«عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله - الصفحة 43 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         8 طرق تنظم إفراز دهون البشرة.. تمنع الحبوب وانسداد المسام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          أعشاب طبيعية مفيدة للبشرة والشعر ومثالية كمشروبات دافئة فى الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          المشويات مزاج ولو عاوز الطعم لذيذ.. اعرف سر الخلطة من حلقة "روح مصر" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          طريقة عمل طاجن الكبدة بالبصل والفلفل.. طبق شهي وسريع التحضير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          7 أفكار للحصول على غرفة نوم مهدئة للأعصاب.. هتريح العين وتخليك تسترخى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          طريقة عمل المسقعة باللحم المفروم.. طبق تقليدى لذيذ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          6 نباتات طاردة للحشرات فى الشتاء.. احمى بلكونتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          9 أسباب وراء جفاف البشرة فى الشتاء.. أبرزها الاستحمام بالماء الساخن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          طريقة عمل الطرب المشوي في البيت .. وجبة لذيذة ومغذية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          لو حاسة بالبرد.. 6 مشروبات لذيذة تشعرك بالتدفئة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #421  
قديم 02-11-2024, 08:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 145,540
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

تفسير قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ... ﴾


قوله الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ * لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 267 - 273].

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾.

بيَّن عز وجل في الآيات السابقة فضل الإنفاق في سبيل الله وعظم أجره ومضاعفته، ونهى المؤمنين عن إبطال صدقاتهم بالمن والأذى، كحال الذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، ثم أمرهم في هذه الآية بالإنفاق من كسبهم، ومما أخرج الله لهم من الأرض، ونهاهم أن يتيمَّموا الخبيث منه ينفقون.

ســبب النــزول:
عن البراء بن عازب رضي الله عنه: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾، قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو، فضربه بعصاه، فيسقط البسر والتمر فيأكل، وكان أناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر، فيعلقه، فأنزل الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾، قالوا: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض، أو حياء، قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده»[1].

قوله: ﴿ أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ «الطيب» يطلق على الحلال وعلى الجيد وعلى الطاهر ونحو ذلك.

و«ما» موصولة أو مصدرية، والمعنى: ابذلوا وتصدقوا من حلال وجيد الذي كسبتموه، أو كسبكم، أي: الذي حصلتم عليه بالمعاملة بالبيع والشراء، والإجارة أو غير ذلك بتيسير الله تعالى لكم ذلك.

وقال هنا: ﴿ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ بينما قال بعده: ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾، والكل منه سبحانه؛ لأن الكسب بالتعامل بالبيع والشراء ونحو ذلك فِعْلُ العبد فيه ظاهر، بخلاف الخارج من الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴾ [الواقعة: 63، 64].

﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ الواو: عاطفة، و«ما»: موصولة، أي: ومن الذي ﴿ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ من الحبوب والثمار والفواكه والمعادن وغير ذلك.

والعطف على «ما» في قوله: ﴿ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ أي: ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض.

ويحتمل أن يكون العطف على ﴿ طَيِّبَاتِ ﴾؛ أي: أنفقوا من طيبات ما كسبتم، وأنفقوا مما أخرجنا لكم من الأرض؛ لأن ما أخرج الله تعالى لنا من الأرض كله طيب حلال لنا، كما قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [البقرة: 29]، وهذا أولى.

قال ابن القيم[2]: «أضاف سبحانه الكسب إليهم، وإن كان هو الخالق لأفعالهم؛ لأنه فعلهم القائم بهم، وأسند الإخراج إليه؛ لأنه ليس فعلًا لهم، ولا هو مقدورًا لهم، فأضاف مقدورهم إليهم، وأضاف مفعوله الذي لا قدرة لهم عليه إليه، ففي ضمنه الرد على من سوى بين النوعين وسلب قدرة العبد وفعله وتأثيره بالكلية».

والأمر في الآية يدخل فيه الفرض والنفل، فيشمل زكاة النقدين، وعروض التجارة، وزكاة الخارج من الأرض، والنفقات الواجبة والصدقات.

و«من» في قوله: ﴿ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾، وفي قوله: ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ للتبعيض؛ أي: أنفقوا بعض طيبات ما كسبتم، وبعض ما أخرجنا لكم من الأرض، ويجوز كون «من» لبيان الجنس، فيجوز أن ينفق الإنسان كل ماله.

﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾ الجملة معطوفة على قوله: ﴿ أَنْفِقُوا ﴾ والتيمم في اللغة القصد، قال تعالى: ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾ [النساء: 43].

قال الأعشى[3]:
تيمَّمت قيسًا وكم دونه
من الأرض من مهمه ذا شَزَن




أي: ولا تقصدوا وتتعمدوا الخبيث.

والمراد بـ«الخبيث» هنا: الرديء، ضد الطيب الجيد، أي: ولا تقصدوا الرديء ﴿ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾.

وقوله: ﴿ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾: حال من الفاعل في ﴿ تَيَمَّمُوا ﴾؛ أي: منفقين منه، أو حال من المفعول «الخبيث»؛ أي: منفقًا منه، وقدَّم «منه» على متعلقه للحصر.

﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ الضمير يعود إلى ﴿ الخبيث ﴾؛ أي: ولستم بقابلي هذا الرديء لو كان الحق لكم ﴿ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ «إلا»: أداة حصر.

﴿ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ الإغماض: أخذ الشيء على استحياء مع كراهته، كأنه أغمض عينيه كراهية أن يراه فلا يملأ عينه منه، بل يغض من بصره، ويغمض عنه بعض نظره كراهية له؛ أي: لو كنتم أنتم المستحقين له وبُذل لكم لم تأخذوه في حقوقكم إلا أن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه، من قولهم: أغمض فلان عن بعض حقه.

أي فكيف تبذلون لله ما لا ترضون بذله لكم، ولا يرضى أحدكم من صاحبه أن يهديه له؟ والله تعالى أحق من يختار له خيار الأشياء، وكيف تجعلون له ما تكرهون لأنفسكم وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيبًا؟

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾؛ أي: واعلموا أن الله غني عنكم وعن جميع خلقه، فله خزائن السموات والأرض، كما قال عز وجل: ﴿ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [المنافقون: 7]، وإنما دعا عز وجل عباده إلى الإنفاق ليجازيهم ويثيبهم أعظم الجزاء.

﴿ حميد ﴾ أي: محمود- سبحانه وتعالى- في غناه يحمده جميع خلقه لعظيم كرمه وواسع جوده وعطائه، كما أنه عز وجل ﴿ حميد ﴾ يحمد ويثني على من يستحق الحمد والثناء، ولهذا أثنى على أنبيائه ورسله والصالحين من عباده.

وفي الجمع بين وصفي «الغني» و«الحميد» بيان أنه عز وجل هو المحمود على غناه، بخلاف من أعطاه الله تعالى الغنى من الخلق فبخل به فإنه لا يحمد على غناه بل ويذم.

كما أن غناه وحمده يأبيان قبول الرديء، فإن قَابِلَ الرديء الخبيث إما أن يقبله لحاجته إليه، وإما أن نفسه لا تأباه لعدم كمالها وشرفها، وأما الغني عنه الشريف القدر الكامل الأوصاف فإنه لا يقبله.

قوله تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾.

بيَّن عز وجل في الآيات السابقة فضل الإنفاق في سبيله وأمر المؤمنين بالإنفاق من طيب ما كسبوه، ومما أخرج الله لهم من الأرض، ونهاهم عن قصد الخبيث للإنفاق منه، ثم أتبع ذلك ببيان أن الشيطان يعدهم الفقر ويخوِّفهم منه إن أنفقوا، ويأمرهم بالفحشاء من البخل والمن والأذى، وغير ذلك من المعاصي، والله يعدهم مغفرةً وفضلًا، وفي ذلك تحذير من البخل والمن والأذى، وترغيب في الإنفاق بلا منٍّ ولا أذى.

قوله: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ: «الشيطان» اسم لكل متمرد عاتٍ خارج عن طاعة الله تعالى من الإنس والجن والحيوان، والمراد به هنا إبليس لعنه الله.

﴿ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ﴾ الوعد غالبًا يكون في الخير، وقد يكون في الشر كما في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ [الحج: 47].

ومعنى ﴿ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ﴾، أي: يخوفكم الفقر والحاجة والعيلة بسبب الإنفاق.

فيأتي للإنسان ويقول له: لا تنفق، وأمسك عليك مالك، فأنت محتاج إليه، فيحمله بوعده الكاذب وغروره على إساءة الظن بربه، ويحرمه من أجر المنفقين، وقد أحسن القائل:
دلاهم بغرور ثم أوردهم
إن الخبيث لمن ولاه غرار[4]




﴿ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ﴾؛ أي: بالبخل، الذي هو من أقبح الفواحش، والفحشاء في الأصل تعم كل ما قبح وفحش في الشرع وعُرْفِ المسلمين.

وفي الحديث: «إن للشيطان للمَّة بابن آدم، وللملك لمَّة، فأما لمَّة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان، ثم قرأ: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ﴾»[5].

﴿ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ ﴾؛ أي: والله يعدكم بوعده الذي لا يخلف، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ [آل عمران: 9]، وقال تعالى: ﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ [الحج: 47]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 111].

﴿ مَغْفِرَةً مِنْهُ ﴾ أي: مغفرة منه واسعة لذنوبكم بالستر لها، والتجاوز عن العقوبة عليها، وهذا في مقابل أمر الشيطان بالفحشاء.

وفي قوله: ﴿ منه ﴾ تعظيم لمغفرته عز وجل، أي: مغفرة عظيمة واسعة لجميع الذنوب، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ [النجم: 32]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].

بل إنه عز وجل يبدل السيئات حسنات؛ كما قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 70].

﴿ وفضلًا ﴾؛ أي: ويعدكم فضلًا عظيمًا منه، وهذا في مقابل وعد الشيطان لكم بالفقر؛ أي: وزيادة منه بالخلف على المنفق في الدنيا أضعاف ما أنفق، وزيادة منه في الآخرة بمضاعفة الحسنات وثواب الصدقات، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.

كما قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261]، وقال تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 265]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴾ [الروم: 39].

وفي الحديث: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا»[6].

فهذا وعد الله، وذلك وعد الشيطان، فلينظر البخيل والمنفق، أي الوعدين أوثق، وإلى أيهما يطمئن قلبه وتسكن نفسه، وشتان ما بين الثرى والثريا، كما قال ابن القيم[7]:
شتان بين الحالتين فإن ترد
جمعًا فما الضدان يجتمعان




قوله تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾.

ذكر الله عز وجل في الآيات السابقة فضل الإنفاق في سبيل الله لمن منَّ الله عز وجل عليهم بالأموال، ثم أتبع ذلك بذكر ما هو أفضل من الأموال وهو: الحكمة والعلم والرشد، ممتنًا بذلك على من آتاه الله تعالى ذلك، وقدره قدره وأدى حقه.

قوله تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ﴾؛ أي: يعطي الحكمة الذي يشاء من عباده، والحكمة: العلم والرشد والمعرفة بالله تعالى وكتابه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها»[8].

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار»[9].

ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ﴾ يعني: المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله[10].

قال ابن القيم[11]: «الحكمة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي».

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #422  
قديم 02-11-2024, 08:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 145,540
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله


وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «رأس الحكمة مخافة الله»[12].
﴿ من يشاء ﴾؛ أي من يشاء ويريد من عباده.

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ﴾، قرأ يعقوب بكسر التاء: «يؤتِ»، وقرأ الباقون بفتحها ﴿ يُؤْتَ ﴾؛ أي: ومن يعط الحكمة، وبني الفعل لما لم يسم فاعله؛ لأن المعطي للحكمة معلوم، وهو الله عز وجل، كما في الجملة السابقة.

﴿ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾؛ أي: فقد أعطي خيرًا كثيرًا، يجب عليه شكره.

﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾؛ أي: وما يتعظ ويعتبر بآيات الله وينتفع بها إلا أصحاب العقول السوية السليمة، الذين تهديهم عقولهم إلى الحق.

قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾.

رَغَّبَ عز وجل في الإنفاق بذكر مضاعفة أجره، وأكد في هذه الآية أنه لن يضيع عنده سبحانه ذلك مهما قل، ويحاسب ويجازي عليه.

قوله: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ ﴾ الواو: عاطفة، و«ما»: شرطية، و«أنفقتم»: فعل الشرط.

و«من» في قوله: ﴿ مِنْ نَفَقَةٍ ﴾، وفي قوله: ﴿ مِنْ نَذْرٍ ﴾: زائدة من حيث الإعراب، مؤكدة من حيث المعنى للتنصيص على العموم.

و«نفقة» و«نذر» كل منهما نكرة في سياق الشرط فتعم كل نفقة ونذر؛ أي: أي شيء تنفقونه من قليل أو كثير، ومن أي شيء كان، وأي نذر تنذرونه.

والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه؛ كأن يقول: لله عليَّ أن أتصدق بكذا، أو أن أصوم كذا، وهو جائزٌ مع الكراهة لما فيه من إلزام الإنسان نفسه بما لم يكن واجبًا عليه، مما قد يعجز عنه ونحو ذلك، والعافية لا يعدلها شيء، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «النذر لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل»[13].

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾: جواب الشرط، وربط بالفاء؛ لأنه جملة اسمية، أي: فإن الله يعلم ذلك، فالضمير في «يعلمه» بمعنى اسم الإشارة؛ لأنه يعود إلى اثنين؛ أي: فإن الله يعلمه ويحاسب ويجازي عليه، ولن يضيع عنده، يعلم من قصد بذلك وجه الله، فيثيبه ويجازيه من واسع فضله، ويعلم من قصد بذلك غيره فيكله إلى من قصد.

﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾؛ أي: وما للظالمين المانعين لما يجب إنفاقه، أو المبطلين صدقاتهم بالمن والأذى أو بالرياء وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر، أو المتيممين للخبيث ينفقون منه، أو الذين لا يوفون بما نذروا من طاعة، أو ينذرون في معصية وغيرها.

﴿ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ «من»: زائدة إعرابًا مؤكدة من حيث المعنى للعموم، أي: وما لهم أيّ أنصار، والأنصار: جمع ناصر، وهو الذي ينصر ويدفع الضر، أي: وما لهم من أنصار يدفعون عذاب الله ويمنعونه عنهم.

﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾.

ذكر عز وجل في الآية السابقة علمه سبحانه بالنفقات أيًّا كانت، ومهما كانت، ثم بين في هذه الآية جواز إبداء الصدقات وإخفائها مع أن إخفاءها خير للمتصدق.

قوله: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ ﴾؛ أي: إن تظهروا الصدقات وتعلنوا بها، ﴿ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بفتح النون «فنَعما هي» وقرأ أبو جعفر بكسر النون وإسكان العين «فنِعْما هي»، وقرأ الباقون بكسرهما معًا ﴿ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾.

وهذه جملة إنشائية للمدح، أي: فنعم شيء هي، وهذا مدح لها.

﴿ وَإِنْ تُخْفُوهَا ﴾؛ أي: وإن تُسرِّوها ﴿ وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ ﴾؛ أي: وتعطوها الفقراء، ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾؛ أي: فإخفاؤها وإعطاؤها الفقراء خير لكم خيرية مطلقة من إبدائها وإظهارها.

وقيَّد الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصة، ولم يقل: «وإن تخفوها فهو خير لكم»؛ لأن من الصدقة ما لا يمكن إخفاؤه؛ كتجهيز الجيوش وبناء المساجد والقناطر، وإجراء الأنهار وحفر الآبار، ونحو ذلك.

وإنما كان إخفاؤها وإيتاؤها الفقراء خيرًا؛ لما فيه من الستر على الفقير والإخلاص لله تعالى، ولهذا مدح النبي صلى الله عليه وسلم صدقة السر، وأثنى على صاحبها، فذكر من بين السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله: «رجلًا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»[14].

﴿ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾، قرأ ابن عامر وحفص بالياء: ﴿ ويكفِّر ﴾.

وقرأ الباقون بالنون: «ونكفر»، وقرأ نافع وأبو جعفر وحمزة والكسائي وخلف بجزم الراء: «ونكفرْ»، وقرأ الباقون برفعها: «ونكفرُ».

﴿ ويكفًّر ﴾؛ أي: ويمحو ويستر.

﴿ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾: جمع سيئة، وهي الذنوب والمعاصي، سميت بذلك؛ لأنها تسوء صاحبها في الحال والمآل، وتسوء غيره إما مباشرة إذا كانت متعدية، أو غير مباشرة إذا كانت غير متعدية.

قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41].

و«من» في قوله: ﴿ من سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ تبعيضية؛ لأن الإنفاق لا يكفر جميع السيئات.

﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ «ما»: موصولة أو مصدرية، أي: والله بالذي تعملون، أو بعملكم خبير.

و«الخبير»: المطلع على بواطن الأمور ودقائقها وخفياتها؛ فاطلاعه على الظواهر والجلائل والجليات من باب أولى.

وفي هذا وعد لمن تصدق وأطاع الله عز وجل، ووعيد لمن بخل وخالف أمر الله؛ لأن مقتضى علمه عز وجل بعملهم محاسبتهم ومجازاتهم على ذلك، خيرًا كان أو شرًّا.

قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾.

ســبب النــزول:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا فرخَّص لهم، فنزلت هذه الآية: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ[15].

قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: ليس عليك يا محمد هدى الناس؛ أي: ليس عليك هداية قلوبهم وتوفيقهم؛ لأن أمر ذلك إلى الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56].

أما هدى البيان والإرشاد فهو إليه صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52]؛ أي: تدل وترشد، وكما قال تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ 21 لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية: 21، 22].

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾؛ أي: ولكن الله تعالى يوفق من يريد توفيقه من العباد.

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾ الواو: استئنافية، و«ما» في هذا الموضع والذي بعده: شرطية، و﴿ تُنْفِقُوا ﴾: فعل الشرط.

﴿ من خير ﴾ «من» في هذا الموضع والذي بعده زائدة إعرابًا مؤكدة من حيث المعنى للتنصيص في العموم؛ أي: وما تنفقوا من خير أي خير قل أو كثر، ويجوز كون «من» بيانية، أي: بيان لـ«ما» الشرطية.

والخير: المال، وكل ما يبذل في سبيل الله من نقد أو عين أو منفعة.

