : أنه لو قص أظفار يديه ورجليه جميعا بمجلس واحد ، أو قص أظفار يد واحدة كاملة في مجلس ، أو رجل كذلك لزمه الدم ، وإن قطع مثلا خمسة أظفار ثلاثة من يد واثنان من رجل ، أو يد أخرى ، أو عكس ذلك : فعليه الصدقة ، وهي نصف صاع من بر عن كل ظفر ، والمعروف عند الحنفية في باب الفدية : أن ما كان لعذر ففيه فدية الأذى المذكورة في الآية ، وما كان لغير عذر ففيه الدم ، كما تقدم . أما لو [ ص: 47 ] قص أظفار إحدى يديه ، أو رجليه في مجلس ، والأخرى في مجلس آخر ، فعند أبي حنيفة ، وأبي يوسف : يتعدد الدم ، حتى إنه يمكن أن تلزمه أربعة دماء للرجلين واليدين ، إذا كانت كل واحدة في مجلس ، وعند محمد : لا يلزمه إلا دم واحد ، ولو تعددت المجالس إلا إذا تخللت الكفارة بينهما ، وقد علمت أنه لو قص أظافر أكثر من خمسة متفرقة من الرجلين واليدين : ليس عليه إلا الصدقة عندهم .

وقال زفر : يجب الدم بقص ثلاثة أظفار من اليد أو من الرجل ، وهو قول أبي حنيفة الأول ، بناء على اعتبار الأكثر ، والثلاثة أكثر من الباقي بعدها بالنسبة إلى الخمسة .

وقال ابن قدامة في " المغني " : قال ابن المنذر : وأجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره ، وعليه الفدية بأخذها في قول أكثرهم ، وهو قول حماد ، ومالك ، والشافعي ، وأبي ثور ، وأصحاب الرأي . وروي ذلك عن عطاء ، وعنه لا فدية عليه ; لأن الشرع لم يرد فيه بفدية ، ولم يعتبر ابن المنذر في حكايته الإجماع قول داود الظاهري : إن المحرم له أن يقص أظفاره ، ولا شيء عليه لعدم النص ، وفي اعتبار داود في الإجماع خلاف معروف ، والأظهر عند الأصوليين اعتباره في الإجماع . والله تعالى أعلم .

ثم قال صاحب " المغني " : ولنا أنه أزال ما منع إزالته لأجل الترفه ، فوجبت عليه الفدية كحلق الشعر ، وعدم النص فيه لا يمنع قياسه . كشعر البدن مع شعر الرأس ، والحكم في فدية الأظفار كالحكم في فدية الشعر سواء ، في أربعة منها دم . وعنه في ثلاثة دم ، وفي الظفر الواحد مد من طعام وفي الظفرين : مدان على ما ذكرنا من التفصيل والاختلاف فيه . وقول الشافعي وأبي ثور كذلك انتهى محل الغرض منه .

وإذا عرفت مذاهب الأئمة في حكم قص المحرم أظفاره ، وما يلزمه في ذلك فاعلم أني لا أعلم لأقوالهم مستندا من النصوص ، إلا ما ذكرنا عن ابن المنذر ، من الإجماع على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره ، أما لزوم الفدية ، فلم يدع فيه إجماعا ، وإلا ما جاء عن بعض السلف من الصحابة والتابعين ، من تفسير آية الحج ، فإنه يدل على منع المحرم من أخذ أظفاره كمنعه من حلق شعره حتى يبلغ الهدي محله ، والآية المذكورة هي قوله تعالى : ثم ليقضوا تفثهم الآية [ 22 \ 29 ] .

قال صاحب " الدر المنثور في التفسير بالمأثور " : وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله : ثم ليقضوا تفثهم قال : " يعني [ ص: 48 ] بالتفث : وضع إحرامهم من حلق الرأس ، ولبس الثياب ، وقص الأظفار ، ونحو ذلك " .

