|
|||||||
| ملتقى الأمومة والطفل يختص بكل ما يفيد الطفل وبتوعية الام وتثقيفها صحياً وتعليمياً ودينياً |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#151
|
||||
|
||||
|
المرأة والأسرة – 1304 الفرقان في ظل ما تعيشه الأمة الإسلامية من أزمات متلاحقة وتحديات متصاعدة، تتأكد الحاجة إلى خطاب تربوي وإيماني وفقهي واجتماعي، يعيد بناء الوعي داخل الأسرة المسلمة، ويُفعّل دور المرأة بوصفها ركيزة أساسية في حفظ التماسك المجتمعي. الثبات ثمرة تربية إيمانية راسخة في زمن الشدائد والمحن، يظهر معدن الإيمان الحقيقي، ويتمايز الناس في قدرتهم على الثبات أمام الفتن والمحن، وليس الثبات أمرًا عارضًا أو موقفًا مؤقتًا، بل هو ثمرة تربية إيمانية عميقة، تُغرس في القلب منذ الصغر، وتُسقى بالعلم والعمل، وتُقوّى بالمجاهدة واليقين. جعل الله -تعالى- الثبات من أعظم المنح التي يختص بها عباده المؤمنين، فقال -سبحانه-: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} (إبراهيم: 27)؛ فبيّن أن الثبات ليس مجرد قوة نفسية، بل هو توفيق إلهي لثمرة إيمان صادق واستقامة راسخة، وكلما ازداد العبد ارتباطًا بربه، ازداد ثباته في مواجهة الشدائد. وتقوم التربية الإيمانية على جملة من الأسس، في مقدمتها: ترسيخ التوحيد في القلوب، وتعظيم الله -سبحانه-، وحسن الظن به، واليقين بأن ما يصيب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك»، فهذا اليقين يورث سكينة في القلب، ويمنح صاحبه قدرة على الثبات وعدم الاضطراب. كما أن من أعظم ما يعين على الثبات: دوام الصلة بالله -تعالى- من خلال الصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، فإنها تغذّي الروح وتربط القلب بمصدر الطمأنينة، قال -تعالى-: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28). وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، ما يدل على أن الثبات يُطلب من الله، ويُستمد منه. ولا يخفى دور الأسرة في بناء هذا الثبات؛ فهي البيئة الأولى التي يتلقى فيها الإنسان معاني الإيمان والصبر، فإذا نشأ الأبناء في جوٍّ تسوده الطمأنينة، ويُغذّى بالإيمان، ويُربّى على الصبر والرضا، كانوا أقدر على مواجهة الأزمات بثبات ووعي. وفي واقعنا المعاصر؛ حيث تتكاثر التحديات وتتسارع الأزمات، تبرز الحاجة إلى تجديد التربية الإيمانية في النفوس، لتكون درعًا يحفظ القلوب من الانكسار، ويمنحها القدرة على الصمود؛ فالثبات ليس وليد اللحظة، بل هو حصيلة بناء طويل، يبدأ من القلب، ويظهر أثره عند الشدائد. مخالفات تقع فيها بعض الأسر! في ظل ضغوط الحياة وتسارع متطلباتها، قد تقع بعض الأسر -من حيث تشعر أو لا تشعر- في جملة من المخالفات التي تؤثر سلبًا على استقرارها، وتضعف بنيانها التربوي والإيماني، ومن أبرز هذه المخالفات: إهمال الجانب الإيماني داخل البيت، كالتقصير في الصلاة أو ضعف العناية بتربية الأبناء على القيم الدينية، ما ينعكس على سلوكهم واستقامتهم، كما يظهر الخلل في سوء إدارة الخلافات الزوجية؛ حيث تتحول إلى نزاعات مستمرة تؤثر في نفسية الأبناء، بدل أن تُدار بالحكمة والرفق، ومن المخالفات كذلك الإسراف في الإنفاق أو التوسع في الكماليات على حساب الضروريات، وهو ما يؤدي إلى ضغوط مالية قد تزعزع استقرار الأسرة، وقد نهى الله -تعالى- عن ذلك بقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}. ![]() فقه الأولويات داخل الأسرة يقوم فقه الأولويات على أساس تقديم ما عظّمه الشرع، والبدء بالضروريات قبل الحاجيات والتحسينات، وفي هذا السياق، تأتي المحافظة على الدين في مقدمة الأولويات، وذلك من خلال ترسيخ الإيمان، والمحافظة على الصلاة، وتعليم الأبناء أمور دينهم، قال -تعالى-: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (طه: 132)، فصلاح الأسرة يبدأ من صلاح علاقتها بالله، وهو الأساس الذي تُبنى عليه سائر شؤونها. كما تندرج ضمن الأولويات رعاية الاستقرار النفسي والعاطفي داخل الأسرة، فحسن المعاملة، والرفق، وبناء جسور الحوار، من أهم ما يحفظ كيان الأسرة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم خيركم لأهله»، فكم من أسرة اهتمت بالمظاهر وأهملت الجوهر، فاختل توازنها وفقدت سكينتها!