﴿ فَلِأَنْفُسِكُمْ ﴾ الفاء: رابطة لجواب الشرط، أي: فلأنفسكم نفعه وثوابه، وليس لله تعالى، فهو سبحانه الغني عن خلقه؛ كما قال تعالى في «البُدْن»: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [الحج: 37].

وأيضًا: فلأنفسكم وليس لغيرها، فكيف يبخل الإنسان على نفسه؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [المزمل: 20]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴾ [النبأ: 40].

﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾؛ أي: وما تنفقون إلا طلب وجه الله تعالى ورضاه، أي: طلب رؤية وجه الله تعالى الكريم ورضاه سبحانه، فالمؤمنون لا ينفقون إلا طلب وجه الله تعالى ورضاه؛ إذ لا ينفع من النفقة إلا ما كان لوجه الله تعالى.

ومن أنفق بهذا القصد فما عليه بعد ذلك، فالله يتولى نفقته ويثيبه؛ لقوله بعد ذلك: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾، وكما جاء في حديث الذي تصدق على زانية وعلى غني وعلى سارق، فقال: «اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق، فأُتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، أما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر، فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته»[16].

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾ الكلام فيه كما سبق.

﴿ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾، «يوفَّ»: جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلة، أي: وما تنفقوا من أي خير كان نقدًا أو عينًا أو منفعة قليلًا أو كثيرًا ﴿ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾.

أي: يُرجع إليكم وتعطون ثوابه وافيًا، كما قال تعالى: ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: 30]، وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7]، وقال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47]، بل يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.

﴿ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ الجملة حالية، أي: والحال أنكم لا تظلمون، أي: لا تنقصون ولا تبخسون شيئًا منه.

قوله تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾.

حث عز وجل في الآيات السابقة على الإنفاق وبذل الصدقات والخير، ثم بين في هذه الآية مصرف الإنفاق.

قوله تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾.

كأن سائلًا سأل، فقال: إلى أين يصرف الإنفاق والخير؟ فقال تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ ﴾ الآية، وهو متعلق بقوله: ﴿ تُنفقوا ﴾ في الآية السابقة، أو بمحذوف تقديره: الإنفاق والصدقات للفقراء.

و«الفقراء»: جمع «فقير» وهو المعدم الذي لا شيء عنده، أو عنده أقل من نصف الكفاية، مأخوذ من «الفقر» الذي يجتمع في الاشتقاق الأكبر مع «القفر»، وهي: الأرض الخالية التي لا شيء فيها، ومن هنا سمي الفقير؛ لأنه لا شيء عنده، أو مأخوذ من «فقار الظهر»؛ لأن الفقير؛ لشدة حاجته أشبه بمن انفصمت فقار ظهره فلا يستطيع الحراك، والمراد بـ«الفقراء» هنا ما يشمل «المساكين»؛ لأنه إذا أُفرد أحدهما دخل معه الآخر، و«المسكين»: من يجد نصف الكفاية فأكثر ولا يجد تمام الكفاية.

﴿ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: الحصر: المنع، أي: الذي منعوا ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾؛ أي: حبسوا أنفسهم في سبيل الله تعالى وجهاد أعدائه ونصر دينه، وقصروها على بذلها لله، وفي سبيله من المهاجرين وغيرهم.

﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ: الضرب في الأرض: السفر فيها، أي: لا يقدرون على السفر والتنقل في الأرض والبحث عن الرزق فيها والتكسب فيها؛ لمنع العدو لهم، أو لقلة ذات اليد، فلا راحلة ولا زاد، أو بسبب المرض والجراح والكسور ونحو ذلك.

﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ: قرأ أبو جعفر وابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين: ﴿ يَحْسَبُهُمُ ﴾، وقرأ الباقون بكسرها «يحسِبهم»؛ أي: يظنهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء.

﴿ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾ «من»: سببية، و«التعفف» هنا إظهار الاستغناء.

والمعنى: بسبب تعفُّفهم في لباسهم وحالهم عن إظهار المسكنة، وفي مقالهم عن السؤال، فإذا رآهم من لا يعرف حالهم ظنهم أغنياء، مع أنهم في غاية الفقر.

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة والقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس».


وفي رواية: «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا القمة واللقمتان، وإنما المسكين الذي يتعفف، اقرؤوا إن شئتم يعني قوله تعالى: ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾»[17].

﴿ تَعْرِفُهُمْ ﴾ أيها المشاهد العارف المتوسم المتفرس، ﴿ بِسِيمَاهُمْ ﴾؛ أي: بعلاماتهم وصفاتهم الدالة على أنهم فقراء، وإن أظهروا التعفف، كما قال تعالى: ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ ﴾ [الفتح: 29]، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد: 30].

وفرق بين المسكنة والتمسكن لمن منحه الله بصيرة وفراسة، وفي الحديث: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ [الحجر: 75]»[18].

﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾ ﴿ إِلْحَافًا ﴾: حال، أي ملحفين، و«الإلحاف»: الإلحاح في المسألة، وسؤال الناس وعنده ما يغنيه عن السؤال.

وفي الحديث: «أن من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف»[19].

والنفي هنا للقيد وهو «الإلحاف» وللمقيد وهو «السؤال»، أي: لا يسألون الناس مطلقًا؛ لقوله قبل ذلك: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾، فلو كانوا يسألون ما وُصفوا بالتعفف، ولما حسبهم الجاهل أغنياءَ بسبب ذلك، بل لحسبهم فقراءَ بسبب سؤالهم، فهم لا يسألون الناس بالكلية، وإن سألوا اضطرارًا لم يلحفوا في السؤال.

فذكر عز وجل أعلى أنواع السؤال المذموم، وهو السؤال مع الإلحاف الذي يَنِم عن سوء أدب وقلة حياء من السائل، ويؤذي المسؤول ويضايقه.

فمن اجتمعت فيهم هذه الصفات الست، فهم أَولى بالإنفاق والصدقات، وهي الفقر، والإحصار في سبيل الله، وعدم استطاعة الضرب في الأرض، والتعفف بدرجة أن من لا يعرفهم يظنهم أغنياءَ بسبب ذلك، ومعرفتهم بسيماهم، أي: معرفة حالهم وحاجتهم، وعدم سؤالهم الناس إلحافًا.

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾؛ أي: وما تبذلوا ﴿ مِنْ خَيْرٍ ﴾ قلَّ أو كثُر، من أي شيء كان ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾: جواب الشرط «ما» أي: فإن الله ذو علم تام به، ولن يضيع عنده، فهو لكم محتسب وثوابه عند الله لكم مدخر، أوفر ما يكون، وأحوج ما تكونون إليه.

[1] أخرجه الترمذي في «تفسير سورة البقرة» (2987)، وابن ماجه في الزكاة، النهي أن يخرج في الزكاة شر ماله (1822)، والطبري في «جامع البيان» (5/ 699)، والحاكم (2/ 285)، وقال الترمذي: «حديث صحيح حسن غريب»، وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي.

[2] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 428).

[3] انظر: «ديوانه» (ص69).

[4] انظر: «إغاثة اللهفان» (109).

[5] روي هذا مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أخرجه الترمذي في التفسير (2988)، وقال: «حديث حسن غريب»، وأخرجه النسائي في التفسير (2110)، وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 529)، وأخرجه الطبري مرفوعًا وموقوفًا على ابن مسعود في «جامع البيان» (5/ 6- 8).

[6] أخرجه البخاري في الزكاة (1442)، ومسلم في الزكاة (1010) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[7] «النونية» (ص11).

[8] أخرجه البخاري في العلم (73)، ومسلم في صلاة المسافرين (816)، وابن ماجه في الزهد (4208) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

[9] أخرجه البخاري في فضائل القرآن (5025)، ومسلم (815)، والترمذي في البر والصلة (1930)، وابن ماجه في الزهد (4209).

[10] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (5/ 8)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (2/ 531).

[11] في «مدارج السالكين» (2/ 449).

[12] أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» 7/ 106 (34553)، وأبو داود في الزهد ص106 (160)، والبيهقي في «شعب الإيمان» 2/ 201 (728).

[13] أخرجه البخاري في القدر (6608)، ومسلم في النذور (1639)، وأبو داود في الأيمان والنذور (3287)، والنسائي في الأيمان والنذور (3801)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

[14] أخرجه البخاري في الأذان (660)، ومسلم في الزكاة (1031)، والنسائي في آداب القضاة (5380)، والترمذي في الزهد (2391)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[15] أخرجه النسائي في «الكبرى» في التفسير، (11052)، والبزار في «مختصر زوائد البزار» (1450), والحاكم (2/ 285) وصححه، كما صححه ابن حجر في تعليقه على مختصر زوائد البزار.

[16] أخرجه البخاري في الزكاة (1421)، ومسلم في الزكاة (1022)، والنسائي في الزكاة (2523) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[17] أخرجه البخاري في الزكاة، قوله تعالى: ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾ (1479)، وفي التفسير (4539)، ومسلم في الزكاة المسكين الذي لا يجد غنى (1039)، وأبو داود في الزكاة (1631)، والنسائي في الزكاة (2571)، وأحمد (2/ 316).

[18] أخرجه الترمذي في تفسير سورة الحجر (3127)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقال: «حديث غريب».

[19] سيأتي تخريجه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #423  
قديم 02-11-2024, 08:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 145,540
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

فوائـد وأحكـام من قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ... ﴾


قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ * لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 267 - 273].

1- وجوب الإنفاق من طيبات الكسب ومما أخرجه الله لنا من الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾، وهذان هما أصول الأموال، والأصل في الأمر الوجوب، كإخراج الزكاة والنفقات الواجبة، ويحمل على الندب فيما هو مندوب؛ وذلك من مقتضيات الإيمان.

2- وجوب إخراج الزكاة في عروض التجارة؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ، وهي مما يكتسب في المعاملة والبيع والشراء.

3- يجب أن تكون النفقة من الكسب الطيب، واجبة كانت أو مندوبة؛؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾، ولا تجوز من الكسب الحرام، لمفهوم الآية.

4- وجوب الزكاة في الخارج من الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾.
وقد بينت السنة ما تجب فيه الزكاة بخصوصه من الخارج من الأرض من الحبوب والثمار والمعادن، ونحو ذلك، ومقدار النصاب، ومقدار الواجب فيه.
وقد قيل بوجوب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض لعموم الآية، والصحيح الأول بدلالة السنة.

5- تحريم قصد الرديء لإخراج الزكاة منه؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾، ولقوله: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾.
فلا يجوز إخراج الرديء في الزكاة، كما لا يلزم إخراج الأجود، بل يخرج الوسط، وإن أخرج الأجود فهو أكمل وأفضل، وإن كان كل ماله رديئًا جاز إخراج الزكاة منه؛ لأنه في هذه الحال لم يتيمم الخبيث، بل أخرج ما عنده.

6- وجوب الإنصاف من النفس وأن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، فلا يقصد الرديء لينفق منه وهو لا يقبل في المعاملة أخذ الرديء إذا كان الحق له إلا مع الكراهية، فكما لا يرضاه لنفسه، ينبغي أن لا يعطيه ويرضاه لغيره؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾.

7- أن من طبيعة الإنسان أن لا يقبل الظلم والغبن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾.

8- وجوب العلم بأن الله غني حميد؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾.

9- إثبات أن الله عز وجل حميد محمود في غناه؛ لواسع كرمه وجوده وعطائه، حميد يَحمد ويُثني على من أطاعه؛ لقوله تعالى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾.
وكثير من الخلق يذم على غناه؛ لبخله وشحه.

10- حرص الشيطان على إضلال وإغواء بني آدم، ووجوب الحذر منه؛ لقوله تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ﴾.

11- تسلط الشيطان على بني آدم، وبخاصة على من يتولونه ويتبعونه، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ [النحل: 100].

12- دقة مداخل الشيطان على الإنسان، حتى إنه ليبدو أنه الناصح يخوف المنفق من الفقر والمجاهد من القتل، وهكذا؛ لقوله تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ﴾، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175].

13- عداوة الشيطان لبني آدم، وأنه لا يأمر إلا بالشر؛ لقوله تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [النور: 21]، وهذا عام لجميع الشرور والمعاصي.

14- أن البخل وعدم الإنفاق من الفحشاء؛ لقوله تعالى: ﴿ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ﴾.

15- وعد الله عز وجل للمنفقين بمغفرة ذنوبهم وسترها والتجاوز عنها وزيادتهم من فضله بمضاعفة أجورهم في الآخرة، والمباركة لهم في أموالهم في الدنيا، وتأكيد ذلك وتعظيمه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ﴾.

16- إثبات أفعال الله تعالى الاختيارية المتعلقة بمشيئته، وإثبات المشيئة له عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ﴾, وقوله: ﴿ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.


17- فضل الله عز وجل بإعطائه الحكمة والعلم والرشد من يشاء من عباده؛ لقوله تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ﴾.

18- إثبات كمال حكمة الله عز وجل وعلمه؛ لأن ما يعطيه الله عز وجل لعباده من ذلك هو من حكمته وعلمه، كما قالت الملائكة: ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32]، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113].

19- أن من آتاه الله الحكمة فقد آتاه خيرًا كثيرًا، يوجب عليه معرفة عظم فضل الله عليه وشكره على ذلك بالقيام بحقه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾.

20- أنه إنما يتذكر ويتعظ أصحاب العقول السليمة الذين تهديهم عقولهم إلى الحق؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾.
بخلاف من لم يتعظوا بآيات الله تعالى فهم ليسوا من العقلاء حقًا، كما قال تعالى: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ [الأعراف: 179].

21- فضل العقل من بين أعضاء الجسم؛ لأنه مما ميز الله تعالى به الإنسان وكرمه به، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»[1].

22- علم الله عز وجل بما ينفق العباد من النفقات وما ينذرونه من النذور، قليلًا كان أو كثيرًا ومحاسبته ومجازاته لهم على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾.

23- ليس في الآية دليل على مشروعية النذر، ولكن فيها دليلٌ على وجوب الوفاء به إذا وقع ولم يكن في معصية الله تعالى كما في الحديث: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه»[2].

24- الرد على القدرية الذين يقولون: إن الخلق يستقلون بخلق أفعالهم وعلمها دون الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾.

25- أن الظالمين لا أنصار لهم يدفعون عنهم عذاب الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾، ومن لم ينصره الله فلا ناصر له.

26- التحذير من الظلم وعواقبه السيئة، وذم أهله.

27- الحث على الصدقات والترغيب فيها، سواء أظهرت أو أُخفيت؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾ الآية.

28- أن إبداء الصدقة وإظهارها قد يحسن أحيانًا كأن يريد من يظهر الصدقة أن يكون قدوة لغيره، ونحو ذلك، ولعل هذا هو السبب- والله أعلم- في تقديم قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾.

29- أن إخفاء الصدقة أفضل من إظهارها؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص وأستر للمُتَصدَّق عليه ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾.

30- أن من أعظم وأهم مصارف الزكاة الفقراء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ ﴾.
31- ينبغي أن لا يكلف الفقير البحث عن الزكاة والإتيان لصاحب المال، بل يذهب بها صاحب المال أو من يُنيبه ويعطيها الفقير؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ ﴾، ففي هذا مراعاة لشعور الفقير.

32- تفاضل الأعمال وأن بعضها خير من بعض؛ لقوله تعالى: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾، وهذا يستلزم تفاضل العمال، وزيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل العمال.

33- أن الصدقات من أسباب تكفير السيئات ومحوها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾، ففيها الخير والأجر والثواب، وتكفير السيئات.

34- تأكيد إحاطة علم الله تعالى بجميع أعمال العباد ومحاسبتهم ومجازاتهم عليها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾.

35- أن هداية توفيق الخلق ليست إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولا إلى غيره من الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾.
وإنما عليه صلى الله عليه وسلم البلاغ، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 67]، وقال تعالى: ﴿ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ [المائدة: 99].
وهكذا غيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكذا الدعاة إلى الله واجبهم البلاغ فقط.

36- اختصاص الله عز وجل بهداية التوفيق لمن شاء من عباده؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾.

37- أن ما ينفقه الإنسان من خير فلنفسه لا ينصرف لغيره، والله غني عنه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ﴾، ولا ينافي هذا أن يتصدق عن الغير كما دلت على ذلك السنة.

38- لا ينبغي أن يُقصد بالإنفاق إلا وجه الله تعالى، فهذا الذي يقبل وينفع صاحبه، دون ما عداه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ﴾.
وفي هذا أيضًا تزكية للمؤمنين بأنهم لا ينفقون إلا ابتغاء وجه الله وحث لهم على ذلك.

39- إثبات الوجه لله تعالى، كما يليق بجلاله وعظمته، وإثبات نظر المؤمنين إليه؛ لقوله تعالى: ﴿ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [القيامة: 22، 23]، وقال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26].

وقد فسر صلى الله عليه وسلم «الحسنى» بالجنة، و«الزيادة» بالنظر إلى وجه الله الكريم[3].

40- إعطاء المنفقين جزاء أعمالهم وافيًا من غير ظلم ولا نقصٍ؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.

بل إنه عز وجل يضاعف للمنفقين عملهم بما لا حد له.

41- كمال عدل الله عز وجل وأنه لا يظلم أحدًا، كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ﴾ [فصلت: 10]، وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [آل عمران: 182].

42- تأكيد حق الفقراء في الصدقات؛ لقوله تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ الآية.

43- أنه إنما يستحق الصدقات من الفقراء الذين لا قدرة لهم على الكسب؛ لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ ﴾.

وفي الحديث: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي»[4].

وجاء رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه من الصدقة، فصعَّد فيهما النظر وصوَّبه، ثم قال: «إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب»[5].

44- فضل التعفف عما في أيدي الناس؛ لقوله تعالى: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾.

45- ينبغي أن يكون الإنسان ذا فراسة وفطنة وتبصر وحذق ومعرفة، يعرف المسكين حقًّا من المتمسكن، فلا تنطلي عليه الأمور ولا يجهل؛ لقوله تعالى: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ ﴾.

46- الثناء على الذين لا يسألون الناس؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾، وفي هذا تعريض بذم سؤال الناس، فإن كان عن غير ضرورة فهو محرم.

وفي الحديث: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم»[6].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس أموالهم تكثرًا فإنما يسأل جمرًا، فليستقل أو ليستكثر»[7].

وعن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار، أو من جمر جهنم»، فقالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: «قدر ما يغديه أو يعشيه»[8].

وعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تبايعون رسول الله؟» وكنا حديث عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟»، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» قال: فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا- وأسر كلمة خفيَّة- ولا تسألوا الناس شيئًا»، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه[9].

