تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله - الصفحة 24 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         البحث التفسيري :. حول تفسير سورة البقرة [ من الآية (17) إلى الآية (18) ] (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          قصة الحروب الصليبية د .راغب السرجانى (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 15 - عددالزوار : 3889 )           »          الموجز في قواعد اللغة العربية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 19 - عددالزوار : 5658 )           »          السلسلة التربوية (هكذا علمنا السلف) متجددة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 41 - عددالزوار : 10625 )           »          خواطر وهمسات من تجارب الحياة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 19 - عددالزوار : 1286 )           »          الشخصية الأمريكية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 4 )           »          الحكمة في زمن التقنية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          ما هو عمل الفلاسفة المعاصرين ؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          قراءة فى كتيب الأول والآخر جل جلاله (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          مبنى ثقافي (قصة) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #231  
قديم 16-01-2022, 07:57 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 76,630
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (216)
- تفسير البغوى
الجزء الرابع

سُورَةِ يُونُسَ
الاية152 إلى الاية 156




وقال وهب : غامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا ، فهبط حتى تغشاهم في [ ص: 152 ] مدينتهم واسودت سطوحهم ، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك ، فطلبوا يونس نبيهم فلم يجدوه ، وقذف الله في قلوبهم التوبة ، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ، ولبسوا المسوح وأظهروا الإيمان والتوبة ، وأخلصوا النية وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام فحن بعضها إلى بعض ، وعلت أصواتها ، واختلطت أصواتها بأصواتهم ، وعجوا وتضرعوا إلى الله عز وجل ، وقالوا آمنا بما جاء به يونس ، فرحمهم ربهم فاستجاب دعاءهم وكشف عنهم العذاب بعد ما أضلهم ، وذلك يوم عاشوراء ، وكان يونس قد خرج فأقام ينتظر العذاب وهلاك قومه فلم ير شيئا ، وكان من كذب ولم تكن له بينة قتل ، فقال يونس : كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم؟ فانطلق عاتبا على ربه مغاضبا لقومه ، فأتى البحر فإذا قوم يركبون سفينة ، فعرفوه فحملوه بغير أجر ، فلما دخلها وتوسطت بهم ولججت ، ووقفت السفينة لا ترجع ولا تتقدم ، قال أهل السفينة : إن لسفينتنا لشأنا ، قال يونس : قد عرفت شأنها ركبها رجل ذو خطيئة عظيمة ، قالوا : ومن هو؟ قال : أنا ، اقذفوني في البحر ، قالوا : ما كنا لنطرحك من بيننا حتى نعذر في شأنك ، واستهموا فاقترعوا ثلاث مرات فأدحض سهمه ، والحوت عند رجل السفينة فاغرا فاه ينتظر أمر ربه فيه ، فقال يونس : إنكم والله لتهلكن جميعا أو لتطرحنني فيها ، فقذفوه فيه وانطلقوا وأخذه الحوت .

وروي : أن الله تعالى أوحى إلى حوت عظيم حتى قصد السفينة ، فلما رآه أهل السفينة مثل الجبل العظيم وقد فغر فاه ينظر إلى من في السفينة كأنه يطلب شيئا خافوا منه ، ولما رآه يونس زج نفسه في الماء .

وعن ابن عباس : أنه خرج مغاضبا لقومه فأتى بحر الروم فإذا سفينة مشحونة ، فركبها فلما لججت السفينة ، تكفأت حتى كادوا أن يغرقوا ، فقال الملاحون : هاهنا رجل عاص أو عبد آبق ، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري ، ومن رسمنا أن نقترع في مثل هذا فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر ، ولأن يغرق واحد خير من أن تغرق السفينة بما فيها ، فاقترعوا ثلاث مرات ، فوقعت القرعة في كلها على يونس ، فقال يونس : أنا الرجل العاصي والعبد الآبق ، فألقى نفسه في الماء فابتلعه حوت ، ثم جاء حوت آخر أكبر منه وابتلع هذا الحوت ، وأوحى الله إلى الحوت لا تؤذي منه شعرة ، فإني جعلت بطنك سجنه ولم أجعله طعاما لك .

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نودي الحوت : إنا لم نجعل يونس لك قوتا ، إنما جعلنا بطنك له حرزا ومسجدا .

وروي : أنه قام قبل القرعة فقال : أنا العبد العاصي والآبق ، قالوا : من أنت؟ قال : أنا يونس بن متى ، فعرفوه فقالوا : لا نلقيك يا رسول الله ، ولكن نساهم فخرجت القرعة عليه ، فألقى نفسه في الماء . [ ص: 153 ] قال ابن مسعود رضي الله عنه : ابتلعه الحوت فأهوى به إلى قرار الأرض السابعة ، وكان في بطنه أربعين ليلة فسمع تسبيح الحصى ، فنادى في الظلمات : أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، فأجاب الله له فأمر الحوت ، فنبذه على ساحل البحر ، وهو كالفرخ الممعط ، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين ، وهو الدباء ، فجعل يستظل تحتها ووكل به وعلة يشرب من لبنها ، فيبست الشجرة ، فبكى عليها فأوحى الله إليه : تبكي على شجرة يبست ، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون وأردت أن أهلكهم ، فخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى ، فقال : من أنت يا غلام؟ قال : من قوم يونس ، قال : إذا رجعت إليهم فأخبرهم أني لقيت يونس ، فقال الغلام : قد تعلم أنه إن لم تكن لي بينة قتلت ، قال يونس عليه السلام : تشهد لك هذه البقعة وهذه الشجرة ، فقال له الغلام : فمرها ، فقال يونس : إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له ، قالتا : نعم ، فرجع الغلام ، فقال للملك : إني لقيت يونس فأمر الملك بقتله ، فقال : إن لي بينة ، فأرسلوا معي ، فأتى البقعة والشجرة ، فقال : أنشدكما بالله هل أشهدكما يونس؟ قالتا : نعم ، فرجع القوم مذعورين ، وقالوا للملك : شهد له الشجرة والأرض ، فأخذ الملك بيد الغلام وأجلسه في مجلسه ، وقال : أنت أحق بهذا المكان مني ، فأقام لهم أمرهم ذلك الغلام أربعين سنة .
( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ( 99 ) وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ( 100 ) قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ( 101 ) .

