القوة في الإسلام - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         أصبح ابني مراهقاً (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          مزيداً من النجاح في تربية أولادك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          نحو الفطرة .. ونحو الفطنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          مع الرسول صلى الله عليه وسلم في ولادته ووفاته (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 67 )           »          الأمومة... إشباعٌ وإبداع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 67 )           »          الرسول صلى الله عليه وسلم والشباب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 73 )           »          الفتور في حياة الدعاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 70 )           »          عفواً ... فالنتين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 73 )           »          زوجي يخونني عبر الإنترنت!! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 64 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4512 - عددالزوار : 1119030 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 22-06-2024, 06:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,681
الدولة : Egypt
افتراضي القوة في الإسلام

القوة في الإسلام (1)

د. أمير بن محمد المدري

الحمد لله جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، أحمده سبحانه جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، أحاط بعباده علماً، إنه كان سميعاً بصيراً، وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله، أرسله ربه شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أنفسكم على النار لا تقوى.

عباد الله: سنقف وإياكم مع القوة.
القوة في الإسلام مصادر القوة وعناصر القوة وأسباب القوة.

هل المسلمين اليوم أقوياء أم ضعفاء، هل أهل الإيمان والصلاح أقوياء أم ضعفاء، إن كانوا ضعفاء ما سبب ضعفهم، وما الذي يعيد لهم قوتهم ومجدهم وعزهم.

عباد الله: إن الإنسان بحاجة في هذه الدنيا إلى قوة تسند ظهره، وتشد أزره، وتأخذ بيده، وتذلل له العقبات، وتقهر أمامه الصعاب، وتنير له الطريق.

ما هي القوة. ما تعريفها:
كثيرٌ منَ الناس عندهم مفهومِ القوة والضعفِ مفهوم مادّي واعتباراتٍ أرضيّة، فهذا يقدِّر القوةَ والضعف بحسَب إقبالِ الدنيا وإدبارها، وآخرُ يقدِّر القوّةَ بممارسةِ الجبَروت والقهرِ والبغيِ والطغيان، وثالث يظنّ القوةَ لمن كان له جاهٌ أو حَظوة من سلطان، ورابعٌ يركَن في قوّته إلى ماله أو ولدِه أو مَنصبِه، وخامِسٌ يستمدّ قوّتَه من إجادةِ فنون المكرِ والكيد والخِداع والقدرةِ على التلوّن حسَب المواقف والأحوال.

والقوّة ليست في ذلك، ولكنَّها قوّة العقيدةِ والخلُق، القوّةُ في العبادةِ والسّلوكِ والجِسم والعِلم والصّناعة والتّجارة. تلك القوّةُ التي تتَّجه بجهد الإنسانِ إلى الخير وتقودُه إلى الرَّحمة، وتجعَل منه أداةً يحِقّ الله بها الحقَّ ويبطِل الباطِل.

عباد الله:
من أين نشتري هذه القوة وأين تباع؟ إنها عباد الله في ظل العقيدة، ورحاب الإيمان بالله.

الإيمان بالله هو الذي يمدنا بروح القوة، وقوة الروح، فالمؤمن لا يرجو إلا فضل الله، ولا يخشى إلا عذاب الله، ولا يبالي بشيء في جنب الله. إنه قوي وإن لم يكن في يديه سلاح، غني وإن لم تمج خزائنه بالفضة والذهب، عزيز وإن لم يكن وراءه عشيرة وأتباع، راسخ وإن اضطربت سفينة الحياة، وأحاط بها الموج من كل مكان.

جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أن الله خلق الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الماء قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء قال نعم الريح قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح قال نعم ابن آدم يتصدق بيمينه يخفيها عن شماله، فهو بإيمانه أقوى من البحر والموج والرياح، وفي الحديث: لو عرفتم الله حق معرفته لزالت بدعائكم الجبال«[رواه الترمذي من حديث أنس].

وهذه القوة في الفرد مصدر لقوة المجتمع كله، وما أسعد المجتمع بالأقوياء الراسخين من أبنائه، وما أشقاه بالضعفاء المهازيل، الذين لا ينصرون صديقاً، ولا يخيفون عدواً، ولا تقوم بهم نهضة، أو ترتفع بهم راية.

عباد الله: ما أجمل وما أحلى القوة في الحق، حين تندفع بردًا وسلامًا، فترد الحقوق ممن سلبها فتنصر المظلوم وترد له حقه من الظالم.

ما أجمل وما أحلى القوة في الحق، حين تندفع بردًا وسلامًا فتكون دماراً على المفسدين والمجرمين.

لا يعرف فضل القوة إلا من ظُلم فلم يجد من ينصره.

لا يعرف فضل القوة إلا من سُلب ماله، أرضه ولم يجد من يعينه لأنه ضعيف.

لا يعرف فضل القوة إلا من حُبس ظلماً ومكث في السجن أشهر بل أحيانا أعوام ولم يجد من يخرجه.

ولو كان صاحب مال وسلطان وحسب لما ظل في السجن ليلة واحدة إلا وتأتي الاتصالات والوساطات لإخراجه، من للضعيف من للمظلوم من للفقير؟.

لا يعرف فضل القوة المؤيدة للحق إلا من عاش تحت وطأة الطغيان دهرًا طويلاً.

ما أجمل القوة العادلة عندما تحق الحق وتبطل الباطل.

إن القوة التي تقيم بين الناس موازن القسط، وتبسط بينهم العدل هي ما أمر به الإسلام، وربى عليه أتباعه، بل حضّ على بذل النفس والنفيس من أجله، وفي الحديث الصحيح: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وآخرين مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: 60].

الحق المسلوب لن يستطيع رده إلا رجال لهم جرأة في الحق لا يخافون في الله لومة لائم.

إنهم رجال عندهم حرص على التضحية في سبيل الله أشد من حرص عدوهم على المغامرة، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الّجَنَّةَ يُقَـاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ والقرآن وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].

إن الأمة والعالم بحاجة إلى القوة التي تعرف العدل والنظام مثل حاجته إلى الطعام والشراب أو أشد، بل لا لذة لطعام ولا شراب إذا زاد الخوف وفشا الظلم.

أيها الإخوة المسلمون:
لقد تغيّر الزمن على المسلمين والمؤمنين، فانكمشوا بعد امتداد، ووهنوا من بعد قوة، وما ذلك إلا لسر ولكنه ليس بسر، لقد كشفه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها» قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ في قلوبكم الوهن» قالوا: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا، وكراهية الموت» [صحيح، أخرجه أحمد، وأبو داود وصححه الألباني في الصحيحة (958)].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا وأستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه نجوم الدجى، والتابعين لهم بإحسان ومن سار على نهجهم واقتفى، وسلم تسليماً كثيراً، وبعد:
عباد الله،
إن من أهم أسباب المحافظة على العزة التي كتبها الله لعباده المؤمنين الأخذ بعناصر القوة في أشكالها المتعددة، وذلك استجابة لأمر الله القائل في كتابه الكريم: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ﴾.


من عناصر القوة:
أولا: قوة العقيدة ورسوخ الإيمان بالله جل وعلا وبكل ما جاء عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم والانقياد الكلي لله ولرسوله في كل ما نأتي ونذر، فإن المسلم إذا تغلغل الإيمان في قلبه أكسبه نشاطًا وحماسًا على تحمل الصعاب ومواجهة الأخطار دون تهَيّب.