47- أن من أشد أنواع السؤال ذمًا أن يُلحف الإنسان بالسؤال فيؤذي المسؤول، ويثقل عليه، أو يسأل وعنده ما يغنيه عن السؤال؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾، وفي الحديث: «من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف»[10].

48- تأكيد علم الله عز وجل بكل ما ينفقه العباد من خير ومجازاتهم عليه، وأنه لن يضيع عنده؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 40].

[1] أخرجه البخاري في الإيمان (52)، ومسلم في المساقاة (1599)، وابن ماجه في الفتن (3984)، من حديث النعمان ابن بشير رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في الأيمان والنذور (6696)، وأبو داود في الأيمان والنذور (3289)، والنسائي في الأيمان والنذور (3806)، والترمذي في النذور والأيمان (1526)، وابن ماجه في الكفارات (2126)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

[3] أخرجه مسلم في الإيمان (181)، والترمذي في صفة الجنة (2552)، وابن ماجه في المقدمة (187) من حديث صهيب رضي الله عنه، وأخرجه الطبري في «جامع البيان» (11/ 158- 161) من حديث أبي موسى وكعب بن عجرة، وأُبي بن كعب رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.

[4] أخرجه أبو داود في الزكاة (1634)، والترمذي في الزكاة (652) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقال: «حديث حسن».

[5] أخرجه أبو داود في الزكاة (1633)، والنسائي في الزكاة (2598) من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين حدثاه أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم... الحديث.

[6] أخرجه مسلم في الزكاة (1040)، من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنه.

[7] أخرجه مسلم في الزكاة (1041)، وابن ماجه في الزكاة (1838).

[8] أخرجه أبو داود في الزكاة (1629).

[9] أخرجه مسلم في الزكاة (1043)، وأبو داود في الزكاة (1642)، وابن ماجه في الجهاد (2867).

[10] أخرجه أبو داود في الزكاة (1628)، والنسائي في الزكاة (2595)، وأحمد (3/ 9) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #424  
قديم 03-11-2024, 12:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 145,540
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قوله تعالى:﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ...َ ﴾


قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 274 - 281].

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾.

في هذه الآية امتداح من الله- عز وجل- للمنفقين في سبيله في جميع الأوقات والأحوال، ووعد منه لهم- بالأجر عنده- عز وجل- وعدم الخوف والحزن.

قوله: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ﴾ «الذين» مبتدأ. وخبره جملة ﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾، والإنفاق: إخراج المال وبذله.

والمراد به هنا: إخراج المال وبذله في وجوهه الشرعية الواجبة كالزكاة، والنفقة على الأهل والأولاد، والكفارات ونحو ذلك، والمستحبة كسائر الصدقات والنفقات والهدايا، ونحو ذلك.

﴿ أَمْوَالَهُمْ ﴾ المال: اسم لكل ما يتمول ويملك من نقد، أو عين؛ من أثاث، أو عقار، أو غير ذلك.

﴿ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ الباء للظرفية، أي: في الليل والنهار، والمراد في جميع الأوقات.

﴿ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾: صفتان لمصدر محذوف وقع مفعولًا مطلقًا، أي: إنفاقًا سرًّا وعلانية، أو مصدران في موضع الحال، أي: مسرين ومعلنين.

ومعنى «سرًّا» أي: خفاءً. ﴿ وَعَلَانِيَةً ﴾؛ أي: جهرًا، كما قال تعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 75].

والمراد أنهم ينفقون في جميع الأحوال، وحسب مقتضى الحال، فبعض الأحوال والمواقف يحسن فيها الإسرار؛ لما فيه من الإخلاص لله، والسلامة من الرياء والسمعة؛ ولما فيه من ستر حال المنفَق عليه.

ولهذا ذكر صلى الله عليه وسلم ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»[1].

وفي بعض الأحوال قد يحسن الإعلان والإظهار، إذا كان المقصود من ذلك إظهار السنة، وإشهارها بين الناس.

ولهذا لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قوم من مضر قد اشتدت بهم الحاجة، تمعَّر وجهه صلى الله عليه وسلم، لما رأى بهم من الفاقة، وقام صلى الله عليه وسلم وخطب الناس، وحثَّ على الصدقة، ورغَّب فيها، فجاءه رجل بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى كان عنده كومان من طعام وثياب، فتهلل وجهه صلى الله عليه وسلم كأنه مذهبة، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء»[2].

﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ الجملة خبر المبتدأ ﴿ الَّذِينَ، واقترنت بالفاء لمشابهة الموصول للشرط في العموم، وهذه الجملة مكونة من مبتدأ وخبر، وقدم فيها الخبر، وهو قوله: ﴿ فَلَهُمْ ﴾ على المبتدأ ﴿ أَجْرُهُمْ ﴾ لتأكيد إثابتهم بذلك.

والمعنى: فلهم ثوابهم العظيم على إنفاقهم.

وسمي ثوابهم أجرًا؛ لأن الله- عز وجل- تكفل به- وأوجبه على نفسه، كما أوجب- عز وجل- على المستأجر دفع أجرة الأجير، قال صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»[3].

وقال صلى الله عليه وسلم: «قال الله- عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة؛ رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره»[4].

﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ في هذه إشارة لعظم ثوابهم، وتأكيد لضمان ذلك لهم؛ لأنه عند ربهم العظيم، خالقهم ومالكهم والمتصرف فيهم، ومربيهم بنعمه الظاهرة والباطنة.

كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 262]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 277].

وقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه: «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تضع في فيّ امرأتك»[5].

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة»[6].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فلوّه حتى تكون مثل الجبل»[7].

﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ الخوف يكون مما يستقبل، من حصول مكروه، أو فوات محبوب، أي: ولا خوف عليهم مما أمامهم، من أهوال القيامة، وغير ذلك، بل هم آمنون مطمئنون.

كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: 27 - 30].

وهم أيضًا في الدنيا آمنون مطمئنون، لا يخافون مما يخاف منه كثير من الناس، لاعتمادهم على ربهم- عز وجل- وخوفهم منه وحده.

كما قال الله- عز وجل: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 173، 175].

فلهم في الدنيا الأمن النفسي، والأسري، والاجتماعي والدولي، حالهم كما قال الشاعر:
سأعيش رغم الداء والأعداء
كالنسر فوق القمة الشماء
النور في جنبي وبين جوانحي
فعلام أخشى السير في الظلماء[8]



ولهم الأمن في الآخرة من أهوال يوم القيامة، وعذاب النار.

﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ الحزن يكون على ما مضى من فوات محبوب، أي: ولا هم يحزنون على ما أنفقوه لوجه الله تعالى، ولا على ما فاتهم من الدنيا، ولا على ما خلفوه فيها بعد مماتهم؛ لحقارتها في أعينهم، وثقتهم بأن ما عند الله هو خير لهم وأبقى، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأحقاف: 13].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ [فصلت: 30، 31].

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾.

ذكر الله- عز وجل- في الآية السابقة المنفقين أموالهم في سبيل الله في جميع الأوقات والأحوال ابتغاء مرضاة الله- عز وجل- وما أعد لهم من الأجر العظيم والأمن من الخوف والسلامة من الحزن، ثم أتبع ذلك بذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل، وما أعد لهم من سوء الحال والمآل، والخلود في النار وبئس القرار.

قوله: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا ﴾ الربا في اللغة: الزيادة؛ قال تعالى: ﴿ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً ﴾ [الحاقة: 10]؛ أي: زائدة، وقال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [الحج: 5]؛ أي: زادت، وعلت.

وفي الشرع: زيادة بين شيئين يحرم التفاضل بينهما، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء»[9].

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب، تبرها وعينها، والفضة بالفضة، تبرها وعينها، والبر بالبر مدي بمدي، والشعير بالشعير مدي بمدي، والتمر بالتمر، مدي بمدي، والملح بالملح مدي بمدي، فمن زاد أو ازداد، فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما يدًا بيد، وأما نسيئة فلا، ولا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يدًا بيد، وأما نسيئة فلا»[10].

ومعنى ﴿ يَأْكُلُونَ الرِّبَا ﴾؛ أي: يأخذونه وينتفعون به بأي وجه من أوجه الانتفاع من أكل أو شرب أو لباس أو سكن أو مركب، أو غير ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 16].

وعبر بالأكل مع أن أخذ الربا وصرفه في أي وجه من وجوه الاستعمال كل ذلك سواء؛ لأن الأكل هو المقصود الأهم من جمع المال، وهو- كما يقال: كسوة الباطن.

وقد قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 278].

وهذا أعم من الأكل، وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله»[11]. وفي رواية زيادة «وكاتبه وشاهديه»[12].

﴿ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ﴾؛ أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة، ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين: 6].

﴿ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ﴾ «إلا» أداة حصر، و«الكاف» للتشبيه، و«ما» مصدرية، أي: إلا قيامًا كقيام ﴿ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، والخبط والتخبط: الضرب الشديد العشوائي، الذي لا يتقي شيئًا، والمعنى: الذي يصرعه الشيطان ويمسه بالجنون، فهم يقومون ويسقطون، وذلك عقوبة لهم، وخزي وفضيحة وهوان، وهذا خبر عنهم ووعيد لهم.

والشيطان: كل متمرد عات خارج عن طاعة الله تعالى سمي بذلك لأنه شطُن وبَعُد عن رحمة الله تعالى وعن كل خير، ورأس الشياطين وأصلهم إبليس. لعنه الله.

عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، قال: «ذلك حين يبعث من قبره»[13].

وقيل: لا يقومون في حياتهم عند التعامل بالربا إلا كقيام الذي يصرعه الشيطان ويمسه بالجنون، فهم في قيامهم وتصرفاتهم وجشعهم حين تعاملهم بالربا أشبه بالمجانين، قد أذهب عقولهم حب المال، وجمعه بأي وسيلة، ولو كان من طريق الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل، وفي هذا تشنيع عليهم، وبيان سوء حالهم في الدنيا قبل الآخرة. وهذه حالهم في الدارين.

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، الإشارة لقيامهم كقيام من يتخبطه الشيطان من المس، والباء للسببية، أي: إنما جُوزوا بما ذكر بسبب أنهم ﴿ قَالُوا ﴾ بلسان المقال والحال:
﴿ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾؛ أي: إنما البيع شبه الربا ونظيره، فلم حرم الربا، وأبيح البيع، وهما متماثلان وشبيهان.

وهذا منهم اعتراض على الله- عز وجل- في أحكامه وشرعه، سواء كان عمي عليهم الفرق بينهما، أو قالوا ذلك على سبيل المكابرة، وهو الأظهر. فجمعوا بين فعل المحرم واستحلاله.

قال ابن كثير[14]: «وليس هذا منهم قياسًا للربا على البيع؛ لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا: ﴿ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾؛ أي: هو نظيره، فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا».

وقال السعدي[15]: «فجمعوا بجراءتهم بين ما أحل الله وبين ما حرَّم الله، واستباحوا بذلك الربا».

وليس ببعيد عن هؤلاء ما عليه كثير من الناس اليوم من إقدام كثير منهم على المعاملات الربوية المحرمة، أو التساهل في الدخول في المعاملات والمساهمات المختلطة وغير النقية، مصداق قوله- صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا» قيل له: الناس كلهم؟ قال: «من لم يأكله منهم ناله من غباره»[16].

﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا: الواو: استئنافية، وهذا رد عليهم في اعتراضهم وقولهم: ﴿ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾.

فبيَّن الله - عز وجل - أنهما ليسا مثيلين؛ لأن الله - عز وجل - فرق بينهما، فأحل عز وجل البيع وأباحه، وحرم الربا ومنعه، عقدًا وأخذًا.

أباح- عز وجل- البيع لحاجة الناس إليه، ومنع الربا لأنه أخذ لمال الغير بلا عوض، وسبب لركود الاقتصاد وتضخم الأموال عند الأغنياء على حساب الفقراء، بلا كد ولا تعب، وانقطاع القرض الحسن الذي ندب الله- عز وجل- إليه، إلى غير ذلك.

﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى ﴾ الفاء: استئنافية، و«من» شرطية، «جاءه» فعل الشرط، وجوابه: ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾.

والموعظة: ذكر الحكم مقرونًا بالترغيب بامتثاله أمرًا كان أو نهيًا، والترهيب من مخالفته.

والمعنى هنا: فمن أتاه وبلغه ﴿ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ بتحريم الربا، والنهي عنه، والوعيد عليه، كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 130].

﴿ فَانْتَهَى ﴾ أي: كف عن الربا، وتركه، وتاب منه.

﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾؛ أي: فله ما مضى من المعاملة بالربا، وما تم قبضه منه، قبل التحريم وقبل العلم بالحكم، دون ما لم يقبضه؛ لقوله تعالى في الآيات التالية بعد هذه الآية: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 278، 279].

ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبدالمطلب، فإنه موضوع كله»[17].

﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾؛ أي: وشأنه إلى ﷲ تعالى في مجازاته على الانتهاء من الربا، وهذا أشبه بالوعد، ويقوي هذا مقابلته بالوعيد في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾.

أي: ﴿ ﴿ وَمَنْ عَادَ ﴾ إلى أخذ الربا وأكله بعد أن بلغه تحريمه والوعيد عليه.

﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ الإشارة بالجمع باعتبار معنى «من» أي: فأولئك العائدون إلى أخذ وأكل الربا، وما نهى الله عنه.

﴿ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾ أي: أهلها وساكنوها وملازموها، ملازمة الصاحب لصاحبه.

﴿ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾؛ أي: هم فيها مقيمون.

وقد أشار إليهم بإشارة البعيد «أولئك» تحقيرًا لهم، وأكد ملازمتهم النار وخلودهم فيها بكون الجملة اسمية معرفة الطرفين.

والخلود في الآية قد يحمل على الخلود الأبدي إذا كان المراد بالآية العودة إلى فعل ما يكفر من الذنوب، كاستحلال الربا، وغيره من المحرمات والمعاصي، وكالإشراك بالله، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 48].

وقد يحمل الخلود على طول المكث والإقامة في النار، دون الخلود فيها إذا كان المراد العودة إلى فعل ما لا يكفر من الذنوب والمعاصي، كأخذ الربا من غير استحلال له، ونحو ذلك.

قوله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾.

قوله: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾؛ أي: يزيله ويذهبه حسيًّا بالآفات والجوائح، ومعنويًّا بنزع بركته فلا ينتفع به صاحبه، معاملة له بنقيض قصده، حيث أراد الزيادة بهذا المسلك فصار أمره إلى قلة.

كما قال تعالى: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴾ [الروم: 39]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 101].

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل»[18].

وفي رواية: «ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة»[19].

فأخذ الربا وأكله محق للكسب والمال، بخلاف ما يعتقده المرابون من أنه يزيد المال، كما أنه محق لبركة الأعمار، وفساد في الأخلاق، في الأنفس والأهل والأولاد، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «إنه لا يربو لحم نبت من سحت، إلا كانت النار أولى به»[20].

وذكر صلى الله عليه وسلم: «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك»[21].

ولهذا اعتبر الربا محاربة ﷲ ورسوله، كما قال تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 279].

و«لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه»[22].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الربا سبعون حوبًا، أيسرها أن ينكح الرجل أمه»[23].

وعن عبدالله بن حنظلة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشد من ست وثلاثين زنية»[24].

﴿ وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ «ويُرْبي» بضم الياء والتخفيف من «ربا الشيء يربو» أي: زاد ونما «وأرباه» أي: زاده ونماه «يُرْبيه» أي: يزيده، وينميه.

والمعنى: ويزيد الصدقات وينميها ويضاعفها، بزيادة أجرها، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.

ويزيد أموال المتصدقين معنويًا؛ بالبركة فيها، وحسيًّا؛ بتنميتها ومضاعفتها بالخلف العاجل في الدنيا.

قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 245].

وقال تعالى: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴾ [الروم: 39].

وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا»[25].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تصدق بعدل تمرة، من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل»[26].

وفي رواية: «فيربيها كما يربي أحدكم مُهْره- أو فلوه- حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله- عز وجل: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 104] و﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾»[27].


يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #425  
قديم 03-11-2024, 12:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 145,540
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله



وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى تكون مثل أحد»[28].

وقال صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال»[29].

والواقع أكبر شاهد على هذا، فكم من أموال بارك الله فيها، فزادت وتضاعفت بسبب الإنفاق منها، والبذل والصدقات، وحفظها الله بذلك من الكوارث والآفات. وكم من أموال محقت بركتها، وتعرضت للتلف والآفات والهلاك بسبب عدم الإنفاق منها، ومنع الزكاة والصدقات.

﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ ﴾ في قلبه، ﴿ أَثِيمٍ ﴾ في قوله وفعله.

و«كفَّار» على وزن «فعَّال» صفة مشبهة أو صيغة مبالغة، أي: عظيم الكفر كثيره.

وقد يراد به كفر نعم الله- عز وجل- وعدم شكرها، وما لا يخرج من الملة، وقد يراد به الكفر الأكبر المخرج من الملة.

و«أثيم» على وزن «فعيل» صفة مشبهة أو صيغة مبالغة، أي: كثير الإثم وعظيمه بإصراره على الربا وكبائر الذنوب، أو على الكفر والشرك.

وإذا كان الله- عز وجل- لا يحبه- فإنه- عز وجل- يبغضه ويكرهه. وفي هذا وعيد شديد له، لأن من أبغضه الله عذبه، كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الزخرف: 55]، ويؤخذ من مفهوم الآية محبة الله- عز وجل- لمن كان بضد الكَفّار الأثيم، وهو المؤمن الشكور المطيع لله والتائب من المآثم والذنوب، والوعد له بالأجر والثواب.

قال ابن كثير[30]: «ولابد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع الله له من التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم، يأكل أموال الناس بالباطل».

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾.

ذم الله- عز وجل- في الآيتين السابقتين أكلة الربا، وذكر سوء حالهم ومآلهم، وخسرانهم في الدنيا والآخرة، وخلودهم في النار، وعدم محبة الله لهم، ولكل كفار أثيم.

ثم أتبع ذلك بامتداح أهل الإيمان والعمل الصالح وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وبيان ما أعد لهم عنده من الأجر العظيم، والأمن والسلامة من الحزن.