دور المرأة في إدارة شؤون الأسرة تُعدّ المرأة في الإسلام ركيزة أساسية في بناء الأسرة واستقرارها؛ إذ أناطت بها الشريعة مسؤوليات عظيمة في إدارة شؤون البيت، تقوم على الحكمة، والرعاية، وحسن التدبير، وليس دورها مقتصرًا على الجوانب المعيشية فحسب، بل يتسع ليشمل البناء التربوي والإيماني والاجتماعي، بما يجعلها عنصرًا فاعلًا في تحقيق التوازن داخل الأسرة، فمن أبرز أدوار المرأة: رعاية الأبناء وتربيتهم تربية صالحة، تقوم على غرس القيم الإيمانية والأخلاقية، وتنمية الشخصية المتوازنة، كما تؤدي المرأة دورًا مهما في إدارة الموارد داخل الأسرة، من خلال ترشيد الإنفاق، وتنظيم الاحتياجات، والموازنة بين الضروريات والكماليات في أوقات الأزمات، وهذا التدبير لا يقتصر على الجانب المالي، بل يشمل إدارة الوقت، وتوزيع المهام، وتهيئة بيئة مستقرة تُسهم في راحة أفراد الأسرة، ومن جوانب دورها كذلك: تعزيز الاستقرار النفسي والعاطفي داخل البيت، عبر نشر المودة والرحمة، وتخفيف التوتر، وبناء جسور الحوار بين أفراد الأسرة، ودعم الزوج في مواجهة أعباء الحياة، بما يحقق التكامل الأسري الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله -تعالى-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: 21). المرأة المؤمنة مصدر السكينة حين تضطرب الحياة من حولنا، تظلّ المرأة المؤمنة مصدر سكينة في بيتها؛ لأنها تستمد قوتها من صلتها بالله، وتوقن أن الاستقرار الحقيقي ينبع من صلاح القلب، فإذا عمر القلب بالإيمان، انعكس أثره طمأنينةً على أجواء البيت كله، وغدت سببًا في بثّ السكينة بين أفراد أسرتها، تحقيقًا لقوله -تعالى-: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. ![]() أم عمارة نُسيبة بنت كعب -رضي الله عنها- أمّ عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية -رضي الله عنها- من الصحابيات الجليلات، شهدت بيعة العقبة، وشاركت في غزوة أحد؛ حيث دافعت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بشجاعة عظيمة، حتى أُصيبت بجراح عدة ، وقد عُرفت بثباتها وإيمانها القوي، وكانت مثالًا للمرأة المجاهدة الصابرة. توفيت -رضي الله عنها- بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء في سبيل الله. اعداد: المحرر التربوي
__________________
|
|
#152
|
||||
|
||||
|
المرأة والأسرة – 1306 الفرقان إذا قامت الأسرة على الإيمان الصادق، والمودة، وحسن التربية، أثمرت جيلًا صالحًا يحمل القيم، ويسهم في بناء مجتمع قوي متماسك؛ فالأبناء الذين ينشؤون في بيئة إيمانية مستقرة، يتعلمون الصدق، والأمانة، وتحمل المسؤولية، فيكونون عناصر فاعلة في نهضة أمتهم. دور الأسرة في بناء المجتمع تُعدّ الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي النواة التي تتكون فيها شخصية الإنسان وقيمه وسلوكه؛ فإذا صلحت الأسرة، صلح المجتمع كله، وإذا فسدت انعكس ذلك على مختلف جوانب الحياة؛ ومن هنا جاءت عناية الإسلام بالأسرة عناية عظيمة، فجعلها أساس الإصلاح والتربية. لقد أرشد القرآن الكريم إلى مسؤولية الفرد تجاه أسرته، فقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}، وهذا توجيه صريح بضرورة التربية الإيمانية والأخلاقية داخل البيت، لأن الأسرة هي الحصن الأول في مواجهة الانحراف، كما إن الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء القيم والمبادئ، وقد بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه المسؤولية بقوله: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»؛ فالوالدان مسؤولان عن غرس الإيمان، وتعليم الأخلاق، وتوجيه السلوك، مما ينعكس على صلاح الأبناء واستقامتهم.