قوله تعالى : ( ولو شاء ربك ) يا محمد ، ( لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه كان حريصا على أن يؤمن جميع الناس ، فأخبره الله جل ذكره : أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة ، ولا يضل إلا من سبق له الشقاوة .

( وما كان لنفس ) وما ينبغي لنفس . وقيل : ما كانت نفس ، ( أن تؤمن إلا بإذن الله ) قال ابن عباس : بأمر الله . وقال عطاء : بمشيئة الله . وقيل : بعلم الله . ( ويجعل الرجس ) قرأ أبو بكر : " ونجعل " بالنون ، والباقون بالياء ، أي : ويجعل الله الرجس أي : العذاب وهو الرجز ، ( على الذين لا يعقلون ) عن الله أمره ونهيه .

( قل انظروا ) أي : قل للمشركين الذين يسألونك الآيات انظروا ، ( ماذا في السماوات والأرض ) من الآيات والدلائل والعبر ، ففي السماوات الشمس والقمر والنجوم وغيرها ، وفي الأرض [ ص: 154 ] الجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها ، ( وما تغني الآيات والنذر ) الرسل ، ( عن قوم لا يؤمنون ) وهذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون .
( فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ( 102 ) ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ( 103 ) قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين ( 104 ) وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين ( 105 ) .

( فهل ينتظرون ) يعني : مشركي مكة ، ( إلا مثل أيام الذين خلوا ) مضوا ، ( من قبلهم ) من مكذبي الأمم ، قال قتادة : يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود . والعرب تسمى العذاب أياما ، والنعيم أياما ، كقوله : " وذكرهم بأيام الله " ( إبراهيم - 5 ) ، وكل ما مضى عليك من خير وشر فهو أيام ، ( قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) .

( ثم ننجي رسلنا ) قرأ يعقوب " ننجي " خفيف مختلف عنه ، ( والذين آمنوا ) معهم عند نزول العذاب معناه : نجينا ، مستقبل بمعنى الماضي ، ( كذلك ) كما نجيناهم ، ( حقا ) واجبا ، ( علينا ننج المؤمنين ) قرأ الكسائي وحفص ويعقوب " ننجي " بالتخفيف والآخرون بالتشديد ، ونجى وأنجى بمعنى واحد .

قوله تعالى : ( قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ) الذي أدعوكم إليه .

فإن قيل : كيف قال : إن كنتم في شك ، وهم كانوا يعتقدون بطلان ما جاء به؟

قيل : كان فيهم شاكون ، فهم المراد بالآية ، أو أنهم لما رأوا الآيات اضطربوا وشكوا في أمرهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم .

قوله عز وجل : ( فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ) من الأوثان ، ( ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ) يميتكم ويقبض أرواحكم ، ( وأمرت أن أكون من المؤمنين ) .

قوله : ( وأن أقم وجهك للدين حنيفا ) قال ابن عباس : عملك . وقيل : استقم على الدين حنيفا . ( ولا تكونن من المشركين )
[ ص: 155 ] ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ( 106 ) . ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ( 107 ) قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل ( 108 ) واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ( 109 ) .

( ولا تدع ) ولا تعبد ، ( من دون الله ما لا ينفعك ) إن أطعته ، ( ولا يضرك ) إن عصيته ، ( فإن فعلت ) فعبدت غير الله ، ( فإنك إذا من الظالمين ) الضارين لأنفسهم الواضعين للعبادة في غير موضعها .

( وإن يمسسك الله بضر ) أي : يصبك بشدة وبلاء ، ( فلا كاشف له ) فلا دافع له ، ( إلا هو وإن يردك بخير ) رخاء ونعمة وسعة ، ( فلا راد لفضله ) فلا مانع لرزقه ، ( يصيب به ) بكل واحد من الضر والخير ، ( من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ) .

( قل ياأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم ) يعني : القرآن والإسلام ، ( فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ) أي : على نفسه ، ووباله عليه ، ( وما أنا عليكم بوكيل ) بكفيل ، أحفظ أعمالكم . قال ابن عباس : نسختها آية القتال .

( واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله ) بنصرك وقهر عدوك وإظهار دينه ، ( وهو خير الحاكمين ) فحكم بقتال المشركين وبالجزية على أهل

الكتاب يعطونها عن يد وهم صاغرون .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #232  
قديم 16-01-2022, 07:58 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 76,630
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (217)
- تفسير البغوى
الجزء الرابع

سُورَةِ هود
الاية157 إلى الاية 165



سورة هود

مكية إلا قوله : ( وأقم الصلاة طرفي النهار ) وهي مائة وثلاث وعشرون آية . بسم الله الرحمن الرحيم ( الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ( 1 ) ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير ( 2 ) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ( 3 ) .

( الر كتاب ) أي : هذا كتاب ، ( أحكمت آياته ) قال ابن عباس : لم ينسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع به ، ( ثم فصلت ) بينت بالأحكام والحلال والحرام . وقال الحسن : أحكمت بالأمر والنهي ، ثم فصلت بالوعد والوعيد . قال قتادة : أحكمت أحكمها الله فليس فيها اختلاف ولا تناقض وقال مجاهد : فصلت أي : فسرت . وقيل : فصلت أي : أنزلت شيئا فشيئا ، ( من لدن حكيم خبير ) .