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾؛ أي: إن الذين آمنوا وصدقوا بقلوبهم وألسنتهم بكل ما يجب الإيمان به، وعملوا الأعمال الصالحات بجوارحهم، إذ لا يستقيم الإيمان بدون العمل، ولا يقبل العمل بدون الإيمان.

وحذف الموصوف وهي «الأعمال» واكتفى بالصفة وهي «الصالحات» لأن المهم كون العمل صالحًا، أي: خالصًا لله- عز وجل- موافقًا لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: 125].

أي: أخلص العمل لله- عز وجل- وهو متبع لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فبالإخلاص لله تعالى السلامة من الشرك، وبالمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم السلامة من الابتداع.

﴿ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾ من عطف الخاص على العام، أي: وأقاموا الصلاة إقامة تامة بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، فهي الصلاة التي تنفع صاحبها، وهذا هو المقصود من الأمر بالصلاة.

﴿ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ﴾ أي: أعطوا الزكاة لمستحقيها، من الفقراء والمساكين وغيرهم، وخص الصلاة والزكاة- دون سائر العبادات؛ لأن الصلاة أعظم العبادات البدنية، فهي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ وهي عمود الإسلام.

ولأن الزكاة أعظم العبادات المالية، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام وهي قرينة الصلاة، ففي الصلاة الإحسان في عبادة الله- عز وجل- وفي الزكاة الإحسان إلى عباد الله تعالى.

﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾؛ أي: لهم ثواب إيمانهم وأعمالهم الصالحات وصلاتهم وزكاتهم.

وفي تسمية ثوابهم أجرًا تأكيد لتكفله- عز وجل- لهم بذلك، وفي كونه عند ربهم تعظيم له، وتأكيد ثان لتكفله- عز وجل- لهم به؛ لأنه عند ربهم، الذي لا يخلف الميعاد، الكريم الجواد، مربيهم بسائر النعم، التي لا تحصى.

وأضاف اسم «الرب» إلى ضميرهم تشريفًا وتكريمًا لهم.

ولم يقل: «عند الله» إشارة لفضله السابق عليهم بتربيته لهم، فهو ربهم خالقهم ومالكهم والمتصرف فيهم، وفيه توكيد لضمانه- عز وجل- هذا الأجر لهم، فهو- عز وجل- ذو الفضل السابق عليهم، وهو سبحانه ذو الفضل والإنعام اللاحق عليهم.

﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ فيما يستقبل، ومما أمامهم من أهوال القيامة، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82].

﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾؛ أي: ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا، ولا على ما خلفوا بعد موتهم، من أهل وولد ومال، وغير ذلك.

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.

قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ «يا» حرف نداء، و«أي» منادى مبني على الضم في محل نصب و«ها» للتنبيه، و«الذين» صفة لأي، أو بدل منها.

﴿ آمَنُوا ﴾ صدقوا بقلوبهم وألسنتهم.

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أي: اتقوا الله بجوارحكم، بفعل ما أمركم الله به، وترك ما نهاكم الله عنه.

﴿ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ﴾؛ أي: اتركوا ما بقى من الربا، مما لم يقبض، وإن كان معقودًا عليه.

وهذا في مقابل قوله تعالى: ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾؛ أي: فله ما سلف قبضه قبل نزول التحريم، دون ما لم يقبض قبل ذلك فيجب تركه.

والأمر بترك ما بقي من الربا أمر بترك الشروع فيه وإنشائه من جديد من باب أولى وأحرى.

﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ إن: «شرطية»، و«كنتم»: فعل الشرط، وجوابه دل عليه ما سبق. أي: إن كنتم مؤمنين حقًّا صادقين في إيمانكم فاتقوا الله وذروا ما بقي من الربا.

فمن شرط الإيمان تقوى الله وترك الربا، ومن أعظم تقوى الله ترك الربا، وفي هذا إغراء وإثارة للهمم وتحريك للمشاعر.

قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾.

قوله: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾ أي: فإن لم تذروا ما بقى من الربا.

﴿ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم، وخلف «فآذنوا» بالمد وكسر الذال أمر من «آذن» الرباعي، بمعنى «أَعْلَمَ»، يقال: آذنه بكذا، أي: أعلمه، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ ﴾[الأنبياء: 109]، والمعنى: أَعْلِموا أنفسكم وغيركم ﴿ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾.

وقرأ الباقون بالقصر وفتح الذال: ﴿ فَأْذَنُوا ﴾ أمر من «أذن» الثلاثي بمعنى: «اعْلَموا»، يقال: «أذن بالشيء»: إذا علم به، أي: كونوا على علم، ﴿ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ قال: ابن عباس: «فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله»[31].

و«من» في قوله: ﴿ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ لابتداء الغاية، فالمرابي محارب من الله ورسوله، ومحارب لله ورسوله.

وهذا من أشد التهديد وأعظم الوعيد، إذ لم يرد وصف عمل من الأعمال بأنه محاربة لله ورسوله سوى الربا، وقطع الطريق والسعي بالأرض بالفساد.

ولهذا اعتبر بعض أهل العلم أن الربا أكبر الكبائر وأعظمها بعد الشرك.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «الربا نيّف وسبعون بابًا أيسرها مثل أن يأتي الرجل أمه»[32].

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾»[33].

قال ابن القيم[34] في كلامه على الآية: «ففي ضمن هذا الوعيد أن المرابي محارب لله ولرسوله، فقد آذن الله بحربه، ولم يجئ هذا الوعيد في كبيرة سوى الربا وقطع الطريق والسعي في الأرض بالفساد؛ لأن كل واحد منهما مفسد في الأرض، قاطع الطريق على الناس، هذا بقهره وتسلطه عليهم، وهذا بامتناعه من تفريج كرباتهم إلا بتحميلهم كربات أشد منها».

وعطف اسم الرسول صلى الله عليه وسلم أو وصفه على اسم الله بالواو في قوله: ﴿ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾؛ لأن محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم محاربة لله- عز وجل- كما أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة لله تعالى.

وهذا بخلاف باب القدر والمشيئة فلا يجوز فيه عطف اسم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو وصفه على اسم الله- عز وجل- بالواو؛ لأنها تقتضي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه.

﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ ﴾ أي: رجعتم إلى الله- عز وجل- بترك الربا.

والتوبة: الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وذلك بالإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على عدم العودة إليها، وكونها في وقتها قبل بلوغ الروح الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها، وكونها خالصة لله عز وجل.

﴿ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ ﴾ جواب الشرط في قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ ﴾ أي: فلكم أصول أموالكم كاملة دون الربا.

﴿ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ الظلم: النقص، ووضع الشيء في غير موضعه على سبيل التعدي، أي: لا تظلمون غيركم، بأخذ الزيادة منهم، ﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ أنتم بنقص شيء من رؤوس أموالكم.

قال ابن القيم[35]: «يعني إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه، وقد عاقدتم عليه فإنما لكم رؤوس أموالكم، لا تزادون عليها فتظلمون الآخذ، ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها».

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾.

قوله: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ الواو: عاطفة، و«كان»: تامة، و«ذو»: فاعل مرفوع بالواو؛ لأنه من الأسماء الستة، وهي بمعنى: صاحب، أي: وإن وجد صاحب عسرة، أي: صاحب إعسار، وهو الذي لا يجد وفاءً لدينه.

﴿ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾: جواب الشرط في قوله: ﴿ وَإِنْ كَانَ ﴾ والفاء: رابطة لجواب الشرط، أي: فله نظرة، أو فعليكم نظرة إلى ميسرة.

قرأ نافع المدني: «ميسُرة» بضم السين، وقرأ الباقون بفتحها: ﴿ مَيْسَرَةٍ ﴾.
والمعنى: فيجب عليكم إنظاره إلى إيسار.
﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ قرأ عاصم: ﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُوا ﴾ بتخفيف الصاد.
وقرأ الباقون بتشديدها، «وأن تَصَّدَّقوا».

وجملة ﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُوا ﴾ في محل رفع مبتدأ، و﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ خبره، أي: وأن تصدقوا على المدين، فتضعوا عنه دينه، أو بعضه.

﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ أي: خير لكم من إنظاره في دنياكم وأخراكم، فهو في الدنيا سبب للبركة والزيادة في المال والألفة والأخوّة بين المدين ودائنه، وفي الآخرة سبب لمضاعفة الأجر والثواب الجزيل من الله عز وجل.

فأوجب عز وجل أولًا إنظار المعسر، ثم ندب ثانيًا إلى الصدقة عليه والوضع عنه.

عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: لا. قالوا: تَذَكَّر. قال: كنت أداين الناس، فآمر فتياني أن ينظروا المعسر، ويتجوّزوا عن الموسر. قال: قال الله- عز وجل: تجوّزوا عنه»[36].

وعن أبي اليسر، كعب بن عمرو، أنه قال: «من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله»[37].

﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾؛ أي: إن كنتم ذوي علم، فتصدقوا، كما في قوله تعالى: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 184]؛ أي: إن كنتم ذوي علم فصوموا.

عن أبي أمامة أسعد بن زرارة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر، أو ليضع عنه»[38].

وعن بريدة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أَنْظَر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة»، قال: ثم سمعته يقول: «من أنظر معسرًا، فله بكل يوم مثلاه صدقة».

قلت: سمعتك- يا رسول الله- تقول: «من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة» ثم سمعتك تقول: «من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة»؟! قال: «له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره، فله بكل يوم مثلاه صدقة»[39].


وعن محمد بن كعب القرظي: أن أبا قتادة كان له دين على رجل، وكان يأتيه يتقاضاه، فيختبئ منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي، فسأله عنه، فقال: نعم، هو في البيت يأكل خزيرة[40]، فناداه: يا فلان، اخرج، فقد أخبرت أنك ههنا، فخرج إليه، فقال: ما يغيبك عني؟ فقال: إني معسر، وليس عندي. قال: آلله إنك معسر؟ قال: نعم، فبكى أبو قتادة، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من نفس عن غريمه- أو محا عنه- كان في ظل العرش يوم القيامة»[41].

وفي رواية: «أن أبا قتادة طلب غريمًا له، فتوارى عنه، ثم وجده، فقال:إني معسر. فقال: آلله؟ قال: آلله. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر، أو يضع عنه»[42].

قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾.

عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: «آخر آية نزلت ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾»[43].

قوله: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا ﴾ «يومًا» مفعول به منصوب، والمراد به يوم القيامة.

ونكّر للتعظيم، أي: احذروا عذاب يوم القيامة، وما فيه من الأهوال والنكال، كما قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 131]؛ أي: احذروا النار.

وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»[44]، أي: احذر دعوة المظلوم.

أي: اجعلوا وقاية بينكم وبين عذاب هذا اليوم، العظيم، الثقيل، العسير، الشديد، القمطرير، الذي يجعل الوالدان شيبًا، بتقوى الله- عز وجل- وفعل أوامره واجتناب نواهيه.

﴿ تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ الجملة صفة لـ «يومًا» قرأ أبو عمرو ويعقوب بفتح التاء، وكسر الجيم «تَرجِعون» على البناء للفاعل، وقرأ الباقون بضم التاء، وفتح الجيم ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ على البناء لما لم يسم فاعله.

أي: تردون فيه إلى الله - عز وجل - للحساب والجزاء؛ ولهذا قال بعده:
﴿ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾؛ أي: ثم تعطى كل نفس جزاء الذي كسبت، أو جزاء كسبها، أي: جزاء عملها تامًّا وافيًا غير منقوص، خيرًا كان أو شرًّا، ثوابًا كان أو عذابًا.

﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ الجملة حالية، أي: حال كونهم لا يظلمون.

أي: وهم لا يظلمون أيَّ ظلم، فلا ينقص من ثوابهم مثقال ذرة، ولا يزاد في عذابهم مثقال ذرة، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 40]، وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8].

[1] أخرجه البخاري في الأذان (660)، ومسلم في الزكاة (1031)، والنسائي في آداب القضاة (5380)، والترمذي في الزهد (2391)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] أخرجه مسلم في الزكاة (1017)، والنسائي في الزكاة (2554)، والترمذي في العلم (2675)، وابن ماجه في المقدمة (203)، من حديث جرير رضي الله عنه.

[3] أخرجه ابن ماجه في الأحكام (2443)، من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.

[4] أخرجه البخاري في البيوع (2227)، وابن ماجه في الأحكام (2442)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[5] أخرجه البخاري في الوصايا (2742)، ومسلم في الوصية (1628)، وأبو داود في الوصايا (2118)، والنسائي في الوصايا (3615- 3619)، والترمذي في الجنائز (974)، وابن ماجه في الوصايا (2669)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

[6] أخرجه البخاري في الإيمان (55)، ومسلم في الزكاة (1002)، والنسائي في الزكاة (2545)، والترمذي في البر والصلة (1965).

[7] أخرجه البخاري في الزكاة (1410)، ومسلم في الزكاة (1014)، والنسائي في الزكاة (2525)، والترمذي في الزكاة (661)، وابن ماجه في الزكاة (1842)، والطبري في «جامع البيان» (5/ 46، 47).

[8] البيتان لأبي القاسم الشابي. انظر: «ديوانه» ص (11).

[9] أخرجه مسلم في المساقاة (1584)، والنسائي في البيوع (4565).

[10] أخرجه أبو داود في البيوع (3349).

[11] أخرجه مسلم في المساقاة (1597)، والنسائي في الطلاق (3416).

[12] أخرجها أبو داود في البيوع (3333)، والترمذي في البيوع (1206)، وابن ماجه في التجارات (2277)، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

[13] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (5/ 39).

[14] في «تفسيره» (1/ 483).

[15] في «تيسير الكريم الرحمن» (1/ 337).

[16] أخرجه أبو داود في البيوع (3331)، والنسائي في «البيوع» (4455)، وابن ماجه في التجارات (2278)، وأحمد (2/ 494) – من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[17] أخرجه مسلم في الحج (1218)، وأبو داود في المناسك (1905)، وابن ماجه في المناسك (3074)، من حديث جابر رضي الله عنه.

[18] أخرجه أحمد (1/ 395)، وابن ماجه في التجارات (2279)، والحاكم (2/ 37، 4/ 317).

[19] أخرجها ابن ماجه في التجارات (2279).

[20] أخرجه الترمذي في الجمعة (614)، من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه وقال: «حديث حسن غريب».

[21] أخرجه مسلم في الزكاة (1015)، والترمذي في التفسير (2989)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[22] سبق تخريجه.

[23] أخرجه ابن ماجه في التجارات (2274)، وأخرجه الحاكم (2/ 37)، من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه بلفظ: «الربا ثلاثة وسبعون بابًا...» الحديث. وفيه زيادة: «وإن أربا الربا عرض الرجل المسلم». وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».

[24] أخرجه أحمد (5/ 225).

[25] أخرجه البخاري في الزكاة (1442)، ومسلم في الزكاة (1010)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[26] أخرجه البخاري في الزكاة (1410)، ومسلم في الزكاة (1014).

[27] أخرجها أحمد (2/ 471)، والترمذي في الزكاة (662)، وقال: «حسن صحيح» وابن أبي حاتم في «تفسيره» (2/ 547)

[28] أخرجه أحمد (6/ 251)، والطبري في «جامع البيان» (5/ 47).

[29] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (2588)، والترمذي في البر والصلة (2029)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[30] في «تفسيره» (1/ 489).

[31] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (5/ 53).

[32] سبق تخريجه.

[33] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (5/ 39، 52)، وابن أبي حاتم في «تفسيره (2/ 550).

[34] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 434- 435).

[35] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 435)..

[36] أخرجه البخاري في البيوع (2077)، وفي الاستقراض (2391)، ومسلم في المساقاة (1560)، وأخرجه- مختصرًا- ابن ماجه في الأحكام (2420)، وأحمد (4/ 118).

[37] أخرجه مسلم في الزهد والرقائق (3014)، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام (2419) بلفظ: «من أحب أن يظله الله في ظله..».

[38] أخرجه الطبراني فيما ذكر ابن كثير في «تفسيره» (1/ 491).

[39] أخرجه أحمد (5/ 360)، وأخرجه ابن ماجه- مختصرًا- في الأحكام (2418)، وأخرجه أحمد أيضًا (4/ 442، 443)- مختصرًا من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.

[40] الخزيرة: لحم يقطع صغارًا ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج ذر عليه الدقيق.

[41] أخرجه أحمد (5/ 308).

[42] أخرجها مسلم في المساقاة (1563).

[43] أخرجه البخاري في البيوع معلقًا بصيغة الجزم. انظر: «فتح الباري» (5/ 314)، وأخرجه النسائي وابن مردويه فيما ذكره ابن كثير في «تفسيره» (1/ 494).

[44] أخرجه البخاري في المظالم والغصب (2448)، ومسلم في الإيمان (19)، وأبو داود في الزكاة (1584)، والترمذي في الزكاة (625)، وابن ماجه في الزكاة (1783)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #426  
قديم 03-11-2024, 12:12 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 145,540
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

فوائـد وأحكـام من قوله تعالى:﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ... ﴾


من قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 275 - 281].

1- ثناء الله- عز وجل- على الذين ينفقون أموالهم ابتغاء وجه الله في جميع الأوقات والأحوال ليلًا ونهارًا، وسرًّا وإعلانًا؛ لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾.

2- جواز الإعلان بالنفقة وإظهارها، واجبة كانت أو مستحبة، وقد يكون أولى من الإسرار بها، كما إذا كان القصد من ذلك إظهار السنة وإشهارها، وقد يكون الإسرار أولى، كما إذا خاف الإنسان على نفسه من الرياء ونحو ذلك.

3- عظم ما أعده الله- عز وجل- من الثواب للمنفقين في سبيله، وتكفله- عز وجل- بذلك لهم، وقد أكد ذلك بتقديم الخبر في قوله: ﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾، وبتسميته أجرًا، وإضافته إلى نفسه وأنه عنده، وإضافة «رب» إلى ضميرهم في قوله- عز وجل: ﴿ رَبِّهِمْ؛ أي: خالقهم ومالكهم ومربيهم بسائر النعم.

4- تشريف المنفقين وتكريمهم بإضافة «رب» إلى ضميرهم في قوله عز وجل: ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾، وإثبات ربوبية الله تعالى الخاصة لهم.

5- أن مما أعده الله- عز وجل- للمنفقين في سبيله كمال الأمن وانشراح الصدور في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾.

