مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" - الصفحة 13 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         نظرات في قوله تعالى: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          القدوة الحق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          اتق المحارم تكن أعبد الناس- (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          بعض النصح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          الكليبتومانيا.. عندما تكون السرقة مرضا واللص غير اللصوص! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          السخرية والاستهزاء بالآخرين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          ولله على الناس حج البيت .. (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          من السنن الموقوتة قبل الفجر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          فضائل طاعة الزوجة لزوجها وأحكامها الفقهية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          حلاوة المنطق لا تغني عن العمل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى اللغة العربية و آدابها > ملتقى الإنشاء
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الإنشاء ملتقى يختص بتلخيص الكتب الاسلامية للحث على القراءة بصورة محببة سهلة ومختصرة بالإضافة الى عرض سير واحداث تاريخية عربية وعالمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #121  
قديم 21-04-2024, 03:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,379
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (123)
مثنى محمد هبيان



(وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ١٤٩) [البقرة: 149]
السؤال الأول:
ما دلالة تكرار لفظة في سورة البقرة (فَوَلِّ وَجۡهَكَ) في الآيات،149،144، 150؟
الجواب:
جاء قول الله تعالى: (فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ)ثلاث مرات في السورة.
وذكر القرطبي رحمه الله تعليلين لهذا التكرار، وحسّن أحدهما , فما هذان التعليلان؟ وما التعليل الذي حسّنـه؟ ولماذا حسّنـه؟
١-قيل: هذا تأكيد للأمر باستقبال الكعبة واهتمام بها؛ ليرى الناس الاهتمام به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه.
٢-وقيل: أراد بالأول: ولّ وجهك شطره: أي عاين الكعبة إذا صليت تلقاءها؛ ﴿ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ ﴾ معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة وغيرها ﴿ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ ﴾ , ثم قال: ﴿ وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ ﴾ يعني وجوب الاستقبال في الأسفار، فكان هذا أمراً بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: هذا القول أحسن من الأول؛ لأنّ فيه حمل كل آية على فائدة. وقيل: كرر لدفع طرق الاحتمال؛ فقوله تعالى أولاً بالتوجه قِبَل البيت: ﴿ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ ﴾ فيه احتمال أنّ يكون الأمر خاصاً به صلى الله عليه وسلم أو عاماً له ولأمته. وأَمْرُه بعدُ في الآية نفسها:
﴿ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ ﴾ أمرٌ يدفع احتمال خصوصه صلى الله عليه وسلم دون أمته، وحصل مع ﴿ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ ﴾ أنّ ذلك لا يختص بمكان دون مكان.
ثم أخبر ثانياً: أنّ حكم التوجه إلى القبلة هو حكم عام، يعم حالتي الإقامة والسفر.
وقوله عزّ وجلّ مثلها ثالثاً: جاء ليحصل منه التوكيد على الأرض كلها.
ذكره ابن الزبير الغرناطي في (ملاك التأويل).
لمزيد من المعلومات انظر الجواب في آية البقرة 144.
السؤال الثاني:
الآية (وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ) [البقرة:149] عطف هذه الآية حكماً على حكم قبله، حيث بدأت الآيتان بقوله تعالى: (وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ) [البقرة:149] أو ليست الآية الثانية تغني عن الآية الأولى؟
الجواب:
في هذا تنبيه إلى كل مؤمن أنّ استقبال الكعبة في الصلاة لا تهاون فيه ولو في حالة العذر كالسفر؛ لأنّ السفر مظنّة المشقة للاهتداء لجهة الكعبة، فربما توهّم شخص ما أنّ الاستقبال يسقط عنه.
السؤال الثالث:
ما دلالات هذه الآية؟
الجواب:
1ـ قوله تعالى: (وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ) أي في أسفارك وغيرها، وهذا الخطاب للرسول عليه السلام، وهو أيضاً للعموم، فالمطلوب التوجه نحو الكعبة. وهذه الآية تخلو من ذكر أهل الكتاب، ومن موقفهم من التوجه للكعبة.
2 ـ قوله تعالى: (وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ) أي أنّ هذا التوجه المأمور به هو الحق الثابت، وأكّده بإنّ واللام، لئلا يقع لأحد فيه أدنى شبهة.
3 ـ قوله تعالى: (وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ) فيه تحذير خفي من الانحراف عن هذا الحق، فالله لا يخفى عليه شيء.
4 ـ جاء في تفسير السعدي: (وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ) في أسفارك وغيرها، وهذا للعموم، (فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ)أي: جهته.
ثم خاطب الأمة عموما ًفقال: (وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ)وقال: (وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ) أكده بـ "إن "واللام، لئلا يقع لأحد فيه أدنى شبهة، ولئلا يظن أنه على سبيل التشهي لا الامتثال.
(وَمِنۡ حَيۡثُ): الواو استئنافية، والجار والمجرور ظاهرهما أنهما متعلقان بوّل، ولكن فيه إعمال ما بعد الفاء فيما قبلها وهو ممتنع، غير أنّ المعنى متوقف على هذا الظاهر، فالأَوْلى تعليقهما بفعل محذوف يفسره فوّل، أي: ولِّ وجهك من حيث خرجت.
6 ـ (فَوَلِّ): الفاء رابطة لما في (حيث) من رائحة الشرط، وولِّ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والجملة لا محل لها لأنها مفسرة.
والله أعلم.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #122  
قديم 21-04-2024, 03:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,379
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (124)
مثنى محمد هبيان



( وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ١٥٠ ) [البقرة: 150]
السؤال الأول:
قوله تعالى (وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ) [البقرة:150] لِمَ قال:( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ) [البقرة:150] ولم يقل: لئلا يكون للمشركين؟
الجواب:
ذكر تعالى (الناس) معرّفة بـ(أل)؛ وذلك حتى تستغرق هذه الكلمة الناس جميعاً مهما اختلفت مِلَلُهم، ولم يقتصر على ذكر المشركين الذين اعترضوا في ذلك الوقت على تحوُّلِ القِبلةِ وشكَّكوا في النبيِّ ﷺ بسبب ذلك، وكأنّ هذه الكلمةَ (لِلنَّاسِ) قد دلّت على أنّ استقبال القبلة سيدحَضُ أيُّ دعوة يزعمها إنسان في عصر من العصور بأنّ هذا الدين مُقتبسٌ من أيِّ دين قد سبقه، فالتوجه إلى الكعبة المشرفة مُبطِلٌ لمزاعم الناس المشكِّكين كُلِّهم في كُلِّ زمانٍ وكُلِّ مكانٍ.
السؤال الثاني:
ذكر تعالى الياء في قوله: (وَٱخۡشَوۡنِي) في آيةِ البقرةِ [150] وحذَفَها فقال: (وَٱخۡشَوۡنِ) في آيتي المائدة [3]،[44]؟
الجواب:
1ـ هذا التعبير له نظائرُ في القرآنِ: (َٱتَّبِعۡنِيٓ) [مريم:43]، (ٱتَّبَعَنِۗ) [آل عمران:20]، (فَكِيدُونِي) [هود:55]، (كِيدُونِ) [الأعراف: 195]، (أَخَّرۡتَنِيٓ) [المنافقون: 10]، (أَخَّرۡتَنِ) [الإسراء:62].
أمّا (وَٱخۡشَوۡنِي) أو (وَٱخۡشَوۡنِ) فوردت الأولى في آية سورة البقرة 150، والثانية وردت في آيتي المائدة [3]، [44].
وعندما تحذِّرُ أحدهم التحذيرَ يكون التحذير بحسب الفِعلةِ؛ فقد تكون فِعلةً شديدةً، فمثلاً لو اغتاب أحدهم آخر تقول له: اتَّقِ ربَّك، وإنْ كان يريد أن يقتل شخصاً تقول له: اتَّقِ اللهَ.
فالتحذير يختلفُ بحسبِ الفعل، إذا كان الفعلُ كبيراً كان التحذير أشدَّ، وعندما يُظهِر الياء يكون التحذير أشدَّ في جميع القرآنِ و يكون الأمرُ أكبرَ.
2ـ عندنا في آية البقرة (وَٱخۡشَوۡنِي) [البقرة:150] الياء موجودة إذن التحذير أكبرُ، ولننظر السياق في الآية: (وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ١٥٠ ) [البقرة:150] هذه في تبديل القِبلة فجاءت (اخشوني) بالياء؛ لأنه صار هناك كلام كثير ولغط وإرجاف بين اليهود والمنافقين حتى ارتدّ بعض المسلمين، وهذا حصل عند تبديل القِبلة (وَمَاجَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ١٤٣ ) [البقرة:143] وهو أمر كبير لذا قال: (وَٱخۡشَوۡنِي) [البقرة:150].
3ـ الآية الأخرى في سورة المائدة: (حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ) [المائدة:3] هذا يأس وذاك إرجاف، هذا الموقف ليس مثل ذاك، هؤلاء يائسون ؛ من أجل هذا صار التحذير أقل.
4ـ وفي الآية الثانية: (إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِ‍َٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ٤٤) [المائدة:44] ليس فيها محاربة ولا مقابلة فقال: (وَٱخۡشَوۡنِ) [المائدة:44] بدون ياء.
5ـ إذن المواطن التي فيها شِدَّةٌ وتحذيرٌ شديدٌ أظهرَ الياء، والحذفُ في قواعدِ النحوِ يجوز، والعربُ تخفِّفُ من الياء، لكنّ الله سبحانه وتعالى قرنها بأشياءَ فنية.
السؤال الثالث:
قوله تعالى في الآية: (إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ) [البقرة:150] كيف يكونُ للظالمين من اليهود أو غيرهم حُجَّةٌ على المؤمنين؟
الجواب:
المعنى هو: إلا أنْ يقولوا ظلماً وباطلاً، فسمَّى الله باطلَهم حُجَّةً لمشابَهَتِه الحجة في الصورة، كما قال تعالى في سورة الشورى: (حُجَّتُهُمۡ دَاحِضَةٌ ) [الشورى:16] أي: باطلة، وقال: (فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ) [غافر:83].
وقيل: إنّ المراد به قول المشركين: قد عاد محمد إلى قبلتنا، لعلمه أنّ ديننا حق وسوف يعود إلى ديننا.
السؤال الرابع:
ما إعراب (لِئَلَّا) في الآية؟
الجواب:
أصل الكلمة (لأن لا )،اللام حرف جر، وقيل للتعليل، و(أنْ) حرف مصدري ونصب، و(لا) حرف نفي.
لمزيد من التفصيل انظر التفصيل في آية الحديد 29.
السؤال الخامس:
ما أهم دلالات هذه الآية؟
الجواب:
هذا هو الأمر الثالث بوجوب التوجه إلى الكعبة في الصلاة:
1ـ قوله تعالى: (وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ) تأكيد ثانٍ، وكرّر الكلام لتأكيد أمر تحويل القبلة من بيت المقدس نحو الكعبة المشرفة.
2ـ قوله تعالى: (وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ) تأكيد ثالث لئلا تبقى للمعاندين حجة في نظرهم ينفذون منها، أو ثغرة يتسربون إلى الإرجاف عن طريقها.
3 ـ الفاء في (فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ) تسمّى فاء الفصيحة.
4 ـ قوله تعالى: (إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ) هم المشركون ومن كتموا ما عرفوا من الحق من اليهود والنصارى، وصدّوا الناس عن دين الحق.
5 ـ اقترن هذا الأمر بثلاث نقاط رئيسية:
آ ـ قطعُ دابر الفتنة بإزالة حجة المخالفين.
ب ـ من تمام النعمة الاستقلال عن اليهود في القبلة.
ج ـ من تمام النعمة الإرشاد إلى الصواب الذي ضلّ عنه غيرُنا.
6 ـ الفرق بين الآيات الثلاث السابقة:
آ ـ الأمر الأول: بالتوجه إلى الكعبة في الصلاة، استجابة لرغبة النبي عليه السلام،وفيه ذكر لأهل الكتاب.
ب ـ الأمر الثاني: فيه بيان أنّ ذلك هو الحق الثابت من عند الله،ولا عبرة بتشكيك المضلين.
ج ـ الأمر الثالث: فيه قطع لحجة المعترضين من اليهود والمنافقين والمشركين على تحويل القبلة.
وقد وُجه الأمر بالتوجّه إلى الكعبة إلى الرسول خاصة، ثم إلى الأمة عامة، وفي هذا قطع لأطماع أهل الكتاب من اتباع الرسول قبلتهم. والله أعلم.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #123  
قديم 21-04-2024, 03:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,379
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (125)

مثنى محمد هبيان

{كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ١٥١ فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ} [البقرة: 151-152]
السؤال الأول:
ما معاني الكلمات التالية؟
الجواب:
(يُزَكِّيكُمْ): يطهِّركم، وأصل الزَّكاة: النَّماء والزِّيادة مع التَّطهيرِ.
(الْحِكْمَةَ): إصابة الحقِّ بالعلم والعقل، وأصل (حَكَم): المنع من الظُّلم. والإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقَّق الشيء ويحصُل إتقانه؛ ولهذا دخل فيه معنى المنْع كما دخَل في الحدِّ، فالمنع جزءُ معناه لا جميع معناه. والحِكمة اسمٌ للعَقل، وإنَّما سُمِّي حِكمة؛ لأنَّه يمنع صاحبه من الجَهل، وقيل: المقصود بها هنا: السُّنة.
(الشُّكر): {وَٱشۡكُرُواْ لِي}: ظهورُ أثَر نِعمة الله على لسانِ عبده: ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه: شهودًا ومحبَّةً، وعلى جوارحِه: انقيادًا وطاعةً، وأصلُه: الثناءُ على صانعِ المعروف، وهو ضدُّ الكُفر.
(الكُفْر): {وَلَا تَكۡفُرُونِ}:السِّتر والتَّغطية، وهو ضدُّ الشُّكر، وكُفر النِّعمة: ستْرُها ونسيانُها بترك أداء شُكرها.
السؤال الثاني:
ما أهم دلالات هاتين الآيتين؟
الجواب:
الآية 151:
في هذه الآية ذكر الله سبحانه امتنانه على هذه الأمة برسالة النبي عليه السلام، ووصفه بعدة أوصاف:
1 ـ قوله تعالى: { كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ} لفظ (رَسُولاً)فيه تنكيرُ (الرسول) للتعظيم؛ ولتجري عليه الصِّفات التي كلُّ واحدةٍ منها نِعمةٌ خاصَّة.
{ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا} القرآن والسنة لبيان الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وإذا كانت هذه وظيفة الرسول الأولى {يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا}، فما وظيفتنا ودورنا ومسؤوليتنا مع كتاب الله؟
3 ـ قوله تعالى: {يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ}تكرر في القرآن عدة مرات ليؤكد معالم التربية القرآنية تلاوة وتزكية وعلماً وليس حفظا مجرداً.
4 ـ {وَيُزَكِّيكُمۡ} أي: يطهركم من الشرك والذنوب، ويربيكم على الأخلاق الحميدة.
{وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ} التعليم غير التلاوة، فالرسول يعلمكم ألفاظ القرآن تلاوة وتدبراً، وعلماً وعملاً.
{وَٱلۡحِكۡمَةَ} وهي السُنّة الموضحة للقرآن ومعرفة أسرار الشريعة.
7 ـ {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ١٥١} عن طريق الوحي من أخبار الأمم السابقة والحوادث المستقبلة، وبالعلم يتمكن العبد من عبادة الله عبادة تزكي نفسه.
8 ـ قوله تعالى: {يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ} فيه تكرار الفعل (يُعلّم)؛ ليدلَّ على أنه جِنسٌ آخَر.
9 ـ في قوله تعالى عن لسان إبراهيم عليه السلام:{رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [البقرة:129] طلب إبراهيم عليه السلام توافر أربعة أشياء على هذا الترتيب:
آ ـ يتلو عليهم آياته.
ب ـ ويعلمهم الكتاب.
ج ـ والحكمة.
د ـ ويزكيهم.
فكانت إجابة دعائه في هذه الآية (151) بتقديم التزكية، لأهمية التزكية، ولأنّ التخلية تكون قبل التحلية، فقدّم ذلك على تعليم الكتاب والحكمة.
وبمعنى آخر: قدّم في آية البقرة (151) {وَيُزَكِّيكُمۡ} على {وَيُعَلِّمُكُمُ}ﱠ خلاف ما ورد في آية البقرة السابقة رقم (129) في حِكاية قول سيدنا إبراهيم عليه السَّلام: {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ} [البقرة: 129]؛ لأنَّ المقام هنا في الآية (151) للامتنان على المسلمين؛ فقُدِّم فيها ما يُفيد معنى المنفعة الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم، وهي منفعة تزكية نفوسهم؛ اهتمامًا بها، وبعثًا لها بالحِرص على تحصيل وسائلها، وتعجيلًا للبشارة بها، وأمّا في دعوة إبراهيم فقد رُتِّبت الجُمَلُ على حسب ترتيب حصولِ ما تضمَّنتْه في السياق، إضافة إلى ما في ذلك التخالف من التفنُّن البلاغي. والله أعلم.
الآية 152:
1ـ في هذه الآية وما بعدها وجّه الله سبحانه وتعالى عباده أربع توجيهات لتربية النفوس المؤمنة لمواجهة الأحداث الجسام:
التوجيه الأول: المداومة على ذكر الله تعالى وذكره (آية البقرة 152).
التوجيه الثاني: الاستعانة على المتاعب بالصبر والصلاة (آية البقرة 153).
التوجيه الثالث: تربية النفوس على حب الشهادة في سبيل الله (آية البقرة 154).
التوجيه الرابع: مواجهة الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والأرزاق بالصبر والرضا والتفويض (آية البقرة 155).
2 ـ التوجيه الأول يهدف إلى الاعتراف بنعم الله عن طريق ذكره بالطاعة والعبادة، وشكره بالقول والعمل، والتحذير من كفر الله وجحد نعمه.
3ـ وسائل الذكر:
ـ ذكر اللسان: بالتسبيح والتحميد والثناء والتمجيد.
ـ ذكر الجوارح: بالاستغراق بالطاعات والعبادات.
ـ ذكر القلب: بالتفكر في وحدانية الله وعظمته.
وللذكر مزايا منها:
الذاكر يكون في معية ربه ـ الذاكرون هم الموحدون السابقون للخيرات ـ الذاكر يبقى لسانه رطباً بذكر الله ـ الذاكر يكون في ساحة الرحمة والغفران ـ الذاكرون الله لا يشقى جليسهم ـ ثواب الله عظيم للذاكرين والذاكرات.
4 ـ الفاء في قوله تعالى: {فَٱذۡكُرُونِيٓ} فاء الفصيحة.
5 ـ وجوبُ الشُّكر لله؛ لقوله تعالى: {وَٱشۡكُرُواْ لِي}ﱠ ؛ و(الشُّكر) يكون بالقلب، وباللِّسان، وبالجوارح؛ ولا يكون إلَّا في مقابلة نِعمة.
6 ـ قوله تعالى: {وَلَا تَكۡفُرُونِ}ﱠ [البقرة: 152] فيه إيجازٌ بالحذْف؛ لأنَّه من كُفر النِّعمة، أي: ولا تكفروا نعمتي، ولو كان من الكفر الذي هو ضدُّ الإيمان، لكان: ولا تكفروا، أو ولا تكفروا بي، والنون نون الوِقاية، حُذفت ياء المتكلم بعدَها تخفيفًا؛ لتناسُب الفواصل.
والله أعلم.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #124  
قديم 26-04-2024, 10:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,379
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (126)
مقالات شرعية مثنى محمد هبيان



(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ) [البقرة: 153]
السؤال الأول:
ما سبب اختلاف الفاصلة في الآيتين [153،45] في سورة البقرة؟
الجواب:
آ ـ في الآية الأولى ـ البقرة 45 ـ تقدم ذكر الصلاة والمطالبة بها، حيث قال: (وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ) [البقرة:43] إذن: (وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ) [البقرة:45].
ب ـ في الآية الثانية ـ البقرة 153 ـ ختمها بالصبر؛ لأنّ السياق في الصبر، فبعد أنْ قال: (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ) [البقرة:153] قال: (وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ١٥٤ وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ١٥٥ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ١٥٦) [البقرة:154-155-156] فالسياق مع الصبر، فختمها: (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ) [البقرة:153]، أمّا في الآية الأولى فالسياق في الصلاة فقال: (إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ) [البقرة:45].
السؤال الثاني:
ما دلالة ورود الأمر بالصلاة بين آيات خطاب بني إسرائيل أو آيات الجهاد أو آيات الطلاق؟
الجواب:
انظر السؤال الثالث في آية البقرة [45]
السؤال الثالث:
ما دلالات هذه الآية؟
الجواب:
1 ـ لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر، شرع في بيان الصبر، والإرشاد إلى الاستعانة بالصبر والصلاة؛ فإنّ العبد إمّا أن يكون في نعمة فيشكر عليها، أو في نقمة فيصبر عليها.
2ـ الصلاة نور وعون، وأضعف الناس صبراً عن الشهوات واصطباراً على المكروهات هم أكثر الناس تفريطاً وتضييعاً للصلوات، وسيبقى المرء في دائرة الأحزان ما دامت الصلاة ليست في دائرة اهتمامه، فالصلاة دائماً مقرونة بالفلاح (حيّ على الفلاح) فكيف يفلح من لا يصلي!!!.
3ـ في هذه الآية إثباتُ معيّة الله الخاصة بالمؤمنين، وأمّا المعيّة العامة المقتضية للعلم والإحاطة فهي لجميع الخلق.
4 ـ قوله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ﴾ هذه معيةٌ خاصة، تقتضي محبته ومعونته، ونصره وقربه، وهذه منقبة عظيمة للصابرين، فلو لم يكن للصابرين فضيلة إلا أنهم فازوا بهذه المعية من الله؛ لكفى بها فضلاً وشرفاً.
وهذا هو التوجيه الثاني للأمة بالاستعانة بالصبر والصلاة على الأمور الدنيوية والدينية، وفي ذلك إعدادٌ للمسلم لتحمل الشدائد فيما يستقبل من أمره، وخصّ الصبر والصلاة بالذكر، لأنّ العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر الله عليها، وإمّا أن يكون في ضرّاء فيصبر عليها.
5 ـ الصبر هو حبس النفس على احتمال المكاره، وتوطينها على تحمل مشاق أداء الطاعات وتجنب المحظورات.
والصبر أنواع: صبرٌ على أداء الطاعات ـ وصبرٌ على ترك المحرمات ـ وصبرٌ على أقدار الله تعالى.
6 ـ كرامات الصابرين: ‏المحبة: ﴿ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ ‏النصر: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ﴾ ‏غرفات الجنة: ﴿يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ ‏الأجر الجزيل: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ ‏البشارة: ﴿وبشر الصابرين﴾ ‏الصلاة، والرحمة، والهداية: ﴿ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ﴾.
7ـ الله تعالى يوفّي الصابرين أجرهم بدون حساب، والله مع الصابرين بعونه وحفظه ورعايته، وهذه معيّة خاصة بالمؤمنين.والله أعلم.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #125  
قديم 29-04-2024, 08:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,379
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (127)
مثنى محمد هبيان




{وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ١٥٤}[البقرة: 154]
السؤال الأول:
ما دلالة جملة {وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ} في الآية؟
الجواب:
لم يقل: (لا تعلمون) لأنّ المؤمنين إذا أخبرهم الله تعالى بأنهم أحياء، علموا أنهم أحياء، فلا يجوز أن ينفي عنهم العلم،ولكن يجوز أن يقال: {وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ} لأنه ليس كل ما علموه يشعرون به، كما أنه ليس كل ما علموه يحسونه بحواسهم، فلما كانوا لا يعلمون بحواسهم حياة الشهداء، وأنهم علموه بإخبار الله لهم، لذا قال تعالى: {وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ} دون (لا يعلمون). والله أعلم.
السؤال الثاني:
ما دلالة هذه الآية؟
الجواب:
1ـ من أعظم أنواع الصبر: الصبر على الجهاد في سبيل الله، لنشر الدعوة الإسلامية، وإزالة المعوقات أمامها.
2 ـ الآية تبين أنّ الشهداء في سبيل الله ليسوا أمواتاً بل هم أحياء، فلهم حياة خاصة بهم في قبورهم لا يعلم كيفيتها إلا الله تعالى، ولكنكم لا تشعرون بها، وفي هذا دليل على نعيم القبر.
3ـ شهداء المعركة لا يُغسّلون كالموتى، ويكفّنون في ثيابهم التي استشهدوا فيها، فهم أحياء، يحشرون على هيئتهم، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، وهم يُرزقون كما نُرزق، ويفرحون كما نفرح.
4 ـ الشهيد يتمنى أن يعود إلى الدنيا فيُقتل عشرات المرات، لما يرى من الكرامة عند الله. وأرواح الشهداء وهم في الحياة البرزخية، في حواصل طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. ويكفي في جلالة شأن الشهيد أنّ الله حظر أن يطلق عليه اسم الميت، ولم يحظر إطلاقه على غيره {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات}.
5 ـ هذه الآية هي التوجيه الثالث للمؤمنين، حيث تحثّهم على حب الشهادة في سبيل الله.
6ـ في قوله تعالى: {بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ} إيجاز، فقد حذف المبتدأ لأهمية ذكر الخبر (أحياء)، لأنهم ما كانوا يتصورون أنهم أحياء، فجاءت الجملة اسمية بتقدير: (هم أحياء) لتدل على الثبات والاستمرار.
كما أنّ هناك طباق بين: أحياء وأموات، وهو طباق رشيق لا تكلّف فيه.
والله أعلم.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #126  
قديم 08-05-2024, 05:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,379
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (128)

مثنى محمد هبيان


(وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ) [البقرة: 155]
السؤال الأول:
قوله تعالى: (وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ) [البقرة:155] هل لهذا الترتيب وجه بلاغيٌّ؟ علماً بأنّ هذا الترتيب ورد بصورة أخرى في آية النحل [ 112] وآية قريش [1] ؟
الجواب:
ورد اجتماع الجوع والخوف معاً في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم وبصور مختلفة:
1ـ في آية البقرة [155] قدّم الخوف؛ لأنَّ الآيةَ تتكلَّمُ عن قتلٍ وقتالٍ، وفي المعركة لا يفكر الإنسان بالجوع، وإنما يفكِّرُ في ذهابِ النفس فقدّم الخوف.
والباقي: (وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ) [البقرة:155] مناسِبٌ فقدَّمَ الأموال وقال: نقص من الأموال، أي: نقصٌ يذهب به منها شيء، وليس في الأموالِ؛ لأنها تعني نقص في داخلها.
2ـ في آية النحل [112] قال تعالى: (وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ) [النحل:112] فالكلام في سياق الأطعمة ، انظر آيات النحل (115،114) وعن الرزق، والرزق يناسبه الجوع فقدّم الجوع، وتقديم الجوع هنا مراعاة للإذاقة في الآية .
3ـ في سورة قريش، الكلام عن التجارة والأموال، وأصل تجارتهم كانت طعاماً، فقدّم الجوع على الأمن.
وهذا التقديم مناسب لتقديم الشتاء على الصيف في السورة، فالشتاء الطعام فيه أولى ، وفي الصيف التجارة والسفر فيه أولى، والسفر فيه مخاطر فناسبه الخوف.
4ـ إنّ آية البقرة في سياق ابتلاء المؤمنين وليست هي من باب العقوبات، بخلاف آية النحل فإنها في عقوبات الكافرين.
ومعلوم أنّ الجوع أشدُّ من الخوف في العقوبات فقدّم ما هو أشد. والله أعلم.
السؤال الثاني:
ما دلالة كلمة (بِشَيۡءٖ) في الآية ؟
الجواب:
1ـ لاحظ كيف جاء الله تعالى بكلمة(بِشَيۡءٖ) فقال: (بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ) [البقرة:155] ولم يقل : (لنبلونكم بالخوف والجوع) وفي ذلك لفتتان جميلتان:
آ ـ الأولى أنه ذكر كلمة (شيء) قبل (الخوف) فيه تخفيفٌ من وقع هذا الخبر المؤلم للنفس، فلا أحد يرغب أنْ يكون خائفاً أو جائعاً، فخفّف الله تبارك وتعالى عنا هذا الخبر بأنّ الابتلاء يكون بشيء من الخوف والجوع، وليس بالخوف كله أو بالجوع كله.
ب ـ والثانية إشارةٌ إلى الفرق بين الابتلاء الواقع على هذه الأمة المرحومة وما وقع من ابتلاء على الأمم السابقة، فقد سلّط الله تعالى الخوف والجوع على أمم قبلنا، كما أخبرنا في قوله تعالى : (وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ) [النحل:112] ولذا جاء هنا بكلمة (بِشَيۡءٖ) [البقرة:155] وجاء هنالك بما يدل على الملابسة والتمكن، وهو أنه استعار لها اللباس اللازم مما يدل على تمكن هذا الابتلاء فيها وعِظَم وقعه عليها، وقد خُفِّف عنا والحمد لله.
ج ـ قوله تعالى: (وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ) [البقرة:155] (بشيء من).. وليس بكله.. لأنّ الهدف الإصلاح وليس الإهلاك ، وقس ذلك على التربية.
2ـ انظر في لطائف القرآن كيف أسند البلوى لله سبحانه وتعالى فقال: (وَلَنَبۡلُوَنَّكُم) [البقرة:155] وأسند البشارة بالخير الآتي من قِبَل الله تعالى إلى الرسول ﷺ فقال: (وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ) [البقرة:155] تكريماً لشأنه وزيادةً في تعلّق المؤمنين به ﷺ بحيثُ تحصل خيراتهم بواسطته دون أنْ يصيبهم أي مكروه بسببه ﷺ
السؤال الثالث:
ما دلالة هذه الآية ؟
الجواب:
1ـ هذه الآية الكريمة بيّنت التوجيه الرابع في تربية النفوس وإعدادها لمواجهة أحداث الحياة التي لا بدّ منها .
2ـ اللام في (وَلَنَبۡلُوَنَّكُم) موطئة للقسم، فالله لا بدّ أن يبتلي عباده لتمحيصهم أو رفع درجاتهم .
3ـ الابتلاء قد يكون تارة بالسرّاء وتارة بالضّراء، وتارة بالفقر وتارة بالغنى، وتارة بالمرض وتارة بالصحة، وتارة بالنصر وتارة بالهزيمة، وهكذا .... والناس عند وقوع الابتلاء فريقان : جازع وصابر، فالجازع تقع به المصيبة ويفوته الأجر بخلاف الصابر لوجه الله ورضاه .
والله أعلم بهؤلاء الصابرين في الشدة والرخاء، وسَيوفّيهم أجورهم كاملة .
والله اعلم .






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #127  
قديم 18-05-2024, 10:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,379
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (129)
مقالات شرعية مثنى محمد هبيان





( ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ١٥٦ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ١٥٧ﱠ[البقرة: 156-157]
السؤال الأول:
ما أصل كلمة مصيبة؟ وكيف تكون المصيبة خيراً كما في الآية: (مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ) [النساء:79] ؟
الجواب:
1ـ المصيبة مشتقة من جذر (ص و ب) ومنه صارت أصابَ (أَفعَلَ) يُصيبُ، والنازلة مصيبة،
و لها معانٍ متعددة كلها تدور حول معنى الإنزالِ، ومنه الصَّيِّب الذي هو المطر وفيه معنى النزول.
والشيءُ الذي ينزل على الإنسان قد يكون خيراً أو شرّاً، مثل المطر قد يكون نافعاً أوضاراً، لكنّ كلمة مصيبة صار لها خصوصية، والعربي صار لا يستعملها إلا في السوء.
وكلمة مُصيبة (مُفعِلة) من أصاب مثل كلمة (نازلة) يعني القضية التي نزلت عليها، والمصيبة صارت مخصصة لما يسيء الإنسان، أي ما يصيبه من مصيبة في ظاهر الأمر ويراه سوءاً له، وفي الحديث «عجباً لأمر المؤمن، إنّ أمره كله له خير» وفي حديث البخاري «من يُرد الله به خيراً يُصِب منه» أي: يمتحنه فيصبّره فيصبر فترتفع درجته، ففي كل الأحوال يكون له خيراً فإذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أي: نحن لله سبحانه وتعالى.
والمصيبة هنا بمعنى ما تراه ضرراً، والقرآن الكريم جاء على أساليب العرب، أو إذا عكسنا الأمر فإنّ أساليب العرب ارتقت شيئاً فشيئاً إلى أنْ جاءت إلى لغة القرآن الكريم.
السؤال الثاني:
هل هناك لمسة بيانية في طريقة استعمال القرآن نفس الفعل مع الحسنة والسيئة مع أنّ كلمة مصيبة قد حدد الدلالة الخاصة بها مع الشيء السيء؟
الجواب:
القرآن على لغة العرب، والعرب كانوا يستعملون المصيبة، وأصل الاستعمال في المصيبة هي الرمية الصائبة للسهم، والرجل إذا اجتهد فأصاب فهو مصيبٌ ، والمرأة يقال: أصابت، إذن الإصابةُ يمكن أن تُستعمَلَ للحسنةِ (ما أصابك) أي: ما نالك ونزل بك، هذا في لغة العرب أمّا (المصيبة ) فهي مخصصة.
السؤال الثالث:
كيف نُسبت الحسنةُ إلى اللهِ والمصيبةُ إلى نفسك في الآية؟
الجواب:
1ـ مردّ الأمور جميعاً هي إلى الله سبحانه وتعالى، والإنسان يقدم أسباب الوصول إلى الحسنة ويقدم أسباب الوصول إلى السيئة، ولا يكون وصوله إلى الحسنة أو السيئة إلا بأمر الله سبحانه وتعالى.
2ـ قال تعالى: (وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ١٠) [البلد:10] والله لا يُسأل عما يفعل في مُلكِه، والكون كله ملك الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك (لَا يُسۡ‍َٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡ‍َٔلُونَ٢٣) [الأنبياء:23] فهو قادرٌ على أنْ يهدي الجميع، وقادرٌ على أن يضل الجميع.
3ـ حينما يجعلك تختار طريقك هو شاء لك أنْ تختار أو أنت صارت لك مشيئة من ذاتك؟ الله يشاء (وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ) [الإنسان:30] وشاء الله عز وجل لهذا الإنسان أنْ ينظر في الطريقين وفق ما يبيّنه الله سبحانه وتعالى من لطفه وكرمه وإلا فالمفروض أنّ العقل يوصله، ومع ذلك أرسل الرسل ومعهم الكتب وبيّن طريق الهداية وطريق الضلال، وبالتالي فالطريق الذي يسلكه الإنسان هو في الأصل في خانة مشيئة الله سبحانه وتعالى التي اختارت له هذا الطريق.
4ـ قوله تعالى: (مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ) [النساء:79] لأنك أنت سعيت وقدّمت لكن ما كان لك أن تصل للحسنة حتى يرضاها الله تعالى، فذكر تعالى الأصل لأنه مرتبط بالحسنة. أنت سعيت نحو الحسنة وشاء الله سبحانه وتعالى أنْ تفعلها، قدّمت وشاء لك ففعلت، والحسنة تُنسب إلى الله تعالى، والسيئة أيضاً سعيت وشاء الله تعالى لك أنْ تصل إليها، ولو أراد الله ما وصلت لكنْ الأمر يبقى منحصراً بك؛ لأنك سعيت.
5ـ قوله تعالى: (وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا١٠) [الجن:10] الخير معقود لله تعالى دائماً على أننا نؤمن بالقدر خيره وشره من الله سبحانه وتعالى، فنسبت الحسنة إلى الله تعالى وحصرت السيئة بنفسك، مع أنّ نفسك سعت في الحسنة وسعت في السيئة، وفي الحالين كانت بالمشيئة، وهذا تعليم للمسلم كيف يتأدب مع الله سبحانه وتعالى، وأنْ ينسب الخير لله وأنْ ينسب السوء لنفسه، ولذلك نجد علماءنا يقولون عندما يكتبون: هذا ما وصل إليه اجتهادي فإنْ كان خيراً فمن الله تعالى وإنْ كان شراً فمن نفسي ومن الشيطان، وهذا من الأدب مع الله سبحانه وتعالى.
السؤال الرابع:
ما العظة في قوله تعالى في الآية: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ١٥٦) [البقرة:156] ؟ وما الفرق بين الأفعال ( آب ـ رجع ـ عاد )؟
الجواب:
1ـ ليس في القرآن ولا في نصوص اللغة العربية الفصيحة جملة أندى وأسمح وأطيب من هذه الجملة، يقولها المؤمن لنفسه ويقولها المؤمن لغيره إذا ألمت به مصيبة الموت، فتقع في قلب المرء المؤمن بلسماً شافياً وعزاء جميلاً وبرداً وسلاماً.
وقوله تعالى: (إِنَّا لِلَّهِ) [البقرة:156] إقرار منا له بالملك، وقوله:( وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ) [البقرة:156] إقرار على أنفسنا بالهلاك، ويدل كلا القولين على الرضا بقضاء الله تعالى.
واعلم أنّ الرجوع إليه ليس عبارةً عن انتقالٍ إلى مكانٍ أو جهةٍ فإنّ ذلك على الله محالٌ، بل المراد أنه يصير إلى حيث لا يملك الحكم فيه سواه، وذلك هو الدار الآخرة.
أمّا النتيجةُ إذا قام العبد بذلك فهي قوله تعالى: (أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ١٥٧) [البقرة:157] والصلاة هنا من الله بمعنى الثناء والمدح، وأمّا رحمة الله فهي نعمه التي أنزلها عاجلاً أم آجلاً، وأمّا الهداية فهي هداية الله إلى كل خير وإلى الجنة والفوز بالثواب.
2ـ ورد في القرآن ثلاثة أفعال ربما ظن الناس أنها بمعنى واحد وهي ـ آب ـ رجع ـ عاد :
الفعل (آب): وقد استعمل في القرآن بمعنى مصدره (إياب) وبصيغ المبالغة (أوّاب)، أمّا قلبُ الفعلِ، أي( باء)، فقد استخدم في القرآن في خمسة مواضع في مجال الشر والسوء، كما في الآيات: [البقرة 61، آل عمران 162].
الفعل ( عاد ):
إذا كان الفعل مسنداً للإنسان نفسه، فإنه يستخدم كثيراً في النواحي السلوكية والفكرية، أي: العودة في المواقف وفي التصرفات كما في الآيات: البقرة [275]، النور [17].
الفعل (رجع):
فهو بمعنى الرجوع الشخصي، أي: رجوع الناس إلى المكان الذي كانوا فيه من قبل، وقد ورد الفعل (رجع)، ومشتقاته مثل: (رجعتم) (ارجعوا) (راجعون) (الرجعى) (يرجعون) في القرآن الكريم في 104 موضعاً، وفي معظمها كان الرجوع فيها إلى الله.
وهذه حقيقة قرآنية ينبغي التنبه لها؛ ذلك أنّ المرء يعيش حياته هذه وسيعقبها الموت فالبعث فالنشر فالقيامة فالحساب فالجزاء، قال تعالى: (قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ١١) [غافر:11].
فالمرء كان عند الله عز وجل عندما خلقه الخلق الأول وأشهده على نفسه (وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ١٧٢) [الأعراف:172].
وميثاق عالم الذَّرِّ أخذه الحق سبحانه والبشر جميعاً في ظهر آدم عليه السلام وأشهدهم على أنفسهم قبل أنْ تأتيهم شهوات النفس المعارضة لمنهج الله تعالى.
وهذا العهد فطري في النفس الإنسانية، وما جاءت الأديان إلا لتنفض عن هذه الفطرة غبار الغفلة وغبار الشهوات، فأتت الرسل للتذكير بهذا العهد الفطري القديم.
ثم يشاء الله تعالى أنْ يُخلق كلَّ امرىءٍ مرة أخرى، ثم يحيا حياته ثم يرجع إلى ربه يخرج من هموم الدنيا إلى رحمة ربه ورضوانه.
فما أسعده غداً إنْ كان من المؤمنين! وما أطيبه صبراً وعزاء أنْ نهتف بقلب مؤمن (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ١٥٦) [البقرة:156] !.
السؤال الخامس:
ما اهم دلالات هاتين الآيتين ؟
الجواب:
الآية 156 :
1ـ في الآية 156 وصف الله الصابرين بأنهم : (ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ) فهم يقرون بأنهم مملوكون لله يتصرف بهم كيف يشاء، ولا يعترضون على ما أصابهم سواء في أموالهم وأنفسهم ،وراضون بقضاء الله، وهم يعتقدون أنّهم راجعون إلى ربهم في الاخرة، ومثابون على صبرهم وابتلائهم .
وقال الله : (مُّصِيبَةٞ) ولم يضفها إلى نفسه بل عمّم ليدخل تحتها كلّ مضرة ينالها من قبل الله تعالى، أو ينالها من قبل العباد .
2 ـ نحن منه في البداية وإليه في النهاية؛ ولهذا: لنكن (معه) فيما بين ذلك.
3ـ أشد الناس ابتلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل .
4ـ ورد في حديث مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها ) . صحيح مسلم .
5ـ المصائب تكفّر الذنوب والخطايا، والصابر المحتسب له بيت في الجنة يُسمى بيت الحمد، وأعظم الصبر يكون عند الصدمة الأولى.
الآية 157 :
1ـ قوله تعالى : (أُوْلَٰٓئِكَ) أي الموصوفون بالصبر في الآية السابقة .
2ـ قوله تعالى : (عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ ) أي لهم ثناء ومدح وتكريم بحالهم ،إضافة للرحمة من ربهم والتي سوف ينالون بها كمال الأجر .
وإنما قال: (صَلَوَٰتٞ) على الجمع؛ تنبيهًا على كثرتها منه، وأنها حاصلة في الدنيا توفيقًا وإرشادًا، وفي الآخرة ثوابًا ومغفرة.
3 ـ قوله تعالى : (وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ١٥٧) أي هؤلاء الذين عرفوا الحق، وعلموا أنهم راجعون إلى الله ، وبالمقابل فإنّ من لم يصبر ولم يرض بقضاء الله يحصل له الضلال والخسران .
4ـ قوله تعالى : (ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ) جعل هذه الكلمات ملجأً لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين؛ لما جمعت من المعاني المباركة، وذلك بتوحيد الله، والإقرار له بالعبودية، والبعث من القبور، واليقين بأنّ رجوع الأمر كله إليه كما هو له، و لم يعط هذه الكلمات نبي قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب؛ لما قال: ( يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ) .والله أعلم .
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

 

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 134.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 130.58 كيلو بايت... تم توفير 4.28 كيلو بايت...بمعدل (3.17%)]