( ألا تعبدوا إلا الله ) أي : وفي ذلك الكتاب : أن لا تعبدوا إلا الله ، ويكون محل " أن " رفعا . وقيل : محله خفض ، تقديره : بأن لا تعبدوا إلا الله ، ( إنني لكم منه ) أي : من الله ( نذير ) للعاصين ، ( وبشير ) للمطيعين .

( وأن ) عطف على الأول ، ( استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ) أي : ارجعوا إليه بالطاعة . قال الفراء : " ثم " هنا بمعنى الواو ، أي : وتوبوا إليه ، لأن الاستغفار هو التوبة ، والتوبة هي الاستغفار . [ ص: 160 ] وقيل : أن استغفروا ربكم من المعاصي ثم توبوا إليه في المستأنف .

( يمتعكم متاعا حسنا ) يعيشكم عيشا حسنا في خفض ودعة وأمن وسعة . قال بعضهم : العيش الحسن هو الرضا بالميسور والصبر على المقدور .

( إلى أجل مسمى ) إلى حين الموت ، ( ويؤت كل ذي فضل فضله ) أي : ويؤت كل ذي عمل صالح في الدنيا أجره وثوابه في الآخرة . وقال أبو العالية : من كثرت طاعته في الدنيا زادت درجاته في الآخرة في الجنة ، لأن الدرجات تكون بالأعمال .

وقال ابن عباس : من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة ، ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار ، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف ، ثم يدخل الجنة بعد .

وقيل : يؤت كل ذي فضل فضله يعني : من عمل لله عز وجل وفقه الله فيما يستقبل على طاعته .

( وإن تولوا ) أعرضوا ، ( فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ) وهو يوم القيامة .
( إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير ( 4 ) ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ( 5 ) .



قوله تعالى : ( ألا إنهم يثنون صدورهم ) قال ابن عباس : نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر ، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب ، وينطوي بقلبه على ما يكره .

قوله : " يثنون صدورهم " أي : يخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة .

قال عبد الله بن شداد : نزلت في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره ، وطأطأ رأسه ، وغطى وجهه كي لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم . [ ص: 161 ] وقال قتادة : كانوا يحنون صدورهم كي لا يسمعوا كتاب الله تعالى ولا ذكره .

وقيل : كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويحني ظهره ويتغشى بثوبه . ويقول : هل يعلم الله ما في قلبي .

وقال السدي : يثنون أي : يعرضون بقلوبهم ، من قولهم : ثنيت عناني . وقيل : يعطفون ، ومنه : ثني الثوب .

وقرأ ابن عباس : " يثنوني " على وزن " يحلولي " جعل الفعل للمصدر ، ومعناه المبالغة في الثني .

( ليستخفوا منه ) أي : من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال مجاهد : ليستخفوا من الله إن استطاعوا ، ( ألا حين يستغشون ثيابهم ) يغطون رؤوسهم بثيابهم ، ( يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ) قال الأزهري : معنى الآية من أولها إلى آخرها : إن الذين أضمروا عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخفى علينا حالهم .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا الحسن بن محمد بن صباح ، حدثنا حجاج قال : قال ابن جريج أخبرني محمد بن عباد بن جعفر أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ : ( ألا إنهم يثنون صدورهم ) فقال : سألته عنها قال : كان أناس يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء ، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء ، فنزل ذلك فيهم .
( ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ( 6 ) .

قوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض ) أي : ليس دابة ، " من " صلة . والدابة : كل حيوان يدب على وجه الأرض .

وقوله ( إلا على الله رزقها ) أي : هو المتكفل بذلك فضلا وهو إلى مشيئته إن شاء رزق وإن شاء لم يرزق .

وقيل : " على " بمعنى : " من " أي : من الله رزقها .

[ ص: 162 ] وقال مجاهد : ما جاءها من رزق فمن الله عز وجل ، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعا .

( ويعلم مستقرها ومستودعها ) قال ابن مقسم : ويروى ذلك عن ابن عباس ، مستقرها : المكان الذي تأوي إليه ، وتستقر فيه ليلا ونهارا ، ومستودعها : الموضع الذي تدفن فيه إذا ماتت .

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : المستقر أرحام الأمهات ، والمستودع المكان الذي تموت فيه ، وقال عطاء : المستقر : أرحام الأمهات والمستودع : أصلاب الآباء .

ورواه سعيد بن جبير ، وعلي بن أبي طلحة ، وعكرمة عن ابن عباس .

وقيل : المستقر الجنة أو النار ، والمستودع القبر ، لقوله تعالى في صفة الجنة والنار : " حسنت مستقرا ومقاما " ( الفرقان - 76 ) .

( كل في كتاب مبين ) أي : كل مثبت في اللوح المحفوظ قبل أن خلقها .
( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ( 7 ) .

قوله تعالى : ( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ) قبل أن خلق السماء والأرض وكان ذلك الماء على متن الريح .

قال كعب : خلق الله عز وجل ياقوتة خضراء ، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ، ثم خلق الريح ، فجعل الماء على متنها ، ثم وضع العرش على الماء . [ ص: 163 ] قال ضمرة : إن الله تعالى كان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض ، وخلق القلم فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه ، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئا من خلقه

( ليبلوكم ) ليختبركم ، وهو أعلم ، ( أيكم أحسن عملا ) أعمل بطاعة الله ، وأورع عن محارم الله تعالى . ( ولئن قلت ) يا محمد ، ( إنكم مبعوثون ) أي : ( من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) يعنون القرآن .

وقرأ حمزة والكسائي : " ساحر " يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم .
( ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ( 8 ) ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ( 9 ) .

( ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ) إلى أجل محدود ، وأصل الأمة : الجماعة ، فكأنه قال : إلى انقراض أمة ومجيء أمة أخرى ( ليقولن ما يحبسه ) أي شيء يحبسه؟ يقولونه استعجالا للعذاب واستهزاء ، يعنون : أنه ليس بشيء .

