شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام --- متجدد فى رمضان - الصفحة 5 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تفسير آية الكرسي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          الاحتساب .. قلب واسع!! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          خطورة الذكاء الاصطناعي على العالم والوظائف ونظرة الإسلام تجاه هذه التطورات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          أفضل شعب الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          حاسب نفسك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          من منا كسعد؟؟؟؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          قبل أن تقع في الصالحين تدبر أمرك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          من دروس الهجرة ( جبر خاطر الأنصار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          الإخلاص منجاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4517 - عددالزوار : 1137727 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > ملتقى اخبار الشفاء والحدث والموضوعات المميزة > رمضانيات
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

رمضانيات ملف خاص بشهر رمضان المبارك / كيف نستعد / احكام / مسابقات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #41  
قديم 06-02-2023, 11:32 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,775
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام --- متجدد فى رمضان


شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 646الى صــ 655
(41)
المجلد الثانى
كتاب الصيام
(11)





وكذلك إذنه في فطر يوم وصوم يوم مطلقاً, وصوم يومين وفطر يوم, وصوم يوم وفطر يومين, وصوم أيام البيض؛ مع العلم بأن هذا لابد فيه من صوم يوم السبت كغيره من الأيام. . . .
ولأنه يوم عيد لأهل الكتاب؛ فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيماً له, فكره ذلك؛ كما كُره إفراد عاش
وراء بالتعظيم لما عظمه أهل الكتاب, وإفراد رجب أيضاً لما عظمه المشركون, مع أن يوم عاشوراء. . . .
فإن قيل: إنما يعظمونه بالفطر, ثم هذا منتقض بيوم الأحد. . . .

وعلله ابن عقيل بأنه يوم يمسك فيه اليهود, ويخصونه بالإِمساك, وهو ترك العمل فيه, والصائم في مظنة ترك العمل, فصار تشبهاً بهم.
725 - وعن كريب: أنه سمع أم سلمة؛ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوم السبت والأحد أكثر ما يصوم من الأيام, ويقول: «إنهما يوما عيد للمشركين؛ فأنا أحب أن أخالفهم». رواه أحمد والنسائي.

وروى النسائي عن عائشة وأم سلمة ر
ضي الله عنهما. . . .
* فصل:
قال أصحابنا: ويكره إفراد يوم النيروز ويوم المهرجان.
726 - وقد أومأ أحمد إلى ذلك فقال في رواية عبد الله: [حدثنا] وكيع, عن سفيان, عن رجل, عن أنس والحسن: كرها ص
وم يوم النيروز والمهرجان.
قال أبي: أبان بن أبي عياش؛ يعني: الرجل.
قال بعضهم: وعلى قياس هذا كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم.

مسألة:
وليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان.
الأصل في هذه الليلة قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1 - 5] السورة إلى آخرها, وقوله سبحانه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: رقم 185] , وقوله سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان
: آية 3].
727 - قال ابن أبي نجيح, عن مجاهد: «بلغني أنه كان في بني إسرائيل رجل لبس السلاح ف
ي سبيل الله ألف شهر فلم يضعه عنه. فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه, فعجبوا من قوله, فأنزل الله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: آية 3]؛ يقول الله تعالى: ليلة القدر خير لكم من تلك الألف شهر التي لبس فيها السلاح, وذلك الرجل في سبيل الله». رواه آدم ابن أبي إياس عن الزنجي عنه.
828 - وذكر مالك في «الموطأ»: أنه سمع من يثق به يقول: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى أ
عمار الناس قبله أو ما شاء الله ذلك, فكأنه تقاصر أعمار أمته, لا يبلغون من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر, فأعطاهم الله ليلة القدر خير من ألف شهر».
729 - وعن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه». رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
وهي باقية في رمضان إلى يوم القيامة في العشر الأواخر منه.

قال أبو عبد الله في رواية حنبل: ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان, وحديث ابن عمر هو أصحها, والرواية في ليلة القدر صحيحة: أنها في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر, واختلف في ذلك؛ قالوا: عن النبي صلى الله عليه وسلم: في سبع [يبقين] , وقالوا: في ثلاث [يبقين] , فهي في العشر, في وتر من الليالي, لا يخطئ ذلك إن شاء الله تعالى, كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اطلبوها في العشر الأواخر لثلاث بقين أو سبع بقين أو تسع بقين»؛ فهي في العشر الأواخر.

