شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         الاحتساب في تربية الأبناء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          كلمات في العقيدة {أإله مع الله} (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          حقيقة اليقين (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 42 )           »          من أصول الإسلام العظيمة - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          براءة دعوة الإمام محمد ابن عبد الوهاب من الإرهاب والتطرف (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 8 )           »          العبادات توقيفية ولايشرع منها إلا ما جاء به الشرع - رد دعاوى المغالطين حول ذبح الأضاح (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          نقد كتاب التولي يوم الزحف (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3415 - عددالزوار : 514443 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2863 - عددالزوار : 233275 )           »          تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 2699 - عددالزوار : 93578 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > الملتقى العلمي والثقافي

الملتقى العلمي والثقافي قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 26-10-2021, 05:25 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,376
الدولة : Egypt
افتراضي شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم

شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم (1)


بوعلام محمد بجاوي







بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين صاحب الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود:
هذا شرح مختصر لنصيحة تستمد شأنها من:
الناصح: المعلمي عبد الرحمن بن يحيى (ت: 1386).
المنصوح: ورثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل المرسل إلى خير الأمم الذين حفظ الله بهم الرسالة من التبديل والتغيير إبقاء للنور لمن أراد التزامها والحجة لمريد الرشاد وعلى مريد الغيّ.
وكونها موجهة إلى أهل العلم لا يجعل فائدتها قاصرة عليهم، بل هي عامة لجميع المسلمين الباحثين عن النجاة من النار والفوز بالجنة
موضوعها: هداية الخلق إلى الحق، الذي علق النجاة بالنار والفوز بالجنة به
وأفضل ما شرح به كلام المعلمي كلام المعلمي نفسه، ومن الله أرجو العون والتوفيق.
نص الوصية:
قال المعلمي عبد الرحمن بن يحيى بن علي العُتمي (ت: 1386): إن الأمة قد اتبعت سنن من قبلها كما تواترت بذلك الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك، بل من أعظمه، بل أعظمه أنها فرّقت دينها وكانت شيعا، وقد تواترت الأخبار أيضا بأنه لا تزال طائفة قائمة على الحق، فعلى أهل العلم أن يبدأ كل منهم بنفسه فيسعى في تثبيتها على الصراط وإفرادها عن اتباع الهوى، ثم يبحث عن إخوانه ويتعاون معهم على الرجوع بالمسلمين إلى سبيل الله، ونبذ الأهواء التي فرقوا لأجلها دينهم وكانوا شيعاً. اهـ[1].

مقدمة:
الأفراد يصيبهم المرض والسقم بعد الصحة والعافية بسبب عدولهم عن الصراط الموافق لخلقتهم وهو الذي خطه الله لعباده في شريعته اعتقادا وفعلا وتركا، وكذلك الأمم عندما يعدل بعض أفرادها عن شريعه الله ثم لا يجدون ناهيا بالذكرى لمن كان له قلب وبالقوة - من أهلها - لمن مات قلبه أو أوشك.

قال تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد: 11].
أي لا يغير النعمة إلى النقمة إلا بعد تغير الحال من التوحيد والطاعة إلى الشرك والمعصية
والأفراد عند مرضهم يلجؤون إلى طبيب عارف ماهر يبدلون له أعزّ ما يملكون: ليحدد المرض أولاً، ثم يجد له دواء مناسباً
وهذا هو الواجب على الأمة عند مرضها أن تلجأ إلى الطبيب العارف الماهر ليحدد لها المرض ويصف لها دواء شافيا[2]

وقد تضمنت نصيحة المعلمي خمسة أمور هي - إضافة إلى المقدمة - أركان العلاج:
1- ( المقدمة ) المرض أمر كوني لا مفرّ منه.
2 - ( الركن الأول ) وصف المرض.
3 - ( الركن الثاني ) الطبيب المعالج.
4 - ( الركن الثالث ) الدواء والعلاج.
5 - ( الركن الرابع ) التعاون على العلاج.

المقدمة: المرض أمر كوني
قال المعلمي: إن الأمة قد اتبعت سنن من قبلها كما تواترت بذلك الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قضى الله كونا أن تتبع هذه الأمة سبيل مَن قبلها من الأمم، كما في الصحيحين ( خ / 3456، 7320 - م / 2669 ) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن "

والمقصود متابعتهم فيما أحدثوا وبدّلوا وتركوا من شرائع أنبيائهم
قال ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف ( ت: 449 )عن المهلب أبي القاسم بن أحمد بن أسيد ( ت: 433 أو بعدها ): فأخبر صلى الله عليه وسلم أن أمته قبل قيام الساعة يتبعون المحدثات من الأمور، والبدع والأهواء المضلة كما اتبعتها الأمم من فارس والروم حتى يتغيّر الدين عند كثير من الناس، وقد أنذر صلى الله عليه وسلمفي كثير من حديثه أن الآخر شر، وأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، وأن الدِّين إنما يبقى قائما عند خاصة من المسلمين لا يخافون العداوات، ويحتسبون أنفسهم على الله في القول بالحق، والقيام بالمنهج القويم في دين الله. اهـ[3]

الركن الأول: وصف المرض
قال المعلمي: ومن ذلك، بل من أعظمه، بل أعظمه أنها فرقت دينها وكانت شيعا.
إذا كانت هذه الأمة قد اتبعت سنن من قبلها، فإن أعظم ما ابتدعت الأمم السابقة الاختلاف والافتراق بعد الاتفاق مع وضوح الحق، فتجدهم فرقا كثيرة متباينة يجمعها " الكفر بالله وابتداع ما لم يأذن به الله "
قال الشافعي محمد بن إدريس (ت: 204 ) - عن النبي صلى الله عليه وسلم -: بعثه، والناس صنفان:
أحدهما: أهل كتاب بدّلوا من أحكامه وكفروا بالله، فافتعلوا كذبا صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم...
وصنف: كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن الله به، ونصبوا بأيديهم حجارة وخشبا وصورا استحسنوها ونبزوا أسماء افتعلوها، ودعوها آلهة عبدوها، فإذا استحسنوا غير ما عبدوا منها ألقوه ونصبوا بأيديهم غيره فعبدوه: فأولئك العرب

وسلكت طائفة من العجم سبيلهم في هذا، وفي عبادة ما استحسنوا من حوت ودابّة ونجم ونار وغيره...

فكانوا قبل إنقاذه إياهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أهل كفر في تفرقهم واجتماعهم، يجمعهم أعظم الأمور:
الكفر بالله
وابتداع ما لم يأذن به الله، تعالى عما يقولون علواً كبيراً، لا إله غيره، سبحانه وبحمده، رب كل شيء وخالقه. اهـ[4]
و لا يزالون إلى اليوم يختلفون بسبب إعراضهم عن الوحي الذي أتتهم به رسل ربهم، وما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب إلا لبيان الحق فيما حصل فيه الخلاف، أي الرد إلى الأمر الأول.
قال تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 213].
وقال: ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [يونس: 19].
وقال: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ [البقرة: 253].
وقال: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [يونس: 93].
وقال: ﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [النحل: 64].
وقال: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾ [الشورى: 14].
وقال: ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [الجاثية: 17].
وقال: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴾ [البينة: 4].
وقال: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [النمل: 76].
وقال: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [السجدة: 25].
وقال: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ [الزمر: 3].
وقال: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [الزمر: 46].
وقال: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ [هود: 118].
وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [الأنعام: 159].
وقال: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [الروم: 31، 32].
وقال: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 105].
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه "إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقت على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاتٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة "[ د/ 4596، ت/ 2640، جه/ 1399 ][5]

و في حديث العرباض بن سارية " وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا "[ د/ 4607، ت/ 2676، جه/ 43، 44 ][6]

مسألة: التعامل مع قضاء الله الكوني في الاختلاف
وما قضاه الله كونا لا بدّ من وقوعه، عقيدة نعتقدها ولا نصوبه ولا نستسلم له، بل لا بدّ من:
1- طلب الحق
2 - ثم السعي في هداية من رحم الله من عباده واختاره للسعادة في العاجل والآجل

أولاً: طلب الحق، والصبر على مشقة تحصيله، لا لعدم بيان الشرع له[7]، بل لكثرة الغشاوات التي أحاطه بها الجهمية ومن سار على نهجهم في تحريف النصوص المخالفة لأهوائهم، قديماً كان التحريف أكثره في " العقائد "، واليوم أكثره في " الأحكام " لا بسبب التعصب كما في السابق، ولكن الانهزام، وذلك أن من يُعظِّمون يرونها تخلفاً.

قال المعلمي: ومخالفة الهوى للحق في العلم والاعتقاد قد تكون لمشقة تحصيلية، فإنه يحتاج إلى البحث والنظر، وفي ذلك مشقة ويحتاج إلى سؤال العلماء والاستفادة منهم. اهـ[8]

ومن المشقة - أيضا –: مخالفة العادة والهوى، قال المعلمي - بعد كلامه السابق -: وقد تكون [ مخالفة الهوى للحق ] لكراهية العلم والاعتقاد نفسه، وذلك من جهات:
الأول: ما تقدم في " الاعتراف "، فأنه كما يشقّ على الإنسان أن يعترف ببعض ما قد تبين له، فكذلك يشقّ عليه أن يتبين بطلان دينه أو اعتقاده أو مذهبه أو رأيه الذي نشأ عليه، واعتزّ به، ودعا إليه، وذبّ عنه، أو بطلان ما كان عليه آباؤه وأجداده وأشياخه، ولا سيما عندما يلاحظ أنه إن تبين له ذلك تبين أن الذين يطريهم ويعظمهم ويثنى عليهم بأنهم أهل الحق والإيمان والهدى والعلم والتحقيق هم على خلاف ذلك، وإن الذين يحقرهم ويذمهم ويسخر منهم وينسبهم إلى الجهل والضلال والكفر هم المحقون... فتجد ذا الهوى كلما عرض عليه دليل لمخالفيه أو ما يوهن دليلاً لأصحابه شقّ عليه ذلك واضطرب واغتاظ وسارع إلى الشغب، فيقول في دليل مخالفيه " هذه شبهة باطلة مخالفة للقطعيات "، و"هذاالمذهب مذهب باطل لم يذهب إليه إلا أهل الزيغ والضلال "، ويؤكد ذلك بالثناء على مذهبه وأشياخه ويعدّد المشاهير منهم ويطريهم بالألفاظ الفخمة، والألفاظ الضخمة، ويذكر ما قيل في مناقبهم ومثالب مخالفيهم، وإن كان يعلم أنه لا يصح، أو أنه باطل. اهـ[9]

ولهذا يقلّ أن تجد من يترك دين النشأة إلى دين الحق
قال المعلمي: ومن أوضح الأدلة على غلبة الهوى على الناس أنهم - كما تراهم - على أديان مختلفة، ومقالات متباينة، ومذاهب متفرقة، وآراء متدافعة، ثم تراهم كما قال الله تبارك وتعالى ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [الروم: 32] فلا تجد من ينشأ على شيء من ذلك ويثبت عليه يرجع عنه إلا القليل، وهؤلاء القليل يكثر أن يكون أول ما بعثهم على الخروج عما كانوا عليه أغراضا دنيوية. اهـ[10]

و قد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم - وهو النبي المعصوم -: اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك
مسلم 200 - ( 770 ) من طريق عكرمة بن عمار حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أم المؤمنين، بأي شيء كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

مدراه على عكرمة بن عمار، قال أحمد ابن حنبل ( ت: 241 ): مضطرب عن غير إياس بن سلمة، وكأن حديثه عن إياس بن سلمة صالح[11]. وقال: أحاديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير ضعاف ليس بصحاح، قلت له: من عكرمة أو من يحيى؟ قال: لا إلا من عكرمة[12]. وقال أبو داود سليمان بن الأشعث ( ت: 275 ): في حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب[13]. وقال علي بن المديني ( ت: 234 ): سألت يحيى بن سعيد القطان ( ت: 198 ) عن أحاديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير؟ فضعفها، وقال: ليست بصحاح[14].

