شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي - الصفحة 24 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         محبة الخير للآخرين (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الاستهزاء بالدين ردة عنه، وغيبة المؤمنين نقص فيه (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الوجة القبيح للحروب المعاصرة في العالم الإسلامي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          حقيقة السباق (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          على رسلك يا ابنتي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          نشيد الطفل العربي: أحب الحياة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          تعريف الترادف للرازي.. وهيمنة المزهر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          مع اللغويين في المراد من كلمتي الحمام واليمام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 13 )           »          التداولية بين المفهوم والتصور (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 16 )           »          نفحة من عطر جدتي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #231  
قديم 02-11-2022, 03:22 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,323
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب المناسك)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (226)

صـــــ(1) إلى صــ(6)





شرح زاد المستقنع - باب صيد الحرم
لقد حرم الله ورسوله مكة والمدينة فلا يقتل الصيد فيهما، ولا يقطع شجر مكة ولا حشيشها إلا الإذخر، فمن قتل صيداً في مكة فعليه دم مثل ما قتله، ومن قتل صيداً في المدينة لزمه الإثم، وفي كلٍ تعرض لسخط الله وعقابه لمن أصر على هذا الفعل.
حرمة مكة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله: [ باب صيد الحرم ].
لما فرغ من بيان حكم الصيد بالنسبة للمحرم شرع في بيان نوع خاص من الصيد، وهو الذي يشمل المحرم والحلال، وهو صيد مكة وكذلك صيد المدينة، وهذان الموضعان هما اللذان حرم الله ورسوله كما ثبتت بذلك النصوص في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: (باب صيد الحرم) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام المتعلقة بحكم من قتل الصيد داخل مكة أو قتل الصيد داخل المدينة، فإذا كان مراده العموم يصبح حينئذٍ قوله: (الحرم) أي: باب حكم صيد حرم المدينة ومكة، وهذا هو الذي ذكره في الباب أنه اعتنى ببيان حكم صيد مكة والمدينة، أو يكون قوله: (الحرم) حرم مكة، فيكون ذكره لأحكام حرم المدينة من باب التبعية؛ وذلك لأن تحريم المدينة إنما وقع بعد تحريم مكة شرفها الله.
حرمة صيد الحرم
وقوله: [يحرم صيده على المحرم والحلال].
يحرم صيد الحرم على المحرم والحلال بإجماع المسلمين؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين: ( إن هذا البلد حرم آمن ) ، وقال في المدينة: ( إنها حرم آمن ) .
وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: ( إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس ).
قال بعض العلماء: قوله: ( إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس ) أي: أن حرمة مكة إنما كانت من الله تشريعاً ولم تكن شيئاً جبلياً في الناس، كأن يكون شيئاً كان الناس يألفونه ثم نشأ في الناشئة من بعد ذلك وهم على هذا التحريم، إنما هو تحريم من الله.
وقيل: ( إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس ) أي: أن الله حرمها؛ ولكن الناس استهانوا بهذه الحرمة العظيمة، كأن النبي صلى الله عليه وسلم ينبه على عظيم ما للبيت والحرم من حرمة عند الله عز وجل، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( إن الله حرم هذا البلد يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ) ، فهذا نص صريح يدل على أن مكة حرم، وأنه لا يجوز أن يعتدى فيها، وأن تصاب فيها حدود الله عز وجل، ومن ذلك ما نهى الله عز وجل عنه من الصيد.
ففسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحرمة وبين وجهها فقال: ( لا ينفّر صيدها، ولا يختلى خلاها، ولا يقطع شوكها، ولا تلتقط لقطتها، إلا من معرّف وفي رواية: إلا لمنشد )، فلما قال: ( لا ينفّر صيدها ) فانظر إلى تعبيره عليه الصلاة والسلام الذي يفيد أن تنفير الصيد واستثارته حرام، فكيف بقتله؟! وهذا كما يسميه علماء الأصول من باب التنبيه بالأدنى على ما هو أعلى منه، فإذا كان تنفير الصيد وهو تحريشه وتحريكه -كأن يرى حمامة فيهش عليها- حرام عليه، فكيف إذا قتلها؟! فإنه من باب أولى وأحرى يقع في حرمة أعظم.
فالمقصود: أن تحريم مكة وتحريم الصيد فيها خاصة وتحريمها من كل وجه من جهة العموم، حتى نص العلماء رحمة الله عليهم بتفصيلهم لهذه الحرمة حتى بلغ ببعضهم أن قال: إنه لو قتل ولجأ إلى الحرم لا يقتل، وإن كان الصحيح: أن من قتل عمداً ولجأ إلى الحرم أنه يقتل؛ لكن الشاهد: أن العلماء رحمة الله عليهم عظموا هذه الحرمة ونصوا عليها؛ وذلك لثبوت الأخبار المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعظيم حرمات الحرم.
وقوله: [وحكم صيده كصيد المحرم].
وحكم صيد الحرم بالنسبة لك كحكم صيد المحرم، أي: أن الصيد داخل حدود مكة حرام على المكلف سواء كان محرماً أو حلالاً، فكما أن المحرم لا يجوز له قتل الصيد، كذلك من دخل حدود مكة لا يجوز له قتل الصيد، وحدودها من جهة المدينة ثلاثة أميال وهي جهة التنعيم، وأما من جهة الطائف وجهة المشرق فهي سبعة أميال، ومثلها جهة اليمن، ومن جهة الجعرانة تسعة أميال، وأما من جهة جدة فعشرة أميال، هذا بالنسبة لحدود الحرم، وله أصل في حديث الحاكم في ذكر أثر ابن عباس رضي الله عنهما في نزول الحجر وانكسار شعبه -وقيل: إضاءته- فبلغت حدود الحرم، وأقيمت الأعلام عليها، وهي منصوبة معروفة ويعتبرها العلماء رحمة الله عليهم من نقل الكافة عن الكافة، فهذه المعالم والرسوم والأمارات التي بقيت وتوارثتها الأمة جيلاً بعد جيل ورعيلاً بعد رعيل تعتبر باقية ويعتبر وجودها ونقل الكافة عن الكافة دليلاً على ثبوتها، ولذلك نجزم بأن هذا هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذا هو جبل أحد من باب نقل الكافة عن الكافة، وهذا ما يسمونه نقل التواتر الذي لا يقبل التكذيب، وعليه فهذه المعالم هي حدود الحرم، فإذا دخل الإنسان إلى هذا الحد من أي جهة كان فإنه يجب عليه أن يرعى هذه الحرمة، ويطالب بحفظ حدود الله عز وجل واتقاء محارمه، ومما حرم الله: قتل الصيد.
كذلك أيضاً: لا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، فحشيشها لا يحش ولا يؤخذ منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولا يحتش حشيشها ) ، وفي رواية: ( ولا يختلى خلاها ) كل ذلك يدل على أنه حرم ينبغي اتقاؤه، وعدم التعرض لما فيه من الصيد والزرع.
حرمة قطع شجر مكة وحشيشها إلا الإذخر
وقوله: [ويحرم قطع شجره].
ويحرم قطع الشجر، أي: بمكة وداخل حدودها، والشجر له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون نابتاً من الله عز وجل بدون أن يكون هناك فعل للآدمي، فهذا لا يجوز لأحد أن يقطعه، ولكن استثنى بعض العلماء وجود الضرورة، فإذا كانت ضرورة متعلقة بالكافة كمرور الناس في الطريق وهذه شجرة شوك ستسقط عليهم وتؤذيهم، قالوا: يجوز قطعها كما قطع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الدوحة بالمطاف.
وقال بعض العلماء: إذا قطعت مع وجود الحاجة والضرورة لزم الجزاء فيها، وهو قضاء ابن عباس رضي الله عنهما، كما سيأتي إن شاء الله بيانه.
وعلى هذا فإن الشجر الذي نبت وأنبته الله عز وجل وليس للآدمي فيه دخل فإنه لا يجوز قطعه، وأما إذا انكسر من نفسه وسقط فهذا شيء آخر، فإذا انكسر الغصن أو سقط، أو أن الشجرة يبست وسقطت من نفسها، أو اقتلعتها الريح ويبست، فحينئذٍ قالوا: يجوز أن يحتطب منها، ويجوز أن ينتفع منها، ولا حرج في ذلك، كالحشيش اليابس؛ لأن هذا ليس بعضد، فهو لم يعضدها، وحينئذٍ يجوز له أن ينتفع ويرتفق بها.
أما إذا كان الشجر قد أنبته الإنسان كأن يزرع في بيته زرعاً ثم يريد جزّه وقصه أو عضده فلا حرج عليه أن يفعل ذلك إذا كان مما أنبته أو يكون اشتراه من رجل زرعه فصار في ملكه، فإن يجوز له حينئذٍ أن يحش، ويجوز له أن يقص، ولا حرج عليه في ذلك.
وقوله: [وحشيشه الأخضرين].
والحشيش ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: إما أن يكون أخضر، كالمراعي النابتة، وذلك حين ينزل مطر أو تصيب السماء فينبت الرعي في مكة فهذا لا يحشّ، لكن لو كان عندك إبل أو بقر أو غنم ورعت فيه فلا حرج، فهناك فرق بين أن ترعاه البهيمة وبين أن تحش بنفسك، ولذلك كان للصحابة رضوان الله عليهم إبلهم ودوابهم حينما قدم عليه الصلاة والسلام مكة ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يكمموا أفواهها، ولم يحرم عليهم أن ترعى هذه الإبل داخل مكة، وإنما جعل التحريم من فعل المكلف، فدل على أنه يجوز أن يرسل إبله أو بقره أو غنمه للرعي، ولا حرج عليه في ذلك، وهذا إذا كان الحشيش أخضر.
أما إذا كان الحشيش يابساً فيجوز لك أن تجزّه، وأن تأخذ الهشيم ونحوه، فإنه ليس بحشيش وإنما هو هشيم تذروه الرياح إن لم تأخذه أنت، وحينئذٍ يجوز للإنسان أن يأخذه.
وقوله: [إلا الإذخر].
لما خطب الناس كما في حديث أبي شريح رضي الله عنه وأرضاه في حديثه الذي سمعته أذناه، وأبصرت عيناه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تكلم به، ووعاه قلبه حينما قام عليه الصلاة والسلام خطيباً في يوم الفتح فذكر حرمة مكة، وفيه قوله عليه الصلاة والسلام: ( إن هذا البلد قد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ) ، وفي الرواية الأخرى: ( إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم رجعت حرمتها، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يقطع شوكها، ولا ينّفر صيدها، ولا يختلى خلاها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرف، قال العباس رضي الله عنه وأرضاه: يا رسول الله! إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إلا الإذخر ) فدل هذا على أن الإذخر يستثنى، ويجوز أن يجزّ، ولا حرج في ذلك.
حرمة المدينة والصيد فيها
وقوله: [ويحرم صيد المدينة].
لما فرغ رحمه الله من أحكام الصيد بمكة، حيث أثبت أنه لا يجوز أن يصاد الصيد بمكة، وعلى هذا إذا صاد الصيد بمكة كما ذكر لك حكمه حكم صيد المحرم، فلو قتل بمكة تيس جبل أو مثلاً صاد غزالاً أو صاد حمامة ففيه القضاء الذي ذكرناه كصيد المحرم سواء بسواء ولم يفصل؛ لأنه تقدم التفصيل، لكن هنا بالنسبة لصيد المدينة فإنه لا يجوز، فالمدينة أولاً: محرمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اللهم إن عبدك وخليلك قد حرم مكة ودعا لها، وإني أحرم المدينة وأدعو لها: اللهم بارك في صاعها ومدها ) وفي رواية: ( اللهم اجعل مع البركة بركتين! اللهم اجعل مع البركة بركتين )، فبالإجماع فإن البركة في المدينة ضعف البركة في مكة، وهذا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فالأرزاق مباركة في مكة، ويجد الإنسان أثر هذه البركة في طعامه ورزقه وقوته، ولكنها في المدينة على الضعف فما في مكة يعتبر في المدينة بالضعف، وهذا من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا قال بعض السلف بتفضيل المدينة على مكة؛ لأنه دعاء بالبركة عموماً، وقال: إن الله اختارها لنبيه صلى الله عليه وسلم، كما هو قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس .
وذهب جمهور العلماء: إلى أن مكة أفضل.
واحتج الإمام بتفضيل الموت بالمدينة؛ لأن الله عز وجل اختارها لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، وجعلوا لها من الفضائل، حتى كانت البركة فيها ضعف ما بمكة.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور، أن مكة أفضل من المدينة، وهذا أمر واضح جلي، فإن النصوص ظاهرة في تفضيل الله عز وجل لهذا الحرم، وثبت في حديث الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والله إنك لخير أرض الله، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت ) ، فالشاهد في قوله: ( والله إنك لخير أرض الله ) يدل على أنها أفضل؛ لأن قوله: (خير أرض الله) كما تقول العرب: فلان خير، أي: أخير، وشر: أشر، فقوله: (خير أرض الله) يدل دلالة واضحة على أنها أفضل، ولذلك جعلت الصلاة بالمسجد الحرام بمائة ألف، وبمسجد المدينة بألف وهذا يدل على أن مكة أفضل.
وعليه فإن حرمة المدينة تشابه حرمة مكة، فلا يجوز قتل الصيد داخل حدود حرم المدينة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الحديث الصحيح عن المدينة: ( إنها حرم آمن ) ، وفي الصحيح من حديث علي رضي الله عنه: أنه لما سأله أبو جحيفة : ( هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء إلا فهماً يؤتيه الله رجلاً في كتابه، وما في هذه الصحيفة، فأخرجها فإذا فيها: المدينة حرم من عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً يوم القيامة ) هذا ثابت في الصحيح، وقوله: (لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) قيل: لا يقبل الله منه فريضة ولا نافلة، وقيل: إن قوله: (صرفاً ولا عدلاً) أي: إشارة إلى أنه لا يقبل منه شيء، نسأل الله السلامة والعافية، وإذا لم يقبل العمل من العامل فهذا أمر عظيم؛ لأنه دليل على هلاكه، فهو مهما عمل فإن عمله لا يعود عليه بخير؛ لأن العبرة بالقبول.
فالمقصود: أنه لعظيم حرمة الحرم صرف العبد عن القبول بالإحداث في مدينة حرم النبي صلى الله عليه وسلم، فحرمة المدينة تقتضي عدم جواز قتل الصيد، وعدم جواز تنفيره، ولذلك لما رأى سعد رضي الله عنه الغلام من بني مخزوم يصيد في المدينة أخذ سلاحه الذي يصيد به، فجاء مواليه وقالوا: رد للغلام آلته، قال: لا والله، لا أرد سلباً نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رواه مسلم في صحيحه، فهذا من باب العقوبة، ولذلك من وجد يصيد في حدود الحرم فإنه يجوز أخذ آلته التي يصيد بها وتملك، وهذا من باب العقوبة التعزيرية، أي: التعزير بالمال .
فالمقصود: أن حرم المدينة يقتضي عدم جواز الصيد فيه، وعدم جواز الحدث والبدعة داخل المدينة، وكذلك حرم مكة؛ لأن الله تعالى يقول: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْم } [الحج:25] ، بل إن حرم مكة أشد؛ لأنه جعله لمجرد الإرادة وتوجه العزيمة للشيء.
حدود حرم المدينة
حرم المدينة من عير إلى ثور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: ( المدينة حرم من عير إلى ثور ) ، وعير: هو الجبل الذي بحذاء الميقات، على يسار الذاهب إلى مكة مع طريق الهجرة الموجودة الآن، فطريق الهجرة الموجودة الآن إذا جئت إلى الميقات الذي يسمى بأبيار علي فإنك إذا كنت داخلاً المدينة يكون عير عن يمينك؛ وهو جبل طويل أزرق، وأما عن يسارك فيكون الميقات، فهذا الجبل الذي عن يمينك إذا كنت داخلاً المدينة أو عن يسارك وأنت خارج يسمى بعير، وهو حد المدينة من الجهة الغربية إلى الجنوب، وأما ثور فحدها من الجهة الشمالية إلى الشرق، وثور اختلف فيه على أقوال: فهناك قولان هما أشهر وأقوى وأصح الأقوال الواردة: إما أن يكون هو الجبل الصغير الأحمر المدور الذي خلف جبل أحد، وهو جبل معروف عند أهل المدينة، وأشار إليه الحافظ ابن حجر ، وأشار إلى هذا السمهودي في كتابه النفيس: وفاء الوفاء.
وهناك قول ثان: أنه الجبل الذي يسمى بجبل الخزّان؛ وهو على طريق المطار القديم، إذا انتهى جبل أحد، فيكون جبل أحد عن يسارك وأنت خارج من المدينة إلى المطار ويكون هذا الجبل عن يمينك، وقد أخذ الطريق طرف هذا الجبل ويسمى بجبل خزان، وهذا الجبل هو الذي تنطبق عليه صفات جبل ثور.
هذا بالنسبة لحدّها من الجهتين اللتين ذكرنا.
أما من جهة الحرة الشرقية المحضة والغربية المحضة، فإن الحرتين تعتبران حداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إني أحرم ما بين لابتيها ) ولابتا المدينة هما: الحرة الشرقية والحرة الغربية.
أما الحرة الشرقية فهي في الجهة الشرقية لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وتسمى هذه الحرة في القديم بحرة واقم، وهي التي وقعت فيها موقعة الحرة المشهورة التي كانت أيام يزيد بن معاوية ، وفيها يقول قيس الرقيات : فإن تقتلونا يوم حرة واقم فإنا على الإسلام أول من قتل فهذه تسمى بحرة واقم.
أما الحرة الثانية وهي الحرة الغربية، فهي في غربي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وتسمى حرة الوبرة، وتسمى الآن بالحرة الغربية.
هاتان الحرتان ما بينهما حرام، وهل الحرتان داخلتان في الحرم، أو ليستا بداخلتين؟ قولان، والصحيح: أنهما داخلتان.
واختلف في وادي العقيق، ووادي العقيق من الجهة الغربية بعد الحرة، فبمجرد أن تقطع الحرة تنزل إلى وادي العقيق، والصحيح أن وادي العقيق من الحمى وليس من الحرم، فهناك أمران ينبغي التفريق بينهما وهما: الحرم، والحمى، أما الحمى فإنه يخرج خارج الحرم، والحمى لا يجوز فيه الصيد، وكان حمى -أيضاً- لإبل الصدقة لا يرعى فيه أحد، وحمى المدينة بريد في بريد، يعني: ثلاثة أميال في ثلاثة أميال، هذا بالنسبة لحمى المدينة من الجهات كلها، حماه النبي صلى الله عليه وسلم وكانت ترعى فيه إبل الصدقة؛ والتي كانت تتبع بيت مال المسلمين، فلما كانت تحتاج إلى رعي تركت لها هذه المساحة من الأرض، وهذا يسمى حمى المدينة.
فهذا الحمى لا يجوز فيه الصيد، وأما بالنسبة لحدود الحرم فلا، فإن الحرم ينتهي عند الحرة، وهل الحرة داخلة، أو لا؟ على الوجهين اللذين ذكرنا.
وقوله: [ويحرم صيد المدينة ولا جزاء فيه].
لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم المدينة، وفهم الصحابة ذلك كما ذكرنا في حديث مسلم في عقوبة من صاد في المدينة، فدل على أنه لا يجوز الصيد داخل المدينة، ولكن يختلف صيد مكة عن صيد المدينة أن صيد مكة فيه جزاء وصيد المدينة لا جزاء فيه، والجزاء في الصيد داخل حدود حرم مكة فيه خلاف، ولكنه فتوى ابن عباس رضي الله عنهما.
وقوله: [ويباح الحشيش للعلف].
الدواب إذا جاءت ورعت فلا حرج في ذلك.
وقوله: [وآلة الحرث ونحوه].
وكذلك آلة الحرث ونحوه في المدينة، وفيه حديث أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله : أن الصحابة رضي الله عنهم اشتكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم المشقة في تحريم المدينة في عدم جواز قطع شجرها.
ولذلك انظر حينما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصنع المنبر الذي كان يخطب عليه لما كثر الناس بعد عام الوفود احتاج للمنبر؛ لأنه كان يخطب على الجذع، فاحتاج إلى المنبر حتى يعلو فيستطيع أن يبلغ صوته إلى آخر المسجد، فقال -كما في حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه في الصحيحين- لامرأة من الأنصار: ( انظري غلامك النجار فليصنع لي أعواداً أكلم عليها الناس ) ، يقول سهل رضي الله عنه: ( فصنعت من طرفاء الغابة ) ، والغابة هي التي تسمى اليوم بالخُليل، وهي خارج حدود المدينة، وقد تجاوز الحمى، فلما احتيج لخشب المنبر لم يستطع أن يأخذ من شجر المدينة، وإنما خرج إلى خارج حدود الحرم، فبالرغم من أن النبي محتاج إلى المنبر، وأحب الأشياء إلى الله هو الدعوة إليه سبحانه وتعالى ومع ذلك صنع هذا المنبر من طرفاء الغابة، كما في الرواية في الصحيح، ولذلك يقولون: لا يعضد شجرها، ولا يؤخذ منها، على التفصيل الذي ذكرناه، فاستثنوا الآلة كأن تؤخذ خشبة للفأس ونحوه، حتى يقدّ به أو المعول حتى يحفر به ونحو ذلك، قالوا: رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وخشبة البئر كما جاء في حديث أحمد في مسنده؛ لأنهم اشتكوا له المشقة.
فالشخص إذا احتاج إلى هذه الخشبة لكي يصلح فأسه يخرج خارج المدينة ويجاوز الثلاثة الأميال ثم يقص الشجرة ويأخذ منها فهذا فيه مشقة، فلما شكوا للنبي صلى الله عليه وسلم هذا رخص لهم في ذلك، فهذا الذي جعل المصنف رحمه الله يقول: الآلات.
وقوله: [وحرمها ما بين عير إلى ثور].
وحرم المدينة ما بين عير إلى ثور؛ لقوله: ( المدينة حرم من عير إلى ثور ) ، وحد بعض المعاصرين ثور بالجبل الذي هو خلف جبل أحد بجوار الوادي الذي يسمى بوادي النقمي، وتسميه العامة وادي النكمى، المعروف في القديم باسم النقماء، وهو الذي جاء عنه في غزوة الأحزاب: (أتيت بغطفان فأنزلتهم بمجمع الأسيال من ذنب نقماء)، هذا الوادي يأتي من الجهة الشرقية من جهة المطار ويسمى الآن بوادي الأوينه، هذا الوادي إذا التقى مع مجمع الأسيال فهناك جبل يقولون: إنه جبل ثور، وهذا خطأ، فإن هذا الجبل ليس بجبل ثور، ولو جئت تقف وتجعل عيراً وراء ظهرك وتسامت هذا الجبل ناظراً إليه لوجدت المدينة في أقصى اليمين، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما بين عير إلى ثور ) ، وهذا يدل على خطأ هذا التحديد، ولذلك الصحيح: أن التحديد إما الجبل المدور الذي ذكرناه خلف أحد، وإما الجبل الذي يسمى بجمل الخزان، وهو الذي ذكره السمهودي في وفاء الوفاء، يقول: هو جبل صغير على يسار الذاهب إلى العراق.
فكان على يسار هذا الطريق؛ لأنه كان طريق المشرق وينفذ منه إلى المشرق، وهذا هو أرجح الأقوال، إما هذا الجبل أو هذا الجبل، فكان الوالد رحمه الله يختار الجبل الذي يسمى بجبل الخزان، ويذكر شواهد من الشعر تدل عليه، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس وهو أنه جبل ثور.
وتحديد جبل ثور مشكلة من المشكلات، حتى إن أبا عبيد القاسم بن سلام العالم الجليل والمحدث والمفسر رحمة الله عليه الفقيه المشهور كان يقول: أخطأ المحدثون.
فكان يخطئ رواة الحديث في هذا الحديث الثابت في الصحيحين ويقول: ليس في المدينة ثور، وإنما هو بمكة.
والصحيح: أن ثور بالمدينة، ولكن كان خافياً عن البعض، وخفاؤه لا يقتضي أنه ليس بموجود، بل موجود؛ لأن الرواية في الصحيحين، وقد رواه الثقاة العدول، وعلى التفصيل الذي ذكرناه.
وعليه: فإنه يعتبر حد المدينة ما بين عير إلى ثور من الجهة الشرقية إلى الشمال والغربية إلى الجنوب، وأما بالنسبة للحرتين فقد ذكرنا أنهما حد للحرم لظاهر الحديث في الصحيح: ( فإني أحرم ما بين لابتيها ).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #232  
قديم 02-11-2022, 03:39 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,323
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب المناسك)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (227)

صـــــ(1) إلى صــ(27)





