وقفات مع قصة أصحاب الأخدود - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         من فضائل الوضوء.. الوضوء يكفر الذنوب، ويمحو الخطايا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          فوائد مختارة من تفسير ابن كثير (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 2 )           »          بديع الزمان الهمذاني .. رائد القصة والمقالة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          فرسان مالطا تاريخ جمعية خيرية تحولت إلى دولة خفية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          قراءة في كتب هوفمان حول رؤيته في الحداثة وأثرها في أفول الغرب (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 10 )           »          الظن بين الإثم والحذر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          نصائح للوالدين لوقاية أبنائهم من الوقوع في الإلحاد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          استقامة الرخاء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          ستر الزلات في عصر الفضائيات (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          نقد مقال البيان الوارد فى تقسيم الجآن إلى (جنى وعفريت ومارد) (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13-05-2022, 12:46 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,305
الدولة : Egypt
افتراضي وقفات مع قصة أصحاب الأخدود



وقفات مع قصة أصحاب الأخدود (1)

(موعظة الأسبوع)









كتبه/ سعيد محمود


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة القصة:

تمهيد:

- في زمان يُقتل فيه المسلمون على الهوية الإسلامية، وتحرق فيه ديارهم؛ ما أحوجنا إلى الوقوف على قصة أصحاب الأخدود، قال الله تعالى: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج:8).

- وردت القصة في القرآن في محل جواب القسم من الله تعالى، بعد ما أقسم ببعض مخلوقاته عظيمة الشأن، أنه سينتقم لعباده المؤمنين، من الطغاة الظالمين الذين فتنوهم في الدنيا في دينهم: قال تعالى: (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ . وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ . وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ . قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ . النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ . إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ . وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ . وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ . إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ( (البروج:1-12).

- ذكر القصة إجمالًا من خلال تفسير الآيات: قال المفسرون: "موضوع الآيات: أنَّ فِئةً من المؤمنين في الأمم السابقة، ابتلوا بأعداء لهم طُغاة قساة شرِّيرين، أرادوهم على ترْك عقيدتهم والارتداد عن دِينهم، فأبوا وتمنَّعوا بعقيدتهم، فشقَّ الطغاة لهم شقًّا في الأرض، وأوقدوا فيه النار، وكبُّوا فيه جماعة المؤمنين فماتوا حرقًا، على مرأًى مِن الجموع التي حشدها المتسلِّطون؛ لتشهدَ مصرَع الفئة المؤمنة بهذه الطريقة البشِعة".

- إثارة نفوس السامعين إلى تتبع الأحداث في القصة من خلال تساؤلات على نحو: (مَن هم أصحاب الأخدود؟ ولماذا أضرموا هذه النيران العظيمة في هذا الأخدود؟ ولماذا كانوا قعودًا حوله ينظرون الى المعذبين فيه؟ وماذا فعل المعذبون؟ وما جريمتهم؟).

- الإشارة إلى أن التناول سيكون من خلال حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، حيث تقطيع القصة إلى مشاهد، والوقوف على الفوائد والعِبَر في كل مشهد في أحاديث مسلسلة، ثم تلاوة الحديث وتوضيح غريب كلامه: عن صيب الرومي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (كانَ مَلِكٌ فِيمَن كانَ قَبْلَكُمْ، وَكانَ له سَاحِرٌ فَلَمَّا كَبِرَ قالَ لِلْمَلِكِ: إنِّي قدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إلَيْهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ، فَكانَ في طَرِيقِهِ إذَا سَلَكَ رَاهِبٌ فَقَعَدَ إلَيْهِ وَسَمِعَ كَلَامَهُ فأعْجَبَهُ، فَكانَ إذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إلَيْهِ، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ فَشَكَا ذلكَ إلى الرَّاهِبِ، فَقالَ: إذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وإذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبيْنَما هو كَذلكَ إذْ أَتَى علَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قدْ حَبَسَتِ النَّاسَ، فَقالَ: اليومَ أَعْلَمُ آلسَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فأخَذَ حَجَرًا، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إلَيْكَ مِن أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هذِه الدَّابَّةَ، حتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ، فأتَى الرَّاهِبَ فأخْبَرَهُ، فَقالَ له الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ اليومَ أَفْضَلُ مِنِّي، قدْ بَلَغَ مِن أَمْرِكَ ما أَرَى، وإنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فلا تَدُلَّ عَلَيَّ، وَكانَ الغُلَامُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِن سَائِرِ الأدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كانَ قدْ عَمِيَ، فأتَاهُ بهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقالَ: ما هَاهُنَا لكَ أَجْمَعُ، إنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقالَ: إنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا إنَّما يَشْفِي اللَّهُ، فإنْ أَنْتَ آمَنْتَ باللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ باللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ، فأتَى المَلِكَ فَجَلَسَ إلَيْهِ كما كانَ يَجْلِسُ، فَقالَ له المَلِكُ: مَن رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قالَ: رَبِّي، قالَ: وَلَكَ رَبٌّ غيرِي؟ قالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فأخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حتَّى دَلَّ علَى الغُلَامِ، فَجِيءَ بالغُلَامِ، فَقالَ له المَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ قدْ بَلَغَ مِن سِحْرِكَ ما تُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ، فَقالَ: إنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا، إنَّما يَشْفِي اللَّهُ، فأخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حتَّى دَلَّ علَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بالرَّاهِبِ، فقِيلَ له: ارْجِعْ عن دِينِكَ، فأبَى، فَدَعَا بالمِئْشَارِ، فَوَضَعَ المِئْشَارَ في مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ حتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بجَلِيسِ المَلِكِ فقِيلَ له: ارْجِعْ عن دِينِكَ، فأبَى فَوَضَعَ المِئْشَارَ في مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ به حتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بالغُلَامِ فقِيلَ له: ارْجِعْ عن دِينِكَ، فأبَى فَدَفَعَهُ إلى نَفَرٍ مِن أَصْحَابِهِ، فَقالَ: اذْهَبُوا به إلى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَاصْعَدُوا به الجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ، فإنْ رَجَعَ عن دِينِهِ، وإلَّا فَاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا به فَصَعِدُوا به الجَبَلَ، فَقالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بما شِئْتَ، فَرَجَفَ بهِمِ الجَبَلُ فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إلى المَلِكِ، فَقالَ له المَلِكُ: ما فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فَدَفَعَهُ إلى نَفَرٍ مِن أَصْحَابِهِ، فَقالَ: اذْهَبُوا به فَاحْمِلُوهُ في قُرْقُورٍ، فَتَوَسَّطُوا به البَحْرَ، فإنْ رَجَعَ عن دِينِهِ وإلَّا فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا به، فَقالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بما شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بهِمِ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إلى المَلِكِ، فَقالَ له المَلِكُ: ما فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فَقالَ لِلْمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بقَاتِلِي حتَّى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ به، قالَ: وَما هُوَ؟ قالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي علَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِن كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: باسْمِ اللهِ رَبِّ الغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فإنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذلكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمع النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ علَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِن كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبْدِ القَوْسِ، ثُمَّ قالَ: باسْمِ اللهِ، رَبِّ الغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ في صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ في صُدْغِهِ في مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقالَ النَّاسُ: آمَنَّا برَبِّ الغُلَامِ، آمَنَّا برَبِّ الغُلَامِ، آمَنَّا برَبِّ الغُلَامِ، فَأُتِيَ المَلِكُ فقِيلَ له: أَرَأَيْتَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بكَ حَذَرُكَ، قدْ آمَنَ النَّاسُ، فأمَرَ بالأُخْدُودِ في أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقالَ: مَن لَمْ يَرْجِعْ عن دِينِهِ فأحْمُوهُ فِيهَا، أَوْ قيلَ له: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمعهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقالَ لَهَا الغُلَامُ: يا أُمَّهْ، اصْبِرِي فإنَّكِ علَى الحَقِّ) (رواه مسلم).