لأن المعصوم من عصم الله، فأول الأسباب سؤال الله التوفيق والهداية
قال تعالى: ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 213]
وقال عن المؤمنين: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 43]

[1] التنكيل 2 / 382.
[2] كما يأتي في " الركن الثاني ".
[3] شرح ابن بطال على البخاري 10 / 366.
[4] الرسالة 1 / 1 - 3 - الأم.
[5] تخريجه في: الظفر بالصواب في صاحب رسالة باب الأبواب.
[6] تخريجه في: الظفر بالصواب في صاحب رسالة باب الأبواب.

[7] للمعلمي كلام حول تقسيم الشرع من حيث البيان، تركته تركا للتطويل. وأكتفي بالإحالة: التنكيل 2 / 182 وما.بعدها.
[8] التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الاباطيل - القائد إلى تصحيح العقائد - 2 / 181.
[9] التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الاباطيل - القائد إلى تصحيح العقائد - 181 - 182.
[10] التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الاباطيل - القائد إلى تصحيح العقائد - 182.
[11] العلل ومعرفة الرجال عن أحمد ( 1 / 379 - رقم: 733 ).
[12] العلل ومعرفة الرجال عن أحمد ( 2 / 494 - رقم: 3255 ).
[13] سؤالات أبي عبيد الآجري 1 / 264 - مسألة: 361.
[14] الجرح والتعديل 1 / 236 و7 / 10.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26-10-2021, 05:26 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,376
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم

شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم (2)


بوعلام محمد بجاوي



فرع: الأسباب المانعة من التزام الحق وإيثار الهوى عليه:
وذكر المعلمي جملة من الأسباب التي تدعو إلى إيثار الهوى على الحق بعد أن حصر مظانَّ الهوى في أربعةٍ تبعًا لدرجات الدين:
(1) الكف أو الترك.
(2) الفعل أو العمل.
(3) الاعتراف بالحق.
(4) الاعتقاد للحق والعلم به.

1، 2/ في الفعل والترك:
المشقة في الأول، والشهوة في الآخر.
قال المعلمي:
مخالفة الهوى للحق في الكف: واضحة؛ فإن عامةَ ما نُهِيَ عنه شهواتٌ ومستلذَّات، وقد لا يشتهي الإنسان الشيءَ من ذلك لذاته، ولكنه يشتهيه لعارض[1].
ومخالفة الهوى للحق في العمل: واضحة؛ لِما فيه من الكلفة والمشقة؛ اهـ[2].

3/ في الاعتراف بالحق:
مِن وجوه أربعة:
الوجه الأول: الإقرار بأنه كان - ومَن يعظِّمهم - على الباطل:
يعتقد أنه يعترف على نفسه أنه كان على باطل، وإذا كان مقلدًا يعتقد أنه ينتقص مَن يقلِّدهم، وانتقاصهم انتقاص له[3].

الوجه الثاني: زوال المصالح الدنيوية:
أن يكونَ رأسًا متبوعًا في الباطل الذي يعتقده، ورجوعه عنه إلى الحق يُذهِب عنه تلك المكانة وما يتفرَّع عنها من مصالحَ دنيوية[4]؛ إما لانصراف الناس عنه، أو لأنه يصير في الحق عاميًّا من عامة المسلمين؛ كـ "متكلم" - لا يعرف غيرَ الكلام - يرجع إلى عقيدة أهل السنَّة.

الوجه الثالث: الكِبْر:
يمنع الكِبْرُ الجاهلَ أو العالم المخطئ مِن الإذعان للحجة؛ لأنه يرى أن اعترافه يلزم منه اعتراف بنقصه، وبفضل المبيِّن له عليه، ومن هؤلاء مَن يُذْعن للحق إذا اهتدى إليه بنفسه.
قال المعلمي: يكون الإنسانُ على جَهالة أو باطل، فيجيء آخرُ فيبين له الحجة، فيرى أنه إن اعترف كان معنى ذلك اعترافَه بأنه ناقص، وأن ذلك الرجلَ هو الذي هداه؛ ولهذا ترى مِن المنتسبين إلى العلم مَن لا يشقُّ عليه الاعترافُ بالخطأ إذا كان الحق تبيَّن له ببحثه ونظرِه، ويشق عليه ذلك إذا كان غيرُه هو الذي بيَّن له؛ اهـ[5].

الوجه الرابع: الحسد:
يرى أن في اعترافه على نفسه بالخطأ ولغيره بالحق والصواب تعظيمًا له ورفعًا مِن شأنه عند الناس، ومِن هذا الصنف مَن يخطِّئ غيرَه مِن أهل العلم، ولو بالباطل، يريد الحط من منزلته عند الناس.
قال المعلمي: وذلك إذا كان غيرُه هو الذي بيَّن الحق، فيرى أن اعترافه بذلك الحق يكون اعترافًا لذلك المبيِّن بالفضل والعلم والإصابة، فيعظم ذلك في عيون الناس، ولعله يتبعه كثيرٌ منهم، وإنك لتجد مِن المنتسبين إلى العلم مَن يحرص على تخطئه غيره من العلماء، ولو بالباطل؛ حسدًا منه لهم، ومحاولةً لحط منزلتهم عند الناس؛ اهـ[6].
ويمكن إضافة وجه آخر، وقد يكون مندرجًا تحت الوجه الثاني، "زوال المصالح الدنيوية".

الوجه الخامس: التضييق عليه من أهل الباطل الذي ينوي تركَه والاعترافَ بما يضادُّه:
قال المعلمي في سياق ذكر شبهة، نقتصر منها على مقدمة الشبهة وهي مسلَّمة: لا ريب أن الإنسان ينشأ على دِين واعتقاد ومذهب وآراء يتلقاها مِن مربيه ومعلمه، ويتبع فيها أسلافه وأشياخه الذين تمتلئ مسامعُه بإطرائهم، وتأكيد أن الحق ما هم عليه، وبذمِّ مخالفيهم وثلبهم، وتأكيد أنهم على الضلالة، فيمتلئ قلبه بتعظيم أسلافه وبُغْض مخالفيهم، فيكون رأيُه وهواه متعاضدينِ على اتباع أسلافه، ومخالفة مخالفيهم، ويتأكد ذلك بأنه يرى أنه إن خالف ما نشأ عليه رماه أهلُه وأصحابه بالكفر والضلال، وهجروه وآذَوْه وضيَّقوا عليه عيشته..؛ اهـ[7].

4/ في العلم بالحق والاعتقاد له:
الوجه الأول: المشقة في تحصيل الحق:
لأنه - وسبق في أول الكلام عن طلب الحق - يحتاج إلى: البحث والنظر، وسؤال أهل العلم، وإلى لزوم التقوى طلبًا للتوفيق والهُدى[8].

الوجه الثاني: كراهية العلم والاعتقاد[9] نفسه.
1/ لأن في الاعتراف بالحق - عنده - اعترافًا على نفسه وعلى مَن يعظمهم بالنقص:
كما سبق في الاعتراف؛ فهو يكرَهُ العلم بالحق، واعتقاده لأجل هذا[10].

2/ لاشتمال الحق على الوعيد بالعذاب على الفعل والترك:
فيكره العلم به واعتقاده مطلقًا؛ لتجنُّبِ العذاب.
أو يعتقد وجوده، لكن في ترك الاعتقاد فقط، كما هو قول المرجئة.
أو اعتقد العذاب في المعصية، لكن مع التوسُّع في الشفاعة؛ أي: تحصيل الشفاعة بما يوافق هواه من التوسع في الأكل وسماع الغناء بدعوى الاحتفال بالمولد النبوي، أو غيره من المناسبات.
قال المعلمي: ومِن جهات الهوى أن يتعلق الاعتقاد بعذاب الآخرة، فتجد الإنسان يهوى ألا يكون بعثٌ؛ لئلا يؤخذ بذنوبه، فإن علم أنه لا بد مِن البعث هَوِيَ ألا يكون هناك عذاب، فإن علم أنه لا بد من العذاب هَوِيَ ألا يكون على مثله عذابٌ، كما هو قول المرجئة، فإن علم أن العصاة معذَّبون هَوِيَ التوسُّعَ في الشفاعة، وهكذا؛ اهـ[11].

3/ لمشقة الفعل عليه أو مَن يرجو نفعهم مِن ذوي السلطان والمال والعامة:
كأن يشقَّ عليه "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" فهو يكره وجوبه لأجل ذلك، أو أن يشق على الحاكم أو الناس فعلٌ، فيدفع وجوبه، أو يَهْوَوْا بدعةً فيدفع بدعيَّتَها.
قال المعلمي: ومِن الجهات أنه إذا شق عليه عمل كـ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" هَوِيَ عدم وجوبه، وإذا ابتُلِيَ بشيء يشق عليه أن يتركه كـ: شرب المُسْكِر هَوِيَ عدم حرمته.
وكما يهوى ما يخفِّف عليه، فكذلك يهوى ما يخفِّف على مَن يميل إليه، وما يشتد على من يكرهه، فتجد القاضي والمفتي هذه حالهما.
ومِن المنتسبين إلى العلم مَن يهوى ما يعجب الأغنياء وأهل الدنيا، أو ما يعجب العامة؛ ليكون له جاهٌ عندهم، وتقبِل عليه الدنيا، فما ظهرت بدعة وهَوِيهَا الرؤساء والأغنياء وأتباعهم إلا هَوِيَها وانتصر لها جمع من المنتسبين إلى العلم، ولعل كثيرًا ممن يخالفها إنما الباعث لهم عن مخالفتها هوى آخر وافَق الحق، فأما مَن لا يكون له هوًى إلا إتباع الحق فقليل، ولا سيما في الأزمنة المتأخرة، وهؤلاء القليل يقتصرون على أضعف الإيمان، وهو الإنكار بقلوبهم، والمسارة به فيما بينهم، إلا من شاء الله؛ اهـ[12].

فرع: الأسباب المعِينة على إيثار الحق على الهوى:
كما لإيثار الهوى أسباب، فكذلك لإيثار الحق أسبابه، وقد ذكر المعلمي جملةً من الأسباب المعِينة على إيثار الحق على الهوى[13].
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26-10-2021, 05:27 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,376
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم

شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم (2)


بوعلام محمد بجاوي



1/ النية: نية إصابة الحق علمًا ثم اعتقادًا ثم امتثالًا:


فمَن كانت نيتُه إصابة الحق، وحرَص على ذلك ليعبُدَ الله وَفْق ما شرع - وفَّقه الله لإصابة الحق، ومن كانت نيته موافقة الحق لهواه فيدَع المحكَم ويتمسك بالمتشابه؛ كما قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 7] - فلن يزيدَه اللهُ إلا ضلالًا.
قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾ [الرعد: 27].
وقال: ﴿ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ﴾ [الشورى: 13].
وقال: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ﴾[غافر: 13].
وقال: ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا ﴾ [مريم: 76].
وقال: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمد: 17].

وقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 258].
وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾[البقرة: 264].
وقال: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [المائدة: 108].
وقال: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ [الزمر: 3].
وقال: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ [غافر: 28].