إن العقيدة القوية تضفي على صاحبها قوة تنطبع في سلوكه كله وفي عبادته ومعاملاته وأخلاقه وفي شأنه كله، فإذا تكلم كان واثقًا من قوله، وإذا عمل كان راسخًا في عمله، وإذا توجه كان واضحًا في هدفه، لا يعرف التردد أو اليأس إلى نفس المؤمن سبيلاً.

إن الأمة في أوضاعها الراهنة لفي حاجة إلى شباب أقوياء في عقيدتهم.
شبابٌ ذللوا سبلَ المعالي
وما عرفوا سوى الإسلام دينا
إذا شهدوا الوغى كانوا كماة
يدكون المعاقل والحصونا
وإن جنَّ المساء فلا تراهم
من الإشفاق إلا ساجدينا
شباب لم تحطمه الليالي
ولم يُسْلِمْ إلى الخصم العرينا
ولم تشهدهم الأقداح يوما
وقد ملؤوا نواديهم مجونا
وما عرفوا الأغاني مائعات
ولكن العلا صيغت لحونا
ولم يتشدقوا بقشور علم
ولم يتقلبوا في الملحدينا
كذلك أخرج الإسلام
قومي شبابا مخلصا حرا أمينا


المؤمن القوي يأخذ تعاليم دينه بقوة، وينقلها إلى غيره بقوة، ويتحرك ويدعو في مجتمعه بقوة لا وهن معها ولا ضعف، يستشعر قول الباري جل وعلا: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾[البقرة: 63]، وقوله جل وعز: ﴿يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾[مريم: 12]، وقول الله تعالى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾[الأعراف: 145].


إنها قوة المؤمن التي لا رخاوة فيها ولا قبول لأنصاف الحلول مع الخصوم.

ولذلك عندما سأل الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك أبو حازم سلمة بن دينار[1] فقال له: لماذا نكره الآخرة ونحب الدنيا؟! قال له بكل شجاعة وقوة: «لأنكم عمّرتم دنياكم وخرّبتم آخرتكم، فأنتم تكرهون الانتقال من العمار إلى الخراب».

إن المؤمن لا يعرف الهزال ولا يعرف إضاعة الأوقات، بل كله جد وصرامة وقوة. وبقوّة العقيدةِ والإيمان جعلَ الله لرسوله من الضعفِ قوّةً ومن القِلّة كثرةً ومنَ الفقر غِنى، لقد كان فَردًا فصار أمّةً، وكان أمّيًّا فعلَّم الملايين، وكان قليلَ المال فصار بالله أغنى الأغنياءِ، قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى *وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى*وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى [الضحى: 6-8].

فعلينا -يا عباد الله- بتقوية الإيمان في نفوسنا ونفوس أبنائنا؛ لنضمن العزة التي كتبها لنا ربكم إن كنا مؤمنين، فالعقيدة الصحيحة هي أساس الفلاح في الدنيا والآخرة والنجاح في الأمور كلها والعاقبة الحميدة والله المستعان.

ومِن أسرار قوّةِ العقيدة أنّه لا يستطيعُ إنسانٌ كائنًا من كان أن يمنعَك من رِزق كتبه الله لك، ولا أن يعطيَكَ رِزقًا لم يَكتُبه الله إليك، بهذا ينقطِع حبلُ اللجوءِ إلى أغنياءِ الأرض وأقويَائِها، ويتَّصِل العبد بحبلِ الله المتينِ، فهو المعطِي المانع والرَّزّاق ذو القوّة المتين، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنِ عبّاسٍ رضي الله عنه: «يا غلام، إني أعلِّمُك كلمات: احفظِ اللهَ يحفظْك، احفَظِ الله تجِدْه تجاهَكَ، إذا سألتَ فاسْألِ اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله، واعلم أنّ الأمةَ لو اجتمَعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمَعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلامُ وجفَتِ الصحف» [رواه الترمذي].

تمثلت قوّةِ العقيدةِ عند عمر بنِ الخطاب رضي الله عنه يوم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بِيَده، ما لقِيَك الشيطان سالِكًا فجًّا قطُّ إلاّ سلَك فجًّا غيرَ فجِّك»[رواه البخاري]. وهذه فضيلة عظيمةٌ لعمرَ رضي الله عنه تقتضِي أنّ الشيطانَ لا سبيلَ له عليه لقوّةِ إيمانه.

المؤمِنُ القوِيّ يتماسَك أمامَ المصائبِ ويثبُت بين يدَيِ البلاء راضيًا بقضاء الله وقدَره، وقد صوَّر هذا رسولُنا بقوله: «عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمرَه كلَّه خير، وليس ذلك لأحدٍ إلاّ للمؤمن؛ إن أصابته سرّاءُ شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابَته ضرّاء صبرَ فكان خيرًا له» [رواه مسلم].

وسُجن شيخ الإسلام ابن تيمية فما كان منه إلا أن قال: "ما يفعل أعدائي بي؟! أنا سجني خلوة بالله، ونفيي سياحة في أرض الله، وقتلي شهادة في سبيل الله".

ولقد قُهِرَ أناس وظُلم آخرون وهُدّدوا فلم يردهم ذلك عن إيمانهم، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾[آل عمران: 173].

كم من أقوياء الأجسام أغنياء المال لكنهم ضعفاء أمام البلاء والمصائب أما المؤمن فهو صابر في كل أحواله قوي بثقته أن كل ما في الدنيا لا يساوي جناح بعوضة والدنيا كلها منتهية وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ومن عناصر القوة ثانياً: القوّةُ في العبادةِ بالمحافظة على الفرائِض والاجتهادِ في الطاعات والتّنافس في الخيرات والتقرُّب إلى الله، ليس قوياً من يسمع النداء للصلاة ولا يجيب النداء لأنه ضعيف أمام شهوة المال والدنيا ولو كان قويا لأجاب نداء رب الأرض والسماء.

وما أنتصر المسلمون في معاركهم إلا عندما كانت علاقتهم مع الله قوية في جانب العبادات. لا تنقَشِع غمّةٌ ولا تنقَلِع كربة إلا بإذنِ الله ثمّ بسبَبِ العودة للدّين. كان صلاحُ الدين يمرّ على الخِيَم، فإذا سمع من يقرأ القرآنَ ويسبِّح الله ويذكُره يقول مقالَتَه المشهورةَ عند المؤرِّخين: «مِن ها هُنا يأتي النصرُ».

المؤمن القوي لا يمدّ يدَه إلاّ إلى الحلال، ولا يعيشُ إلا في الطاعَةِ والرّضوان، لقد كان رسولُ الله يقوم حتى تفطَّرت قدَماه، لا يتركُ قيامَ الليل، وكان يتصدَّق بكلِّ ما عِنده.