قال الله تعالى : ( ألا يوم يأتيهم ) يعني : العذاب ، ( ليس مصروفا عنهم ) لا يكون مصروفا عنهم ، ( وحاق بهم ) نزل بهم ، ( ما كانوا به يستهزئون ) أي : وبال استهزائهم .

قوله تعالى : ( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ) نعمة وسعة ، ( ثم نزعناها منه ) أي : سلبناها منه ، ( إنه ليئوس ) قنوط في الشدة ، ( كفور ) في النعمة .
[ ص: 164 ] ( ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ( 10 ) إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ( 11 ) فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل ( 12 ) .

( ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ) بعد بلاء أصابه ، ( ليقولن ذهب السيئات عني ) زالت الشدائد عني ، ( إنه لفرح فخور ) أشر بطر ، والفرح : لذة في القلب بنيل المشتهى ، والفخر : هو التطاول على الناس بتعديد المناقب ، وذلك منهي عنه .

( إلا الذين صبروا ) قال الفراء : هذا استثناء منقطع ، معناه : لكن الذين صبروا ( وعملوا الصالحات ) فإنهم إن نالتهم شدة صبروا ، وإن نالوا نعمة شكروا ، ( أولئك لهم مغفرة ) لذنوبهم ، ( وأجر كبير ) وهو الجنة .

( فلعلك ) يا محمد ، ( تارك بعض ما يوحى إليك ) فلا تبلغه إياهم . وذلك أن كفار مكة لما قالوا : ائت بقرآن غير هذا ( يونس - 15 ) ليس فيه سب آلهتنا ، هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدع آلهتهم ظاهرا ، فأنزل الله تعالى :

( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ) يعني : سب الآلهة ، ( وضائق به صدرك ) أي : فلعلك يضيق صدرك ( أن يقولوا ) أي : لأن يقولوا ، ( لولا أنزل عليه كنز ) ينفقه ( أو جاء معه ملك ) يصدقه ، قاله عبد الله بن أمية المخزومي .

قال الله تعالى : ( إنما أنت نذير ) ليس عليك إلا البلاغ ، ( والله على كل شيء وكيل ) حافظ .
[ ص: 165 ] ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ( 13 ) فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ( 14 ) من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ( 15 ) .

( أم يقولون افتراه ) بل يقولون اختلقه ، ( قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) .

فإن قيل : قد قال في سورة يونس : " فأتوا بسورة مثله " ، وقد عجزوا عنه فكيف قال : ( فأتوا بعشر سور ) فهو كرجل يقول لآخر : أعطني درهما فيعجز ، فيقول : أعطني عشرة ؟

الجواب : قد قيل سورة هود نزلت أولا .

وأنكر المبرد هذا ، وقال : بل نزلت سورة يونس أولا وقال : معنى قوله في سورة يونس : " فأتوا بسورة مثله " ، أي : مثله في الخبر عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد ، فعجزوا فقال لهم في سورة هود : إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في الأخبار والأحكام والوعد والوعيد فأتوا بعشر سور مثله من غير خبر ولا وعد ولا وعيد ، وإنما هي مجرد البلاغة ، ( وادعوا من استطعتم ) واستعينوا بمن استطعتم ، ( من دون الله إن كنتم صادقين ) .

( فإن لم يستجيبوا لكم ) يا أصحاب محمد . وقيل : لفظه جمع والمراد به الرسول صلى الله عليه وسلم وحده . ( فاعلموا ) قيل : هذا خطاب مع المؤمنين . وقيل : مع المشركين ، ( أنما أنزل بعلم الله ) يعني : القرآن . وقيل : أنزله وفيه علمه ، ( وأن لا إله إلا هو ) أي : فاعلموا أن لا إله إلا هو ، ( فهل أنتم مسلمون ) لفظه استفهام ومعناه أمر ، أي : أسلموا .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #233  
قديم 16-01-2022, 07:58 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 76,630
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (218)
- تفسير البغوى
الجزء الرابع

سُورَةِ هود
الاية166 إلى الاية 170






قوله تعالى : ( من كان يريد الحياة الدنيا ) أي : من كان يريد بعمله الحياة الدنيا ، ( وزينتها ) نزلت في كل من عمل عملا يريد به غير الله عز وجل ( نوف إليهم أعمالهم فيها ) أي : نوف لهم [ ص: 166 ] أجور أعمالهم في الدنيا بسعة الرزق ودفع المكاره وما أشبهها . ( وهم فيها لا يبخسون ) أي : في الدنيا لا ينقص حظهم .
( أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ( 16 ) أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ( 17 ) .

( أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها ) أي : في الدنيا ( وباطل ) ( ما كانوا يعملون ) .

اختلفوا في معنى هذه الآية قال مجاهد : هم أهل الرياء . وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " ، قالوا : يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال : " الرياء " .

قيل : هذا في الكفار ، وأما المؤمن : فيريد الدنيا والآخرة ، وإرادته الآخرة غالبة فيجازى بحسناته في الدنيا ، ويثاب عليها في الآخرة .

وروينا عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة ، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة ، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا " .

قوله تعالى : ( أفمن كان على بينة ) بيان ، ( من ربه ) قيل : في الآية حذف ، ومعناه : أفمن كان [ ص: 167 ] على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها ، أو من كان على بينة من ربه كمن هو في الضلالة والجهالة ، والمراد بالذي هو على بينة من ربه : النبي صلى الله عليه وسلم .

( ويتلوه شاهد منه ) أي : يتبعه من يشهد به بصدقه . واختلفوا في هذا الشاهد فقال ابن عباس ، وعلقمة ، وإبراهيم ، ومجاهد ، وعكرمة ، والضحاك ، وأكثر أهل التفسير : إنه جبريل عليه السلام .

وقال الحسن وقتادة : هو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وروى ابن جريج عن مجاهد قال : هو ملك يحفظه ويسدده .

وقال الحسين بن الفضل : هو القرآن ونظمه وإعجازه .