قال المعلمي: فبيَّن الله - تعالى - لهم في عدة آيات أنه ليس على الرسول إلا البلاغ، وأن الهدايةَ بيدِ الله، وأن ما أوتيَه من الآيات كافٍ لأن يؤمن مَن في قلبه خير، وأن الله لو شاء لهدى الناس جميعًا، لكن حكمته إنما اقتضت أن يهديَ مَن أناب بأن كان يحب الهدى، ويؤثِره على الهوى، فأما مَن كره الحق واستسلم للهوى، فإنما يستحق أن يزيدَه اللهُ تعالى ضلالًا؛ اهـ[14].
وقال: فتلخَّص أن حكمة الحق في الخَلْق اقتضت أن تكون هناك بيناتٌ وشُبهات، وألا تكون البينات قاهرة، ولا الشبهات غالبة، فمَن جرى مع فطرته مِن حب الحق وربَّاها ونمَّاها وآثَر مقتضاها، وتفقد مسالك الهوى إلى نفسه فاحترس منها - لم تزَلْ تتجلى له البينات، وتتضاءل عنده الشُّبهات، حتى يتجلى له الحق يقينًا فيما يطلب فيه اليقين، ورجحانًا فيما يكفي فيه الرجحان، وبذلك يثبُتُ له الهدى، ويستحق الفوز، والحمد والكمال على ما يليق بالمخلوق، ومَن اتبع الهوى وآثر الحياة الدنيا، تبرقعت دونه البينات، واستهوَتْه الشبهات، فذهبت به إلى "حيث ألقت رَحْلها أمُّ قشعم"؛ اهـ[15].

2/ اتباع المحكَم وترك المتشابِه:
وهذا مِن ثمرات الأول "النية الصادقة"، بل هو امتثال الجوارح للقلب، فمَن كانت نيتُه عبادةَ الله أخذ بالمحكَم، ولم يراوِغْ بالمتشابه، وجمع "المعلمي" في كلامه السابق بين "اتباع المحكَم" و"النية".
وقال: يسعى في التمييز بين معدن الحُجَج ومعدن الشُّبهات، فإنه إذا تم له ذلك هان عليه الخَطْب؛ فإنه لا يأتيه مِن معدن الحق إلا الحق، إن كان راغبًا في الحق، قانعًا به إلى الإعراض عن شيء جاء مِن معدن الحق، ولا إلى أن يتعرض لشيء جاء من معدن الشبهات، لكن أهل الأهواء قد حاوَلوا التشبيه والتمويه؛ فالواجبُ على الراغب في الحق ألا ينظُرَ إلى ما يجيئه من معدن الحق من وراء زجاجاتهم الملونة، بل ينظر إليه كما كان ينظر إليه أهل الحق، والله الموفِّق؛ اهـ[16].

وذلك أن الدِّين يقوم على ركنين:
الأول: الإخلاص.
الآخر: الاستسلام.
قال ابن تيمية أبو العباس أحمد بن عبدالحليم (ت: 728): و"الإسلام": يجمع معنيين: أحدهما: الاستسلام والانقياد، فلا يكون متكبرًا.

والثاني: الإخلاص، مِن قوله تعالى: ﴿ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ ﴾ [الزمر: 29] فلا يكون مشتركًا، وهو أن يسلِمَ العبدُ لله رب العالمين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: 130 - 132]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 161 - 163]؛ اهـ[17].


وقال: وكل واحدٍ مِن المستكبرين والمشركين ليسوا مسلمين، بل "الإسلام" هو: الاستسلام لله وحده، ولفظ "الإسلام": يتضمَّنُ الاستسلام، ويتضمن إخلاصَه لله.
وقد ذكر ذلك غيرُ واحد، حتى أهل العربية؛ كـ "أبي بكر [محمد بن القاسم] ابن الأنباري (ت: 328)"، وغيره.
ومِن المفسِّرين مَن يجعلهما قولين، كما يذكر طائفة - منهم: البغوي [أبو محمد الحسين بن مسعود (ت: 516)] - أن المسلم هو: المستسلم لله، وقيل: هو المخلِص.


والتحقيق: أن المسلِم يجمع هذا وهذا، فمَن لم يستسلم له، لم يكن مسلمًا، ومَن استسلم لغيره كما يستسلم له لم يكن مسلمًا، ومَن استسلم له وحده، فهو المسلِم؛ كما في القرآن: ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 112]، وقال: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: 125].
و"الاستسلام" له يتضمَّن: الاستسلامَ لقضائه، وأمره، ونهيه، فيتناول فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 90]؛ اهـ[18].

3/ يستحضر نسبة سخط الله ونعيم الدنيا إلى رضوان الله ونعيم الآخرة.
وبعبارة أخرى: "يستحضر شرفَ الحق، وضَعَةَ الباطل".
فكيف يؤثِر سخَطَ الله وعذابَ الآخرة على رضوان الله ونعيم الآخرة؛ بتعصُّبه للباطل أو تمسُّكه به؛ خوفًا على زوال مصالحَ دنيويةٍ، أو تضييق.

قال المعلمي: هذه أمورٌ ينبغي لإنسان أن يقدِّمَ التفكير فيها، ويجعلها نُصبَ عينيه:
التفكير في شرف الحق وضَعَةِ الباطل: وذلك بأن يفكر في عظمة الله عز وجل، وأنه رب العالمين، وأنه سبحانه يحب الحق ويكرَه الباطل، وأن مَن اتبع الحق استحق رضوانَ رب العالمين، فكان سبحانه وليَّه في الدنيا والآخرة، بأن يختار له كل ما يعلَمُه خيرًا له وأفضل وأنفع وأكمل وأشرف وأرفع حتى يتوفاه راضيًا مَرضيًّا، فيرفعه إليه ويقربه لديه، ويحله في جوار ربه مكرمًا منعمًا في النعيم المقيم، والشرف الخالد الذي لا تبلغ الأوهامُ عظَمتَه، وأن مَن أخلد إلى الباطل استحق سخَطَ ربِّ العالمين وغضبه وعقابه، فإن آتاه شيئًا مِن نعيم الدنيا فإنما ذلك لهوانه عليه؛ ليزيدَه بُعدًا عنه، وليضاعف له عذاب الآخرة الأليم الخالد، الذي لا تبلغ الأوهامُ شدتَه؛ اهـ[19].

وقال: يفكِّر في نسبة نعيم الدنيا إلى رضوان رب العالمين ونعيم الآخرة، ونسبة بؤس الدنيا إلى سخَطِ رب العالمين وعذاب الآخرة، ويتدبر قول الله عز وجل: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 31 - 35].


وُيفهَم مِن ذلك أنه لولا أن يكون الناسُ أمةً واحدة، لابتلى اللهُ المؤمنين بما لم تجرِ به العادة؛ مِن شدة الفقر والضُّر، والخوف والحزن، وغير ذلك، وحسبك أن الله عز وجل ابتلى أنبياءَه وأصفياءَه بأنواعِ البلاء.


فتدبَّرْ هذا كلَّه لتعلَمَ - حقَّ العلم - أن ما نتنافس فيه ونتهالك عليه مِن نعيم الدنيا وجاهِها ليس هو بشيء في جانب رضوان الله عز وجل، والنعيم الدائم في جواره، وأن ما نفِرُّ منه مِن بؤس الدنيا ومكارهها ليس هو بشيءٍ في جانب سخَط الله عز وجل وغضبه والخلود في عذاب جهنم، وفي "الصحيح" من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار، ثم يقال له: يا بن آدم، هل رأيتَ خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا مِن أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا بن آدم، هل رأيتَ بؤسًا قط؟ وهل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيتُ شِدة قط))؛ اهـ[20].

وقال: يتدبر ما يرجى لمؤثِر الحق من رضوان رب العالمين، وحُسن عنايته في الدنيا، والفوز العظيم الدائم في الآخرة، وما يستحقُّه متَّبِع الهوى من سخطه عز وجل، والمَقْت في الدنيا، والعذاب الأليم الخالد في الآخرة، وهل يرضى عاقل لنفسه أن يشتريَ لذةَ اتباع هواه بفوات حسن عناية رب العالمين، وحرمان رضوانه والقرب منه والزلفى عنده والنعيم العظيم في جواره، وباستحقاق مَقْتِه وسخطه وغضبه وعذابه الأليم الخالد؟ لا ينبغي أن يقعَ هذا حتى مِن أقل الناس عقلًا، سواء أكان مؤمنًا موقنًا بهذه النتيجة، أم ظانًّا لها، أم شاكًّا فيها، أم ظانًّا لعدمها؛ فإن هذينِ يحتاطان، وكما أن ذلك الاشتراءَ متحقِّق ممن يعرِف أنه متَّبِع هواه، فكذلك مَن يسامح نفسه فلا يناقشها ولا يحتاط؛ اهـ[21].

5/ مَن ترك الحق لأجلهم لن يحمِلوا عنه أوزاره يوم القيامة:
بل يتبرَّؤون منه يوم القيامة؛ كما قال تعالى واصفًا حال مَن آثرَ التعصب للمخلوق على الحق يوم القيامة: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 165 - 167].
والآيات في هذا كثيرة.
وقد يكون مَن يقلدهم معذورين بجهلهم الحق.

6/ يستحضر أنه ليس هو ومَن يعظِّمهم بأولى بالحق من غيره:
يتساءل: لماذا ما أنا وجماعتي عليه هو الحق وما عليه الآخر هو الباطل؟ فلو كان الاعتقادُ السابق حجةً لكان الحق متعددًا؛ فجميعُ المختلفين يحتجون بدين النشأة، فيدفعه هذا إلى البحث عن الحق.

قال المعلمي: يستحضر أنه على فرض أن يكون فيما نشأ عليه باطل، لا يخلو عن أن يكونَ قد سلف منه تقصير أو لا.

فعلى الأول: إن استمر على ذلك كان مستمرًّا على النقص، ومصرًّا عليه، ومُزْدادًا منه، وذلك هو نقص الأبد وهلاكه، وإن نظر فتبيَّن له الحق فرجع إليه حاز الكمالَ، وذهبت عنه مَعرَّةُ النقص السابق؛ فإن التوبةَ تجبُّ ما قبلها، والتائب مِن الذنب كمَن لا ذنبَ له..
وأما الثاني: وهو ألا يكونَ قد سبق منه تقصيرٌ، فلا يلزمه بما تقدم منه نقصٌ يعاب به البتة، بل المدار على حاله بعد أن ينبَّهَ، فإن تدبَّر وتنبَّه فعرَفالحق فاتَّبَعه فقد فاز، وكذلك إن اشتبه عليه الأمر فاحتاط، وإن أعرض ونفَر فذلك هو الهلاكُ؛ اهـ[22].

7/ ليس في إيثار الحق على أسلافه نقصٌ له ولهم، كما أنه ليس في التعصُّب لهم دفع النقص عنه وعنهم:
التعصب: لا يصوِّب، ولا يدفع الذم إذا كان المتعصَّبُ له يستحقه، بل يضرهم، فيحملون وِزْره ووِزْر مَن تبِعه.