خاتمة:

- كان لهذه القصة أثر عظيم على أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصبر والثبات أمام بطش قريش الذين إذا أذاقوهم من العذاب ألوانًا، ونال بعضهم الشهادة في هذه المدة وهو مقبلون غير هيابين من العذاب: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: "كانَ أوَّلَ مَن أظهرَ إسلامَه سبعةٌ: رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وأبو بَكرٍ، وعمَّارٌ، وأمُّهُ سميَّةُ، وصُهيبٌ، وبلالٌ، والمقدادُ؛ فأمَّا رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فمنعَه اللَّهُ بعمِّهِ أبي طالبٍ، وأمَّا أبو بَكرٍ فمنعَه اللَّهُ بقومِه، وأمَّا سائرُهم فأخذَهمُ المشرِكونَ وألبسوهم أدْرَاعَ الحديدِ، وصَهروهم في الشَّمسِ، فما منهم من أحدٍ إلَّا وقد واتاهم علَى ما أرادوا إلَّا بلالًا، فإنَّهُ هانت عليهِ نفسُه في اللَّهِ، وَهانَ علَى قومِه، فأخذوهُ فأعطوهُ الولدانَ، فجعلوا يطوفونَ بِه في شِعابِ مَكةَ، وَهوَ يقولُ: أحدٌ أحدٌ" (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني)، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يمر بآل ياسر وهم يعذبون، فيقول: (صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ) (رواه الحاكم، وقال الألباني: "حسن صحيح").

- التنبيه على أن المغزى الأعظم للقصة هو: أن الأصلَ أن يعيش المسلم في عبودية الله، وأن يموت على ذلك؛ سواء حصل التمكين لدين الله في الأرض أم لا، وليس كما يخطئ البعض بالرجوع عن التدين والانتكاس إذا لم يحصل التمكين بالملك والسلطان، فالقصة يظهر فيها ذلك واضحًا جليًّا.


- الإشارة إلى بدء الكلام عن الدروس والفوائد مِن المرة القادمة -إن شاء الله-.

اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 28-05-2022, 11:04 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,305
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات مع قصة أصحاب الأخدود



وقفات مع قصة أصحاب الأخدود (2)

الغلام بين الساحر والراهب








كتبه/ سعيد محمود


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الإشارة إلى ما سبق في المرة السابقة، والتنبيه على تقسيم القصة إلى مشاهد، سنقف مع كلِّ مشهدٍ بالدرس والعِبْرَة.

المشهد الأول: الغلام والساحر:

عن صيب الرومي -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (كانَ مَلِكٌ فِيمَن كانَ قَبْلَكُمْ، وَكانَ له سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ، قالَ لِلْمَلِكِ: إنِّي قدْ كَبِرْتُ، فَابْعَثْ إلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إلَيْهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ) (رواه مسلم).

وقفات وعِبَر من المشهد الأول:

الأولى: ذم السحر والسحرة:

- السحر واستعمال السحرة وسيلة الطغاة في تزييف الحقائق، ومحاربة الحق على مرِّ الزمان: "شاهد القصة: حرص الملك على بقاء السحر كأداة ووسيلة للحفاظ على ملكه" (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) (يونس: 79)(1).

- والسحر كفر بالله -عز وجل-؛ لأن الساحرَ يوهِم الناسَ أنه قادر على النفع والضر بما يتسبب فيه بسحره(2): قال تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة: 102).

- السحرة لا يتوصلون إلى سحرهم إلا بالكفر بالله، وإتيان الأفعال والأقوال الشنيعة: قال شيخ الاسلام بن تيمية: "يكتبون فيها كلام الله بالنجاسة، وقد يقلبون حروف كلام الله -عز وجل-؛ إما حروف الفاتحة، وإما حروف "قل هو الله أحد"، وإما بغيرهما؛ إما بدم وإما بغيره، وإما بغير نجاسة، أو يكتبون غير ذلك مما يرضاه الشيطان، أو يتكلمون بذلك" (مجموع الفتاوى)، ومِن صور وسائلهم الشيطانية (فعل ذلك بدم الحيض أو بالمني!).

- إتيان السحرة خطر شديد على عقيدة المسلم وإيمانه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن أتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عن شيءٍ، لَمْ تُقْبَلْ له صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً) (رواه مسلم)، وعنْ عائِشَةَ -رضي اللَّه عَنْهَا- قَالَتْ: سَأَلَ رسُولَ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- أُنَاسٌ عنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ: (لَيْسُوا بِشَيءٍ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أحْيَانًا بشَيْءٍ فيكُونُ حَقًّا؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: (تِلْكَ الْكَلمةُ مِنَ الْحَقِّ، يخْطَفُهَا الجِنِّيُّ، فَيَقُرُّهَا فِي أذُنِ ولِيِّهِ، فَيَخْلِطُونَ معهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (طه: 69)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ) قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ وما هُنَّ؟ قالَ: (الشِّرْكُ باللَّهِ، والسِّحْرُ) (متفق عليه).