هذا وصلوا - عباد الله: - على رسول الهدى فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: 56]

[1]سَلَمَة بن دِينار(000 - 140 هـ = 000 - 757 م)سلمة بن دينار المخزومي، أبو حازم، ويقال له الأعرج: عالم المدينة وقاضيها وشيخها. فارسي الأصل. كان زاهدا عابدا، بعث إليه سليمان بن عبد الملك ليأتيه، فقال: إن كانت له حاجة فليأت، وأما أنا فما لي إليه حاجة. قال عبد الرحمن ابن زيد ابن أسلم: (ما رأيت أحدا الحكمة أقرب إلى فيه من أبي حازم) أخباره كثيرة.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 22-06-2024, 06:52 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,681
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القوة في الإسلام

القوة في الإسلام (2)


د. أمير بن محمد المدري

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

وأشهد أن لا إله إلا الله، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبدالله ورسوله، سيد ولد آدم أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واشكروه على نعمه الظاهرة والباطنة.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

أيها المسلمون:
ما زلنا وإياكم مع القوة وعناصر القوة، وقفنا مع العنصر الأول القوة في العقيدة والعنصر الثاني القوة في العبادة، أما العنصر الثالث القوة في الأخلاق والمعاملة، لقد فتحَ المسلمون الأوائِل بعضَ البلدان بقوّةِ الأخلاق دون أن تتحرَّك جيوشٌ أو تزَلزَل عُروش، وبعضُ المسلمين اليومَ جمَع من العلمِ فأوعَى وخلاَ من الخُلُق الأوفى.

القوّةُ في الأخلاق دليلُ رسوخِ الإيمان، فإلقاءُ السلام عبادةٌ، وعِيادة المريض عِبادة، وزِيارة الأخِ في الله عِبادة، وتبسُّمك في وجهِ أخيك عبادة.

عباد الله: من القوّة ثَبات الأخلاقِ ورُسوخ القِيَم في الفرَح والحزن والشِدّة والرخاء، مع الصّديقِ والعدوِّ والغنيِّ والفقير، قال تعالى: ﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾. وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أرسل جيشا أو أرسل سرية للغزوَ يوصيهم ويقول لهم: «لا يقتُلوا طِفلًا ولا امرأةً ولا شَيخًا كبيرًا». [رواه أبو داود].

الله أكبر هذا هو عدل الإسلام، هذه هي رحمة الإسلام وأخلاق الإسلام.

المسلم عباد الله قويٌ في أخلاقه ومعاملاته وبيعه وشرائه.

وصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- القائل: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما»؛ [رواه البخاري أنظر الفتح 4/ 328].

لقد فعَل مشرِكوا مكّةَ برسولِ الله ما فعلوا، آذَوه وحاصَروه، واتَّهموه وكذَّبوه، أخرجوه ثم شهَروا سيوفَهم ليقتلوه. وتمرّ السّنون، ويعود رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مكّةَ فاتحًا متواضِعًا لله متذلِّلًا، ويقول لأولئكَ الذين فعَلوا ما فعلوا: «ما تظنّون أني فاعلٌ بكم؟ » قالوا: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطّلَقاء» [السيرة النبوية لابن هشام (4/ 78)]، «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير».

إنّه انتصارِ المبادِئ ورسوخُ القِيَم والقوّة في الأخلاق، وحاشا رسولَ الله أن ينتقِمَ لنفسِه أو يثأرَ لشخصِه، وفي الحديث: «وما انتقَمَ رسول الله لنفسِهِ إلاّ أن تنتَهَك حرمةُ الله فينتقمَ لله بها». [رواه البخاري]. وفي عالمنا اليومَ من تنتفِخ أوداجُه وتحمرّ عيناه ويصيبه الأرَق والقلَق ولا يهدَأ روعُه حتى يثأرَ لنفسِه وينتقِمَ لشخصِه المبجَّل، لكنّه لا يحرِّك ساكنًا ولا يشعُر قلبه امتِعاضًا إذا انتُهِكت محارمُ الله.

عباد الله:
القوة ليست في الظلم والتجبر على الضعفاء.
القوة ليست في البغي والطغيان.
القوة أن تعفوا عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك.

رابعًا: ومن عناصر القوة: القوّةُ في الإرادَةِ بمغالبة الهوَى والاستعلاءِ على الشهوات، قال تعالى: ﴿ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ص: 26]. وفي سيرةِ نوحٍ عليه السلام ترى قوّةَ العزيمة والإرادَةِ وهو يسير في دعوتِه ليلًا ونهارًا، سِرًّا وجهارًا، يمرّ عليه قومُه وهو يصنَع السفينة، فيُلقُون على سمعه عباراتِ التهكّم والسّخريةِ، فلم تهن عزيمتُه ولم تضعُف إرادَته؛ لأنه كان واثِقًا بنَصر الله، مطمئنًّا إلى وعدِه سبحانه، ﴿ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾[هود: 38].

القوة في الاستعلاء على الشهوات، فالمؤمن قوي لأنه عبد لله وحده أما عبيد الدينار والدرهم فهم ضعفاء. أما عبيد النساء والشهوات فهم ضعفاء.

كم من قوي الجسم مفتول العضلات يضعف أمام امرأة ويُضيّع دينه وخلقه.

كم من مسلمين اليوم يضعفون أما مبلغ من المال؛ فيضيّعون دينهم بعرَضٍ من الدنيا قليل.

كم نرى من يضعف أما الصور والأفلام حتى أصبح الواحد منهم متعلق بها حتى وهو ساجد بين يدي الله يأتي الشيطان ويفتح دفتر الصور والأفلام القبيحة فيُضيّع على المسلم صلاته وخشوعه والله المستعان.

عباد الله:
الذلُّ قبيح، وفي قَبوله هَلاك، ولكن حينَ يوضَعُ في موضِعِه الصحيحِ يُعتَبر قوّةً وعِزًّا.

الذل والانكسار بين يدي الله مصدر العزة والكرامة والذل للوالدين وطاعتهما قال تعالى: ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24].

العنصر الخامس من عناصر القوة: القوّة في ضبطِ النفسِ والسّيطرة عليها، قال -صلى الله عليه وسلم-: «ليس الشّديدُ بالصّرعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسَه عند الغضب»؛ [رواه البخاري]، كظمُ الغيظِ قوّةٌ، قال تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 134].

وقد قال بعض أهل العلم في هذا الباب: إن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو، وإذا ملك الإنسان نفسه فقد قسر شيطانه.

ولهذا كان من أعظم المصائب الهدّامة العجز، والكسل، والجبن، والبخل، إنها صورٌ من صور الضعف والخور، وقد استعاذ منها جميعًا نبيكم محمد في دعاءٍ رفعه إلى مولاه، قائلًا: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» [رواه أبو داود في أبواب الوتر، باب الاستعاذة (4/ 412)]. إنها كلها تصب في مصاب الضعف، والانهزام النفسي والعملي.

أما استعادة الأحزان، والتحسر على ما فات، والتعلق بالماضي، وتكرار التمني بـ (ليت) والتحسر في الزفرات بـ (لو) فليس من خُلق المؤمن القوي؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان، وما عمله إلا الهواجس، والوساوس، فهو الوسواس الخناس. فلا التفات إلى الماضي إلا بقدر ما ينفع الحاضر ويفيد المستقبل.

عباد الله أهل الإيمان والصلاح والتقوى من الصحابة والتابعين كانت عظمتهم وقوتهم وعزتهم يوم اتصلوا بالواحد الأحد، بالقوي العزيز وعرفوا الله عز وجل، فاستمدوا القوة والعزة من اتصالهم وتعلقهم بالله عزوجل.