ترك التعصُّب:
لا يضر بالمتعصَّبِ له: فإن لم يكن معذورًا واستحق العذاب، فبإيثاره للهوى، وإن كان معذورًا، فيُعفَى عنه بنيَّتِه في طلب الحق.
ولا يضرُّ بمؤثِر الحق: ضلالُ أسلافه.
وإنما يضرُّ به في العاجل والآجل إيثارُ الهوى على الحق، وتحمله وِزْر نفسه ووِزْر مَن تبعه.
قال المعلمي: يستحضر أن الذي يهمه ويسأل عنه هو حاله في نفسه، فلا يضره عند الله تعالى ولا عند أهل العلم والدِّين والعقل أن يكونَ معلمُه أو مربيه أو أسلافه أو أشياخه على نقص، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يسلَموا مِن هذا، وأفضلُ هذه الأمة أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضِيَ عنهم وكان آباؤُهم وأسلافُهم مشركين.
هذا مع احتمال أن يكونَ أسلافُك معذورين إذا لم يُنبَّهوا ولم تقم عليهم الحجَّة.
وعلى فرض أن أسلافك كانوا على خطأ يؤاخذون به، فاتباعُك لهم وتعصُّبك لا ينفعهم شيئًا، بل يضرهم ضررًا شديدًا؛ فإنه يلحَقُهم مِثلُ إثمك ومثل إثم من يتبعك من أولادك وأتباعِك إلى يوم القيامة، كما يلحَقُك مع إثمك مِثلُ إثم مَن يتبعك إلى يوم القيامة، أفلا ترى أن رجوعَك إلى الحق هو خيرٌ لأسلافِك على كل حال؟!؛ اهـ[23].

ثانيًا[24]: ثم السعي في هداية مَن رحم الله من عباده، واختاره للسعادةِ في العاجل والآجل.
ويأتي الكلام عنه فيما تبقى من كلام المعلمي.
ولهذا - وقوع الأمم السابقة في الاختلاف مع وجود البيات - حذَّر اللهُ آخرَ الأمم أن تسلُكَ سبيل مَن قبلها في الاختلاف بعد معرفة الحق.
فقال: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، وقال: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا ﴾ [الشورى: 13]، وقال: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 105]، وقال: ﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [الروم: 31، 32].

وأخبر أن هذا القرآنَ يبيِّن الحقَّ فيما اختَلَف فيه أهلُ الكتاب مِن قبلنا.
وقال: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ﴾ [النحل: 39].
وقال: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [النمل: 76].
يتبع...


[1] إرادة الوصول إلى الشهوة.

[2] التنكيل 2/ 180 - القائد إلى تصحيح العقائد.

[3] التنكيل 2/ 180 - القائد.

[4] التنكيل 2/ 180 - القائد.

[5] التنكيل 2/ 181 - القائد.

[6] التنكيل 2/ 181 - القائد، وسبق في أول الكلام عن "طلب الحق".

[7] التنكيل 2/ 189 - القائد.

[8] التنكيل 2/ 181 - القائد.

[9] لا تعارضَ في كلام المعلمي بين الاعتراف والاعتقاد؛ فقد يعلم ويعتقد، لكن لا يعترف، وقد يمنعُه رفض الاعتراف من العلم والاعتقاد، كما سيأتي في كلام المعلمي.

[10] التنكيل 2/ 181 - القائد.

[11] التنكيل 2/ 182 - القائد.

[12] التنكيل 2/ 182 - القائد.

[13] ليس بالضرورة في ذكر الأسباب ونحوها أن تكون مجموعةً في موضع واحد.

[14] التنكيل 2/ 186 - القائد.

[15] التنكيل 2/ 188 - القائد.

[16] التنكيل 2/ 202 - القائد.

[17] الاستقامة 2/ 302 - 303.


[18] النبوات 1/ 346 - 347.

[19] التنكيل 2/ 190 - القائد.

[20] التنكيل 2/ 190، 193 - القائد.

[21] التنكيل 2/ 199 - 200 - القائد.

[22] التنكيل 2/ 199 - القائد.

[23] التنكيل 2/ 199 - القائد.

[24] تابع لـ: التعامل مع قضاء الله الكوني في الاختلاف: الأول: طلب الحق.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-11-2021, 05:00 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,376
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم

شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم (3)


بوعلام محمد بجاوي







المسألة الثانية: وقوع الخلاف في القرون الأولى الفاضلة.


لكن الاختلاف واقع زمن القرون الفاضلة، الصحابة والتابعين وأتباعهم!

غالبُ الاختلاف في غير الواضحات - أي: المسائل الـموكَلة إلى اجتهاد واستنباط العلماء، والقليل الذي فيه نص - له أسباب معروفة ذكرها العلماء، وممن جمعها ابن جزي أبو القاسم محمد بن أحمد الغرناطي (ت: 741) في آخر كتابه في "الأصول"، أوصلها إلى ستة عشر سببًا[1] - على خلاف العادة في كتب الأصول[2] - وهو "تقريب الوصول إلى علم الأصول"، ولابن تيمية أبي العباس أحمد بن عبدالحليم (ت: 728)كتاب مشهور: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، ومِن الأعذار خفاء النص، أو ظن المعارض الأقوى، أو عدم ثبوت صحة النقل.



وقد يكون مخالفًا للكتاب والسنة المشهورة، لكنه عن "تأويل خاطئ"، لا يوافَق عليه مَن وقع فيه، ولا يُهدَر حقُّه بسببه، فلا يمنع فضلُ المخطئ مِن تخطئته، ولا يمنع خطؤُه مِن الاعتراف له بالفضل والتقدم.



قال الشاطبي إبراهيم بن موسى (ت: 790): وفي هذا الموطن حذر من "زلة العالم"؛ فإنه جاء في بعض الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم التحذير منها.. وأكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشارع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه، والوقوف دون أقصى المبالغة في البحث عن النصوص فيها، وهو وإن كان على غير قصدٍ ولا تعمدٍ، وصاحبه معذور ومأجور، لكن مما ينبني عليه في الاتباع لقوله [تقليد العامة لزلَّته] فيه خطر عظيم..



إذا ثبت هذا، فلا بد مِن النظر في أمور تنبني على هذا الأصل:

منها:

1 - أن "زلة العالم" لا يصحُّ اعتمادها من جهةٍ، ولا الأخذ بها تقليدًا له؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع؛ ولذلك عُدَّت "زلة"، وإلا فلو كانت معتدًّا بها، لم يجعل لها هذه الرتبة، ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها.




2 - كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يشنَّعَ عليه بها، ولا ينتقصمن أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتًا؛ فإن هذا كلَّه خلافُ ما تقتضي رتبته في الدين؛ اهـ[3].



وبهذا يجاب عن "الروافض" الذين يستدلون بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في عمار بن ياسر: ((تقتُلُه الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)) [خ / 447، 2812 من حديث أبي سعيد الخدري - م / 2916 من حديث أم سلمة].



قال القاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت: 544): وقوله: "تقتله الفئة الباغية": فيه حجة بيِّنة للقول: إن الحق مع "علي" رضي الله عنه وحزبه، وأن عذر الآخر بـ "الاجتهاد"، وأصل "البغي": الحسد، ثم استعمل في الظلم؛ ولهذا (هكذا، ولعل الأقرب: "وعلى هذا") حمل الحديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه يوم قتله وغيره، لكن "معاوية" رضي الله عنه تأوَّله على الطلب، قال: نحن الفئة الباغية لدم "عثمان"رضي الله عنه؛ أي: الطالبة له.



و"البُغاء" بالضم ممدود: الطلب.

وقد كان قبل ذلك قال: إنما قتَله مَن أخرجه؛ لينفيَ عن نفسه هذه الصفةَ، ثم رجع إلى هذا الوجه؛ اهـ[4].



وقال ابن حجرأبو الفضل أحمد بن علي (ت: 852): فإن قيل: كان قتلُه بصفِّين وهو مع علي، والذين قتلوه مع "معاوية" رضي الله عنه، وكان معه جماعة من "الصحابة" رضي الله عنهم، فكيف يجوز عليهم الدعاءُ إلى النار؟!

فالجواب: أنهم كانوا ظانِّين أنهم يدعون إلى الجنة، وهم مجتهدون لا لومَ عليهم في اتباع ظنونهم؛ فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها، وهو طاعة الإمام، وكذلك كان "عمار" رضي الله عنه يدعوهم إلى طاعة "علي" رضي الله عنه، وهو الإمامُ الواجب الطاعة إذ ذاك، وكانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك، لكنهم معذورون؛ للتأويلِ الذي ظهر لهم، وقال ابن بطال [أبو الحسن علي بن خلف (ت: 449)] - تبعًا للمهلب [أبي القاسم بن أحمد بن أسيد (ت: 433 أو بعدها)]-: إنما يصحُّهذا في الخوارج الذين بعَث إليهم "علي" رضي الله عنه عمارًا رضي الله عنه يدعوهم إلى الجماعة، ولا يصح في أحد من "الصحابة" رضي الله عنهم، وتابعه على هذا الكلام جماعةٌ مِن الشراح، وفيه نظر مِن أوجه؛ اهـ[5] وذكرها.



هكذا قال "ابن بطال" في موضع، والظاهر أنه لم ينسبه إلى "المهلب":

قال: قال "المهلب": وفي هذا الحديث بيان ما اختلف فيه مِن قصة عمار.

وقوله: "يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار" إنما يصحُّ ذلك في الخوارج الذين بعث إليهم علي رضي الله عنه "عمارًا" رضي الله عنه ليدعوهم إلى الجماعة، وليس يصح في أحد من "الصحابة" رضي الله عنهم؛ لأنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتأوَّلَ عليهم إلا أفضلَ التأويل؛ لأنهم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أثنى الله عليهم، وشهد لهم بالفضل، فقال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 110]، قال المفسرون: هم أصحاب رسول الله، وقد صح أن "عمارًا" رضي الله عنه بعثه "علي" إلى "الخوارج" يدعوهم إلى الجماعة التي فيها العصمة بشهادة الرسول: ((لا تجتمعُ أمَّتي على ضلال[6]))؛ اهـ[7].



وقد يكون "ابن حجر" اعتمد على "شرح المهلب"، و"ابن بطال" كثير الاعتماد عليه.

وفي موضعٍ آخرَ حمله "ابن بطال" على "كفار مكَّةَ".



قال: وقوله: "ويح عمار" فهي كلمة لا يراد بها في هذا الموضع وقوع المكروه بـ "عمار" رضي الله عنه، ولكن المراد بها المدح لـ "عمار" على صبره وشدته في ذات الله، كما تقول العرب للشاعر إذا أحسن: قاتَله اللهُ ما أشعره! غيرَ مريدين إيقاع المكروه به؛ اهـ[8].




وقال في "يدعوهم إلى الله": فيريد - والله أعلم - أهل مكة الذين أخرجوه من دياره وعذبوه في ذات الله لدعائه لهم إلى الله، ولا يمكن أن يتأول هذا الحديث في المسلمين البتة؛ لأنهم قد دخلوا دعوة الله، وإنما يدعى إلى الله مَن كان خارجًا مِن الإسلام، وقوله: "ويدعونه إلى النار" دليل أيضًا على ذلك؛ لأن المشركين أهلَ مكةَ إنما فتنوه وطالبوه أن يرجع إلى دِينهم، فهو النار.




فإن قيل: إن فتنة "عمار" رضي الله عنه قد كانت بمكة في أول الإسلام، وإنما قال: يدعوهم بلفظ المستقبل، وهذا لفظ الماضي؟ قيل: العرب قد تخبر بالفعل المستقبل عن الماضي إذا عُرف المعنى، كما تخبر بالماضي عن المستقبل، فقوله: "يدعوهم إلى الله" بمعنى دعاهم إلى الله؛ لأن محنةَ "عمار" رضي الله عنه كانت بمكة مشهورة، فأشار صلى الله عليه وسلم إلى ذكرها لَمَّا طابقت شدته في نقله لبنتين شدته في صبره بمكة على عذاب الله، فضيلة لـ "عمار" رضي الله عنه، وتنبيهًا على ثباته، وقوته في أمر الله تعالى؛[9] اهـ.