وقيل : هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه . قال علي : ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه آية من القرآن ، فقال له رجل : وأنت أي شيء نزل فيك؟ قال : ( ويتلوه شاهد منه ) .

وقيل : شاهد منه هو الإنجيل .

( ومن قبله ) أي : ومن قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : من قبل نزول القرآن . ( كتاب موسى ) أي : كان كتاب موسى ، ( إماما ورحمة ) لمن اتبعها ، يعني : التوراة ، وهي مصدقة للقرآن ، شاهدة للنبي صلى الله عليه وسلم ، ( أولئك يؤمنون به ) يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : أراد الذين أسلموا من أهل الكتاب .

( ومن يكفر به ) أي : بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : بالقرآن ، ( من الأحزاب ) من الكفار من أهل الملل كلها ، ( فالنار موعده ) .

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ، أخبرنا أبو طاهر الزيادي ، أخبرنا محمد بن الحسين القطان ، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه ، حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، ولا يهودي ، ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار " . [ ص: 168 ] قوله تعالى : ( فلا تك في مرية منه ) أي : في شك منه ، ( إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) .
( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ( 18 ) .

( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) فزعم أن له ولدا أو شريكا ، أي : لا أحد أظلم منه ، ( أولئك ) يعني : الكاذبين والمكذبين ، ( يعرضون على ربهم ) فيسألهم عن أعمالهم .

( ويقول الأشهاد ) يعني : الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم ، قاله مجاهد .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما : إنهم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، وهو قول الضحاك .

وقال قتادة : الخلائق كلهم .

وروينا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره ، فيقول : أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول : نعم أي رب ، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك ، قال : سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ، فيعطى كتاب حسناته " ، وأما الكفار والمنافقون فينادي بهم على رءوس الخلائق ، ( هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ) .
[ ص: 169 ] ( الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون ( 19 ) . ( أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ( 20 ) أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ( 21 ) لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ( 22 ) .

( الذين يصدون عن سبيل الله ) يمنعون عن دين الله ، ( ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون ) .

( أولئك لم يكونوا معجزين ) قال ابن عباس : سابقين . قال قتادة : هاربين . وقال مقاتل : فائتين . ( في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء ) يعني أنصارا وأعوانا يحفظونهم من عذابنا ، ( يضاعف لهم العذاب ) أي : يزاد في عذابهم . قيل : يضاعف العذاب عليهم لإضلالهم الغير واقتداء الأتباع بهم .

( ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) قال قتادة : صم عن سماع الحق فلا يسمعونه ، وما كانوا يبصرون الهدى . قال ابن عباس رضي الله عنهما : أخبر الله عز وجل أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا قال : " ما كانوا يستطيعون السمع " وهو طاعته ، وفي الآخرة قال : " فلا يستطيعون " ، خاشعة أبصارهم .

( أولئك الذين خسروا أنفسهم ) غبنوا أنفسهم ، ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) يزعمون من شفاعة الملائكة والأصنام .

( لا جرم ) أي : حقا . وقيل : بلى . وقال الفراء : لا محالة ، ( أنهم في الآخرة هم الأخسرون ) يعني : من غيرهم ، وإن كان الكل في الخسار .
[ ص: 170 ] ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ( 23 ) مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون ( 24 ) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين ( 25 ) أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم 26 ) .

( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا ) قال ابن عباس : خافوا . قال قتادة : أنابوا . وقال مجاهد : اطمأنوا . وقيل : خشعوا . وقوله : ( إلى ربهم ) أي : لربهم . ( أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) .

( مثل الفريقين ) المؤمن والكافر ، ( كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا ) قال الفراء : لم يقل هل يستوون ، لأن الأعمى والأصم في حيز كأنهما واحد ؛ لأنهما من وصف الكافر ، والبصير والسميع في حيز كأنهما واحد ، لأنهما من وصف المؤمن ، ( أفلا تذكرون ) أي تتعظون .

قوله تعالى : ( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب " أني " بفتح الهمزة أي : بأني ، وقرأ الباقون بكسرها ، أي : فقال إني ، لأن في الإرسال معنى القول : إني لكم نذير مبين .

( أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ) أي : مؤلم . قال ابن عباس : بعث نوح عليه السلام بعد أربعين سنة ، ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة ، وعاش بعد الطوفان ستين سنة ، وكان عمره ألفا وخمسين سنة .

وقال مقاتل : بعث وهو ابن مائة سنة .

وقيل : بعث وهو ابن خمسين سنة .

وقيل : بعث وهو ابن مائتين وخمسين سنة ، ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة ، وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة ، فكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين سنة ، قال الله تعالى : " فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما " ( العنكبوت - 14 ) أي : فلبث فيهم داعيا .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #234  
قديم 16-01-2022, 07:59 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 76,630
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (219)
- تفسير البغوى
الجزء الرابع

سُورَةِ هود
الاية171 إلى الاية 175





( فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ( 27 ) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ( 28 ) . ( ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون ( 29 ) .

( فقال الملأ الذين كفروا من قومه ) والملأ هم الأشراف والرؤساء . ( وما نراك ) يا نوح ، ( إلا بشرا ) آدميا ، ( مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ) سفلتنا ، والرذل : الدون من كل شيء والجمع : أرذل ، ثم يجمع على أراذل ، مثل : كلب وأكلب وأكالب ، وقال في سورة الشعراء : " واتبعك الأرذلون " يعني : السفلة . وقال عكرمة : الحاكة والأساكفة ، ( بادي الرأي ) قرأ أبو عمرو " بادئ " بالهمز ، أي : أول الرأي ، يريدون أنهم اتبعوك في أول الرأي من غير روية وتفكر ، ولو تفكروا لم يتبعوك . وقرأ الآخرون بغير همز ، أي ظاهر الرأي من قولهم : بدا الشيء : إذا ظهر ، معناه : اتبعوك ظاهرا من غير أن يتدبروا ويتفكروا باطنا . قال مجاهد : رأي العين ، ( وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ) .