6- الترغيب في الإنفاق في سبيل الله، في جميع الأوقات، ليلًا ونهارًا، وفي جميع الأحوال، سرًّا وإعلانًا؛ لعظم ما أعده الله- عز وجل- للمنفقين من الثواب، وعدم الخوف والحزن.

7- أن كمال السعادة إنما يحصل باجتماع الأجر والثواب، وانتفاء الخوف والحزن، أي: بحصول المطلوب وزوال المرهوب.

8- التحذير من الربا، وذم آكليه والتهديد لهم، والتشنيع عليهم، وبيان سوء حالهم وأنهم لا يقومون إلا كما يقوم المجنون، الذي تخبطه الشيطان وصرعه ومسّه؛ لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ﴾.

9- إثبات مس الجن وصرعهم للإنس؛ لقوله تعالى: ﴿ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ﴾.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لماعز بن مالك: «أبك جنون»[1]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»[2].

10- أن سبب أخذ المرابين للربا وعقوبتهم بما ذكر قولهم: إنما البيع مثل الربا، واستحلالهم له؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾.

11- جرأة أكلة الربا على الاعتراض على حكم الله الشرعي في تحريم الربا وتحليل البيع، وقياسهم الفاسد، وجمعهم بين ما حرم الله وبين ما أحل بقولهم: ﴿ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾.
أي: فإذا كان البيع حلالًا ينبغي أن يكون الربا حلالًا، وإذا كان الربا حرامًا ينبغي أن يكون البيع حرامًا.

12- أن الله- عز وجل- أحل البيع وحرم الربا، والحكم له وحده دون من سواه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾.
فيجب التسليم لحكمه، عرفنا الحكمة في ذلك، أم لم نعرفها. وفي هذا رد على المعترضين على حكمه- عز وجل- في ذلك.

13- إثبات الفرق الشاسع والبون الواسع بين الربا والبيع؛ لأن الله- عز وجل- فرق بينهما فأحل البيع وحرم الربا، فالبيع ضرورة من ضرورات الحياة للتعامل بين الناس، وتبادل المنافع بينهم، وتأمين حاجاتهم.
والربا أكل لأموال الناس بالباطل، وظلم لهم، وسبب لتلف الأموال، ومحق بركتها.

14- تذكير الله- عز وجل- العباد- بآيات القرآن الكريم ووعظهم بما فيها من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾.

15- في إضافة «رب» إلى الضمير في قوله: ﴿ مِنْ رَبِّهِ ﴾ إثبات ربوبية الله تعالى العامة، وتذكير بنعمة ربوبية الله- عز وجل- واستعطاف لقلوب المخاطبين- عسى أن تلين وتقبل الموعظة.

16- أن من انتهى من الربا وتاب منه بعد أن بلغه النهي عنه فله ما أخذ قبل ذلك، دون ما لم يقبضه فلا يحل له، وأمره فيما يستقبل، وفي الآخرة إلى الله؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربانا، ربا العباس ابن عبدالمطلب، فإنه موضوع كله»[3].

17- الوعيد الشديد والتهديد الأكيد لمن عاد إلى أكل الربا بعد أن بلغته الموعظة، بملازمة النار والخلود فيها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾.

18- عظم الربا وأنه من أكبر الكبائر؛ لأن الله توعد آخذه بملازمة النار والخلود فيها. وقد عده بعض أهل العلم أكبر الكبائر بعد الشرك بالله؛ لأنه محاربة لله ورسوله؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 278، 279].

19- محق الربا بإزالته وإتلافه ونزع بركته؛ لقوله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾.
وفي هذا معاملة المرابي بنقيض قصده وسد أبواب الطمع أمام المرابين.

20- زيادة الصدقات بمضاعفة أجورها الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والخلف عنها بزيادة المال ونموه وبركته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾.

21- فرْقٌ بين الربا والصدقات، فالربا سبب لمحق المال، والصدقات سبب لنموه وزيادته.

22- نفي محبة الله- عز وجل- عن كل كفار أثيم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾.
وفي هذا تحذير من الكفر والإثم، وأكل الربا، ووعيد وتهديد لمن هذه صفته؛ لأن مقتضى عدم محبة الله له- بغضه له وتعذيبه.

23- إثبات محبة الله- عز وجل- للمؤمنين المطيعين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ، فمفهوم هذا محبته لكل مؤمن مطيع.

24- بيان ما أعده الله- عز وجل- عنده للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة؛ من الثواب العظيم، والأمن التام، والسلامة من الحزن؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾.
ويكفي في عظمه أن الله- عز وجل- أضافه إلى نفسه

25- تكريم المؤمنين وتشريفهم بإضافة اسمه- عز وجل- إلى ضميرهم في قوله: ﴿ رَبِّهِمْ ﴾، وإثبات ربوبية الله تعالى الخاصة لهم.

26- الحث على الإيمان والعمل الصالح، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لعظم ما أعده الله- عز وجل- من الثواب لمن اتصف بذلك.

27- تلازم الإيمان والعمل الصالح، فلا يصح الإيمان بلا عمل، ولا يصح العمل بلا الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾.

28- لابد لقبول العمل من كونه صالحًا؛ خالصًا لله- عز وجل- وفق شرعه وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾.

29- عظم مكانة الصلاة والزكاة، وأنهما أعظم أركان الدين وواجباته، لهذا خصهما بالذكر، وفضل الصلاة على الزكاة، لهذا قدمها على الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ﴾.

30- أن المقصود الأعظم من الصلاة إقامتها إقامة تامة بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، فهي الصلاة التي تنفع صاحبها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ﴾.

31- أن الواجب على أهل الأموال أن يؤدوا الزكاة إلى الفقراء ونحوهم، دون تكليف الفقراء المطالبة بها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ﴾.

32- تكفل الله- عز وجل- بهذا الثواب وضمانه؛ لهذا سماه أجرًا فقال تعالى: ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾.

33- الجمع لأهل الجنة بحصول الثواب، والسلامة من الخوف والحزن- وهذا غاية السعادة، ففيه حصول المطلوب، والنجاة من المرهوب.

34- تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام، ونداء المؤمنين بوصف الإيمان تكريمًا وتشريفًا لهم، وحثًّا على الاتصاف بهذا الوصف، وأن امتثال ما بعده من أمر أو نهي من مقتضيات الإيمان، وعدم امتثاله يعد نقصًا في الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾.

35- وجوب تقوى الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾.

36- وجوب ترك ما بقي من الربا وما لم يقبض منه، وإن كان بعد تمام العقد، وأن ذلك من شرط الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.

37- أن الربا من أعظم المنهيات، لهذا عطف تركه على الأمر بتقوى الله- مع أنه من تقوى الله؛ لمزيد التحذير منه؛ لقوله تعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ﴾.

38- إثبات الفعل والاختيار للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾.

وفي هذا رد على الجبرية الذين يزعمون أن الإنسان مجبر على تصرفاته كلها، فعلًا أو تركًا، ولا اختيار له.

39- أن المصرين على الربا معلنون الحرب على الله ورسوله؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وفي هذا من التهديد الشديد والوعيد الأكيد ما ترجف له القلوب، مما يدل على شدة حرمة الربا وعظيم خطره.

40- إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَرَسُولِهِ ﴾.

41- عطف اسمه- صلى الله عليه وسلم أو وصفه بالواو، التي تقتضي التشريك، على اسم الله- عز وجل- في قوله تعالى: ﴿ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾؛ لأن محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم محاربة لله تعالى، كما أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة ﷲ تعالى.

42- يجب على من تابوا من الربا ألا يأخذوا سوى رؤوس أموالهم، فلا يظلمون بأخذ الزيادة الربوية، ولا يُظلمون بنقص رؤوس أموالهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ ﴾.

وعلى هذا فلا يجوز أخذ الزيادة الربوية، لا للانتفاع بها ولا للصدقة بها، ولا للتخلص منها، ولا لغير ذلك.

43- أن العلة في تحريم الربا ما فيه من الظلم، بسبب أكل أموال الناس بالباطل؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾.

44- تحريم الظلم ووجوب العدل في المعاملات وغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾.

45- وجوب إنظار المعسر وإمهاله حتى يوسر، ويتمكن من وفاء دينه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ، فلا يجوز التضييق عليه ومطالبته، حتى يوسر؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

46- الإشارة إلى أن العسر يعقبه اليسر، وأن مع كل عسر يسرين؛ لقوله تعالى: ﴿ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾.

47- الحث على الوضع عن المدين بإسقاط الدين عنه أو بعضه، والترغيب في ذلك بتسميته تصدقًا، وبيان أنه خير من إنظاره أي: خير للدائن في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾.

48- إثبات تفاضل الأعمال والعمّال وتفاضل الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾.

49- فضل العلم النافع الذي يهدي صاحبه إلى الخير والعمل الصالح والترغيب فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾.

50- وجوب اتقاء يوم القيامة والاستعداد له، والحذر من عذابه وأهواله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ، وذلك بفعل أوامر الله، واجتناب نواهيه.

51- أنه إذا كان المراد بـ«التقوى» التحذير والحذر من الشيء دون العبادة والتذلل والخضوع جاز أن تضاف لغير الله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا ﴾، كما في قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ ﴾ [آل عمران: 131]، ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً ﴾ [الأنفال: 25].

52- عظم يوم القيامة وشدة عذابه وأهواله؛ لقوله تعالى: ﴿ يَوْمًا ﴾ بالتنكير.

53- إثبات البعث والمعاد والرجوع إلى الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾.

54- إثبات الحساب والجزاء على الأعمال، وتوفية كل نفس عملها، ومجازاتها عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾.

55- الحث على العمل الصالح والترغيب فيه، قليلًا كان أو كثيرًا، والتحذير من العمل السيئ، قليلًا كان أو كثيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾.
وهذا عام في القليل والكثير من الخير والشر.

56- في قوله تعالى ﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾ ما يدل على انتفاع المؤمن بما يُهدى إليه من الغير، من ثواب الدعاء والصدقات والحج وغير ذلك، مما دلت عليه السنة الصحيحة، وذلك- وإن لم يكن من كسبه- فهو بسبب إيمانه، وهو من أعظم كسبه، إذ لو لم يكن مؤمنًا ما انتفع بذلك.

57- كمال عدل الله- عز وجل- في محاسبة الخلائق؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾.


[1] أخرجه البخاري في الطلاق (5270)، ومسلم في الحدود (1691)، وأبو داود في الحدود (4430)، والنسائي في الجنائز (1956)، والترمذي في الحدود (1429)، من حديث جابر رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في الاعتكاف (2039)، ومسلم في السلام (2175)، وأبو داود في الصوم (2470)، وابن ماجه في الصيام (1779)، من حديث صفية رضي الله عنها.

[3] سبق تخريجه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #427  
قديم 03-11-2024, 12:14 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 145,540
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ... ﴾


قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة:282، 283].

رغَّب عز وجل في الآيات السابقة في الإنفاق في سبيله وأكد ذلك، ثم أتبع ذلك بذم الربا وأهله وتحريمه، وشدد في ذلك، ثم أتبع ذلك بذكر ما يستغنى به عن الربا من المعاملات المباحة والمداينة الشرعية، مما به حفظ الأموال وصيانتها، وعدم استغلال الفقراء وأكل أموالهم بالباطل.

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾.

هذه الآية أطول آية في القرآن الكريم، وأقصر آية فيه: ﴿ ثُمَّ نَظَرَ ﴾ [المدثر: 21].

قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾ الآية.

وصدر الخطاب بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام.

ونادى- عز وجل- المؤمنين بوصف الإيمان تكريمًا وتشريفًا لهم، وحثًّا على الاتصاف بهذا الوصف، وامتثال ما بعده من الأوامر والنواهي، وأن ذلك من مقتضيات الإيمان.

أي: يا أيها الذين صدقوا بقلوبهم وألسنتهم بما جاء من الحق والشرع، وانقادوا لذلك بجوارحهم فجمعوا بين التصديق والإقرار، وبين القبول والإذعان والانقياد.

﴿ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ﴾ «إذا» ظرفية شرطية غير عاملة. والتداين والمداينة: التفاعل من الدين، و«الدين» ما ثبت في الذمة، من ثمن مبيع أو أجرة، أو صداق، أو قرض، أو عوض خلع، أو سَلَم، أو غير ذلك.

﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أي: إلى وقت محدد معلوم بينكم، إلى سنة، أو سنتين، أو إلى سنة كذا، أو شهر كذا، أو يوم كذا، كما قال صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وهم يسلفون السنة والسنتين والثلاث، فقال صلى الله عليه وسلم: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم»[1].

﴿ فَاكْتُبُوهُ ﴾: جواب الشرط «إذا»، وقرن بالفاء؛ لأنه جملة طلبية، أي: فاكتبوا هذا الدين المؤجل إلى أجله، سدًّا للذرائع المؤدية إلى النزاع والاختلاف؛ لأن الوقاية خير من العلاج، ولهذا قال في آخر الآية: ﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ﴾، فلله ما أحكم هذا التشريع وما أعدله وأعظمه.

والأصل في الأمر الوجوب، وجمهور العلماء على أن الأمر بالكتابة للإرشاد، وليس بواجب؛ لما في ذلك من التيسير على الناس، ورفع المشقة عنهم، إذ ليس كل أحد يقدر على الكتابة، بل ولا على الإشهاد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب»[2].

ويقوي القول بعدم الوجوب؛ قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ [البقرة: 283].

﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ ﴾ الواو: عاطفة، واللام: للأمر، وهو للوجوب، ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ أي: بينكم أيها المتداينون، أي: بحضور الدائن والمدين، فلا تصح الكتابة بحضور أحد الطرفين دون الآخر.

﴿ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾ «كاتب» نكرة، يعم أي كاتب، أي: وليكن الكاتب الذي يكتب بينكم كاتبًا ﴿ بِالْعَدْلِ ﴾، يكتب ما تم بينكم من عقد الدين؛ تاريخه ومقداره، وعوضه، وأجله ووقت حلوله، وشاهديه، وغير ذلك.

وقوله: ﴿ بِالْعَدْلِ ﴾ أي: بالقسط والحق، والصدق المطابق للواقع، من غير زيادة، ولا نقصان، ولا تبديل، ولا غير ذلك.

قال ابن كثير[3]: «وقوله: ﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾؛ أي: بالقسط والحق، ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه، من غير زيادة ولا نقصان».

﴿ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ ﴾؛ أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة أن يكتب لغيره، إذا طلب منه ذلك.

﴿ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ﴾ الكاف: للتشبيه، وهي: صفة لمصدر محذوف، و«ما» موصولة، أي: كتابة مثل الذي علمه الله إياه من صفة الكتابة، ومن العلم الشرعي في كتابة الوثائق.

ويجوز كون «الكاف»: للتعليل، أي: ولا يمتنع كاتب أن يكتب للناس وينفعهم بكتابته، كما مَنَّ الله عليه وعلمه، كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: 77]، وقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ [البقرة: 198].

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن من الصدقة أن تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق»[4].

وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار»[5].

﴿ فَلْيَكْتُبْ ﴾ الفاء للتفريع، واللام: للأمر، وجملة ﴿ فَلْيَكْتُبْ ﴾ فيها توكيد، لما قبلها، وحث على المبادرة إلى الكتابة، وفيها توطئة وتمهيد لما بعدها.

﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾ الواو في الموضعين: عاطفة، واللام فيهما للأمر.

ومعنى قوله: ﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾؛ أي: وليمل ﴿ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾، وهو: المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين ونوعه وصفته وأجله وغير ذلك، وفي هذا دليل على أن القول في ذلك هو قول المدين.

و«الإملال» و«الإملاء»: لغتان بمعنى واحد، فأهل الحجاز وبنو أسد يقولون: «أملَّ» وبنو تميم يقولون: «أملى»، يقال: أمللت عليه، ومنه قوله هنا: ﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾، ويقال: أمليت عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفرقان: 5].

ومعنى الإملال والإملاء: أن يلقي على سامعه كلامًا ليكتبه عنه، أو يرويه أو يحفظه.

﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾: الفعل «يتق» مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة «الياء» والكسرة دليل عليها.

والخطاب في هذه الجملة والتي بعدها للمملي؛ أي: وليتخذ وقاية من عذاب الله ربه، بأن لا يملي إلا حقًّا، ولا يقول إلا صدقًا.

وفي قوله: ﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾ ترغيب وترهيب أي: وليتق «الله» المعبود العظيم «ربه» خالقه ومالكه المتصرف فيه، والمنعم عليه بسائر النعم، رغبة ورهبة، وخوفًا من عقابه وطمعًا في ثوابه.

﴿ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾ الواو: عاطفة، و«لا»: ناهية، ﴿ يَبْخَسْ مِنْهُ ﴾؛ أي: ينقص منه، ﴿ شيئًا ﴾: نكرة تفيد العموم؛ أي: ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئًا أيًّا كان، ومهما قل، لا في كميته، ولا في كيفيته، ولا في نوعه.

﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا ﴾؛ أي: لا يحسن التصرف في ماله، محجورًا عليه أو غير محجور عليه.

﴿ أَوْ ضَعِيفًا ﴾ في بدنه كالصغير والشيخ الكبير والمريض، أو في عقله كالمعتوه والمجنون.

﴿ أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هو ﴾ «أن» والفعل «يمل» في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به لـ«يستطيع»، وفاعل «يمل» مستتر، والضمير «هو» للتوكيد.

والمعنى: أو لا يقدر أن يملي هو؛ لخرس في لسانه، أو لجهل، لا يعرف معه وجه الصواب، ونحو ذلك.

﴿ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾؛ الفاء: واقعة في جواب الشرط ﴿ فَإِنْ كَانَ ﴾؛ لأنه جملة طلبية، واللام: للأمر.

﴿ وَلِيُّهُ ﴾ أي: الذي يتولى أمره وشأنه؛ من قريب كأب أو جد أو أخ أو ابن أو غيرهم، أو من وصي أو وكيل، وغير ذلك.

﴿ بِالْعَدْلِ ﴾؛ أي: إملاءً بالعدل والقسط، من غير زيادة في الدين، أو نقص منه.

وقال هنا: ﴿ بِالْعَدْلِ ﴾؛ لأن المملي هنا وهو الولي يُتصور منه الزيادة والنقص، محاباة لهذا أو هذا، بخلاف ما إذا كان المملي هو المدين، فإن المتصور منه النقص فقط؛ ولهذا قال في حقه: ﴿ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾.

﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ ﴾ الواو: استئنافية، والاستشهاد طلب الشهود.