شرح زاد المستقنع - باب دخول مكة [1]
لقد شرف الله تعالى بعض الأمكنة وفضلها بما وهبها من خصائص تميزت بها عن غيرها، ومن هذه الأماكن: المسجد الحرام ومكة المكرمة، ومن تشريف الله تعالى لها أن جعل لدخولها آداباً وسنناً ينبغي لمن دخلها أن يلتزم بها، والأولى والأفضل لمن دخلها أن يدخلها محرماً، فإن كان في الحج فبحج، وإن كان في غير موسم الحج فيحرم بعمرة.
كيفية دخول مكة
السنة في جهة الدخول إلى مكة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المؤلف عليه رحمة الله: [باب دخول مكة].
هذا الباب قصد المصنف رحمه الله أن يبين فيه السنن الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة دخوله في حجه وعمرته لمكة، وما هو الهدي الذي ينبغي على الحاج أن يحافظ عليه، وكذلك على المعتمر إذا دخل مكة -زادها الله شرفاً وكرامةً-، ونظراً لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبتت عنه هذه السنة، فقد اعتنى العلماء رحمهم الله بتخصيص الدخول إلى مكة ببيان جملةٍ من أحكامه ومسائله، وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.
قوله: (باب دخول مكة) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملةً من الأحكام والمسائل التي تتعلق بصفة الدخول إلى مكة، والدخول إلى البيت من أجل الطواف.
قال رحمه الله تعالى: [يسن من أعلاها] .
أي: يسنّ الدخول إلى مكة من أعلاها، والمراد بأعلاها من جهة ثنية كداء، وهي الثنية التي عند قبور المعلاة، ومنها ينصب الداخل على البطحاء، ثم يستقبل باب البيت، وهذا المدخل دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبتت عنه الأحاديث الصحيحة أنه دخل مكة منه.
وللعلماء رحمهم الله في هذا الدخول وجوه: الوجه الأول: منهم من قال: هذا الدخول كما لا يخفى بالنسبة لأهل المدينة فيه رفقٌ بهم، فيأتي الحاج والمعتمر من جهة التنعيم، ثم إلى الحجون، ثم ينحرف ذات اليسار مع الحجون حتى ينصب إلى الثنية، ويدخل من جهة القبور، ولا يزال الطريق موجوداً إلى الآن، وهو الطريق الذي يفصل قبور المعلاة وينصب من بينها، فهذا هو مدخل النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ثنية كداء.
قال هؤلاء العلماء: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة من هذا الموضع، وهو أعلى مكة؛ لأنه خرج من مكة متخفياً بالليل، فدخلها من أعلاها إعزازاً للإسلام وإعلاءً لشأنه، فالتمس أرفع المواضع، وأعلى المواطن حتى تظهر شوكة الإسلام وعزته، وهذا يدل على أن الله تعالى تكفل بنصرة دينه، وإعلاء كلمته، فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ليلاً، فأدخله الله إليها في وضح النهار، في يومٍ أعز الله فيه دينه، ونصر فيه عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
فأدخله الله عز وجل في وضح النهار معززاً مكرماً، بين أصحابه الذين يفدونه بأرواحهم رضي الله عنهم وأرضاهم، خرج منها كالوحيد ليس معه إلا أبو بكر والدليل، وأدخله الله مع ثمانية آلاف يفدونه بأرواحهم رضي الله عنهم وأرضاهم، فهذا كله يدل على ما كان لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا الدين عند الله عز وجل من شأنٍ.
الوجه الثاني: ومنهم من قال: إنه دخل من هذا الموضع لأن حسان رضي الله عنه قال: عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء في قصيدته المشهورة: عفت ذات الأصابع فالدلاء إلى عذراء موضعها خلاء ديارٌ من بني حسحاس قصرٌ تعفيها الروامس والدلاء فلما ذكر هذا الموضع -أي: كداء- أصدق النبي صلى الله عليه وسلم وعده، وحافظ على الدخول من جهة ثنية المعلاء.
الوجه الثالث: التشريف، وهذا أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله بالشرح، وأشار إليه غيره، أن هذا الموضع إذا دخل منه الحاج والمعتمر يدخل على القبور، ومن جهة القبور على البطحاء، ثم على جهة الصفا والمروة، فيستقبل باب البيت، فكأنهم يرون وجه مكة من هذه الجهة، وحينئذٍ قالوا: إنه يستقبل باب البيت، ففي هذا تشريفٌ للبيت وتكريم، وكذلك أيضاً يستقبل وجه مكة، ولذلك لما خرج عليه الصلاة والسلام خرج من ثنية كداء، وهي بأسفل مكة، فكان مدخله من الأعلى ومخرجه من الأسفل، فلهذا يقولون: إنه تشريف للبيت، والملوك تُأتى من أبوابها، وهذا من باب التشريف لبيت الله عز وجل، فيؤتى من جهة بابه، ولذلك يُقصد الدخول من باب بني شيبة، كما ثبتت في ذلك الأحاديث الصحيحة في صفة دخوله عليه الصلاة والسلام.
وهناك وجهٌ رابع أنه دخل هكذا اتفاقاً، أي: أنه تيسر له أن يدخل من جهة المدينة، فكان دخوله من هذا الموضع، ولكن هذا القول يشكل عليه دخوله عليه الصلاة والسلام في عمرة الجعرانة، وسلوكه عليه الصلاة والسلام في مدخله في جميع دخوله إلى مكة هذا الموضع، فدل على أنه مقصود وليس بأمرٍ اتفاقي.
وفائدة الخلاف بين كونه مقصوداً أو اتفاقاً: أننا لو قلنا: إنه مقصود، فيشرع للحاج والمعتمر أن ينحرف إذا جاء من غير هذه الجهة، كأهل جدة -مثلاً- إذا أرادوا إصابة السُنَّة فإنهم ينحرفون إلى طريق المدينة، ويدخلون من جهة الحجون؛ تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا غيرهم إذا قلنا: إنها سنةٌ مقصودة.
أما إذا قلنا: إنها سنةٌ اتفاقية، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن هذا أرفق وأيسر له، فالأمر يسير ولا إشكال فيه.
وقال بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل من موضعٍ وخرج من موضع؛ تكثيراً للخطى في طاعة الله عز وجل، ولكي تشهد الأرض للعبد بما يكون له من الخير، ولذلك ذهب إلى العيد من طريق ورجع من طريقٍ آخر، ومضى إلى عرفاتٍ من طريق ضب -وهو الطريق الأيمن- ودفع إلى مزدلفة من طريق المأزمين بين الجبال، فقالوا: هذا كله لتكثير الخطا، ولكي تشهد الأرض له بالخير.
فاستحبوا -على هذا الوجه الثاني- لمن دخل مكة من موضع أن يخرج منها من موضعٍ آخر، فتكون السنة إجمالياً من حيث تكثير الخطا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في نص الكتاب والسنة أن الأرض تشهد بما يُعمل عليها من خيرٍ وشر، كما قال تعالى: { يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا } [الزلزلة:4-5].
قال العلماء: تتحدث بأخبارها، أي: بما عمل عليها من خيرٍ وشر، وقال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ } [يس:12].
وقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: ( يا بني سلمة! ديارَكم تُكتبْ آثارُكم )، وهذا يدل على أن الأفضل أن الإنسان يمضي في الطاعة من سبيل ويرجع من سبيلٍ آخر.
فالسنة أن يدخل مكة من أعلاها -كما نص عليه المصنف- ويكاد يتفق العلماء رحمة الله عليهم أن مدخل الرسول صلى الله عليه وسلم كان من أعلى مكة، وهذا الدخول يستوي أن يكون بالليل ويكون بالنهار، فيدخل الحاج في الليل ويدخل في النهار، وأكثر دخوله -بأبي هو وأمي- صلوات الله وسلامه عليه إلى مكة كان بالنهار، ودخلها ليلاً في عمرة الجِعرَّانة أو الجِعرَانة، لما فتح الطائف وقسم الغنائم -غنائم حنين-، ثم نزل واعتمر عمرته المشهورة، قالوا: وقعت ليلاً منه صلوات الله وسلامه عليه، ورجع إلى الجعرانة وبات بها، كما يقول أهل السير، فهذا هو مدخله بالليل.
وأما بقية عمره عليه الصلاة والسلام، وكذلك فتحه لمكة، وكذلك حجة الوداع فكل ذلك وقع منه صلوات الله وسلامه عليه بالنهار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه إذا كان الإنسان يقتدى به كالعالم ونحوه، فالأفضل أن يدخل في النهار، وهكذا طالب العلم؛ لأنه ربما وافق الجاهل الذي لا يعرف السنن فيعلمه، أو يراه يفعل السنة فيتأسى به، فاستحبوا له الدخول بالنهار؛ تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقد أشارت أم المؤمنين إلى هذا، قالوا: فنظراً إلى حاجة الناس إلى معرفة هديه عليه الصلاة والسلام وقع دخوله نهاراً، ولم يقع ليلاً إلا في العمرة التي ذكرنا، فاستحبوا لطالب العلم وللعالم أن يكون دخوله بالنهار، وأن يكون إيقاعه لطواف عمرته، وكذلك طواف القدوم في حجه، أو طواف التمتع -إذا كان متمتعاً في حجه- أن يكون بالنهار؛ لكي يُتأسى به.
وقت الدخول وحالة الداخل
ولا حرج أن يقع الدخول ليلاً، ولكن السنة المحفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بات بذي طوى، وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قدم إلى مكة يبيت في ذي طوى كما ثبت عنه في صحيح البخاري، وموطأ مالك: أنه كان إذا دخل مكة قطع تلبيته عند الحرار، ثم بات بذي طوى، ثم أصبح واغتسل بذي طوى، ثم مضى إلى البيت، وكان يفعل ذلك وينسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال العلماء: قد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في عُمَرِه صلوات الله وسلامه عليه.
والسنة إذا دخل مكة -آفاقياً أو غيره- أن يستشعر حرمة هذا البلد الذي حرمه الله عز وجل، وشرفه وكرمه، وجعل فيه بيته، وجعل فيه المسجد الحرام الذي جعل الصلاة فيه مفضلةً على سائر بقاع الأرض، ولا شك أن تخصيص الله تعالى لهذا البلد بهذه الفضائل يوجب على المسلم إذا دخله أن يستشعر هذه الحرمة، ولذلك لما دخل صلوات الله وسلامه عليه يوم الفتح وقد أعزه الله عز وجل، وأجله وأكرمه ونصره، طأطأ رأسه تواضعاً لله سبحانه وتعالى.
وثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كانت لحيته تكاد تمس قربوس سرجه، وهو يوم فتح ويوم عزة وتمكين، كل ذلك إكراماً لهذا البلد الآمن، وتشريفاً له، واستشعاراً لحرمته، ولذلك لما خطب الناس في اليوم الثاني أكد هذه الحرمة فقال: (ومن ترخص لكم بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا: إن الله أحلها لنبيه، إنها لا تحل لأحدٍ من بعدي، وإنما أحلت لي ساعةً من نهار)، وهذا يدل على عظيم حرمة هذا البلد، وأنه ينبغي لمن دخله زائراً أو كان من أهله أن يستشعر حرمته، وأن يرعى هذه الحرمة بفعل طاعة الله والبعد عن حرمات الله عز وجل، فيدخلها دخول المستشعر لحرمتها؛ حتى يكون ذلك أدعى لحفظ حدود الله، وأدعى أيضاً لمحافظته على طاعة الله عز وجل.
فإن من دخل مكة وفي قلبه تعظيمها وإجلالها وهيبتها وفقه الله عز وجل للطاعة والخير والبر، ومن دخلها مستهيناً بحُرمتها أهانه الله عز وجل، وقد يبتلى -والعياذ بالله- بتعدي حدود الله والوقوع في محارم الله في حرم الله، نسأل الله السلامة والعافية، ونعوذ بوجهه العظيم من الخذلان.
قال رحمه الله تعالى: [يسن من أعلاها ودخول المسجد من باب بني شيبة].
أي: ويسن الدخول للمسجد من باب بني شيبة.
فالسنة لمن دخل مكة وأراد دخول الحرم أن يدخل من باب بني شيبة، وهذا -كما ذكرنا- أن من العلماء من يقول: إنه شيءٌ اتفاقي، ومنهم من يقول: إنه شيءٌ مقصود، ولو فعله الإنسان متأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل من حيث دخل، وقصد التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على خير، ومأجور على ذلك؛ لأنه ما فعل ذلك إلا تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وباب بني شيبة هو الباب الذي بحذاء الصفا -جهة الصفا- وهذا الدخول ليس بواجب، أي: أن دخوله من هذا الباب ليس بلازم، والسنة له إذا دخل أن يقول ما ورد في الدخول إلى المساجد عموماً، وورد في بعض الأحاديث -ولكنهم تكلموا في سنده- أنه يكبر عند رؤية البيت، كما سيذكر المصنف رحمه الله، وسيأتي الكلام على هذا.
دخول البيت الحرام
رؤية البيت ودخوله وما ورد في ذلك
[فإذا رأى البيت رفع يديه وقال ما ورد].
إذا دخل فالسنة أن يقدم رجله اليمنى ويؤخر اليسرى، كالدخول في سائر المساجد، ويسمي الله تعالى، ويسأل الله تعالى أن يفتح له أبواب رحمته، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، وذلك بعد الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم- فإذا قال الدعاء الوارد في الدخول فليبتدئ بالطواف.
والدعاء الوارد الذي يشير إليه المصنف جملتان: الأولى: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، حيَّنا ربنا بالسلام)، وقد أُثر هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو مرفوع وفيه كلام.
الجملة الثانية: ( اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً وتعظيما ومهابةً وبراً، وزد من شَرَّفه وكَرَّمه ممن حجه واعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابةً وبراً )، وهذا الحديث رواه الطبراني ، وكذلك الشافعي في مسنده، ولكن فيه كلام، وهو من رواية عاصم القوزي وهو كذاب، ولذلك فالعمل عند بعض العلماء أن يقول الدعاء المحفوظ في الدخول إلى المساجد عموماً، وما دام أن الحديث لم يثبت ولم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يتعبد بما هو من اختلاق الكذابين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يقول ما ورد في الدخول إلى المساجد عموماً.
وأما التكبير عند رؤية البيت فقد تسامح فيه بعض العلماء، ونقله شيخ الإسلام رحمه الله عن الإمام أحمد ، وعن بعض السلف، ولكن ليس فيه شيءٌ صحيح، وكان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يضعفه، ويقول: لا أستحبه ولا أكرهه، فقوله: لا أستحبه؛ لأنه لم يثبت فيه شيءٌ صحيح، وقوله: لا أكرهه، كأنه خفف فيه؛ لأن فيه رواية مرسلة، ورواية عن سعيد بن المسيب ، ويروى أيضاً عن عمر رضي الله عنه وأرضاه.
وإذا دخل البيت فإنه يمضي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف عند دخوله، وبعض الناس يقف للدعاء، ويرفع يديه مستقبلاً البيت، وهذا لم يثبت فيه شيء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت، وحفظت سنته، وحفظ هديه صلوات الله وسلامه عليه، فتكلف الوقوف ورفع اليدين بالدعاء لم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام، والعلماء رحمة الله عليهم -خاصة السلف- يشددون في هذا فيرون أنه لا يشرع فعلُ أفعالٍ مخصوصة في المواضع المخصوصة، خاصةً في المناسك والمشاعر التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إن الصحابي كان يحفظ لنا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا اختلف عن عادته.
كقول جابر رضي الله عنه لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم في الشعب بين عرفات ومزدلفة: ( فتوضأ وضوءاً خفيفاً ) فانظر إلى دقة الصحابة وحفظهم لكل شيء في هديه صلى الله عليه وسلم، حتى لو رفع إصبعه، أو رفع بصره ذكروا رفعه لبصره وإصبعه صلوات الله وسلامه عليه، وذلك لحفظهم ودقتهم، فثبتت الأحاديث الصحيحة كلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدخوله في عمرته وحجه، ولم يذكر عنه أنه عليه الصلاة والسلام لما دخل البيت وقف وقوفاً طويلاً، أو تكلف الدعاء، أو تكلف رفع اليد، أو تكلف فعلاً معيناً، وإنما دخل كما يدخل في سائر المساجد، وهذا يدل على أن السنة والهدي أن يُتأسى به عليه الصلاة والسلام في هذا، وألا يتعبد الإنسان ربه إلا بشيءٍ له أصل يعتمد عليه من كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
الطواف وأحكامه
السنة في الطواف بعد الدخول وأحكام ما يزاحمه من الفرائض والواجبات
فإذا دخل البيت فالسنة أن يبتدئ بالطواف؛ لأن الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل دلالةً واضحة على أنه لما دخل مكة لم يشتغل بأي شيء، وإنما انصرف إلى البيت وطاف صلوات الله وسلامه عليه، وقد ثبت عنه ذلك في عُمَرِه، وثبت عنه في حجة الوداع، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( خذوا عني مناسككم )، وقد ذكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة لم يشتغل بشيء غير الطواف بالبيت )، ولذلك قال العلماء: لا يسن للإنسان أن ينصرف إلى أي شيء غير الطواف، حتى كان بعض العلماء يكره للإنسان إذا دخل مكة أن يبحث عن السكن، أو عن المنزل قبل أن يطوف بالبيت؛ تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ابتدأ فحيا مكة وحيا البيت بالطواف، فقالوا: السنة في الحج والعمرة أنه إذا دخل أول ما يبدأ يبدأ بالطواف، وما أقدمه من البلاد البعيدة، وقد نأت داره، وابتعد عن أحبابه وأولاده وفارقهم إلا من أجل طاعة الله تعالى ومرضاة الله تعالى، ومن أجل هذه القربة التي من أعظمها وأجلها أن يطوف ببيت الله عز وجل.
فكان من هديه أن ابتدأ صلوات الله وسلامه عليه بالطواف بالبيت، فالسنة -كما نص العلماء- أن لا يشتغل بشيء بعد دخوله مكة غير الطواف بالبيت، فقد توضأ صلوات الله وسلامه عليه ثم دخل من باب بني شيبة، وابتدأ طوافه عليه الصلاة والسلام، هذه هي السنة.
إلا أنهم قالوا: إنه قد يرخص للإنسان في أحوال خاصة، كأن يكون معه الضعفة والحطمة، أو يكون معه كبار السن، أو معه الأطفال، أو معه النساء، فهؤلاء إذا احتاج الإنسان أن يرفق بهم في دخولهم فينزلهم أو يتفقد مواضع نزلهم، فهذا لا بأس به من باب الرفق، ولا حرج فيه، ولكن السنة إذا كان الإنسان قوياً جلداً ومعه الرفقة أن يبتدئ -كما ذكرنا- بتحية البيت.
فإذا ابتدأ يبتدئ بالطواف.
ولو أقيمت الصلاة المفروضة، أو تذكر فائتةً مفروضةً عليه، ولو طاف فات وقتها، فهل يبتدئ بالطواف أو بالصلاة المفروضة؟ ذهب جماهير العلماء إلى أنه يبتدئ بالصلاة المفروضة؛ لأن الصلاة المفروضة قد ضاق وقتها، وقد قال الله عز وجل: { وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } [طه:14] وفي قراءة: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِلذِكْرَى) وقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: ( من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك )، فلو كان ناسياً لصلاةٍ مفروضة وتذكرها عند دخوله للبيت، أو دخل في آخر وقت الظهر، أو دخل في آخر وقت أي صلاة مفروضةٍ وجبت عليه فإنه يبتدئ بالصلاة المفروضة، وأما النوافل فلا يبتدئ بشيءٍ منها.
ولكن اختلف العلماء: لو أنه دخل وعليه فريضة ولم تقم، بمعنى أنك صليت الفريضة في المسجد الحرام، ودخلت بعد صلاة العصر مثلاً، فهل الأفضل أن تبتدئ بصلاة العصر أو تبتدئ بالطواف؟ قالوا: يبتدئُ بالطواف؛ لأن وقت العصر موسع، فيصيب سنة الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الابتداء بالطواف، ولأنه إذا طاف وركع ركعتي الطواف خرج من الخلاف، ثم بعد ذلك يصلي العصر، فيكون إيقاعه لركعتي الطواف قبل صلاة العصر، وإن كانت ركعتي الطواف قد استثنيت في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: ( يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أي ساعةٍ شاء من ليل أو نهار ).
فيبتدئ بالطواف بالبيت -كما ذكرنا- ويقدمه على سائر الطاعات، إلا إذا أقيمت المفروضة، أو كانت هناك خطبة جمعة، فإذا كانت هناك خطبة جمعة فقد قال بعض العلماء: إنه يتعين عليه أن يجلس لاستماع الخطبة، ولا يبتدئُ بالطواف، وقال بعض العلماء: إن له أن يطوف بالبيت، وينتظر إقامة الصلاة، وذلك لأن الطواف بالبيت ركن عمرته، فلذلك يبتدئُ بالركن، ويقدمه على واجب الاستماع إلى الخطبة.
قالوا: ثم بعد فراغه من طوافه يصلي، ثم يجلس وينصت لما بقي من الخطبة، ولا شك أن القول بأنه يجلس من أول الخطبة، فيصلي تحية المسجد، ثم يجلس يستمع الخطبة هو أولى وأحرى، ولكن لو طاف لمكان الركن، وانتظر إقامة الصلاة، فأتم طوافه وأشواطه ثم صلى الفرض فإنه لا حرج عليه؛ لأن الجمعة لم تجب عليه في الأصل، فإذا كان مسافراً فإنها لا تجب عليه، ولذلك لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم جمعة في سفره.
الاضطباع كيفيته ومحله
[ثم يطوف مضطبعاً].
فإذا دخل البيت فإنه مباشرة يبتدئ بالطواف ويضطبع، والاضطباع: أن يجعل الرداء تحت إبطه الأيمن، ويلقي بطرفيه على عاتقه الأيسر.
والاضطباع مأخوذٌ من الضبع وهو العضد، وذلك لأنه ينكشف بحسر الرداء عن العاتق، فقالوا: إنه اضطباع.
والأصل في هذا الاضطباع أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم في عمرة القضاء، أو القضية، قال كفار قريش: يقدم عليكم محمد وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب، فنزل جبريل بالوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بما قالوه من الشماتة به صلى الله عليه وسلم وبأصحابه رضوان الله عليهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ( رحم الله امرءاً أراهم من نفسه اليوم جلداً ) فلما استفتح طوافه صلوات الله وسلامه عليه اضطبع، وذلك لمكان الرمل، ثم خَبَّ وَرَمل الأشواط الثلاثة الأول، فقالوا كما جاء في رواية السير: إنهم ينقزون نقز الظباء، أي: بقوتهم وجلدهم، والسبب في ذلك: أن المدينة كانت فيها الحمى، وكانت مشهورةً بذلك، حتى كان الكفار في الجاهلية إذا انتهوا من التجارة بالشام وأرادوا المرور بالمدينة يعشِّر الرجل منهم تعشير الحمار بخيبر، وذلك من عقائد الجاهلية التي كانوا عليها، كما أشار إلى ذلك الناظم بقوله: واختلقوا التعشير أن يعشر من النهيق بحذاء خيبر فكانوا يعشرون بخيبر خوفاً من حمى المدينة، ويظنون أن ذلك يحفظهم، وكانت المدينة معروفةً بالحمى، فلما قدم عليه الصلاة والسلام إلى المدينة أصابت الحمى أصحابه، فدخل على أبي بكر وهو محموم، وعلى بلال رضي الله عنه وهو محموم، وكان أبو بكر يحن إلى مكة وكذلك بلال ، فقال عليه الصلاة والسلام: ( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد -أي: وأشد؛ لأن (أو) بمعنى (الواو)- وصححها، وانقل حماها إلى الجحفة )، فصححها الله عز وجل، ونُقلت الحمى منها بقدرة الله عز وجل إلى الجحفة، فاستجيبت دعوته صلى الله عليه وسلم، فلما أرادوا دخول مكة أراد الكفار الشماتة بهم فقالوا: (وهنتهم حمى يثرب).
أي أنهم سيقدمون ضعافاً هزيلين، ويريدون بذلك الشماتة بدين الله عز وجل، وإن كانت بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فلما استفتح النبي صلى الله عليه وسلم الطواف كشف عن ضبعه أو عن عضده ثم رمل الأشواط الثلاثة الأول فأراهم الجلد، وكانوا جلوساً جهة الحُجْر، فإذا توارى صلوات الله وسلامه عن البيت بين الركنين مشى هو وأصحابه، فإذا طلع عليهم من جهة الحُجر رملَ صلوات الله وسلامه عليه، وكان يمشي بين الركنين، فهذا الأصل في الرمل، ثم نسخ ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه، أنه أصبح الرمل لجميع الثلاثة الأشواط من أولها إلى آخرها.
وهذا الاضطباع إنما يكون في طواف العمرة إذا كان الإنسان معتمراً، ويكون في طواف العمرة في الحج أيضاً، وهذا الطواف ركنٌ بالنسبة لعمرة الحج إذا كان متمتعاً.
وكذلك أيضاً طوافه إذا كان قارناً، أو كان مفرداً فإنه يبتدئُ طوافه بالرمل مع الاضطباع في الثلاثة الأشواط الأولى، وذلك في الطواف الأول، أما بقية الأطوفة كطواف الإفاضة ففيه تفصيل، فالذي جاء مفرداً إلى عرفاتٍ مباشرة، ولم يطف قبل فإن من العلماء من نص على أنه يشرع له الرمل في طوافه بالبيت يوم النحر؛ لأنه يكون متحللاً وليس عليه إحرامٌ، ولكنه يرمل في طواف الركن وهو طواف الإفاضة.
وأما بالنسبة للمتمتع والقارن، وكذلك المفرد الذي طاف طواف القدوم فلا يشرع لهم أن يرملوا في طواف الإفاضة والركن.
أما بالنسبة لهذا الاضطباع فمحله للرجال دون النساء، فهو مشروعٌ للرجل ولا يشرع للمرأة اضطباع، ولا يشرع للنساء رمل، ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما: (ليس على النساء رمل)؛ لأن المرأة إذا رملت تكشفت، ولذلك لا يجوز لها أن ترمل لا في الطواف ولا في السعي بين الصفا والمروة.
النية في الطواف وكيفية ابتداء أشواطه
قال رحمه الله تعالى: [يبتدئ المعتمر بطواف العمرة، والقارن والمفرد للقدوم].
أي: يبتدئ فينوي طواف العمرة، إذا كان معتمراً، وهو طواف الركن، وكذلك بالنسبة للحاج ينوي طواف القدوم.
قال رحمه الله تعالى: [فيحاذي الحجر الأسود بكله ويستلمه ويقبله].
(فيحاذي الحجر الأسود بكله)، يفيد أنه لا يصح الطواف إلا بالمحاذاة للحجر بجميعه، وإذا تقدم ولو خطوةً واحدة، فحاذى ببعض بدنه، وبقي بعض بدنه في المكان الذي هو ابتداء الطواف لم يصح الشوط الأول، وعليه أن يعيد ذلك الشوط؛ لأنه لابد في الشوط أن يستتم الطواف بالبيت بأجزائه الكاملة، فلابد أن يسامت الحجر بجميع بدنه، فلو سامته ببعض بدنه ككتفه، أو شقه الأيسر، وبقي شقه الأيمن في الجهة التي هي دون الحجر فإنه لا يصح شوطه -كما ذكرنا- ويلزمه أن يعيد ذلك الشوط.
فعليه أن يبتدئ ويحاذي الحجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ أول ما ابتدأ فاستلم الحجر وقبله صلوات الله وسلامه عليه، وهذه هي السنة، فالأفضل والأكمل أن يبتدئ باستلام الحجر وتقبيله، والاستلام: أن يضع يده على الحجر كالمسّلم والمصافح.
أما بالنسبة للتقبيل فهو معروف، وهو أن يقبل الحجر إذا أمكنه وتيسر له، أما إذا لم يمكنه، وحاذى الحجر فإنه يجزيه.
من عجز عن استلام الحجر وتقبيله، وما ينبغي أن يراعيه من يقبل الحجر
قال رحمه الله تعالى: [فإن شق قبل يده].
فإن شق عليه أن يستلم الحجر -كما ذكرنا- ويقبله استلمه بيده وقبل يده، والاستلام ثبتت به السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استلمه بيده، وثبت بالأحاديث الصحيحة أنه كان إذا عجز عن التقبيل استلمه بيده وقبل يده، فالسنة أنه إذا عجز الإنسان عن التقبيل بفمه وضع يده وقبل موضعه، وكذلك أيضاً لو كان معه محجنٌ أو عصا، فاستلم به قَبَّل المحجن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استلم بالمحجن وقبله صلوات الله وسلامه عليه.
وأما لو أشار بيده فإنه لا يشرع له أن يقبلها كما يفعل العامة، وإنما يشرع تقبيل اليد إذا لمس واستلم، أما إذا لم يستلم فإنه لا يقبل، فالتقبيل لا يكون إلا للحجر أو لما استلم به الحجر؛ كيده، أو محجنٍ متصلٍ به، ونحو ذلك، فيقبله.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #233  
قديم 02-11-2022, 03:41 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,323
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب المناسك)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (228)

صـــــ(1) إلى صــ(27)






وهل يسجد على الحجر؟ السجود على الحجر أن يدخل رأسه بحيث تكون جبهته على الحجر، نقلها شيخ الإسلام رحمه الله، وثبت وصح عن جمعٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسجدون على الحجر، بمعنى: أنهم يضعون الجبهة على الحجر، وصح هذا عن أبي هريرة و أبي سعيد الخدري وعن عبد الله بن عمر ، و جابر بن عبد الله رضي الله عن الجميع، صحت عنهم بذلك الأخبار، ولذلك نص العلماء على أنه لا حرج على الإنسان أن يفعل ذلك، والثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم الاستلام والتقبيل، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للحجر: (لولا أني رأيت رسول الله صلى عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) وهذا يدل على أن السنة والأفضل أن الإنسان يحرص على تقبيل الحجر، ويتعاطى الأسباب التي لا ضرر فيها على الناس، وهذا إنما يكون للرجال في الغالب، وأما النساء فالغالب فيهن أنهن إذا قبلن الحجر زاحمنَ الرجال وفتنّ العباد، فالأفضل لهنّ أن لا يقتربن من جهة الحجر، خاصةً وأنهنّ قد ينحرفنَ في طوافهن، فإنهنّ إذا انحرفنَ عن الطواف، وأصبح البيت عن يمين المرأة بطل ذلك، ولزمها أن تعيد من أول ذلك الشوط؛ لأنها إذا انحرفت بيدها وجاء البيت عن يمينها -كما سيأتي إن شاء الله- لم يصح ذلك منها، ولزمها أن تعود إلى أول شوطها؛ لأنه لابد وأن يكون البيت عن اليسار، وقد طاف عليه الصلاة والسلام وجعل البيت عن يساره.
ثم إذا أراد الإنسان أن يقبل، فلا يزاحم الناس ولا يؤذهم، أما لو زاحمه الغير، وصبر على أذيته فإنه أفضل؛ لما فيه من الصبر على طاعة الله، فلو كان هناك زحام فصبرت ولم تؤذ أحداً حتى تبلغ الحجر، فهذا لا شك أنه أفضل؛ لأن التعب والنصب في طاعة الله يعظم به الأجر للإنسان، وكون الإنسان يرى الزحام عليه ويتركه لغيره فلا إيثار في القُرب، فحرص الإنسان عليه لا شك أنه أفضل وأكمل، وقد كان ابن عمر رضي الله عنهما لا يترك تقبيل الحجر منذُ أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله، ما ترك استلام الركن ولا تقبيل الحجر منذُ أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم ويقبل، ولذلك لما جاءه السائل وقال له: يا أبا عبد الرحمن ! أرأيت إن كان عليه زحام؟ قال: (دع أرأيت باليمن، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله).
وهذا يدل على حرصه رضي الله عنه وأرضاه وحبه لهذه السنة، ولكن الإنسان لا يؤذ الغير، فإذا استطاع أن يصل إلى الحجر من دون أذية، ومن دون إضرار فلا شك أنه أفضل وأكمل، وكان ابن عمر يقرأ في الشوط الواحد ما يقرب من خمسمائة آية، وذلك لأنه يصبر على الحجر وينتظر، وقد يكون في شدة الشمس والحر، وأثر عنه رضي الله عنه أنه كان الناس يزاحمونه حتى يدمون أنفه، فيصيبه الرعاف رضي الله عنه وأرضاه، وهو صابرٌ لا يفارق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس بواجب، ولكن حبه للسنة، وحبه للتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم جعل من الصعب عنده أن يجاوز الحجر وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل شيئاً فيه فيجاوزه دون أن يفعله، فهذا من باب الأفضل، ولكن إذا كان الأمر فيه مشقة، أو فيه إضرارٌ بالغير فلا؛ فإنه لا تلتمس السنن بما فيه محظورٌ شرعي، وخاصةً إذا كان على الإنسان فيه فتنة.
فالمقصود: أنه يحرص الإنسان على تقبيل الحجر، وإذا قبله فإنه يراعي الثبات في الموضع، يثبت في موضعه فيقبل، ثم بعد ذلك ينصرف حتى يستتم الطواف بالبيت في شوطه؛ لأنه في بعض الأحيان إذا قبل فإنه ربما ينحرف فيصرف بجذعه إلى ما بعد موضع الاعتداد ببداية الطواف، فحينئذٍ يلزمه أن يجعل البيت عن يساره، حتى يقع طوافه كاملاً.
ومن الأخطاء التي قد يقع فيها بعض الناس: أنه إذا جاء لتقبيل الحجر وهو في حج، أو طواف ركن عليه في عمرة، ونحو ذلك، فإنه يصعد على الحجر الذي على البيت، وهذا الحجر من البيت، فيبطل شوطه؛ لأن الحجر الذي هو الشاذروان -وهي الزيادة الموجودة في أسفل البيت من البيت- وهو مأمورٌ بالطواف بكل البيت، فصعوده على هذا الجزء من أجل التقبيل -خاصة إذا كان عليه طواف ركن- يفوّت هذا الموضع، وقد نص جماهير العلماء رحمة الله عليهم على أنه لو ترك خطوةً واحدة من الطواف لم يصح؛ لأنه عبادة كالصلاة ينبغي أن تؤدى بصفتها مثل ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا الجزء من البيت؛ فلابد وأن يجعله في طوافه، بحيث يطوف به كاملاً، أما لو رقى عليه، ومشى فإنه في هذه الحالة كأنه لم يطف بالبيت كاملاً لهذا النقصان.
الإشارة باليد إلى الحجر وما يقوله، وأين يكون البيت منه؟
قال رحمه الله تعالى: [فإن شق اللمس أشار إليه ويقول ما ورد].
أي: إن شق عليه اللمس أشار إليه، فيشير إليه بكفه، ويقول ما ورد، والذي ورد هو ما في مستدرك الحاكم: ( اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم )، فهذا الذي ورد في الحاكم ، وسامح فيه العلماء رحمة الله عليهم أن يقوله في بداية طوافه.
ثم بعد ذلك يدعو بما تيسر له من خيري الدنيا والآخرة، فيسأل الله عز وجل صلاح دينه ودنياه وآخرته، ويدعو لمن له حقٌ عليه كوالديه وذرياته وأهله وزوجه، يدعو لهم بالصلاح والخير، فيسعى بالدعاء، وسؤال الله عز وجل خيري الدنيا والآخرة.
قال رحمه الله تعالى: [ويجعل البيت عن يساره].
أجمع العلماء على أنه لا يصح الطواف إذا جعل البيت عن يمينه، مع أن اليمين أشرف من اليسار، واعتبر بعض العلماء بأن اليسار فيه القلب، وأشرف ما في الإنسان قلبه؛ لما فيه من توحيد الله عز وجل، فهو أشرف ما في الإنسان، قالوا: لذلك يكون إلى جهة اليسار لمكان القلب، فهذا اعتبار لبعض العلماء، ولكن هذه أمور تعبدية، ولا يتكلف في بحث مثل هذه الأمور أو السؤال عنها، إنما يطوف على اليسار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف عن اليسار، والشرع أمره أن يطوف بهذه الصفة المخصوصة، فيتأسى بما ورد فيجعل البيت عن يساره.
مسائل في الطواف ينبغي مراعاتها
وفي الطواف مسائل، أهمها: أن الطواف يختلف بحسب الأحوال، فتارةً يكون طواف ركن، وتارةً يكون طوافاً واجباً، وتارةً يكون طواف نافلة.
فطواف الركن: كأن يكون طواف عمرة، وكذلك طواف الركن في الحج، كطواف الإفاضة.
ويكون الطواف واجباً كطواف الوداع في الحج.
ويكون الطواف نافلةً كسائر الأطوفة التي يقصد بها التقرب إلى الله عز وجل في غير النذر.
المسألة الثانية: إذا طاف فإنه ينبغي أن يدور بالبيت كاملاً، أي: أن يدور بجسمه كاملاً بالبيت، ويشترط أن يكون هناك استقبالٌُ للبيت، قالوا: الطائف بالبيت قبلته أن يجعل البيت عن اليسار، وعلى هذا فلو انحرف أثناء طوافه فأصبح البيت عن يمينه، أو انحرف لتقبيله فأصبح البيت عن يمينه، فلابد وأن يرجع من الموضع الذي انحرف فيه، حتى يستتم طوافه بالبيت عن اليسار.
المسألة الثالثة: أن الطواف بالبيت لا يصح إلا داخل الحرم، فإذا طاف خارج الحرم -كأن يطوف خارج حدود الحرم- فإنه يبطل طوافه؛ لأن الله تعالى قال: { وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ } [الحج:26] فهذا يدل على أن الطواف إنما يكون في المسجد، وعلى هذا إجماع العلماء رحمة الله عليهم: أن الطواف لا يصح إلا في المسجد، فلو طاف بسيارةٍ، أو طاف مثلاً بقدميه خارج بناء المسجد فإنه لا يصح طوافه بإجماع العلماء.
ولو طاف في الدور الثاني فإنه يجزيه؛ لأنه طائفٌ بالبيت، فالطواف في الدور الثاني كالطواف في الدور الأسفل؛ لأن أعلى المسجد آخذٌ حكم أسفله، ولذلك لو اعتكف إنسانٌ فصعد إلى سطح المسجد فإنه بالإجماع لم يبطل اعتكافه، ويدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ( من اغتصب قيد شبرٍ من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين )، فجعل المحاذي من أسفل له حكم الأعلى، وكأنه اغتصب الأرض بما سفُل، قالوا: كذلك أيضاً له حكم الأعلى، وعليه قالوا: إن الإنسان إذا طاف في سطح المسجد في الدور الثالث، أو طاف في الدور الثاني فإن طوافه صحيح؛ لأنه قد طاف بالبيت داخل البيت، وهو آخذٌ حكم من هو بداخل المسجد.
عدد أشواط الطواف، وحكم النقص منها، أو الإضافة عليها
قال رحمه الله تعالى: [ويطوف سبعاً].
قوله: (ويطوف سبعاً).
أي: ويطوف سبعة أشواط كاملة، فلو انتقص منها خطوةً واحدة فإنه لم يصح طوافه حتى يتم هذه الخطوة، إذا كان في الداخل أمكنه التدارك، وإلا بطل طوافه، ولزمته الإعادة إذا خرج من المسجد.
فإذا انتقص من هذه السبعة شوطاً، أو نصف الشوط أو قدراً من شوط فإنه يقضيه ما دام في المسجد، ما لم يطل الفاصل المؤثر، وقال بعض العلماء: يجوز له القضاء ما دام في المسجد، وهذا قوي، ثم إذا لم يقضه وخرج من المسجد بطل طوافه، ولزمه أن يرجع ويعيد الطواف ويستأنف، وحينئذٍ يقولون: يتدارك ما دام في المسجد، فإذا خرج من المسجدٍ قطع التدارك ولزمه الاستئناف.
فيطوف سبعة أشواط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعة أشواط، وهذا في جميع الأطوفة، السنة فيها أن تكون سبعة أشواط.
أما في طواف الركن فلا إشكال، وكذلك الواجب، لكن لو أن إنساناً أراد أن يجمع السبع إلى سبعٍ أخرى في نافلة، كأن يطوف سبعاً؛ ومن بعدها سبعاً، ومن بعدها سبعاً، ثم يجمع ركعات الطواف سرداً وراء بعضهن، كأن يطوف السبع الأولى، ثم يتبعها بنية السبع الثانية، ثم يتبعها بالسبع الثالثة، ثم يصلي ست ركعات، فقد أُثر عن بعض السلف رحمهم الله أنه كان يرخص في ذلك، ويفتي بأنه لا حرج أن يجمع الأطوفة وراء بعضها، خاصةً حين يكون هناك عذر، كأن يكون بعد صلاة العصر أو عند طلوع الشمس أو عند غروبها في ساعة النهي المجمع عليها، ويكون طوافه نافلة، فلا يحب أن يصلي في هذا الوقت، فيطوف سبعاً ثم يطوف من بعدها سبعاً، حتى يستتم الغروب ويدخل وقت الإذن فيجمع الصلوات.
وكذلك أيضاً قالوا: قد يؤخر ركعتي المقام، كأن يطوف بعد الفجر، ويغلب على ظنه أنه إذا ارتفع النهار يفرغ الموضع الذي خلف المقام، فيريد -مثلاً- فضيلة الصلاة في هذا الموضع، فحينئذٍ قالوا: لا حرج أن يجمع السبع إلى السبع، ويضم السبع إلى السبع، ولو تكررت شفعاً أو وتراً.
الرمل في الطواف، صفته ومحله
قال رحمه الله تعالى: [يرمل الآفاقي في هذا الطواف ثلاثاً ثم يمشي أربعاً].
أي: يرمل الآفاقي في هذا الطواف ثلاثاً، لما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خبَّ الأشواط الثلاثة الأول، ومشى باقي الطواف )، وهذه -كما قلنا- سنة الرَّمَل، والرمل للعلماء فيه قولان: القول الأول: قال بعض العلماء: هو تقارب الخطى مع هز المناكب.
والقول الثاني: أن يباعد في الخطى ولا يصل إلى درجة السعي، ولا يهز منكبه.
وظاهر قولهم: (إنهم ينقزون نقز الظباء) -كما جاء في السير- أن هز المنكب فيه أوجَه، وهو أقوى وأدل على القوة والجلد، وكان المقصود من الرمل إظهار القوة والجلد، والسنة -كما ذكرنا- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رمل الثلاثة الأشواط الأولى في عمرة القضاء أو القضية والتي كانت بعد عام من الحديبية، فلما فتح الله عليه مكة، وجاء بعد فتحها في عمرة الجعرانة منصرفه من غنائم الطائف، اعتمر من الجعرانه صلوات الله وسلامه عليه، فخبَّ الأشواط الثلاثة كاملة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وأرضاهما، فقال العلماء: إنه لما شُرع الرمل في أول الأمر كان يمشي بين الركنين -بين الركن اليماني والحجر-، ولكن بعد أن زال السبب رمل الأشواط الثلاثة كاملة، ولذلك قال: ( من الحجر إلى الحجر )، أي: أن رمله كان كاملاً صلوات الله وسلامه عليه.
فيرمل الثلاثة الأشواط الأولى متتابعة، ولا يمشي بين الركنين، وهذا هو أصح القولين، أن المشي بين الركنين منسوخ، وأن السنة إذا رمل أن يستتم الرمل للثلاثة الأشواط كاملة، فإذا فعل ذلك فهي السنة، وهذه الثلاثة الأشواط يصحبها الاضطباع كما ذكرناه.
قوله: [ثم يمشي أربعاً].
وهي الأربعة الأشواط المتبقية.
ازدحام الفضائل في الطواف وما يقدم منها