وهذا تأويل بعيد؛ لأنه أضاف القتل إلى "الفئة الباغية" لا إلى "الله"، وهذا يمنع من صرف القتل عن ظاهره.

وعليه يمتنع حمل "الفئة الباغية" على "مشركي مكة"؛ لأنهم لم يقتلوه، ويصير الحديث بلا فائدة.




وجواب "عياض" و"ابن حجر" هو المتعيـن في "مثل هذه القضايا"، الجمع بين "التخطئة" و"الاعتذار"؛ فليس مِن شرط الفاضل ألا يخطئ.

واكتفى "الإمام أحمد" بالإشارة، وكرِهَ التصريح.



قال ابن رجب عبدالرحمن بن أحمد بن رجب (ت: 795): قال يعقوب بن شيبة الدسوسي (ت: 262) في "مسند عمار" من "مسنده": سمعت أحمد بن حنبل (ت: 241) سئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم في عمار: ((تقتلك الفئة الباغية))؟ فقال أحمد: كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلَتْه الفئةُ الباغية.




وقال: في هذا غيرُ حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكره أن يتكلم في هذا بأكثرَ مِن هذا؛ اهـ[10].

ثم قال ابن رجب: وقد فسَّر الحسن [بن أبي الحسن يسار] البصري (ت: 110) الفئة الباغية بـ: أهل الشام: "معاوية" رضي الله عنه وأصحابه.

وقال أحمد: لا أتكلَّمُ في هذا، السكوتُ عنه أسلمُ؛ اهـ[11].




ولا شك أن الكلامَ لأجل الحكم بين الطائفتين لا معنى له، ولا فائدة منه، وإذا كان كذلك فأصلُه المنع والتحريم، وإنما يجوز للحاجة، "الرد على المخالف" مِن "الروافض" و"النواصب"، أو استفادة الدروس من "الفتنة الكبرى" إذا كان الـمخاطَب ممن لا يُخشى عليه الفتنةُ.




ذكرتُ هذا المثال؛ لأني سمعت أحد الرافضة يحتجُّ على كبير في العلم بهذا الحديث، فاكتفى بالثناء على معاوية ومَن كان في صفه، ولم يُجِبْ عن الحديث.



ويستفاد مِن الحديث: أن تجاوز الحد - وهو تعريف البَغْي - عن تأويلٍ مِن فاضل يسمى "بغيًا"، ويسمى فاعله "باغيًا"، وإن كان معذورًا؛ لصدوره عن تأويل، فلا منافاةَ بين الوصف بـ "البغي"، والخطأ في الاجتهاد.



قال ابن تيمية أبو العباس أحمد بن عبدالحليم (ت: 728): وعامة ما تنازعت فيه فرقة المؤمنين من مسائل الأصول وغيرها في باب "الصفات" و"القدر" و"الإمامة" وغير ذلك هو مِن هذا الباب، فيه:

1 / المجتهد المصيب.

2 / وفيه المجتهد المخطئ، ويكون المخطئ باغيًا.

3 / وفيه الباغي مِن غير اجتهاد.

4 / وفيه المقصر فيما أمر به من الصبر؛ اهـ[12].



وقال: وإذا وصَف النبي صلى الله عليه وسلم طائفة بأنها "باغية"، سواء كان ذلك بتأويل أو بغير تأويل لم يكن؛ اهـ[13].

فليس في الحديث إلا تصويبُ عليٍّ رضي الله عنه ومَن كان في صفه، وتخطئة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ومَن كان في صفه.



ومَن أفضل مِن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟! فلو جازت التهمة عليهم ما سلم منها أحد، والكلام في الفتنة التي كانت زمن الصحابة في غير دفع حقد المجوس على الإسلام قلة حياء، بل عدم حياء، فلو كان لرجل مائة حسنة وله سيئة واحدة تحتمل أن تكون عن غير قصد - أي: لظنه لها حسنة - لحمَلَها أهلُ الحياء كلهم على ظن الحسنة، هذا مع أنه غير مطالب بأن يكون معصومًا لا يصدر منه سيئة.
يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 01-11-2021, 05:01 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,376
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم

شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم (3)


بوعلام محمد بجاوي









المسألة الثالثة: الفرق بين هذه الأمة والأمم قبلها:



قال المعلمي: وقد تواترت الأخبار أيضًا بأنه لا تزال طائفةٌ قائمةً على الحق.



وهذا ما تميَّزت وتتميز به هذه "الأمة المعصومة" عن باقي الأمم، فإنها وإن شاركت الأمم السابقة في الاختلاف، وخروج جماعات عن الهدي القرآني النبوي، فإن شمس "الحق" لا تغيب عنها، بل "الحق" فيها ظاهر، وتجد "أهل الأهواء" مِن "المتكلمين" و"المتصوفة أصحاب الطرق" فَرِحين بوجود ما يقوِّي ضلالهم - في ظنهم وأمانيهم - في الوحيين: "الكتاب" و"السنة"، بل تجدهم يُجهدون أنفسهم في الانتساب إلى "السنة"، ودفع التهمة عنهم بمخالفتهم لها، حتى إنه ليشتبهُ على عامة الناس مَن هو على "السنَّة" ومَن هو على "البدعة"! بكثرة الدعاوى مع الاختلاف والتباين بين المدَّعين؛ ولهذا كان أعظمُ المهم معرفةَ "السنة وأهلها" مِن "مدعيها"، وهذا هو المقصود من - والدافع إلى - اختيار "شرح نصيحة المعلمي"، وإني لأرجو مِن الله - بعد تيسير إتمام شرحها مع الجهد وشغل البال والاضطرار واضطراب الحال، وقلة المسعد والمعين وحسد التلميذ والقرين - أن يكونَ فيها عونٌ وضياءٌ لقارئها.








قال ابن تيمية أبو العباس أحمد بن عبدالحليم (ت: 728): لكن أعظم المهم في هذا الباب وغيره: تميـيز "السنة" من "البدعة"؛ إذ "السنَّة": ما أمر به الشرع، و"البدعة": ما لم يشرعه مِن الدين؛ فإن هذا البابَ كثُر فيه اضطراب الناس في الأصول والفروع، حيث يزعم كلُّ فريق أن طريقَه هو "السنَّة"، وطريق مخالفه هو "البدعة"، ثم إنه يحكُمُ على مخالفِه بحُكم "المبتدع"، فيقوم مِن ذلك مِن الشر ما لا يُحصيه إلا اللهُ؛ اهـ[14].







وسمعتُ أحد النصارى العرب يقول: إن مشكلة "المتنورين العرب" - كما يزعمون - التحايل والتخفي، وأن "الأوربيين" نجحوا؛ لأنهم أعلنوها صراحة "لا للنصرانية"، وهذه العبارة كما رَفعت وأظهرت "المتنورين الأوربيين" فإنها في بلاد الإسلام إعلان عن وفاة أو "انقراض" لأصحابها.







قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال أناس مِن أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون))؛ [خ / 3640، 7311، 7459، - م / 1921 من حديث المغيرة، وأخرجه مسلم (1920) من حديث ثوبان بلفظ: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم مَن خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك))[15]].







ولهذا كان مِن أصول الإسلام "الإجماع" بنوعيه: المعلوم لكل مسلم "الصريح" أو "علم العامة"، و"الاستقرائي" أو "السكوتي" الذي ينفرد بمعرفته العلماءُ بتتبع أقوال مَن سبَقهم مِن أهل العلم.







فخُصَّت هذه الأمةُ ببقاء الحق وظهوره في كل زمان بالقائلين المعلنين به، وهم العلماء الربانيون؛ حتى تبقى الحجةُ قائمةً على الناس إلى قيام الساعة، فليس بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي يجدِّد الدين، ولكن علماء ربانيون، فمِن ضرورة بقاء الحجة قائمةً على الناس بقاءُ العلماء الربانين.







قال ابن رجب عبدالرحمن بن أحمد بن رجب (ت: 795): لا ريبَ أن الله - تعالى - حفظ لهذه الأمة دينَها حفظًا لم يحفَظْ مِثلَه دِينًا غير دين هذه الأمة؛ وذلك أن هذه الأمة ليس بعدها نبي يجدد ما دثَر مِن دينها، كما كان دين من قبلنا من الأنبياء، كلما دَثَر دِينُ نبي جدَّده نبي آخر يأتي بعده، فتكفَّل الله - سبحانه - بحفظ هذا الدين، وأقام له في كل عصر حملةً ينفُون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطِلين، وتأويل الجاهلين؛ اهـ[16].







فلا زال العلماءُ في جميع مسائل الشريعة - وهي:



المسألة الرابعة: التعامل مع الاختلاف - على:



التخطئة مع عدم الإنكار: وذلك في "المسائل الاجتهادية".



التخطئة مع الإنكار والاعتذار: في "المسائل الأصول" إذا صدر مِن أهل العلم الثقاتِ؛ استصحابًا للغالب مِن أمرهم.



مراعاة دفع المفاسد في التعامل مع المخالف: فقد يكون القولُ مما ينكَر، لكن يترك الإنكار - ولا منافاة بين ترك الإنكار والبيان - دفعًا للمفسدة الأكبر مِن مفسدة القول المنكَر.







لا يُفرِّقون بين عقائدَ وأحكام وسلوك، وإنما العبرة عندهم بالاستسلام للشريعة؛ فحيث ظهر مرادُ الله وجب المصيرُ إليه، ولم يُعذَرْ أحد في تَقصُّد مخالفته.







ومعرفة "أحكام الاختلاف" مِن أهم الواجبات؛ لتعلقه بـ "الجماعات" و"الأمم"، لا بـ "الأفراد"، وبـ "الظلم" الذي حرَّمه الله على نفسه.







قال ابن تيميَّةَ أبو العباس أحمد بن عبدالحليم (ت: 728): فصل: فيما اختلف فيه المؤمنون مِن الأقوال والأفعال في الأصول والفروع.







فإن هذا مِن "أعظم أصول الإسلام"، الذي هو: معرفة الجماعة، وحكم الفرقة، والتقاتل، والتكفير، والتلاعن، والتباغض، وغير ذلك؛ اهـ[17].



وسبق بيانُ بعض أحكامه في: "قاعدة قرآنية: عليك ما حُمِّلت، وعلى غيرك ما حُمِّل[18]".







المسألة الخامسة: ليس كل خلاف ثابتًا.



سبَق أن مِن مسائل الأصول "مسائل الإجماع"، وعليه لا يحل مخالفتها، بخلاف "المسائل الخلافية الاجتهادية" بشرط التقيُّد بـ "الأقوال المأثورة"، أما "الأقوال المحدَثة"، فلا يجوز المصير إليها تقليدًا أو اجتهادًا.







فالخلاف مِن باب النقل، والنقل إنما يصحُّ باجتماع شروط الصحة، الوجودية: الاتصال وثقة الرواة، والعدمية: انتفاء الشذوذ - التفرد القادح - العلة (المخالفة).







واشتراط "صحة النقل" لاعتبار الخلاف مضمَّن في كلامٍ لـ "المعلمي" في سياق بيان خطر طعن "الكوثري محمد زاهد بن الحسن بن علي (ت: 1371)" في أئمة الجرح والتعديل، ومِن هذا الخطر تصيير "مسائل الإجماع" التي هي من جملة "مسائل الأصول" خلافية يجوز مخالفتها، فيكون سببًا في "إفساد الدِّين بإدخال الباطل فيه[19]".