﴿ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ الخطاب للمؤمنين، وحقيقة الشهادة: الحضور والمشاهدة وسماع ما تم بين الطرفين.

أي: اطلبوا لزيادة توثيق الدين- مع كتابته- شهيدين من رجالكم الذكور البالغين العدول الأحرار، كما هو الحال في جميع الحقوق المالية، والبدنية والحدود، لابد فيها من شاهدين، ما عدا الزنا فلابد فيه من أربعة شهود، تأكيدًا في الستر، وصيانة للأعراض.

﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ ﴾، أي: فإن لم يكن الشاهدان رجلين، أي: ذكرين بالغين.

﴿ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ﴾: جواب الشرط ﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا ﴾، وقرن بالفاء؛ لأنه جملة اسمية ﴿ فَرَجُلٌ ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: فالشهود رجل وامرأتان، أو مبتدأ خبره محذوف، أي: فرجل وامرأتان يشهدون.

ويحتمل أن الجواب قرن بالفاء؛ لأنه جملة طلبية والتقدير: فليكن رجل وامرأتان، أو فليشهد رجل وامرأتان.

والرجل: هو الذكر البالغ ﴿ وَامْرَأَتَانِ ﴾؛ أي: أنثيان بالغتان.

وفي الآية تخيير بين شهادة الرجلين، وشهادة الرجل والمرأتين، وفيها ترتيب بتقديم شهادة الرجلين على شهادة الرجل والمرأتين إشارة إلى أنه الأولى.

فالأولى أن يكون الشاهدان على البيع رجلين؛ لأن شهادة الرجل الواحد أقوى من شهادة المرأتين، لأن حفظ النساء وضبطهن من حيث العموم دون حفظ الرجال وضبطهم، وهذا لا ينافي أن يكون في النساء من هن أحفظ وأضبط من بعض الرجال.

يضاف إلى ما سبق تعذر حضورهن مجالس القضاء غالبًا، فإن شهد على البيع رجل وامرأتان كفى ذلك.

﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ ﴾ «ممن»: جار ومجرور، «من» الأولى: حرف جر، و«من» الثانية: اسم موصول، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لما قبله، أي: كائنون ممن ترضون من الشهداء، والخطاب للمؤمنين، أي: ممن ترضون أيها المؤمنون.

﴿ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾ «من»: بيانية، أي: من الذين ترضونهم ﴿ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾ وهم الشهداء العدول، كما قال تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم ﴾ [الطلاق: 2].

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب»[6].

قال ابن كثير[7]: «فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود وهذا مقيّد، حكم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط، وقد استدل من رد المستور بهذه الآية الدالة على أن يكون الشاهد مرضيًّا».

﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ قرأ حمزة بكسر همزة: «إن»، وقرأ الباقون بفتحها: ﴿ أن ﴾.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بسكون الذال وتخفيف الكاف: «فتُذْكِرَ»، وقرأ الباقون بفتح الذال وتشديد الكاف: ﴿ فَتُذَكِّرَ ﴾، إلا أن حمزة رفع الراء: ﴿ فَتُذَكِّرَ ﴾.

مأخوذة من التذكير، أي: من الذكر ضد النسيان، أي: إن نسيت إحداهما الشهادة، أو بعضها ذكرتها أو نبهتها الأخرى.

وفي الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿ فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ دون أن يقول: «فتذكرها الأخرى» إشارة إلى أن النسيان قد يحصل لكل منهما لشيء من الشهادة، فتذكر كل منهما الأخرى بما نسيت.

وفي قوله: ﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ بيان الحكمة في جعل شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وهو كون المرأة عرضة للنسيان أكثر بسبب نقصان عقلها، وضعف حفظها وضبطها.

عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار» فقالت امرأة منهن جزلة[8]: وما لنا يا رسول الله- أكثر أهل النار؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: «أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين»[9].

قال ابن تيمية[10]: «فبيّن أن شطر شهادتهن إنما هو؛ لضعف العقل، لا لضعف الدين. فعلم بذلك أن عدل النساء بمنزلة عدل الرجال، وإنما عقلها ينقص عنه. فما كان من الشهادة لا يخاف فيه الضلال في العادة لم تكن فيه على نصف الرجل. وما يقبل فيه شهادتهن منفردات إنما هو في أشياء تراها بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها بأذنها، من غير توقف على عقل، كالولادة والاستهلال والارتضاع والحيض والنفاس، والعيوب تحت الثياب، فإن مثل هذا لا ينسى في العادة، ولا تحتاج معرفته إلى كمال عقل».

وفي قوله: ﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ أيضًا: دلالة على أن الشاهد إذا نسي الشهادة فذكره بها غيره أنه ليس له أن يرجع إلى قول من ذكره ويقلده، حتى يذكر ذلك بنفسه بعد تذكيره.

﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ ﴾؛ أي: ولا يمتنع الشهداء ﴿ إِذَا مَا دُعُوا ﴾ «ما» زائدة من حيث الإعراب، مؤكدة من حيث المعنى، أي: إذا ما دعوا وطلب منهم تحمل الشهادة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ﴾.

﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾ أيضًا لأداء الشهادة التي تحملوها، فهذا واجب قال عز وجل: ﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 283].

وعن زيد بن خالد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها»[11].

ولا ينافي هذا ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثم يخلف قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا»[12].

وما جاء في حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته»[13].

فالمعنيون بهذين الحديثين وما في معناهما شهداء الزور، والمستخفون بالشهادة والأيمان، أما الشهادة لإحقاق الحق فيجب أداؤها، وإن لم تطلب منه إذا توقف ذلك على شهادته.

﴿ وَلَا تَسْأَمُوا ﴾ الواو: عاطفة، و«لا»: ناهية.

والسأم: الملل، قال لبيد[14]:
ولقد سئمت من الحياة وطولها
وسؤال هذا الناس كيف لبيد




وقال زهير[15]:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم




﴿ أَنْ تَكْتُبُوهُ ﴾ أن والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول «تسأموا» أي: ولا تسأموا كتابة الدين، أي: ولا تملوا كتابة الدين.

﴿ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ﴾: حالان، أي: حال كونه صغيرًا، أو كبيرًا، أي: قليلًا أو كثيرًا.

﴿ إِلَى أَجَلِهِ ﴾؛ أي: إلى وقت حلوله؛ لأن في الكتابة ضبط الدين، والقضاء على أسباب الاختلاف.

وقَدَّم قوله ﴿ صَغِيرًا ﴾ على قوله: ﴿ كبيرًا ﴾ تأكيدًا لعدم التهاون في كتابة الدين مهما قل، ولأن القليل قد يتساهل في كتابته، وقد يكون سببًا للنزاع والاختلاف؛ لأن من الناس من يشكل عنده ويعظم حتى أقل القليل.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ الإشارة إلى كل ما سبق من الأحكام، من كتابة الدين والإشهاد عليه، وغير ذلك، والخطاب للمؤمنين.

﴿ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أي: أعدل عند الله- عز وجل- وفي حكمه؛ لما في ذلك من حفظ الحق لمن هو له أو عليه.

﴿ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ ﴾ أي: وأقرب وأعدل لإقامة الشهادة، وأكمل وأصوب وأضبط لها، بكونها بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، وكتابة الدين والشهادة، بحيث يتذكر الشاهد بالكتابة شهادته، وما شهد به، بلفظه، أو بلفظه وخطه إن كان الشاهد هو الكاتب، وغير ذلك.

﴿ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ﴾ أي: وأقرب ألا تشكوا فيما بينكم من دين، في أصله، أو قدره، أو أجله، أو غير ذلك، بحيث ترجعون عند حصول أي ريب وشك إلى المكتوب بينكم وإلى الشهود، فيزول بذلك ما حصل عندكم من شك وريب.

﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا.
أمر عز وجل بكتابة الدين والإشهاد عليه إذا كان مؤجلًا بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾ الآية، ثم استثنى من ذلك إذا كان البيع ونحوه تجارة حاضرة غير مؤجلة، فلا جناح في عدم كتابتها.

﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً ﴾ استثناء من أعم الأحوال، أو الأكوان في قوله: ﴿ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ﴾، وهو استثناء منقطع؛ لأن التجارة الحاضرة ليست من الدين.

قرأ عاصم بنصب ﴿ تِجَارَةً حَاضِرَةً ﴾ على أن «تجارةً»: خبر «تكون» و«حاضرةً»: صفة لـ«تجارةً»، واسم «يكون»: ضمير مستتر يدل عليه السياق، تقديره: «هي»، أي: إلا أن تكون المعاملة أو الصفقة «تجارةً حاضرةً»، وجملة «تديرونها بينكم»: صفة ثانية لـ«تجارة».


يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #428  
قديم 03-11-2024, 12:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 145,540
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله



وقرأ الباقون برفع «تجارةٌ حاضرةٌ»، على أن «تجارةٌ»: اسم «تكون»، و«حاضرةٌ»: صفة لها، وخبرها جملة: «تديرونها بينكم»، ومعنى «حاضرة» منجزة، وليست دينًا مؤجلًا.

﴿ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ ﴾: تتبادلونها بينكم، فيأخذ البائع الثمن، ويأخذ المبتاع السلعة.

والتجارة: اسم يقع على عقود المعاوضات التي تطلب بها الأرباح، كالبيع والشراء والإجارة، ونحو ذلك.

وأعظم التجارة المتاجرة والمرابحة مع الله- عز وجل- بالإيمان به، والجهاد في سبيله، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [الصف: 10 - 12].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 111].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: 29، 30].

﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ﴾ «الفاء» عاطفة، أي: فليس عليكم حرج ولا إثم في عدم كتابتها، إذ لا محذور يترتب على تركها؛ لأن الكتابة إنما أمر بها لتفادي الجحود والنسيان؛ إمّا لأصل البيع، أو قدر الدين، أو أجله ونحو ذلك، وكل هذا مرتفع في البيع الحاضر ونحوه.

﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ أي: واطلبوا من يشهد على البيع إذا باع بعضكم على بعض؛ حسمًا لمادة النزاع والاختلاف.

والأصل في الأمر الوجوب، لكن حمل جمهور أهل العلم الأمر هنا على الندب؛ لما في الإشهاد على كل بيع من المشقة، ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية بعد هذه الآية: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ [البقرة: 283].

وحديث عمارة بن خزيمة الأنصاري رضي الله عنه أن عمه حدثه- وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم المشي، وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه، حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي صلى الله عليه وسلم، فنادى الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس، وإلا بعته، فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الإعرابي، قال: «أوليس قد ابتعته منك؟» قال الأعرابي: لا والله، ما بعتك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بلى قد ابتعته منك». فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه وسلم والأعرابي وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول إلا حقًا. حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم ومراجعة الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك. قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال: «بم تشهد»؟ قال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين»[16].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه ذكر أن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بشهداء أشهدهم. قال: كفى بالله شهيدًا. قال: ائتني بكفيل. قال: كفى بالله كفيلًا. قال: صدقت. فدفعها إليه، إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر، ثم قال: اللهم إنك قد علمت أني استسلفت فلانًا ألف دينار، فسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا. فرضي بذلك، وسألني شهيدًا، فقلت: كفى بالله شهيدًا. فرضي بذلك، وإني قد جهدت أن أجد مركبًا أبعث بها إليه بالذي أعطاني، فلم أجد مركبًا، وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يطلب مركبًا إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه لعل مركبًا يجيء بما له، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي تسلف منه، فأتاه بألف دينار وقال: وﷲ ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إليَّ بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل هذا الذي جئت فيه؟ قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بألفك راشدًا»[17].

﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾ الواو: عاطفة و«لا» ناهية، و﴿ يُضَارَّ ﴾ مأخوذ من المضارة، وهي: إلحاق الأذى والضرر.

والفعل «يُضار» أصله «يضارر» ويحتمل أن يكون مبنيًا للفاعل، أي: ولا يضارِرْ كاتب ولا شهيد، فـ«كاتب» فاعل، والواو: عاطفة و«لا» زائدة من حيث الإعراب مؤكدة للنفي من حيث المعنى و«شهيد» معطوف على «كاتب» أي: ولا يُضارِرْ كاتب في كتابته، فيكتب غير ما يُملى عليه، أو يمتنع من الكتابة مضارة للمملي أو لغيره.

ولا يُضارِرْ شهيد في شهادته، فيشهد بخلاف ما رأى وسمع، وبخلاف الحق، أو يمتنع من تحمل الشهادة، أو أدائها أو يكتمها مضارة للمشهود له.

ويحتمل أن يكون الفعل «يضار» مبنيًا للمفعول، فيكون «كاتب» نائب فاعل، أي: ولا يُضارَرْ كاتب إذا كتب كما أُملي عليه أو امتنع من الكتابة ونحو ذلك.

ولا يُضارَرْ شهيد إذا شهد بالحق وبما رأى وسمع، أو إذا امتنع من تحمل الشهادة، ونحو ذلك؛ لأن كلًا منهما محسن، وقد قال الله عز وجل: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 91].

﴿ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ الواو: عاطفة، أو استئنافية، أي: وإن تفعلوا المضارة بأن يضار بعضكم بعضًا.

﴿ فَإِنَّهُ ﴾ أي: فعل المضارة ﴿ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ أي: خروج منكم عن طاعة الله- عز وجل- وفي التعبير بالباء في قوله: ﴿ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ بدل «من» إشارة إلى لزوم ذلك لهم، أي: فإنه فسوق كائن بكم، لازم لكم، لا تحيدون عنه، ولا تنفكون منه.

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بفعل أوامره وترك نواهيه يَقِكُم عذابه.

﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ الواو: للاستئناف، أي: ويعلمكم الله ما ينفعكم في أمر دينكم ودنياكم، وما تفرقون به بين الحق والباطل، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنفال: 29]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحديد: 28].

﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾؛ أي: إن علمه- عز وجل- محيط بالأشياء كلها في أطوارها الثلاثة: قبل وجودها، وبعد وجودها، وبعد عدمها، يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن، لو كان كيف كان يكون.

وقدم المتعلِّقين ﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ على المتعلَّق به وهو قوله ﴿ عَلِيمٌ ﴾ لتأكيد شمول علمه عز وجل- لكل شيء.

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ

قوله: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ ﴾ الواو: استئنافية، أو عاطفة، و«إن»: شرطية، و«كنتم»: فعل الشرط، أي: وإن كنتم مسافرين، وتداينتم حال السفر، بدين إلى أجل مسمى.

والسفر: هو الضرب في الأرض والسير فيها، سُمي سفرًا لأنه خروج من البلد ومحل الإقامة إلى حيث السفر والنور. قال ابن فارس[18]: «سمي بذلك، لأن الناس ينكشفون عن أماكنهم».

وقيل: سمي سفرًا، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال.

﴿ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا ﴾ يكتب الدين بينكم، ومثل هذا إذا لم يجدوا أدوات الكتابة، كالقرطاس والقلم ونحو ذلك.

﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ جملة جواب الشرط «إن»، واقترن بالفاء؛ لأنه جملة اسمية، أي: فعليكم رهان مقبوضة، أو فالوثيقة رهان مقبوضة.

قرأ ابن كثير وأبوعمرو «فرُهُن» بضم الراء والهاء من غير ألف، وقرأ الباقون «فرهان» بكسر الراء وفتح الهاء وألف بعدها.

و«الرهان» و«الرُهُن» ما تُوَثَّق به الديون من الأشياء العينية، وهي جمع «رهن» وهو في اللغة الحبس، قال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [المدثر: 38]؛ أي: مرتهنة محبوسة بما كسبت.

والرهن في الاصطلاح: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها.

﴿ مَقْبُوضَةٌ ﴾ أي: يقبضها الدائن وهو «المرتهِن»، ويأخذها من «الراهن» وهو المدين، بأن يحوزها إليه، إذا كانت مما ينقل، أو تكون تحت سيطرته إذا كانت مما لا ينقل، كالعقار، ونحوه.

ومثل هذا إذا كان الدين في الحضر، ولم يجدوا كاتبًا، وإنما خص السفر؛ لأنه مظنة عدم وجود الكاتب، أما الحضر فيندر فيه عدم وجود الكاتب.

قال ابن القيم[19]: «وقاست الأمة الرهن في الحضر على الرهن في السفر، والرهن مع وجود الكاتب على الرهن مع عدمه، فإن استدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه في الحضر، فلا عموم في ذلك، فإنما رهنها على شعير استقرضه من يهودي، فلابد من القياس، إما على الآية، وإما على السنة».

﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ الفاء: عاطفة، و«إن»: شرطية، و«أمن»: فعل الشرط، أي: فإن أمن بعضكم بعضًا، ولم تكتبوا الدين، ولم تشهدوا عليه.

والمعنى: فإن اطمأن بعضكم إلى بعض، ووثق بأنه لن يُنكِر أو يَبخس أو يُغيّر، فلم يوثق حقه برهن مقبوض، ولم يُشهد ولم يَكتب.

﴿ فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ جملة جواب الشرط ﴿ فَإِنْ أَمِنَ ﴾، وقرن بالفاء؛ لأنه جملة طلبية، واللام: لام الأمر، أي: فليؤد المدين الذي ائتمنه الدائن، ﴿ أَمَانَتَهُ ﴾؛ أي: الذي ائتمن عليه من الدين وغيره.

قال صلى الله عليه وسلم: «أدِ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»[20].

وقال صلى الله عليه وسلم: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه»[21].

وقال صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله»[22].

﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾ الواو: عاطفة، واللام: للأمر، والفعل: مجزوم بها، وعلامة جزمه حذف حرف العلة الياء.

أي: ﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾ فلا ينكر ما ائتمن عليه من دين وغيره، ولا يبخس منه شيئًا أو يماطل في أدائه.

وهذه الآية مخصصة لما سبق من الأمر بكتابة الدين والإشهاد عليه وتوثيقه بالرهن المقبوض.

﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ﴾ الواو: عاطفة، و«لا»: ناهية.

و«الكتمان»: الإخفاء والجحود، و«الشهادة»: ما شهد به الإنسان، مما حضره ورآه بعينه وسمعه بإذنه.

أي: لا تخفوا وتجحدوا ما شهدتم به، بإنكار الشهادة أصلًا، أو بالتغيير فيها والتبديل، بزيادة، أو نقصان، أو غير ذلك.

﴿ وَمَنْ يَكْتُمْهَا ﴾ أي: ومن يكتم الشهادة ويخفها، أو يغير فيها ويبدل.