إذا كان قربك من البيت يمنعك من الرمل للزحام، وبعدك عن البيت تتمكن معه من الرمل، فهل الأفضل القرب من البيت مع فوات الرمل؟ أو البعد عن البيت مع تحصيل الرمل؟ إن هذه المسألة تعرف عند العلماء بازدحام الفضائل، وقد تزدحم الفضائل وتزدحم السنن المؤكدة، وقد تزدحم الفرائض، فقال بعض العلماء -كما اختاره ابن عقيل -: الأفضل أن يبتعد عن البيت لكي يرمل؛ لأن فضيلة الرمل مؤكدة في الطواف، حتى أوجبها بعض العلماء، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم رمل وقال: ( خذوا عني مناسككم )، فقالوا: إنها متصلة بالعبادة، وفضيلة القرب من البيت متصلة بالمكان لمكان العبادة، والمتصل بذات العبادة يقدم على المتصل بزمانها ومكانها، وتوضيح ذلك أنه إذا رمل فإن الرمل متصل بذات الطواف، ومن نفس أفعال الطواف، ولكن القرب من البيت متصلٌ بالمكان -بمكان العبادة- فاختار بعض العلماء أنه يبتعد من البيت للرمل، وهذا ما يميل إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وأشكل على هذا القول أنهم قالوا: لو قلنا بهذا -أي: تفضيل ما اتصل بالعبادة على ما اتصل بمكانها- لساغ للرجل -كما يقول ابن عقيل رحمه الله تعالى- أن يتأخر عن الصف الأول لفضيلة التورك! فإن الإنسان في الصف الأول في الرباعية لا يستطيع أن يتورك، فالتورك فضيلةٌ متصلةٌ بالعبادة ذاتها، والصف الأول فضيلةٌ متصلةٌ بالمكان، فقالوا: لو قلنا بهذا فإنه يلزم -بناءً عليه- أن يتأخر إلى الصف الثاني، ولم يقل أحد: إنه يشرع التأخر إلى الصف الثاني من أجل التورك.
وقد أجاب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن هذا بأجوبة نفيسة.
أولها: أن الصف الأول من اللازم على المكلف أن يتمه بخلاف القرب من البيت، ولم يرد النص بالقرب من البيت وتأكُّدِ القرب أو الدعوة إليه، وإنما هو فُضِّل بصورة العبادة، وفرقٌ بين ما ورد النص به، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( يتمون الصف الأول فالأول )، ونص العلماء على أنه لو رأى في الصف الذي أمامه فرجة قبل إحرام الصلاة ولم يسدها أنه آثم؛ لأنه ترك المأمور، ولذلك قالوا: إنه يأثم بتأخره عن هذه الفرجة، بخلاف القرب من البيت.
الأمر الثاني: أن الصلاة متصلةٌ بالجماعة في المسجد، فلابد من إكمال الصفوف، فاتصل الناس بعضهم ببعض، ولكن الطواف ليست له صفةٌ معينة تعين على الناس أن يتصل بعضهم ببعض، فقال: إن هذه الفضيلة -أعني: فضيلة البعد عن البيت مع الرمل- آكد من فضيلة التورك في الصف الأول، فقالوا: يترك التورك في الصف الأول ولو أنه متصل، ويكتب له أجره بالنية.
استلام الركن، وماذا يفعل من عجز عنه؟
قوله: [يستلم الحجر والركن اليماني كل مرة].
يستلم الحجر والركن اليماني؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استلم الركن اليماني، وهل إذا عجز عن استلام الركن اليماني يشير إليه أو لا؟ جمهور العلماء على أنه لا يشير إذا عجز عن استلامه، وأنه يكفيه أن يقول الدعاء بين الركنين: { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [البقرة:201]، وأنه لا يشير بيده وإنما تختص الإشارة بالحجر.
وقال بعض السلف -وهو أيضاً عن الإمام مالك إمام دار الهجرة- إنه لا بأس أن يشير بيده إذا عجز؛ لأن كلا الركنين من البيت، ولما عجز عليه الصلاة والسلام عن استلام الحجر أشار بيده صلوات الله وسلامه عليه، ولكن لم يثبت عنه أنه عجز عن استلام الركن اليماني، فقالوا: إنه يغتفر في هذا لو أشار بيده.
والأمر ما دام أن له وجهاً، وقال به بعض السلف فهو خفيف، فلو أنه أشار بيده لا ينكر عليه، ولكن قالوا: الأفضل والأكمل أنه لا يشير بيده، فإن أشار بيده فلا بأس، فيستلم الركن بيده، فإن لم يستطع لزحامٍ، ونحوه تركه كما ذكرنا.
مما يبطل به الطواف فعلاً أو تركاً

قال رحمه الله تعالى: [ومن ترك شيئاً من الطواف، أو لم ينوه، أو نسكه، أو طاف على الشاذروان، أو جدار الحجر، أو عريان أو نجس لم يصح].
قوله: [ومن ترك شيئاً من الطواف].
في هذه الجمل يشير المصنف إلى أمورٍ لابد من توفرها للحكم بصحة الطواف.
أولها: أن الطواف لابد وأن يكون كاملاً، فإذا ترك شيئاً من الطواف -وشيئاً نكرةٌ- لم يصلح طوافه، فلو ترك -كما قالوا- خطوةً واحدة فإنه حينئذٍ لا يصح ذلك الشوط حتى يتم هذه الخطوة، فإذا لم يتمها بطل طوافه كله إن خرج من البيت، ولزمته الإعادة كما ذكرنا.
والسبب في هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف السبعة الأشواط كاملةً، وعليه فإنه إذا انتقص شيئاً منها لم يطف كما أمره الله تعالى، ويلزمه حينئذٍ قضاء هذا الشوط، أو التدارك إذا أمكنه التدارك.
ويحصل التدارك لو كان الشخص -مثلاً- في آخر شوط، وبدل أن ينتهي مقابلاً للحجر انصرف قبل أن يستتم الطواف، فبقيت له خطوتان، أو ثلاث، أو أربع، فحينئذٍ يرجع من الموضع الذي انصرف منه ثم يتمه، فإذا فعل ذلك صح طوافه، وأما إذا لم يرجع، ولو كان القدر خطوة واحدة -كما ذكرنا- فإنه حينئذٍ يبطل الطواف إن خرج من البيت.
قوله: [أو لم ينوه].
من شروط صحة الطواف: النية، قال تعالى: { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } [الزمر:2]، والطواف بالبيت من العبادة والقربة، ولا يمكن له أن يتحقق إلا بالنية، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( إنما الأعمال بالنيات )، أي: إنما اعتبار الأعمال وصحتها بالنية، فإذا لم ينو الطواف لم يصح طوافه، أي: لم يصح على الوجه الذي يريده، فلو دخل لطواف عمرة، أو دخل لطواف ركن في الحج ناسياً، فحينئذٍ لا يجزيه ذلك، وتلزمه الإعادة.
قوله: [أو نسكه].
كشخصٍ أحرم إحراماً مبهماً، ولم يعين إحرامه قبل الطواف بالبيت؛ لأنه يصح -على أحد أقوال العلماء كما اختاره المصنف وغيره- أن يحرم بالعمرة والحج إحراماً مبهماً، ثم يعين قبل أن يبتدئ الطواف، فإذا ابتدأ الطواف ولم يعين فحينئذٍ لا يقع طوافه عن الفرض ، ويبطل فرضاً، ويلزمه أن يعيده بعد تعيينه.
قوله: [أو طاف على الشاذروان].
هي قمة قدرها ثلاثة أذرع ارتفاعاً من الأرض من البيت، وهي من البيت، ولابد لهذا القدر أن يطوف الإنسان عليه بجسمه، بحيث لو رقى عليه فإنه لم يستتم الطواف على الوجه الشرعي، فلا يصح طوافه من هذا الوجه.
قوله: [أو جدار الحِجْر].
طبعاً الحجر ليس كله من البيت، وإنما قيل: قدر ثلاثة أذرع، فلابد أن يكون طوافه من وراء الحجر، فلو دخل بين الحِجْر وبين الكعبة لم يصح طوافه.
وقال الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه: يصح طوافه، والصحيح أنه لا يصح، كما هو مذهب الجمهور، والدليل على أنه لابد وأن يطوف من ورائه: قوله سبحانه وتعالى: { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } [الحج:29]، فقال: (بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، أي: القديم، إشارةً إلى أن العبرة ببناء إبراهيم عليه السلام، فلما تركت قريش من البيت قدر هذا، وهو من البيت، فإن جاء الطائف وطاف فيما بين هذا القدر بين الحجر وبين البيت، فإنه لم يطف بالبيت العتيق الذي هو بناء إبراهيم عليه السلام، الذي وضع بناءه عليه، وإنما تقاصرت النفقة بقريش، فكان بناؤها ناقصاً.
فإذا طاف فإنما طاف بالبيت بالبناء، ولم يطف بالبيت العتيق، وعلى هذا قالوا: إن الله عز وجل نص على (العتيق)؛ تنبيهاً على استتمام الطواف بالبيت على ما كان عليه من بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
قوله: [أو عريانٌ].
أي: إن طاف بالبيت عريان، فإنه لا يصح طوافه، وقد ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه بعث مناديه ينادي -في سنة تسع-: ألا يحج بعد العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عُريان.
فلا يصح الطواف بالبيت والإنسان عارٍ، بل لابد من أن يكون مستتراً، فإذا طاف عارياً لم يصح طوافه.
وعلى هذا فلو انكشفت عورته أثناء الطواف ففيه تفصيل: قال بعض العلماء: إن انكشفت وتدارك؛ لغلبة الناس والحطمة والزحام، كأن تكون حطمةٌ من الناس وغلب على أمره، أو كان ضعيفاً، أو مريضاً فغلب على أمره، فانكشفت عورته أثناء الطواف، وتدارك فستر مباشرةً بعد الانكشاف، صح طوافه ولم يؤثر.
وأما إذا ترك وتساهل، فإنه لا يصح طوافه كما ذكرنا، فلا يصح طوافه بالبيت إلا إذا استتر، فلابد وأن يكون ساتراً لعورته.
قوله: [أو نجس لم يصح].
هو في الحقيقة (متنجساً)؛ لأن المؤمن لا ينجس، أي: إن طاف بالبيت متنجساً؛ لأن المؤمن لا ينجس، ولكنهم يقولون: والحال أنه نجس، أو وهو نجس، لكن على العموم فلفظ (متنجس) أنسب؛ لأن المؤمن لا ينجس، وإنما يقال: متنجس.
والمتنجس: هو الذي عليه نجاسة في ثوبه، أو بدنه، فإذا كان في ثوبه نجاسة كرعافٍ، أي: إن رعفَ الدَمَ فنزل على ثوبه الذي هو إحرامه، أو نزل الدم على بدنه نفسه، فحينئذٍ لا يصح طوافه، إلا إذا كان معذوراً، كالشخص الذي معه الدم مسترسل، أو كان قدر الدم في حال العذر وهو ما دون الدرهم، أي: قدر الهللة القديمة فما دونها فهو معفوٌ عنه، فإذا كان الدم متفرقاً أو مجتمعاً بقدر الدرهم البغلي -وهو الدرهم الذي كان موجوداً في القديم، يقال له: البغلي، وهو يعادل الهللة القديمة الصفراء، وأقل من القرش الموجود في زماننا بقليل- فهو معفو عنه، فلو طاف وعليه هذا القدر فإنه بالإجماع يصح طوافه؛ لأن اليسير من الدم مستثنى إجماعاً.
أحكام ركعتي الطواف
قال رحمه الله تعالى: [ثم يصلي ركعتين خلف المقام].
أي: إذا انتهى من طوافه صلى ركعتين خلف المقام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه، جاء إلى المقام، وصلى عليه الصلاة والسلام ركعتين، قال تعالى: { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } [البقرة:125] فقوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ) قيل: هو المقام، والسنة لكل من طاف بالبيت أن يصلي خلفه، ويجعله بينه وبين البيت، فقد كان المقام في القديم متصلاً ملتصقاً بالبيت، ثم نظراً لوجود الأذية بالطائفين في الزحام أُخِّر عن البيت، فإذا صلى وجعل المقام بينه وبين البيت، فهذه هي السنة، فلو كان هناك زحام حول المقام فإنه يتأخر، حتى ولو في أروقة المسجد، فيجعل المقام بينه وبين البيت.
وقال بعض العلماء: إذا تأخر بحيث لا يستطيع أن يصلي في جهة المقام إلا في الأروقة فالأفضل أن يصلي في صحن المسجد، ولا يتأخر إلى الأروقة، والسبب في ذلك أن قديم المسجد أفضل مما هو بعد؛ لقوله تعالى: { لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ } [التوبة:108]، خاصةً وأن هناك قولاً يقول: إن المقام هو مكة كلها، فإذا كان مصلياً، أو صلى في أي موضع من مكة أجزأه، لذلك يقولون: إنه يصلي في أي مكان من صحن المسجد، والأفضل والسنة أن يجعل المقام بينه وبين البيت على ظاهر السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فيصلي هاتين الركعتين، يقرأُ في الأولى: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثانية: (قل هو الله أحد)، وهما سورتا الإخلاص؛ لاشتمالهما على أعظم الأشياء وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى، التي من أجلها أنزل كتبه، وأرسل رسله، وهو توحيد الله عز وجل، ولذلك قرأها عليه الصلاة والسلام في صلاته كما ثبت في الحديث الصحيح عنه، يقرأ في الركعة الأولى (قل يا أيها الكافرون)، وهي براءة من عبادة غير الله عز وجل، ومن كل دينٍ سوى دين الله، ويقرأ في الثانية بـ(قل هو الله أحد) التي جمعت مقاصد التوحيد، ففيها النفي والإثبات، فقوله تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ } [الإخلاص:1-2] هذا إثبات، وقوله تعالى: { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [الإخلاص:3-4] هو النفي، وهذا هو أصل شهادة التوحيد (لا إله إلا الله)؛ لأنها تشتمل على النفي، وعلى الإثبات، وهما أساس التوحيد.
ولا شك أن الحج والعمرة إنما شرعهما الله تعالى من أجل توحيده، فهذه المشاعر والمناسك ما أوجدها الله تعالى إلا من أجل الدلالة على التوحيد، ولذلك يقرأ الإنسان بهاتين السورتين، ويحرص على قراءتهما مستشعراً لمعانيهما العظيمة؛ لأن المقصود من حجه وعمرته أن يرجع بزاد التوحيد والإخلاص لله عز وجل، وينظر كيف أن هذه البنية أمر الله بالطواف بها، ولو طاف بغيرها فإنه لا يجوز، ومحرمٌ عليه، وقد يصل إلى الشرك والعياذ بالله، وهذا يدل على أنه عبدٌ مأمور تحت أمر الله عز وجل، وتحت حكمه، لا يقدم ولا يؤخر إلا بأمر الله سبحانه وتعالى، فيقرأ بهاتين السورتين العظيمتين مستشعراً لما فيهما من معاني التوحيد، وإخلاص العبادة لله عز وجل.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #234  
قديم 02-11-2022, 03:43 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,323
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب المناسك)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (229)

صـــــ(1) إلى صــ(27)





الأسئلة
إدراج نية ركعتي الطواف مع نية السنة الراتبة


السؤال
هل تندرج ركعتي الطواف تحت السنن الرواتب؟


الجواب
لقد اختلف في ركعتي الطواف، فقال بعض العلماء: إنها واجبة إذا كانت في طوافٍ واجب، كأطوفة الركن، والأطوفة الواجبة في النذر، وطواف الوداع، ونحوها، وحينئذٍ لا تندرج؛ لأن الواجب لا يندرج تحت السنة كما لا يخفى.
وعلى القول بأنها ليست بواجبة، فحينئذٍ يسوغ أن يقال باندراجها من جهة كون المقصود أن يقع تنفله بين أذان الظهر وإقامته بالأربع، فإذا صلاها ناوياً الركعتين القبلية في الظهر من الأربع، أو الركعتين البعدية في الظهر من الأربع ساغ ذلك وأجزأه، والأولى ألا يفعل ذلك والله تعالى أعلم.
حكم الإشارة باليد إلى الحجر عند الفراغ من الشوط السابع

السؤال
إذا انتهى الطائف من طوافه في الشوط السابع، فهل يسن له أن يرفع يده مشيراً إلى الحجر؟ أم يمضي ولا يشير؟


الجواب
هذه المسألة مبنية على مسألة المحاذاة للحجر: فهل الإشارة عند المحاذاة للحجر من أجل المحاذاة أو من أجل استفتاح الطواف؟ فقال بعض العلماء: المحاذاةُ عند ابتداء الحجر من أجل استفتاح الطواف، كرفع اليدين للتكبير استفتاحاً للصلاة، فكلما استفتح طوافاً يرفع يديه، وعلى هذا الوجه فإنه إذا أتم الطواف لا يرفع يديه.
وعلى هذا الوجه أيضاً أنه إذا رفع يديه عند مواجهة الحجر إنما ينوي بها أن يكون استفتاحاً لطوافه.
وأما الوجه الثاني فقالوا: إن رفع اليدين شرع من أجل أن يكون بدلاً عن استلام الحجر، فإذا كان الإنسان يستطيع استلام الحجر، أو تقبيله، فحينئذٍ لا يشير، وأما إذا لم يستطع تقبيله، ولا استلامه فإنه يشير بالمحاذاة، وعلى هذا الوجه ففي آخر الشوط السابع إن استلم فإنه لا يشير، وأما إذا لم يستلم فإنه يشير لمكان المحاذاة، وهذا يشهد له قوله: ( كان يستلم الحجر، فإذا لم يستطع استلمه بمحجنٍ فقبله، فإذا لم يستطع أشار بيده )، فجعله مركباً على المحاذاة عند عدم الاستطاعة للتقبيل والله تعالى أعلم.

حكم الطهارة في الطواف


السؤال
ما حكم الطهارة في الطواف؟


الجواب
تجب الطهارة للطواف على أصح قولي العلماء رحمة الله عليهم، ولذلك منع النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين كما في الصحيحين، لما نفست وحاضت، وقال: ( اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت ).
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما والذي اختلف في رفعه ووقفه وصح موقوفاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الطواف بالبيت الصلاة )، فقوله: (الطواف بالبيت الصلاة) يدل على أنه آخذ حكم الصلاة، ولذلك لا يطوف وهو متلبسٌ بنجاسة، وكذلك أيضاً يطوف وهو مستقبلٌ للبيت بالصفة التي ذكرناها، فقالوا: إنه يشترط له الطهارة، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما قالوا فيه: قد صح موقوفاً، وإذا صح موقوفاً، فإن ابن عباس رضي الله عنهما -وناهيك به علماً وفقهاً في الدين- دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )، وهو قول صحابي جليل له مكانته في الفقه، مع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من السنة في حديث عائشة وذلك يقوي القول القائل بوجوب الوضوء للطواف بالبيت.
ومما يؤكد هذا: أن الطواف بالبيت تتبعه أو يكون بعده صلاة الركعتين، ولا يمكن أن إنساناً يطوف بالبيت وهو محدث، ثم يذهب ويتوضأ من أجل أن يصلي الركعتين، فيفصل بين طوافه وسعيه بهذا الفعل الغريب، ولذلك قالوا: إنه إذا لم تدل الأدلة الصريحة فإن القرائن تقوي القول القائل بأنه لابد من الطهارة للطواف بالبيت والله تعالى أعلم.
طواف حامل النجاسة

السؤال
من طاف بالبيت وهو يحمل النجاسة، كمن يحمل طفلاً صغيراً قد أحدث، فما حكم طوافه؟


الجواب
أما بالنسبة لحمل الطفل، فحمل النجاسة يأتي على صورتين: الصورة الأولى: أن تتصل بالندى، كأن يكون حاملاً لطفلٍ فبال الطفل فندى على لباس الإنسان، فحينئذٍ يتنجس مَنْ حَمَله، وعلى هذا يحمل حديث فاطمة رضي الله عنها لما أتت بابنٍ لها صغير وأجلسته في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فبال على الرسول صلى الله عليه وسلم فرشه بماء، فهذا يدل على أن النجاسة تسري بالندى والرطوبة.
وإذا كانت على هذا الوجه تكون النجاسة مؤثرة، ولا يصح له الطواف إذا حمله وبال وسرى البول إليه، ولابد له أن يتطهر، فينحرف عن الطواف، ويغسل ما به من علاقة النجاسة ويبني على ما مضى من طوافه، ولا حرج عليه في ذلك كما لو رعف في صلاته.
وأما الصورة الثانية فهي: أن تكون النجاسة منفصلة، كأن يحمل طفلاً وفيه نجاسةٌ كبولٍ، ولكنه في حفاظةٍ، أو نحو ذلك، فلا تسري من المحمول إلى من يحمله، فهذه فيها خلافٌ معروف: هل حمل النجاسة يؤثر أو لا؟ فقال بعض العلماء: من حمل النجاسة فإن صلاته صحيحةٌ، إذا لم يكن ندىً ولا رطوبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة ، والغالب في الصبية ألا تسلم، فقالوا: نظراً للغالب أنها لا تسلم وقد حملها عليه الصلاة والسلام.
وقال بعض العلماء: حمل النجاسة يؤثر، فإذا لم تكن لها رطوبة، وحملها الإنسان واتصلت به وكانت على عاتقه، أو على رأسه، أو حملها بين يديه وصدره، فإنها تؤثر، والاحتياط ألا يفعل ذلك، إلا في حالة الاضطرار والحاجة، فلو حمل صبياً لا يستطيع أن يتركه، ويخاف عليه أن يؤذى، أو يخاف عليه أن يؤخذ، فحينئذٍ يصح له أن يطوف وهو حاملٌ له، مع وجود نجاسته لمكان الضرورة، كالمستحاضة إذا غلبها الدم، ولم تستطع أن تنفك عنه والله تعالى أعلم.
مكان استئناف الشوط بعد قطعه لنحو أداء الصلاة

السؤال
إذا أوقف الطواف لأداء الصلاة، فهل يعيد الشوط من جديد؟ أم يبدأ من مكانه؟


الجواب
إذا قطع الطواف من أجل الصلاة فحينئذٍ يصلي ثم يعود، وللعلماء فيه وجهان: منهم من يقول: يرجع إلى بداية الشوط، ويعيد هذا الشوط الذي قطعه ولو بقيت منه خطوة؛ لأنه ألغي بالفصل.
ومنهم من يقول: يرجع للموضع الذي قطع منه، وهذا هو الأصح والأقوى، والسبب في ذلك أن قول أصحاب القول الأول -الذين يقولون بإلغاء الشوط- ضعيف؛ لأنهم لو قالوا بهذا المعنى للزمه أن يعيد الطواف كله، فكونهم يقولون: يعود من أول الشوط، في حين يبقون بقية الأشواط، ويرون الفاصل غير مؤثر، يلزمهم ألا يلغوا ما مضى من الشوط، فكما أنهم لم يلغوا ما مضى من الأشواط يلزم منه ألا يُلغى ما مضى من الشوط نفسه؛ لأن الأجزاء تأخذ حكم ما تقدمها من الأشواط، فإذا قلت: إنه فاصلٌ مؤثر، أثر على الاثنين، أما أن تقول: فاصلٌ مؤثرٌ في الشوط، وغير مؤثر على بقية الأشواط، فهذا تفصيلٌ بدون دليل، وعلى هذا فإنه إذا قطع أثناء الشوط فإنه يعيد من الموضع الذي قطع منه، لكن الأفضل والأكمل أن يعيد من أول الشوط والله تعالى أعلم.
الفصل بين الطواف والسعي

السؤال
ما حكم الفصل بين الطواف والسعي؛ لقضاء حاجةٍ من حوائجه؟


الجواب
هذه المسألة في الحقيقة كنت أتورع عنها ولا زلت، فالسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما فصل بين طوافه وسعيه، صلوات الله وسلامه عليه، فإذا كان الإنسان يريد السنة إذا اعتمر، أو أدى عمرته، فإنه لا يفصل، هذا إذا كان الفاصل بالخروج من المسجد، أما إذا كان الفاصل في داخل المسجد كأمر احتاج إليه، واضطر إليه ولم يتباعد، فالأمر يسير، كشخصٍ -مثلاً- بعد الطواف تعب والده، أو تعبت والدته، أو تعب أولاده، وجلس معهم يرفق بهم، وييسر لهم، أو احتاجوا في داخل المسجد أن يسقيهم، أو نحو ذلك، فالأمر يسير، لكن أن إنساناً يطوف، ثم يذهب ليستريح في نزله، فيطوف في أول النهار، ويأتي في آخر النهار يسعى، أو يطوف في أول النهار، ويأتي من اليوم الثاني يسعى، فتقصده هذه المخالفة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوقف فيه، وكان بعض العلماء يرى أن الطواف يلغى، ولابد من صلة الطواف بالسعي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سعى بعد طوافه، ولم يفصل بين طوافه وسعيه إلا بأمرين: أحدهما شربه لزمزم كما جاء في مسند الإمام أحمد.
والثاني: صلاته صلوات الله وسلامه عليه للركعتين مع تقبيله للحجر بعدها، هذا هو السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفاصل، ولكنه فاصل من جنس العبادات، وحتى شربه لزمزم إنما هو من العبادة؛ لأنه قصد به العبادة، وعلى هذا فإن الذي يظهر -والعلم عند الله- أنه يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا يفصل والله تعالى أعلم.
الدعاء على الصفا والمروة

السؤال
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو وهو على الصفا والمروة دعاءً طويلاً، ولكن هل يحصل تحقيق السنة بذلك القدر الطويل؟ أم يحصل بمجرد الدعاء، ولو لفترةٍ وجيزة، لاسيما عند الزحام؟


الجواب
في الحقيقة السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قرب من الصفا تلا الآية، ثم صعد وكبر، ثم هلل قائلاً: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
ثم دعا، ثم رجع ثانيةً وكبر ثلاثاً، وهلل ودعا، ثم رجع ثالثةً وكبر ثلاثاً، وهلل ودعا، فأصبح تكبيره تسعاً، وتهليله ستاً، ودعاؤه عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات، هذه هي السنة المحفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل على المروة مثل ما فعل على الصفا، وهذا الموضع كان بعض أهل العلم يقول: إنه من المواضع الفاضلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تحرى فيه الدعاء، وأكثر فيه الدعاء، وجعل فيه أفضل ما يتقرب به إلى الله عز وجل، بالثناء على الله عز وجل بتوحيده وتهليله سبحانه وتعالى.
وقد فرج الله عز وجل عن هاجر في هذا الموضع -الذي هو بين الصفا والمروة-، وهي تسعى وتسعى، فقال: يجتهد في هذا الموضع قدر استطاعته، ويطيل.
وكان بعض العلماء من مشايخنا -رحمة الله عليهم- ربما يجلس فوق نصف الساعة إلى قرابة الساعة على الصفا، وعلى المروة مثله، حتى نجلس الساعات الطويلة وهو في سعيه، { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [فصلت:35].
فمن يعرف فضل وشرف الوقوف بين يدي الله، ويجد لذة مناجاته، وحلاوة سؤاله سبحانه وتعالى، والتذلل له جل وعلا، لا شك أنه لا يسأم ولا يمل، حتى يحس أن ألذ الساعات، وأشرفها عنده حين يقف بين يدي الله عز وجل.
فإذا استشعر الإنسان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرص على تطبيقه، وجد قيمة لذة عمرته، ووجد لها الأثر، ووجد أنه يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم ويسير على نهجه، ويقتفي أثره؛ فتصيبه الرحمة، وكفى بذلك فضلاً وشرفاً، ولذلك من اتبع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبادته فإنه يُهدى، كما قال تعالى: { وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [الأعراف:158].
فمن حرص على اتباع السنة، والتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم، كملت هدايته على قدر كمال متابعته للنبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن الناس -إلا من رحم الله- أصبحوا ينظرون إلى هذه العبادة نظرة شكلية، فتجد الإنسان يحمل هم منزله ويحمل هم طعامه وشرابه، وساعة خروجه، وساعة دخوله، وتؤقت الأشياء توقيتاً، كأن الإنسان يريد أن يخرج من هذا، وكأنه في سجن أو نحوه، من الضيق والهم، وكأنه يريد أن ينتهي من عمرته، وهذا لا يليق، بل الذي ينبغي للإنسان إذا جاء أن يستشعر أنه ما تغرب عن أهله، ولا ولده، إلا من أجل ذكر الله عز وجل، وأن الله تعالى بلغه، والله أعلم كم من قلوبٍ احترقت بالشوق والحنين لرؤية البيت، فضلاً عن الطواف به، والسعي بين الصفا والمروة، ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون، فالتقمتهم بحار، وذهبوا في الفيافي والقفار، وأدركتهم المنايا فيها قبل أن يصلوا إلى هذه الأمنية العزيزة، والله بلغك، ويسر لك وسهل، وأعطاك المال، وأعطاك الصحة والعافية والأمن والأمان، وأنت في نعم الله ترفل صباح مساء، فإذا جئت لذكره أحسست وكأنه ثقيل، وكأن فيه عناءً عليك، ولا شك أن هذا من الحرمان، نسأل الله السلامة والعافية.
فينبغي على الإنسان أن يجتهد قدر استطاعته وقوته في ذكر الله عز وجل على الصفا، وسؤال الله عز وجل.
وما يدريك؟! فلعلك أن تصيب باباً في السماء مفتوحاً فتستجاب دعوتك، وتفرج كربتك، وتكفى همك، وترجع وقد جبر الله كسرك، ورفع درجتك، وغفر ذنبك، فهذا لا شك أن الإنسان إذا استشعره هان عليه أن يطيل الوقوف، وأن يتلذذ بمناجاة الله عز وجل.
ويروى عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما أنه كان له مطمعٌ أن يخطب إلى عبد الله بن عمر ابنته رمانة ، فجاءه وهو يطوف بالبيت، فانتظر حتى دخل في شوطه فدخل معه، وحدثه بما يريد، فلم يجبه ابن عمر رضي الله عنهما بشيء، ولم يكلمه، وكأنه لم يسمع ما يقول، فلما انتهى عروة رضي الله عنه من كلامه، ورأى ما رأى من ابن عمر رضي الله عنهما، ظن أن ابن عمر لا يريد أن يزوجه، فمضى وهو منكسر الخاطر، حتى إذا رجع إلى المدينة مرض ابن عمر ، فجاء عروة يزور ابن عمر ، فقال له ابن عمر : إنك قد سألتني أن تنكح رمانة ، أكما أنت -أي: أنيتك على ما هي-؟ قال: نعم.
فدعا بابني عمٍ له، وعقد له عليها، وقال: (إنك قد سألتنيها في مقامٍ يتراءى للعبد ربُه).
ومراده بذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ( أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )، يعني: في هذا المقام وأنا مقبلٌ على الله في الطواف ليس المقام مقام زواج، ولا بحديث زواجٍ، ولا غيره، فكانوا إذا أقبلوا على الطواف، وعلى الذكر، وعلى العبادة يقبلون بقلوبٍ كاملة، وقوالب كاملة، تستشعر لذة مناجاة الله سبحانه وتعالى، وحلاوة ذكره، فإذا وجد الإنسان هذا الاستشعار أطال الدعاء، ولم يسأم ولم يمل.
وأيوب عليه السلام لما نزل إليه رجل جراد من ذهب، وهو يجمع، فقال الله تعالى: ألم أغنك من رحمتي؟ قال: (ربي! لا غنى لي عن بركاتك).
فأنت في موضع مبارك، في موضع تستجاب فيه الدعوة، وما يدريك أنك واقف في الموضع الذي وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وما يدريك أنها ساعة تستجاب فيها الدعوة، أو تفتح لها أبواب السماء؟ فعندها إذا استشعر الإنسان مثل هذا انشرح صدره، واطمأن قلبه، وكمال اللذة والسرور، والبهجة والطمأنينة، وسعادة الدنيا، لحظة مناجاة الله عز وجل؛ لأن الله جل وعلا جعل العبد في كبد، وفي هم وغم، فلا يزول همه، ولا يذهب غمه إلا إذا أقبل على الله عز وجل، فإذا أقبل على الله أحس أن الهموم تتبدد عنه، وأن الغموم تزول عنه، وأنه في سعادة، وفي أنس، وفي بهجة.
نسأل الله بعزته وجلاله أن يذيقنا حلاوة مناجاته، ولذة مناجاته، والأنس به سبحانه وتعالى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم على نبينا محمد.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #235  
قديم 02-11-2022, 04:08 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,323
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب المناسك)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (230)

صـــــ(1) إلى صــ(29)