وقال أيضا : وأخرج ابن أبي شيبة ، عن محمد بن كعب قال : التفث : حلق العانة ونتف الإبط ، والأخذ من الشارب ، وتقليم الأظفار ، ا هـ . ونحو هذا كثير في كلام المفسرين وإن فسر بعضهم الآية بغيره .

وعلى التفسير المذكور فالآية تدل على : أن الأظفار كالشعر بالنسبة إلى المحرم ، ولا سيما أنها معطوفة بـ " ثم " على نحر الهدايا ; لأن الله تعالى قال : ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام والمراد بذكر اسمه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام التسمية عند نحر الهدايا والضحايا ، ثم رتب على ذلك قوله : ثم ليقضوا تفثهم فدل على أن الحلق وقص الأظافر ونحو ذلك ينبغي أن يكون بعد النحر كما قال تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله [ 2 \ 196 ] ، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن من حلق قبل أن ينحر لا شيء عليه . كما بيناه موضحا في سورة البقرة في الكلام على قوله : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ، ويؤيد التفسير المذكور الدال على ما ذكرنا كلام أهل اللغة .

قال الجوهري في صحاحه : التفث في المناسك : ما كان من نحو قص الأظفار ، والشارب وحلق الرأس ، والعانة ، ورمي الجمار ، ونحر البدن ، وأشباه ذلك . قال أبو عبيدة : ولم يجئ فيه شعر يحتج به انتهى منه .

قال صاحب " القاموس " : التفث محركة في المناسك : الشعث ، وما كان من نحو قص الأظفار ، والشارب ، وحلق العانة ، وغير ذلك . وككتف الشعث والمغبر ، ا هـ .

وقال صاحب " اللسان " : التفث : نتف الشعر وقص الأظفار ، إلخ .

وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره في الكلام على معنى التفث : قال ابن العربي : وهذه اللفظة غريبة لم يجد أهل العربية فيها شعرا ، ولا أحاطوا بها خبرا ، لكني تتبعت التفث لغة فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى قال : إنه قص الأظفار وأخذ الشارب ، وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح ، ولم يجئ فيه شعر يحتج به . وقال صاحب " العين " : التفث : هو الرمي والحلق ، والتقصير ، والذبح ، وقص الأظفار ، والشارب ، والإبط . وذكر الزجاج والفراء نحوه ، ولا أراهم أخذوه إلا من قول العلماء ، وقال قطرب : تفث الرجل : إذا كثر وسخه . قال أمية بن أبي الصلت :

[ ص: 49 ]
حلقوا رءوسهم لم يحلقوا تفثا ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا


وما أشار إليه قطرب هو الذي قاله ابن وهب عن مالك ، وهو الصحيح في التفث ، وهذه صورة إلقاء التفث لغة ، إلى أن قال : قلت : ما حكاه عن قطرب ، وذكر من الشعر قد ذكره في تفسيره الماوردي ، وذكر بيتا آخر فقال : قضوا تفثا ونحبا ثم ساروا إلى نجد وما انتظروا عليا

وقال الثعلبي : وأصل التفث في اللغة : الوسخ ، تقول العرب للرجل تستقذره : ما أتفثك أي : ما أوسخك وأقذرك .

قال أمية بن أبي الصلت :
ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا وينزعوا عنهم قملا وصئبانا


انتهى من القرطبي .

والظاهر أن قوله : ساخين آباطهم . . البيت ، من قولهم : سخا يسخو سخوا إذا سكن من حركته : يعني : أنهم ساكنون عن الحركة إلى آباطهم بالحلق ، بدليل قوله بعده :
. . . لم يقذفوا تفثا وينزعوا عنهم قملا وصئبانا
الفرع الخامس عشر : قد قدمنا في أول الكلام في هذه المسألة التي هي مسألة ما يمتنع على المحرم بسبب إحرامه ، ما يمنع المحرم من لبسه من أنواع الملبوس ، وسنذكر في هذا الفرع ما يلزم في ذلك عند الأئمة .