﴿ فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾: جواب الشرط في قوله: ﴿ وَمَنْ يَكْتُمْهَا ﴾، وقرن بالفاء؛ لأنه جملة اسمية. و«قلبه»: فاعل اسم الفاعل «آثم».

وأضاف الإثم إلى القلب؛ لأن الشهادة أمر خفي راجع إلى القلب؛ ولأن القلب ملك الأعضاء، عليه مدار الصلاح والفساد، كما قال صلى الله عليه وسلم- في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»[23].

وقال صلى الله عليه وسلم: «التقوى هـٰهنا، ويشير إلى صدره- ثلاث مرات»[24].

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 135]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: 8].

فمن كتم الشهادة فقلبه واقع في الإثم، وهو الذنب، وهو من الآثمين، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ ﴾ [المائدة: 106]؛ أي: إن كتمناها.

﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾، والله بالذي تعملون، أو بعملكم عليم، وسيحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم عليها، خيرها وشرها. وقدم المتعلِّق وهو قوله: ﴿ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ على المتعلق به، وهو «عليم» لتأكيد إحاطة علمه - عز وجل - بأعمالهم.

وفي هذا وعيد لمن خالف أمر الله، فأنكر ما عليه من حقوق، أو كتم الشهادة، أو غير في ذلك، وفيه وعد لمن أطاع الله واتقاه، فأدى ما عليه من حقوق، من دين أو شهادة، أو غير ذلك.

[1] أخرجه البخاري في السلم (2241)، ومسلم في المساقاة (1604)، وأبو داود في البيوع (3463)، والنسائي في البيوع (4616)، والترمذي في البيوع (1311)، وابن ماجه في التجارات (2280)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

[2] أخرجه البخاري في الصوم (1913)، ومسلم في الصيام (1080)، وأبو داود في الصوم (2319)، والنسائي في الصيام (2140)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

[3] في «تفسيره» (1/ 497).

[4] أخرجه البخاري في العتق (2518)، ومسلم في الإيمان (84)، وأحمد (2/ 388) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

[5] أخرجه أبو داود في العلم (3658)، والترمذي في العلم (2649)، وابن ماجه في المقدمة (261)، وأحمد (2/ 304)- وقال الترمذي: «حديث حسن».

[6] أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة- الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس (581)، وأبو داود في الصلاة (1276).

[7] في «تفسيره» (1/ 497).

[8] أي: تامة الخلق قوية.

[9] أخرجه مسلم في الإيمان (79)، وأخرجه البخاري في الحيض (304)، ومسلم في الإيمان (80)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[10] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 446).

[11] أخرجه مسلم في الأقضية (1719)، وأبو داود في الأقضية (4596)، والترمذي في الشهادات (2295)، وابن ماجه في الأحكام (2364).

[12] أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (2534).

[13] أخرجه البخاري في الشهادات (2652)، ومسلم في فضائل الصحابة (2533)، والترمذي في المناقب (3859)، وابن ماجه في الأحكام (2362).

[14] انظر «ديوانه» ص(35).

[15] انظر «ديوانه» ص(29).

[16] أخرجه أبو داود في الأقضية (3607)، والنسائي في البيوع (4647)، وأحمد (5/ 213- 214- 215- 216)، والحاكم في البيوع (2/ 17- 18)، وقال: «صحيح الإسناد، ورجاله باتفاق الشيخين ثقات، ولم يخرجاه»، وأخرجه البيهقي في الشهادات (10/ 145- 146).

[17] أخرجه أحمد (2/ 348)، وأخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم- في الكفالة (2291).

[18] في «مقاييس اللغة»، مادة «سفر».

[19] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 446- 447).

[20] أخرجه أبو داود في البيوع (3535)، والترمذي في البيوع (1264)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال الترمذي: «حسن غريب».

[21] أخرجه أبو داود في البيوع (3561)، والترمذي في البيوع (1266)، وابن ماجه في الأحكام (2400)، من حديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

[22] أخرجه البخاري في الاستقراض وأداء الديون (2387)، وابن ماجه في الأحكام (2411) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[23] أخرجه البخاري في الإيمان (52)، ومسلم في المساقاة (1599)، وأبو داود في البيوع (3329)، والنسائي في البيوع (4453)، والترمذي في البيوع (1205)، وابن ماجه في الفتن (3984).

[24] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (2564)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #429  
قديم 03-11-2024, 12:16 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 145,540
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ... ﴾

من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة:282، 283].
الفوائـد والأحكـام:
1- تصدير الخطاب للمؤمنين بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام بما تضمنته هاتان الآيتان العظيمتان من أحكام.

2- نداء المؤمنين بوصف الإيمان تكريم وتشريف لهم.

3- في نداء المؤمنين بوصف الإيمان حث على الاتصاف بهذا الوصف، وتعظيم لما ذكر بعده من أحكام، وأن امتثال تلك الأحكام من مقتضيات الإيمان، وعدم امتثالها يعد نقصًا في الإيمان.

4- جواز التعامل بالدين، سواء كان هذا الدين ثمن مبيع أو أجرة، أو سَلَمًا، وهو تعجيل الثمن وتأخير المثمن، أو غير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ﴾.

5- أن الجائز من الدين ما كان إلى أجل مسمى، أي: معلوم محدد؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ كشهر أو سنة أو غير ذلك، فإن كان الأجل مجهولًا غير محدد لم يصح؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»[1].

فإن كان الدين إلى غير أجل، أي: لم ينقد الثمن في الحال فهو واجب منذ العقد، وللدائن المطالبة به منذ العقد.

6- وجوب كتابة الدين المؤجل إلى أجل مسمى؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاكْتُبُوهُ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، ويقوي هذا قوله تعالى في آخر الآية: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم.

وذهب جمهور أهل العلم إلى أن كتابة الدين مستحبة، وليست بواجبة، وحملوا الأمر في الآية على الاستحباب، بدليل قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283].

وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم ابتاع بلا كتابة ولا إشهاد كما في حديث خزيمة بن ثابت عن عمه رضي الله عنه[2].

وعللوا ذلك أيضًا بمشقة الكتابة على كل متداينين. وهذا القول أرفق، والأول أحوط، وأسلم عاقبة.

ولهذا فالأولى كتابة الدين لمن تمكن من ذلك، تفاديًا لما قد يترتب على عدم الكتابة من النسيان، أو الإنكار، أو النزاع والاختلاف، حول الدين أو قدره أو أجله، وغير ذلك، لكن إذا كان الدين في أموال الغير مما للإنسان عليه ولاية أو وكالة، كمال اليتيم، أو غير ذلك وجبت كتابته.

7- وجوب حضور كل من الدائن والمدين، عند كتابة الدين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ ﴾.

8- يجب أن يكون الكاتب بين المتداينين عدلًا، معروفًا بالعدل، عارفًا به، يكتب بالعدل المطابق للواقع، الموافق للشرع، من غير ميل لأحدهما؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾.

9- أنه يجوز أن يتولى كتابة الدين أيُّ كاتب، إذا كان عدلًا؛ لقوله تعالى: ﴿ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾ بتنكير «كاتب» أي: أيُّ كاتب، ولا يشترط كاتب بعينه.

10- ظاهر الآية أن الكاتب لا يكون أحد المتعاقدين؛ لقوله: ﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ ﴾ لكن لو تراضيا أن يكتب أحدهما، وبخاصة الذي عليه الحق صح ذلك؛ لأن ذلك بمثابة الاعتراف منه والإقرار على نفسه.

11- ينبغي لمن منّ الله عليه، فعلمه الكتابة وصنعتها، والعلم الشرعي فيها أن لا يمتنع عن الكتابة لمن يحتاج إليها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ﴾.

12- أن من شكر نعمة الله- عز وجل- على من علمه الله الكتابة أن يكتب لمن يحتاج إليها؛ لقوله تعالى: ﴿ كَمَا عَلَّمَهُ الله ﴾ أي: لتعليم الله إياه، وهذا على اعتبار أن الكاف للتعليل. وفي الحديث: «ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته»[3].

13- نعمة الله- عز وجل- على عباده بتعليمهم الكتابة، وما ينفعهم من العلوم في أمر دينهم ودنياهم؛ لقوله تعالى: ﴿ كَمَا عَلَّمَهُ الله ﴾، كما قال تعالى: ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 5].

14- يجب على الكاتب أن يكتب وفق ما علمه الله من الشرع، ومن حسن الكتابة؛ لقوله تعالى: ﴿ كَمَا عَلَّمَهُ الله ﴾ وهذا على اعتبار الكاف للتشبيه، أي: كالذي علمه الله.

15- أن الذي ينبغي أن يملي على الكاتب هو المدين الذي عليه الحق، لا الدائن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾.

16- أن الكاتب مطالب بأمرين؛ الأول: أن يكتب كما علمه الله من حيث الشرع، وحسن الكتابة. والأمر الثاني: أن يكتب حسب ما يملي عليه الذي عليه الحق وهو المدين، من مقدار الدين وتاريخه وعوضه وأجله وغير ذلك.

17- أن القول في مقدار الدين، وصفته وشروطه وغير ذلك مما يتعلق به هو قول المملي الذي عليه الحق؛ لأنه المقر به الملتزم له؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾.

18- أن الإقرار من أعظم الطرق التي تثبت بها الحقوق؛ لأن ما يمليه المدين إقرار منه واعتراف بالحق الذي عليه.

19- يجب على المدين الذي عليه الحق أن يتقي الله ربه، فلا يملي إلا حقًا، ولا يقول إلا صدقًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾.

20- في إرداف قوله تعالى: ﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ ﴾ بقوله: ﴿ رَبَّهُ ﴾ إثبات الربوبية الخاصة للمؤمنين، وتذكير للمملي بألوهية الله- عز وجل- وربوبيته له، وجمع له بين الترغيب والترهيب، أي: وليتق الله المعبود العظيم ﴿ رَبَّهُ ﴾ خالقه ومالكه ومدبره، والمنعم عليه بسائر النعم. ومثل هذا قوله- عز وجل- للمؤتمن في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾.

21- لا يجوز للمدين أن ينقص مما عليه من الدين شيئًا أيًّا كان، مهما قل، لا في قدره، ولا في وصفه، ولا في شروطه وقيوده، أو غير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾.

22- ثبوت الولاية على من لا يحسن التصرف لسفه، أو صغر أو جنون، أو نحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾.

23- إذا كان الذي عليه الحق سفيهًا لا يحسن التصرف، أو ضعيفًا لصغر، أو كبر، أو مرض، أو جنون أو لا يستطيع الإملال لخرس ونحوه وجب على وليه أن يملل عنه بالعدل، من غير محاباة بزيادة أو نقصان أو غير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾.

24- تفصيل القرآن الكريم فيما يحتاج إلى تفصيل؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ ﴾.

وهذه الحالات الثلاث هي حالات القصور التي يحتاج معها الشخص إلى ولي، وهي: إما كونه سفيهًا لا يحسن التصرف، أو ضعيفًا في بدنه لصغر أو كبر أو مرض، أو في عقله لجنون ونحوه، أو لا يقدر على الإملاء لخرس ونحوه.

25- قبول قول الولي فيما يقر به على موليه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ ﴾ ما لم يظهر منه محاباة وميل عن العدل إلى الظلم فلا يقبل؛ لقوله تعالى: ﴿ بِالْعَدْلِ ﴾.

26- قبول قول الأمين؛ لأنه إذا كان ولي القاصرين يقوم مقامهم، وتقبل اعترافاته عليهم، فالذي ولاه الشخص وائتمنه بنفسه أولى بالقبول.

27- مشروعية الإشهاد على الدين مع الكتابة لزيادة التوثيق؛ لقوله: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا ﴾، وأكثر أهل العلم على أن الأمر للإرشاد والندب، وقال بعضهم بوجوب الإشهاد.

28- لابد في الشهادة على الدين ونحوه، من شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين من المؤمنين العدول الأحرار؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ﴾.

وهذا أكمل وأوثق، ولا ينافي هذا أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين[4].

29- أن شهادة الرجلين أولى من شهادة رجل وامرأتين، لتقديم شهادة الرجلين في الآية.

30- تفضيل الرجال على النساء في الشهادة- من حيث العموم- حيث جعلت شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد- وذلك لما ميز الله به الرجال- من حيث العموم- على النساء من كمال العقل والدين وقوة الحفظ والضبط.

31- جواز شهادة النساء في الأموال ونحوها إلا في الحدود للاحتياط فيها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 15]، وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 4] وقوله تعالى: ﴿ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾ [النور: 13].

32- يشترط كون الشهداء عدولًا مرضيين عند المشهود له والمشهود عليه وعند عامة المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾.

33- بيان الحكمة في جعل شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وهو نقصان عقلها، وضعف حفظها وضبطها، وكمال عقل الرجل وقوة حفظه وضبطه، فالمرأة عرضة للنسيان أكثر من الرجل، من حيث العموم.

34- جواز شهادة الإنسان إذا كان قد نسي الشهادة، ثم ذُكّر فيها فذكر؛ لقوله تعالى: ﴿ فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ ومن باب أولى إذا ذكرها بدون تذكير.

35- إذا نسي الشاهد الشهادة ثم ذُكِّر بها فلم يَذْكُر لم يجز له أن يشهد تقليدًا لمن ذَكَّره؛ لقوله تعالى: ﴿ فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾؛ أي: فتذكر إحداهما الأخرى فتَذْكر.

36- لابد أن تكون الشهادة عن علم ويقين، فمتى شك في الشهادة لم يجز له أن يشهد، وإن غلب ذلك على ظنه.

37- تحريم الامتناع من الشهادة تحملًا وأداء ممن دعي إليها؛ لما في ذلك من ضياع الحقوق؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾.

أما أداء الشهادة بعد تحملها فوجوبه متأكد لتعينه على الشاهد، وقد قال تعالى: ﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ [البقرة: 283].

وكذا الحكم إذا كان عنده شهادة لم يُعلم بها ولم يُدع إليها، وعرف أن حق أخيه سيضيع إذا لم يؤدها، قال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ﴾ [الطلاق: 2]، وقال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [الزخرف: 86].

وقال صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»[5].

وأما تحمل الشهادة فظاهر الآية يدل على وجوبه على من طلب منه ذلك، وقال كثير من أهل العلم: إنه فرض كفاية.

38- أن الشاهد ينبغي أن يأتي هو إذا دعي إلى الشهادة، لا أن يؤتى إليه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذَا مَا دُعُوا ﴾ وقد قيل في المثل: «في بيته يؤتى الحكم».

39- التأكيد على مشروعية كتابة الدين إلى أجله، والنهي عن السأم من كتابته، مهما كان الدين صغيرًا أو كبيرًا؛ لما في ذلك من حفظ الحقوق، والاحتراز من الاختلاف والنزاع؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ﴾.

40- أن ما أمر الله به في الآية من كتاب الدين والإشهاد عليه على الصفة المذكورة في الآية، والعدل في ذلك، وغير ذلك من التوجيهات هو أعدل عند الله- عز وجل- وفي حكمه؛ لما فيه من حفظ الحقوق لأصحابها، وأقوم للشهادة، وأضبط لها وأكمل، وأحفظ من النسيان، وأقرب للسلامة من الريب والشك في الدَّين أو قدره أو أجله، أو غير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ﴾.

41- حرص الإسلام على النأي بالمسلمين عن كل ما يؤدي إلى الشك والارتياب، والاحتراز من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ﴾.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم للصحابيين لما مرا به وأسرعا، وهو يقلب صفية إلى بيتها: «على رسلكما إنها صفية»[6].

42- العمل بالكتابة واعتمادها حجة شرعية؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ﴾.

ويؤيد هذا ما جاء في حديث عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من امرئ مسلم يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»[7].

43- إباحة التجارة والمعاوضات الشرعية التي تطلب بها الأرباح كالبيع والشراء والإجارة، وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً ﴾ بل إن ذلك مطلوب شرعًا، وقد يجب لإعفاف المرء نفسه وأهله عن مذلة السؤال.

44- أن الدَّين تجارة غير حاضرة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً ﴾، فهذا استثناء مما قبله يدل على أن الدين تجارة لكنها غير حاضرة.

45- لا حرج في عدم كتابة التجارة الحاضرة، والبيع الناجز ونحوه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ﴾ وذلك؛ لأنه لا يترتب على ذلك محذور.

46- الأمر بالإشهاد حين البيع؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾، وأكثر أهل العلم على أن الأمر للإرشاد والندب، وذهب بعضهم إلى أن الإشهاد واجب بناءً على أن الأصل في الأمر الوجوب.

والراجح أن الإشهاد مستحب ومندوب إليه، ولهذا قال في آخر الآية: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾.

وثبت في حديث عمارة بن خزيمة عن عمه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسًا من أعرابي ولم يشهد[8].

وأيضًا فإن في الإشهاد على كل بيع من المشقة والحرج على الناس ما لا يخفى. لكن الإشهاد بلا شك أحوط وأضبط ويتأكد في صفقات البيع الكبيرة، وقد يجب، وكذا في التصرف للغير كالوكيل والولي.

47- تحريم المضارة للكاتب والشهيد، كأن يدعيا في وقت أو حالة تضرهما، أو ينسب إليهما ما لم يحصل منهما، أو غير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾ بالبناء للمفعول؛ لأنهما محسنان وما على المحسنين من سبيل، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان.

48- لا يجوز أن يضار كاتب فيكتب خلاف ما يُملى عليه وخلاف الحق، ونحو ذلك، ولا يجوز أن يضار شهيد فيشهد بخلاف ما رأى وسمع، أو يكتم الشهادة ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾ على البناء للفاعل.

49- أن المضارة للكاتب والشهيد، والمضارة منهما من الفسوق والخروج عن طاعة ﷲ تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾.

50- أن الفسوق يطلق على ما دون الكفر المخرج من الملة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ والمضارة دون الكفر.

51- وجوب تقوى الله- عز وجل- بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾.

52- أن من اتقى الله علمه الله ما ينفعه في أمر دينه ودنياه وجعل له نورًا يفرق به بين الحق والباطل والخير والشر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ ﴾ [الأنفال: 29].

53- أن الأصل في الإنسان الجهل، وعدم العلم إلا بتعليم الله له؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 5]، وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78].

54- إثبات علم الله- عز وجل- الواسع المحيط بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون.

55- أن السفر مظنة عدم وجود الكاتب، ويتجوز فيه ما لا يتجوز في الحضر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾.