شرح زاد المستقنع - باب دخول مكة [2]
إن الله تعالى شرع لنا أن نؤدي العبادة بكيفية معلومة لا يقبل العمل بغيرها، وذلك لحكمة أرادها الله تعالى، ولهذا يجب على المسلم أن يعرف هيئات العبادات وكيفياتها، ومن جملة ذلك معرفة كيفية القيام بالسعي بين الصفا والمروة مشياً وسعياً وذكراً ومسافة وابتداءً وانتهاءً، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالسعي.
استلام الحجر بعد الركعتين، والسعي بين الصفا والمروة
الشرب من زمزم، ثم استلام الحجر إذا تيسر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: ثم يستلم الحجر ويخرج إلى الصفا من بابه فيرقاه حتى يرى البيت ويكبر ثلاثاً، ويقول ما ورد].
ما زال المصنف رحمه الله يبين جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بنسك الحج والعمرة، فبين أن الهدي فيمن أتم طوافه بالبيت، وصلى الركعتين أن يستلم الحجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من صلاته ثبت عنه أنه شرب من زمزم، ثم استلم الحجر ومضى إلى الصفا، فبين رحمه الله أنه بعد انتهائه من الصلاة، وفراغه من طوافه، واستتمامه للركعتين يستلم الحجر، فإن تيسر له فالحمد لله وقد أصاب السنة، والأجر أعظم، وإن لم يتيسر له فليس ذلك بشيء واجب، فيمضي إلى الصفا.
متى يكون السعي؟
والسنة أن يقع سعيه بين الصفا والمروة عقب طوافه بالبيت، ولا يكون هناك فاصل مؤثر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبتت عنه الأحاديث الصحيحة في حجة الوداع، وفي عُمَره أنه كان بعد فراغه من ركعتي الطواف يمضي إلى الصفا، ولم يثبت عنه أنه فصل بين طوافه صلوات الله وسلامه عليه وصلاته بعد الطواف وبين السعي بين الصفا والمروة، ولذلك نص العلماء على أنه ينبغي أن يصل سعيه بين الصفا والمروة بطوافه بالبيت.
الخروج إلى الصفا والأفضلية في باب دخوله
قوله: [ويخرج إلى الصفا من بابه فيرقاه حتى يرى البيت].
أي: يخرج إلى الصفا، وهو الجبل الأيمن إذا استدبر الإنسان الكعبة، فالجبلان أيمنهما إذا استدبرت الكعبة هو الصفا، والأيسر هو المروة، والصفا: هو الحجر الأملس، فالسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج إلى الصفا، وقول المصنف: (من بابه)، فهذا ليس بواجب، وإنما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقاً لا قصداً، وعليه فإنه لو خرج من أي الأبواب أجزأه، والآن أصبح مكان السعي بين الصفا والمروة ليس بينه وبين البيت جدار، وإنما هناك الفتحات المعروفة، فمن أيها دخل فإنه لا حرج عليه، ولكن السنة: أن يكون من آخرها حتى يستقبل البيت؛ تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
الرقي على الصفا، حكمه والأذكار الواردة فيه
قوله: [فيرقاه حتى يرى البيت ويكبر ثلاثاً].
أي: يرقى على الصفا؛ لأنه لا يستتم السعي بين الصفا والمروة إلا إذا رقى على الصفا، ورقى على المروة، حتى يصدق عليه أنه قد سعى بينهما وتطوف بهما، وأما لو كان سعيه بين الصفا والمروة دون الجبل فإنه لا يجزيه إذا لم يرق طرف الجبل.
وقوله: (يرقاه)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رقى الصفا، يقال: (رقى الجبل) إذا صعد عليه، والسنة للرجال الصعود، وأما بالنسبة للنساء فيجتزئن بأقل الموضع، ولا يصعدن إلى الأعلى؛ لما فيه من التكشف والظهور أمام الناس، وكلما كُنَّ بين الناس كان أستر لهن، ولذلك نص العلماء على أن هذا الموضع من المواضع التي يختلف فيها الحكم بالنسبة للرجال والنساء، فالمرأة تجتزئ بأطراف الصفا وبأطراف المروة، والرجل يصعد إلى الصفا، ويصعد إلى المروة، وكذلك الرجل يرمل في طوافه وسعيه بين الصفا والمروة، والمرأة لا ترمل وإنما تمشي؛ لأنها إذا رملت تكشفت، وعلى هذا فإن الصعود سنة للرجال وليس بسنة للنساء، والهدي أن المرأة تختصر بأقل أطراف الجبل، ثم تمضي لوجهها.
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة أنه قبل أن يصعد الصفا خرج من باب بني شيبة، ثم بعد ذلك قرأ الآية: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } [البقرة:158]، ( وقال: أبدأ بما بدأ الله به )، ولذلك قال العلماء: فيه دليل على أن البداءة بالسعي لا تكون إلا بالصفا، فلو ابتدأ بالمروة لم يجزئه ذلك، ولم يحتسب شوطه الذي بين المروة والصفا، فلابد في البداية أن تكون من الصفا، فيقرأ الآية قبل صعود الصفا؛ تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يبتدئ بما بدأ الله به وهو الصفا.
فقوله: [فيرقاه حتى يرى البيت ويكبر ثلاثاً ويقول ما ورد].
أي: يرقى على الصفا، وكان من هديه صلوات الله وسلامه عليه: أنه إذا صعد النشز من الأرض، كالجبال والهضاب والأماكن العالية كبر الله، وإذا نزل إلى الوديان والوهاد سبح الله، وهذه هي السنة؛ لأن الله يذكر على كل شرف وعالٍ، فإذا علا ناسب أن يقول: (الله أكبر)، فهو سبحانه أكبر من كل شيء، وناسب أن يعظم الله، وأن يذكر الله عز وجل بالتعظيم والإجلال، وهذا من الذكر المناسب للحال.
استقبال البيت على الصفا، وما يقوله من أذكار
فالنبي صلى الله عليه وسلم كبر على الصفا ثلاثاً.
والسنة أنه يستقبل البيت، قال العلماء: ثبتت الأحاديث الصحيحة كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في منسك النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنه رقى الصفا واستقبل البيت ) ، ولذلك أجمع العلماء على أن السنة أن يستقبل البيت حتى يراه، ويجعله قبل وجهه، وهذا كما ذكر بعض العلماء -تنبيه على التوحيد، وإخلاص العبادة لله عز وجل، قالوا: وكما أنه إذا صلى جعل البيت قبلته، وإذا طاف بالبيت جعل البيت قبلته من جهة كونه يجعل البيت عن يساره، كذلك إذا سعى بين الصفا والمروة فرقى جبل الصفا، أو رقى جبل المروة، فإنه يستقبل البيت بالدعاء والمسألة والتضرع والابتهال لله سبحانه وتعالى.
وقالوا: إنه تأكيد للتوحيد، فإنه يتوجه إلى البيت، ويوحد الله عز وجل، فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه ابتدأ دعاءه بالتكبير ثلاث مرات: ( الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر )، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير )، وهذه رواية الصحيح، وفي رواية للنسائي : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير ) ، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ( لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ).
يقول بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على الصفا، فدعا الناس إلى توحيد الله لما أمره الله عز وجل أن يبلغ رسالة الله، وأن يؤدي أمانته، فأُمر بالجهر بالدعوة، فنادى في قريش فعمم وخصص، ثم دعاهم إلى التوحيد فقال: ( قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ) فقال له أبو لهب : تباً لك! ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله عز وجل قوله تعالى: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } [المسد:1] الآيات.
قال العلماء: كُذِّب عليه الصلاة والسلام على الصفا والمروة، وعلى رءوس الأشهاد؛ لأنه وقف أمام قريش عامها وخاصها، وإذا به في حجة الوداع أمام مائة ألف من أمته وأصحابه، كلهم يقول: كيف يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فما كان منه إلا أن أثنى على الله تعالى بما هو أهله، فقال: ( لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ) ، فأنجز الله لنبيه عليه الصلاة والسلام ما وعده، ونصره وأعزه وأكرمه صلوات الله وسلامه عليه، ورفع ذِكْره، وأبقى له رفعة الذكر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بل رفع له ذكره، حتى في يوم يجمع فيه الأشهاد، فيكون عليه الصلاة والسلام فيه الشافع المشفع، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين، فقال: ( لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ) .
ثم استفتح بالدعاء عليه الصلاة والسلام، فسأل الله عز وجل المسألة، ثم رجع وقال: ( الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا، ثم رجع عليه الصلاة والسلام فكبر ) .
عدد مرات التكبير والتهليل والدعاء عند العلماء والسنة في حمد الله تعالى
وللعلماء في الدعاء والاستفتاح وجهان: الوجه الأول: قال بعض العلماء : يستفتح بالتكبير مع التهليل ثم يدعو، ثم يرجع مرة ثانية يكبر ويهلل ويدعو، ثم يختم مرة ثالثة بالتكبير والتهليل ولا يدعو، فعلى هذا الوجه الأول: يكون التكبير تسع مرات، ثلاثاً في الأولى، والثانية ثلاثاً، والثالثة ثلاثاً، ثم التهليل ستاً؛ لأنه يكون في المرة الأولى التي استفتح فيها المسألة مرتين، وهما: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده .
إلخ)، فيكون التهليل ستاً، ويكون الدعاء مرتين، هذا هو أقوى الأوجه، وهو الذي يدل عليه حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وأرضاهما، وهي السنة في الحج والعمرة، أن الإنسان إذا صعد على الصفا كبر الله ثلاثاً، ثم هلل بالمرتين اللتين ذكرناهما، ثم يدعوه، ثم يرجع فيكبر ويهلل، ثم يدعو، ثم يختم دعاءه بالتكبير والتهليل، فيكون دعاؤه مرتين، ويكون تكبيره تسعاً، وتهليله ست مرات، هذا هو أصح الأوجه عند العلماء.
الوجه الثاني: أن يبتدئ بالتكبير ثلاثاً مع التهليل مرتين ويدعو، ثم يكبر ويهلل ويدعو، ثم يكبر ويهلل ويدعو، فيكون التكبير تسعاً، والتهليل ستاً، والدعاء ثلاثاً، فالفرق بين هذه الصفة الثانية والصفة الأولى زيادة الدعاء، فكأنهم يرون أن هذا التكبير والتهليل والثناء على الله استفتاح للدعاء، وأصحاب القول الأول يرونه استفتاحاً وختماً للدعاء، وعلى هذا فإن الوجه الثاني يختاره جمع من العلماء -كما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- ومنهم القاضي أبو يعلى ، وأصح الأوجه ما ذكرنا.
وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت الصحيح ذكر الحمد إجمالاً، ففيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رقى على الصفا، فحمد الله بما هو أهله ) وهذا -كما يقول العلماء- للعلماء فيه وجهان: فمنهم من يقول: هذا الحمد الذي اشتمل عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه هو الذي اشتمل عليه حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وبناء عليه فإنه يسن أن يقتصر الإنسان على هذه الصفة الواردة في حديث جابر رضي الله عنه، وهذا يختاره بعض العلماء المحققين، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فيرى أن الحمد الوارد في حديث أبي هريرة محمول على التفصيل الوارد في حديث جابر .
وهناك وجه ثانٍ يقول: إنه يزيد الحمد لله إذا استفتح الدعاء؛ لأن السنة أن الداعي إذا استفتح دعاءه يستفتح بحمد الله.
ولكن الوجه الأول أقوى؛ لأن القاعدة في الأصول أن المجمل يحمل على المبين، فـ أبو هريرة رضي الله عنه أجمل، وأما جابر رضي الله عنه فإنه بين وفصل، فيحمل ما أجمله أبو هريرة على ما فصله جابر بن عبد الله رضي الله عن الجميع.
والسنة في هذا الدعاء -كما ذكرنا- أولاً: أن يستقبل البيت، وأن يكون واقفاً؛ تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا إذا كان كبير السن، أو عاجزاً، أو نحو ذلك ولا يستطيع الرقي، فلو أنه ركب ما يحمل فيه، فاستقبل البيت، أو اتجه إلى جهة البيت إذا لم يستطع رؤية البيت، فإنه حينئذٍ يمكنه أن يدعو وهو جالس، ولكن إذا أمكنه أن يقف فإنَّه يقف عند الدعاء تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
الدعاء على الصفا والمروة والاستكثار منه

ثم يرفع يديه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه وهي السنة، وأجمع العلماء على سنية رفع اليدين في الدعاء على الصفا والمروة؛ لأن الأحاديث صحيحة، ولذلك قال العلماء: من المواضع التي يشرع فيها رفع اليدين في النسك في الحج والعمرة على الصفا والمروة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه، وسأل الله عز وجل من فضله، والسنة أن يجتهد في الدعاء، وكان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما -وهو الذي عرف بالتأسي، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم- يطيل الدعاء ويطيل المسألة، حتى جاءت الرواية الصحيحة عنه أنه كان أصحابهَ يَملُّون من طول قيامه رضي الله عنه وأرضاه، ولكن قال تعالى: { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [فصلت:35]، فمن عرف الله، وأَجَلَّه بأسمائه وصفاته، وعظم شعائره، وأخلص في مواطن الدعاء، ومواطن الثناء على الله، وصبر واصطبر، فإنه يحس بلذة مناجاة الله سبحانه وتعالى، وحلاوة ذكره، نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل، فكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يثني على الله بما هو أهله، ويدعو، ويسأل الله عز وجل، ويلح في دعائه ومسألته.
قال بعض العلماء: من المواطن التي ترجى فيها الإجابة الدعاء على الصفا والمروة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تحرى الدعاء هناك، قالوا: فيشرع له أن يستكثر من سؤال الله تعالى من خيري الدنيا والآخرة، ويجعل مسألة الآخرة هي الأصل؛ لأن أمور الدنيا يسيرة، والإنسان يأخذ من دنياه ما يبلغ به آخرته، فيجعل المسألة لآخرته في صلاح دينه، واستقامته على طاعة ربه، ويسأل الله عز وجل حسن الطاعة، وكمال الاستقامة، والثبات على ذلك إلى لقاء الله عز وجل، فالسنة أن يجتهد في الدعاء.
فإذا فرغ من الدعاء نزل عن الصفا؛ تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تنصب قدماه في الوادي.
كيفية النزول من الصفا والهرولة بين العلمين الأخضرين

قال رحمه الله تعالى: [ثم ينزل ماشياً إلى العلم الأول].
أي: ثم ينزل ماشياً؛ تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، إلى العلم الأول، فإن كان كبير السن، أو امرأة اجتزأت بأطراف الصفا، أو أطراف المروة، فإنها حينئذٍ تمضي لوجهها، ويمضي الرجل لوجهه.
قال رحمه الله تعالى: [ثم يسعى شديداً إلى الآخر].
العلمان موجودان إلى الآن، والعلمان هما علامة على الوادي، أي: على طرفي الوادي؛ لأن جبل الصفا وجبل المروة كانت تمتد أجزاؤهما إلى أطراف الوادي، وكان الذي بينهما مجرى الوادي الذي ينصب على جهة البيت كما قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: { إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } [إبراهيم:37]، فتفيض الجبال على الأبطح، ومن الأبطح تنصب على جهة الصفا، ومن جهة الصفا تنصب إلى البيت، فمكة أشبه بالمنكفئة، كالمدينة فيها أعلى وأسفل، فالمدينة عاليتها قباء والعوالي، وسافلتها جهة أحد، كذلك مكة، قالوا: عاليها جهة المقابر، جهة المعلاة، وأسفلها من جهة الجنوب، فمجرى الوادي بين الصفا والمروة، وكان في القديم واضح المعالم، لكنه لما وسع، وأُخذ من الصفا، وأخذ من أجزاء المروة أصبح هناك علمان ولا زالا موجودين إلى اليوم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي حتى يأتي العلمين، فإذا جاء إلى العلم هرول وسعى صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا السعي فيه مسائل منها: المسألة الأولى: أنه كان لـ هاجر حينما ابتليت بعطش ابنها إسماعيل، فإن الله سبحانه وتعالى ألهمها أن تسعى بين الصفا والمروة، فالسعي بين الصفا والمروة كان أصله منها، ويقول بعض العلماء: إن الله سبحانه وتعالى أبقاه من معالم الحنيفية، حتى يتذكر كل مكروب ومنكوب أن الله سبحانه وتعالى لكل كربة ونكبة، فإن هذه المرأة ضعيفة ومع طفلها الصغير، وكانت كما قال الله تعالى: { بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } [إبراهيم:37]، لا أنيس ولا جليس، ولكن تركهم إبراهيم عليه السلام لله عز وجل، فقالت: إلى من تدعنا يا إبراهيم؟! قال: لله.
قالت: (إذاً لا يضيعنا الله)، واستقبل الوادي، ودعا بدعواته، فبقيت هي وصبيها، وما شأنك بامرأة ضعيفة مع صبيها، وهو يصرخ ويستنجد يسأل الماء من شدة الظمأ؟ فسعت بين الصفا والمروة، فمن سعى بين الصفا والمروة تذكر مثل هذا الموقف، وتذكر أن الله فرج عن هذه المرأة الضعيفة، فأزال همها، وبدد غمها، وكشف كربتها، وجعل تفريج كربتها من تحت قدم ولدها، ولم يأتِ أحد يسقيها فيمتن عليها بالسقية، ولم يجعل تفريج كربتها لمخلوق يأتي فيسعفها، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل تفريج كربتها من تحت قدم ابنها الذي تريد أن تسقيه، وهذا لا شك أنه من أعظم الآيات، ومن أعظم الدلائل على توحيد الله عز وجل وعظمته سبحانه، وأن من الخذلان أن يرفع العبد كفه لمخلوق كما قال تعالى: { يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ } [الحج:13].
فإن من أعظم الحرمان، ومن أعظم الخسارة: أن ينصرف المخلوق عن الخالق إلى مخلوق مثله، أو إلى من لا يملك له ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، كما قال سبحانه وتعالى: { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } [الحج:31] فلا شك أنه من أعظم الحرمان وأعظم الخسارة.
فالله تعالى جعل مثل هذه المواقف تحيي في القلوب، وتذكي في النفوس الالتجاء إلى الله تعالى والتوكل على الله تعالى والاستعانة بالله تعالى، التي هي مقاصد التوحيد، ومن أسس التوحيد الذي لا يمكن أن ينظر الله عز وجل إلى عمل العامل، وقول القائل إلا بعد تحقيقه، وما جعلت الصفا ولا جعلت المروة إلا من أجله.
المسألة الثانية: فإذا انصبت القدمان في الوادي سعى؛ لأن هاجر عليها السلام سعت، واختار جمع من العلماء أن يكون السعي شديداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبتت عنه السنة أنه سعى سعياً شديداً، وجعل الإزار يدور على ركبتيه -صلوات الله وسلامه عليه- من شدة سعيه، وقال: ( أيها الناس! إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا )، وهذا -كما يقولون- سمي سعياً؛ لأنه في هذا الموضع يسعى ولا يمشي، أما المرأة فإنها تمشي؛ لأنها إذا سعت تكشفت، ولا يجوز رمل النساء لا في الطواف بالبيت، ولا في السعي بين الصفا والمروة، وقد جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان إذا اشتد سعيه قال: (رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم) كما رواه عنه الإمام أحمد بن حنبل في المسند.
وإذا انتهى إلى طرف العلم فحينئذٍ يمشي كما مشى حال انصبابه من الصفا إلى الوادي.
أفعال المروة صعوداً أو نزولاً

قال رحمه الله تعالى: [ثم يمشي ويرقى المروة ويقول ما قال على الصفا].
بعد انتهائه من الوادي، وبلوغه إلى طرف العلم يمشي فيرقى المروة، وإذا رقى المروة استقبل البيت، فإذا كان لا يستطيع أن يراه -كما هو الحال الآن- فمن أهل العلم من قال: يجتهد في تحري جهة البيت، وهذا يختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأنه لما كانت الصفا لها جدار، وكانوا لا يستطيعون الرؤية قالوا: نص على أنه يحرص على استقبال جهة البيت كيفما كان، أي: يحاول قدر استطاعته أن يكون مستقبلاً لجهة البيت، فيرفع يديه، ثم يكبر ويهلل، ويدعو على الصفة التي ذكرناها على الصفا.
قال رحمه الله تعالى: [ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا].
أي: ثم ينزل ويمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، ويعتَبِرُ في رجوعه ما اعتبره في نزوله، فالحكم لا يختلف في الشوط الذي يئوب به من المروة، أو الذي يذهب به من الصفا، فالحكم واحد، ويجتهد في الدعاء والمسألة، فيسأل الله عز وجل من فضله في سعيه، ولو قرأ القرآن فلا حرج، ولو دعا أو أثنى على الله بما هو أهله، فسبح وكبر وحمد ونحو ذلك فلا حرج عليه.
مسافة السعية، وحكم الابتداء بالمروة

[يفعل ذلك سبعاً، ذهابه سعيةٌ ورجوعه سعيةٌ].
أي: ذهابه من الصفا إلى المروة سعيةٌ، وإيابه من المروة إلى الصفا سعية، فيبتدئ بالصفا وينتهي بالمروة، ويقف على كلٍّ أربعاً على أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم، وهناك قول أنه إذا فرغ من الشوط الأخير لا يقف على المروة، والذي اختاره جمع من العلماء أنه يقف ويدعو؛ لأن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صنع على المروة مثل ما صنع على الصفا، حتى انتهى من سعيه، فاختار جمع من العلماء أن يكون وقوفه عليها أربعاً.
ويكون ذهابه شوطاً ورجوعه شوطاً، وكان بعض العلماء -وهو قول ضعيف- يرى: أن الذهاب والرجوع شوط واحد، فحينئذٍ يكون أربعة عشر مرة.
والقائل بهذا توفي ولم يحج ولم يعتمر، حتى كان بعض أهل العلم يقول: لو حج أو اعتمر ما قال بقوله هذا؛ لأنه لو حج واعتمر، ووجد المشقة التي تكون في أربعة عشر شوطاً لما قال بهذا القول.
قال رحمه الله تعالى: [فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول].
السنة أن يبدأ بالصفا، فإن قال قائل: لو بدأ بالمروة قبل الصفا، فهل يحتسب تلك السعية أو لا يحتسبها؟ فالجواب أنه لا يحتسبها، ولا يجزيه أن يبتدئ بالمروة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ بالصفا، وقال: ( أبدأ بما بدأ الله به )، وفي رواية للنسائي في السنن الكبرى: ( ابدءوا بما بدأ الله به ) بصيغة الأمر، وهذا هو الذي عليه المُعَوَّل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ( خذوا عني مناسككم )، فهذا هو منسكه، وهذا الذي فعله بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه، أنه ابتدأ بالصفا، فاجتمعت دلالة الكتاب، ودلالة السنة على أن البداءة تكون بالصفا، ولو ابتدأ بالمروة فإنه يلغي ذلك الشوط ولا يعتد به.
أفعال مسنونة حال السعي
قال رحمه الله تعالى: [وتسن فيه الطهارة والستارة والموالاة].
قوله: (وتسن فيه الطهارة) يعني: في السعي بين الصفا والمروة، فيجوز للإنسان أن يسعى بين الصفا والمروة وهو محدث حتى ولو كان جنباً، ولو كانت المرأة حائضاً فإنه يصح سعيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ عائشة رضي الله عنها لما حاضت : ( اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت )، فلو كانت الطهارة شرطاً في صحة السعي لقال لها: اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت، ولا تسعي بين الصفا والمروة، ولكنه عليه الصلاة والسلام اقتصر على ذكر الطواف، فدل على أنه يصح أن يسعى الإنسان وعليه الحدث الأصغر أو الأكبر.
والسنة والأفضل الطهارة، كما قال المصنف: (وتسن له الطهارة) يعني: أن الأفضل والأكمل أن يكون الإنسان على وضوء، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعاً، وصلى ركعتي الطواف، ثم مضى لوجهه ولم يُذكر له حدثٌ، فطاف بين الصفا والمروة، وسعى بينهما وهو على طهارة، فقالوا: تسن الطهارة، فهي الأفضل والأكمل، ومما يؤكد هذا أنه بين الصفا والمروة سيذكر الله، والأفضل في ذكر الله أن يكون الإنسان على طهارة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ( إني كنت على غير طهارة فكرهت أن أذكر الله )، فدل على أن الأفضل في حق ذاكر الله عز وجل أن يكون على طهارة، وأن هذا أكمل وأعظم لأجر الإنسان.
ثانياً: ستر العورة: قوله: [وتسن فيه الطهارة والستارة].
المراد بالستارة: ستر العورة، أي: يسعى بين الصفا والمروة وقد ستر عورته.
فلو أنه سعى بين الصفا والمروة فانحل إزاره في زحام، أو نحو ذلك، فانكشفت عورته في شوط، أو نحو ذلك، فإنه تجزيه تلك السعية، ولا يعتبر ستر العورة شرطاً لصحة السعي بين الصفا والمروة.
ثالثاً: الموالاة: قوله: [والموالاة].
الموالاة تقع على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون سعيه عقب الطواف فيوالي بينهما، وهذه هي السنة كما ذكرنا.
والصورة الثانية للموالاة، أو الموضع الثاني للموالاة: أن يكون سعيه متوالياً، فلا يفصل بين السعية والسعية، فإذا فصل بينهما فللعلماء قولان: منهم من قال: لا يصح سعيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم والى، وقال: ( خذوا عني مناسككم ).
وقال بعض العلماء: العبرة أن يَطَّوَّف بهما كيفما كان، فإن تَطَوَّف ثلاثة أشواط في ساعة، ثم تَطَوَّف أربعة أشواط في ساعة ثانية أجزأه، واختلفوا في الفاصل، والأقوى أنه لا يفصل بين السعي، وأنه يوقعه على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته.
ماذا يفعل بعد السعي
قال رحمه الله تعالى: [ثم إن كان متمتعاً لا هدي معه قصر من شعره وتحلل].
أي: إن كان متمتعاً لا هدي معه فإنه يقصر من شعره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ( ندب أصحابه، وأمرهم أن يفسخوا حجهم بعمرة فتحللوا، أمر من لم يسق الهدي أن يتحلل، وأن يجعلها عمرة، فقالوا: يا رسول الله! أيُّ الحل؟ قال: الحل كله، قالوا: يا رسول الله! أنذهب إلى منىً ومذاكرنا تقطر منياً -فأثبت عليه الصلاة والسلام هذا الحكم- قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة )، فرغب عليه الصلاة والسلام، وأكد في فسخ الحج بالعمرة، وجعله لازماً لأصحابه، وطيب خواطرهم بالقول فقال: ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة )، وقال عليه الصلاة والسلام في اللفظ الثاني في الصحيح: ( إني قلدت هديي ولبدت شعري، فلا أحل حتى أنحر ) ، فأمر أصحابه أن يتحللوا بعمرة.
فإذا كان الإنسان لم يسق الهدي، وأراد أن يتمتع، فإنه حينئذٍ يتحلل بعد انتهائه من السعي كما تحلل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويُقَصِّر شعره حتى يجعل فضيلة الحلق لحجه، هذا إذا كان الفاصل قصيراًَ، ولكن استحب جمع من العلماء أنه يحلق؛ لأنه بإمكانه أن ينبت له الشعر فيما بين عمرته وبين حجه، فيُصيب الدعاء بالرحمة في الموضعين، وهذا لا شك له وجه، وأما إذا قَصُر الوقت فإن التقصير أفضل، وكونه يجعل الدعاء بالرحمة للحج قالوا: إنه أفضل، فيقصر من شعره، ويترك الحلاقة لتحلله من حجه.
قال رحمه الله تعالى: [ثم إذا كان متمتعاً لا هدي معه قصر من شعره وتحلل، وإلا حل إذا حج].
قوله: (وإلا حل إذا حج) يعني: أنه يتحلل بعد حجه.
وقت قطع التلبية
[والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية].
التلبية: فيها مسائل تقدمت معنا، وبينا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وأحكامها، ومن مسائلها: متى يقطع المحرم تلبيته؟ وجواب هذا السؤال أنه لا يخلو المحرم إما أن يكون بحج، وإما أن يكون بعمرة، فهناك موضعان: الموضع الأول: بالنسبة للحج، متى يقطع الحاج تلبيته؟ والموضع الثاني: بالنسبة للمعتمر متى يقطع تلبيته؟ قال بعض العلماء: المعتمر يقطع تلبيته عند دخوله للحرم، وقد جاء عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما -والسند صحيح- أنه كان إذا قدم من جهة المدينة، واستقبل من جهة التنعيم قطع التلبية.
والقول الثاني: أنه يقطع تلبيته عند استلامه للحجر، أي: عند ابتدائه للطواف.
والقول الأول للمالكية، والقول الثاني اختاره الشافعية والحنابلة، أن المعتمر يقطع تلبيته عند استلام الحجر، وهذا القول احتجوا له بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في عمرة الجعرانة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر من الجعرانة بعد انصرافه من غزوة الطائف: ( لم يزل يلبي حتى استلم الحجر )، قالوا: فيه دليل على أن التلبية تقطع عند استلام الحجر، ولأن أول الأركان يلي إحرامه ونيته إنما هو الطواف بالبيت، فشرع له أن يلبي حتى يبتدئ الطواف، وحينئذٍ يقطع التلبية، وهذا هو أصح أقوال العلماء؛ لأن السنة واضحة في دلالتها على صحته، أن المعتمر يقطع التلبية عند استلام الحجر.
وحينئذٍ نقول: من اعتمر يقطع التلبية عند ابتداء الطواف إن استلم الحجر، فيؤخر حتى يستلم الحجر، وأما إذا لم يستلم الحجر في طوافه فعند استفتاحه الطواف يقطع التلبية.
وعلى هذا لو حج، وكان قد نوى التمتع بعمرته، فحينئذٍ عند ابتدائه للطواف أو عند استلامه للحجر يقطع تلبيته لهذا الأصل.
الأسئلة
مكان استئناف السعي بعد قطعه للصلاة


السؤال
هل يأخذ السعي حكم الطواف، فيما إذا أقيمت الصلاة وهو يسعى، من حيث الاستئناف أو الرجوع إلى نفس المكان؟


الجواب
إذا أقيمت الصلاة وهو في السعي فإنه يقطع سعيه، ثم يمضي للصلاة ويصلي، ولا يقطع السعي إلا عند الفراغ من الإقامة إذا كان موضع صلاته قريباً؛ لأن ما شرع لحاجة يقدر بقدرها، فلا يقطع مباشرة، وإنما ينتظر حتى يفرغ من الإقامة، ثم بعد ذلك إذا كان الموضع قريباً قطع سعيه ودخل في الصفوف.
وعلى هذا فلو قطع السعي فهل يعيد الشوط، أي: يعيد السعية من أولها؟ أو يبتدئ من الموضع الذي قطع منه؟ أصح الأقوال أنه يبتدئ من الموضع الذي قطع منه، والأفضل والأكمل أنه يعيد السعية من أولها، والله تعالى أعلم.

وقت رفع اليدين حال الدعاء على الصفا والمروة

السؤال
علمنا أنه يرفع يديه في الدعاء على الصفا والمروة، ولكن هل يكون الرفع مع بداية التكبير والتهليل؟ أم يرفع إذا أراد الدعاء؟


الجواب
هذه المسألة تنبني على قولنا: هل كان تكبيره عليه الصلاة والسلام وتهليله من أجل المسألة والدعاء؟ وهذا يرجحه غير واحد من العلماء، فقالوا: إنه استفتح التكبير والتهليل من أجل الدعاء والمسألة، ولذلك جعله أثناء الدعاء.
فقال بعض العلماء: على هذا الوجه يجعل رفعه لليدين من بداية التكبير.
والوجه الثاني يقول: إن التكبير من أجل الرقي على المكان النشز والعالي، فكبر صلوات الله وسلامه عليه وهلل، ثم بعد ذلك دعا، فيكون الرفع عند الدعاء، والأول أقوى، والله تعالى أعلم.

محل قراءة قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ)


السؤال
هل يقرأ قوله تعالى: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } [البقرة:158] إذا دنى من الصفا فقط؟ أم كذلك إذا دنى من المروة؟


الجواب
المحفوظ أنه إذا دنا من الصفا، ولا يكرر ذلك في بقية الأشواط ولا يكرره عند المروة؛ لأن هذا الذكر قصد منه النبي صلى الله عليه وسلم الاستشهاد لقوله: ( أبدأ بما بدأ الله به )، فلما جعله للبداءة اقتصر على محله، فقالوا: إنه ذكر مقصود من النبي صلى الله عليه وسلم، من باب التنبيه على مراعاة ترتيب الكتاب، والاهتداء بهدي القرآن في تقديم ما قدمه الله عز وجل وتأخير ما أخره، والله تعالى أعلم.

حكم العجز عن استلام الحجر بعد ركعتي الطواف


السؤال
إذا لم يستطع المكلف أن يستلم الحجر الأسود بعد الركعتين التي بعد الطواف هل يشرع له أن يشير إليه، أم ينصرف إلى الصفا؟


الجواب
السنة أن يستلم، فإن عجز عن الاستلام انصرف، وأما الإشارة فلا يحفظ فيها دليل يدل عليها، وإنما ثبتت الإشارة عن النبي صلى الله عليه وسلم داخل الطواف، وأما خارج الطواف فتحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل يدل عليها، والله تعالى أعلم.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #236  
قديم 02-11-2022, 04:09 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,323
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب المناسك)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (231)

صـــــ(1) إلى صــ(29)





حكم اضطباع الآفاقي والمقيم بمكة

السؤال
هل هناك فرق بين أهل مكة وغيرهم في الاضطباع والرمل والسعي بين العلمين؟


الجواب
اختار جمع من العلماء أن الحكم يختص بالآفاقي، وأن المكي لا يكون عليه رمل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعله هو وأصحابه وهم قادمون من المدينة، فخصوا الحكم بصورة السبب، وقالوا: إنه ليس على المكي أن يرمل، ومن هنا فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين طوافه الأول وطوافه الثاني، فلم يرمل صلوات الله وسلامه عليه في طواف الإفاضة، وهذا يدل على أن من أقام بمكة ونزل بمكة أنه لا يأخذ حكم من كان خارجاً عنها، وعلى هذا قالوا: إن سنة الرمل إنما هي لمن قَدِم، وهكذا المكي إذا كان إحرامه من خارج مكة، كأن يكون أتى المدينة فاعتمر منها، فإنه يأخذ حكم أهل المدينة، وحينئذٍ يرمل في طوافه عند قدومه، والله تعالى أعلم.

الحالة التي يشرع فيها التكبير عند الصعود، والتسبيح عند النزول


السؤال
هل التكبير عند صعود الجبال، أو التسبيح عند هبوط الوهاد خاص بالسفر أم هو مطلق في كل مكان؟


الجواب
السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم التكبير على النشز، والتسبيح إذا هبط وادياً، والمحفوظ عن أهل العلم رحمة الله عليهم أن الحكم عام، وأن هذا من دعاء المناسبات، كما أن قول دعاء الركوب: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) يستوي فيه أن أكون مسافراً أو مقيماً؛ لأن الله تعالى يقول: { لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا } [الزخرف:13]، فجعله ذكراً مطلقاً، وقالوا: إنما أمروا بتسبيح الله عز وجل، وتوحيده عند الركوب على الدواب اعترافاً لله عز وجل بوحدانيته وفضله، وعظيم منته وإحسانه بعباده، وهذا أمر عام يستوي أن يكون في السفر وغير السفر، ولذلك يقولون: لا يختص بالسفر وإنما يكون دعاء مطلقاً.
وفي حكم هذا جميع ما يكون من وسائل النعم التي يسرها الله سبحانه وتعالى من السيارات، والطائرات، والقطارات ونحوها، إذا ركبها الإنسان قال: سبحان الذي سخر لنا هذا .
إلخ، فإذا كان الله عز وجل قد شرع لنا أن نذكر هذا الذكر عند الركوب على الدواب والبهائم من ذوات الأرواح، فإنه خليق بهذا الدعاء أن يكون في الجماد من بابٍ أولى وأحرى، فسبحان من حَرَّكه وصرفه ودبره، وجعله يجري بقدرته سبحانه وتعالى.
فيثني العبد على الله، وينزه الله سبحانه وتعالى، وهذا قليل قليل من كثير يستوجبه سبحانه علينا؛ لعظيم نعمته، وجليل فضله ومنته، تبارك الله وهو أحسن الخالقين، والله تعالى أعلم.

كيفية تحلل محلوق الشعر والأصلع


السؤال
من كان بلا شعر، أو كان محلوق الشعر، فكيف يصنع عند التحلل؟


الجواب
من كان بلا شعر فقد قال بعض العلماء: لا تحلل له، فلا يلزمه حلق ولا تقصير؛ لأن التكليف شرطه الإمكان، وقد فات المحل، يعني: ليس بمحل حلق، ولا بمحل تقصير.
واختار جمع من العلماء -ومنهم جمع من الأئمة المتقدمين- أنه إذا كان أصلع لا شعر له أنه يُمر الموس على رأسه، وهذا من باب إبقاء الفعل مع فوات الصورة، وذلك أن الشرع طلب من المكلف التحلل، فيكون التحلل بالحلق أو التقصير، فإذا فات الحلق والتقصير بقيت صورة الفعل، كما قالوا: إن الإنسان إذا طلب منه الفعل وصورته، فإذا فات الفعل بقيت صورة الفعل التأسي والاقتداء، فالأفضل والأكمل أن يمر الموس، قالوا: لاحتمال أن يكون هناك شيء من الشعر موجوداً، خاصة إذا كان حديث عهد بحلاقة.
أما إذا كان محلوق الشعر فإنه يمر الموس؛ لأنه سينبت شيء من الشعر، وسيكون فيه فضلة الشعر، فيمر الموس، ويمضيه حتى يحصل به التحلل، والله تعالى أعلم.
رفع المرأة صوتها بالتلبية

السؤال
ما حكم رفع المرأة صوتها بالتلبية؟


الجواب
المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية، وإنما تكون تلبيتها سراً، فالنساء لا أذان لهن ولا إقامة، ولا يشرع لهن الجهر؛ لما في أصواتهن من الفتنة، ولذلك قال تعالى: { فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا } [الأحزاب:32] قال العلماء: القول المعروف على حالتين في المرأة: الحالة الأولى: ألا ترفع صوتها إلا من ضرورة وحاجة.
والحالة الثانية: ألا تتنغم وتتكسر في كلامها، وإنما يكون كلامها على الوجه المعروف الذي لا يطمع معه الذي في قلبه مرض، وعلى هذا فإن النساء لا يرفعن أصواتهن، ولم يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ألزم نساءه برفع أصواتهن، بل كان أمهات المؤمنين يلزمن الستر في أمور حجهن وعمرتهن، حتى كانت عائشة رضي الله عنها وأرضاها -وهي أم المؤمنين الصالحة القانتة- تتستر حتى في طوافها، وكانت إذا أرادت أن تطوف بالبيت لا تطوف إلا بالليل، وإذا أرادت أن تطوف أوصت القائمين على البيت أن يطفئوا السُّرُجَ، ومضت في داخل طوافها حتى لا تُرى رضي الله عنها وأرضاها، وكل هذا من تحريها لمقصود الشرع، كما قالت فاطمة رضي الله عنها: (خير للمرأة ألا ترى الرجال ولا يراها الرجال) فسماع صوت المرأة ورؤية شخصها فتنة.
والذي يقول: إنه ليس بفتنة يكابر بالمحسوس، فالمرأة والرجل جبلهما الله عز وجل فطرة وغريزة بميل كلٍّ منهما إلى الآخر، سواءً تكلمت أم خرجت وابتدئ، فالفتنة كل الفتنة في النساء، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) ، فمما نص عليه العلماء أنها لا ترفع صوتها إلا لحاجة وضرورة، ولذلك تجد العلماء يقولون: في الحديث دليل على مخاطبة الأجنبية للأجنبي عند الحاجة، ويقيدون ذلك بالحاجة، وهذا هو المحفوظ والمذكور في كتب العلماء رحمة الله عليهم.
والدليل القوي على أن المرأة لا تتكلم أنها في الصلاة لو أخطأ الإمام لا تفتح عليه مع وجود الحاجة، وإنما تصفق، فقال عليه الصلاة والسلام: ( إنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ) فانظر -رحمك الله- لو كان صوت المرأة مأذوناً فيه لفتحت، مع أنه قد يُحتاج إلى أن تفتح للإمام بالكلام، فقالوا: أبداً، تقتصر على التصفيق حتى يعجز، وحينئذٍ يجوز لهن الفتح، وهذا كله يؤكد أن مقصود الشرع أن تحفظ المرأة لسانها، وأن تمتنع من مخاطبة الرجال، ولو قيل بجواز مخاطبة المرأة للأجنبي لاسترسل النساء في ذلك، ولرأيتها تجلس مع الرجل تسأله عن حاله، كما يسأل الرجل الرجل، وتقول لك: لا دليل على التحريم! بل تقول لك: إن العلماء أفتوا بأنه يجوز كلام الأجنبية للأجنبي.
ففي هذا فتح باب شر لا يخفى، فالمرأة لا تخاطب الرجال، ولا يسمع الرجال كلامها، ولا بيانها إلا عند الضرورة والحاجة؛ لأنه إذا كان في الصلاة التي هي من أعظم شعائر الإسلام، ويحتاج إلى كلامها، يقول عليه الصلاة والسلام: ( إنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ) ، فعدل إليه عن ذكر الله الذي فيه القربة وفيه الطاعة، فأين التصفيق من ذكر الله؟! فالرجل يسبح، وذكر الله أفضل وأكمل، ومع ذلك هي تعدل إلى التصفيق.
وعلى هذا فإنها لا ترفع صوتها بالتلبية، والدليل على أن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية أن الأوامر التي جاءت برفع الصوت بالتلبية، كما في الصحيح من حديث جابر وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية )، وهذا خاص بالرجال لقوله: (أصحابي)، والأصحاب: جمع صاحب، والمراد به الرجل دون الأنثى، فلا يشرع للمرأة أن ترفع صوتها بالتلبية، وإنما تكون تلبيتها سراً، والله تعالى أعلم.