دخل سليمان بن عبد الملك الحرم، ومعه الوزراء، والأمراء، والحاشية، والجيش، فقال: مَن عالم مكة؟ قالوا: عطاء بن أبي رباح، قال: أروني عطاء هذا، فأشرف عليه، فوجده عبدًا، كأن رأسه زبيبة مشلولًا نصفه، أزرق العينين، مفلفل الشعر، لا يملك من الدنيا درهمًا ولا دينارًا، فقال سليمان: أأنت عطاء بن أبي رباح الذي طوّق ذكرك الدنيا؟ قال: يقولون ذلك، قال بماذا حصلت على هذا العلم، قال: بترك فراشي في المسجد الحرام ثلاثين سنة، ما خرجت منه، حتى تعلمت العلم، قال سليمان: يا أيها الحجاج لا يفتي في المناسك إلا عطاء.

وحدث أن اختلف سليمان وأبناؤه في مسألة من مسائل الحج، فقال: دلوني على عطاء بن أبي رباح، فأخذوه إلى عطاء وهو في الحرم، والناس عليه كالغمام، فأراد أن يجتاز الصفوف، ويتقدم إليه وهو الخليفة، فقال عطاء: يا أمير المؤمنين، خذ مكانك، ولا تتقدم الناس؛ فإن الناس سبقوك إلى هذا المكان، فلما أتى دوره سأله المسألة فأجابه، فقال سليمان لأبنائه: يا أبنائي، عليكم بتقوى الله، والتفقه في الدين، فو الله ما ذللت في حياتي إلا لهذا العبد. لأن الله يرفع من يشاء بطاعته، وإن كان عبدًا حبشيًّا، لا مال ولا نسب، ويذل من يشاء بمعصيته، وإن كان ذا نسب وشرف.

جاء هشام بن عبد الملك الخليفة، أخو سليمان، فحج البيت الحرام، فلما كان في الطواف، رأى سالم بن عبد الله بن عمر، الزاهد العالم العارف، وهو يطوف، وحذاؤه في يديه، وعليه عمامة وثياب، لا تساوي ثلاثة عشر درهمًا، فقال له هشام: يا سالم: أتريد حاجة أقضيها لك اليوم، قال سالم: أما تستحي من الله، تعرض عليَّ الحوائج، وأنا في بيت من لا يُعْوِزُني إلى غيره، فاحمر وجه الخليفة، فلما خرج من الحرم، قال: هل تريد شيئًا؟ قال: أمِن حوائج الدنيا، أم من حوائج الآخرة؟ قال: أما حوائج الآخرة فلا أملكها، لكن من حوائج الدنيا، قال سالم: والله الذي لا. إله إلا هو، ما سألت حوائج الدنيا مِن الذي يملكها تبارك وتعالى، فكيف أسألها منك؟!.

إنها القوة من وسائل طلبا للاستغفار، وقد قال هود عليه السلام لقومه آمرًا لهم بالاستغفار والبعد عن مزالق الخاطئين: ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ﴾ [هود: 52].

القوة في البدن: إن تحصيلُ القوّةِ البدنيّة من أهدافِ الشارع الكريم، وفي سبيلِها كان تحريمُ الخبائث من الطّعام والشراب، كالخمرِ والميتة ولحمِ الخنزير، وفي سبيلها كانت عِناية الإسلام برياضةِ البدَن، ومن أجلِ العافية حثَّ الإسلام على التداوِي وأمر بابتغاءِ العِلاج، قال -صلى الله عليه وسلم-: «تداووا فإنَّ الله لم يضَع داءً إلاّ وضع له شفاءً ـ أو قال: دواءً ـ إلاّ داءً واحدًا»، قالوا: يا رسول الله، وما هو؟ قال: «الهرَم»؛ [رواه الترمذي]. وقد صارَع رسول الله رُكانةَ فصَرَعه وكان ذلك سببًا في إسلام رُكانة؛ [أخرجه أبو داود في كتاب اللباس (4078)، والترمذي في أبواب اللباس]، وثبَتَ أنه -صلى الله عليه وسلم- رمَى بالقوسِ وطَعَن بالرّمح وتقلَّد السيفَ وركِب الخيل. كلُّ ذلك لتُسخَّر هذِه الأجسامُ في طاعةِ الله وتُشغَل بالخيرِ وتُبعَد عن كلِّ ما هو محرَّم.

ونهانا الإسلام عما يضر البدن ومن ذلك شرب الدخان فقد أجمع الأطباء على أنها سبب رئيس لمرض السرطان، وأفتى العلماء بحرمتها.

ومن ذلك الإكثار شُرب المنبهات التي تغير طبيعة الإنسان وتؤثر في قلبه، ولقد غُلّفت بأسماء جذابة مثل مشروبات الطاقة أو قوة الجبال.

فيا عبد الله لا تتحكم فيك شهواتك وعاداتك لتكن قويًا بطاعتك لله.

ومع قوّةِ الإيمان والأخلاقِ والجِسم يأتي العنصر الثالث القوّةُ في العلم والمعارِفِ والمِهَن، فالله ما أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يطلب الزيادة في المال أو الجاه أو السلطان بل يطلب الزيادة في العم وقل ربي زدني علما.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا وأستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، السميع العليم، وأشهد أن محمدًا عبدالله ورسوله، بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان عليهم من ربهم الرحمة والتسليم، وبعد:
عباد الله:
ومن عناصر القوة: القوةُ في العلم والجدِّ في مباشرةِ العمَل، وذلك باطِّراح الكَسَل جانِبًا والخمول ظِهرِيًّا، ذلك العمَل الذي ينمِّي الإنتاجَ ويزيد الثّروَة ويحفظ كراماتِ الأفراد ويصِل بالأمة إلى غايتِها من السّيادَةِ والقيادة.

وهناك أقوامٌ يقولون بأنّ التديّنَ من أسباب التخلُّف وأنّ الشريعةَ عامِل من عوامِلِ التأخُّر، وهذا جهلٌ بالدين وغَفلَة عن تعاليمه، ولقد كان رسولُ الله يستعيذ من كلِّ أسباب ومظاهرِ الضّعف فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجزِ والكسَل» [رواه البخاري].

ومن عناصر القوة ـ أيها الناس ـ قوّة العدة والعتاد والتدريب على فنون الجهاد باللسان والمال والعتاد والأنفس والتدرب على السلاح والرماية بالطرق المشروعة، وبذلك نرضي الرب تبارك وتعالى، ونذُبُّ عن ديننا، ونحمي أنفسنا وأهلينا وديارنا، وبذلك نضمن العز والنصر في معركة الحق مع الباطل، قال تعالى: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾[الحج: 40]، وعن عقبة بن عامر -ا- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على المنبر يقول: «وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي»[رواه مسلم في القدر، باب: في الأمر بالقوة وترك العجز (2664). ]. والرمي يشمل كل رمي في كل زمان ومكان بحسبه؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أطلق الرمي ولم يعين ما يرمى به، فيتحرك المسلم حسب ما يقتضيه الحال والمكان.

فاتقوا الله عباد الله، وامتثلوا لأمر الله ورسوله بإعداد القوة اللازمة لرد كيد أعداء الإسلام في نحورهم، ولتعلموا أن الإسلام ليس ترفًا ورخاوة أو لذة أو جمعًا لحطام الدنيا، وإنما الإسلام دين ودولة ومصحف وسيف ومحراب وميدان للجهاد في سبيل الله بكل وسائل القوة بعد التوكل والاعتماد على الله جل وعلا وإخلاص النية لله رب العالمين.