56- إذا كان المتداينون في السفر، ولم يجدوا كاتبًا شرع لهم توثيق حقوقهم بالرهان المقبوضة.

57- مشروعية الرهن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾، وهو مشروع في الحضر والسفر، مع وجود الكاتب وعدمه.

وإنما خص في الآية حال السفر وعدم وجود الكاتب؛ لأن السفر مظنة عدم وجود الكاتب.

«وقد توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي، بثلاثين صاعًا من شعير»[9].

58- أن الكتابة أولى من الرهن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾.

59- ظاهر الآية ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ لزوم قبض الرهن، لأن «مقبوضة» صفة لـ«رهان» ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن قبض الرهن شرط لصحته.

وذهب بعضهم إلى أن قبض الرهن شرط للزومه، لا لصحته، بمعنى أن الرهن صحيح وإن لم يقبض لكنه لا يلزم فللراهن التصرف فيه ما لم يقبضه المرتهن.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن الرهن لازم صحيح بمجرد عقده، وإن لم يقبض، وليس من شرط لزومه؛ ولا من شرط صحته أن يقبض، والتقييد في الآية بقوله: «مقبوضة» لبيان أن التوثيق التام بالرهن يحصل بقبضه، وبخاصة إذا كان العقد في السفر، وليس ثمة كاتب.

60- استدل بعض أهل العلم بقوله تعالى: ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن فالقول قول المرتهن.

61- إذا ائتمن الطرفان بعضهم بعضًا بلا رهن ولا إشهاد ولا كتابة جاز ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾.

وهذه الآية مخصصة لما سبقها من الأمر بالكتابة والإشهاد، والتوثيق بالرهن، ودليل لمن ذهب إلى الاستحباب.

62- وجوب أداء الأمانة على من ائتمن، أداءً لحق الله وامتثالًا لأمره، ووفاءً بحق صاحبه الذي ائتمنه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾.

63- يجب على من ائتمنه الناس أن يتقي الله ربه، ويكون عند حسن ظن الناس به، وعليه أن لا يغتر بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾.

ولله در الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال له أحد الرعية: «اتق الله» قال: «لا خير فيكم إذا لم تقولوها لنا، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم»[10].

64- إثبات اسمين من أسمائه- عز وجل- وهما «الله» و«الرب» وأن له- عز وجل- كمال الألوهية والربوبية؛ لقوله- عز وجل- ﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾.

65- تحريم كتمان الشهادة وإخفائها أو التغيير فيها، وعظم ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾، وإذا أثم القلب أثمت الجوارح كلها.

66- في وصف كاتم الشهادة بأنه آثم قلبه- وهذه عقوبة خاصة- دليل على خطورة كتمان الشهادة، وأن ذلك من الكبائر، وقد قال ﷲ تعالى: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 140].

67- إثبات علم الله- عز وجل- وإحاطته بكل أعمال الخلق، قبل أن يعملوها وبعده؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾.

وفي هذا وعد لمن امتثل أمر الله، ووعيد لمن خالفه، لأن مقتضى علمه- عز وجل- بأعمال العباد أن يحاسبهم ويجازيهم عليها.

كما أن فيه ردًا على القدرية الذين ينفون علم الله- عز وجل- بأفعال العباد، ويقولون: لا يعلمها حتى تقع تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

68- عناية الشرع المطهر بحفظ الأموال وتنميتها وتوثيقها بالكتابة والإشهاد والرهن وغير ذلك، وبما يصلح الناس في أمر معاشهم وحفظ الحقوق والعدل بينهم والقضاء على أسباب المنازعات. مع عنايته في أمر معادهم في منظومة متكاملة تثبت أن الدين الإسلامي هو الدين الصالح، لكل زمان، ولكل مكان، ولكل أمة، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنعام: 38]، وقال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [المائدة: 3].

[1] سبق تخريجه.

[2] سبق تخريجه.

[3] أخرجه البخاري في المظالم (2442)، ومسلم في البر (2580)، وأبو داود في الأدب (4893)، والترمذي في الحدود (1426)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

[4] أخرجه مسلم في الأقضية (1712)، وأبو داود في الأقضية (3608)، وابن ماجه في الأحكام (2370)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

[5] أخرجه البخاري في المظالم (2443)، والترمذي في الفتن (2255)، من حديث أنس رضي الله عنه.

[6] أخرجه البخاري في الاعتكاف (2035)، ومسلم في السلام (2175)، وأبو داود في الصوم (2470)، وابن ماجه في الصيام (1779)، من حديث صفية رضي الله عنها.

[7] سبق تخريجه.

[8] سبق تخريجه.

[9] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2916)، ومسلم في المساقاة (1603)، والنسائي في البيوع (4609)، وابن ماجه في الأحكام (2436)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

[10] انظر: «الفقه الإسلامي وأدلته» (8/ 332).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #430  
قديم 03-11-2024, 12:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 145,540
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

تفسير قوله الله تعالى:﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ.. ﴾

[البقرة: 284 - 286]


قوله الله تعالى: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 284 - 286].

قوله تعالى: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.

قوله: ﴿ لله ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم؛ لإفادة الحصر، أي: لله وحده ﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ خلقًا وملكًا وتدبيرًا، بلا شريك، ولا منازع.

كما قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾ [سبأ: 22].

و﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾: موصولة تفيد العموم، وكررت مع قوله: ﴿ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ لتأكيد العموم.

والسماوات: جمع سماء، وهي الأجرام العلوية، وهي كالقبة على الأرض، وكل ما كان منها أعلى فهو أوسع، وهي سبع؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ [المؤمنون: 86]، وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 12].

والمراد بالأرض جنس الأرضين، وأفردت في القرآن كله- والله أعلم- لثقل الجمع، وهي سبع أرضين، كما قال تعالى في آية الطلاق: ﴿ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾؛ أي: مثل السماوات في العدد، وفي الحديث: «من ظلم قيد شبر طُوِّقه من سبع أرضين يوم القيامة»[1].

وفيه: «من أخذ من الأرض شيئًا بغير حقه خُسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين»[2].

فهو - عز وجل - خالق السماوات والأرض، وجميع ما فيهما من العوالم، وما بينهما، وجميع ما في الكون، ومالكه ومدبره.

فالخلق خلقه، والملك ملكه، والأمر أمره، كما قال تعالى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الأعراف: 54]، وقال تعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ﴾ [المائدة: 120]، وقال تعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾ [الشورى: 49]، وقال تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26].

فله - عز وجل - الخلق والملك والتدبير، وكمال الربوبية، مما يستلزم أن يكون له كمال الألوهية.

﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ الواو: عاطفة، و«إن» شرطية، و﴿ تُبْدُوا ﴾: فعل الشرط، و﴿ ما ﴾ موصولة، أي: وإن تظهروا الذي في صدوركم وقلوبكم من المعتقدات، والمضمرات والسرائر.

﴿ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ معطوف على ﴿ تُبْدُوا ﴾ والضمير يعود إلى ﴿ ما ﴾ الموصولة، أي: أو تسروه وتضمروه.

﴿ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾: جواب الشرط «إن»، والضمير في «به» يعود إلى ﴿ ما ﴾ في قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾.

ومعنى ﴿ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾: يُطلعكم عليه ويخبركم به ويظهره لكم ؛ لأنه- عز وجل- لا تخفى عليه خافية، والسر والعلانية عنده سواء.

كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 18]، وقال تعالى: ﴿ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴾ [الرعد: 10]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 29].

وقال تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19]، وقال تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ [إبراهيم: 38]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ [طه: 7]، وقال تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [التغابن: 4]، وقال تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [هود: 5].

قال ابن تيمية في كلامه على الآية: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾: «فهذا متضمن لكمال علمه- سبحانه وتعالى- بسرائر عباده وظواهرهم، وأنه لا يخرج شيء من ذلك عن علمه، كما لم يخرج شيء ممن في السماوات والأرض عن ملكه، فعلمه عام، وملكه عام، ثم أخبر تعالى عن محاسبته لهم بذلك، وهي تعريفهم ما أبدوه أو أخفوه، فتضمن ذلك علمه بهم، وتعريفهم إياه»[3].

ولا يلزم من المحاسبة المعاقبة، ولهذا قال تعالى: ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾، قرأ ابن عامر وعاصم وأبو جعفر ويعقوب برفع الراء والباء منهما، على الاستئناف، وقرأ الباقون بجزمهما عطفًا على جواب الشرط ﴿ يُحَاسِبْكُمْأي: (فَيَغْفِرُ ﴾ برحمته ﴿ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ من عباده المؤمنين.

والمغفرة: ستر الذنب عن الخلق والتجاوز عن العقوبة- كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في تقرير المؤمن بذنوبه وقول الله- عز وجل- له: «أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم»[4].

ومنه سُمي «المغفر» وهو البيضة التي توضع على الرأس حال القتال تستره، وتقيه السهام ونحوها.

﴿ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ من الكفرة والعصاة بعدله، كما قال تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ [البقرة: 286].

وفي قوله تعالى: ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾، دليل على أن المحاسبة لا تستلزم المعاقبة فإنه - عز وجل - قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، وعليه يدل حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه - عز وجل - حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب أعرف مرتين، حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، قال: فيُعطى صحيفة حسناته - أو كتابه - بيمينه، وأما الكفار فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين»[5].

وهذه الآية كقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 129].

وقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [المائدة: 40].

قوله: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾، قدِّم المتعلقين وهما قوله: ﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ على الخبر ﴿ قدير ﴾ لتأكيد شمول قدرته، وإحاطتها بكل شيء، و«قدير» على وزن «فعيل» صفة مشبهة، يدل على كمال قدرته عز وجل.

فهو - عز وجل - ذو القدرة التامة، وذو القدرة على كل شيء، لا يُعجزه شيء، كما قال عز وجل: ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ [فاطر: 44]، ولا أحد يقدر على كل شيء إلا الله عز وجل.

وناسب ختم الآية بقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾؛ لأن محاسبته - عز وجل - للعباد على ما يبدون وما يخفون، ومغفرته لمن يشاء وتعذيبه لمن يشاء منهم، إنما يحصل ذلك يوم البعث والمعاد الذي هو من أعظم الدلائل على كمال قدرته عز وجل.

قوله تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾.

ســبب النــزول:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾، فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم بركوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله، كلِّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير»، فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾.

فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾، قال: نعم، ﴿ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ﴾، قال: نعم، ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾، قال: نعم، ﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ قال: نعم»[6].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾، قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا» قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾، قال: قد فعلت، ﴿ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ﴾ قال: قد فعلت ﴿ وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا ﴾ قال: قد فعلت»[7].

وعن سالم بن عبدالله بن عمر: «أن أباه قرأ: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾، فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس، فقال: يرحم الله أبا عبدالرحمن - لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾»[8].

فضل هاتين الآيتين:
عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»[9].

قيل: كفتاه عن قيام الليل، وقيل: كفتاه بركة، وتعوذًا من الشياطين والمضار، وقيل غير ذلك.

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خواتيم سورة البقرة، من كنز تحت العرش، لم يعطهن نبي قبل»[10].

وفي حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، فإني أعطيتهما من تحت العرش»[11].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل، إذ سمع نقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط. قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيته»[12].

قوله تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾.

قوله: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ في هذه الآية الكريمة ثناء من الله - عز وجل - على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وامتداح لهم بأنهم صدقوا وأقرُّوا بما أنزل إليهم من ربهم، وانقادوا له بجوارحهم، ظاهرًا وباطنًا.

﴿ الرَّسُولُ ﴾ (أل) للعهد الذهني؛ أي: الرسول المعهود المعروف محمد صلى الله عليه وسلم المرسل من عند الله - عز وجل - قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾ [البقرة: 119]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ [الأحزاب: 45].

﴿ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ﴾؛ أي: بالذي أنزل إليه من ربه من الوحي، وهو القرآن الكريم، والسنة المطهرة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ [النساء: 113]؛ أي: القرآن والسنة.

والمراد بالربوبية هنا أخص الربوبية؛ لأن الربوبية أقسام: الربوبية العامة لجميع الخلق، والربوبية الخاصة للمؤمنين، وربوبية خاصة الخاصة للرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وربوبية خاصة خاصة الخاصة له - صلى الله عليه وسلم من بين الرسل والأنبياء.

والإيمان بالمنزَّل يستلزم الإيمان بالمنزِّل، فآمن صلى الله عليه وسلم بربه - عز وجل - وبما أنزله إليه من القرآن والسنة، وقال صلى الله عليه وسلم- كما في حديث جابر رضي الله عنه: «أشهد أني رسول الله»[13].

وانقاد لذلك صلوات الله وسلامه عليه تبليغًا له، ودعوة إليه، وعملًا به، فبلغ البلاغ المبين، وقام حتى تفطرت قدماه[14].

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ عطف على الرسول، أي: وآمن المؤمنون الذين حققوا الإيمان بما أُنزل إليه صلى الله عليه وسلم من ربه من الوحي، اتباعًا له صلى الله عليه وسلم فآمنوا بالله - عز وجل - وبالرسول صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل إليه، وانقادوا لذلك ظاهرًا وباطنًا.

﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ الآية.

هذا توكيد وتفصيل؛ لقوله قبله: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾.

﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾؛ أي: كل من الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين آمن بالله وصدق بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.

والإيمان بالله ركن من أركان الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره- كما جاء في حديث عمر بن الخطاب وأبي هريرة رضي الله عنهما[15].

﴿ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ أي: وآمنوا وصدقوا بملائكة الله- عز وجل- على وجه الإجمال والتفصيل- كما جاء في الكتاب والسنة.

والإيمان بهم ركن من أركان الإيمان الستة، وهم عالم غيبي، خلقهم الله من نور، كما قال صلى الله عليه وسلم: «خلق الله الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم»[16].

أعطاهم الله قوة وقدرة على القيام بما يأمرهم الله - عز وجل - بتدبيره من أمر الكون، كما قال تعالى: ﴿ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴾ [النازعات: 5]، وقال تعالى: ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 27]، وقال تعالى: ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6].

يعبدون الله - عز وجل - ويسبحون على الدوام؛ كما قال تعالى: ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾ [الأنبياء: 20].

منهم من وُكِّل بالوحي، وهو جبريل - عليه السلام - ومنهم من وكل بالقطر، وهو ميكائيل، ومنهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح، ومنهم إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم الموكلون بالرحم والنطف، ومنهم الموكلون بحفظ العباد وأعمالهم، ومنهم الموكلون بالسؤال في القبر، ومنهم الموكلون بالشمس والقمر والأفلاك، ومنهم الموكلون بالجنة، ومنهم الموكلون بالنار، ومنهم الصافون المسبحون، ومنهم حملة العرش، إلى غير ذلك.

﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف: «وكتابه» بالإفراد، وقرأ الباقون: ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ بالجمع، والقراءتان بمعنى واحد؛ لأن «كتاب» على قراءة الإفراد مفرد مضاف، والمفرد المضاف يعم - أي: وآمنوا وصدقوا بجميع كتب الله - عز وجل - على وجه الإجمال والتفصيل، كما جاء في الكتاب والسنة:
منها: صحف إبراهيم عليه السلام؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾ [الأعلى: 18، 19].

ومنها: «التوراة والصحف التي أنزلها الله على موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ [المائدة: 44]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾.

وأكثر أهل العلم على أن المراد «بصحف موسى» التوراة، وقيل: غيرها.

ومنها: «الإنجيل» الذي أنزله الله - عز وجل- على عيسى بن مريم - عليه الصلاة والسلام - كما قال تعالى: ﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة: 46].

والمراد بالتوراة والإنجيل الكتابان اللذان أنزلهما الله حقًا، لا ما يوجد اليوم في أيدي اليهود والنصارى مما حرف وبدل.

ومنها: «الزبور» الذي آتاه الله- عز وجل- داود- عليه الصلاة والسلام- كما قال تعالى: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [النساء: 163].

ومنها: «القرآن» الذي أنزله الله - عز وجل - على محمد- عليه الصلاة والسلام- كما قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [النساء: 113].

كما آمنوا على وجه الإجمال بجميع الكتب التي أنزلها الله على جميع رسله، كما قال تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 213] وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد: 25].

آمنوا بأن جميع كتب الله- عز وجل- منزلة من عنده حقًّا وصدقًا، وأنها متفقة في الدعوة إلى عبادة الله - عز وجل - وفي أصول الشرائع من الدعوة إلى الخير وفضائل الأعمال، والنهي عن الشر ومساوئ الأعمال، وأن القرآن الكريم مصدق لجميع الكتب المنزلة قبله، ومهيمن عليها، وناسخ لها، فما وافقه من أحكامها قبلناه وما خالفه منها تركناه، قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ [المائدة: 48].

وأنه كلام الله - عز وجل - حقًّا المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم أخباره صدق، وأحكامه عدل، كما قال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الأنعام: 115].

﴿ وَرُسُلِهِ ﴾؛ أي: وآمنوا وصدقوا برسله- عز وجل- من لدن آدم- عليه السلام- إلى نبينا محمد- عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، من قصهم الله- عز وجل- في كتابه، ومن لم يقصصهم، كما قال تعالى: ﴿ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ [النساء: 164].

والرسول: هو من أوحى الله إليه بشرع، وأمره بتبليغه، وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر جمًّا غفيرًا، ذكر في القرآن الكريم منهم خمسة وعشرون رسولًا.

منهم ثمانية عشر رسولًا ذكروا في قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 83 - 86].

ومنهم إدريس، وذو الكفل، وهود، وصالح، وشعيب، ومنهم وأولهم آدم، ومنهم وآخرهم وخاتمهم وأفضلهم محمد- عليه وعليهم الصلاة والسلام.

قال البيجوري[17]:
في تلك حجتنا منهم ثمانية
من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو
إدريس هود شعيب صالح وكذا
ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا


وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا» قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير». قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: «آدم»، قلت: يا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: «نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم سواه قبلًا»، ثم قال: «يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم وشيث، ونوح، وخنوخ، وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم، وأربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيك يا أبا ذر، وأول نبي من أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى، وأول النبيين آدم وآخرهم نبيك»[18].

﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ قرأ يعقوب بالياء «لا يُفَرِّق»، وقرأ الباقون بالنون ﴿ لا نُفَرِّقُ ﴾.
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 367.02 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 361.21 كيلو بايت... تم توفير 5.80 كيلو بايت...بمعدل (1.58%)]