التمتع والقران وخلاف العلماء في أفضلية أحدهما على الآخر


السؤال
أشكل عليَّ الجمع بين حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله: ( أتاني جبريل، وقال: يا محمد! أهل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة )، فدل على أن الله أمره بالقران، وبين قوله صلى الله عليه وسلم: ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة )؟


الجواب
هذا الحديث يحتج به جمع من العلماء على أن القران أفضل؛ لأن الله تعالى اختاره لنبيه من فوق سبع سماوات، ولم يحج إلا حجةً واحدة، قالوا: فاختار الله له من فوق سبع سماوات أن يقرن.
واختلف العلماء: هل القران من أول حجه، أو طرأ عليه؟ وذلك على ثلاثة أقوال: منهم من قال: إنه كان مفرداً ثم قرن.
ومنهم من قال: كان مهلاً بعمرة ثم قرن.
ومنهم من قال: إنه كان قارناً ابتداء وانتهاءً.
وهذا هو أصح الأقوال؛ لأنه قد ثبت عن خمسةٍ وعشرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قرانه عليه الصلاة والسلام، قال أنس رضي الله عنه، كما في الرواية الصحيحة: ( ما تعدوننا إلا صبيانا، لقد كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها، أسمعه يقول: لبيك عمرةً وحجاً )، والسبب في ذلك أن أبا طلحة كان مع النبي صلى الله عليه وسلم قريباً من دابته، وكانت دابته تسامت دابة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أنس رضي الله عنه -وهو ربيب أبي طلحة - من أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالصحيح أنه كان قارناً ابتداءً وانتهاءً.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت )، فللعلماء فيه وجهان: منهم من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم تمنى أن لو كان متمتعاً، فدل على أن التمتع أفضل؛ لأنه كان على آخر الأمرين، فدل على أن التمتع يعتبر أفضل من القران.
ومنهم من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أصحابه بفسخ الحج بعمرة، أشكل على الصحابة هذا؛ لأن الصحابة ألفوا أن العمرة لا تقع في الحج، وكانوا يرونها من أفجر الفجور، وكان من عادة أمهات المؤمنين أنه إذا شق الأمر على الصحابة دعونه صلى الله عليه وسلم أن يبتدئ بنفسه، ولذلك لما دعاهم إلى الفطر تأخروا، فشرب عليه الصلاة والسلام من اللبن فشرب الصحابة وأفطروا، وفي يوم الحديبية لما دعاهم أن يتحللوا تلكئوا، ودخل مغضباً على أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها، قال: ( ما لي آمر فلا أطاع، فقالت له: ادعُ الحلاق، فلما دعا الحلاق وحلق رأسه صلى الله عليه وسلم، قام بعضهم يحلق لبعض يكاد بعضهم يقتل بعضاً ).
فأصبح الآن تطييب خواطرهم بالفعل مستحيلاً؛ لأنه قال: ( إني قلدت هديي، ولبدت شعري فلا أحل حتى أنحر ) ، فقال تطييباً لخواطرهم بالقول: ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ) ، ولذلك قال الإمام أحمد رحمة الله عليه، وجمع من السلف: هذا يدل على اختياره صلوات الله وسلامه عليه وحبه للتمتع، وأنه لو استقبل من أمره ما استدبر لكان متمتعاً، فقالوا: هذا يدل على تفضيل التمتع، وأن أفضليته جاءت متأخرة، فحينئذٍ يدل على أفضلية التمتع.
وأما الأولون فقالوا: إن هذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم لسبب، ولا يعقل أن الله تعالى يختار لنبيه إلا الأفضل والأكمل، والمسألة مشهورة والخلاف فيها مشهور، ومن رجح القران فله وجه من السنة، ومن رجح التمتع فله وجه من السنة، لا يُثَرَّبُ على هذا، ولا يُثَرَّب على هذا، ولكل وجه، ولكل سلفه من الأئمة والعلماء الأجلاء، ولكن الممنوع أن يعتقد الإنسان خطأ غيره، فتجد طالب العلم إذا رجح القران يحتقر من يرجح التمتع، وتجده يستهجنه، وربما يتقصده بالمناقشة، حتى إنه ربما يصبح الحج جدلاً، وأخذاً وعطاءً فيما هو الأفضل، وهذا لا ينبغي.
فالإنسان إذا ترجح له دليل، وعرف أن السنة فيه، واعتقد ذلك وله سلف، وله وجه من هذا الدليل من كتاب الله، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو على خير وعلى هدى.
وكذلك أيضاً إذا ترجح عند غيره غير قوله فلا يُثَرِّب عليه، ولا يعتقد ضلاله، ما دام أنه يقول بقول له وجهه من كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال شيخ الإسلام رحمه الله، في معرض الكلام عن خلاف الصحابة: إنهم كانوا يختلفون، وتتباين أقوالهم في المسائل، فيصلي بعضهم وراء بعض، ويترضى بعضهم على بعض، ويترحم بعضهم على بعض، فلم يكن خلافهم مفضياً إلى حصول الفتنة بينهم، وإنما ينبغي على المسلم أن يلتزم هدي الكتاب والسنة، وألا يتعصب إذا تبين له الدليل، وتبينت له الحجة، ويرجع إلى كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن استبانت له السنة بترجيح شيء عمل به واعتقده، وأقنع الغير إن أمكن إقناعه، وإلا بقي على ما يرى أنه حق وصواب، وتعبد الله به، والله تعالى أعلم.

تطيب المرأة قبل الإحرام


السؤال
التطيب الذي يسبق الإحرام، هل هو خاص بالرجال دون النساء، وذلك لمكان المشقة في التحرز من انتشار رائحة الطيب؟


الجواب
أما بالنسبة للمرأة فطيبها ما ظهر لونه وخفي ريحه، والرجال طيبهم ما ظهر ريحه وخفي لونه، ولذلك نهي الرجال عن الزعفران، وقالوا: إنه أكمل في خشونة الرجل، وأكمل في أنوثة المرأة.
وهذا هو المنصوص عليه عند أهل العلم رحمة الله عليهم، فإذا تطيبت المرأة بالأطياب التي لها رائحة خفية، أو كانت محافظة وخشيت من طول نسكها أنها تتغير عليها الرائحة، فوضعت بعض الطيب مع المحافظة، وعدم فتنة غيرها، فإنه لا بأس بذلك، ونص العلماء على أنه لا حرج في هذا.
لكن إذا كانت -مثل ما يقع الآن- تحرم في ساعة، وبعد ساعة، أو ساعتين، أو ثلاث، تدخل بين الرجال، وتخالط الرجال فلا شك أنهم سيشمون طيبها، ويكون حينئذٍ عدولها عن التطيب أبلغ وأكمل، والله تعالى أعلم.
شعث المحرم والمقصود منه

السؤال
هل يفهم من الحديث: ( إن عبادي أتوني شعثاً غبراً )، أنه لا يستحب للمحرم أن يغتسل عند شعثه؟ وماذا عن تبديل ملابسه؟


الجواب
الحديث القدسي ( انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ) لا يستلزم عدم الغسل، فإن الشعث والغبرة تقع حتى ولو اغتسل الإنسان، والسبب في هذا: أن الشعث يكون من السفر، ويكون نسبياً، فإذا كان الإنسان اغتسل في حجه فإنه لا يؤثر هذا في وصفه بالشَّعِثِ، ولا يمنع أن يوصف بالغبرة؛ لأنه إذا انتفت الغبرة عن شعره وعن بدنه، لا شك أنه إذا خالط الناس ومشى في عرفات سيصيبه نوع من الشعث، ونوع من الغبرة، والدليل على ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم أُثِر عنهم أنهم كانوا يغتسلون قبل زوال يوم عرفة، ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما ينزل في نمرة، ثم يغتسل عند الزوال، ويمضي لصلاته، وقال بعض العلماء: إن الحديث ( انظروا لعبادي أتوني شعثاً غبراً من كل فج ) المراد به: الوصف الأعم، يعني: أنهم الغالب في حالهم أنهم يأتون شعثاً غبراً، ألا ترى أنه لو بلغ مكة، أو وصل إليها، يأتي وقد أنهكه السفر وتغيرت معالمه؟ فلا يشترط في يوم عرفة بخصوصه؛ لأن المراد به: مطلق الإتيان، وقوله: ( أتوني شعثاً غبراً ) لا يستلزم يوم عرفة بعينه، وإنما المراد به مطلق الإتيان، والشعث والغبرة مصاحبان للحاج حتى ولو اغتسل، ألا ترى أنه تصيبه الجنابة، وفي الحجاج من يجنب فيغتسل، فهذا كله لا ينفي وصفهم بالشعث والغبرة.
وعلى هذا فإن العلماء رحمهم الله استحب بعضهم أن الإنسان إذا أصابه الشَّعَثُ ألا يزيله، وكذلك إذا أصاب الشعث إحرامه أو إزاره أو رداءه أنه لا يغسله، حتى يكون أبلغ في الذلة لله عز وجل، وأبلغ في إظهار الفاقة لله سبحانه وتعالى والتواضع، وقالوا: إنه كلما كان على هذه الحالة كلما كان أرجى للإجابة، ففي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ( ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟ ).
يقول الإمام ابن رجب عليه رحمة الله: إن النبي صلى الله عليه وسلم قصد أن يبين أبلغ حالات التضرع التي يُظن فيها الإجابة، فقال: (أشعث أغبر)، فقالوا: إن الإنسان كلما كان بعيداً عن الترفه والتكبر على الناس في ملبسه وزيه؛ كان أرجى للقبول عند الله عز وجل، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ) .
وأما الأمر الثاني: إطالة السفر، وقد جاء أن المسافر له دعوة مستجابة كالمريض.
كذلك أيضاً قوله: (يمد يديه إلى السماء)، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث: ( إن الله حييٌ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفراً )، فقالوا: إن الأفضل لموقفه في عرفة أن يكون على الشعث والغبرة، لكن ليس معناه: أن الإنسان يتكلف، ويبالغ في هذا، أو أن الإنسان يترك نعم الله عليه بلبس الثياب الطيبة، والارتفاق بنعم الله وطيباته التي أخرجها للعباد، إنما المراد أن العلماء قالوا: إن حصل هذا اتفاقاً للإنسان فإنه يترك شعثه وغبره، حتى يكون أبلغ في الذلة لله، وليس معنى ذلك -كما يفعله بعض الناس- أنك تجده على رائحة نتنة، وعلى حالة تؤذي الناس وتضر بهم، إذا صلى معهم شوش عليهم، وإذا جلس معهم آذاهم برائحته، فهذا ليس من الإسلام في شيء، إنما السنة أن يعتني الإنسان بنفسه، وللبدن على الإنسان حق، وقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يتطيب، وقال: ( إن الله جميل يحب الجمال ) وقال: ( إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ).
فليس المراد بهذا التقصد، بأن يذهب الإنسان ويغبر نفسه ويؤذي نفسه حتى يأتي أشعث أغبر لا، إنما المراد أن الوصف الأعم للناس، أو الغالب للناس أنهم يأتون على هذه الصفة، حتى لو اغتسلت يوم عرفة، ومضيت إلى عرفة فإنك لا تأمن من الشعث بازدحام الناس، وبما يكون من خروج الإنسان للدعاء والمسألة بين يدي الله عز وجل، والله تعالى أعلم.

رفع الصوت بالدعاء في السعي والطواف


السؤال
هل يرفع الحاج والمعتمر الصوتَ بالدعاء في السعي والطواف أم يسر به؟ وما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك؟


الجواب
السنة في الدعاء أن يكون بين العبد وربه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ( أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً )، والله أقرب إلى العبد من حبل الوريد، فلا حاجة إلى رفع الصوت بالدعاء، وإشغال الناس والتشويش عليهم، خاصة في الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والأدهى من ذلك والأمرُّ أن يكون هناك شخص يدعو جهرةً، ثم الذين من ورائه يرفعون أصواتهم، فهذا يؤذي الناس ويشوش عليهم، حتى إن الإنسان لربما لو دخل من أطراف الحرم لسمع صياح هؤلاء وهذا كله ليس من السنة، فإذا كان ولابد فيدعو الرجل أمام الناس والبقية يدعون في سرهم، ولا حاجة أن يرفعوا أصواتهم، فإذا احتيج إلى رفع صوت الداعي بقي من بعده يدعو فيما بينه وبين الله إذا احتيج إلى هذا، أما أن يصيح ووراءه الثلاثون، والأربعون يصيحون يشوشون على المصلي والراكع والساجد، فهذا كله لا شك أن فيه أذيةً للناس، وأذيةُ الناس في هذا الموضع لا شك أنها لا تخلو من إثم، وعلى هذا فإنه لا يسن، ولا يشرع أن يرفع الإنسان صوته على هذه الصفة التي تشوش على الناس وتؤذيهم، إنما يدعو الإنسان فيما بينه وبين الله تعالى، والله عز وجل سميع قريب مجيب، ولا حاجة إلى رفع الصوت بالدعاء.
وقد كان عليه الصلاة والسلام يدعو ربه ويسأله، ولم يحفظ عنه أنه رفع صوته بالمسألة، وهذا -كما يقال- إلا في بعض المواضع المخصوصة، ولذلك لو جئت تتأمل هديه عليه الصلاة والسلام لوجدته على هذا.
وتخصيص بعض الأطواف بأدعية مخصوصة، ويكون دعاؤها جهراً، كل ذلك مما لا أصل له، وقد كان عهده عليه الصلاة والسلام أنه دعا، وأطلق في الدعاء والمسألة، ولم يخص دعاءً معيناً لكل شوط، ولكل سعية بين الصفا والمروة، فكل ذلك مما لا أصل له، ونص الأئمة والعلماء على أنه لا يشرع تخصيص الأطواف والأشواط بأدعية مخصوصة، في الشوط الأول، والشوط الثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسادس، والسابع، كل ذلك مما لا أصل له، وإنما يُقْتَصَر على الدعاء فيما بين العبد وبين ربه.
والسنة: أن يدعو الإنسان، ولا يحتاج إلى أحد من الناس ليدعو له، فإنه من أعظم المصائب أن لا يعرف الإنسان كيف يدعو ربه وكيف يسأله، فالإنسان يسأل الله من خيري الدنيا والآخرة، ولا حاجة أن يدعو أمامه الإنسان، أو يلقنه الدعاء إنسان، فأنت أعلم بحاجتك، وأعلم بشدة فقرك إلى ربك، فاسأله من خير دينك ودنياك وآخرتك، واسأله صلاح دينك، وصلاحاً لأهلك وذريتك، ورحمة لوالديك، ونحو ذلك من الأدعية التي هي من جوامع الدعاء، التي فيها خيري الدنيا والآخرة للعبد.
وأما كونه يدعو وراء إنسان لا يفقه ما يقول، ولا يعلم ماذا يدعو به فلا ينبغي ذلك، حتى إن بعض الناس يسمع الأدعية ويرددها، وهو لا يدري ماذا يقال، والذي ينبغي: أن الإنسان يدعو فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يشرع الدعاء جهرةً، ولا يشوش على الطائفين، ولا على المصلين، خاصة في صلاتهم عند المقام بعد فراغهم من الطواف، ولو رأيت ذلك لوجدته، فإنك إذا فرغت من الطواف، ومر عليك الجمع وهم يدعون ويسألون لا تستطيع أن تخشع، ولا تستطيع أن تعرف كيف تسأل الله عز وجل، وهذا لا شك أن فيه أذيةً للطائفين، ولا ينبغي للمسلم أن يكون سبباً في أذية إخوانه، والله تعالى أعلم.
وصايا ونصائح لطلبة العلم عند الامتحانات

السؤال
كما تعلمون، فإن الامتحانات قد قرب موعدها، فهلا تفضلتم بوصية في ذلك؟


الجواب
نسأل الله أن يعيننا على كل حال في الدنيا والآخرة.
أما الوصية الأولى: فأوصي نفسي وإخواني بتقوى الله عز وجل، ومن اتقى الله تعالى جعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، وأصلح له أمور دينه ودنياه، وانتهت أموره إلى خير، وما خرج الإنسان بشيء أحب إلى الله تعالى، ولا أكرم عليه من تقواه سبحانه؛ لأنها قائمة على أساس الدين وهو إخلاص العمل لله عز وجل، قال تعالى: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } [البقرة:197].
أما الوصية الثانية: فأوصي إخواني طلاب العلم أن ينتبهوا للحقوق والواجبات، ومن أعظم هذه الحقوق أن يكون همهم إرادة وجه الله عز وجل فيما يطلبون من العلم، فإن العلم لا يراد للدنيا، وإنما يراد لوجه الله تعالى، فيخلص الإنسان لوجه الله تعالى، وما يناله من فضل الدنيا يجعله تبعاً لا أساساً.
ومن الحقوق الواجبة: حقوق النفس، فبعض طلاب العلم يسهرون، ويحملون النفس ما لا تطيق، فتجده يسهر إلى ساعات متأخرة من الليل، لربما يفوِّت معها صلاة الفجر، وكذلك أيضاً ربما يصاب بالمرض، أو يضني جِسْمَه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( إن المْنبَتَّ لا ظهراً أبقى، ولا أرضاً قطع )، فكم من أناس حَمَّلوا أنفسهم ما لا تطيق فخرجت أجسامهم بالأسقام والآلام، ولم يظفروا بما يطلبون، فالذي ينبغي على الإنسان أن يتقي الله تعالى في نفسه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ( إن لنفسك عليك حقاً ) فطالب العلم الموفق يجعل وقتاً لنومه، ووقتاً لراحته، ووقتاً لاستجمامه، ووقتاً لمذاكرته ومراجعته، فإذا أعطى النفس حقوقها فإنها بإذن الله تستجيب له، وتعينه على الخير الذي يطلبه.
الأمر الثالث الذي أوصي به: حقوق إخوانك من طلاب العلم، فينبغي ألا تجعل الاختبار وسيلة للتنافس غير المحمود، بل ينبغي عليك أن تكون سمح النفس، منشرح الصدر، تحب لإخوانك مثلما تحب لنفسك، بل تحب لهم أكثر مما تحب لنفسك، فالاختبارات هذه كما أنها امتحان للدنيا هي امتحان للآخرة، فإياك إياك أن تدخل في قلبك كراهية خير لإخوانك، فإن جاءك أخوك يحتاج إلى إعانة، أو يحتاج إلى شرح، أو يحتاج إلى مساعدة، أو سألك عن مسألة، أو تعلم أن هذا شيء مهم يحتاج إلى التنبيه نبهته عليه، كل ذلك حتى تتعود الإيثار، وتتعود مكارم الأخلاق، وتحمل نفسك على محاسنها، وتبتعد عن الأمور التي تغضب الله عز وجل والتي منها الحسد، ومنها كراهية الخير للمسلمين، وكلما كان الإنسان مستجمعاً في نفسه حب الخير للعباد، كلما كان أقرب للفضل في الدنيا والآخرة.
ويدل على ذلك كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أن رجلاً مر على غصن شوك بالطريق فقال: والله لأنحين هذا عن طريق المسلمين لا يؤذيهم، فزحزحه فغفر الله له ذنوبه ).
إن غصن الشوك إذا جئت تقارنه ببعض الحسنات، قد يكون يسيراً أمامها، لكن الرجل قال: (لأنحينه عن طريق المسلمين لا يؤذيهم)، فكانت حسنته ليست على رجل، ولا على رجلين، ولكن على أمة، فلما كان هدفه وباعثه أنه أشفق على المسلمين؛ لأنه لا يحب الأذية لهم، ولا يحب الإضرار بهم، كان هذا هو سبب المغفرة، إذ رحم المسلمين فرحمه الله، فلما كان في النفس هذا المعنى، وكان في النفس وفي القلب هذا الشعور، كان له من الله عز وجل من رحمته ما لم يخطر له على بال، في رواية : ( فزحزحه عن الطريق؛ فزحزحه الله به عن نار جهنم ) .
فالإنسان كلما كان نقي السريرة، سليم الصدر نال الخير، وأظهر الله عز وجل سلامة صدره في فلتات لسانه، وتصرفاته، وأفعاله، وكلما تعود كراهية الخير للناس، وكراهية الفضل لهم، كلما حرمه الله من الفضل، ولذلك حُرِم الناس -نسأل الله السلامة- كثيراً من الخير بسبب ما في القلوب، كما قال الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } [الرعد:11].
فإذا وجدت الإنسان حريصاً على حب الخير للناس، حريصاً على نفعهم، سخي النفس، سمح النفس، يبذل ويعطي ويعين، تجده غداً أحرى بإمامة الناس، ودلالتهم على الخير، ونشر الخير بينهم؛ لأنه عود نفسه على ما فيه خير دينه ودنياه وآخرته، فيحرص طالب العلم على أنه يبذل الخير لإخوانه، وأنه يعينهم، وتكون هناك المعاني الإسلامية الكريمة من الإيثار والحب والتصافي والتواد.
وكذلك أيضاً مما يوصى به طلاب العلم في أيام الاختبارات: أن يحافظوا على ذكر الله عز وجل، فإن الله عز وجل جعل تفريج الهم والغم مقروناً بذكره، فقال سبحانه وتعالى: { أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [الرعد:28] فوالله لا تزال القلوب في قلق وهم ونكد ونصب وتعب إلا إذا ذكرت ربها، والتجأت إلى الله خالقها، فأثنت عليه بما هو أهله فمجدته وعظمته وذكرته، ومن ذكر الله ذكره، ومن ذكره فلا تخشى عليه الضيعة، ولا تخشى عليه الفوات، وأمره إلى حسن العاقبة، وحسن المآل قال تعالى: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } [يونس:62] * { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } [يونس:63]، فأولياء الله الذين هم على طاعته وعلى استقامة على دينه يذكرونه، خاصة في مواطن الشدة، فإن الله يثبت قلوبهم، ويجعل أمورهم إلى خير.
فبعض من طلاب العلم إذا جاءت أيام الاختبارات يقصر في الصلاة، فيتأخر عن الصلاة مع الجماعة، ولا يأتيها إلا عن دبر، وربما إذا فرغ من الصلاة قام على عجالة، فلا يذكر الله تعالى، ولا يحافظ على السنة، وأشد ما تكون الحاجة إلى ذكر الله في مواطن الكرب، فعود نفسك كلما ضاقت عليك أمور الدنيا، وكلما عظمت عليك همومها وغمومها أن تتعود على ذكر الله تعالى، وتجعل صلاتك وذكرك وإنابتك لله عز وجل أكثر وأعظم في حال الشدة والبلاء قال تعالى: { فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا } [الأنعام:43]، أي: فهلا إذا جاء البأس، وجاء الخطب كانت الضراعة، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } [الأنفال:45].
فالإنسان يحرص على أن يستديم ذكر الله عز وجل، وأيام الاختبارات ينبغي أن تكون أحرى بالمحافظة على الصلوات، وشهودها مع الجماعة، والمحافظة على ذكر الله عز وجل، والثناء على الله سبحانه وتعالى بما هو أهله، ولا تكون سبباً لما هو خلاف ذلك.
فإذا تعود طالب العلم أنه إذا ضاق عليه الأمر حافظ على صلواته، وحافظ على ذكر ربه؛ لاستقامت له أمور دينه ودنياه وآخرته، والعكس بالعكس: فمن كان قليل الذكر لله تعالى، قليل الالتجاء إلى الله تعالى، يضيع الصلوات، ويتهاون بها في مثل هذه المواقف، فإنه -والعياذ بالله- إذا أصابته نكبات الدنيا تشتت أمره، وضاع حاله -نسأل الله تعالى السلامة والعافية-؛ لأنه حُرِم أساس فلاحه وصلاحه في الدنيا والآخرة وهو ذكر الله تعالى، فينبغي على طلاب العلم أن يحرصوا على هذا.
وأذكر قصةً لأحد الفضلاء من الدعاة إلى الله تعالى، أنه دخل على رجل غني ثري في أمر ما من الأمور، وكانت عنده مصيبة في ماله، وهذا الرجل أوتي من المال شيئاً كثيراً، فقال: دخلت عليه، فلما حضرت الصلاة وهو يراجع معه القضية، وأذن المؤذن لصلاة المغرب قال: قلت له: نريد أن نصلي.
قال: أي صلاة؟ نسأل الله السلامة والعافية، قال: نريد أن نصلي.
وكان رجلاً موفقاً ديِّناً صالحاً -أحسبه كذلك ولا أزكيه على الله تعالى- وهو من الدعاة، فقال للرجل: لا يمكن أن أقول لك كلمة واحدة حتى نصلي، فإذا صلينا يكون خيرٌ، فقال: أي صلاة؟ نريد أولاً أن تحل لنا هذا الأمر، ثم نرجع إلى الصلاة.
فقال له: أبداً، لن يكون شيءٌ حتى تصلي.
قال: والله قام معي وهو لا يعرف كيف يتوضأ -نسأل الله السلامة والعافية- مشغول في دنياه، مشغول في ماله، رجل منغمس في المال من أخمص قدميه إلى شعر رأسه.
قال: فنزل، فإذا به يتعلم كيف يتوضأ، وعمره فوق الخمسين سنة -نسأل الله السلامة والعافية- قال: فعلمته الوضوء، فذكر الله عز وجل، ونزل معي إلى المسجد فصلى، قال: فلما صلينا فإذا بالوجه غير الوجه، وإذا بالنفس غير النفس، قال: والله خرجت خارج المسجد أنتظره يخرج، وإذا بالرجل جالسٌ يذكر الله عز وجل، فعجبت من أمره، قال: انتظرت وانتظرت أن يخرج، حتى إنني استعجلت في أذكاري أنتظره أن يخرج فما خرج، وإذا بالرجل يجلس، حتى مللت.
يقول: فدخلت عليه فقلت: يا فلان! قال: لقد وجدت راحة ما وجدتها في عمري، لا يمكن أن أخرج من المسجد حتى أصلي العشاء.
قال: فيجلس وأجلس معه نذكر الله عز وجل، ونتذاكر ما فيه الخير، ومن كلمة إلى كلمة حتى أذن المؤذن لصلاة العشاء، وأقيمت صلاة العشاء فصلى معي العشاء، ورجع إلى بيته منشرحاً، وقال: غداً تأتيني إن شاء الله بعد العصر.
قال: فلما اتصلت عليه من الغد إذا بزوجته تقول: ماذا فعلتم بفلان؟! قضى الليل كله وهو يصلي، ويذكر الله عز وجل، ويقول: شعرت بسعادة، ويقول: ما عدت أريد حلاً لمشكلتي، فذكر الله عز وجل هو ما كنت أبحث عنه، يقول: شعرت بسعادة ما وجدتها في مالي، ما وجدتها في ثرائي، ما وجدتها فيما أنا فيه.
يقول هذا الداعية: سبحان الله العظيم، مضيت إليه بعد العصر، وإذا بفترة قليلة جلسنا فيها فحلت المشكلة، وانتهى الأمر الذي كان عائقاً له، وهو يحسب له الحسابات التي لا تنتهي، ولكن بذكر الله تعالى حلت مشكلته، ومن كان مع الله تعالى كان الله تعالى معه، ولو جلسنا نتذاكر في مثل هذا فإنه كثير من قليل مما يقع، فإن الله سبحانه وتعالى مع عبده، وإذا ذكر العبد ربه كان الله تعالى معه.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ووجهه الكريم أن يذيقنا حلاوة ذكره، ولذة مناجاته والإنابة إلى وجهه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #237  
قديم 02-11-2022, 05:46 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,323
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب المناسك)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (232)

صـــــ(1) إلى صــ(23)





شرح زاد المستقنع - باب صفة الحج والعمرة [1]
ما من عبادة إلا ولها صفة وكيفية، قد تكفل الله سبحانه ببيانها، أو بينها رسوله صلى الله عليه وسلم، والركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج له صفتان: صفة كمال، وصفة إجزاء.
ويشرع للحاج بعد وصوله إلى مكة المبيت بمنى يوم الثامن، وذلك استعداداً للوقوف بعرفة يوم التاسع، فالوقوف بعرفة هو أعظم ركن من أركان الحج، إذ تتوقف عليه صحة الحج من عدمه.

بيان أقسام صفة الحج والعمرة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب صفة الحج والعمرة] صفة الشيء حليته، وما يتميز به عن غيره، وتكون الأوصاف بالشيء حسية وتكون معنوية، وقد تقدم بيان ذلك في تعريف الطهارة.
قوله: (صفة الحج والعمرة) أي: بيان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه وعمرته، ومن عادة الفقهاء والعلماء رحمهم الله أنهم يبتدئون ببيان صفة العبادة على سبيل العموم، فيذكرون ما يلزم وما لا يلزم، ثم بعد ذلك يبينون ما هو لازم وواجب على المكلف، ولذلك تنقسم الصفات في العبادة إلى قسمين: القسم الأول: يصطلح العلماء على تسميته بصفة الإجزاء.
والقسم الثاني: يسمونه: صفة الكمال.
فإذا بيّن العلماء صفة الحج فإنهم يذكرون صفة الكمال ثم يتبعونها بصفة الإجزاء.
أما المراد بصفة الكمال فهي أن يذكر الهدي الكامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادة، وحينئذٍ يكون في هذه الصفة ما هو ركن وما هو واجب وما هو سنة، ثم بعد ذلك يذكرون صفة الإجزاء التي يقتصر فيها على بيان الواجب واللازم.
لماذا يقسمون الصفات إلى هذين القسمين؟ السبب في هذا: أنك إذا قرأت كتاباً في الفقه، أو أردت أن تتعلم الفقه؛ لكي تعمل به وتعلم غيرك، فإنك تحتاج إلى معرفة صفة العبادة من حيث هي، ثم بعد ذلك تعرف ما الذي يعد تركه إثماً وما الذي لا يعد تركه إثماً، فتعرف ما هو لازم وما هو غير لازم، فاللازم يعبرون عنه بالأركان والواجبات، وغير اللازم يعبرون عنه بالصفة العامة، فهو الآن يقول لك: باب صفة الحج، وسيأتيك بعدها: باب أركان الحج وواجباته.
و
السؤال
أليس الأولى أن نبدأ بصفة الإجزاء التي فيها الأركان والواجبات، أم أن الأولى أن نبدأ بصفة الكمال؟
الجواب
أن الأفضل أن تبدأ بصفة الكمال فتذكر صفة العبادة كاملة، ثم بعد ذلك تقول: هذا يجب وهذا لا يجب، أما لو ذكرت صفة الإجزاء أولاً، ثم جئت تذكر صفة الكمال فإنك تحتاج إلى تكرار، ولذلك منهج الفقهاء والعلماء أنهم يذكرون صفة الكمال أولاً ثم صفة الإجزاء بعدها، انظر إلى كتاب الوضوء فهم ذكروا: صفة الوضوء كاملة، ثم بعد أن انتهوا قالوا: والواجب كذا وكذا وكذا.
كذلك في باب الغسل ذكروا: صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم كاملة كما في حديث ميمونة و عائشة رضي الله عنهما، ثم قالوا: والواجب من ذلك النية، وتعميم بدنه بالماء، والمضمضة والاستنشاق.
كذلك أيضاً هنا في الحج يذكرون الصفة الكاملة للحج، فيذكرون ما يفعله الحاج وما يفعله المعتمر، وبعد أن ينتهوا من ذلك كله يقولون: والواجب كذا وكذا وكذا، ويبينون ما هو ركن وما هو واجب ما هو ركن بحيث لو تُرك بطلت العبادة وما هو واجب بحيث لو تُرك لا تبطل العبادة، ولكنه يجبر إذا كان من جنس العبادات التي تجبر فيها الواجبات، أو يحكم ببطلان العبادة في بعض العبادات، كالصلاة إذا تعمد الترك للواجب.
وعلى هذا سيذكر المصنف رحمه الله صفة الحج والعمرة الكاملة، ويبين في هذه الصفة الأفعال والأقوال التي يفعلها الحاج والمعتمر، ونحن بحاجة إلى هذه الصفة الكاملة؛ لأن من أوقع حجه وعمرته على أكمل الصفات وأتمها، مؤتسياً ومقتدياً بالنبي صلى الله عليه وسلم كان أحرى أن يتقبل الله حجه، وأن يتقبل عمرته، وأن يشكر سعيه وما كان من عمله.