الثانية: التحذير من سحر العصر الحديث:

- هناك نوع آخر من السحر المعنوي يستميل القلوب كما يستميلها السحر الحقيقي، وهو: سحر الكلام والإعلام العصري بفروعه وأشكاله: عن عبد الله بن عمر -رضى الله عنهما- قال: قدم رجلان من المشْرق فخطبا، فعجب النَّاس لبَيَانِهما، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ من البَيَان لسِحْرًا)، أو: (إنَّ بعْضَ البَيَان لسِحْرٌ) (رواه البخاري).

- سحر الإعلام القرشي المحدود الإمكانات يؤثِّر على دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فكيف بإعلام العصر؟!: قال الطفيل بن عمرو لما دخل مكة أثناء الحملة الإعلامية القرشية: " ... فجعلتُ الكرسف -القطن- في أذني؛ حتى لا يسحرني محمد!".

- سحرة العصر الحديث يعضدون مُلْك الطغاة بقلب الحقائق وتزييف الأمور: (التنفير من الدِّين وأهله - تشويه صورة الدعاة والعلماء وتجميل صورة الطغاة والفاسدين - تزيين العري والفجور والغناء واللهو وكل ما يبعد الناس عن دين الله - اعتبار السحر والعرافة وظائف سائغة واستضافة أصحابها في إعلامهم - وغير ذلك ... !)؛ قال الله -تعالى-: (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إلى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) (البقرة: 221)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في أمثالهم: (دُعَاةٌ إلى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَن أَجَابَهُمْ إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا)، قُلتُ: يا رسولَ الله، صِفْهُمْ لنا؟ فقال: (هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا) (متفق عليه).

المشهد الثاني: الغلام والراهب:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَكانَ في طَرِيقِهِ إذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إلَيْهِ وَسَمِعَ كَلَامَهُ، فأعْجَبَهُ، فَكانَ إذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إلَيْهِ، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذلكَ إلى الرَّاهِبِ، فَقالَ: إذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وإذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ).

وقفات مع المشهد الثاني:

الأولى: ويمكرون ويمكر الله:

- المَلِك الطاغية يجنِّد كل الطاقات ليكون الغلام ساحرًا، والله يريد له أن يكون داعيًا إليه، وعلى يديه هلاك الملك الطاغية: قال -تعالى-: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال:30)، وقال -تعالى-: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف: 21).

- الطغاة يمكرون، فيكون مكرهم في نحورهم ... فالفرعون كان يقتل الأطفال من بني إسرائيل اتقاء وجود موسى، فينشأ موسى في بيته، وجمع السحرة لإبطال دعوة موسى، فآمنوا وكانوا دعاة إلى دين موسى: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) (الشعراء: 19)، وقال -تعالى- عن تحول السحرة: (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ . قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وهارون) (الأعراف: 120-122)، وقال -تعالى- عن ثباتهم: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه: 71-72).

- كانت عبادة المَلِك الغاشم هي العقيدة السائدة يومئذٍ في الجماهير، وعبادة الملك الواحد الأحد هي العقيدة المضطهدة يومئذٍ، المستتر أصحابها، ولكنها العقيدة السهلة السمحة الموافقة للفطرة السوية؛ ولذا تأثَّر بها الغلام وتأثر بها الناس: قال -تعالى-: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم:30).

الثانية: جواز التعريض عند الضرورة:

- كان الغلام يفر من بطش الساحر وعقابه، بالتعريض في كلامه، وكذلك من أهله؛ لأنه سيُمنع من سبيل الهداية إلى الله إن أطاع أهله والساحر: "إنَّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب(3)" (رواه البخاري في الأدب المفرد، وصحح الألباني وقفه).

- الأصل حرمة الكذب مطلقًا: قال -تعالى-: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (النحل: 105)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا) (متفق عليه)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (متفق عليه).

- ولكن يجوز عند الاضطرار والضرورة: فعن أم كلثوم بنت عقبة: أنَّهَا سَمِعَتْ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: (ليسَ الكَذَّابُ الذي يُصْلِحُ بيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا، أوْ يقولُ خَيْرًا)، قالت أم كلثوم: "وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا" (متفق عليه)(4).

خاتمة:

- تذكير بمجمل ما جاء في المشهدين، والإشارة إلى المشهد التالي من خلال معنى: "الله يريد هداية الغلام الذي سيكون على يديه هداية أهل المملكة كلها تقريبًا -بإذن الله-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وكان الأقوام يتهمون الأنبياء بأنهم سحرة، بما يدل على أن السحر أمره خطير في تزييف الحق، (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى . فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى) (طه: 57-58).

(2) قال ابن قدامه في الكافي: "السحر عزائم ورقى، وعقد، يؤثِّر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل، ويفرِّق بين المرء وزوجته، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، قال -تعالى-: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) (البقرة: 102)" (انتهى)، وانظر: (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - باب ما جاء في السحر).

(3) ومن أمثلة التعريض: كأن يقول للظالم: دعوتُ لك أمس، وهو يريد قوله: اللهم اغفر للمسلمين.

(4) ففي الحرب: لأنَّ الحرب خُدعَة، ومقتضياتها تستدعي التمويه على الأعداء، وإيهامهم بأشياء قد لا تكون موجودة، واستعمال أساليب الحرب النفسية ما أمكن، وفي الصلح بين المتخاصمين: حيث إنَّ ذلك يستدعي أحيانًا أن يحاول المصلِح تبرير أعمال كل طرف وأقواله بما يحقق التقارب ويزيل أسباب الشقاق، وأحيانًا ينسب إلى كل من الأقوال الحسنة في حق صاحبه ما لم يقله، وينفي عنه بعض ما قاله؛ وهو ما يعوق الصلح ويزيد شقة الخلاف والخصام.