حماية الأبناء من الانحراف تُعدّ حماية الأبناء من الانحراف من أعظم المسؤوليات التي تقع على عاتق الأسرة، ولا سيما في زمن كثرت فيه الفتن وتنوعت وسائل التأثير: - أول وسائل الحماية تكون ببناء الإيمان في قلوبهم منذ الصغر، وتعويدهم على الصلاة والعبادة، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مُروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين»؛ فالتربية الإيمانية تُنشئ في النفس رقابة ذاتية تمنعها من الانحراف حتى في غياب الرقابة. - كما إن القدوة الحسنة من أهم وسائل التربية؛ فالأبناء يتأثرون بأفعال والديهم أكثر من أقوالهم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»؛ ما يحمّل الوالدين مسؤولية عظيمة في توجيه سلوك الأبناء. - ولا يقلّ الحوار أهمية عن ذلك، ففتح باب النقاش مع الأبناء، والاستماع إليهم، وفهم مشكلاتهم، يقيهم من الوقوع في الانحراف، ويمنحهم الثقة والأمان. - كما ينبغي متابعة ما يتعرضون له من مؤثرات، ولا سيما في وسائل الإعلام والتقنية، مع التوجيه بالحكمة دون قسوة أو تضييق. - ومن وسائل الحماية أيضًا اختيار البيئة الصالحة، فالصحبة تؤثر تأثيرًا بالغًا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». الشخصية المتزنة إن حماية الأبناء من الانحراف لا تتحقق بالمنع والتقييد وحدهما، بل تقوم أساسًا على بناء شخصية متوازنة تجمع بين الإيمان العميق والوعي السليم؛ فالأبناء الذين يُربَّون على مراقبة الله، ويفهمون واقعهم، ويُحسنون التمييز بين الحق والباطل، يكونون أقدر على الثبات أمام التحديات، وهذا التوازن النفسي لا يأتي عفوًا؛ بل يُبنى بالتربية الواعية والتوجيه المستمر، فكل جهد يُبذل في تربية الأبناء على هذا النهج هو استثمار حقيقي في مستقبلهم، وإسهام في بناء جيل واعٍ، ثابت، قادر على مواجهة التحديات، والمشاركة في نهضة مجتمعه بإيجابية واستقامة. ![]() الأسرة في أوقات الاختبارات تُعدّ فترة الاختبارات من أكثر المراحل حساسية في حياة الأبناء؛ حيث يختلط فيها التوتر بالترقب، ويكون للأسرة أثر كبير في توجيههم ودعمهم، فنجاح الأبناء لا يعتمد على جهدهم فقط؛ بل على البيئة التي يعيشون فيها، وهذه بعض التوجيهات في فترة الاختبارات:
بناء الثقة وتوجيهها إن دور الأسرة في أوقات الاختبارات ليس مجرد متابعة دراسية، بل هو احتواء وتوجيه وبناء للثقة؛ فبالتوازن بين الدعم النفسي والإيماني والتنظيم الجيد، تُسهم الأسرة في نجاح أبنائها وتجاوزهم هذه المرحلة بثبات واطمئنان. إدارة الخلافات الأسرية الخلافات داخل الأسرة أمر طبيعي لا يخلو منه بيت، لكن الفارق الحقيقي يكمن في كيفية إدارتها؛ فالأسرة الناجحة ليست الخالية من المشكلات، بل التي تُحسن التعامل معها بحكمة ووعي، ولقد وجّه الإسلام إلى معالجة الخلاف بروح الإصلاح، فقال -تعالى-: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}، ما يدل على أن التفاهم والتسامح أساس استقرار الحياة الأسرية، ومن أهم وسائل إدارة الخلافات:
اعداد: المحرر التربوي
__________________
|
|
#153
|
||||
|
||||
|