صفة ومكان إحرام المتمتع وأهل مكة ووقت ابتدائه

[يسن للمحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال منها ويجزئ من بقية الحرم].
أي: (يسن للمحلين الإحرام بالحج من مكة) من عادة العلماء رحمة الله عليهم أنهم إذا ابتدءوا صفة الحج أنهم يذكرون ابتداء النسك، أعني: نسك الحج بالنسبة للمتمتع؛ لأن القارن والمفرد كل منهما باق على إحرامه، ولكن الذي فصل عمرته عن حجه بالتمتع يحتاج إلى بيان ما الذي يلزمه، أما الذي هو حاج وباقٍ على إحرامه مفرداً أو قارناً فلا يزال في نسكه، ولا يزال في إحرامه، ولذلك يبتدئ صفة الحج بذكر متى ومن أين يحرم من كان متمتعاً؟ لأن الحاج على ثلاثة أنواع: إما أن يكون مفرداً، وإما أن يكون قارناً، وإما أن يكون متمتعاً، فأما المفرد والقارن فإنه إذا قدم إلى مكة وطاف وبقي بها إلى يوم عرفة فلا إشكال، أو إلى يوم التروية فلا إشكال، فإنه يمضي إلى منى مباشرة، وهكذا بالنسبة للقارن؛ لأنه لازال كل منهما متلبساً بالنسك، ولكن الإشكال في هذا المتمتع الذي أدى عمرته وبقي بمكة، فإنه محل فكيف يدخل في نسكه؟ فقال: إن السنة أن يحرم من مكة، جاء عن أصاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أحرموا من مكة حينما تحللوا وأرادوا أن يدخلوا في نسك حجهم، فلما كان اليوم الثامن أحرموا بالحج، وللعلماء في هذه المسألة وجهان: قال بعض أهل العلم رحمة الله عليهم: إنه يحرم من أي مكان من مكة.
وقال بعضهم: إنه يحرم من الحرم، أي: من داخل المسجد الحرام.
والصحيح: مذهب جمهور العلماء: أنه يحرم من منزله، أو من أي موضع من داخل مكة قبل أن يصل إلى منى.
ورخص بعض العلماء أن يؤخر إحرامه إلى منى، وفي النفس منه شيء، والذين رخصوا في تأخير الإحرام إلى منى، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أصحابه أن يحرموا قبل الخروج إلى منى.
وهذا لا يخلو من نظر، فإن الأصل يقتضي أن من أراد المضي والذهاب إلى نسك حجه يقتضي أن يكون من موضعه، وبناء على ذلك فإنه إذا ذهب إلى منى فإنه ذاهب وقاصد لحجه، وبين مكة ومنى مسافة، خاصة في القديم فإنه كان هناك مسافة تفصل مكة عن منى، ولذلك أشبه بالرجل الذي يريد الإحرام من موضع من البلد، فإن الأولى والأحرى له أن يحرم من مسكنه الذي نوى منه.
وقال بعض العلماء: البلد كله بمثابة الموضع الواحد.
فعلى هذا القول الثاني في أن البلد كله بمثابة الموضع الواحد، فإنهم يرون أن له أن يؤخر إلى منى.
ولكن الذي تطمئن إليه النفس أن يحرم من نفس مكة لإحرام الصحابة من الأبطح، وهذا هو الأولى والأحرى؛ لما فيه من زيادة العبادة، ولما فيه من الاحتياط لها، وكل منهما مندوب إليه ومطلوب شرعاً.
وقوله: (المحلين) يشمل من كان متمتعاً ويشمل أهل مكة، فأهل مكة إذا أرادوا الحج فإنهم يكونون محلين في داخل مكة، ولذلك يمضون من مكة، فالأفضل لهم أن يحرموا من بيوتهم إعمالاً للأصل كما ذكرنا.
قوله: (يوم التروية قبل الزوال منها) أي: أن السنة والأفضل والأكمل أن يقع إحرامهم قبل الزوال؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فرض الظهر والعصر من اليوم الثامن الذي هو يوم التروية بمنى، وصلى المغرب والعشاء والفجر وهما محسوبان من التاسع، أعني: يوم عرفة، وإن كان بعض العلماء يرى أن عشية عرفة لما بعد.
على العموم فالسنة أن يصلي الخمسة الفروض بمنى، وإذا كانت السنة أن يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر بمنى فالعبرة بوقت هذه العبادة، فلابد وأن يكون فعله للظهر بمنى.
يحرم للنسك قبل الزوال، حتى إذا زالت الشمس ودخل وقت الظهر وهو بمنى، أمكنه أن يصيب السنة فيصلي مع الإمام، وهذا هو الأفضل والأكمل؛ لأنه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وسمي يوم التروية بهذا الاسم ؛ لأنهم كانوا يحملون فيه الماء إلى عرفة من أجل ريِّ الحجاج؛ لأن الناس كانوا في القديم كثيرين، وكان الماء قليلاً، فيحتاجون إلى أن يحتاطوا للحجاج بتهيئة الماء قبل يوم عرفة، فاليوم الثامن يهيئون فيه الماء، ويسمى: يوم التروية من أجل هذا، فإذا أحرم يكون إحرامه منها، والضمير في (منها) عائد إلى مكة، فدل على أن السنن منها: زمانية، ومنها: مكانية.
أولاً: يكون الإحرام قبل الزوال على وجه يدرك به صلاة الظهر بمنى.
ثانياً: يكون الإحرام من مكة كما ذكرنا، فيخرج إلى منى وهو حاج؛ حتى يكون أدعى لإصابة السنة، ولما فيه من الاحتياط كما ذكرنا.
قوله: (ويجزئ من بقية الحرم) أي: يجزئ إحرامه من أي موضع من الحرم، وهذا فيه رد على من قال: إنه لا يحرم إلا من المسجد، أي: من مسجد مكة، والصحيح أنه يحرم من أي موضع من الحرم، ولكن يتحرى من بيته؛ لأن نيته أن لا يخرج من بيته إلا وهو محرم؛ لما فيه من الاحتياط.
مشروعية المبيت بمنى في يوم التروية
قال المصنف رحمه الله: [ويبيت بمنى] قوله: (ويبيت بمنى) ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم باتوا بمنى، فصلوا الفروض الخمسة التي ذكرنا، وهذه سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.
قال بعض العلماء: صلاة الظهر يوم التروية للحاج بمنى أفضل من صلاته في المسجد الحرام.
وهذا على القول بأن مضاعفة الصلاة تختص بالمسجد نفسه، فالجمهور خلافاً للشافعية يقولون: إن صلاة الظهر يوم التروية للحاج بمنى أفضل من صلاتها في المسجد الحرام، لماذا؟ قالوا: لأنه اتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إذا صلى الظهر بمنى تأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وفي الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم والتأسي به عليه الصلاة والسلام أعظم الأجر والثواب.

السير إلى عرفات بعد طلوع الشمس والدخول إليها بعد الزوال

[فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة] قوله: (فإذا طلعت الشمس) أي: في صبيحة يوم عرفة يذهب إلى عرفة، ولذلك قال أنس رضي الله عنه: ( غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنا المهل ومنا المكبر ومنا الملبي، فلم يعب أحد منا على الآخر )، فالسنة: أن يغدو بعد صلاة الفجر من منى إلى عرفات، والسنة: أن يسلك طريق ضب الذي يكون من أسفل الجمرات من عند جمرة العقبة، ثم إذا مضى منه إلى عرفات يأتي طريق المأزمين الذي هو طريق الجبال عن يساره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من منى بعد أن صلى الفجر بمسجد الخيف، ثم لما صلى الفجر مضى عليه الصلاة والسلام وغدا إلى عرفات، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أن يمضي إلى عرفات راكباً، فلما سلك هذا الطريق وهو طريق ضب نزل بنمرة، ونمرة: هو الموضع الذي بين حدود الحرم وبين وادي عُرَنَةَ، فأنت إذا قدمت من جهة منى تريد دخول عرفات، فإنه تقابلك أعلام الحرم التي هي نهاية حدود الحرم، بعد أعلام الحرم يقابلك منبسط من الأرض فسيح يقرب من نصف كيلو، ويتقاصر ويضيق على حسب الوادي، ثم بعد ذلك يقابلك وادي عُرَنَةَ، ثم أرض عرفة.
فكان من هديه عليه الصلاة والسلام أن جاء فضربت له قبة بنمرة، وكانوا لا يشكُّون أنه سيبقى في حدود الحرم؛ لأن قريشاً في الجاهلية كانوا يقولون: نحن أهل الحرم ولا نخرج من الحرم، فكانوا يبقون في داخل حدود مكة، ويتميزون عن الناس، وهذا هو الذي وردت فيه الآية: { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } [البقرة:199] فكانوا يقولون: إنهم الحمس وأهل الحرم، وهذا من مختلقات الجاهلية، وهي من مسائل الجاهلية التي خالفوا فيها دين الحنيفية، التي كانت عليها ملة إبراهيم عليه السلام، فنزل عليه الصلاة والسلام بنمرة، ولذلك قال العلماء: السنة أن لا يدخل إلى عرفات إلا بعد الزوال، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمض إلى عرفات مباشرة، وإنما نزل في هذا المنبسط من الأرض وبقي فيه إلى قرب زوال الشمس، فلما زالت الشمس ركب ناقته القصواء صلوات ربي وسلامه عليه، وهذا يستفاد منه: أن الأفضل والأكمل أن ينزل الحاج قبل عرفة إن أمكنه ذلك وتيسر له، خاصة إذا كان من طلاب العلم وأهل العلم، فالأفضل له أن يتحرى هذه السنة، في أن يكون دخوله لعرفات بعد الزوال، فيبقى في هذا الموضع، ولا زال بعض طلاب العلم وبعض المشايخ يتحرون هذه السنة إلى يومنا هذا والحمد لله، فتراهم ينزلون في نمرة حتى إذا زالت الشمس مضوا إلى عرفات، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يفعله، وإذا زالت الشمس مضى إلى المسجد وصلى على الصفة التي سيذكرها المصنف رحمه الله، الشاهد: أنه يمضي بعد صلاة الفجر، ويكون نزوله دون عرفة، ويكون دخوله إلى عرفة بعد الزوال.
حكم الوقوف بعرفة وحدودها
[وكلها موقف إلا بطن عرنة].
قوله: (وكلها موقف) أي: كل عرفة موقف (إلا بطن عرنة) وهو الوادي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ارتفعوا عن بطن عرنة ) فكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه لما زالت الشمس مضى على ناقته القصواء، وخطب الناس من بطن الوادي، فخطب الناس بشعائر الإسلام خطبته المشهورة التي أحل فيها الحلال وحرم فيها الحرام، وبيّن فيها شرائع الإسلام، وأوضح الحقوق صلوات الله وسلامه عليه، ودعا إلى أدائها، وحرم المحارم وحذر منها صلوات الله وسلامه عليه، فكان من هديه أنه وقف ببطن عرنة للخطبة، ولذلك قال بعض العلماء: إن بطن عرنة من عرفة، ولكنه ليس بموضع للموقف، ومن هنا قال بعض العلماء: إن الموقف يبتدئ من بعد الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب من بطن الوادي ثم نزل فصلى عليه الصلاة والسلام، ثم مضى إلى الموقف، ولذلك استفادوا من هذا أن السنة على النحو الآتي: أن ينزل دون عرفة -في نمرة- قبل الزوال، فإذا زالت الشمس مضى إلى المسجد وصلى مع الإمام، ثم بعد ذلك يبتدئ موقفه بعد انتهاء الصلاة، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، فمن كان في بطن الوادي أو كان بنمرة ما بين الوادي وما بين حدود الحرم، فإنه لا يصح حجه إذا لم يدخل إلى حدود عرفة.
مشروعية الجمع يوم عرفة بين الظهر والعصر وحكمته
[ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر] قوله: (ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر)، وهذا الجمع جمع تقديم؛ والجمع ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: جمع التقديم وضابطه: أن يصلي الثانية في وقت الأولى، سواء كان الظهر مع العصر، أو المغرب مع العشاء، فيصلي العصر في وقت الظهر، فيبدأ بالظهر أولاً ثم العصر ثانياً.
وكذلك المغرب والعشاء، فيصلي العشاء في وقت المغرب، فيبدأ بصلاة المغرب ثم يقيم ويصلي العشاء، فهذا يسمى: جمع تقديم.
القسم الثاني: جمع التأخير وضابطه: أن يصلي الأولى في وقت الثانية، فيؤخر الظهر إلى وقت العصر، ويؤخر المغرب إلى وقت العشاء، ولا يتأتى ذلك منه إلا بالنية، فيكون في خلال وقت الأولى وهي الظهر ووقت الأولى وهي المغرب بالنسبة للعشاءين ناوياً الجمع، فلو كان على سفر ونسي وسها عن صلاة المغرب، ولم ينو الجمع حتى مضى وقت صلاة المغرب، ثم دخل وقت العشاء فتذكر، فحينئذٍ يصلي المغرب أولاً لكن بنية القضاء لا بنية الجمع؛ لأنه قد فاته وقت المغرب وهو لم ينو الجمع.
ولذلك الجمع يكون جمع تقديم وجمع تأخير، وهنا الجمع في يوم عرفة جمع تقديم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم العصر إلى وقت الظهر، وهذا الجمع حكمته كما ذكر العلماء رحمة الله عليهم: التفرغ لما هو أهم وأعظم وهو ذكر الله عز وجل والثناء عليه بتوحيده ومسألته من واسع فضله؛ وذلك لأن هذا الموقف وهو موقف عرفة موقف عظيم، ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحج عرفة وقال: ( الحج عرفة ) ؛ تعظيماً لهذا الموقف، فنظراً لهذا هيئت الأسباب ليفرغ وقته للذكر ويفرغه للعبادة، إلى درجة أن الصلاة التي هي من أعظم الأمور بعد الشهادتين وأجلها قدمت عن وقتها؛ حتى يتفرغ في وقت الثانية لذكر الله عز وجل وسؤاله من فضله.
سنية الوقوف عند جبل الرحمة مستقبل الصخرات راكباً
[ويقف راكباً عند الصخرات وجبل الرحمة].
الشيخ: (ويقف راكباً)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على ناقته القصواء، يقف راكباً وإن وقف بدون دابة فهذا يسمى: وقوفاً اعتبارياً: قال بعض العلماء: إن من السنة أن يكون على دابته، وفي حكم الدابة السيارة الآن، ولا يشكل على هذا أنه في السيارة كالراكب والجالس؛ لأنه على الدابة كالراكب والجالس، ولذلك السنة أن يكون على دابته إذا تيسر له ذلك، وإذا لم يتيسر وأراد أن يقف في خيمته أو في منزله أو داخل المسجد في حدود عرفة، ويحتاط أن لا يقف بمقدمة المسجد فإنه يجزيه، وهذا من باب الكمال لا من باب اللزوم والوجوب، أي: أنه ليس بلازم وليس بواجب، المهم أنه يمضي عليه الوقت ولو لحظة وهو داخل حدود عرفة في وقت الموقف.
فإذا وقف قام عند جبل الرحمة مستقبل الصخرات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مضى إلى الموقف استقبل الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، وتضرع صلوات الله وسلامه عليه من بعد صلاته إلى غروب الشمس، وهذا الموقف ليس بلازم وإنما هو من باب الكمال إن تيسر للإنسان، وأما إذا لم يتيسر ففي أي موضع من عرفة يجزيه أن يقف فيه، وأن يسأل الله عز وجل من فضله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وعرفة كلها موقف ) ، فأجاز للأمة الوقوف في أي موضع من عرفة، ولكن هنا أمر يفعله بعض الناس وهو صعود الجبل، وصعود الجبل ليس له دليل يدل عليه، حتى قال بعض العلماء: إن تكلف الصعود .
يعتبر بدعة وحدثاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلف ذلك، ولم يتكلفه الصحابة، والغالب أن العامي يفعل ذلك لاعتقاد الفضل ومزية الأجر، ولذلك كان أشبه بالمحدث، والخير كل الخير في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والإقتداء به والتأسي به صلوات الله وسلامه عليه، فلا يشرع الصعود إلى الجبل، خاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولم يفعله أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم.
ويجتهد في الدعاء وسؤال الله عز وجل من فضله، ويقول بعض العلماء: إن المسلم إذا نظر إلى حكم الشرع بتقديم العبادة عن وقتها من أجل التفرغ للدعاء والمسألة؛ دعاه ذلك إلى أن يحفظ هذا الوقت، وأن يحفظ هذه الساعات فيجتهد في سؤال الله عز وجل من فضله العظيم، ولذلك كره بعض العلماء أن ينام؛ لأن النوم يدل على الاستخفاف بعظمة هذا الموقف، خاصة إذا كانت نفسه قوية وعنده القدرة على أن يصبر إلى الغروب، ولا شك أنه قد فاته خير كثير، فالذي ينام مع قدرته على المواصلة إلى المغرب لا شك أن فيه غفلة، وهذا من ضعف الإيمان -نسأل الله السلامة والعافية- أن يأتي إلى هذا الموضع الذي تقطعت قلوب المسلمين حرقة أن يبلغوه، وهلكت الأنفس من أجل بلوغه والتمتع به، وإذا به يضع رأسه لكي يستريح وينام، ولا شك أن كل ذلك يدل على غفلته وموت قلبه نسأل الله السلامة والعافية! بل قال بعض العلماء: الأدهى من ذلك والأمر أن يضيع وقته في فضول الأحاديث، أو فيما حرم الله من الغيبة والنميمة.
فينبغي على طالب العلم وعلى من كان قدوة كالعلماء ونحوهم، أنهم إذا فرغوا من الصلاة أن يروا الناس الاجتهاد في الدعاء، والإلحاح في المسألة والضراعة مع البكاء والخشوع، وسؤال الله عز وجل والثناء عليه سبحانه بما هو أهله، فهذا من شكر نعمة الله عز وجل على العبد، فالذي بلغ الإنسان لهذا المبلغ لا شك أنه يريد به الخير، ولو لم يرد الله بك خيراً لم يبلغك إلى هذا المكان، ولم يبلغك إلى هذا الموضع، فلذلك كان من الحري بالمسلم أن يشكر نعمة الله عليه؛ فيجتهد في سؤال الله والتضرع لله سبحانه وتعالى، وأفضل ما دعي به سبحانه وأثني عليه هو توحيده والإكثار من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله ) .
فالمقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم نبه بهذا الحديث على أن الأفضل أن يثني على الله بتوحيده، الذي من أجله شرع الله عز وجل هذا الركن العظيم، فأفضل ما يثنى به على الله أن يوحد ويهلل ويكبر سبحانه، فيشتغل المسلم بالدعاء إلى غروب الشمس، ويجتهد في المسألة وسؤال الله عز وجل من خيري الدنيا والآخرة.
استغلال يوم عرفة بكثرة الدعاء وتخير جوامع الدعاء
[ويكثر من الدعاء بما ورد] قوله: (ويكثر من الدعاء بما ورد) المراد هنا (بما ورد) يحتمل أمرين: إما بما ورد من دعائه يوم عرفة في حديث الطبراني وغيره، ولا تخلو هذه الأحاديث من كلام ومن ضعف.
وإما أن يدعو بما ورد، يعني: يتخير في دعائه جوامع أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، والتي منها: ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار )، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: ( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمت أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر ) ونحو ذلك من الأدعية، وكذلك يدعو بما ورد من توحيد الله عز وجل، أعني: التهليل كما ذكرنا، فالأفضل أن الداعي إذا دعا يدعو بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إذا دعا بالدعاء الوارد كان له أجر الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر بعض العلماء: أن من آداب الدعاء تخيّر جوامعه، وإذا تخيّر جوامع الدعاء متأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك أقرب لأن تجاب دعوته، وتجاب مسألته، فهو أحرى بالقبول من الله عز وجل؛ لأن التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم والاتباع لسنته فيه خير وبركة، وجعل الله اتباع رسوله صلوات الله وسلامه عليه سبيل هدى وطريق رحمة، فقال سبحانه: { وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [الأعراف:158] ، قال بعض العلماء: ما تحرى أحد سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان هادياً مهدياً، أي: جعله الله مهتدياً في نفسه هادياً لغيره، ولذلك تجد طلاب العلم وأهل العلم الذين يتمسكون بالسنة ويحرصون عليها، تجدهم هداة مهتدين، وتجد ما يضع الله لهم من البركة والنفع عند المسلمين خيراً كثيراً، فلذلك يحرص الإنسان على أن يدعو بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما فيه من رجاء القبول، ولما فيه من الاهتداء والرحمة والخير الذي جعله الله عز وجل لمن تأسى واقتدى به صلوات الله وسلامه عليه.
مدة الوقوف بعرفات وابتداؤه وانتهاؤه
[ومن وقف ولو لحظة من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر].
قوله: (ومن وقف ولو لحظة من فجر يوم عرفة)، هنا مسألتان: المسألة الأولى: ما هو أقل الواجب في الوقوف؟ والمسألة الثانية: ابتداء الوقوف، متى يبتدئ الوقوف ومتى ينتهي؟ هاتان المسألتان متعلقتان بركن الوقوف بعرفة.
المسألة الأولى: ذكر المصنف رحمه الله المضي من منى إلى عرفات، وبعد أن بيّن لك هدي النبي صلى الله عليه وسلم والصفة الكاملة في الوقوف، ف
السؤال
ما هو المعتبر للوقوف بعرفة؟ فقال رحمه الله: (ومن وقف ولو لحظة)، أي: فمن دخل إلى حدود عرفة ولو ماراً بها ولو مر بجزءٍ منها مروراً، وهذا هو المعبر عنه بلحظة، فإنه يعتبر واقفاً إذا كان في الوقت المعتبر والمحدد شرعاً، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ( من صلى صلاتنا هذه، ووقف موقفنا هذا، وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار ) فقوله: (أي ساعة) أي: لحظة؛ لأن العرب تطلق الساعة على اللحظة كقوله تعالى: { كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ } [يونس:45] فالمراد به اللحظة اليسيرة، ومن هذا الحديث أخذ العلماء دليلاً على أن الوقوف بعرفة يجزئ ولو لحظة، إذا وقع في الوقت المعتبر، لكن لهذا الحكم ضوابط سيأتي إن شاء الله بيانها.
المسألة الثانية: متى يبتدئ الوقوف بعرفة؟ وهذه مسألة فيها إشكال، فأنت إذا جئت تنظر إلى يوم عرفة ممكن أن تقول: من طلوع فجر يوم عرفة على أن النهار يبدأ من طلوع الفجر إلى طلوع فجر يوم النحر هذا ابتداء وانتهاء.
من ناحية الانتهاء لا إشكال في أنه ينتهي بطلوع فجر يوم النحر، لكن الابتداء قال بعضهم: من طلوع الفجر، وقال بعضهم: من طلوع الشمس، وقال بعضهم: من زوال الشمس، وهذا القول الأخير من القوة بمكان، وفائدة الخلاف: أنه إذا وقف قبل الزوال ومضى إلى مزدلفة، أو وقف قبل الزوال ثم أغمي عليه، أو أصابه عذر وخرج من عرفة حتى فات زمان التدارك، فإنه على القول بأنه يبتدئ الوقوف من الزوال لم يصح حجه ويتحلل بعمرة؛ لأن الوقت المعتبر والحد المعتبر شرعاً يبتدئ من زوال الشمس، فإذا وقف قبل الزوال أشبه كما لو وقف قبل يوم عرفة، فلا يجزيه أن يقف قبل زوال الشمس، وهذا القول إذا نظرنا إلى ظاهر السنة في فعله عليه الصلاة والسلام، أنه لم يدخل عرفة إلا بعد الزوال فإنه يقوى، لكن من قال: بأنه يبتدئ من طلوع الشمس يقويه قوله عليه الصلاة والسلام من حديث عروة بن مضرس : ( وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار ) فإن ساعات النهار تبتدئ من طلوع الشمس، فحينئذٍ تستطيع القول: بأن السنة من الزوال، وما قبل الزوال دخل بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (من نهار) فإن نهاراً نكرة، والنهار يبتدئ من طلوع الشمس، فإن قيل: بأن النهار يبتدئ من طلوع الفجر، وهذا قول اختاره بعض العلماء.
تقول: لو وقف من بعد طلوع الفجر من يوم عرفة ولو لحظة أجزأه وصح حجه.
قوله: (من وقف) المراد أن يكون في الموضع المعتبر للوقوف، حتى ولو كان محمولاً، فلو حمل أو كان في سيارة فإنه يصدق عليه أنه واقف بعرفة، فليس المراد من الوقوف وقوف الصفة، يعني: أن يستتم قائماً، فإنه بالإجماع لو كان محمولاً كالمشلول ونحو ذلك فإنه يجزيه.
قوله: (من فجر يوم عرفة) هذا مبني على ما قلناه: إن الليل ينتهي بطلوع الفجر، قالوا: فالنهار يبتدئ من طلوع الفجر.
هناك قول ثانٍ: إنه يبتدئ من طلوع الشمس كما ذكرنا على أن النهار أصلاً تكون بدايته من طلوع الشمس، وهذا في الحقيقة أقوى.
وهناك فوائد تترتب على هذا، منها: مسألة تقسيم الليل، متى تحدد نصف الليل وثلث الليل في قيام الليل، ففي قيام الليل تحسب إلى طلوع الفجر حتى تحسب الثلث الأخير، أما نصف الليل ووقت انتهاء نصف الليل يكون الحساب من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق.
وهناك قول آخر: وهو أن يحسب من غروب الشمس إلى طلوع الشمس، وهذا قول مرجوح، ونبه شيخ الإسلام رحمه الله في المجموع إلى رجحان الأول.
قوله: (إلى فجر يوم النحر)، أي: إذا طلع فجر يوم النحر فإنه بالإجماع لا يصح وقوفه، إذا طلع الفجر الصادق، وعرفنا الآن أنه يبتدئ الوقوف إما بطلوع الفجر الصادق، وإما بطلوع الشمس، وإما بالزوال، فمن ناحية الجواز مثل ما ذكرنا في هذه الحدود الثلاثة والأقوال الثلاثة، من حيث السنة: يبتدئ الوقوف من الزوال، أي: من بعد صلاة الظهر والعصر، وأن يحضر وينصت للخطبة فإنه يبتدئ وقوفه بعد ذلك، وهو السنة والأفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف إلى عرفات بعد صلاته وخطبته، فمن ناحية السنة الموقف يكون من بعد الزوال ومن بعد الصلاة، لكن عندما يقف بعد الزوال فمتى يدفع؟ هل يدفع بغروب الشمس، أو يدفع قبل الغروب؟

الجواب
أنه لا يدفع إلا بعد غروب الشمس، وهذا بإجماع العلماء، على أن الواجب عليه أن يبقى إلى غروب الشمس، وعليه فإن وقوف النهار يتقيد بغروب الشمس بخلاف وقوف الليل، فمن وقف نهاراً فإنه لا يستتم موقفه على الوجه المعتبر إلا إذا غربت عليه الشمس وهو بعرفة، فإذا كان الوقوف نهاراً فلابد وأن يمسك جزءاً من الليل، وسنبين السبب في ذلك ودليله من حديث جابر رضي الله عنه.
أما لو وقف ليلاً فيجزيه أي لحظة، فقوله هنا: ولو لحظة ليس على إطلاقه، إنما المراد به هنا بيان الركن، فالوقوف الذي يتحقق به ركن الحج يبتدئ من هذا الزمان وينتهي بهذا الزمان، هذا قصد الركنية، أما من جهة الوقوف الواجب واللازم الذي ينبغي عليه أن يتقيد به، وإذا ضيعه لزمه الدم وجبره فسيبينه رحمه الله.
شروط أهلية صحة الوقوف بعرفات
[وهو أهل له صح حجه وإلا فلا].
قولهوهو أهل له) يشترط في وقوف الركن هذا أن يكون أهلاً، وللأهلية شروط: الأول: أن يكون مسلماً فلا يكون كافراً، ولو أن كافراً مثلاً كان بأرض عرفة قبل الزوال وأسلم بعد الزوال أو أسلم بعد غروب الشمس وقبل طلوع الفجر ولو بلحظة واحدة، وكان قد نوى حجاً فإنه يجزيه ويصح منه، إذاً لابد أن تكون الأهلية متوفرة وموجودة، فلو كان كافراً لم يصح وقوفه، فلو أسلم قبل طلوع الفجر كان واقفاً، كأن يكون رقيقاً يخدم سيده وهو كافر فحج مع سيده.
أما لو مضى إلى عرفات -هو لا يدخل مكة على القول بأن الكافر لا يدخل مكة- مع سيده فبقي بعرفة يخدمه ويقوم على حاله، ثم طلع الفجر فأسلم، فبطلوع الفجر لا يجزيه وقوفه ولا يعتد بوقوفه؛ لأنه وقف وهو ليس بأهل.
الشرط الثاني: أن يكون عاقلاً، فلو كان مجنوناً فإنه لا يصح وقوفه، أو كان سكراناً وهو خلاف شرط العقل؛ لأن العقل يزول إما بالجنون أو بالسكر أو بالإغماء؛ لأنه في حكم زائل العقل، ففي هذه الأحوال الثلاثة لو كان مجنوناً ودخل إلى حدود عرفة فإنه لا يجزيه، وهكذا لو كان مغمىً عليه فحمل إلى حدود عرفة في وقت الإجزاء ثم إنه لم يفق إلا بعد انتهاء الوقت لم يجزه ذلك الوقوف، وهكذا لو كان سكراناً -والعياذ بالله- فإنه لا يجزيه الوقوف إلا إذا كان مسلماً عاقلاً، وهو أهل للوقوف.
الشرط الثالث: أن يكون داخلاً في النسك وهو الإحرام، فلو وقف وهو حلال، ثم نوى الإحرام بالحج بعد انتهاء وقت الوقوف لم يجزه، كما لو حج بعد الوقت.
حكم من وقف نهاراً بعرفة ثم خرج منها قبل الغروب ولم يعد
[ومن وقف نهاراً ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله فعليه دم] هذه صفة قدر الواجب، فبعد أن بيّن الصفة المعتبرة لتحقق ركن الوقوف شرع الآن فيما يجب: فقال رحمه الله: (ومن وقف نهاراً ودفع قبل الغروب).
هذا شرط الوقوف النهاري الذي يجب على المكلف إذا وقف نهاراً أن يمسك جزءاً من الليل، فيقف إلى غروب الشمس، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر : ( أنه عليه الصلاة والسلام اجتهد في الدعاء وسأل الله من فضله حتى غابت الشمس وذهبت الصفرة ) ، فهناك أمران: الأمر الأول: الغروب، والأمر الثاني: ذهاب الصفرة، وذهاب الصفرة يأخذ ما لا يقل عن ثلاث دقائق وهي صفرة الشمس بعد مغيبها، يعني: يبقى بعد الغروب بهذا القدر، حتى قال بعض العلماء: إنه يعتبر داخلاً في الحد الواجب؛ لأن جابراً رضي الله عنه قال: ( وذهبت الصفرة ) أي: ذهبت صفرة الشمس بعد غروبها، بل كان بعض العلماء يرى أن صلاة المغرب لا تصح إلا بعد ذهاب هذه الصفرة، وإن كان الصحيح أنه لا يشترط؛ لأن حديث جابر رضي الله عنه في الصحيحين: ( والمغرب إذا وجبت ) وقد بيّنا هذا في مواقيت الصلاة.
فذهاب الصفرة هو السنة في الدفع من عرفات، والهدي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقف حتى غابت الشمس وذهبت الصفرة.
لو سألك سائل وقال: كيف أوجبت عليَّ أن أقف إلى غروب الشمس مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار )، هذا قد وقف بعرفات ساعة من نهار وصدق عليه الحديث، تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن قوله: ( أي ساعة من ليل أو نهار ) بفعله حيث وقف حتى دخل عليه الليل، فصار حداً لازماً واجباً على الحاج إذا وقف بعرفة نهاراً أن يظل بعرفة حتى تغيب الشمس وتذهب الصفرة، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ( خذوا عني مناسككم )، قالوا: فدل فعله عليه الصلاة والسلام على وجوب إمساك جزء من الليل، فإذا أمسك الجزء من الليل حينئذٍ صح وقوف النهار، فلو وقف بعرفات نهاراً ثم دفع قبل غروب الشمس فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يمضي ولا يعود فعليه دم؛ لفوات الواجب عليه من إمساك جزء من الليل، وظاهر حديث جابر رضي الله عنه ووقوفه عليه الصلاة والسلام يدل على وجوب الدم عليه؛ لأن هذا الموقف كما ذكرنا على هذه الصفة وقع بياناً لواجب، وبيان الواجب واجب.
الحالة الثانية: أن يرجع قبل الفجر ولو بلحظة، مثلاً: ثم أتى عرفات الساعة الثانية ظهراً ووقف ثم دفع قبل أن تغرب الشمس فَنُبِّهَ فرجع، فإن كان قد رجع فلا يخلو رجوعه من حالتين: الحالة الأولى: إما أن يرجع قبل أن تغرب الشمس، فإن رجع قبل غروب الشمس وبقي إلى أن غابت الشمس فلا إشكال، وسقط عنه الدم وهو قول جماهير العلماء.
الحالة الثانية: أن يرجع بعد غروب الشمس، فإذا رجع بعد غروب الشمس فبعض العلماء يقول: يسقط عنه الدم الواجب؛ لأن رجوعه إلغاء للموقف الأول في النهار، وقال بعض العلماء: قد وقع إخلاله ولم يمكنه التدارك بمغيب الشمس.
وهذا القول من جهة الأصول توضيحه: أنه لما وقف نهاراً تعيّن عليه إمساك جزءٍ من الليل، فإن رجع في النهار فقد ألغى موقفه الأول بالرجوع قبل غروب الشمس، وصارت العبرة بالموقف الثاني لا بالأول، فصح وأجزأه أن يقف إلى غروب الشمس، أما لو رجع بعد غروب الشمس، فإنه لم يتدارك ما يجب عليه في الأول، وإنما تدارك الوقوف؛ لأن الوقوف يقع في الليل ويقع في النهار فقالوا: حينئذٍ يلزمه دم، فهذه الحالة الثانية أشبه بالصحة وأقوى؛ وذلك لأن الإخلال قد وقع بمجرد المغيب، أما لو رجع قبل غروب الشمس فقد صار رجوعه ملغياً للموقف الأول واعتد بالموقف الثاني لا بالأول؛ لأن الزمان الذي فيه الوجوب قد وقع على الصفة المعتبرة.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #238  
قديم 02-11-2022, 05:47 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,323
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب المناسك)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (233)

صـــــ(1) إلى صــ(23)