وفي الحياة الزوجية: حيث يحتاج الأمر أحيانًا إلى أن تكذب الزوجة على زوجها، أو يكذب الزوج على زوجته، ويخفي كل منهما عن الآخر ما من شأنه أن يوغر الصدور، أو يولد النفور، أو يثير الفتن والنزاع والشقاق بين الزوجين، كما يجوز أن يزف كل منهما للآخر من معسول القول ما يزيد الحب، ويسر النفس، ويجمل الحياة بينهما، وإن كان ما يقال كذبًا؛ لأن هذا الرباط الخطير يستحق أن يهتم به غاية الاهتمام، وأن يبذل الجهد الكافي ليظل قويًّا جميلًا مثمرًا.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 16-06-2022, 11:40 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,305
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات مع قصة أصحاب الأخدود



وقفات مع قصة أصحاب الأخدود (3)

الغلام وبداية طريق الهداية









كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- تذكير مجمل بما سبق، والإشارة إلى الآتي من القصة.

المشهد الثالث: كرامة للغلام:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَبيْنَما هو كَذلكَ إذْ أَتَى علَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قدْ حَبَسَتِ النَّاسَ، فَقالَ: اليومَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فأخَذَ حَجَرًا، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إلَيْكَ مِن أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هذِه الدَّابَّةَ، حتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ، فأتَى الرَّاهِبَ فأخْبَرَهُ، فَقالَ له الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ اليومَ أَفْضَلُ مِنِّي، قدْ بَلَغَ مِن أَمْرِكَ ما أَرَى، وإنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فلا تَدُلَّ عَلَيَّ، وَكانَ الغُلَامُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِن سَائِرِ الأدْوَاءِ).

وقفات مع المشهد:

الأولى: (‌وَمَنْ ‌يَتَّقِ ‌اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا):

- كان الغلام يتلقَّى تعليمًا مزدوجًا متقابلًا -التوحيد والفضيلة من الراهب، والسحر والشر من الساحر-: فاختار سبيل الراهب الفقير، على سبيل الساحر الغني الشهير، فجعل الله له سبيلًا للنجاة من الباطل وأهله: (شاهد القصة: تقدير الله أمر الدابة) قال -تعالى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) (الطلاق: 4).

- هداية القلوب توفيق وفضل ومِنَّة من الله: وقال -تعالى-: (وَلَكِنَّ اللَّهَ ‌حَبَّبَ ‌إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ . فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم) (الحجرات: 7-8).

- تأمل توفيق الله للغلام لطريق الهداية في أحواله في هذه اللحظات: (توجُّه الغلام إلى الله: "اللهم ..." مع أنه كان يتلقَّى من الساحر العقيدة الفاسدة بخلاف ذلك - تقديمه أمر الراهب في سؤاله: "اللَّهُمَّ إنْ كانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إلَيْكَ" ولم يقل الساحر - قتله الدابة العظيمة بحجر صغير فهذا الذي يناسب سنه وصغره؛ كل ذلك توفيق وفضل ومِنَّة من الله لأخذه إلى سبيل الهداية والحق والتوحيد).

الثانية: إثبات الكرامات للصالحين:

- يخرق الله -عز وجل- عادة الكون للغلام؛ فهو صغير، والحجر صغير، والدابة كبيرة: قال -تعالى-: (‌وَمَا ‌رَمَيْتَ ‌إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) (الأنفال: 17).

- أمثلة لكرامة بعض الصالحين في الأمم السابقة: قال -تعالى-: (‌كُلَّمَا ‌دَخَلَ ‌عَلَيْهَا ‌زَكَرِيَّا ‌الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران: 37)، وقال عن آسيا -رضي الله عنها-: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (التحريم: 11)، (هاجر أم إسماعيل وبئر زمزم).

- أمثلة لكرامة بعض الصالحين في أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: "كانت الملائكة تسلِّم على عمران بن حصين في مرضه"، "ونزلت الملائكة تسمع لقراءة أسيد بن حضير وهو يصلى، فكانوا كالظلة فوق رأسه"، "وكان خبيب بن عدي -رضي الله عنه- أسيرًا في مكة، وكان يؤتى بالعنب يأكل وليس بمكة عنبة"، "ورأى النبي -صلى الله عليه وسلم- الملائكةَ تغسِّل حنظلة بن عامر لما استشهد يوم أُحُد"، "ونادى عمر -رضي الله عنه- أميرًا لجيش المسلمين في الشام يُقَال له: "سارية" مِن على منبره في المدينة، فسمعه الأمير في المعركة!" (انظر كل ذلك في رسالة الفرقان لابن تيمية -رحمه الله-).

الحكم والمصالح من وقوع الكرامات للصالحين:

1- أنها دليل على كمال قدرة الله ونفوذ مشيئته، وأنه فعَّال لما يريد؛ فيغير نواميس الكون المعتادة بغير المعتاد، وقت ما شاء، ولمَن شاء مِن عباده.

2- وقوع كرامات الأولياء، هو تأييد لمنهج وصدق الأنبياء الذين اتبعهم الأولياء، وساروا على طريقتهم.

3- وقوع الكرامات للأولياء والصالحين، تثبيت لهم، وتبشير معجَّل لهم بحسن العاقبة(1).

الثالثة: أهمية تجرُّد الداعي مِن حظوظ الدنيا:

- ويظهر ذلك في تواضع الراهب وإقراره بالحق، وعدم حسده للغلام: "فَقالَ له الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ اليومَ أَفْضَلُ مِنِّي".

- إخلاص الراهب وتجرده، نال به أجور كلِّ مَن آمن بعد الغلام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن أُجُورِهِمْ شيئًا، ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ، كانَ عليه مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن آثامِهِمْ شيئًا) (رواه مسلم).

- ما أحوج الدعاة والعلماء في زماننا إلى التخلُّق بهذا الخلق النبيل: قال حرملة: "سمعتُ الشافعي يقول: "خرجتُ من بغداد، وما خلَّفت بها أفقه، ولا أزهد، ولا أورع، ولا أعلم من أحمد بن حنبل!"، وقال رحمه الله: "أحمد إمام في ثماني خصال: إمام في الحديث، وإمام في الفقه، وإمام في القرآن، وإمام في اللغة، وإمام في السنة، وإمام في الزهد، وإمام في الورع، وإمام في الفقر!".

الرابعة: الابتلاء سنة الله في الأولياء:

- سنة الله أن كلَّ مَن سَلَك طريق الهداية والدعوة إلى الله؛ فإنه سيعاني من البلاء والعداء: "فَقالَ له الرَّاهِبُ: وإنَّكَ سَتُبْتَلَى"، وقال ورقة بن نوفل للنبي -صلى الله عليه وسلم- في أول لحظات البعثة النبوية: (... لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ ما جِئْتَ به إلَّا عُودِيَ) (متفق عليه).

- البلاء سنة طريق المصلحين: وقال -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ ‌خَلَوْا ‌مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة: 214).

- لا بد أن يتأهل الداعي على تحمُّل الأذى من جرَّاء قيامه بمحاولة الإصلاح والتغيير: قال -تعالى- في وصية لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ‌وَاصْبِرْ ‌عَلَى ‌مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان: 17).

الخامسة: لا تتمنوا لقاء العدو:

- المسلم وإن كان مأمورًا بالصبر والثبات عند لقاء العدو؛ إلا أنه كذلك مأمور بسؤال الله العافية، وتجنب فتنة لقاء العدو؛ إلا أن يضطر إلى ذلك: تأمل القصة قول الراهب: (فَإِنِ ابْتُلِيتَ فلا تَدُلَّ عَلَيَّ)، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا) (متفق عليه).

- أما إذا قدَّر الله على المسلم لقاء العدو؛ فعليه بالثبات والتوكل على الله، والإكثار من ذكره: (تأمل موقف الراهب نفسه بعد ذلك)، وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً ‌فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأنفال: 45).

خاتمة:

- الإشارة إلى مجمل ما تقدَّم مِن أن الغلامَ تبيَّن له -بفضل الله تعالى- السبيل الحق، وطريق النجاة، وعليه قام يدعو إلى الله -عز وجل- فيمَن حوله مِن الناس، مغتنمًا الكرامة التي مَنَّ الله عليه بها، وهي: استجابة دعائه؛ ليكون سبيلًا ودليلًا على صدق دعوته، مما كان سببًا في شيوع أمره واشتهاره حتى وَصَل إلى أحد الكبراء الذين كانوا يجالسون الملك الطاغية؛ لا سيما وأن هذا الجليس قد ابتلي بالعمى، فجاء يسأل الغلام الشفاء، ومن هنا دارت أحداث جسام عظام في القصة.

وهذا ما يأتي عليه الحديث في المشاهد القادمة إن شاء الله -تعالى-.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


(1) ليس ذلك معناه سؤال الصالحين والأولياء قضاء الحاجات، وكشف الكربات كما هو مسلك الشيعة في أئمتهم، وجهلة المتصوفة في أصحاب الأضرحة والقبور!




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 16-06-2022, 11:42 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,305
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات مع قصة أصحاب الأخدود



وقفات مع قصة أصحاب الأخدود (4)

محنة الراهب والجليس









كتبه/ سعيد محمود


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- تذكير مجمل بما سبق مِن القصة، مع الإشارة إلى طريقة التناول، وهي تقسيم القصة إلى مشاهد.

المشهد الرابع: لقاء الغلام بجليس الملك:

- قام الغلام -رضي الله عنه- يدعو الى الله تعالى وتوحيده من خلال مداواة الناس بالدعاء المستجاب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَكانَ الغُلَامُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِن سَائِرِ الأدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كانَ قدْ عَمِيَ، فأتَاهُ بهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقالَ: ما هَاهُنَا لكَ أَجْمَعُ، إنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقالَ: إنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا إنَّما يَشْفِي اللَّهُ، فإنْ أَنْتَ آمَنْتَ باللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ باللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ ... ) .

وقفات مع المشهد الرابع:

الأولى: الله هو الشافي:

- كان الغلام -رضي الله عنه- يرسِّخ عقيدة التوحيد في نفوس الناس من خلال ربط القلوب بالله، وأنه الرب الخالق القادر على كل شيء، المستحق للعبادة وحده؛ ولذلك كانت أول كلمات الغلام لمَن دعاه: "إنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا إنَّما يَشْفِي اللَّهُ": قال تعالى: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (الشعراء: 75-82)، وقال تعالى: (‌وَإِنْ ‌يَمْسَسْكَ ‌اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) (الأنعام: 17)، وفي رقية النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبْ الْبَاسَ اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا) (متفق عليه).

الثانية: الداعية الصادق يوظِّف الدنيا للدين:

- الداعية الصادق في دعوته لا يريد علوًّا في الأرض، ولا يستغل الدين لنيل الدنيا، بل يفعل العكس (الشاهد من القصة: هو عدم التفات الغلام للأموال والهدايا، وإنما انشغل بالدعوة والهداية): قال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: 83).

(1) الداعية الناصح يستغل حاجة الناس في دعوتهم إلى الله (يوسف -عليه السلام- يعرض على رفقاء السجن دعوة التوحيد بين يدي جوابهم على حاجتهم الدنيوية): (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ ‌الْوَاحِدُ ‌الْقَهَّارُ) (يوسف: 39)، (هكذا الداعية الصادق في كل مجال: الطبيب - المدرس - الحرفي - السائق - ... ).

المشهد الخامس: الملك والجليس:

- كانت دعوة الغلام إلى هذه الساعة تسير في عافية وانتشار في الناس، ولكن لا بد أن تجري سنة الله في ابتلاء الحق بالباطل، ومحاولة الباطل منع الحق والقضاء عليه؛ فدارت الأحداث بذلك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فأتَى المَلِكَ فَجَلَسَ إلَيْهِ كما كانَ يَجْلِسُ، فَقالَ له المَلِكُ: مَن رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قالَ: رَبِّي، قالَ: وَلَكَ رَبٌّ غيرِي؟ قالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فأخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حتَّى دَلَّ علَى الغُلَامِ، فَجِيءَ بالغُلَامِ، فَقالَ له المَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ قدْ بَلَغَ مِن سِحْرِكَ ما تُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ، فَقالَ: إنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا، إنَّما يَشْفِي اللَّهُ، فأخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حتَّى دَلَّ علَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بالرَّاهِبِ، فقِيلَ له: ارْجِعْ عن دِينِكَ، فأبَى، فَدَعَا بالمِئْشَارِ، فَوَضَعَ المِئْشَارَ في مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ حتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بجَلِيسِ المَلِكِ فقِيلَ له: ارْجِعْ عن دِينِكَ، فأبَى فَوَضَعَ المِئْشَارَ في مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ به حتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ... ).

وقفات مع المشهد الخامس:

الأولى: أثر الإيمان على القلوب:

- جليس الملك يتحوَّل بعد الإيمان من مُعِين على الباطل، إلى داعٍ إلى الحق، دون مبالاة بما سيترتَّب عليه الأمر، حيث وجد حلاوة الإيمان (شاهد القصة: دعوته الملك إلي التوحيد، ثم تحمله وصبره في سبيل الله)، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِوَاهُمَا، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ، وأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ) (متفق عليه).

صور مشرقة في التحول بعد الإيمان:

1- سحرة فرعون بعد إيمانهم في ردِّهم على تهديد الفرعون: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَ?ذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه: 72).

2- أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد خرجوا من ديارهم وأموالهم لله -عز وجل-: عن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: هَاجَرْنَا مع رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- نَبْتَغِي وجْهَ اللَّهِ، فَوَجَبَ أجْرُنَا علَى اللَّهِ، ومِنَّا مَن مَضَى -أوْ ذَهَبَ- لَمْ يَأْكُلْ مِن أجْرِهِ شيئًا، كانَ منهمْ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ؛ قُتِلَ يَومَ أُحُدٍ، لَمْ يَتْرُكْ إلَّا نَمِرَةً، كُنَّا إذَا غَطَّيْنَا بهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وإذَا غُطِّيَ بهَا رِجْلَاهُ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقالَ لَنَا النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (غَطُّوا بهَا رَأْسَهُ، واجْعَلُوا علَى رِجْلِهِ الإذْخِرَ -أوْ قالَ: ألْقُوا علَى رِجْلِهِ مِنَ الإذْخِرِ- ... ) (متفق عليه).

وقال على -رضي الله عنه-: "إنا لجلوسٌ مع رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في المسجدِ، إذ طلع علينا مُصْعُبُ بنُ عميرٍ ما عليه إلا بُردَةٌ له مرقوعةً بفروٍ، فلما رآه رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بكى للذي كان فيه من النعمةِ،" (رواه الترمذي، وضعفه الألباني).

الثانية: فضل الصبر والاحتساب:

- الاحتساب (أي: انتظار النعيم الأخروي) سبيل إلى الصبر، ولولاه ما صبر الراهب والجليس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُؤْتَى بأَنْعَمِ أهْلِ الدُّنْيا مِن أهْلِ النَّارِ يَومَ القِيامَةِ، فيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقالُ: يا ابْنَ آدَمَ هلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فيَقولُ: لا، واللَّهِ يا رَبِّ ويُؤْتَى بأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا في الدُّنْيا، مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ، فيُقالُ له: يا ابْنَ آدَمَ هلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيَقولُ: لا، واللَّهِ يا رَبِّ ما مَرَّ بي بُؤْسٌ قَطُّ، ولا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ) (رواه مسلم).

- والصبر سبيل إلى النصر والتمكين: عن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شَكَوْنا إلى رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا ألا تَدْعُو لَنا؟ فقالَ: (قدْ كانَ مَن قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ له في الأرْضِ فيُجْعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنْشارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ويُمْشَطُ بأَمْشاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، فَما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمْرُ حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخافُ إلَّا اللَّهَ، والذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) (رواه البخاري).

خاتمة:

- هكذا ثَبَت المؤمنون وتحمَّلوا في سبيل الله، فقُتِل الراهب والجليس، ورحلوا مع الشهداء إلى النعيم الأبدي: قال الله -تعالى-: (‌وَلَا ‌تَحْسَبَنَّ ‌الَّذِينَ ‌قُتِلُوا ‌فِي ‌سَبِيلِ ‌اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (آل عمران: 169-170).

- وأما الغلام ... فماذا حدث معه؟ هذا ما يأتي عليه الحديث في المرة القادمة إن شاء الله.

اللهم توفانا مسلمين وألحقنا بالصالحين.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 22-06-2022, 11:16 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,305
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات مع قصة أصحاب الأخدود

وقفات مع قصة أصحاب الأخدود (5)

محنة الغلام مع الملك









كتبه/ سعيد محمود


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- تذكير مجمل بما سبق مِن القصة، مع التذكير بطريقة التناول، وهي تقسيم القصة إلى مشاهد.

المشهد السادس:

- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَجِيءَ بالغُلَامِ، فَقالَ له المَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ قدْ بَلَغَ مِن سِحْرِكَ ما تُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ ... ) ثم قال النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذكره محنة الراهب والجليس: (ثُمَّ جِيءَ بالغُلَامِ فقِيلَ له ارْجِعْ عن دِينِكَ، فأبَى، فَدَفَعَهُ إلى نَفَرٍ مِن أَصْحَابِهِ، فَقالَ: اذْهَبُوا به إلى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَاصْعَدُوا به الجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ، فإنْ رَجَعَ عن دِينِهِ، وإلَّا فَاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا به فَصَعِدُوا به الجَبَلَ، فَقالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بما شِئْتَ، فَرَجَفَ بهِمِ الجَبَلُ فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إلى المَلِكِ، فَقالَ له المَلِكُ: ما فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فَدَفَعَهُ إلى نَفَرٍ مِن أَصْحَابِهِ، فَقالَ: اذْهَبُوا به فَاحْمِلُوهُ في قُرْقُورٍ، فَتَوَسَّطُوا به البَحْرَ، فإنْ رَجَعَ عن دِينِهِ وإلَّا فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا به، فَقالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بما شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بهِمِ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إلى المَلِكِ، فَقالَ له المَلِكُ: ما فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ ... ).

وقفات مع المشهد السادس:

الأولى: الحذر من أساليب الباطل لاحتواء الحق:

- إن الباطل يحاول استمالة قلوب أصحاب الحق بالعروض والمزايا الدنيوية، حتى إنه يقبل أن ينسب الشفاء الى الغلام إذا كان من تحت عباءته، فتكون الصورة عند الجماهير أن ذلك بقدرته هو، وبذلك تذهب مصداقية الداعي وتضيع قضيته وتتميع: (الشاهد: طريقة الملك في استمالة الغلام) (فَقالَ له المَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ، قدْ بَلَغَ مِن سِحْرِكَ ما تُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ ...).

- إنها طريقة الباطل في كل زمان ومكان، فليحذر الدعاة (محاولة أهل مكة استمالة النبي بالعروض الدنيوية): قال ابن إسحاق في السيرة بسنده: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيدًا، قال يومًا وهو في نادى قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: "يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمدٍ فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثرون ويزيدون، فقالوا: بلى، يا أبا الوليد، قم إليه، فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطَةِ في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به مَن مضى مِن آبائهم؛ فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال رسول صلى الله عليه وسلم: "قل يا أبا الوليد أسمع". قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه -أو كما قال له- حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال: "أقد فرغت يا أبا الوليد؟"، قال: نعم، قال: "فاسمع مني"، قال: أفعل، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم: (حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . *كِتَابٌ *فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ . وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) (فصلت: 1-5)، ثم مضى رسول الله ... ".

الثانية: كفاية الله لأوليائه:

- لقد كفى الله الغلام بكراماتٍ جديدةٍ أجراها له (الجبل يهتز ليسقط أعداءه - البحر يموج ليقتل أعداءه): قال تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَك َ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ) (الزمر: 36)، وقال تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40)(1).

- صور من كفاية الله لأوليائه عند المحن والشدائد (مشاهد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم - هاجر أم إسماعيل عليها السلام - وبئر زمزم)، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُ مْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) (يس: 9)، وقال تعالى: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: 40)، ففي حديث ابن عباس: "فَقالَتْ له: آللَّهُ الَّذي أَمَرَكَ بهذا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: إذًا لا يُضَيِّعُنَا" (رواه البخاري).

الثالثة: فضل التوكل واليقين وحسن الظن برب العالمين:

- لقد ظهر في إيمان الغلام قوة يقينه وتوكله على الله عز وجل: لا سيما بعد التجربة الأولى في محاولة المَلِك قتله، فلقد ازداد رجاؤه في الله، فألهمه الله فكرة إنطاق الملك ما يدل على صحة عقيدته وبطلان عقيدة الملك؛ ولذلك كان يرجع إليه في كل مرة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللَّهَ يقولُ: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي وأنا معهُ إذا دَعانِي) (رواه مسلم).

- التوكل ثمرة من ثمرات اليقين بقدرة الله على كل شيء: قال الله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (آل عمران:173-174)، وقال تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) (الفرقان: 58).

خاتمة:

- هكذا كَفَى الله الغلام وثبَّته وآواه وحفظه من مكر الظالمين، ولكن ما الذي كان يريده الغلام من رجوعه إلى الملك الذي يريد قتله؟!

والجواب المجمل: أنه كان يريد مِن وراء ذلك إحياء قضية التوحيد في قلوب الناس، وهداية أُمَّة قد ضَلَّت الطريق بسبب هذا الملك الغاشم.

وأما التفصيل حول ذلك، فهو موضوع الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-.


فاللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــ

(1) مِن كفاية الله للغلام: أن صرفَ المَلِك عن قتله على نحو ما قتل الراهب والجليس، حيث كان يطمع في رجوع الغلام الذي ذاع أمره في الناس، فكان يرى رجوع الغلام أعظم نصر لعقيدته الفاسدة.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 29-06-2022, 12:14 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,305
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات مع قصة أصحاب الأخدود



وقفات مع قصة أصحاب الأخدود (6)

الغلام أحيا الله به الأمة









كتبه/ سعيد محمود


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- تذكير مجمل بما سبق من القصة، مع التذكير بطريقة التناول، وهي تقسيم القصة إلى مشاهد.

المشهد السابع:

- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَقالَ لِلْمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بقَاتِلِي حتَّى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ به، قالَ: وَما هُوَ؟ قالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي علَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِن كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: باسْمِ اللهِ رَبِّ الغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فإنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذلكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمع النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ علَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِن كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبْدِ القَوْسِ، ثُمَّ قالَ: بسْمِ اللهِ، رَبِّ الغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ في صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ في صُدْغِهِ في مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقالَ النَّاسُ: آمَنَّا برَبِّ الغُلَامِ، آمَنَّا برَبِّ الغُلَامِ، آمَنَّا برَبِّ الغُلَامِ، فَأُتِيَ المَلِكُ فقِيلَ له: أَرَأَيْتَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بكَ حَذَرُكَ، قدْ آمَنَ النَّاسُ).

وقفات مع المشهد السابع:

الأولى: أهمية فقه الدعوة في حياة الداعي:

- فقه الغلام في إظهار عجز الملك الذي يدَّعي الربوبية، حيث يتلقَّى هو الأمر من الغلام: (إنَّكَ لَسْتَ بقَاتِلِي حتَّى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ به!).

- فقه الغلام في الوصول إلى غرضه في نشر عقيدة التوحيد في الأمة: (تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ)، قال تعالى: (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) (طه: 59).

- فقه الغلام في إظهار طغيان وظلم الملك، وهو مِن أسباب تعاطف الناس مع دعوته، فالناس يكرهون الظلم ويميلون إلى المظلوم عادة؛ لا سيما وأنهم يعلمون عن المظلوم حبه للخير والإحسان إلى الناس: (وَتَصْلُبُنِي علَى جِذْعٍ).

- فقه الغلام في إظهار العجز التام للملك بأمره أن يقول: (باسْمِ اللهِ، رَبِّ الغُلَامِ)، حيث أظهر الافتقار القهري والعبودية الاضطرارية لرب الغلام، ولقد كان لذلك الأثر العظيم في إيمان الناس، فمَن سبق علمه بدعوة الغلام ازداد يقينًا في قدرة الله ووحدانيته، ومَن لم يكن يعلم؛ فليسمع وليرى البرهان على قدرة الله ووحدانيته.

- وهنا تجلَّت القضية عند الجماهير مِن أن الصراع والاختلاف إنما هو التدافع بين الحق والباطل: قال تعالى: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج: 8).

- كان المشهد النهائي هو انتصار العقيدة، وإحياء الأمة: (فَأُتِيَ المَلِكُ فقِيلَ له: أَرَأَيْتَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بكَ حَذَرُكَ، قدْ آمَنَ النَّاسُ).

الثانية: تساؤل؟!

- هل فِعْل الغلام يعد إهلاكًا للنفس، وقد قال الله -تعالى-: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: 195)؟!

- الجواب: لا، من وجهين:

- الأول: لقد كان فعلُ الغلام سببًا في هداية أمة بأكملها، وهي مصلحة عامة ونفعها أعظم من المنفعة الخاصة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا، خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ) (رواه البخاري).

- الثاني: لقد نال الغلام برحيله عن الدنيا مكانة الشهداء في أعلى المراتب: قال الله -تعالى-: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (آل عمران: 169-170)، وقال -تعالى- عن صاحب يس: (إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ . قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس: 25-27).

المشهد الثامن:

- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فأمَرَ بالأُخْدُودِ في أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقالَ: مَن لَمْ يَرْجِعْ عن دِينِهِ فأحْمُوهُ فِيهَا، أَوْ قيلَ له: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمعهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقالَ لَهَا الغُلَامُ: يا أُمَّهْ، اصْبِرِي فإنَّكِ علَى الحَقِّ).

وقفات مع المشهد الثامن:

الأولى: الله يثبِّت أولياءَه عند المحن:

- لقد أنطق اللهُ الرضيعَ كرامة لأمه حتى تثبت: (يا أُمَّهْ، اصْبِرِي فإنَّكِ علَى الحَقِّ)، قال -تعالى-: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم: 27).

- ونظائر ذلك كثيرة في تثبيت الله لأوليائه المتقين بخوارق العادات: ففي يوم بدر: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) (الأنفال: 12)، وقال -تعالى- عن مريم على لسان الرضيع: (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) (مريم: 24)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن جريج العابد: (ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ، فَقالَ: مَن أَبُوكَ يا غُلَامُ؟ قالَ: الرَّاعِي) (متفق عليه).

- استعن بالله وتوكل عليه عند المحن، والتجأ إليه، ستجده أمامك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تعرَّفْ إلى اللهِ في الرخاءِ يعرفُك في الشدَّةِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

الثانية: من فقه الرخصة والعزيمة:

- لقد رُخِّص في الإسلام للإنسان إذا تعرَّض للقتل أو التعذيب أن ينطق الكفر إذا كان مطمئن القلب بالإيمان: قال -تعالى-: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل: 106)، وقال الحافظ في الفتح: "والمشهور إن الآية المذكورة نزلت في عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمارًا فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكى ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، قال: فإن عادوا فعد"، (وهذا حديث مرسل، رواه الحاكم في المستدرك: 2 / 389، والبيهقي في السنن الكبرى: 8 / 208، وإسناده ضعيف، وروي من طرق كثيرة متعددة، تدل على أن للقصة أصلًا).

- الظاهر أن فعلَ الراهب والجليس والمؤمنين عند الأخدود، كان من باب العزيمة الواجبة، حيث لم تكن الرخصة في ذلك في الأمم السابقة على قول بعض أهل العلم، أو أنهم تركوا الرخصة وأخذوا بالعزيمة، وقويت قلوبهم عند الأخدود: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أفضلُ الجهادِ: كلمةُ عدلٍ عند سُلطانٍ جائرٍ) (رواه أبو داود واللفظ له، والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).

المشهد الأخير:

- الإشارة إلي خاتمة القصة من خلال التناول القرآني لعاقبة الفريقين: قال -تعالى-: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) (البروج: 8-11).

وقفات مع المشهد الأخير:

الأولى: عاقبة الكافرين:

- توعدهم الله بعذابين: قال -تعالى-: (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ) بسبب كفرهم، (وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) بسبب فتنتهم المؤمنين والمؤمنات. (انظر: روح المعاني للألوسي)، وروي عن ابن عباس: "أن النار ارتفعت من الأخدود، فصارت فوق الملك وأصحابه أربعين ذراعًا فأحرقتهم!" (تفسير القرطبي).

- قتلوا المؤمنين بحريق الدنيا، ولكن... أين حريق مِن حريق؟ في شدته أو في مدته، فحريق الدنيا يوقدها الخلق، وحريق الآخرة بنارٍ يوقدها الخالق، وحريق الدنيا لحظات وينتهي، وحريق الآخرة آباد لا يعلمها إلا الله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نَارُكُمْ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نَارِ جَهَنَّمَ) قيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً، قالَ: (فُضِّلَتْ عليهنَّ بتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "أُوقِدَ على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة" (رواه الترمذي وابن ماجه، وضعفه الألباني)، وقال تعالى: (‌كَلَّا ‌إِنَّهَا ‌لَظَى . نَزَّاعَةً لِلشَّوَى) (المعارج: 15-16).

الثانية: عاقبة المؤمنين:

- لما ذكر -سبحانه- مصير المجرمين أعقبه بذكر مصير المؤمنين: قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) (لقمان: 8).

- وكيف لا يكون ذلك هو الفوز الكبير وهم الذين جعلهم الله في النعيم الذى ما رأته عين، ولا خطر على قلب بشر؟! قال -تعالى-: (مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) (الرعد: 35)، وقال -تعالى-: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ . لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ . فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ . لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً . فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ . فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ . وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ . وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ . وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) (الغاشية: 8-16).

وقال -تعالى-: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَ?ئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ . عَلَى? سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ . مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ . يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ . بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ . لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ . وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا . إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا . وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ . فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ . وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ . وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ . وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ . وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ . لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ . وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ . إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً . فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا . عُرُبًا أَتْرَابًا . لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ) (الواقعة: 10-38).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ، ما أدْنَى أهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟، قالَ: هو رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ ما أُدْخِلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فيُقالُ له: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فيَقولُ: أيْ رَبِّ، كيفَ وقدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنازِلَهُمْ، وأَخَذُوا أخَذاتِهِمْ، فيُقالُ له: أتَرْضَى أنْ يَكونَ لكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا؟ فيَقولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فيَقولُ: لكَ ذلكَ، ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ، فقالَ في الخامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فيَقولُ: هذا لكَ وعَشَرَةُ أمْثالِهِ، ولَكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، ولَذَّتْ عَيْنُكَ، فيَقولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قالَ: رَبِّ، فأعْلاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أرَدْتُ غَرَسْتُ كَرامَتَهُمْ بيَدِي، وخَتَمْتُ عليها، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، ولَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، ولَمْ يَخْطُرْ علَى قَلْبِ بَشَرٍ، قالَ: ومِصْداقُهُ في كِتابِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لهمْ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ) (رواه مسلم).

خاتمة:

- هكذا تنتهي رواية القصة، وقد ملأت القلب إيمانًا بأن النصر الحقيقي هو انتصار العقيدة على مجرد الحياة؛ فقد كان في إمكان المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) (البروج: 11).

- لقد أصبح هؤلاء الأبرار مثالًا يُحْتذَى به في كلِّ زمان ومكان، ولقد كان للقصة أثر عظيم على أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين على مرِّ الزمان.


فاللهم يا مثبِّت القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك حتى نلقاك.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 147.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 143.04 كيلو بايت... تم توفير 4.13 كيلو بايت...بمعدل (2.81%)]