( قال ) نوح ، ( يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ) أي : بيان من ربي ( وآتاني رحمة ) أي : هدى ومعرفة ، ( من عنده فعميت عليكم ) أي : خفيت والتبست عليكم . وقرأ حمزة والكسائي وحفص : فعميت عليكم " بضم العين وتشديد الميم ، أي : شبهت ولبست عليكم . ( أنلزمكموها ) أي : أنلزمكم البينة والرحمة ، ( وأنتم لها كارهون ) لا تريدونها . قال قتادة : لو قدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يلزموا قومهم الإيمان لألزموهم ولكن لم يقدروا .

قوله : ( ويا قوم لا أسألكم عليه مالا ) أي : على الوحي وتبليغ الرسالة ، كناية عن غير مذكور ، ( إن أجري ) ما ثوابي ، ( إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا ) هذا دليل على أنهم طلبوا منه طرد المؤمنين ، ( إنهم ملاقو ربهم ) أي : صائرون إلى ربهم في المعاد فيجزي من طردهم ، ( ولكني أراكم قوما تجهلون )
[ ص: 172 ] ( ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ( 30 ) ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين ( 31 ) قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ( 32 ) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ( 33 ) ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ( 34 ) .

( ويا قوم من ينصرني من الله ) من يمنعني من عذاب الله ، ( إن طردتهم أفلا تذكرون ) تتعظون .

( ولا أقول لكم عندي خزائن الله ) فآتي منها ما تطلبون ، ( ولا أعلم الغيب ) فأخبركم بما تريدون . وقيل : إنهم لما قالوا لنوح : إن الذين آمنوا بك إنما اتبعوك في ظاهر ما ترى منهم ، قال نوح مجيبا لهم : ولا أقول لكم : عندي خزائن غيوب الله ، التي يعلم منها ما يضمر الناس ، ولا أعلم الغيب ، فأعلم ما يسترونه في نفوسهم ، فسبيلي قبول ما ظهر من إيمانهم ، ( ولا أقول إني ملك ) هذا جواب قولهم : " وما نراك إلا بشرا مثلنا " . ( ولا أقول للذين تزدري أعينكم ) أي : تحتقره وتستصغره أعينكم ، يعني : المؤمنين ، وذلك أنهم قالوا : هم أراذلنا ، ( لن يؤتيهم الله خيرا ) أي : توفيقا وإيمانا وأجرا ، ( الله أعلم بما في أنفسهم ) من الخير والشر مني ، ( إني إذا لمن الظالمين ) لو قلت هذا .

( قالوا يا نوح قد جادلتنا ) خاصمتنا ، ( فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا ) من العذاب ( إن كنت من الصادقين ) .

( قال إنما يأتيكم به الله إن شاء ) يعني : بالعذاب ، ( وما أنتم بمعجزين ) بفائتين .

( ولا ينفعكم نصحي ) أي نصيحتي ، ( إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ) يضلكم ، ( هو ربكم ) له الحكم والأمر ( وإليه ترجعون ) فيجزيكم بأعمالكم .
[ ص: 173 ] ( أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون ( 35 ) وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ( 36 ) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ( 37 ) .

( أم يقولون افتراه ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني نوحا عليه السلام . وقال مقاتل : يعني محمدا صلى الله عليه وسلم . ( قل إن افتريته فعلي إجرامي ) أي : إثمي ووبال جرمي . والإجرام : كسب الذنب . ( وأنا بريء مما تجرمون ) لا أؤاخذ بذنوبكم .

قوله تعالى : ( وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) روى الضحاك عن ابن عباس : أن قوم نوح عليه السلام كانوا يضربون نوحا حتى يسقط ، فيلقونه في لبد ويلقونه في قعر بيت ، يظنون أنه قد مات فيخرج في اليوم الثاني ويدعوهم إلى الله عز وجل .

روي أن شيخا منهم جاء يتوكأ على عصا ، ومعه ابنه ، فقال : يا بني لا يغرنك هذا الشيخ المجنون ، فقال له : يا أبت أمكني من العصا ، فأخذ العصا من أبيه ، فضرب نوحا حتى شجه شجة منكرة ، فأوحى الله عز وجل إليه ( أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) ( فلا تبتئس ) أي : فلا تحزن ، ( بما كانوا يفعلون ) فإني مهلكهم ومنقذك منهم فحينئذ دعا نوح عليهم : " وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " ( نوح - 26 ) .

وحكى محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير الليثي أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى عليه ، فإذا أفاق قال : رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ، حتى إذا تمادوا في المعصية واشتد عليه منهم البلاء ، وانتظر الجيل بعد الجيل فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من الذي قبله حتى إن كان الآخر منهم ليقول : قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنونا لا يقبلون منه شيئا ، فشكا إلى الله تعالى فقال : " رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا " إلى أن قال : " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " ، فأوحى الله تعالى إليه :

( واصنع الفلك بأعيننا ) قال ابن عباس بمرأى منا . وقال مقاتل : بعلمنا . وقيل : بحفظنا . [ ص: 174 ] ( ووحينا ) بأمرنا . ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ) بالطوفان ، قيل : معناه لا تخاطبني في إمهال الكفار ، فإني قد حكمت بإغراقهم . وقيل : لا تخاطبني في ابنك كنعان وامرأتك واعلة فإنهما هالكان مع القوم .

وفي القصة أن جبريل أتى نوحا عليه السلام فقال : إن ربك عز وجل يأمرك أن تصنع الفلك ، قال : كيف أصنع ولست بنجار؟ فقال : إن ربك يقول اصنع فإنك بعيني ، فأخذ القدوم وجعل يصنع ولا يخطئ . وقيل : أوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر .
( ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ( 38 ) .