ومن عناصر القوة ـ أيها المسلمون ـ أن يكون المسلم صريحًا جريئًا يواجه الناس بقلبٍ مفتوح ومبادئ واضحة، فلا يُصانع ويُجامل على حساب الحق بما يغضّ من كرامته وكرامة إخوانه المسلمين، فلا يوهن فيهم ولا يفتُّ في عضدهم ولا يهين كرامتهم ولا يحطم معنوياتهم، ولا يحطّ من قدرهم، ولا يحيد عن هذه الصراحة أبدًا، فقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنبثق من هذا المبدأ، فعلى المسلم أن لا يتهيب كبيرًا، ولا يستحي من قريب أو بعيد ولا تأخذه في الله لومة لائم.

ولذلك كره الإسلام أن يضعف الإنسان أمام العُصاة من الكبراء فيناديهم بألفاظ التكريم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا قال الرجل للمنافق: يا سيد فقد أغضب ربه» [أخرجه الحاكم (4/ 311) وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (2/ 198) والبيهقي في "الشعب" (4854) والخطيب في "التاريخ" (5/ 454)وقال الحاكم: صحيح الإسناد"].

حج الحجّاج بن يوسف الثقفي مرة فمر بين مكة والمدينة فأُتي بغدائه فقال لحاجبه: انظر من يأكل معي، فذهب فإذا أعرابي نائم فضربه برجله وقال: أجب الأمير، فقام فلما دخل على الحجاج قال له: اغسل يديك ثم تغد معي، فقال: إنه دعاني من هو خير منك، قال: ومن؟ قال الله دعاني إلى الصوم فأجبته، قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم هو أشد حرًا منه، قال: فأفطر وصم غدا، قال: إن ضمنت لي البقاء لغد.

قال: ليس ذلك لي، قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه؟ قال: إن طعامنا طعام طيب، قال: لم تطيبه أنت ولا الطباخ، إنما طيبته العافية.

فمن الجريمة ـ عباد الله ـ أن تُنتهك حرمات الإسلام ثم لا يجد من ينتهكها من يحقِّره، بل يجد من يمتدحه ويبجله، قال الله تعالى: ﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء ﴾ [الحج: 18].

فاتقوا الله عباد الله، وخذوا بكل أسباب القوة لتتحقق لكم الحياة الطيبة العزيزة الكريمة في الدنيا وفي الآخرة.

عباد الله:
إنّه ينبغي أن لا يَنسَى العبد ربَّه مع مباشرةِ هذه الأسباب، فإنّ العوائقَ جمّة، والحاجة إلى عونِ الله وتوفيقِه في كلِّ لحظةٍ وآن، وفي محكمِ التنزيل: ﴿ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ ﴾، قال عز وجل في دعاء نوحٍ بعد أن كذّبه قومه وبذلَ جميع الأسباب: ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴾[القمر: 10]، وقال تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام في وصيّته لقومه بعد أن هدَّدَهم فرعونُ بقتلِ أولادهم: ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾[الأعراف: 128]، وقال أيضًا عن وصية أخرى من موسَى لقومه: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾[يونس: 84]، وقال تعالى عن يوسفَ عليه الصلاة والسلام عندما تعرَّض لفتنةِ النساء: ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾[يوسف: 34].

من الفوائدِ المستنبَطَة من سورةِ يوسفَ عند هذه الآية ـ كما قال بعض العلماء ـ أنه ينبغي للعبدِ أن يلتجِئ إلى الله عند وجود أسباب المعصيَة ويتبرّأ من حولِه وقوّته؛ لقول يوسف عليه السلام: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف: 33] أي: إن وكلتني إلى نفسي فليس لي من نفسي قدرةٌ، ولا أملِكُ لها ضرًّا ولا نفعًا إلا بحولِك وقوّتك، أنت المستعان، وعليك التّكلان، فلا تكلني إلى نفسي.

هذا وصلوا - عباد الله: - على رسول الهدى فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلّم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-07-2024, 07:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,681
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القوة في الإسلام

القوة في الإسلام (3)



د. أمير بن محمد المدري



الحمد لله الذي يبدئ ويعيد، خلق السماوات والأرض بالحق وهو على كل شيء شهيد، جعل الشمس ضياء، والقمر نوراً، وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، وهو العزيز الحميد.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ذو العرش المجيد، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، رفع الله به أعلام التوحيد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه أولي الرأي السديد، والعمل الرشيد، والتابعين لهم بإحسان من سائر العبيد، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم المزيد، أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، فالأعمار تُطوى، والأجيال تُفنى، والآجال تقضى، كم من الناس من عاش معنا بالأمس، عاجله أجله قبل اليوم، وكم من الناس من يعيش معنا اليوم لن يمهله أجله إلى الغد.

عباد الله وقفنا في الأسبوعين الماضيين مع القوة وعناصر القوة:
القوة في العقيدة.
القوة في العبادة.
القوة في الأخلاق والمعاملة.
القوة في ضبط النفس والتحكم في الشهوات.
القوة في العدة والعتاد.
القوة في العمل والحرفة.
القوة في البدن.
القوة في العمل والإنتاج.

قد يسأل سائل لماذا الكلام عن القوة وعناصرها وما صفات المؤمن القوي.

عباد الله: إن المؤمن القوي هو عماد الرسالات وروح النهضات ومحور الإصلاح، أعِدَّ ما شئت من معامل السلاح والذخيرة فلن تقتل الأسلحة إلا بالرجل المحارب القوي، وضَع ما شئت من مناهج للتعليم والتربية فلن يقوم المنهج إلا بالمعلم القوي الذي يقوم بتدريسه.

سقطت دول تملك السلاحَ بكل الأنواع لكنها لا تملك الرجال الأقوياء، وانتصرت مقاومة بأقوياء الرجال مع أنها لا تملك من السلاح إلا القليل، ذلك ما يقوله الواقع الذي لا ريب فيه.

إن القوة ليست بحد السلاح بقدر ما هي في قلب الجندي، والتربية ليست في صفحات الكتاب بقدر ما هي في روح المعلم.

أيها المسلمون، نتكلم عن القوة لأن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى زرع القوة في أفرادها دينًا وعلمًا وخلقًا.

لان الأمة تحتاج اليوم إلى المؤمنين الأقوياء الذين يحملون في قلوبهم قوة نفسية، تحملهم على معالي الأمور وتبعدهم عن سفسافها، قوة تجعل أحدهم كبيرًا في صغره، غنيًا في فقره، قويًا في ضعفه، قوة تحمله على أن يعطي قبل أن يأخذ، وأن يؤدي واجبه قبل أن يطلب حقه، يعرف واجبه نحو نفسه ونحو ربه ونحو بيته ودينه وأمته.

نتكلم عن القوة لان الأمة تحتاج اليوم لأن ترى انتصارات أبنائها في ميادين النفوس قبل ميدان المعركة، فمن انهزم في ميدان النفوس سيخذلنا في ميدان المعركة، ومن خارت قواه أمام الشهوات فسيخذلنا في الجبهات، ومن هزم في ميدان "حيَّ على الصلاة" فسيًهزم قطعًا في ميدان "حي على الكفاح".