المرأة والأسرة – 1307 الفرقان في زمنٍ تكاثرت فيه الفتن، وتزاحمت فيه المؤثرات الفكرية والسلوكية، يجب أن تتعاظم فيه مسؤولية الوالدين في توجيه أبنائهم؛ فالتربية الصحيحة أصبحت ضرورة شرعية وواجبًا عظيمًا، سنسأل عنه بين يدي الله -تعالى-. الحصانة القلبية قبل الرقابة الخارجية في زمنٍ انفتحت فيه الأبواب بلا استئذان، وتدفّقت فيه المؤثرات عبر الشاشات والأجهزة، لم تعد الرقابة الخارجية كافية لحماية الأبناء؛ إذ يستحيل على الوالدين أو المربين الإحاطة بكل ما يراه الأبناء أو يسمعونه؛ ومن هنا تبرز أهمية بناء الحصانة القلبية؛ تلك القوة الداخلية التي تُوجّه السلوك، وتضبط الاختيارات. - إن أساس هذه الحصانة هو مراقبة الله -تعالى-، واستحضار نظره في السرّ والعلن، قال -تعالى-: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} (العلق:14)، وقال سبحانه: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} (الحديد:4)، فهذه المعاني إذا استقرت في القلب، جعلت العبد يستحيي من ربه، ويجتنب ما يُغضبه، ولو كان بعيدًا عن أعين الناس. - وقد ربّى النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على هذا المعنى العظيم، فقال لابن عباس -رضي الله عنهما-: (احفظِ اللهَ يحفظْك، احفظِ اللهَ تجده تجاهك)، فهي وصية تبني علاقةً مباشرة بين العبد وربه، قوامها الحفظ والمراقبة والاعتماد. - ومن أهم وسائل بناء هذه الحصانة، تعظيم الله في القلوب، وتربية الأبناء على الصلة بالقرآن، وتعويدهم على الصدق، وربطهم بالعبادات التي تُزكي النفوس، كالصلاة، قال -تعالى-: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} (العنكبوت: 45). - إن أعظم ما يحتاجه الأبناء في زمن الانفتاح ليس مزيدًا من القيود الظاهرة، بقدر ما يحتاجون إلى قلوبٍ حيّةٍ تراقب الله، وتستحيي منه، وتستقيم بأمره، فمتى صلح القلب، صلح الجسد كله، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله»؛ فالحصانة القلبية هي خط الدفاع الأول، فهي تُنشئ إنسانًا مستقيمًا في العلن والخفاء؛ لأن رقيبه لا يغيب. الحوار التربوي والتوجيه الفكري لا شك أن الأبناء اليوم يتعرضون لسيلٍ من المفاهيم والأفكار المتباينة، وإن لم يجدوا في بيوتهم من يُصغي إليهم ويُحاورهم، بحثوا عن الإجابات في مصادر قد لا تُحسن توجيههم، وقد أرشد القرآن الكريم إلى أسلوب الحوار القائم على الحكمة والرفق، قال -تعالى-: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل: 125)، كما عرض لنا نموذجًا تربويا بديعًا في حوار لقمان مع ابنه، حين قال: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ} (لقمان: 13)؛ فبدأ بالرفق، وخاطب القلب قبل الفكر. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُحاور الشباب ويُقنعهم بالحجّة-، كما في قصة الشاب الذي استأذنه في الزنا- فلم يُعنّفه؛ بل حاوره وسأله: «أترضاه لأمك؟!» حتى أقنعه، فخرج وهو أبغضُ ما يكون إليه، وهذا منهج نبوي يُعلّمنا أن الحوار الهادئ أبلغ من الزجر القاسي. والتوجيه الفكري لا يعني فرض الآراء بالقوة، بل يعني بناء القدرة على الفهم والتمييز؛ بحيث يتعلم الابن كيف يُفكّر، وهذا يقتضي من الوالدين الاستماع الجيد، واحتواء التساؤلات، وتصحيح المفاهيم بالحكمة، دون استهزاء أو تسفيه، ومن الضروري في حوارنا مع الأبناء ربطهم بالثوابت، وتعريفهم بحقائق الدين بأسلوبٍ يناسب عقولهم؛ فالحوار الصادق، والتوجيه الحكيم، يفتحان القلوب قبل العقول، ويصنعان وعيًا راسخًا يُمكّن الأبناء من مواجهة التحديات بثباتٍ وبصيرة، بعيدًا عن الانسياق أو الاضطراب. مسؤولية الآباء في زمن التحديات في زمنِ التحدّياتِ، تتعاظمُ مسؤوليةُ الوالدين في بناء الإيمان، وصناعة الوعي، وملازمة الأبناء بالتوجيه والقدوة؛ إذ لم تَعُد التربيةُ مجردَ رعايةٍ عابرة، بل هي أمانةٌ شرعيةٌ عظيمة، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم:6)، وإن أعظم ما يُغرس في نفوس الأبناء استحضارُ مراقبة الله، وتعلّقُ القلوب به، وبقدر ما ينجح الوالدان في غرس هذه المعاني، وترسيخها سلوكًا حيًّا في واقع الأبناء، يتحقق الصلاح في الأسرة، وتمتد آثاره إلى المجتمع بأسره. ![]() الدعاء رابط خفيّ بين القلوب ليس كل ما يجمع القلوب يُرى أو يُسمع؛ فثمة روابط خفية تُشيّدها السماء قبل الأرض، ومن أعظمها الدعاء، وفي الحياة الزوجية خاصة، يكون الدعاء سرًّا من أسرار الألفة؛ فحين يدعو كل زوجٍ للآخر بالخير، ويطلب له الصلاح والتوفيق، تتنزل البركة، وتلين القلوب، وتزول كثير من أسباب الجفوة. قال -تعالى-: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} (الفرقان: 74)، وقد كان من هدي الصالحين أن يجعلوا الدعاء للآخر ديدنًا، إدراكًا أن القلوب بين أصابع الرحمن، يُقلّبها كيف يشاء؛ فالدعاء ليس مجرد كلمات، بل هو حبٌّ صادق يُرفع إلى السماء، فينعكس سكينةً على الأرض. التوازن بين الحزم والرحمة من أهم أسس التربية تحقيق التوازن بين الحزم الذي يحفظ الحدود، والرحمة التي تحتضن القلوب؛ فالإفراط في الشدة يولّد الخوف أو التمرد، والتساهل يفضي إلى الفوضى. قال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143)، وقد جسّد النبي -صلى الله عليه وسلم - هذا التوازن، فقال: «إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانه»؛ فجمع بين اللين والحزم دون إفراط أو تفريط، والتربية المتزنة تقوم على توجيهٍ برفق، وحدودٍ واضحة، وعدلٍ منضبط. التغافل فنّ راقٍ لا تستقيم الحياة الزوجية على استقصاء العيوب، ولا على محاسبة كل زلّة، بل يشيع فيها الصفاء حين يسودها التغافل المحمود؛ ذاك الذي يُبقي للمودة مكانها، ويُطفئ شرارة الخلاف قبل أن تتسع. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر»، والتغافل ليس يعني غفلة وضعفا، بل هو وعيٌ يُدرك أن الكمال متعذّر، وأن دوام العشرة يحتاج إلى سعة صدرٍ وحسن تقدير، فمن يُدقّق في كل صغيرة، يُرهق نفسه ويُتعب من حوله، ومن يُحسن التغافل، يربح راحة القلب واستقرار البيت. الشراكة في بناء البيت ليست الحياة الزوجية ميدانَ تنافسٍ أو صراع، بل هي شراكةٌ قائمة على التكامل؛ كلٌّ من الزوجين يُسهم في بناء بيتٍ واحدٍ يجمعهما، لا بيتين متقابلين، قال -تعالى-: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} (البقرة: 187)، وفي هذا التعبير القرآني إشارة بليغة إلى القرب، والستر، والتكامل بين الزوجين؛ فنجاح البيت لا يقوم على تحميل كل طرفٍ المسؤولية، بل على تعاونٍ رحيم، تتقاسم فيه الأدوار، وتتكامل فيه القدرات، ويُراعى فيه اختلاف الطبائع لا لإثارة الخلاف، بل لإحسان البناء، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - خير مثالٍ في الشراكة الأسرية؛ فقد كان في خدمة أهله، كما سئلت أمنا عائشةَ -رضيَ اللهُ عنها-: «ما كانَ يصنعُ النَّبيُّ في أهلِهِ؟ فقالت: كان يكونُ في مِهْنَةِ أهلِهِ، فإذا حضرتِ الصَّلاةُ خرجَ». بين الرضا والطموح ليس الرضا أن تُطفئ جذوة طموحك، بل هو أن تمضي في طريقك ساعيًا، بقلبٍ ساكنٍ إلى الله، راضيًا بما يقدّره لك بعد الأخذ بالأسباب، قال الله -تعالى-: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (القصص: 77)، فاجعل طموحك عبادة، وسعيك قربى، ورضاك سكينةً تملأ قلبك. اعداد: المحرر التربوي
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |