المستشرقون.. طلائع وعيون للنهب الاستعماري الحلقة الثالثة - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         نظرات في قوله تعالى: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          القدوة الحق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          اتق المحارم تكن أعبد الناس- (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          بعض النصح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          الكليبتومانيا.. عندما تكون السرقة مرضا واللص غير اللصوص! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          السخرية والاستهزاء بالآخرين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          ولله على الناس حج البيت .. (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          من السنن الموقوتة قبل الفجر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          فضائل طاعة الزوجة لزوجها وأحكامها الفقهية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          حلاوة المنطق لا تغني عن العمل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى التنمية البشرية وعلم النفس
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى التنمية البشرية وعلم النفس ملتقى يختص بالتنمية البشرية والمهارات العقلية وإدارة الأعمال وتطوير الذات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 15-04-2024, 11:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,379
الدولة : Egypt
افتراضي المستشرقون.. طلائع وعيون للنهب الاستعماري الحلقة الثالثة

المستشرقون.. طلائع وعيون للنهب الاستعماري الحلقة الثالثة


إن الصلة بين «الاستشراق» والاستعمار ذات جذور عميقة وهي رابطة تاريخية ذات مصالح وأهداف مشتركة، وقد بذل المستشرقون جهدا غير عادي في نشر أفكار الاستعمار في خدمة سياسته، وذلك في مقابل العون المادي والمعنوي الذي لا ينقطع، ولا يجد الباحث صعوبة في كشف أغراض المبشرين وأخطارها، تلك الأغراض التي تعلن في ظاهرها التمسك بالمسيحية والدعوة إليها، ولكنها في باطنها تروج لأهداف المستعمرين والمستغلين، وأصبح واضحا للعيان استغلال الغرب للاستشراق، باستخدامه وسيلة لفرض السيطرة الاستعمارية من ناحية، ولتغريب المفاهيم في عالم الإسلام من ناحية أخرى (1)،
فالدول الاستعمارية يحلو لها أن تبحث عن ذريعة تتذرع بها لاغتصاب بعض الأقطار؛ تجنبا للاعتراف بأن الدوافع الحقيقية لسياستها هي شهوة التملك والجشع الاستعماري الصرف؛ ولذلك تراها تزعم في مختلف المناسبات أنها لم تلجأ إلى اغتصاب بقعة ما من الأرض، وتحمل الأعباء الباهظة التي يفرضها عليها هذا الاغتصاب، إلا لضرورة لا مفر منها(2) وهي ضرورة الدفاع ضد عدوان تتوقعه أو تتوهمه، وقد تمر الأجيال والقرون دون أن يحدث هذا العدوان أو أو قد يحدث العدوان بسبب التوسع الاستعماري نفسه وبسبب الاستيلاء على بقعة بالذات، ومع ذلك تظل هذه الدول مصرة على زعمها أن بواعث الدفاع هي التي تضطرها للتمسك بتلك الأقاليم.
وهذه البقاع التي تغتصب بدعوى الدفاع ضد عدو مجهول أو مزعوم يطلق عليها عادة اسم المستعمرات العسكرية، وهي تختلف في كمها وكيفها اختلافا شديدا: فمنها ما هو صخرة صغيرة مثل مستعمرة جبل طارق، منها ما يتناول قطرا بأكملة بأراضيه وسكانه وعامرة بأنه جزء من «مواصلاتنا الإمبراطورية»(3).
وذريعة الدفاع العسكري ذريعة واسعة لا تقف عند حد ولا يسكن لها جشع، فمن أجل الدفاع عن الهند عملت بريطانيا على تحويل المحيط الهندي كله إلى بحيرة بريطانية، فأصبحت سواحله الأفريقية كلها باستثناءات بسيطة، يرفرف عليها العلم البريطاني، وأمكن لبريطانيا بعد الاستيلاء على عدن أن تمد نفوذها على معظم الخليج العربي وأن تبعد عنه كل نفوذ أجنبي، وبذلك تم لها ما أردات بأن حولت المحيط الهندي إلى بحيرة بريطانية خالصة لصالح بريطانيا العظمى... كل هذا من أجل الدفاع عن النفس وكثيرا ما عملت على إثارة الشهوات الاستعمارية؛ لأن البحار في مواضع كثيرة تضيق بحيث لا يفصل الشاطئين أحدهما عن الآخر سوى ممر ضيق ولذلك نسميه مضيقا أو بوغازا، وهذه المضايق من أهم الظواهر الطبيعية التي يسيل لها اللعب الاستعماري لأن من يسيطر على المضيق يتحكم في طرق الملاحة ويضع السفن والاساطيل تحت رحمته، وعندما استولت فرنسا في الربع الأخير من القرن الماضي على مستعمرة جيبوتي وهي الواقعة على مضيق باب المندب صاح الساسة البريطانيون في ألم شديد بأن فرنسا قد قبضت على عنق الإمبراطورية البريطانية.
ولا ينبغي للقارئ أن يعجب من الإشارة إلى عنق الدولة لأن بعض الدول بلا شك لها عنق شديد الخطر، حساس إلى أقصى درجات الحساسية، بحيث يجب أن يحاط بأنواع الوقاية حذرا عليه وعلى الدولة التي ينتمي إليها من أن يصيبها السوء... فالعنق عضو حساس في الدولة كما هو عند الناس، ولقد يطول هذا العنق ويمتد حتى يمكن أن توصف بعض الدول بأنها عبارة عن عنق طويل قد التصقت به أجزاء وأعضاء وأشلاء متنوعة، ولولا هذا العنق العظيم ما جاز لهذه الأوصال المتفرقة المتباعدة أن تؤلف جسما متحدا ولا كيانا مؤتلفا.
وبديهي أنه ليس لكل دولة عنق كما أن من ضروب الحيوان ما ليس له عنق يستحق الذكر مثل الأسماك وما يشابهها من الكائنات، ومنها ما له عنق عظيم مثل النعام والزراف والإبل وأضرابها، وكذلك الدول.
ولا شك أن خير مثال للدولة ذات العنق العظيم: بريطانيا العظمى التي يمتد عنقها من الجزائر البريطانية في المحيط الأطلسي إلى مضيق سنغافورة وهو الباب المفضي إلى المحيط الهادي، وهكذا أمكن لهذا العنق الهائل أن يدور حول الكرة الأرضية دورة عجيبة وأن يشمل جهات وأقطارا متباعدة مترامية وأن يخلق مشكلة معقدة في كل بقعة يمر بها.
إن وجود المضايق التي تصل ما بين البحار وما يتقرب ما بين القارات هو بلاشك نعمة من أجل النعم التي أتاحها الله للإنسان، ويسر له وسائل الانتقال بين البحار والمحيطات، ولولاها لكان كثير من البحار مثل البحر الأحمر والبحر الأسود والبحر المتوسط والبحر البلطي عبارة عن بحيرات مغلقة يتعذر الوصول إليها وتعجز السفن عن الانتقال إليها، فانظر كيف تحولت هذه النعمة الجليلة إلى نقمة على الدول والشعوب بفضل سياسة الاستعمار وحرص الدول على أن تستأثر دون غيرها بتلك المواقع الخطيرة، وقد حرصت الدول على التكالب على امتلاك المضايق وسفكت من أجل ذلك دماء وأزهقت أرواحا، والأصل في هذا التكالب أن يكون بسبب توهم بعض الدول أن هذا التملك عمل تمليه المصلحة؛ لأن هذا الطريق البحري الضيق هو كما وصفنا بمثابة العنق عن جسمها.
غير أن الدول الاستعمارية كثيرا ما يجيش صدرها بشهوة القبض على المضايق ولو لم يكن «عنقا» لها وليس لديها أدنى صلة؛ لأن القبض على مضيق خطير أمر تشتهيه تلك الدول لذاته.
لذلك قامت بريطانيا- وغرامها بالمضايق قديم وحبها للأعناق حب مبرح- بعد الحرب العالمية الأولى، بإثارة حرب أخرى صغيرة في الشرق الأدنى من أجل بسط نفوذها على مضيق البسفور والدردنيل مع أن هذا الطريق الخطير هو العنق الحساس لدول مثل بلغاريا ورومانيا وروسيا وليس لبريطانيا به شأن؛ إذ ليس لها جزيرة واحدة أو صخرة في جميع أنحاء البحر الأسود حتى تبرر الاستيلاء على هذه المضايق الخطيرة لكي تصبح وحدها هي القابضة على تلك الأعناق الحساسة، وبادرت باحتلالها بجيوشها وأساطيلها وأرادت أن تنشئ أنظمة للحكم تصبح بمقتضاها صاحبة الأمر والنهي فيها، ولقد رأينا فرنسا التي خاضت غمار الحرب العالمية الأولى مع صديقتها وحليفتها تغار على هذه المواقع الهائلة أن تقع في يد صديقتها وزميلتها، فأخذت تكيد لها وتمد تركيا بالمعاونة الصادقة لكي تنتصر وتفوز بهذه المضايق حتى تستبعد بذلك نفوذ حليفتها العزيزة.
وقد اضطرت بريطانيا إلى التخلي عن المضايق وفي صدرها حسرة لأن شعبها الذي أنهكته الحرب العالمية الطويلة لم يكن في ذلك الوقت مستعدا لأن يخوض غمار حرب أخرى، وقد صاح الاستعمار في ذلك الوقت في كمد وحسرة بأن بريطانيا تضيع ثمرات النصر في الحرب العالمية الأولى كأنهم لم يكفهم الاستيلاء على نصيب الأسد من مستعمرات ألمانيا، ولكن صيحة الألم هذه لم يكن لها أثر عملي، ولجأت السياسة إلى طريقتها المألوفة فتغيرت الوزارة البريطانية وحل المستر بونارلو محل المستر لويد جورج.
واضح مما تقدم أن الاستعمار العسكري من أهم الذرائع التي تتذرع بها السياسة البريطانية، وأنه يتمثل بوجه خاص في المضايق والاستيلاء عليها؛ ولذلك يجدر بنا أن نتناول هذه الظاهرة ببعض التفصيل، فرأس الدولة البريطانية -المتمثل في تلك الجزر المنبسطة في الشمال الغربي من أوروبا- منفصل عن سائر جسم الإمبراطورية انفصالا شديدا، ورأى الاستعماريون أنه لا بد من عنق هائل طويل يصل ذلك الرأس ببقية الجسم، ثم لا بد بعد ذلك من بذل جهود جبارة حتى لا يمس هذا العنق بسوء، وأول فقرة من فقرات هذا العنق هي مضيق دوفر، فهاهنا يضيق بحر المانش ويقترب الساحلان الأوروبي والبريطاني بحيث لا يفصلهما إلا مسافة تقرب من العشرين ميلا، وقد ربضت على أحد جانبي المضيق إنجلترا وعلى الجانب الآخر فرنسا، تنظر إحداهما إلى الأخرى نظرة الخصم اللدود حينا، ونظرة الصديق المتكلف حينا، وكان الأمر البديهي أن يكون الساحل الفرنسي لفرنسا، ولكن هذه لم تكن الحال فيما مضى من الزمان، فقد جاء على بريطانيا حين من الدهر بسطت فيه نفوذها على الساحل الأوروبي للمضيق، وقبضت على مدينتي كالية وبولونيا وقد بقيت الأولى في حوزتها زمنا غير قليل وقد صححت الأوضاع فيما بعد وأصبح الساحل الفرنسي ملكا لفرنسا، غير أن بريطانيا لا تزال شديدة الحساسية لما قد يتعرض له هذا المضيق من خطر حقيقي أو موهوم؛ ولذلك رأينا الحكومات البريطانية ترفض السماح بإنشاء نفق تحت المانش يصل الأراضي الفرنسية بالإنجليزية ومع ذلك أنشئ النفق وافتتح وصار يربط بين الدولتين.
والظاهر أن بريطانيا قد تعلمت على سواحل مضيق دوفر حب المضايق والاستيلاء عليها؛ ولذلك نراها في وقت مبكر وفي ظروف حربية تقبض بشيء من العنف وفي شيء غير قليل من الخيانة على حصن جبل طارق لكي تتحكم في هذا الموضع الإستراتيجي، الشديد الخطر أو الذي أصبح فيما بعد عظيم الخطر فاستولت إنجلترا على جبل طارق في أول القرن الثامن عشر ولم تكن هنالك قناة السويس ولم يكن هذا المضيق طريقا إلى الهند، استولت عليه في ظروف غريبة، تجلت فيها السياسة البريطانية في أوضح مظاهرها، ذلك أنها في عام 1704 كانت تحارب إلى جانب هولندا والنمسا عدوتها القديمة فرنسا ومعها إسبانيا، وهي الحرب التي أطلق عليها اسم حرب الوراثة الإسبانية!! (1702-1713م) وفي إحدى حوادث تلك الحرب استولى الأسطول الهولندي الإنجليزي على حصن جبل طارق، وكان الاستيلاء عليه من أجل ولي عهد النمسا وباسمه، غير أن الأميرال البريطاني بادرفر رفع الراية البريطانية على الحصن، وأسرعت حكومة ذلك العهد فأقرت عمل الأميرال فأصبح الحصن أرضا بريطانية منذ نحو قرنين ونصف قرن من الزمان.
لم تكن لمضيق جبل طارق في ذلك الوقت تلك الأهمية التي أصبحت له فيما بعد، ولكنه لم يلبث أن أصبح من أجلّ المواقع خطرا، وظهرت ميزاته الطبيعية والحربية، فعنده يضيق البحر جدا وتدنو أفريقيا من أوروبا بحيث لا يفصل إحداهما عن الأخرى سوى بضعة عشر ميلا وفي وسع مدافع الحصن أن تتحكم في كل سفينة تمر من هذا المضيق.
وكانت دول أوروبا في شغل بشؤونها الخاصة أول الأمر، ولكنها بعد أن انتهت من سياستها وأخذت تتزاحم في حلبة الاستعمار، اشتد تكالبها على هذا المضيق، حتى لقيت إنجلترا عنتا شديدا ومشقة هائلة لكي تذود الدول عن هذا الجزء الحساس من عنق الدولة البريطانية، فقد أخذت تتطلع إلى شواطئ هذا المضيق دول خطيرة مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا بحكم الجوار والجار -كما يقولون- أولى بالشفعة، ولم يقتصر الأمر على الشاطئ الأوروبي للمضيق بل تجاوزه إلى الشاطئ الأفريقي أيضا، ولم تستطع بريطانيا أن تذود جميع الدول عن شواطئ المضيق فرأت أن تقبل أهون الشرين وأن تشجع إسبانيا على احتلال شطر عظيم من سواحل هذا المضيق في الجانب الأفريقي لأنها في ذلك الوقت لم تكن دولة ذات خطر؛ لهذا رأينا بلاد الريف تقتطع من مراكش وتعطى لإسبانيا، وذلك لكي تحرم منها فرنسا، فما كان لبريطانيا أن ترتاح لرؤية صديقتها فرنسا على الساحل الأفريقي من مضيق جبل طارق، ولكن بريطانيا لم ترض أن يكون الساحل الأفريقي كله خالصا لإسبانيا فهنالك موضع عظيم الخطر لم تستطع بريطانيا أن تأخذه لنفسها ولكنها لم تتركه لإسبانيا، وهذا الموضع هو مدينة طنجة والأرض المحيطة بها وهي بلا شك مفتاح المضيق من الجانب الأفريقي، وقد طمعت في طنجة كل من فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبريطانيا وانتهى النزاع والتدافع بأن اُنشئ لطنجة نظام دولي تشترك فيه نحو أربعة من الدول، وقد تغيرت وتبدلت قليلا وهي في الوقت الحاضر بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية ولبلجيكا أيضا عدد من الوظائف في طنجة جرت العادة على ألا يعين فيها سوى البلجيكيين.
وتمثل طنجة حالة فريدة منقطعة النظير في الميدان الاستعماري كله، وذلك بفضل موضعها الممتاز على هذا المضيق الخطير، والموضع الذي يلي جبل طارق في الطريق إلى الشرق وإلى الهند هو بالطبع جزيرة مالطة وهي أيضا تشرف على مضيق عظيم الخطر، وإن لم ينتبه إليه أكثر الناس وهو مضيق صقلية وتقف جزيرة مالطا فيما بينهما في منتصف المسافة تحرس الطريق الضيق الذي يصل النصف الغربي من البحر المتوسط، غير أن الإنجليز لم ينتظروا حتى تزداد الأهمية لذلك الموقع بل بادروا فاستولوا على هذه الجزيرة في أوائل القرن التاسع عشر، في ظروف تحاكي تلك التي قبضوا بها على جبل طارق وبوسائل مشابهة.
ثم مسألة قناة السويس -وما أدراك ما قناة السويس؟!- فقرة ضئيلة جدا خطيرة جدا، من فقرات ذلك العنق العظيم، ليست ملكا لصاحب العنق وليس له فيها حق مشروع ولم يشترك في إنشائها وحفرها فلم يكن له عذر أو شبهة عذر في المطالبة بأي حق من الحقوق فيها، وأغلقت في وجهه جميع الذرائع والوسائل التي تحمل ولو أتفه المبررات؛ ولذلك التجأ الاستعمار إلى سبيل الخيانة وإلى ارتكاب الإثم والعدوان، ولم يكن بد من أن يحنث في عهوده وأن تخرب الذمم ويتداعى الشرف الرفيع حتى ينهار، كل هذا من أجل السيطرة على هذه القناة الصناعية التي تصل البحر الأحمر بالبحر المتوسط وتقرب الطريق إلى المحيط الهندي وبلاد الشرق الأقصى، ومن أجلها جيء بجيش جرار ليحتل هذه الديار ومن أجلها استولت بريطانيا على جزيرة قبرص(4) إمعانا في الحرص وخوفا من أن تقع في يد عدو موهوم يتخذها وسيلة للعدوان على القناة، ومن أجلها اقتطعت فلسطين من جسم سوريا وخلقت المشكلة الصهيونية خلقا، وارتكبت في أثناء هذه السبعين عاما من الآثام والشرور ما يعجز أن نجد له مثيلا حتى في تاريخ الاستعمار.
وقد تطور العالم وتطورت فنون الحرب والدفاع ووسائل التخريب والتدمير وأثبتت الحربان العالميتان بوجه خاص أن طريق القناة عديم الفائدة وقت الحرب؛ ولذلك لم يكن يستخدم في الملاحة أثناء الحرب إلا نادرا فضاع بذلك السبب الأول في حب السيطرة على القناة، غير أن العقلية الاستعمارية لم تتطور بتطور الزمن؛ ولذلك ظلت متشبثة بالقناة تعض عليها بالنواخذ كما يعض الكلب على قطعة من العظم لم يبق فيها نفع ولا فائدة.
ونمضي بعد ذلك في طريقنا نحو الجنوب فلا نكاد نبلغ الطرف الآخر من البحر الأحمر حتى نرى هذا البحر يضيق مرة أخرى وكأنما آسيا قد اشتاقت إلى أفريقيا فدنت منها دنوا شديدا وإذا الدول تتكالب على مضيق باب المندب كما تكالبت على مضيق جبل طارق وإذا إنجلترا السباقة في هذه الميادين قد قبضت يدها على عدن ثم جعلت تمدها ذات اليمين وذات الشمال تارة نحو حضر موت وتارة نحو اليمين فلا تمضي عشرات السنين حتى تصبح عدن مستعمرة حربية ذات حجم لا يستهان به، وأصبح الساحل الشمالي لخليج عدن خاضعا كله لبريطانيا، وإمعانا في الاحتياط للطوارئ والملابسات التي لا وجود لها بسطت بريطانيا نفوذها على الساحل الجنوبي لخليج عدن أيضا حيث أنشأت ما يسمى مستعمرة الصومال البريطاني.
وقد بادرت دول أخرى فأحرزت مواقع لها خطرها على هذا المضيق، ولعل أعظمها خطرا استيلاء فرنسا على جيبوتي (أو الصومال الفرنسي) وهو موقع خطير جدا لا يقل شأنا عن عدن نفسها، ولا شك أن فرنسا بسطت يدها عليه في غفلة من بريطانيا، ولكن مركز بريطانيا هنا لم يزل -برغم هذا كله- مركزا قويا ممتازا بفضل اتساع مستعمرة عدن وبفضل استيلائها على بعض جزر المضيق، ولا تنتهي المطامع البريطانية في الاستيلاء على المواقع الإستراتيجية المتميزة عند مضيق باب المندب والوصول إلى المحيط الهندي -كما قد يتوهم بعض الناس- بل إن هنالك مضيقا آخر لا يقل خطرا عما تقدم في الطرف الجنوبي من آسيا: ألا وهو سنغافورة ذلك الطريق الضيق الخطير الذي يصل المحيط الهندي بالمحيط الهادي، والذي تحرسه قاعدة حربية ضخمة أنفق في إنشائها بضعة عشر مليونا من الجنيهات الإسترلينية.
وبعد... فهذا وصف موجز عن طائفة من البحار الضيقة التي أنشب فيها الاستعمار مخالبه، وقد تقدم في صدر هذا الفصل أن الدول الاستعمارية التي تلتمس لنفسها المعاذير وتعزو اغتصابها لتلك الأفكار إلى الضرورة العسكرية وما يتطلبه كيان الدولة من قواعد الدفاع عنها، وتأمينها ضد خطر حقيقي أو وهمي، ونستطيع أن نفهم أن الاستعمار يحاول أن يستر وجهه بقناع من الأسباب والأعذار.
ولكن الأمر المستغرب أن كثيرا من الناس يميلون إلى تصديق تلك الحجج، ويرون في تلك المعاذير يعض الوجاهة؛ لأن بريطانيا -في نظرهم- قد تعددت ممتلكاتها وانتشرت في أنحاء أفريقيا وآسيا، حيث كانت الهند التي تمثل أغلى درة في التاج البريطاني تؤلف وحدها إمبراطورية ضخمة ووراء الهند مستعمرات أخرى في المحيط الهندي والهادي ولا بد من تأمين الطريق الموصل إليها، وتلك الحجج والمعاذير يقبلها كثير من الناس على أنها أعذار قوية وبراهين أكيدة، وينسى هؤلاء الناس أن مثل بريطانيا في سياستها الاستعمارية، كمثل قوم اغتصبوا منزلا فخما واحتلوه على الرغم من أهله ثم أخذوا يحتلون الطرق التي تؤدي إليه من أجل المحافظة على ذلك المنزل الضخم الذي اغتصبوه.. أي إن هذه المعاذير لا تعدو أن تكون عبارة عن تبرير سرقة لاحقة بسرقة سابقة، ولم يفكر هؤلاء الناس أن من الممكن الامتناع عن السرقات الأولى حتى لا يكون من هناك حاجة أو شبه حاجة للسرقات الأخرى، فالخطة الاستعمارية التي سلكتها بريطانيا والتي ظل أبناؤها زمنا طويلا يفتخرون بها ويرونها عنوان النبل والسؤدد والعظمة هي التي جعلت الدولة البريطانية مبعثرة في جميع الأنحاء وأثارت المشاكل الدولية التي أفضت إلى الحرب المدمرة، وهي التي قضت باتباع أساليب الغش والخيانة والغدر من أجل الاستيلاء على أقطار جديدة في كل ركن من أركان العالم(5).

الهوامش:
1- مصطفى خالد (دكتور) عمر فروخ، التبشير والاستعمار، ص37.
2- محمد عوض (دكتور) الاستعمار والمذاهب الاستعمارية دار المعارف-مصر.
3- نفس المرجع السابق.
4- فتحت الجيوش الإسلامية قبرص لأول مرة عام 647م (82هـ) أيام معاوية بن أبي سفيان الأموي وبقيت الجيوش الإسلامية بها إلى عام 649م، «الإسلام والمسلمون في بريطانيا» إعجاز مختار الدين: رسالة ماجستير، كلية الدعوة والإعلام بالرياض 1404هـ-ص36.
5- راجع: مصطفى خالد وعمر فروخ، التبشير والاستعمار- ومحمد عوض، الاستعمار والمذاهب الاستعمارية- واللحظات الأخيرة من حضارتنا، عبدالحكيم عويس، القاهرة -1975، وسعد الدين السيد صالح، احذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام ص/24-25.


اعداد: د. أحمد بن عبدالعزيز الحصين




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

 

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 59.69 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 58.22 كيلو بايت... تم توفير 1.47 كيلو بايت...بمعدل (2.46%)]