نريد أن يمتلئ المجتمع بالنفوس القوية والتي تتعالى على شهواتها، وتنتصر على رغباتها، وتتحول إلى نفوس مجندة لخدمة هذا الدين، وليس هذا فحسب، بل نريد القوة المتكاملة بجوار قوة الدين والنفس، نريد قوة البدن وصلابته، ونريد قوة العقل وحدّته، وقوة الأخلاق والمعاملة وقوة العلم والمعرفة.

سنقف وإياكم مع مصادر القوة عند المؤمن:
من أين يستمد المؤمن قوته؟ ما هي المصادر والمنابع التي يتغذى منها المسلم ليكون قويا ً يواجه كل الصعاب.

المؤمن قوي لأنه مؤمن بخمسة أمور:
أولها الإيمان بالله:
المؤمن قوي، لأنه يستمد قوته من الله العلي الكبير، الذي يؤمن به، ويتوكل عليه، ويعتقد أنه معه حيث كان، وأنه ناصر المؤمنين، وخاذل المبطلين، ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 49] عزيز لا يذل من توكل عليه، حكيم لا يضيع من اعتصم بحكمته وتدبيره.

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160].

قوة الإيمان والتوحيد تعني.. توحيد لا إشراك معه.. توحيد لله عز وجل في المقاصد والمشاعر، فلا خوف إلا منه، ولا رجاء إلا فيه، ولا توكل إلا عليه، ولا إنابة إلا إليه، ولا ثقة إلا به..

يوم يتحقق كل مؤمن في ذات نفسه بذلك.. يوم يجرّد مقصده وغايته لله.. يوم لا يخشى أحد سواه.. يوم يكون ذلك في أبناء الأمة ومجتمعاتها فلن تستطيع قوةٌ في الأرض أن تغلبها، ولا أن تهزمها، ولا أن تنال منها شيئاً، مهما كان صغيراً أو كبيراً.

قوي الإيمان والتوحيد تراه متميّز يشمخ بإيمانه في غير كبر، ويستعلي بإسلامه دون عجب، ويظهر شخصيته، ويفتخر بانتسابه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا يميل مع شرق، ولا يحاذي غرباً، ولا يكون مع النصارى في ولاء، ولا مع اليهود في استحذاء.

علِم قيصر الروم من أخبار جند المسلمين، وما يتحلون به من صدق الإيمان، ورسوخ عقيدة، واسترخاص للنفوس في سبيل الله، وصبر وبذل للمُهَج والأرواح في سبيل الله، فأمر رجالاته أن إذا ظفروا بأسير من المسلمين أن يبقوا عليه حيًا ويأتوه به، وشاء الله جل وعلا أن يقع في الأسر عدد من المسلمين من بينهم صحابي جليل[1] قد أدرك معنى العبودية لله عز وجل فتخلص من رقِّ المخلوقين، فلا تراه إلا وهو يصوم النهار، ويتلو القرآن، يقوم في جنح الليل، ويستغفر بالأسحار، فقليل ما يهجع، راقبوه، فرأوا من تقاه وصلاحه وصلابته ورجولته وعقله ورزانته ما أدهشهم، ورأوا إن كسبوه لدينهم أنهم حققوا نصرًا عظيمًا، وكسبًا عظيما، ذكروه لقيصرهم فقال: ائتوني به، فجاءوا به، نظر إليه قيصرهم فرأى فيه عزة واستعلاء المؤمن، ونجابة الأبطال، فبادره قائلا: إني أعرض عليك أمرًا، قال: ما هو؟ قال: أن تَتَنَصَّر، فإن فعلت خلَّيت سبيلك وأكرمت مثواك، فقال الأسير في أنفة وحزم: هيهات هيهات، إن الموت لأحب إليَّ ألف مرة مما تدعوني إليه، هيهات، أنى لقلوب خالطتها بشاشة الإيمان أن تعود إلى ظلمات الكفر والضلال مهما كانت الإغراءات، أنى لقلوب عرفت النور بحق أن تتدثر بالظلام مرة أخرى مهما كانت المغريات، يفشل العرض الأول من هذا القيصر ويتحطم على صخرة الإيمان؛ لأن هذا الرجل امتلأ قلبه بعبودية الله، فلم يبقَ في قلبه متسعٌ لغير تلك العبودية، بدأ بالإغراءات فقال قيصرهم: لو تنصرت شاطرتك ملكي، وقاسمتك سلطاني -يريدون أن يبيع دينه بعرض من الدنيا، يريدون أن يُصرف عن عبودية الله إلى رق المركز الذي طالما سال له لعاب كثير من الناس، فضيّعوا حقوق الله في سبيل نيله، وباعوا دينهم بعرضٍ من الدنيا قليل.
هربوا من الرقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ
فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفسِ والشَّيطانِ




فقال رضي الله عنه مبتسما في قيده: «اخسأ عدو الله، والذي لا إله إلا هو لو أعطيتني جميع ما تملك وما تملكه العرب والعجم على أن أرجع عن دين محمد طرفة عين ما رضيت»، الله أكبر، يتحطم الإغراء بالمركز على صخور الإيمان الشُّمِّ في نفس ذلك الصحابي، لماذا؟ لأنه طالب جنة، ولا يمكن أن يغرى بما هو دون الجنة، وليس بأيديهم ما هو أعلى من الجنة ليغروه به، فأنى لهم أن يصلوا إليه، إنها سلعة الله، غالية جد غالية، مهرها بذل النفس والنفيس لمالكها الذي اشتراها من المؤمنين، لقد أقيمت للعرض في السوق لمن يريد، وقيل: هل من مزيد، فلم يرضَ لها بثمن دون حبل الوريد، عندها قال قيصرهم: ردوه إلى الأسْرِ، فردوه، وطلب من حاشيته وبطانته الاجتماع فورًا لتداول الرأي في طريق يكسب به هذا الفتى ليكون من جند النصارى -وحقًا إنه كسب- وبعد المداولة استقر الرأي على أن الشهوة طريق مجرب ناجح صُرِفَ به الكثير عن دينه ومبادئه وثوابته، فلكم رأوا ولكم رأينا ولكم نر من أُناس يعبدون الشهوة، فينفقون أموالهم في الشهوة المحرَّمة؛ لتكون عليهم حسرة وبئس الإنفاق، يسافرون وراء الشهوة المحرمة وبئس السفر والركب، يبيعون دينهم في سبيل الشهوة المحرمة وخسر البيع، والنار حُفّت بالشهوات وهم يتهافتون إليها وساء التهافت، عُبَّاد شهوة وبئس العبيد.

قال قيصرهم: ائتوني بأجمل فتاة في بلادي، فجيء بملكة جمال البلاد كما يقولون، وأغراها بالأموال العظيمة إن استطاعت أن توقعه في الفاحشة؛ لأن الفاحشة طريق إلى ترك دينه، ولك أن تتصور أخي الحبيب، لك أن تتصور ما حال هذا الرجل، شاب في كامل فتوته ورجولته وشبابه وقوته وفوق ذلك غائب عن أهله منذ شهور، وهذا عامل يجعلهم يتفاءلون، أدخلوها عليه، فتجردت من ملابسها بعد تجردها من الحياء المترتب على التجرد من الإيمان، ولا ذنب بعد كفر، قامت تعرض نفسها أمامه، ثم ترتمي في أحضانه، فيهرب منها قائلا: معاذ الله، معاذ الله، فتطارده ويتجنبها، ويغمض عينيه؛ خشية أن يُفتن بها، ويقرأ القرآن ويستعيذ بالرحمن ولسان حاله ومقاله: رب القتل أحب إليَّ مما تدعوني إليه، وإلا تصرف عني كيدها أصْبُ إليها وأكن من الجاهلين، تتابعه من جهة إلى جهة، وهو يستعيذ بالله الذي ما امتلأ قلبه إلا بعبوديته حتى يئست منه، نَقَلَة الأخبار على الباب من شياطين الإنس ينتظرون خبر فتنة ذلك الصحابي ووقوعه في الفاحشة لينقلوه إلى الآفاق شماتة في الإسلام وأهله، وإعلانًا لانتصارهم في صرفه عن دينه، ولعل غيره يتبعه في ذلك ﴿ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217] وإذا بها تصيح أخرجوني أخرجوني، فأخرجوها قد تغير لونها، فشلت مهمتها، كرتها خاسرة عاهرة فاجرة، سألها مَن عند الباب من نقلة الأخبار: ما الذي حدث؟ هاتِ البشرى، يريدون أن يطيروا بالخبر، قالت: والله ما يدري أأنثى أنا أم ذكر، ووالله ما أدري أأدخلتموني على حجر أم على بشر. الله أكبر الإغراء بالشهوة يخجل أمام عبودية الله التي ما تركت متسعًا لغيرها في قلبه. كيف يرضى طالب الحور العين بعاهرة فاجرة، ولذة قد يعقبها الهاوية؟ كيف يرضى وقد وُعِدَ بمن لو اطلعت إحداهن إلى أهل الأرض لملأت ما بين السماء والأرض ريحًا ولأضاءت ما بينهما؟ كيف ونصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها؟ كيف وقد وعد بمن ينظر إلى وجهه في خدها أصفى من المرآة؟ كيف وقد وعد بمن أدنى لؤلؤة عليها تضئ ما بين المشرق والمغرب؟ كيف وقد وعد بمن يكون عليها سبعون ثوبًا ينفذ البصر حتى يرى مخَّ ساقها من وراء اللحم والدم والعصب والعظم؟ كيف وقد وعد بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. خاب من باع باقيًا بفانٍ، خاب من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة. هنا يقول قيصرهم: إذًا أقتلك، انتقل الأمر إلى التهديد وأنى لمؤمن امتلأ قلبه بعبودية الله أن يخشى تهديدًا دون نار جهنم إنه هارب من النار وما هناك تهديد بما هو أعظم من النار؛ فكل تهديد دونها ولا شك.

قال رضي الله عنه: أنت وما تريد، افعل ما بدا لك، فأمر بصلبه، ثم أمر برميه بالسهام قرب يديه ورجليه وهو يعرض عليه أثناء ذلك أن يرتد عن دينه فيأبى، فيطلب منهم قيصرهم أن ينزلوه عن خشبة الصلب لينوع التهديد عليه؛ علّه أن يلين، فيدعو بقِدْرٍ عظيم ويصب فيها الزيت، ويوقد تحتها النار حتى أصبح الزيت يغلي، ثم يأتي بأسيرين من أسرى المسلمين فيلقيهما في القدر أمام عينيه، فإذا بلحمهما يتفتت وعظامهما تبدو عارية، منظر فظيع بشع وحشي، ظنوا أنهم به وصلوا إلى قلب هذا الصحابي وإلى بغيتهم منه، التفت القيصر إلى الصحابي وعرض عليه النصرانية فكان أشد إباء من ذي قبل، فلما يئس منه أمر به أن يلقى في القدر مع صاحبيه، فلما ذهب به دمعت عيناه، فظنوا أنه قد جزع وسيرتد عن دينه، فعرضوا عليه النصرانية مرة أخرى فأبى، قال: ويحك فما أبكاك؟ قال: أبكاني أن قلت في نفسي إنما هي نفس تلقى الآن في هذا القدر فتذهب، وقد كنت أشتهي أن يكون لي بعدد ما في جسدي من شعر أنفس تلقى كلها في هذا القدر في سبيل الله، لا إله إلا الله، والله أكبر، ويا لها من قلوب امتلأت بخشية الله وعبودية الله! لم يترك فيها فراغًا لوعد أو وعيد دون الجنة أو الجحيم، عندها ردوه إلى الأسر ووضعوا معه خمرًا ولحم خنزير، ومنعوا عنه الطعام والشراب، وبقي ثلاثة أيام يراقب علَّه أن يأكل لحم الخنزير، أو يشرب من الخمر فلم يفعل، وانثنت عنقه رضي الله عنه وأرضاه- مالت عنقه من شدة الجوع والعطش وأشرف على الهلاك، فأخرجوه وقالوا له: ما منعك أن تأكل أو تشرب، فقال: أما إن الضرورة قد أحلت لي ذلك، ولكن والذي لا إله إلا هو لقد كرهت أن يشمت أمثالكم بالإسلام وأهله، لسان حاله:
فَيَا أيُّها الكونُ منِّي اسْتَمِعْ
ويا أُذُنَ الدَّهرِ عنِّي افهمِي
فَإِنِّي صريحٌ كَمَا تَعْلَمِين
حريصٌ عَلَى مَبدأ قِيِّم
ومَهْما تعدَدَتِ الواجهاتُ
فَلَستُ إلَى وِجْهَةٍ أنْتَمِي
سِوَى قِبلة المُصطَفَى والمَقامِ
لأَرْوِى الحُشَاشَةَ مِنْ زَمْزَمِ
وأُشهدُ مَنْ دبَّ فوقَ الثَرَى
وتحتَ السَّمَا عزةَ المُسْلِمِ


يا لها من كلمة! كرهت أن يشمت أمثالكم بالإسلام وأهله، هذه الكلمة أهديها إلى أحبتنا الذين يخجلون من مواجهة الناس بالتزامهم، تجده يوم تلاحقه أعين السفهاء بالهمز والغمز واللمز يمشي على خجل وعلى استحياء، يتوارى من القوم ليشمت غيره به، إن حامل الحق يجبر غيره على أن يخجل منه أو يموت بغيظه فينتبه لذلك وليكن لسان الحال:
أنَا مُسْلمٌ وأقولُها مِلءَ الوَرَى
وعقيدَتِي نورُ الحيَاةِ وَسُؤْدُدِي




كرهت أن يشمت أمثالكم بالإسلام وأهله، فقال له القيصر معجبًا بثباته ورشده وقوة عقله ولبِّه: هل لك أن تقبل رأسي فأخلي عنك، وكانوا لا يعيشون لأنفسهم، قال: وعن جميع أسرى المسلمين، قال: وعن جميعهم، فقال يسائل نفسه: عدو من أعداء الله أقبل رأسه ليخلي عن أسرى المسلمين لئلا يُقتلوا، لا ضير في ذلك، فقبله فأطلق له الأسرى وأجازه بثلاثين ألف دينار وثلاثين وصيفًا وثلاثين وصيفة كما روى [ابن عائد] في السير [للذهبي]، وقدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه- بأسرى المسلمين ثابتًا كالطود الشامخ، يطأ بأخمصه الثرى، وهامه توازي الثريَّا، وأخبر عمر الخبر، فسُرَّ أعظم سرور، ثم قام فقبَّل رأسه وقال: حقٌّ على كل مسلم أن يُقبّل رأسك، إنها النفوس المؤمنة يوم تجاهد في سبيل الله، لا في سبيل قول، ولا في سبيل نفس، ولا في سبيل وطن، بل في سبيل الله؛ لتحقيق منهج الله في أرض الله في سبيل الله؛ لتنفيذ شرع الله على عباد الله، ليس لها لنفسها حظ، بل كلها لله الواحد القهار. لا يخافون لومة لائم. وفيم الخوف من لوم الناس وقد ضمنوا حب وعبودية رب الناس؟