قال: المقصود الأهمُّ مِن كتابي هذا هو: ردُّ المطاعن الباطلة عن أئمة السنة وثقات رواتها، والذي اضطرني إلى ذلك أن "السنة النبوية" وما تفتقر إليه من معرفة أحوال رواتها، ومعرفة العربية وآثار الصحابة والتابعين في التفسير، وبيان معاني السنة والأحكام وغيرها، والفقه نفسه - إنما مدارها على النقلِ على أولئك الذين طعن فيهم الأستاذ، وأضرَّ بهم؛ فالطعن فيهم يؤول إلى الطعن في النقل كله، بل في الدين مِن أصلِه.







وحسبُك أن المقررَ عند أهل العلم أنه إذا نقل عن جماعة من الصحابة القول بتحريم شيء ولم ينقل عن أحد منهم أو ممن عاصرهم من علماء التابعين قول بـ "الحل"، عد ذاك الشيء مجمعًا على حُرمته، لا يسوغ لمجتهد أن يذهب إلى حِلِّه، فإن ذهب إلى حِلِّه غافلًا عن "الإجماع" كان قوله مردودًا، أو عالِمًا بـ "الإجماع" فمِن أهل العلم مَن يضلِّله، ومنهم مَن قد يكفره.








لكنه لو "ثبَت" عن رجل واحد مِن الصحابة قول بـ "حلِّ" ذلك الشيء، كانت المسألة خلافيةً، لا يُحظَر على المجتهد أن يقولَ فيها بقول ذلك الصحابي، أو بقول مفصَّل يوافق هذا في شيء، وذاك في شيء، ولا يحرم على المقلد الذي مذهب إمامه "الحرمة" أن يأخذ بـ "الحِلِّ" إما على سبيل:



الترجيح والاختيار إن كان أهلًا.



وإما على سبيل التقليد المحضِ إن احتاج إليه.








و"ثبوت" ذاك القول عن ذاك الصحابي يتوقَّف على ثقة رجال السند إليه، والعلم بثقتهم يتوقَّف على توثيق بعض "أئمة الجرح والتعديل" لكل منهم، والاعتداد بتوثيق الموثِّق يتوقف على العلم بثقته في نفسه وأهليته [ألا يكون مجروحًا؛ كالـ: الواقدي، فلا يُقبَل التعديل والتجريح مِن مجروح]، ثم على صحة سند التوثيق إليه [ثبوت القول عنه؛ فليس كل تجريح أو تعديل تصحُّ نسبته إلى مَن نُسب إليه]، وثقته في نفسه تتوقَّف على أن يوثِّقَه ثقةٌ عارف، وصحة سنَد التوثيق تتوقف على توثيق بعض أهل المعرفة والثقة لرجاله، وهلم جرًّا.








والسعي في توثيق رجل واحد مِن أولئك بغير حق أو الطعن فيه بغير حقٍّ: سعيٌ في إفساد الدِّين بإدخال الباطل فيه، أو إخراج الحق منه، فإن كان ذاك الرجلُ واسعَ الرواية، أو كثير البيان لأحوال الرواة، أو جامعًا للأمرين كان الأمرُ أشدَّ جدًّا، كما يعلم بالتدبر، ولولا أن أُنسَبَ إلى التهويل لشرحتُ ذلك، فما بالُك إذا كان الطعنُ بغير حق في عدد كثير من الأئمة والرواة، يترتب على الطعن فيهم - زيادةً على محاولة إسقاط رواياتهم - محاولةُ توثيق جمٍّ غفيرٍ ممن جرحوه، وجرح جم غفير ممن وثقوه؟!؛ اهـ[20].







وعليه، فإن مِن "مسائل الإجماع" ما هو معدود عند المتأخرين في "مسائل الخلاف"، ومن "القول المحدَث" ما هو عندهم مِن "القول المأثور"، وبالنظر في الرأي المخالف نجده:



1 / لا يثبت عن قائله.



2 / يثبُتُ لكنه على غيرِ ما فُهِم منه، وأن صاحبَه موافق لغيره مِن أهل العلم.



وهذا يقع فيه الظاهرية ومَن تبِعهم مِن مدَّعي الاجتهاد المطلق، مع أن "الإجماع الاستقرائي" أو "السكوتي" ليس مِن جملة أصولهم.



احتجَّ ابن رجب (عبدالرحمن بن أحمد، ت: 795) بهذا على وجوبِ التقيُّد بالمذاهب الأربعة في الترجيح، وعدم الخروج عنها.







قال: فكذلك "مسائل الأحكام: الحلال والحرام"، لو لم تُضبَطِ الناسُ فيها بأقوال معدودين، لأدى ذلك إلى فساد الدين، وأن يعُدَّ كلُّ أحمق متكلِّف طالب للرياسة نفسَه مِن زمرة المجتهدين، وأن يبتدع مقالة ينسبها إلى بعض مَن سلف مِن المتقدمين، فربما كان بتحريف يحرفه عليهم، كما وقع ذلك كثيرًا مِن بعض الظاهريـين؛ اهـ[21].







وقد يستنكر هذا القول ابتداءً، لكن إذا نظرنا إلى:



مفاسد فتح باب الترجيح دون تقيُّد بأقوال المذاهب الأربعة: وهو ما نعيشه اليوم مِن فوضى علمية، وأهلُ الأهواء مِن هذا الباب دخلوا، وَسْوَسُوا في صدور الناس بأقوال مهجورة مطروحة ولم يخنسوا، فهم أكثر مَن يَدْعون إلى توسيع الاجتهاد ليشمل جميع الأقوال والآراء بما فيها "الشيعة الرافضة".







ندرة الصواب - إن وجد - فيما ليس عند المذاهب الأربعة: فكم يخطئ مَن يفتح الباب واسعًا على نفسه مع نقص العلم، فأين العالم المتأخِّر مِن العالم المتقدِّم، والعالم اللاحق مِن العالم السابق؟!







ثم إن "المقلد" يكفيه "التقليد" إذا كانت نيـتُه طلبَ الحق، ما لم يكن القول "خطأ وزلة" - كما يكفي "المجتهد" إرادة طلب الحق مع بذل الجهد ولا يلزمه إصابته - وهذا مما لا نعلَمه وقع للأئمة الأربعة مجموعين، فلا معنى لصرف الناس في "المسائل المحتملة" إلا التشويش عليهم.







قال المعلمي عبدالرحمن بن يحيى (ت: 1386): المطالب على ثلاثة أضرُبٍ:



الأول: العقائد التي يطلب الجزم بها، ولا يسَعُ جهلها.



الثاني: بقية العقائد.



الثالث: الأحكام.








وأما الضربُ الثالث:



فالمتواتر منه والمجمَع عليه: لا يختلف حكمُه.



وما عداه قضايا اجتهادية: يكفي فيها بذلُ الوسع لتعرف الراجح أو الأرجح أو الأحوط فيؤخذ به؛ اهـ[22].



و"المسألة" - ثبوت الخلاف، وعدم الاكتفاء بالرواية والنقل - تحتاج إلى توسُّعٍ، وكتبتُ فيه ما شاء الله أن أكتُبَ في "حجية إجماع المحدِّثين".







وهذا الأقوال - غير الثابتة، أو المحمولة على غير مراد صاحبها - مما وسَّع الخلاف، وهي:



المسألة السادسة: غلبة الإجماع على الخلاف.



يتبع بتيسير الله وتوفيقه...







[1] تقريب الوصول إلى علم الأصول ص: 168 - 171 - ط: الجزائر.




[2] قال ابن جزي: الباب العاشر: في أسباب الاختلاف بين المجتهدين: وهي ستة عشر بالاستقراء، على أن هذا الباب انفردنا بذِكْره لعظم فائدته، ولم يذكره أهل الأصول في كتبهم؛ اهـ ص: 168.




[3]الموافقات 132 - 137.




[4]إكمال المعلم بفوائد مسلم 8 / 459.




[5]فتح الباري 1 / 542.




[6] ينظر: موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر 1 / 105 - 115.




[7] شرح ابن بطال على البخاري 2 / 98 - 99.




[8]شرح ابن بطال على البخاري 5 / 27.




[9]شرح ابن بطال على البخاري 5 / 27.




[10]فتح الباري 3 / 310.




[11]فتح الباري 3 / 310 - 311.




[12]الاستقامة 1 / 37.




[13]الاستقامة 1 / 36.




[14] الاستقامة 1 / 13.




[15] وهو مروي عن غيرهما من الصحابة، ينظر: جامع الأصول.




[16] الرد على مَن اتبع غير المذاهب الأربعة 2 / 619 - مجموع رسائل.




[17]الاستقامة 1 / 25.




[18]منشور على موقع الألوكة: ولي عليه زيادات، وكتبت فيه: "المسائل الاجتهادية والمسائل الأصول" بخلت به على المواقع الإلكترونية.




[19]عبارة المعلمي.




[20] التنكيل 1 / 4 - 5.




[21] الرد على مَن اتبع غير المذاهب الأربعة 2 / 625 - مجموع.




[22]التنكيل 2 / 186 - القائد إلى تصحيح العقائد.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 26-11-2021, 04:14 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,376
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم

شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم (4)


بوعلام محمد بجاوي





المسألة السادسة: غلبة "الإجماع" على "الخلاف":
والسبب ظهور الحق، والناظر في:
1- المكتوب المنقول من تراث الأمة.
2- الواقع المعيش.
يرى اختلافًا كثيرًا متباينًا، ومن لا يعرف أصول "الإسلام" - أدلته - أو عناية الله بشريعة أفضل أنبيائه وآخرهم، وهو القائل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، وهو القائل أيضًا: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، الذين أدرَكوه صحبةً أو رؤية أو زمانًا، ومَن أتوا بعده إلى أن يرتفع التكليف بقيام الساعة دار الجزاء بالثواب والعقاب،﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾ [الأنعام: 19] - يظن السبب:
في "الأصول" من حيث تعيينها، وثبوتها في الجملة والعموم، وفي الآحاد، ودلالتها، وتوافقها وعدم تعارضها؛ أي: إنها محتملة في تعيُّنها وفي ثبوتها ودلالتها، متعارضة فيما بينها.

أو في "العلماء" المؤتمنين على الشريعة؛ أي: إنهم شرعوا للناس ما لم يأذَنْ به الله، فاختلفوا كما اختلف رهبان النصارى وأحبار اليهود[1].
ويجهل أن السبب في إيثار الهوى على الحق الواضح البين.

ختم البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين (ت: 458) الكلام عن "جمع القرآن" بقوله: وقد أشار أبو سليمان الخطابي [حمد بن محمد (ت: 388)] إلى جملة ما ذكرنا، وذكره أيضًا غيره من أئمتنا، والأخبار الثابتة المشهورة ناطقة بجميع ذلك، والحمد لله على ظهور دِينه، ووضوح سبيله، ثم على ما هدانا لمعرفته، ووفَّقنا لمتابعة الأئمة من أهل ملته في اعتقاد ما يجب علينا اعتقاده في شريعته؛ اهـ[2].
وشمل حفظه: "الشريعة" نفسها - أخبارًا وأحكامًا - و"أصولها"، وهي: أدلتها التي منها تؤخذ وتُستنبط.

حفظ "أصول الشريعة":

أولًا: حفظ الألفاظ:
المقصود: حفظ ألفاظ الكتاب والسنَّة في الصدور وفي الكتب؛ لأن التحريف أولَ ما يبدأ بتحريف المكتوب، كما هو صنيع اليهود والنصارى؛ لأنه الحجةُ الظاهرة التي تفضح كل تحريف لفظي أو عملي.