قوله تعالى : ( ويصنع الفلك ) فلما أمره الله تعالى أن يصنع الفلك أقبل نوح عليه السلام على عمل الفلك ولها عن قومه ، وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد ، ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره ، وجعل قومه يمرون به وهو في عمله ويسخرون منه ، ويقولون : يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة؟ وأعقم الله أرحام نسائهم فلا يولد لهم ولد .

وزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج ، وأن يصنعه من أزور ، وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه ، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا وعرضه خمسين ذراعا وطوله في السماء ثلاثين ذراعا ، والذراع إلى المنكب ، وأن يجعله ثلاثة أطباق : سفلى ووسطى وعليا ويجعل فيه كوى ، ففعله نوح كما أمره الله عز وجل .

وقال ابن عباس : اتخذ نوح السفينة في سنتين وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا وطولها في السماء ثلاثون ذراعا ، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون ، فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام ، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام ، وركب هو ومن معه في البطن [ ص: 175 ] الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد .

وقال قتادة : كان بابها في عرضها .

وروي عن الحسن : كان طولها ألفا ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع . والمعروف الأول : أن طولها ثلاثمائة ذراع .

وعن زيد بن أسلم قال : مكث نوح عليه السلام مائة سنة يغرس الأشجار ويقطعها ، ومائة سنة يعمل الفلك .

وقيل : غرس الشجر أربعين سنة وجففه أربعين سنة .

وعن كعب الأحبار أن نوحا عمل السفينة في ثلاثين سنة ، وروي أنها كانت ثلاث طبقات ، الطبقة السفلى للدواب والوحوش ، والطبقة الوسطى فيها الإنس ، والطبقة العليا فيها الطير ، فلما كثرت أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة ، فأقبلا على الروث ، فلما وقع الفأر بجوف السفينة فجعل يقرضها ويقرض حبالها ، فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة ، فأقبلا على الفأر .

قوله تعالى : ( وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ) كانوا يقولون : إن هذا الذي يزعم أنه نبي قد صار نجارا ، وروي أنهم كانوا يقولون له : يا نوح ماذا تصنع؟ فيقول أصنع بيتا يمشي على الماء ، فيضحكون منه ، ( قال : إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم ) إذا عاينتم عذاب الله ( كما تسخرون ) فإن قيل : كيف تجوز السخرية من النبي؟ قيل : هذا على ازدواج الكلام ، يعني إن تستجهلوني فإني أستجهلكم إذا نزل العذاب بكم . وقيل : معناه إن تسخروا منا فسترون عاقبة سخريتكم .
( فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ( 39 ) .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #235  
قديم 16-01-2022, 07:59 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 76,630
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (220)
- تفسير البغوى
الجزء الرابع

سُورَةِ هود
الاية176 إلى الاية 180




( فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ( 39 ) .

( فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ) يهينه ، ( ويحل عليه ) يجب عليه ، ( عذاب مقيم ) دائم . [ ص: 176 ] ( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ( 40 ) .

( حتى إذا جاء أمرنا ) عذابنا ، ( وفار التنور ) اختلفوا في التنور قال عكرمة والزهري : هو وجه الأرض ، وذلك أنه قيل لنوح : إذا رأيت الماء فار على وجه الأرض فاركب السفينة .

وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : فار التنور أي : طلع الفجر ونور الصبح .

وقال الحسن ومجاهد والشعبي : إنه التنور الذي يخبز فيه ، وهو قول أكثر المفسرين .

ورواية عطية عن ابن عباس قال الحسن : كان تنورا من حجارة ، كانت حواء تخبز فيه فصار إلى نوح عليه السلام ، فقيل لنوح : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك .

واختلفوا في موضعه ، قال مجاهد والشعبي : كان في ناحية الكوفة ، وكان الشعبي يحلف : ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة . وقال : اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة . وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب كندة ، وكان فوران الماء منه علما لنوح عليه السلام .

وقال مقاتل : كان ذلك تنور آدم ، وكان بالشام بموضع يقال له : عين وردة .

وروي عن ابن عباس : أنه كان بالهند .

والفوران : الغليان .

قوله تعالى : ( قلنا احمل فيها ) أي في السفينة ، ( من كل زوجين اثنين ) الزوجان : كل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر ، يقال لكل واحد منهما زوج ، يقال : زوج خف وزوج نعل ، والمراد بالزوجين هاهنا : الذكر والأنثى .

قرأ حفص هاهنا وفي سورة المؤمنين " " من كل " بالتنوين أي : من كل صنف زوجين اثنين ، ذكره تأكيدا .

وفي القصة : أن نوحا عليه الصلاة والسلام قال : يا رب كيف أحمل من كل زوجين اثنين؟ فحشر الله إليه السباع والطير ، فجعل يضرب بيده في كل جنس فيقع الذكر في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى ، فيحملها في السفينة .

( وأهلك ) أي : واحمل أهلك ، أي : ولدك وعيالك ، ( إلا من سبق عليه القول ) بالهلاك ، [ ص: 177 ] يعني : امرأته واعلة وابنه كنعان ، ( ومن آمن ) يعني : واحمل من آمن بك ، كما قال الله تعالى : ( وما آمن معه إلا قليل ) واختلفوا في عددهم : قال قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي : لم يكن في السفينة إلا ثمانية نفر : نوح ، وامرأته ، وثلاثة بنين له سام وحام ويافث ، ونساؤهم .

وقال الأعمش : كانوا سبعة . نوح وثلاثة بنين له ، وثلاث كنائن له .

وقال ابن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم . نوح وبنوه سام وحام ويافث وستة أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعا .

وقال مقاتل : كانوا اثنين وسبعين نفرا رجلا وامرأة وبنيه الثلاثة ونساءهم ، فجميعهم ثمانية وسبعون ، نصفهم رجال ونصفهم نساء .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان في سفينة نوح ثمانون رجلا أحدهم جرهم .