فذهب الشافعي ، وأصحابه : إلى أنه إن لبس شيئا مما قدمنا أنه لا يجوز لبسه مختارا عامدا ، أثم بذلك ، ولزمته المبادرة إلى إزالته ولزمته الفدية ، سواء قصر زمان اللبس أو طال ، لا فرق عندهم في ذلك ، ولا دليل عندهم للزوم الفدية في ذلك ، إلا القياس على حلق الرأس المنصوص عليه في آية الفدية ، واللبس الحرام الموجب للفدية عندهم محمول على ما يعتاد في كل ملبوس ، فلو التحف بقميص أو قباء ، أو ارتدى بهما ، أو ائتزر سراويل : فلا فدية عليه عندهم ; لأنه ليس لبسا له في العادة ، فهو عندهم كمن لفق إزارا من خرق وطبقتها وخاطها : فلا فدية عليه بلا خلاف ، وكذا لو التحف بقميص أو بعباءة أو إزار ونحوها ولفها عليه طاقا أو طاقين ، أو أكثر فلا فدية ، وسواء فعل ذلك في النوم أو اليقظة ، [ ص: 50 ] قاله النووي ، ثم قال : قال أصحابنا : وله أن يتقلد المصحف وحمائل السيف ، وأن يشد الهميان والمنطقة في وسطه ، ويلبس الخاتم ، ولا خلاف في جواز هذا كله ، وهذا الذي ذكرناه في المنطقة والهميان مذهبنا ، وبه قال العلماء كافة ، إلا ابن عمر في أصح الروايتين عنه فكرههما ، وبه قال نافع مولاه .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : ما ذكره النووي - رحمه الله - من كون جواز شد المنطقة والهميان في وسطه ، هو قول العلماء كافة ، إلا ابن عمر في أصح الروايتين - فيه نظر ، فإن مذهب مالك ، وأصحابه : منع شد المنطقة والهميان ، فوق الإزار مطلقا ، وتجب به الفدية عندهم . أما شد المنطقة مباشرة للجلد تحت الإزار ، فهو جائز عندهم ، بشرط كونه يريد بذلك حفظ نفقته ، فلا يجوز إلا تحت الإزار ، لضرورة حفظ النفقة خاصة ، وإلا فتجب الفدية ، وشد المنطقة لغير النفقة تجب به الفدية أيضا ، عند أحمد . والهميان قريب مما تسميه العامة اليوم : بالكمر .

قال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره عاطفا على ما يجوز للمحرم : وشد منطقة لنفقته على جلده . قال ابن فرحون في " شرح ابن الحاجب " : المنطقة : الهميان ، وهو مثل الكيس تجعل فيه الدراهم ، ا هـ .

وروى البيهقي بإسناده عن عائشة : أنه لا بأس بشد المنطقة لحفظ النفقة ، وما في " المغني " من رفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه نظر ، والظاهر أنه من قول ابن عباس ، والمرفوع عند الطبراني وفي إسناده يوسف بن خالد السمتي ، وهو ضعيف . قاله في : " مجمع الزوائد " ، وقال في : " التقريب " في يوسف المذكور : تركوه ، وكذبوه .

وإذا علمت مما مر أن اللبس الحرام على المحرم ، تجب به الفدية عند الشافعية ، وأنه لا فرق عندهم بين اللحظة والزمن الطويل ، فاعلم أن الأصح عندهم ، وبه جزم الأكثرون : أن اللازم في ذلك هو فدية الأذى المذكورة في آية الفدية . ودليلهم القياس كما تقدم ، ولهم طريقان غير هذا في المسألة إحداهما ، وذكرها أبو علي الطبري في الإيضاح ، وآخرون من العراقيين أن في المسألة قولين :

أحدهما : أنه كالمتمتع ، فيلزمه ما استيسر من الهدي فإن لم يجد فصيام عشرة أيام ، كما هو معلوم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 364.80 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 358.80 كيلو بايت... تم توفير 6.00 كيلو بايت...بمعدل (1.64%)]