عدم لزوم الدم لمن وقف ليلاً بعرفة ولو للحظة
[ومن وقف ليلاً فقط فلا] قوله: (ومن وقف ليلاً فلا) أي: لا يلزمه دم؛ لأنه يجزيه حتى ولو وقف لحظة؛ لأن وقوف الليل لا يتقيد.
ما يفعله الحاج بعد غروب شمس يوم عرفة
[ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة ويسرع في الفجوة ويجمع بها بين العشاءين] قوله: (ثم يدفع بعد غروب الشمس إلى مزدلفة)، قيل: سميت مزدلفة: من الازدلاف وهو التقرب، ومنه قوله تعالى: { وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ } [الشعراء:90]، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها موضع قربة وطاعة لله سبحانه وتعالى، وقيل: سميت بذلك؛ لأن الناس يأتونها زلفاً من الليل، وتسمى: المشعر الحرام، فبعد انتهاء موقفه بعرفة السنة أن يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة ووقار.
العمل الأول: الدفع من عرفة إلى مزدلفة
وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه إذا غابت عليه الشمس يوم عرفة دفع إلى مزدلفة وأخر صلاة المغرب إلى مزدلفة، وكان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص، أي: كان يسير سيراً خفيفاً فإذا وجد فرجة أرسل لناقته وأسرعت على قدر ما يجد من سعة، وكان يقول: ( أيها الناس! السكينة السكينة ) دفع صلوات الله وسلامه عليه حتى بلغ الشعب -وهو الشعب الذي دون المشعر- فدخل فيه وبال عليه الصلاة والسلام، ثم توضأ وضوءاً خفيفاً، والسنة: أن يكون مسيره من طريق المأزمين، وطريق المأزمين: هو الطريق الذي بين الجبلين حينما تخرج من عرفات، ويكون المسجد وراء ظهرك وتذهب إلى جهة مزدلفة.
وهناك طريقان: الطريق الذي ينصب من بين الجبال، والطريق الآخر -الأيسر- هو طريق ضب الذي يقبل به من منى، وهو مقدمه عليه الصلاة والسلام.
فطريق المأزمين هو الذي بين الجبلين، وهو مشهور وباقٍ إلى الآن، وهو طريق المشاة الآن، وفيه طريق للسيارات، لكن السيارات تتيامن فيه، وطريق المشاة الذي ينصب إلى داخل مزدلفة يسمى طريق المأزمين، وكلها من السنة، فحتى لو مضى من طريق السيارات الأيمن فإنه يصيب السنة؛ لأنه جزء من طريق المأزمين.
العمل الثاني: الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة
فلما دفع عليه الصلاة والسلام إلى مزدلفة ولما قال له أسامة : ( الصلاة يا رسول الله! قال: الصلاة أمامك ) أخذ بعض العلماء من هذا دليلاً: أن السنة أن يؤخر صلاة المغرب ولا يصليها إلا بمزدلفة، حتى قال بعض العلماء: حتى ولو وصل إلى مزدلفة قرب الفجر، يعني: في أوقات الضرورة فإنه يؤخر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلاة أمامك)، وهذا مذهب الحنفية، وكان بعض العلماء يشير به إلى تمسك الإمام أبي حنيفة بالسنة، ولذلك قالوا: إن الإمام أبا حنيفة رحمة الله عليه كان يجتهد كثيراً لقلة الأحاديث عنده، وكان يخاف الوضع على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان في المشرق، والأحاديث هناك قليلة، ولذلك قال الإمام الشافعي لصاحب أبي حنيفة محمد بن الحسن : أناشدك الله أصاحبنا أعلم بالسنة، أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم.
فكانت السنة قليلة عنده رحمة الله عليه فكان يجتهد كثيراً.
ولذلك لما جاء هذا الحديث وقال فيه أسامة : ( الصلاة يا رسول الله! قال النبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة أمامك ) قال الإمام أبو حنيفة : لا تصلى إلا بالمزدلفة، وهذا يدل على أن الأئمة رحمة الله عليهم الظن بهم أنهم لا يتركون سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه تزكية لهذا الإمام الجليل رحمة الله عليه، وأن ما كان منه من اجتهادات إنما كان سببها عدم بلوغه النص، فالواجب على من تبعه ورأى اجتهاده يعارض النص أن يعدل إلى النص؛ لأن هذا من متابعته رحمة الله عليه.
فقوله عليه الصلاة والسلام: (الصلاة أمامك) قال العلماء: إنه يؤخر المغرب حتى ولو وصل في وقت العشاء، ولكن لو وصل إليها مبكراً -كما هو الحال الآن- في وقت المغرب، فإنه يجمع جمع تقديم، والمسافة بين المزدلفة وبين عرفات طويلة وتأخذ وقتاً، والغالب أنه لا يصل إلى بعد دخول وقت العشاء، ولذلك قالوا: إن السنة أن يجمع سواء كان جمعه جمع تقديم أو جمع تأخير.
قوله: (بسكينة) أي: بهدوء، وهي مأخوذة من سكن الشيء إذا استقر.
قوله: (ويجمع بها بين العشاءين) هذا من باب التغليب كالقمرين والعمرين من باب التغليب، وكما ذكرنا إما أن يجمع جمع تقديم أو جمع تأخير.
العمل الثالث: المبيت بمزدلفة
[ويبيت بها].
قوله: (ويبيت بها) أي: فيها، فالباء للظرفية؛ لأن الباء لها أكثر من عشرة معان، منها: الظرفية.
تعدّ لصوقاً واستعن بتسببٍ وبدل صحاباً قابلوك بالاستعلا وزد بعضهم يميناً تحز معانيها كلها فمن معانيها الظرفية: (يبيت بها) أي: داخل حدود مزدلفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها، والسنة أنه يبادر بالمبيت ولا يشتغل بشيء آخر؛ حتى يستطيع الاستيقاظ للفجر في أول وقته، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها، ووقع فعله بياناً للمجمل، ولذلك فإن مذهب جماهير العلماء أن المبيت بمزدلفة يعتبر من واجبات الحج، حتى قال بعض العلماء: إنه ركن من أركان الحج، وإن كان الصحيح أنه واجب من الواجبات.
وقوله: (ويبيت بها) كما قلنا، أي: في حدود مزدلفة؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات فيها، سواء كان بجوار المشعر أو بعيداً عن المشعر، ما دام أنه داخل حدود مزدلفة.
والبيتوتة هنا مطلقة، يعني: لو أن إنساناً بقي بمزدلفة ولم ينم فإنه يعتبر قد بات بمزدلفة؛ لأن البيتوتة تتحقق حتى ولو لم ينم، قال تعالى: { وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا } [الفرقان:64] فأخبر سبحانه وتعالى أنهم يبيتون مع أنهم قائمون الليل، فالمقصود: أن البيتوتة تتحقق حتى لو جلس في مزدلفة ولم ينم، ولكن السنة والأفضل أن ينام، قال العلماء: إنه إذا نام استيقظ مبكراً وهو قوي النفس مستجم الروح، فيكون أحضر لقلبه إذا دعا بالمشعر الحرام، وأخشع عند سؤاله لله عز وجل، وذلك من أسباب الإجابة.
الأسئلة
حكم التلبية يوم عرفة

السؤال
إذا تفرغ وانشغل يوم عرفة بما ورد من الدعاء، هل معنى ذلك أن يكف عن التلبية أثابكم الله؟


الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالسنة المحفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء، فيدعو الله عز وجل ويسأله من فضله، وليس هناك ما يدل على ذكر التلبية أو نفيها، إن قيل: يلبي أثناء دعائه فله وجه من جهة الاستصحاب، هذا يسمى: استصحاب الأصل.
وقول جماهير العلماء: على أن عرفة موضع للتلبية، خلافاً للمالكية وطائفة من فقهاء المدينة، حيث قالوا: إن التلبية تنقطع بالمضي إلى الصلاة في يوم عرفة؛ لأن الحج عرفة، فإذا كان يلبي من أجل الحج فإنه ينتهي بمضيه إلى عرفة، وهذا قول مرجوح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه لبى بعد عرفة، وعلى هذا فلو قال قائل: بأنه يلبي أثناء دعائه، فهذا من باب استصحاب الأصل، ولو قال قائل: يشتغل بالدعاء، فهذا هو الأصل في الأدعية أنه يشتغل فيها بدعاء الله عز وجل وسؤاله من فضله.
والله تعالى أعلم.


معنى قوله عليه الصلاة والسلام (خذوا عني مناسككم)


السؤال
كيف نفرق بين المسنونات والواجبات في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، علماً بأن الكل مندرج تحت قوله عليه السلام: ( خذوا عني مناسككم )، وضحوا ذلك أثابكم الله؟


الجواب
المنسك يكون بالأفعال التي فعلها عليه الصلاة والسلام، هذا في الأصل، ولذلك سميت: المناسك يقال: عرفة ومنى والصفا والمروة، هذه من مناسك الحج، تطلق المناسك على الأماكن، قال تعالى: { لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ } [الحج:67]، وتطلق على الأفعال ومنها: الذبح، كقوله تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي } [الأنعام:162] .
وقوله عليه الصلاة والسلام: ( خذوا عني مناسككم ) وقع هذا على سبيل العموم، فهو يشمل الأقوال والأفعال من حيث الأصل، لكن المعتبر عند الجمهور رحمة الله عليهم، فيما ذكروه من الأركان والواجبات، إنما هو في الأفعال وهي الغالبة، فقد وقع منه عليه الصلاة والسلام بيان لما أجمل القرآن في قوله: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } [آل عمران:97] من جهة الأفعال، وأما بالنسبة للأقوال: فتأتي أدلة تخصص أو تدل على أن هذا القول سنة وليس بواجب ولا لازم، أما كيفية التفريق فهذا يرجع إلى ضوابط قررها العلماء في علم الأصول، سنذكرها إن شاء الله في باب أركان الحج وواجباته، ما هو الركن؟ وما هو الواجب؟ وما هو السنة؟ ونبين لماذا صرفنا هذا الفعل من كونه لازماً إلى كونه مسنوناً، ودليل الصرف؟ وهذا إن شاء الله سيأتي بيانه في موضعه.
والله تعالى أعلم.
وأظن السائل فيما يظهر لي والله أعلم أن مراده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خذوا عني مناسككم )، هذا أمر يدل على أن جميع ما فعله في الأصل واجب ولازم، فلماذا نقول: إن فِعْلُه هذا في الحج سنة، مع أنه عليه الصلاة والسلام قال: (خذوا عني مناسككم)؟! والواقع أن العلماء رحمة الله عليهم بينوا هذا، وأظن أن هذا هو الإشكال عنده فيما يظهر، وهو إشكال وارد من هذا الوجه، يعني: حينما تنظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني مناسككم) هذا أمر يدل على أن جميع ما فعله وما وقع منه عليه الصلاة والسلام يعتبر واجباً، لكن العلماء رحمة الله عليهم قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قصد بالمنسك: أداء الشعيرة؛ والسبب في ذلك: أن الحنيفية بدلها المشركون من أهل مكة وغيرهم في الجاهلية، فزادوا ونقصوا وحرفوا وأحدثوا وابتدعوا، فجاء فعله عليه الصلاة والسلام لبيان أصول الدين في العبادة ذاتها، وبيان ما أمر الله عز وجل ببيانه من توحيده سبحانه، وحدود وضوابط العبادة التي هي الحج، فقوله عليه الصلاة والسلام: ( خذوا عني مناسككم ) المراد به بيان الهدي، بغضِّ النظر عن كونه في الأصل واجباً أو غير واجب، لكن العلماء يستأنسون بقوله: ( خذوا عني مناسككم ) على الوجوب؛ لأن الحديث يقول: (خذوا عني) ولم يقل: افعلوا فعلي، وفرق بين: (خذوا عني)، وبين قوله: افعلوا ما فعلت؛ لأن خذوا عني المراد به التعلم، والتعلم يشمل ما هو واجب وما ليس بواجب، فوقع بياناً للحنيفية وليس المراد به تعين الفعل منه عليه الصلاة والسلام، وأظن الأمر واضحاً؛ لأن اللفظ: (خذوا عني مناسككم) يدل على التعلم والتلقي، ولذلك قال: ( فإني لا أدري لعلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا ) ، فكأن المراد به جهة التعلم للشعائر، وهذا أعم من أن يكون دليلاً على الأركان، أو دليلاً على الواجب، أو دليلاً على اللزوم، يشكل على هذا لو قلنا: إن المراد به التعليم، كيف يحتج العلماء به على سنته وهديه في الحج؟ نقول: نعم؛ لأنه لما ذكر هذا الشيء بقوله: ( خذوا عني مناسككم ) تنبيهاً على مشروعية هذا الفعل وإقراره للحنيفية وما فيه من الهدي، وليس المراد به مسألة الإلزام وكونه ركناً أو كونه واجباً، بل هو أعم من ذلك، وعلى هذا الذي يظهر أنه لا إشكال في الحديث.
وخلاصة الجواب أن يقال: إن لفظ الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: ( خذوا عني مناسككم ) لا يساعد على تعيّن أو وجوب أو لزوم كل ما كان في حجة الوداع، بل إن الإجماع منعقد على أنه ليس كل ما وقع في حجة الوادع واجباً، إذاً لو قلت بذلك للزم كل من حج أن تكون أفعاله وأقواله كاملة مثلما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، بحيث لو وقف على الصفا ولم يدع بطل وقوفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على الصفا، وحتى لو وقف ودعا ولم يدع مثل دعائه الوارد المتقيد لم يصح أيضاً؛ لأنك ترى أنه لازم كالركن وكالواجب، ولا يقول أحد بهذا، وحينئذٍ يكون قد حمل الحديث في المعنى ما لا يحتمل وفوق ما يدل عليه، ولا شك أن المراد به الأخذ بمعنى التلقي عنه عليه الصلاة والسلام، وقد علل هذا بقوله: ( فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ) أي: تعلموا هديي وسنتي، التي هي أعم من كون هذا الشي واجباً أو ليس بواجب، وليس المراد به الإلزام والدلالة على الركنية والوجوب كما لا يخفى.

جواز الإحرام بالحج قبل يوم التروية


السؤال
هل يجوز الإحرام بالحج قبل يوم التروية مثل اليوم السادس أو السابع، أثابكم الله؟


الجواب
لا بأس ولا حرج في ذلك، ولكن السنة والأكمل أن يحرم يوم التروية إذا كان متمتعاً.
أما بالنسبة لأهل مكة فالجمهور: على أنه يجوز لهم أن يؤخروا الإحرام إلى يوم التروية، ويجوز لهم إلى يوم عرفة، قال عمر رضي الله عنه بإلزام أهل مكة بأن يحرموا لهلال عشر من ذي الحجة، وهذا من فقه الفاروق رضي الله عنه وأرضاه؛ والسبب في هذا: أنه قال -كما روى مالك في الموطأ-: مالي أرى الناس يأتون شعثاً غبراً وتأتون مدهنين.
يعني: أن الناس الآفاقيين يأتون إلى عرفة وهم متغيّرة ألوانهم ومصفرة، وهم في شعث وغبرة؛ بسبب طول العهد بالإحرام، وأهل مكة يكون إحرامهم يوم التروية، فيأتون مدهنين ومختلفين عن الناس، فيقول: مالي أرى الناس يأتون شعثاً غبراً وتأتون مدهنين، أهلوا لهلال عشر من ذي الحجة.
فأمرهم بإهلال عشر من ذي الحجة، لكن هذا عند جماهير العلماء ليس بلازم، وإنما قصد به رضي الله عنه وأرضاه الكمال؛ لما لهم فيه من زيادة الأجر والمثوبة، قالوا: في هذا دليل على أنه يجوز أن يحرم قبل يوم التروية ولا بأس، كما لو وجب عليه دم التمتع فأحرم لليوم الثالث؛ حتى يصوم الرابع والخامس والسادس، أو أحرم في اليوم الرابع؛ ليصوم الخامس والسادس والسابع، أو أحرم لليوم الخامس؛ ليصوم السادس والسابع والثامن في حجه، وهذا لا بأس به، وظاهر القرآن يدل عليه في هدي التمتع كما لا يخفى.
والله تعالى أعلم.

الفرق بين النائم والمغمى عليه من حيث فقدان الوعي


السؤال
هل يقاس النائم على المغمى عليه، وذلك بجامع كون كلٍ منهما فاقداً للوعي، وذلك في الوقوف بعرفة، أثابكم الله؟


الجواب
هناك فرق بين النائم وبين المغمى عليه والمجنون، ولذلك النائم من حيث الأصل إذا نبهته ينتبه وإذا أيقظته يستيقظ، ولكن المغمى عليه لو نبهته لا ينتبه ولو أيقظته لا يستيقظ، فالإغماء خارج عن الإرادة، والنوم يمكن أن يرجع الإنسان فيه إلى حالته، أما الإغماء فلا يمكن أن يرجع الإنسان إلى حالته، ولذلك فُرِّقَ بين النائم والمغمى عليه من هذا الوجه، ولا يأخذ النائم حكم المغمى عليه.
والله تعالى أعلم.

وصايا عامة لمن أدرك رمضان


السؤال
هلاَّ تفضلتم بكلمة عن قدوم شهر رمضان، وما ينبغي على المسلم في هذا الشهر المبارك، أثابكم الله؟


الجواب
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك لنا في شعبان وأن يبلغنا رمضان، وأن يكتب لنا فيه الرحمة والعفو والصفح والغفران، وأن يوفقنا فيه للهدى والبر والإحسان.
الوصية الأولى: لا شك أن من نعم الله عز وجل على العبد أن يطول عمره ويحسن عمله، قال صلى الله عليه وسلم: ( خيركم من طال عمره وحسن عمله ) ، فالمؤمن لا يرجو من بقائه في الحياة إلا زيادة الخير، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث: ( واجعل الحياة زيادة لي في كل خير ) ، وندب أمته في كل صلاة أن يستعيذوا بالله من فتنة المحيا والممات، فإذا وفق الله العبد ويسر له بلوغ رمضان، فليكن أول ما يكون منه أن يحمد الله عز وجل على نعمته وجميل فضله وجليل منته، ويسأله سبحانه أن يبارك له في هذه النعمة؛ لأنك إذا شكرت نعمة الله بارك الله لك فيها، ولما غفل الناس عن شكر الله سلب الله بركة النعم، فاحمد الله، إذا بلغت رمضان وانظر إلى مقدار نعمة الله عليك؛ حتى تحس بفضل هذا الشهر، ويمكنك بعد ذلك أن تقوم بحقه.
تذكر الشخص الذي كان يتمنى بلوغ رمضان فمات قبل بلوغه والله أعطاك الحياة وأمد لك في العمر، وتذكر المريض الذي يتأوه من الأسقام والآلام، والله أمدك بالصحة والعافية، فتحمد الله من كل قلبك وبملء لسانك، وتقول: الحمد لله الذي يسر لي وسهل لي، اللهم بارك لي في هذا الشهر، وأعني فيه على طاعتك، ونحو ذلك من سؤال الله الخير.
الوصية الثانية: أن تبدأ هذا الشهر بنية صادقة خالصة، وعزيمة قوية على الخير، فكم من عبد نوى الخير فبلغه الله أجره ولم يعمل به، وحيل بينه وبين العمل بالعذر، فقد يكون الإنسان في نيته أن يصوم ويقوم، فتأتي الحوائل أو تأتي آجال أو تأتي أقدار تحول بينه وبين ما يشتهي، فيكون في قلبه وقرارته فعل الخير، وأن يكون رمضان هذا صفحات بر وإقبال على الله وإنابة إليه، فإذا نويت ذلك وحال بينك وبين ذلك شيء من الأقدار أو الآجال، كتب الله لك الأجر والثواب، كما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قالك ( حبسهم العذر ) .
الوصية الثالثة: فيا حبذا ويا طوبى لمن استقبل هذا الشهر بالتوبة إلى الله والإنابة إلى الله، فإن الله يحب التوابين، والله يفرح بتوبة عبده، فيبدأ شهر رمضان منكسر القلب منيباً إلى الله جل وعلا، يحس بعظيم الإساءة وعظيم التقصير والتفريط في جنب الله، ويقول بلسان حاله ومقاله: { يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ } [الزمر:56] ، فإذا استقبلت رمضان وأنت منكسر القلب غيّرت ما بك فغيّر الله حالك: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } [الرعد:11] .
وعلى المسلم أن يستقبل رمضان بالتوبة والإنابة إلى الله؛ حتى ينال الرحمة من الله سبحانه؛ لأنه قد يحال بين العبد وبينها بسبب ذنب، فمن شؤم الذنوب والمعاصي أنها تحول بين العبد وبين رحمة الله، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا دخل رمضان فتحت أبواب الرحمة ) أي: أن الله يفتح أبواب رحمته، فيرحم من يشاء بفضله ومنّه وكرمه، فإذا أريت الله من نفسك التوبة والإقلاع، وأنبت إلى الله سبحانه، فأنت أحرى برحمة الله، وأحرى بأن يلطف الله عز وجل بك، وأن يبلغك فوق ما ترجو وتأمل من إحسانه وبره.
الوصية الرابعة: حتى تكون محققاً لهذه التوبة لابد وأن تتحلل من المظالم فيما بينك وبين الله، وفيما بينك وبين عباد الله، ويا طوبى لمن دخل عليه هذا الشهر وليست بينه وبين الناس مظلمة، وليس على ظهره حقوق ولا آثام لإخوانه المسلمين، فنستهل شهر رمضان بالمحبة والإخاء والمودة والصفاء، والنفوس منشرحة والقلوب مطمئنة، ونستهله كما أمر الله إخوة في الإيمان أحبة في الطاعة والإسلام، فإنه إذا وقعت الشحناء حجبت العبد من المغفرة، قال صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: ( أنظرا هذين حتى يصطلحا ) أي: لا تغفرا لهما حتى يصطلحا، فتذكر ما بينك وبين أقاربك، خاصة إخوانك وقرابتك: الإخوان والأخوات والأعمام والعمات وكل الآل والقرابات، تتذكر ما لهم من حقوق وما لهم عندك من مظلمة، فتتحلل منها، وتسألهم الصفح والعفو، وتستقبل شهرك وأنت منيب إلى الله سبحانه وتعالى، ليس بينك وبين الناس مظالم تحول بينك وبين الخير، ومن أعظم ذلك كما ذكرنا القطيعة، والمحروم من حرم، فإن خير الناس من ابتدأ بالسلام بعد وجود القطيعة والخصام، قال صلى الله عليه وسلم : ( وخيرهما الذي يبدأ بالسلام )، فيفكر الإنسان حينما يقدم على رمضان كيف يصلح ما بينه وبين الله، وما بينه وبين الناس، قال تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ } [الأنفال:1] .
كذلك أيضاً: يستقبل الإنسان رمضان ويهيئ من نفسه بواعث الخير، والدوافع التي تحمله على الطاعة والبر، ومن أعظم ذلك أن يحس من قلبه كأن هذا الرمضان هو آخر رمضان يعيش فيه، وما يدريه فلعل مرضاً يحول بينه وبين الصيام، فيكون ذلك اليوم أو ذلك الشهر هو آخر ما يصوم، أو لعل المنية تخترمه، فكم من إخوان وأحباب وخلان وأصحاب وجيران كانوا معنا في العام الماضي؟! وقد مضوا إلى الله فأصبحوا رهناء الأجداث والبلى، غرباء مسافرين لا ينتظرون، فالسعيد من وعظ بغيره، فإذا استقبلت رمضان وأنت تستشعر كأن هذا الشهر هو آخر شهر تصومه، أو آخر شهر تقومه؛ قويت نفسك على الخير وهانت عليك الدنيا وزهدت فيها، وأقبلت على الآخرة وعظمتها.
ومن أعظم الأسباب التي تنكسر بها قسوة القلوب: الزهد في الدنيا والإعظام للآخرة، ولا زهد في الدنيا إلا بقصر الأمل، فحينما تحس أن رمضان هذا قد يكون آخر رمضان لك وآخر شهر تعيشه؛ دعاك ذلك إلى إحسان العمل وإتقانه.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأن يصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، وأن يبلغنا رمضان مع صفح وعفو وبر وغفران.
ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى! أن يجعلنا أوفر عباده نصيباً في كل رحمة ينشرها وكل نعمة ينزلها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #239  
قديم 02-11-2022, 06:05 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,323
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب المناسك)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (234)

صـــــ(1) إلى صــ(27)





شرح زاد المستقنع - باب صفة الحج والعمرة [2]
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحج المبيت بمزدلفة، وعدم الدفع منها إلا بعد الفجر، ويجوز للضعفة والعجزة الدفع من مزدلفة بعد مغيب القمر ليلة العيد، ويكون الدفع لغير المعذورين بعد الإسفار وقبل طلوع الشمس، وفي ذلك مخالفة لأهل الجاهلية حيث كانوا لا يدفعون إلا بعد طلوع الشمس.
وبعد الدفع من مزدلفة إلى منى أول عمل يقوم به الحاج هو رمي جمرة العقبة، فرميها بمثابة التحية لمنى.
وهناك أعمال يقوم بها الحاج عند وصوله إلى منى، فعليه أن يتحرى عند قيامه بها هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك أرجى لقبول الله عز وجل لحجه ونسكه.
حكم الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وله الدفع بعد نصف الليل].
قوله: (وله) أي: يجوز أن يدفع بعد نصف الليل، وهذه مسألة خلافية: فبعض العلماء يرى أنه يجب عليه المبيت إلى الفجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات إلى الفجر ولم يأذن إلا للضعفة، وأصحاب الأعذار، وقالوا أيضاً: إن المقصود من مزدلفة الوقوف بالمشعر الحرام، فإذا كان يريد أن يمضي قبل ذلك فلم يتحقق المقصود، وفي الحقيقة هذا القول هو أقوى الأقوال، وهو أن يبقى بمزدلفة إلى الفجر ويصلي الفجر ثم يدعو بالمشعر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رخص للضعفة.
والقاعدة في الأصول: أن الرخص لا يقاس عليها.
فلا يعتبر ترخيصه للضعفة موجباً للإذن لكل الناس أن يمضوا من مزدلفة، لكن العلماء الذين أجازوا المضي بعد نصف الليل اجتهدوا وقالوا: إنه إذا بات بعد نصف الليل أو أكثر الليل فقد تحقق المبيت، ولكن من نظر إلى مقصود الشرع، وإلى العلة التي من أجلها شرع المبيت بمزدلفة وهو الوقوف بالمشعر والدعاء وسؤال الله من فضله، تبيّن له بجلاء أنه لا يرخص إلا لمن كان معذوراً، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد وقف عليه الصلاة والسلام وجاءه عروة بن مضرس وذكر له أنه وقف بعرفات، فقال رضي الله عنه: ( أقبلت من جبل طي أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، وما تركت جبلاً إلا وقفت عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: من صلى صلاتنا هذه، ووقف موقفنا هذا، وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه وقضى تفثه ) فانظر إلى قوله: (صلى صلاتنا ووقف موقفنا) فكأن المقصود من المبيت بمزدلفة أن يصلي الفجر وأن يدعو، ولذلك أمر الله عز وجل بذكره عند المشعر الحرام.
وفي الحقيقة القول بالبقاء وعدم الإذن إلا للضعفة ومن يرخص لهم من القوة بمكان.
حكم الدفع من مزدلفة قبل نصف الليل
[وقبله فيه دم كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله].
قوله: (وقبله) أي: قبل نصف الليل، (فيه دم) يعني: أن الحاج لو جاء إلى مزدلفة ودفع منها قبل نصف الليل لزمه دم، وهذا بناء على أن العبرة عندهم بأكثر الليل، ولم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم للضعفة إلا بعد نصف الليل، ففي الصحيحين من حديث أسماء رضي الله عنها أنها دفعت بعد مغيب القمر، وقالت لابنها عبد الله رضي الله عنه وأرضاه: ( هل غاب القمر؟ فقال: لا بعد، ثم قامت تصلي، ثم قالت: أي بنيّ أغاب القمر؟ قال: لا بعد، ثم قال لها في المرة الثالثة أو الرابعة: غاب القمر، فدفعت رضي الله عنها، ثم وصلت إلى مكانها بمنى بغلس، فقال لها رضي الله عنه: أي هنتاه ما أرانا إلا غلسنا، فقالت رضي الله عنها: يا بني! إن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للظعن ) أي: أذن للضعفة وأهل الأعذار، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( كنت فيمن قدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله ) فدل هذا على أنه إذا وجد العذر شرع التخفيف وأذن بالرخصة، وأن من عداهم من القادرين المستطيعين يلزمهم البقاء بمزدلفة.
أحكام الدفع من مزدلفة
قوله: (كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله).
أي: من دفع من مزدلفة قبل نصف الليل فعليه دم؛ كوصوله إلى مزدلفة بعد الفجر لا قبله، هذه المسألة فيها ثلاثة أحكام: أن من تعجل ودفع من مزدلفة قبل نصف الليل عليه دم؛ لأنه لم يبت، وأن من وصل إليها بعد الفجر عليه دم؛ لأنه لم يبت، وأنه من وصل إليها بعد نصف الليل وقبل الفجر لا شيء عليه.
ما يفعله الحاج بعد صلاة الصبح بمزدلفة
[فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فيرقاه أو يقف عنده ويحمد الله ويكبره ويقرأ: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ) ويدعو حتى يسفر].
قوله: (فإذا صلى الصبح برغيبته أتى المشعر الحرام)، كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه لما كانت صبيحة يوم النحر أُذّنَ للصلاة بغلس، ثم أقيم لها وصلى عليه الصلاة والسلام بالناس، ثم وقف بالمشعر ودعا الله عز وجل وسأله من فضله حتى أسفر، وقبل أن تطلع الشمس دفع عليه الصلاة والسلام من المزدلفة، وكانت قريش في الجاهلية ومن معها من المشركين يقفون بالمزدلفة، ولا يمكن أن ينصرفوا منها حتى تطلع الشمس، ولذلك كان يقول قائلهم: (أشرق ثبير كيما نغير) وثبير: هو الجبل الذي بحذاء منى؛ لأن منى بين ثبير والصانع يكتنفانها، وهما جبلان: أحدهما يسمى: ثبيراً، والثاني يسمى: الصانع.
فقولهم: (أشرق ثبير كيما نغير) يريدون بذلك أنهم لا يدفعون من مزدلفة إلا بعد طلوع الشمس، فخالفهم صلوات الله وسلامه عليه، ودفع قبل أن تطلع الشمس.
قوله: (الحرام فيرقاه أو يقف عنده).
السنة أن يقف عند المشعر، ولو وقف في أي موضع من مزدلفة أجزأه.
قوله: (ويحمد الله ويكبره ويقرأ: ( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ )) لقوله تعالى: { فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } [البقرة:198] قال العلماء: قوله: (عند المشعر الحرام)، قيل: إن المراد به مزدلفة كلها، وقال بعض العلماء: إنه الجبل الذي بحذاء المصلى الذي وقف عنده عليه الصلاة والسلام، وأما تلاوة الآية فلم يثبت في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص، ولا حاجة إلى التقيد بذكر آية أو دعاء مخصوص أو استحباب لذلك أو تعيينه إلا بدليل؛ لأن الشرع لم يرد فيه ما يدل على تلاوة ذكر معين، وإنما قال تعالى: { فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } [البقرة:198]، والقاعدة: أن المطلق يبقى على إطلاقه.
فيقال للناس: اذكروا الله عز وجل، كما أطلق الله عز وجل، من حمد وتسبيح وتكبير وتهليل بل وتلبية، كل ذلك جائز ومشروع؛ لأن الله أطلق، وكل ما صدق عليه أنه ذكر يذكر به سبحانه، لكن أن يقال: تُتْلَى آية معينة، أو يُذْكَرُ دعاء مخصوص، فإن ذلك يعتبر بدعة وحدث، وتوضيح ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه المأثور: ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً )، فلو قال رجل لرجل: إذا صليت في المسجد فقل: { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً } [البقرة:201] .
نقول: إن هذا الدعاء مسنون، لكن كونك تلزمه به، أو تدعوه أن يقوله في هذا الموضع والمكان المخصوص هذا لا أصل له، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) فقد يقول لك قائل: إن تلاوة قوله تعالى: { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } [البقرة:201] من الدين والشرع، تقول له: نعم، من الدين والشرع، ولكن الذي ليس من الدين والشرع أن يأمر بها في الموضع المخصوص، كأن يقول: قلها في هذا الوقت، أو قلها في هذا المكان، أو قلها في هذه الساعة، فكل ذلك يعتبر بدعة، ولا يلزم الناس بتلاوة آية معينة أو بدعاء مخصوص إلا إذا عين الشرع وخصص ذلك.
لكن أن يقال للإنسان: اذكر الله عند المشعر الحرام، واحرص على أدعية النبي صلى الله عليه وسلم المأثورة، وجوامع كلمه التي ثبتت عنه، فذلك هو الهدي، وذلك هو الأفضل والأكمل، فيقال هنا: يقف بمزدلفة عند المشعر بعد صلاة الصبح ويضرع إلى الله، ويسأل الله من عظيم فضله، ويأخذ بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه؛ من استفتاحه بحمد لله والثناء عليه، وسؤال الله من خيري الدنيا والآخرة، مع اعتقاد عظيم الفقر إلى الله، والاستغناء بالله سبحانه وتعالى، وأنه هو الغني الذي لا تنفد خزائنه، وأن يده سحاء الليل والنهار لا تغيضها نفقة.
وكان العلماء رحمهم الله يعظمون الدعاء بالمشعر الحرام، حتى أثر عن بعض السلف أنه قال: وقفت هاهنا أكثر من ثلاثين حجة أسأل الله العظيم أن لا يجعله آخر العهد ويردني إليه، وإني لأستحي من الله أن أسأله، فرجع ومات من سنته.
فالمقصود: أن هذا الموقف وهذا الموطن يعتبر ثاني المواطن تشريفاً وتكريماً بعد موقف عرفة، وكان العلماء يعظمونه؛ لأن الله عز وجل خصه وقال: { فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } [البقرة:198] ، فإذا وقف الحاج بهذا الموقف هيأ من نفسه أسباب الدعاء الخاشع الخاضع، الذي يكون سبباً لاستجابة دعائه، فيحس أن الله عز وجل أكرمه وتفضل عليه ببلوغ هذا المكان، وأنه ما كان ليبلغه لولا حول الله وقوته وتوفيقه له، ولذلك إذا استشعر ذلك خضع لله وخشع له ودعا من قلبه.
قوله: (ويدعو حتى يسفر) أسفر الصبح إذا بان، والمراد بذلك أنه يقارب طلوع الشمس، ويسفر جداً؛ لأن الرواية: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بمزدلفة حتى أسفر جداً ) .
ثم يدفع بعد الإسفار، فلما قال: إن الموقف إلى أن يسفر، فمعنى ذلك: أنه يدفع بعد الإسفار، والسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من دعائه ركب ناقته القصواء وأردف معه الفضل بن عباس ، وهو ثاني من أردف في الحج؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أردف معه أسامة من عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى أردف معه الفضل بن العباس ابن عمه رضي الله عنه وعن أبيه، قال الفضل : ( فلما مر في الطريق قال: القط لي سبع حصيات )، فالسنة أن يلتقط الحاج سبع حصيات من مزدلفة قبل أن يبلغ محسراً، وأثر عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( بمثل هذا فارموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين )، فدل على أنه ينبغي للمسلم أن يتحرى السنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن لا يزيد في العبادات، وأن لا يتنطع ولا يبالغ فيها؛ لأنه لا خير إلا في اتباعه عليه الصلاة والسلام، والشر كل الشر في الزيادة على هديه ومجاوزته والغلو في الدين.
الإسراع لمن مر من محسر لكونه موطن عذاب