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا وأستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أحسن خلق الإنسان وعدّله وعلّمه البيان وبه فضّله وأمدّه بلسان يترجم به عما حواه و عقَلَه، والصلاة والسلام على من أرسله ربه و أكرمه وبالقرآن الكريم أرسله، وعلى آله وأصحابه ما كبّر عبد وهلّله.

وبعد:
يذكرنا موقف عبد الله بن حذافة السهمي بكثير من مواقف الصحابة رضوان الله عليهم بل ومن أجيال الأمة الإسلامية كلها، يوم ثبتوا ثبات الجبال الرواسي رغم ضعفهم، ورغم قلة حيلتهم، ورغم انعدام قوتهم. كما وقفت ثلاثة آلاف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم مؤته في مواجهة مائة ألف - وقيل مائتين - أنى لهم أن يقفوا! وكيف يمكن أن يثبتوا؟ ولما رأى المسلمون جموع الروم - الجموع الكبيرة - نظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا، فقام ابن رواحه فقال: والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، وما نقاتل الناس بعدد ولا عدة إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما الشهادة، فما تأخر واحد منهم.

والتقى الجيشان والتحم الصفان وسقطت رؤوس وطارت جماجم وسالت دماء ونادى المنادي أن انتصر المسلمون. الله اكبر إنها معادلة الإيمان التي فقدنا كثيراً من حقائقها ودلائلها. قتل من الروم آلاف وقتل من المسلمين اثنا عشر رجل.

عباد الله: ما هي القوة التي نعتمد عليها؟ أليست قوة الله! من هو الذي نلجأ إليه في السراء والضراء؟ أهو الله؟! من الذي نفضي إليه بهمومنا وغمومنا؛ هل هو الله أم ما زالت أحوال أمتنا ودولنا تبحث عن سند هنا أو هناك، وتبحث عن قوة من هذا أو ذاك؟! ونسوا الاستعانة بالله ﴿ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: 128] أين هي الاستعانة بالله في واقع حياتنا اليومية البسيطة؟ عندما نمرض هل تتحقق استعانتنا بالله؟! عندما يُضَيَّق في رزقنا ويقتر علينا في عيشنا بقدر الله هل نستعين بالله؟ هل القلوب مملوءة بهذا اليقين: أن الأمر كله لله، وأن الخير والشر والضر والنفع إنما هو بيد الله؟!

عباد الله:
اسعد الناس في هذه الدنيا أقوى الناس اتصالا بالله.

أقوى الناس في مواجهة الفتن والمصائب إنهم أكثر الناس إيمانا بالله وتحديا له وتعظيما له.

عناصر التوحيد والإيمان بالله كما جاء بها القرآن الكريم, ثلاثة ذكرتها سورة الأنعام, وهى سورة عنيت بتثبيت أصول التوحيد:
أولها: ألا تبغي غير الله رباً: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ[الأنعام: 164].

وثانيها: ألا تتخذ غير الله ولياً: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ ﴾ [الأنعام: 14].

وثالثها: ألا تبتغي غير الله حكماً: ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً [الأنعام: 114].

معنى العنصر الأول: «ألا تبتغى غير الله رباً»: إبطال الأرباب المزعومة التي اتخذها الناس قديماً وحديثاً, في الشرق والغرب, سواء أكانت من الحجر والشجر أم من الفضة والتبر, أم من الشمس والقمر, أم من الجن والبشر, معنى العنصر الأول هو رفض لكل الأرباب إلا الله وإعلان الثورة على المتألهين في الأرض المستكبرين بغير الحق، الذين أرادوا أن يتخذوا عباد الله عبيداً لهم وخولاً. «لا إله إلا الله» هو الإعلان العام لتحرير الإنسان من الخضوع والعبودية, إلا لخالقه وبارئه. فلا يجوز أن تعنو الوجوه, أو تطاطئ الرؤوس، أو تنخفض الجباه, أو تخشع القلوب, إلا للقيوم وكانت كلمة: «ربنا الله» إعلاناً بالعصيان والتمرد على كل جبار في الأرض. ومن أجل هذا تعرض موسى للتهديد بالقتل، وقام رجل مؤمن من آل فرعون يدافع عنه ويقول: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ[غافر: 28] ومن أجل ذلك تعرض رسولنا صلى الله عليه وسلم وأصحابه للاضطهاد والأذى والإخراج من الديار والأموال﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج: 40].

ومعنى العنصر الثاني «ألا تتخذ غير الله ولياً»: رفض الولاء لغير الله وحزبه، فليس من التوحيد أن يزعم زاعم أن ربه هو الله، وربما لأعداء الله. قال تعالى: ﴿ لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ[آل عمران: 28].

إن حقيقة التوحيد لمن آمن بأن ربه هو الله: أن يخلص ولاءه له ولمن أمر الله تعالى بموالاته، كما قال سبحانه: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56].

ومعنى العنصر الثالث: «ألا تبغي غير الله حكماً»: رفض الخضوع لكل حكم غير حكم الله، وكل أمر غير أمر الله، وكل نظام غير نظام الله، وكل قانون غير شرع الله، وكل وضع أو عرف أو تقليد أو منهج أو فكرة أو قيمة لم يأذن بها الله.

وليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تموت فيه أخلاق القوة، فتحيا وتنمو أخلاق الضعف. وليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يشيع فيه خلق القسوة على الضعفاء، والخضوع للأقوياء.

ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تضمر فيه تقوى الله، ومراقبته تعالى، والخوف من حسابه، فنرى الناس يتصرفون وكأنما هم آلهة أنفسهم، وينطلقون وكأنما ليس هناك حساب ينتظرهم، وإنما هم في غفلة معرضون، وفي غمرة ساهون.

ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يسوده التواكل والعجز والسلبية، في مواجهة الأمور وإلقاء الأوزار على كاهل الأقدار.

ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يُهان فيه الصالحون، ويُكرم الفاسقون، ويُكرم أهل الفجور، ويؤخر أهل القوى.

ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يظلم فيه المحق، ويحابى فيه المبطل، ويقال فيه للمضروب: لا تصرخ، ولا يقال للضارب: كف يدك.

ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تفسد فيه الذمم، وتشترى فيه الضمائر، ويقضى فيه كل أمر بالرشوة.

هذا وصلوا - عباد الله: - على رسول الهدى فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلّم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين.

[1] عبد الله بن حذافة السهمي.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



مجموعة الشفاء على واتساب


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 111.41 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 108.86 كيلو بايت... تم توفير 2.55 كيلو بايت...بمعدل (2.29%)]