قال مقاتل : حمل نوح معه جسد آدم فجعله معترضا بين الرجال والنساء وقصد نوحا جميع الدواب والطيور ليحملها .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : أول ما حمل نوح الدرة وآخر ما حمل الحمار ، فلما دخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس بذنبه ، فلم يستقل رجلاه ، فجعلنوح يقول : ويحك ادخل : فنهض فلم يستطع ، حتى قال نوح : ويحك ادخل وإن الشيطان معك كلمة زلت على لسانه ، فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله فدخل ودخل الشيطان ، فقال له نوح : ما أدخلك علي يا عدو الله؟ قال : ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك ، قال : اخرج عني يا عدو الله ، قال : مالك بد من أن تحملني معك ، فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك .

وروي عن بعضهم : أن الحية والعقرب أتيا نوحا فقالتا : احملنا ، فقال : إنكما سبب الضر والبلاء ، فلا أحملكما ، فقالتا له : احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك فمن قرأ حين خاف مضرتهما سلام على نوح في العالمين ما ضرتاه .

قال الحسن : لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض ، فأما ما يتولد من الطين من حشرات الأرض كالبق والبعوض فلم يحمل منها شيئا .
[ ص: 178 ] ( وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ( 41 ) وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ( 42 ) قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ( 43 ) .

( وقال اركبوا فيها ) أي : وقال لهم نوح اركبوا فيها أي في السفينة ، ( بسم الله مجراها ومرساها ) قرأ حمزة والكسائي وحفص : " مجريها " بفتح الميم أي : جريها " ومرساها " بضمها ، وقرأ محمد بن محيصن " مجريها ومرساها بفتح الميمين من جرت ورست ، أي " بسم الله جريها ورسوها ، وهما مصدران . وقرأ الآخرون : " مجراها ومرساها " بضم الميمين من أجريت وأرسيت ، أي : بسم الله إجراؤها وإرساؤها وهما أيضا مصدران ، كقوله : أنزلني منزلا مباركا " ( المؤمنون - 29 ) و " أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق " ( الإسراء 80 ) والمراد منها : الإنزال والإدخال والإخراج . ( إن ربي لغفور رحيم ) قال الضحاك : كان نوح إذا أراد أن تجري السفينة قال : بسم الله ، فجرت ، وإذا أراد أن ترسو قال : بسم الله ، فرست .

( وهي تجري بهم في موج كالجبال ) والموج ما ارتفع من الماء إذا اشتدت عليه الريح ، شبهه بالجبال في عظمه وارتفاعه على الماء . ( ونادى نوح ابنه ) كنعان ، وقال عبيد بن عمير : سام ، وكان كافرا ، ( وكان في معزل ) عنه لم يركب في السفينة ( يا بني اركب معنا ) قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب بإظهار الباء ، والآخرون يدغمونها في الميم ، ( ولا تكن مع الكافرين ) فتهلك .

( قال ) له ابنه ( سآوي ) سأصير وألتجئ ، ( إلى جبل يعصمني من الماء ) يمنعني من الغرق ، ( قال ) له نوح ( لا عاصم اليوم من أمر الله ) من عذاب الله ، ( إلا من رحم ) قيل : " من " في محل الرفع ، أي لا مانع من عذاب الله إلا الله الراحم . وقيل : " من " في محل النصب ، معناه لا معصوم إلا من رحمه الله ، كقوله : " في عيشة راضية " ( الحاقة - 21 ) أي : مرضية ، ( وحال بينهما الموج فكان ) فصار ، ( من المغرقين ( [ ص: 179 ] وروي أن الماء علا على رءوس الجبال قدر أربعين ذراعا . وقيل : خمسة عشر ذراعا .

وروي أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أم لصبي عليه ، وكانت تحبه حبا شديدا ، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه ، فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه ، فلما بلغها ذهبت حتى استوت على الجبل ، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت الصبي بيديها حتى ذهب بها الماء ، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي .
( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ( 44 ) .

( وقيل ) يعني : بعدما تناهى أمر الطوفان : ( يا أرض ابلعي ) تشربي ، ( ماءك ويا سماء أقلعي ) أمسكي ، ( وغيض الماء ) نقص ونضب ، يقال : غاض الماء يغيض غيضا إذا نقص ، وغاضه الله أي أنقصه ، ( وقضي الأمر ) فرغ من الأمر وهو هلاك القوم ( واستوت ) يعني : السفينة استقرت ، ( على الجودي ) جبل بالجزيرة بقرب الموصل ، ( وقيل بعدا ) هلاكا ، ( للقوم الظالمين ) .

وروي أن نوحا عليه السلام بعث الغراب ليأتيه بخبر الأرض فوقع على جيفة فلم يرجع فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها ولطخت رجليها بالطين ، فعلم نوح أن الماء قد نضب ، فقيل إنه دعا على الغراب بالخوف فلذلك لا يألف البيوت ، وطوق الحمامة الخضرة التي في عنقها ودعا لها بالأمان ، فمن ثم تأمن وتألف البيوت .

وروي أن نوحا عليه السلام ركب السفينة لعشر مضت من رجب وجرت بهم السفينة ستة أشهر ، ومرت بالبيت فطافت به سبعا وقد رفعه الله من الغرق وبقي موضعه ، وهبطوا يوم عاشوراء ، فصام نوح ، وأمر جميع من معه بالصوم شكرا لله عز وجل . [ ص: 180 ] وقيل : ما نجا من الكفار من الغرق غير عوج بن عنق كان الماء إلى حجزته ، وكان سبب نجاته أن نوحا احتاج إلى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقله فحمله عوج إليه من الشام ، فنجاه الله تعالى من الغرق لذلك .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 186.01 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 182.30 كيلو بايت... تم توفير 3.71 كيلو بايت...بمعدل (1.99%)]