قال البيهقيُّ: وفي الكتاب ثم في أخبار السلف دلالةٌ على أن الأممَ السالفة كانوا إذا غيَّروا شيئًا من أديانهم، غيَّروه أولًا من كتبهم، واعتقدوا خلافَه بقلوبهم، ثم أتْبَعوا أهواءَهم أقوالَهم وأفعالهم.


وفي هذه الأمة قد حفِظ الله تعالى عليهم كتابه، وسنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، وثبَّتهم على عقائدهم، حتى لا يغيروا شيئًا منها،وإن كان فِعلًا (فعل) وقال بعضهم بشهوة أو بغفلة خلافها، والحمد لله على حفظ دينه، وعلى ما هدانا لمعرفته، ونسأله الثبات إلى الممات، والمغفرة يوم تحشر الأموات، إنه سميع الدعاء، فعَّال لِما يشاء، والصلاة على نبيه محمد وعلى آله وسلم؛ اهـ[3].


1. حفظ القرآن[4]:
حفِظ الله "كتابه" بـ "التواتر" حفظًا في "الصدور"، وحفظًا في "الكتب"، فلا زال المسلمون يأخذون قرآنهم "اللاحق" عن "السابق" جيلًا بعد جيل، لا يختلفون - بحمد الله تعالى - في حرفٍ منه، وعرَف ذلك المبطِلون، فأيِسوا من تحريف ألفاظه: زيادة أو حذفًا أو تبديلًا، وتمسَّكوا بـ "تحريف المعاني" بعد أن سمَّوْه بغير اسمه "تأويلًا" حفظًا وإظهارًا لتأويلات أسلافهم من "الجهمية" و"المعتزلة" في باب "العقائد"، والتخريج عليها في باب "الأحكام"، وفي كل ما لم يصل إليه تحريف الأسلاف، فقام لهم علماء الشريعة، ينفُون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطِلين، وتأويل الجاهلين، فما أحسَنَ أثرَهم على الناس! وما أقبَحَ أثرَ الناس عليهم!

قال ابن تيميَّة أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام (ت: 728): ولما كانت ألفاظ "القرآن" محفوظةً منقولة بـ "التواتر" لم يطمع أحد في إبطال شيء منه ولا في زيادة شيء منه بخلاف الكتب قبله؛ قال - تعالى -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]؛ اهـ[5].

قال المعلمي[6]: فأما "القرآن": فأمروا بحِفظه بطريقين:
الأولى: حفظ الصدور:
وعليها كان اعتمادهم في الغالب، [ما من "صحابي" إلا وفي صدره آيات من "القرآن": لحاجته إليه في صلاته، مع حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ترسيخه ونقشه في صدورهم، حتى ضرب به "الصحابة" المثل في حرصه صلى الله عليه وسلم على التعليم؛ قال "عبدالله بن مسعود": علَّمني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم - وكفِّي بين كفيه - التشهد كما يعلمني السورة من القرآن[7]،وليس خاصًّا بـ "ابن مسعود"؛ قال "ابن عباس": كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورةَ من القرآن[8]،وقال "جابر بن عبدالله": كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه "الاستخارة" في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن[9]،ومن "الصحابة" من حفظ "سورة ق" من كثرة ما سمعها من فِي النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر[10]،وقال "عبدالله بن مسعود": قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة[11].

وجمعه أربعة من "الصحابة"، جميعهم من الأنصار، لم يجمعه غيرهم، بشهادة "أنس بن مالك": مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع "القرآن" غيرُ أربعة: "أبي بن كعب"، و"معاذ بن جبل"، و"زيد بن ثابت"، و"أبو زيد[12]" (أحد عمومته، مختلف في اسمه) - وناقش بعض أهل العلم هذا الحصر[13] - وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة يؤخذ عنهم القرآن: "عبدالله بن مسعود"، و" سالم بن معقل مولى أبي حذيفة "، و"معاذ بن جبل"، و"أبي بن كعب[14]"].

الثانية: بالكتابة:
فكان يكتب في "العهد النبوي" في قطع صغيرة من جريد النخل وغيرها [العسب و"الرقاع" و"اللخاف" حجارة بيض رقاق، وبالاعتماد على ما كتب في زمانه صلى الله عليه وسلم جمعه الصحابة رضي الله عنهم؛ فالقرآن كله قد كتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن غير مجموع في موضع واحد، بل موزع ومفرق على الصحابة، وعليه غير مرتب السور، واختلف أهل العلم في ترتيب السور هل هو توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم أو اجتهاد من الصحابة رضي الله عنهم؟ هذا الأخير هو الأقرب؛ ولهذا اختلفت مصاحف الصحابة في ترتيب السور[15]، وإنما لم يجمع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم للتعذُّر؛ لأنه كان ينزل غير مرتب، ولاحتمال النسخ، قال البيهقي: "ويشبه أن يكون رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إنما لم يجمعه في مصحف واحد لِما كان يعلم من جواز ورود النسخ على أحكامه ورسومه، فلما ختَم الله دِينه بوفاة نبيه صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي، قيَّض بخلفائه الراشدين عند الحاجة إليه جمعه بين الدفتين"؛ اهـ[16]، "فـ "أبو بكر" رضي الله عنه تتبع "المكتوب"، ولم يكتفِ بـ "المسموع"[17] والسبب التثبُّت، والتقيد بالرسم؛ لأن القرآن أُنزل على سبعة أحرف؛ أي: الجمع بين المسموع والمكتوب[18]؛ ولذلك توقف عن كتابة الآية من آخر "سورة براءة" حتى وجدها "مكتوبة" عند خزيمة بن ثابت، مع أنه كان يحفظها هو ومَن كلف بالجمع، لكن لم تقع له مكتوبة[19]].


[الجمع الأول:] فلما غزا المسلمون "اليمامة" [لقتال مسيلِمة الكذاب] بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بقليل، استحَرَّ القتل بـ "القراء"، [ومنهم: سالم مولى أبي حذيفة] قبل أن يأخذ عنهم التابعون، فكان ذلك مظنةَ نقص في الطريق الأولى [الجمع في الصدور]، فرأى "عمر" [رضي الله عنه] المبادرة إلى تعويض ذلك بـ "تكميل" الطريق الثانية؛ [لأنه كان "مكتوبًا"، لكن غير مجموع بين دفتين]، فأشار على "أبي بكر" [رضي الله عنه] بجمع "القرآن" في صحف، فنفر منه "أبو بكر" [رضي الله عنه]، وقال: كيف تفعل ما لم يفعله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال "عمر" [رضي الله عنه]: "هو والله خير"، يريد أنه عمل يتم به مقصود الشرع من حفظ "القرآن"، وعدمُ فعل النبي صلى الله عليه وسلم له إنما كان لعدم تحقُّق المقتضي، وقد تحقق، ولا يترتب على الجمع محذور [الاستدراك على الشرع، مع التعذُّر]، فهو خير محض،فجمع "القرآن" في صحف بقيت عند "أبي بكر"، ثم عند "عمر"، ثم عند ابنته "حفصة أم المؤمنين" [رضي الله عنهم]، [هذا هو "الجمع الأول"، جمع "أبي بكر" بإشارة "عمر" وتنفيذ "زيد بن ثابت" رضي الله عنهم[20]].


[الجمع الثاني:] حتى طلبها "عثمان" [رضي الله عنه] في خلافته [بعد أن نبهه "حذيفة بن اليمان" رضي الله عنه لما رأى من تنازع الناس في القراءة: يا أمير المؤمنين، أدرِكْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في "الكتاب" اختلافَ "اليهود" و"النصارى"]، وكتب "المصاحف" [معتمدًا على الجمع الأول - الصحف[21] - قال البيهقي: وفيما روينا من الأحاديث المشهورة في ذكر جمع القرآن من الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ما روينا عن زيد بن ثابت: كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن[22]،ثم ما روينا في كتاب "السنن": أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة كذا سورة كذا: دلالة على صحة ما قلناه، إلا أنه كان مثبتًا في صدور الرجال، مكتوبًا في الرقاع واللخاف والعسب، وأمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين استحَرَّ القتل بقراء القرآن يوم اليمامة بجمعه من مواضعه في صحف، ثم أمر عثمان رضي الله عنه حين خاف الاختلاف في القراءة بتحويله منها إلى مصاحفَ مع بذل المجهود في معارضة ما كان في الصحف بما كان مثبتًا في صدور الرجال، وذلك كله بمشورة مَن حضره من علماء الصحابة؛اهــ[23]، وقال أبو شامة أبو القاسم عبدالرحمن بن إسماعيل (ت: 665): ثم إن عثمان رضي الله عنه نسخ مِن تلك الصحف مصحفًا جامعًا لها، مرتبة سورة سورة على هذا الترتيب...وعثمان جمع السور على هذا الترتيب في مصحف واحد ناسخًا لها من صحف أبي بكر.


وأما ما رُوي أن عثمان جمع القرآن أيضًا من الرقاع كما فعل أبو بكر فرواية لم تثبت، ولم يكن له إلى ذلك حاجة، وقد كُفِيَه بغيره؛ فالاعتماد على ما قدمناه أول الباب من حديث صحيح البخاري: (فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بـ "الصحف" ننسخها في "المصاحف"، ثم نردها إليك،فأرسلت بها "حفصة" إلى "عثمان"، فأمر "زيد بن ثابت" و"عبدالله بن الزبير" و"سعيد بن العاص" و"عبدالرحمن بن الحارث بن هشام" فنسخوها في "المصاحف")، وإنما ذكرنا ما بعدهزيادة كالشرح له، وجمعًا لما روي في ذلك، ويمكن أن يقال: إن عثمان طلب إحضار الرقاع ممن هي عنده، وجمع منها، وعارض بما جمعه أبو بكر، وعارض بتلك الرقاع، أو جمع بين النظر في الجميع حالة النسخ، ففعل كل ذلك أو بعضه، استظهارًا ودفعًا لوهم من يتوهم خلاف الصواب، وسدًّا لباب القالَةِ: إن الصحف غُيِّرت أو زِيدَ فيها ونقص"[24]، وبهذا أنكر البيهقي ما يروى أن عثمان كان يطلب البينة (الشهادة) على المكتوب[25]، قال: وفيه انقطاع بين مصعب [بن سعد] وعثمان رضي الله عنهما، وقد روينا عن زيد بن ثابت: أن التأليف كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وروينا عنه أن الجمع في الصحف كان في زمن أبي بكر رضي الله عنه، والنسخ في المصاحف في زمن عثمان، وكان ما يجمعون وينسخون معلومًا لهم، فلم يكن به حاجة إلى مسألة البينة؛ اهـ[26]،وكلف بذلك: "زيد بن ثابت"، والقرشيين: "عبدالله بن الزبير" و"سعيد بن العاص" و"عبدالرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم، وأرشدهم إلى الرجوع إلى "لغة قريش" عند الاختلاف، وأرسل إلى كل أفق بـ "مصحف[27]"؛ إلى: الكوفة، والبصرة، والشام، وأبقى نسخة عنده، وقيل: سبعة، إلى: مكة، واليمن، والبحرين، قال الداني أبو عمرو عثمان بن سعيد (ت: 444): والأول أصح، وعليه الأئمة؛ اهـ[28]، وأمر بما سواه من "القرآن" المكتوب أن يحرق[29]، واجتمع الناس على هذا، وإن كان يروى عن "عبدالله بن مسعود" عدم الاستجابة، ودعوته الناس إلى عدم حرق مصاحفهم، لكن لم يتابع عليه، بل أنكر عليه، واستقر أمر الأمة على صنيع "عثمان" رضي الله عنه، ورأوا قول ابن مسعود "زلَّة عالم"، سببها ترك النظر في المقاصد، والترجيح بين المصلحة والمفسدة الناتجة عن استصحاب رخصة اختلاف القراءة، ويروى عنه الرجوع إلى "الوفاق"، والصحيح أن مخالفته إنما هي في الاقتصار على قراءة واحدة، أو لأنه رأى قراءته أولى، لا الطعن في جمع زيد ومن قرأ به، "والفرق بين "الصحف" و"المصحف": أن "الصحف" الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر (رضي الله عنه)، وكانت سورًا مفرقة، كل سورة مرتبة بآياتها على حِدة، لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفًا[30]"]، ومعنى هذا أنه طول تلك المدة التي لم تبد حاجة إلى تلك الصحف، بل بقي القراء يبلغون القرآن من صدورهم، ومنهم من كتب من صدره مصحفًا لنفسه، فلما كان في زمن "عثمان" [رضي الله عنه] احتيج إلى تلك "الصحف"؛ لاختيار الوجه الذي دعت الحاجة إلى قصر الناس على القراءة به دون غيره - وكتب "عثمان" [رضي الله عنه] بضعة "مصاحف"، وبعث بها إلى "الأمصار"، لا لتبليغ "القرآن"، بل لمنع أن يقرأ أحدٌ بخلاف ما فيها؛ اهـ[31].
يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 26-11-2021, 04:14 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,376
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم

الخلاصة:
قال أبو شامة: واعلم أن حاصل ما شهِدت به الأخبار المتقدمة، وما صرحت به أقوال الأئمة أن تأليف القرآن على ما هو عليه الآن كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بإذنه وأمره[32]، وأن جمعَه في الصحف خشية دثوره بقتل قرائه كان في زمن أبي بكر رضي الله عنه، وأن نسخه في مصاحفَ حملًا للناس على اللفظ المكتوب حين نزوله بإملاء المنزل إليه صلى الله عليه وسلم، ومنعًا من قراءة كل لفظ يخالفه، كان في زمن عثمان رضي الله عنه، وكأن أبا بكر كان غرضه أن يجمع القرآن مكتوبًا مجتمعًا غير مفرق[33] على اللفظ الذي أملاه الرسول صلى الله عليه وسلم على كَتبة الوحي ليعلم ذلك، ولم يكِلْ ذلك إلى حفظ من حفظه خشية فنائهم بالقتل ولاختلاف لغاتهم في حفظهم على ما كان أبيح لم من قراءته على سبعة أحرف...فلما ولِيَ عثمان وكثر المسلمون وانتشروا في البلاد وخِيف عليهم الفساد من اختلافهم في قراءاتهم لاختلاف لغاتهم، حملهم عثمان على ذلك اللفظ الذي جمعه "زيد" في زمن أبي بكر، ونفي ما عداه، ليجمع الناس على قراءة القرآن على وفق ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يكثر فيه التصرف، فيتفاحش تغيُّره، وتنمحق ألفاظه المنزلة...


فقد اتضح بما ذكرناه معنى ما فعله كل واحد من الإمامين أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، وتبين أن قصد كل واحد منهما غير قصد الآخر؛ فأبو بكر قصد جمعه في مكان واحد، ذخرًا للإسلام يرجع إليه إن اصطلم - والعياذ بالله - قراؤه، وعثمان قصد بجمعه أن يقتصر الناس على تلاوته على اللفظ الذي كتب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتعدَّوْه إلى غيره من القراءات التي كانت مباحة لهم، المنافية لخط المصحف من الزيادة والنقصان، وإبدال الألفاظ؛ اهـ[34].


تنبيهان:
الأول: نقل "القرآن": اجتمع فيه ضبط الصدر وضبط الكتاب.
ومن أقول السلف: "لا يأخذ القرآن من مصحفي" [ابن أبي حاتم:"نا" أبي وأبو زرعة قالا "نا" عبدالرحمن بن إبراهيم دحيم الدمشقي "نا" الوليد عن سعيد - يعني ابن عبدالعزيز - عن سليمان بن موسى أنه قال: لا تأخذوا الحديث عن الصحفيين، ولا تقرؤوا القرآن على المصحفيين.


حدثني أبي "نا" إسحاق بن الضيف، قال: سمعت أبا مسهر يقول: سمعت سعيد بن عبدالعزيز يقول: لا تأخذوا العلم عن صحفي، ولا القرآن من مصحفي[35]]، وبهذا تسقط شبهة من الشبه - وإن كان يغني عن ردها أنها شبهة - وهي: أن "القرآن" في أول الأمر لم يكن مضبوطًا بالإعجام - النقط - والحركات، وهذا يوجب الاختلافَ فيه.

وإلى اليوم لا زال "القرآن" وحفظه مستغنيًا بصدور المؤمنين عن الكتب، وإنما يحتاج إلى "الكتاب" مَن لا يحفظ.
الآخر: الأصل في فِعل عثمان رضي الله عنه: أن اختلاف القراءة "رخصة"، فلما أدت الرخصة إلى مفسدة، وجب تركها، والرجوع إلى العزيمة.

قال ابن رجب أبو الفرج عبدالرحمن بن أحمد بن رجب (ت: 795): وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئ أمته القرآن في زمانه على أحرف متعددة؛ تيسيرًا على الأمة لحفظه وتعلمه؛ حيث كان فيهم العجوز والشيخ الكبير، والغلام والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط.
فطلب لهم الرخصة في حفظهم له أن يُقرئهم على سبعة أحرف؛ كما ورد في حديث أبي بن كعب[36]، وغيره.

ثم لما انتشرت [والحمد لله] كلمة الإسلام في الأقطار، وتفرق المسلمون في البلدان المتباعدة، صار كل فريق منهم يقرأ القرآن على الحرف الذي وصل إليه، فاختلفوا حينئذ في حروف القرآن، فكانوا إذا اجتمعوا في الموسم أو غيره اختلفوا في القرآن اختلافًا كثيرًا، فأجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عهد عثمان على جمع الأمة على حرف واحد؛ خشية أن تختلف هذه الأمة في كتابها كما اختلف الأمم قبلهم في كتبهم، ورأوا أن "المصلحة" تقتضي ذلك، وحرقوا ما عدا هذا الحرف الواحد من المصاحف، وكان هذا مِن محاسن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه التي حمده عليها عليٌّ وحذيفة وأعيان الصحابة.

وإذا كان عمر قد أنكر على هشام بن حكيم بن حزام على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في آيةٍ أشدَّ الإنكار[37]، وأُبي حصل له بسبب اختلاف القرآن ما أخبر به عن نفسه من الشك[38]، وبعض من كان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه ارتد بسبب ذلك حتى مات مرتدًّا[39]، هذا كله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم - فكيف الظن بالأمة بعده أن لو بقي الاختلاف في ألفاظ القرآن بينهم؟!؛ اهـ[40].


[1] هذا الأخير: الكلام عنه في غير هذا الركن.

[2] المدخل إلى السنن الكبرى 2 / 504.

[3] دلائل النبوة 7 / 60.

[4]اضطررت إلى الاختصار لأجل المقام " مسألة فرعية في البحث".

[5] الاستغاثة (الرد على البكري) 1 / 171.

[6] جعلت كلام المعلمي أصلًا، وميزته بسطر تحته، وأضيف عليه بين [ ].

[7] البخاري (6265) مسلم 59 - (402).

[8] مسلم 60 - 61 (403).

[9] البخاري 1166، 6382، 7390.

[10] مسلم 50 - (872).

[11] البخاري 5000، مسلم 114 - (2462)، 115 - (2463).

[12] البخاري 5003، 5004، (أبو الدرداء بدل أُبي)، مسلم 120 - (2465).

[13] فتح الباري 9 / 51 - 52.

[14] البخاري 3758، 3806، 3808، 4999، مسلم 2464.

[15] قال ابن جزي أبو القاسم محمد بن أحمد الغرناطي (ت: 741): فترتيب السور على ما هو الآن من فعل عثمان وزيد بن ثابت والذين كتبوا معه المصحف، وقد قيل: إنه مِن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك ضعيف تردُّه الآثار الواردة في ذلك؛ اهـ؛ التسهيل لعلوم التنزيل 4.

[16] المدخل إلى السنن الكبرى 2 / 504 عن أعلام الحديث 3 / 1856 - 1858.

[17] أعلام الحديث 3 / 1855 - 1856، المدخل إلى السنن الكبرى 2 / 499 - 500، 501، 503 - 504 ط: عوامة.

[18] أعلام الحديث 3 / 1858.

[19] جمال القراء وكمال الإقراء 1 / 87 - 88 - ط: التراث مكة، وعنه المرشد الوجيز 185 - 186.

[20] حديث الجمع الأول أخرجه: البخاري 4986، 7191، 7425.

[21] حديث الجمع الثاني أخرجه: البخاري 4987 - 4988، واقتصر على الرجوع إلى لسان قريش في موضعين: 3506، 4984.

[22] الترمذي (3954) من طريق يحيى بن أيوب، يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبدالرحمن بن شماسة، عن زيد بن ثابت، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى للشام، فقلنا: لأيِّ ذلك يا رسول الله؟ قال: لأن ملائكة الرحمن باسطةٌ أجنحتها عليها، وقال: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث يحيى بن أيوب.

[23] المدخل إلى السن الكبرى 2 / 503 - 504.

[24] المرشد الوجيز 75 - 76، طـ: صادر، وفي الطبعة المعتمدة (الذهبي) 215 - 216 تصحيف وسقط.

[25] المدخل إلى السنن الكبرى (1066): "فعزم على كل مَن كان عنده شيء من القرآن إلا جاء به، فجاء الناس بما عندهم، فجعل يسألهم عليه البينة أنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[26] المدخل إلى السنن الكبرى 2 / 499 - 500.

[27] كما في الحديث.

[28] المقنع في معرفة رسوم مصاحف أهل الأمصار 162 - 163 - ط: التدمرية.

[29] كما في الحديث.

[30] فتح الباري 9 / 18.

[31] الأنوار الكاشفة 44 - 45.

[32] سبق الإشارة إلى "ترتيب السور"، هل هو توقيفي أو اجتهاد من الصحابة؟

[33] أثبت المحقق "متفرق".

[34] المرشد الوجيز 204 - 206.

[35] الجرح والتعديل 2 / 31، وقول سعيد بن عبدالعزيز: أخرجه ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (1 / 259)، والعسكري أبو أحمد الحسن بن عبدالله (ت: 382) في "تصحيفات المحدثين".

[36] صحيح البخاري 3219، 4991 - صحيح مسلم 819.

[37] البخاري 2419، 4992، 5041، 6936، 7550 - مسلم 818.

[38] صحيح مسلم 820.

[39] قال ابن حجر: وأولُ من كتب له بمكة من قريش: عبدالله بن سعد بن أبي سرح [تبعًا لابن قتيبة. الاستيعاب 1 / 68]، ثم ارتدَّ، ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح؛ اهـ فتح الباري 9 / 22، وقصته في طبقات ابن سعد 447 - 449 (الجزء المتمم لطبقات ابن سعد: الطبقة الرابعة: ممن أسلم عند فتح مكة وما بعد ذلك).

[40] الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة 2 / 620 - 621.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 197.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 192.60 كيلو بايت... تم توفير 4.59 كيلو بايت...بمعدل (2.33%)]