[فإذا بلغ محسراً أسرع رمية حجر].
قوله: (فإذا بلغ محسراً) أي: وادي محسر، وهو الوادي الذي حسر الله فيه الفيل، فأنزل فيه نقمته وعذابه على من حادّه وأراد هدم بيته، وذلك في القصة التي ذكرها الله في كتابه حيث قال: (( وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ } [الفيل:3-5]، فهذا الوادي إذا بلغه يعتبر موطن عذاب، والسنة: أن مواطن العذاب والسخط -والعياذ بالله- إذا مر بها الإنسان فعليه أن يسرع في مروره منها؛ وذلك لما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، أنه لما مر بمدائن صالح -وهي المدائن التي أهلك الله فيها ثمود- أرخى على رأسه الثوب ثم ضرب دابته وأسرع، يقول بعض العلماء: كأنه يقول: إني مصدق ولو لم أر.
فلما مر عليه الصلاة والسلام بموطن العذاب ضرب دابته وقال: ( لا تدخلوها إلا وأنتم باكون أو متباكون )، أي: لا تدخلوا هذه المواطن إلا وأنتم معتذرون مدكرون، يصحبكم الخوف من الله؛ حتى لا يصيبكم ما أصابهم، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في آخر الحديث الصحيح: ( لا يصيبكم ما أصابهم )، ويعرف إلى الآن في بعض المواطن السخط والعذاب، وأن من دخلها قد يتغير عقله، وقد يصاب بمس، وقد يصاب بشيء من العذاب والعياذ بالله! خاصة إذا نزل فيها ضاحكاً لاهياً غافلاً عمّا أوجد الله فيها من العبرة والعظة، ولذلك قال: ( لا يصيبكم ما أصابهم ) ، ولا زال يعرف إلى الآن مما يسمى عند العامة: لعنة الفراعنة، وقد تكون من عذاب الله، وليس للفراعنة لعنة، وإنما هي نقمة الله عز وجل التي يصيب بها من غفل عن آياته وعظاته، ولذلك فالمرور بهذه المواطن لا يجوز كما ذكر العلماء إلا وهو مصحوب بالخوف قال تعالى: { وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } [إبراهيم:45]، فورد هذا مورد الذم، فكل من دخل أماكن العذاب أو مر بها، فينبغي عليه أن يستصحب الخوف من الله عز وجل، والاستشعار لعظيم نقمة الله عز وجل، وأنه الجبار المنتقم، فأخذه أخذ عزيز مقتدر، فعلى العموم هذا الموطن موطن عذاب لا يجوز النزول فيه ولا يجوز المبيت فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب دابته وأسرع لما مر به، وهو قدر رمية حجر، أي: أنه ليس بعريض.
حكم أخذ حصى الرمي من مزدلفة وحجمها

[وأخذ الحصى وعدده سبعون بين الحمص والبندق] كان الأولى والأفضل أن يذكر أخذ الحصى قبل ذكر محسر؛ لأن السنة أن يؤخذ الحصى من مزدلفة، وهذا هو الوارد عنه عليه الصلاة والسلام حيث أمر الفضل أن يلتقط له سبع حصيات من مزدلفة، أما ما ذكره المصنف من سبعين حصاة فهذا لا أصل له، والسنة أن يلتقط سبعاً فقط، وهذا هو المحفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه السبع هي لجمرة العقبة، وأما بقية الجمرات فالسنة أخذ حصاها من منى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الحصى من منى، ولذلك ما يفعله العامة من أخذ جميع حصيات الرمي أيام التشريق ويوم العيد من مزدلفة لا أصل له، كما نُبِّه على ذلك.
قوله: (بين الحمص والبندق)، أي: أنها ليست بكبيرة، فالحمص والبندق معروفان، ولا يبالغ فيها، فأخذ الحصى الكبير ليس من السنة، بل قال بعض العلماء: إنها إذا كانت كبيرة جداً ورمى بها لم يجزه؛ لأنها ليست من أصول الرمي المعتبر شرعاً، وعلى هذا قالوا: إنه يتقيد فيها بالوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا أخذ الحصى الكبير فإنه لا يأمن أن تنحرف يده فيصيب مسلماً، ويريق بذلك الدم الحرام في المكان الحرام في الشهر الحرام، ولذلك ينبغي أن يتقيد بالوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يزيد على ذلك ولا ينقص منه، فلا يكون الحصى كبيراً جداً ولا يكون صغيراً، بل لا يكون أكبر من الحصى الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: وحدُّه الذي تحمله باليد في الغالب ويمكن الرمي به، يعني: الخذف، بحيث يضعه بين أصبعيه ويخذف به، ولذلك قال: ( بمثل حصى الخذف فارموا وإياكم والغلو ) فهذا هو القدر الذي ينبغي أن يتقيد به، وينبغي أن يكون حجراً، أما إذا كانت من غير مادة الحجر كالطين الصلب أو كانت من الخشب أو كانت من الإسمنت أو الجص، فإنه لا يجزئ الرمي بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رمى بالحصيات ولم يرم بغيرها.
الأعمال التي يقوم بها الحاج عند وصوله إلى منى
[فإذا وصل إلى منى وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة رماها بسبع حصيات متعاقبات]
رمي جمرة العقبة
قوله: (فإذا وصل إلى منى) أي: بلغها، فالسنة أن يبتدئ برمي جمرة العقبة، ولذلك قال العلماء: رمي جمرة العقبة تحية منى، أي: أنه إذا دخل منى فالسنة أن لا يشتغل بأي شيء غير رمي جمرة العقبة، فإذا ابتدأ برمي جمرة العقبة بعد ذلك تفرغ لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من السنن، ثم نزل إذا أراد النزول، أو مضى إلى مكة وطاف طواف الإفاضة، أما أن يبدأ بشيء قبل الرمي فذلك خلاف السنة، فلا يذهب إلى منزله ولا يشتغل بأغراضه، بل عليه أن يتجه مباشرة إلى رمي جمرة العقبة، فإن رميها يعتبر تحية منى، قالوا: كما أنه إذا دخل المسجد صلى ركعتين تحية المسجد، كذلك أيضاً تحية منى يكون برمي جمرة العقبة.
وقوله: (وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة) أي: أن حد منى بداية ونهاية من وادي محسر إلى جمرة العقبة، ولذلك أثر عن عمر بن الخطاب : أنه أمر أن من وجدوه وراء جمرة العقبة أن يردوه إلى داخل منى؛حتى لا يكون قد بات خارج منى، وكذلك بالنسبة لوادي محسر فهو الفاصل بين منى ومزدلفة، وأما بالنسبة للجانبين فيكتنف منى جبلان: أحدهما: ثبير، والثاني: الصانع، فما أقبل من الجبلين فإنه من منى، وما أدبر من الجبلين وهما الظهر يعتبر خارجاً عن منى، فمن بات في سفح الجبل من جهة منى فإنه يعتبر بائتاً داخل منى، ومن بات بالظهر فإنه لا يعتبر بائتاً بمنى.
وسميت منى؛ لكثرة ما يمنى فيها من الدماء، أي: ما يراق فيها من الدم؛ لأنها موضع يتقرب فيه إلى الله عز وجل بنحر الهدي والأضاحي في يوم النحر.
قوله: (رماها بسبع حصيات متعاقبات) فلا يفصل.
انقطاع التلبية عند آخر حصاة يرمى بها جمرة العقبة
كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يكبر ويلبي مع كل حصاة، واختلف العلماء على وجهين: فقال جمهورهم: انقطعت تلبيته في حجه صلوات الله وسلامه عليه عندما أراد أن يرمي الجمرة، فعند بداية الرمي انقطعت التلبية.
وقال بعض أهل الحديث -وهو رواية عن الإمام أحمد ، وقول إسحاق بن راهويه -: يرمي ويلبي أثناء الرمي، فيقول: الله أكبر ويرمي الحصاة، ثم يقول: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، ثم يرمي.
فالمقصود أنه يواصل الرمي والتكبير والتلبية حتى ينتهي من آخر حصاة، وهذا هو الذي دل عليه حديث الفضل لما كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فلم يزل يلبي حتى رمى آخر حصاة من جمرة العقبة ) فقوله: (آخر حصاة من جمرة العقبة) يدل على أن انقطاع التلبية كان عند آخر حصاة رمى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم جمرة العقبة.
وعندها تنقطع التلبية، وبالإجماع على أنه لا تشرع التلبية بعد الانتهاء من رمي جمرة العقبة.
موضع رمي جمرة العقبة
كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، وهذه هي السنة، فليس لجمرة العقبة موضع ترمى منه إلا بطن الوادي، ولذلك من رماها من الجهة المعاكسة التي تقابل الوادي بحيث تكون منى وراء ظهره، فإنه لا يجزيه ذلك؛ لأنه في القديم كانت هذه الجمرة في حضن الجبل، فلم يكن فيها إلا نصف الحوض الموجود، هذا النصف من الحوض هو موضع الرمي، فلما أزيل كأن هذا الزائد من الحوض في غير الموضع المعتبر، ولذلك لو رمى فإنه لا يعتد برميه إلا من بطن الوادي، بحيث يكون في النصف أو الحوض القديم المعهود، وما زاد عن ذلك فإنه في الأصل جبل وليس بموضع للرمي، ومن هنا يقيد العلماء رمي هذه الجمرة بهذا التقييد الذي وردت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
صفة الرمي المجزئ
[يرفع يده حتى يرى بياض إبطه].
لم يحفظ في صفة الرمي رفعه عليه الصلاة والسلام ليده، لكن قد يكون المصنف أراد من هذا أن الرفع لليد عند الرمي أبعد من مزاحمة الناس؛ لأنه إذا زاحمه الناس ربما سقطت الحصى من يده، أو ارتدت يده، فهذا هو السبب الذي يجعل بعض العلماء يوصي بأن تكون يده مرفوعة؛ حتى يتيسر له أن يلتقط باليمنى من اليسرى دون أن يسقط الحصى من يده، وحيثما كان فالأمر في هذا واسع، سواءً رفع أولم يرفع، وبعض العلماء يعلل رفع اليد حتى يرى بياض إبطه؛ حتى يستطيع أن يتمكن من الرمي بقوة، ولكن ليس ذلك بشيء؛ لأنه لو كان قريباً من الحوض ورمى بخفة أجزأه.
والعبرة في الرمي أن تقع الحصاة في بطن الحوض، ولو لم تصب الشاخص، فالعبرة بوصولها إلى داخل الحوض، فلو ضربت الحصاة الشاخص وانحرفت فلم تسقط في الحوض لم يجزئ ولم يعتد بتلك الحصاة؛ لأن المراد بالرمي أن تقع في الحوض وهو محل الرمي وموضع الاعتداد.
إن الرمي لا يكون إلا بالحذف، فلو جاء ووضع الحصاة في الحوض لم يجزه؛ لأنه لم يرم حقيقة.
إذاً لابد من الأمرين: الأول: أن يحصل الرمي بالحذف فلا يجزئ الوضع.
الثاني: أن تنتهي الحصاة وتستقر في الحوض، فلو رمى وخرجت عن الحوض فإنه لا يجزيه.
والعبرة في وقوعها في الحوض بغالب الظن، فإن تيقن ورأى حصاته في الحوض فلا إشكال، وإن غلب على ظنه أجزأه؛ لأن الغالب كالمحقق كما هو معروف في القاعدة الشرعية.
[ويكبر مع كل حصاة] وهو كما ذكرنا.
عدم إجزاء الرمي بغير الحصى أو بحصى قد رمى بها

[ولا يجزئ الرمي بغيرها ولا بها ثانياً].
قوله: (ولا يجزئ الرمي بغيرها) يعني: بغير الحصى، (ولا بها ثانياً) أي: لا يرمي بالحصى التي رمى بها أولاً مرة ثانية؛ لأنه قد تحقق بها المأمور.
[ولا يقف].
أي: ولا يقف عند جمرة العقبة، وإنما يقف بعد الجمرة الصغرى والوسطى، وأما الكبرى (العقبة) فلا يقف عندها، ولذلك يقول العلماء: لا يشرع الدعاء بعد الرمي إلا إذا كان بعده رمي، توضيح ذلك: أن الجمرة الصغرى إذا رميتها فإن وراءها الوسطى ترمى فتدعو، ولذلك يدعو بعد الجمرة الصغرى، ويدعو بعد الجمرة الوسطى؛ لأن وراءها الكبرى (العقبة)، لكن الكبرى (جمرة العقبة) إذا رماها ليس بعدها شيء، فلا يشرع الدعاء بعد جمرة لا رمي بعدها، وهذا الذي جعل بعض العلماء يقولون: يدعو في كل جمرة بعدها رمي، وبعضهم يختصر ويقول: لا يدعُ عند جمرة العقبة، فيفهم من ذلك أنه يدعو عند غيرها.
[ويقطع التلبية قبلها] قوله: (ويقطع التلبية قبلها) يعني: قبل رمي جمرة العقبة، والصحيح: ما ذكرناه أنه يستمر في التلبية حتى يرمي آخر حصاة من جمرة العقبة.
بيان وقت الكمال ووقت الإجزاء للرمي
قال المصنف رحمه الله: [ويرمي بعد طلوع الشمس، ويجزئ بعد نصف الليل].
قوله: (ويرمي بعد طلوع الشمس)؛ لأنه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الأكمل والأفضل، خرج عليه الصلاة والسلام من مزدلفة إلى منى، فما وصل جمرة العقبة إلا وقد طلعت الشمس، فرماها عليه الصلاة والسلام وحيا برميه منى.
قوله: (ويجزئ بعد نصف الليل) وهي مسألة خلافية بين العلماء رحمة الله عليهم: فمن أهل العلم من يرى أنه يجوز الرمي بعد نصف الليل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للضعفة أن يدفعوا من مزدلفة بعد نصف الليل، فدل على أن وقت الرمي يبتدئ من بعد منتصف الليل.
وقال بعض العلماء: إنه لا يجزئ الرمي بعد طلوع الفجر.
ومنهم من يقول: لا يجزئ الرمي إلا بعد طلوع الشمس، وإنما يرخص للحطمة والضعفة أن يرموا مبكرين، واحتجوا بما جاء في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لحق أصحابه وقال: ( لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ) وفي رواية: ( حتى يطلع الفجر ) وهذا القول، أعني: أن يتأخر فلا يرمي قبل طلوع الفجر هو أقوى الأقوال، وهو أحوطها؛ لأن مجرد الإذن بعد منتصف الليل لا يستلزم أن يكون هناك رمي في هذا الوقت؛ لأنه سيأخذ مسافة، خاصة الحطمة والضعفة، إذا قدر مضيهم من مزدلفة إلى منى مع الثقل وكبر السن، ويكون الضعفة وصغار الأطفال معهم، فالغالب أنهم لا يصلون إلى وقت الفجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أذن بعد مغيب القمر، وما بين مغيب القمر وطلوع الفجر في ليلة العيد وقت يتسع إلى أن يكون وصولهم قرب طلوع الفجر كما لا يخفى، خاصة إذا كانوا من الحطمة وضعفة السن فإنهم يتأخرون في مضيهم.
جواز التوكيل في نحر الهدي

[ثم ينحر هديه إن كان معه].
النحر يكون للإبل والبقر، والذبح يكون للغنم، وفي البقر موضعين للذبح والنحر.
قوله: (ينحر هديه) ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة، ثم نحر ثلاثاً وستين بدنة بيده الشريفة صلوات الله وسلامه عليه، والأفضل والأكمل أن يلي الإنسان بنفسه ذبح هديه ونحره؛ لما في ذلك من بالغ القربة لله عز وجل، وذلك أفضل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله، ولا بأس أن يوكل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وكل فيما بقي، وهي تتمة المائة بدنة التي أهداها عليه الصلاة والسلام، وإنما نحر ثلاثاً وستين بدنة، حتى قال بعض العلماء: عجبت من نحره لثلاث وستين وعمره ثلاث وستون سنة، لكن لا يعني هذا أن كل بدنة مقابل سنة، فهذا مما لا ينبغي البحث فيه ولا التكلف ولا الخوض فيه؛ لأنه أمر يحتمل أن يكون اتفاقاً، ويحتمل أن يكون قصداً، والله أعلم، فلا يبحث الإنسان في مثل هذه المسائل، ولذلك قال تعالى: { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ } [ص:86] ، فلا يتكلف الإنسان البحث في مثل هذه الأعداد.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #240  
قديم 02-11-2022, 06:07 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 97,323
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب المناسك)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (235)

صـــــ(1) إلى صــ(27)




وجوب تعميم الحلق أو التقصير للتحلل من الإحرام
[ويحلق أو يقصر من جميع شعره] قوله: (ويحلق أو يقصر من جميع شعره) التحلل بالحلق أو التقصير لابد أن يعم جميع الرأس.
وقال بعض العلماء: يجزيه ثلاث شعرات.
وقيل: يجزيه ربع الرأس.
وقيل: يجزيه ثلث الرأس.
والصحيح: أنه لابد من تعميم الرأس كله؛ لقوله تعالى: { وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ } [البقرة:196] فشمل جميع الرأس، ولا يقتصر على بعض الرأس دون بعض؛ لأنه إذا اقتصر على بعض الرأس دون بعض فقد ظلم، ولذلك ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزع ) ، والقزع: أن يحلق بعض الرأس ويترك بعضه، قال بعض العلماء: القزع أن يحلق نصف الرأس ويترك نصفه، فيكون النهي من أجل الظلم، كأنه إذا حلق نصف الرأس وترك النصف الثاني ظلم النصف الذي لم يحلق في الصيف، وظلم النصف الذي حلق في الشتاء؛ لأنه يعتبر نصف المكشوف في الشتاء مستضراً أكثر من الذي غطاه الشعر.
وقال بعض العلماء: إن القزع ليس حلق نصف الرأس، وإنما الحلق من أطرافه وهي القصة الموجودة الآن، وقد سرت -نسأل الله السلامة والعافية- إلى بعض أبناء المسلمين، وينبغي التنبيه عليها، ويُذكَّر الحلاق وهؤلاء بالله ويخوفون، وهي قضية حلق أطراف الشعر من الجانب الأيمن والأيسر ويبقى الشعر وفراً في منتصف الرأس، فهذه الحلقة أصلها حلقة اليهود، قالوا: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزع ) وهي هذه الحلقة؛ أن يحلق أطراف الشعر ويترك الوسط، وهي طريقة اليهود، ومن فعلها فإنه متشبه بهم نسأل الله السلامة والعافية! فينبه على من يفعلها ويذكر بالله ويوعظ؛ لأنه لا يجوز التشبه بالكفار، فالمقصود: أنه إذا حلق يعم جميع الرأس، وإذا قصر يعم جميع الرأس، ولا يقتصر على بعض الرأس دون بعض.
قدر أخذ المرأة من شعرها للتحلل

[وتقصر المرأة من شعرها قدر أنملة] قوله: (وتقصر المرأة من شعرها قدر أنملة) فتجمع جميع شعرها في الأخير ثم تقص منه؛ لكن لا تقص لنفسها ولا يحلق الرجل لنفسه، وهذه من الأخطاء التي يقع فيها جميع النساء، حيث تقوم المرأة بجمع شعرها وتأخذ المقص وتقص لنفسها، فإن المتحلل لا يحلل لنفسه؛ لأنه محظور عليه أن يقص أو يتطيب حتى يخرج من نسكه، ولا يخرج إلا بحلق غيره، ولذلك كان من هديه عليه الصلاة والسلام أن يعطي الحلاق شقه الأيمن ثم الأيسر، فيحلق رأسه عليه الصلاة والسلام، والسنة أنه إذا أراد الإنسان أن يتحلل في الحج والعمرة أن يعطي الحلاق شقه الأيمن فيبدأ به، ثم ينتقل إلى شقه الأيسر، ولا يبتدئ بآخر الرأس أو بأعلى الرأس قبل الشق الأيمن؛ لأن السنة أن يبدأ بالشق الأيمن، ففي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: ( أنه أعطى الحلاق شقه الأيمن ).
واختلف العلماء: هل العبرة في التيمن بالحالق، أو المحلوق؟ وهذه المسألة تقع على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون الحلاق وراء ظهرك فلا إشكال؛ لأن يمينه يمين لك.
الصورة الثاني: أن يكون الحلاق أمام وجهك، يعني: يستقبلك ويحلق أمامك، ففي الحالة يمينه يسار لك ويسارك يمين له، فحينئذٍ هل العبرة إذا وقف أمام وجهك وصار يحلق وهو مقابل لك بيمينك أو بيمينه؟ قال بعض العلماء: العبرة بيمين المحلوق.
وقال بعضهم: العبرة بيمين الحلاق؛ لأن الفعل من الحلاق فيأخذ بيمينه لا بيمين المحلوق؛ لأن العبرة بفعله.
والصحيح: أن العبرة بيمين المحلوق لا بيمين الحلاق؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الرواية: ( أعطى الحلاق شقه الأيمن ) فدل على أن العبرة بيمين المحلوق لا بيمين الحالق.
ما يباح للحاج بعد التحلل الأول

[ثم قد حل له كل شيء إلا النساء] قوله: (ثم قد حل له كل شيء إلا النساء) فله أن يتطيب، ويلبس المخيط، ويحلق شعره، ويزيل التفث، قال تعالى: { ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } [الحج:29] ، فإذا فعل ذلك فقد تحلل التحلل الأول، وهذا التحلل يباح فيه كل شيء كما ذكرنا إلا النساء، ولا يباح له جماع النساء إلا بعد أن يطوف طواف الركن وهو طواف الزيارة، أما الدليل على أنه قد تحلل التحلل الأول، فلما ثبت في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: ( طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله قبل إحرامه، ولإحرامه قبل أن يطوف بالبيت ) فقولها: (لإحرامه قبل أن يطوف بالبيت) يدل على جواز الطيب قبل أن يطوف طواف الإفاضة، فلذلك قال العلماء: إن هذا التحلل هو التحلل الأصغر أو التحلل الأول.
حكم ترك الحلق والتقصير وتأخيره أو تقديمه على الرمي والنحر

[والحلق والتقصير نسك ولا يلزم بتأخيره دم ولا بتقديمه على الرمي والنحر] قوله: (والحلق والتقصير نسك) أي: إذا تركه فعليه دم.
قوله: (ولا يلزم بتأخيره دم) أي: أنه لو أخره عن يوم العيد لا دم عليه.
وقال بعض العلماء: إن أخره عن أيام التشريق لزمه دم؛ وذلك لفوات المحل، وعلى هذا فإنه ينبغي التأسي بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، فمن أفضل ما يكون للإنسان في حجه وعمرته أن يفعل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرمي جمرة العقبة، ثم ينحر هديه، ثم يحلق رأسه، ثم بعد ذلك ينزل ويطوف بالبيت طواف الإفاضة متأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن ذلك أرجى لقبول الله عز وجل لحجه.
قوله: (ولا بتقديمه على الرمي والنحر).
أما تقديم الحلق على الرمي والنحر ففيه وجهان للعلماء: فمن أهل العلم من قال: أما التقديم والتأخير فإنه قد جاء حديث النسائي في الرواية الصحيحة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: ( ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم أو أخر مما يَنسى -وفي رواية: مما يُنسى- إلا قال: افعل ولا حرج ) فقوله: (مما يُنسى) فهو يدل على أنه فعل لا شعوري، ولذلك جاء في الرواية الصحيحة الأخرى وهي ثابتة وصحيحة قال: ( لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر، فقال: انحر ولا حرج؟ فقال: يا رسول الله! لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج ) فالمقصود: أنه قال: (لم أشعر) واصطحبت بعلة مناسبة للحكم.
ولذلك قرر بعض المحققين -وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله عليه، ويقول بها جمع من العلماء-: أنه ينبغي الترتيب كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن حصل للإنسان عذر أو نسيان فإنه يعذر؛ لأن الأصل إيقاعها على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، وأن يفعل هذه الأفعال كما وردت؛ حتى يكون ذلك أبلغ في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء به، أما لو قدم وأخر وهو معذور فإنه لا يلزمه بذلك التقديم والتأخير دم، ولا يلزمه شيء، وإنما هو معذور بوجود النسيان والخطأ.
الأسئلة
حكم من رمى الجمرة قبل الفجر بلا عذر ثم رمى بعده


السؤال
من رمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر بلا عذر، فهل يمكنه أن يستدرك بأن يرمي بعد طلوع الشمس مرة ثانية، أم أن الإخلال وقع بالرمي الأول ولا عبرة بالرمي الثاني، أثابكم الله؟


الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فمذهب جمهور العلماء: أن الرمي يمكن فيه التدارك ما دام الوقت باقياً، فإذا رمى قبل الفجر فعلى القول بأنه لابد وأن يقع رميه بعد الفجر، فإنهم ينصون على أنه لو رمى قبل مغيب شمس يوم النحر، أو قبل طلوع الفجر من اليوم الحادي عشر، على الوجهين المعروفين في تأقيت الرمي أنه يجزيه ولا شيء عليه، وقد يقول قائل: ما الفرق بين مسألتنا ومسألة الإحرام دون الميقات أننا قلنا: إنه يلزمه دم حتى ولو رجع؟ والجواب: أنه هنا إذا رمى قبل الفجر فإن رميه الأول لاغٍ ولا يعتد ولا ينعقد؛ لأنه عند أصحاب هذا القول وقع قبل الوقت المعتد به، كما لو صلى الظهر قبل الزوال، فلا يعتد ولا ينعقد، وإنما يلزم لو أنه انعقد في وقت لا يختص إلا بمعذور وهو غير معذور، فيستقيم أن يلزمه الدم أو الضمان، ولكن نظراً لكونه رمى قبل الوقت فإن رميه وجوده وعدمه على حد سواء، ويلزمه حينئذٍ أن يعيد الرمي على القول بالتأقيت بالفجر أو بطلوع الشمس، ثم إذا رمى ما بين وقت طلوع الشمس، أو طلوع الفجر وغروب الشمس أو طلوع الفجر من اليوم الثاني فإنه يجزيه ولا شيء عليه؛ لأن الإخلال لم يتحقق، إنما يتحقق إخلاله لو أنه اكتفى بالرمي الأول ولم يعده حتى مضى وقت الرمي المعتد به شرعاً، فحينئذٍ يلزمه الضمان؛ لعدم وقوع الرمي المأمور به.
والله تعالى أعلم.

عدم جواز رمي الجمرة قبل الفجر لمن كان مع الضعفة لحاجتهم


السؤال
من كان مع ضعفة وعجزة وتعجل بهم من مزدلفة بعد مغيب القمر، فهل له أن يرمي الجمرة معهم بعد منتصف الليل، وكذلك بالنسبة لطواف الإفاضة، أثابكم الله؟


الجواب
إذا رخص لغير المعذور أن يكون مع المعذورين فيرخص له بقدر الحاجة، فالقاعدة في الشرع: أن ما جاز للحاجة يقدر بقدرها.
فيجوز له أن يدفع ويصحبهم ويكون معهم إذا كانوا محتاجين له؛ لأن القاعدة: أن الإذن بالشيء إذن بلازمه.
فلما كان هؤلاء الضعفة مأذوناً لهم بالدفع، وتوقف حصول الرخصة لهم بوجود من يعينهم ومن يساعدهم، ومن يرفق بهم وييسر لهم هذه الرخصة، كان مأذوناً لهم من هذا الوجه، فإذا وجد غيرهم من المعذورين ممن يستطيع أن يقوم بذلك ولا يحتاج لهذا القادر فيبقى على الأصل من كونه لا يدفع، فإذا دفع مع هؤلاء المعذورين فلا يترخص بالرمي، إنما يبقى على القول بتأقيت الرمي بطلوع الفجر أو بطلوع الشمس؛ حتى يتبين وقت البداية فيرمي.
والله تعالى أعلم.

حرمة النكاح ولوازمه بعد التحلل الأول


السؤال
هل يحرم كذلك عقد النكاح بعد التحلل الأول، أثابكم الله؟


الجواب
يحرم النكاح ولوازمه، فمحظور النكاح عقداً وخطبة ووطئاً كله مستصحب، ولذلك يعتبرون الجنس واحداً يحظر عليه أن يخطب وأن يعقد وأن يطأ، على التفصيل الذي ذكرناه في المحظورات، والله تعالى أعلم.

التحاق واجبات العمرة بواجبات الحج في الحكم


السؤال
هل يقاس من ترك واجباً من واجبات العمرة على من ترك واجباً من واجبات الحج في إيجاب الدم عليه، أثابكم الله؟


الجواب
من ترك واجباً من واجبات العمرة يلتحق بواجبات الحج، ولذلك العمرة هي الحج الأصغر، والدليل على أنها حج أصغر قول الله عز وجل: { وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ } [التوبة:3] فقال: { يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ } [التوبة:3] فوصف الحج بكونه أكبر، لذلك قال شيخ الإسلام : الحج حجان: حج أكبر، وحج أصغر؛ لدلالة هذه الآية الكريمة، فإذا وقع الإخلال في الحج الأصغر والأكبر فالحكم واحد، فالواجب الذي يجبر في الحج يجبر بما يجبر به في العمرة والعكس، والواجب الذي في العمرة يجبر بما يجبر به الواجب في الحج، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ( دخلت العمرة في الحج، وشبك بين أصابعه صلوات الله وسلامه عليه ) وهذا يدل على أن حكمهما واحد، وعلى هذا فإنه يلزمه ما يلزم من أخل بواجب الحج، وانظر إلى الواجبات في العمرة ستجدها موافقة في كثير من المسائل لواجبات الحج؛ فإنك ترى الرجل إذا أحرم بالعمرة يلزمه أن يتقي المحظورات كما لو أحرم بالحج، سواء بسواء، وكذلك أيضاً بالنسبة لطوافه بالبيت وما يلزمه في الطواف الحكم فيهما واحد، وعلى هذا إذا أخلّ بواجب في العمرة يجبره بما يجبر به الواجب في الحج.
والله تعالى أعلم.

دعاء الصائم عند تهيئه للفطر لا بعده


السؤال
أشكل عليَّ مسألة الدعاء عند الفطر لقوله عليه السلام: ( للصائم عند فطره ) ، فهل يكون وقت الدعاء بعد الأذان أم قبله، أثابكم الله؟


الجواب
الدعاء عند الفطر، أي: عند تهيئه للفطر، بمعنى: أن يكون قبل أن يفطر، وهذا ذكر العلماء له نظائر: أن العبد إذا قام بحق الله عز وجل وأداه، كان من كرم الله عز وجل أن يجعل له الخير العاجل باستجابة دعوته، فتجده في الصلاة إذا صلى وانتهى من التشهد، وقضى أذكار الصلاة ولم يبق إلا أن يسلم، شرع له أن يدعو؛ لقوله عليه الصلاة والسلام عندما سئل: ( أي الدعاء أسمع؟ قال: أدبار الصلوات المكتوبات )؛ وذلك لأنه قام بفريضة الله، وأدى حق الله، فيرجى أن يستجيب الله دعاءه، ولما وفى لله يوفي الله له.
وفي الزكاة إذا جاء ودفع ندب للإمام أن يدعو له؛ وذلك لقوله تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } [التوبة:103] فكان عليه الصلاة والسلام إذا تصدق المتصدق دعا له.
وكذلك أيضاً في الصوم إذا فرغ من صومه وكاد أن يفطر، دعا وسأل الله في ختام يومه من خيري الدنيا والآخرة.
وكذلك في الحج، فإن الإنسان في حجه يدعو في عرفات وقالوا: ويدعو أيضاً في مزدلفة لقربه من التحلل، فهو يدعو في صبيحة مزدلفة؛ لأنه ليس بينه وبين التحلل إلا اليسير.
وهذا كله نبه عليه بعض العلماء، فإذا تأملت أركان الإسلام الأربعة هذه، وجدت أنه بمجرد ما يفرغ العبد من حق الله فإنه يرجى له إجابة الدعوة.
من هنا قال العلماء: لا يدعو بعد أن يفطر، وإنما يدعو عند تهيئه للفطر، فيسأل الله عز وجل من خيري الدنيا والآخرة.

حكم الفطر لكبير السن ومن به مرض لا يرجى برؤه


السؤال
رجل كبير السن وهو مصاب بمرض ولا يستطيع أن يصوم، فماذا يفعل، خصوصاً وأن عليه صياماً من رمضان السابق، أثابكم الله؟


الجواب
أما بالنسبة لكبر السن والمرض فكل واحد منهم إذا انفرد، وكان المرض مما لا يرجى برؤه فإن له الفطر، وكذلك لو كان كبيراً وصحته وعافيته طيبة لكنه لا يستطيع أن يصوم، ويجحفه الصوم ويرهقه، فإن من حقه أن يفطر، قال تعالى: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } [البقرة:184] قال بعض السلف: (يطيقونه) يعني: يجدون المشقة، ولذلك في قراءة: (يَطْيَّقُونَهُ) وفي قراءة: (يَطَوَّقُونَهُ) أي: يجدون المشقة والعناء من صومهم، فهذا يفطر وعليه الإطعام، وهكذا إذا كان مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه، كمن به فشل في الكلى، أو أمراض في القلب مزمنة بحيث لا يستطيع أن يصبر، أو عنده أدوية لابد من أخذها في ساعات منتظمة، كمن كان حديث عهد بعملية جراحية أو نحو ذلك، واستدام المرض معه بحيث لا يمكنه القضاء، فهذا يفطر ويتحول إلى الإطعام مباشرة، أما لو كان مرض هذا الكبير مما يرجى برؤه، كأن تكون نزلة عارضة كزكام أو أمراض خفيفة عارضة، وهذه الأمراض ترهقه عن الصوم، ولكن بعدها قد يشفى ويمكنه القضاء، فإنه يفطر ثم يقضي متى ما تيسر له القضاء ولا إطعام عليه.
والله تعالى أعلم.

حكم من أوتر مع الإمام وأراد أن يصلي من الليل


السؤال
من أوتر مع الإمام في القيام وأراد أن يصلي من الليل فكيف يوتر؟ وما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا وتران في ليلة ) ، أثابكم الله؟


الجواب
قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا وتران في ليلة ) حديث الترمذي حسنه غير واحد من العلماء، ومعناه: أن الوتر ينقض الوتر؛ لأنه إذا أوتر في الليلة وترين أصبحت الصلاة شفعيه وأصبح العدد شفعاً، فهذا هو وجه النهي عن الوترين، والمقصود شرعاً أن يبقى عدد صلاتك بالليل وتراً، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً ) ، فإذا صلى وتراً ثم أوتر بعده وتراً ثانياً فإن الوتر الثاني ينقض الوتر الأول، وعلى هذا فمن صلى مع الإمام وأوتر، أو صلى لوحده أول الليل وأوتر، ثم استيقظ آخر الليل وأحب أن يصلي فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يريد أن يصلي ركعتين كأن تكون ركعتي وضوء أو شيئاً خفيفاً فيصلي شفعاً ولا يوتر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بعدما أوتر، وهذا ثابت في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة .
الحالة الثانية: أن يريد أن يطول ويقوم، كما هو الحال لو أوتر في صلاة التراويح وأراد أن يتهجد، أو أوتر أول الليل وقام في آخر الليل وأراد أن يتهجد، ففي هذه الحالة يصلي ركعة ينقض بها الوتر الأول؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ( لا وتران في ليلة ) فنقض الوتر الثاني الوتر الأول، ثم يصلي ركعتين ركعتين ثم يوتر؛ السبب: أنه ينقض الوتر الأول؛ لكي يجعل آخر صلاته بالليل وتراً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً ) ، فشرع له أن ينقض الوتر الأول، حتى يكون وتره في آخر الليل، وهذا هو فعل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، واختاره جمع من الأئمة والسلف.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يمنّ علينا بالقبول، وأن يتجاوز عنا الزلل والخلل إنه المرجو والأمل.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه، وآله وصحبه أجمعين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 369.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 363.53 كيلو بايت... تم توفير 6.01 كيلو بايت...بمعدل (1.63%)]