وقال في رواية أبي داود: الثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر؛ يعني: ليلة القدر.
وقال القاضي في «المجرد»: وفيها: (يعني: العشر الأواخر من رمضان) يجوز أن تطلب من كل وتر منه, ولكن لثلاث بقين وسبع بقين وتسع بقين أشد استحباباَ.
والظاهر أنها إحدى هذه الثلاث الليالي, وذلك:
730 - لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان: ليلة القدر في تاسعة تبقى, في سابعة تبقى, في خامسة تبقى». رواه احمد والبخاري وأبو داود.

وفي رواية للبخاري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي في العشر: هي في [تسع] يمضين, أو في سبع يبقين»؛ يعني: ليلة القدر.
قال البخاري: قال عبد الوهاب عن أيوب, وعن خالد عن عكرمة عن ابن عباس: «التمسوا في أربع وعشرين».
731 - وعن ابن عمر: أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر؛ فمن كان متحريها؛ فليتحرها في السبع الأواخر». متفق عليه.

وفي رواية في الصحيح عن ابن عمر؛ قال: كانوا لا يزالون يقصون على النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا أنها في الليلة السابعة من العشر الأواخر (يعني: ليلة القدر) , فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر؛ فمن كان متحريها؛ فليتحرها في العشر الأواخر.

وفي رواية لأحمد ومسلم؛ قال: أرى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين, فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم في العشر الأواخر؛ فاطلبوها في الوتر منها.
وفي رواية شعبة, عن حكيم بن سحيم, عن ابن عمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «من كان ملتمساً؛ فليلتمسها في العشر الأواخر».
وفي رواية معمر, عن الزهري, عن سالم, عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوا ليل
ة القدر في العشر الغوابر, في التسع الغوابر».
وفي رواية شعبة, عن عقبة بن حريث؛ قال: سمعت ابن عمر يقول:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان ملتمساً؛ فليلتمسها في العشر الأواخر, فإن عجز أو ضعف؛ فلا يغلب على السبع البواقي».
وفي رواية شعبة, عن عبد الله بن دينار, عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان متحريها؛ فليتحرها ليلة سبع وعشرين». وقال عروة: «ليلة سبع وعشرين».

رواهن أحمد.
وروى حنبل, عن عارم, عن حماد بن زيد, عن أيوب, عن نافع, عن ابن عمر؛ قال: كانوا لا يزالون يقصون على النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا أنها ليلة السابعة من العشر الأواخر؛ فمن كان متحريها؛ فليتحرها ليلة السابعة في العشر الأوا
خر».
ورواه معمر, عن أيوب, عن نافع, عن ابن عمر؛ قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم,
فقال: إني رأيت في المنام ليلة القدر, كأنها ليلة سابعة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أرى رؤياكم قد تواطأت (يعني: ليلة سابعة)؛ فمن كان منكم متحريها؛ فليتحرها ليلة سابعة». قال معمر: فكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس طيباً.
وفي رواية من هذا الوجه: إني رأيت رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين؛ فمن كان منكم يريد أن يقوم الشهر؛ فليقم ليلة ثلاث وعشرين.
732 - وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضا
ن, ويقول: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان». متفق عليه.
وفي رواية للبخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان».
733 - وعن أبي سلمة, عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأواخر من رمضان, ثم اعتكف العشر الأوسط, في قبة تركية على سدتها حصير, فأخذ الحصير بيده, فنحاها في ناحية القبلة, ثم أطلع رأسه, فكلم الناس, فدنوا منه, فقال:


«إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة, ثم إني اعتكفت العشر الأوسط, ثم أتيت فقيل: إنها في العشر الأواخر؛ فمن أحب منكم أن يعتكف؛ فليعتكف». فاعتكف الناس معه. قال: «وإني أريتها ليلة وتر, وأني أسجد في صبيحتها في طين وماء». فأصبح من ليلة إحدى وعشرين, وقد قام إلى الصبح, فمطرت السماء, فوكف المسجد, فأبصرت الطين والماء, فخرج حين فرغ من صلاة
الصبح وجبينه وروثة أنفه فيها الطين والماء, وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر». رواه الجماعة إلا الترمذي, وهذا لفظ مسلم وغيره.
وفي رواية متفق عليها: «فابتغوها في العشر الأواخر, وابتغوها في كل وتر».
وعن أبي نضرة, عن أبي سعيد؛ قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تُبان له, فلما انقضين؛ أمر بالبناء فقوض, ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر, فأمر بالبناء فأعيد, ثم خرج على الناس, فقال: «يا أيها الناس! إنها كانت أبينت لي ليلة القدر, وإني خرجت لأخبركم بها, فجاء رجلان يحتقَّان, معهما الشيطان, فنسيتها,
فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان, التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة». قال: قلت: يا أبا سعيد! إنكم بالعدد أعلم منا. قال: أجل؛ نحن أحق بذلك منكم. قال: قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون؛ فالتي تليها اثنتان وعشرون؛ فهي التاسعة, وإذا مضى ثلاث وعشرون؛ فالتي تليها السابعة, وإذا مضى خمس وعشرون؛ فالتي تليها الخامسة. رواه مسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #42  
قديم 07-02-2023, 10:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,775
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام --- متجدد فى رمضان





شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 656الى صــ 665
(42)
المجلد الثانى
كتاب الصيام
(12)




734 - وعن انس, عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه؛ ق
ال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ليخبرنا بليلة القدر, [فتلاحى رجلان من المسلمين, فقال: «إني خرجت لأخبركم بليلة القدر] , فتلاحى فلان وفلان, فرفعت, وعسى أن يكون خيراً لكم؛ فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة». رواه أحمد والبخاري والنسائي.
وفي رواية أحمد عن عبادة؛ قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القد
ر, فقال: هي في شهر رمضان؛ فالتمسوها في العشر الأواخر؛ فإنها وتر؛ ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين أو سبع وعشرين أو تسع وعشرين أو آخر ليلة من رمضان, من قامها احتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه».

735 - وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أريت ليلة القدر, ثم أيقظني بعض أهلي, فنسيتها, فالتمسوها في العشر الغوابر». رواه النسائي من حديث يونس وشعيب عن الزهري عن أبي سلمة عنه.
736 - وعن الصنابجي في ليلة القدر؛ قال: «أخبرني مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أنها في السبع في العشر الأواخر». رواه البخاري.
737 - وفي رواية عن الصنابجي, عن بلال؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة القدر ليلة السابع وعشرين». رواه علي بن حرب.
837 - وعن جابر بن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوا ليلة القدر ف
ي العشر الأواخر». رواه أحمد.
739 - وعن ابن عباس؛ قال: قال عمر: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «من كان منكم ملتمساً ليلة القدر؛ فليلتمسها في العشر الأواخر وتراً». رواه أحمد.
740 - وعن أبي بكرة؛ قال: ما أن بملتمسها لشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في العشر الأواخر؛ فإني سمعته يقول: «التمسوها في تسع بقين, أو سبع بقين, أو خمس بقين, أو ثلاث بقين, أو آخر ليلة». قال: فكان أبو بكرة يصلي من العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة, فإذا دخل العشر؛ اجتهد. رواه أحمد والنسائي والترمذي, وقال: حديث
حسن صحيح.
وأيضاً؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر ويجتهد في العبادة فيه ما لا يجتهد في سائر الشهر, ويشد المئزر, ويعتزل أهله, ويوقظهم فيه, وهذا كله يقتضي اختصاصه بما لا يشركه فيه سائر ليالي الشهر, وأنه أفضل الأعشار؛ فلا يجوز أن تكون ليلة القدر في غيره؛ لأن عشرها أفضل الأعشار.

فهذه النصوص من النبي صلى الله عليه وسلم تبين أنها العشر الأواخر, وأن السبع الأواخر أرجى هذا العشر, وأن أرجاها ليالي الوتر.
ثم الوتر باعتبار ما بقي لا باعتبار ما مضى. وكذلك ذكره أحمد.
وفي بعضها: أنه باعتبار ما مضى.
فإذا كان باعتبار ما مضى؛ فليالي الوتر إحدى وعشرين, وليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين.
وإن كان باعتبار ما بقي, وكان الشهر ثلاثين؛ فتاسعة تبقى ليلة اثنين وعشرين, وسابعة تبقى ليلة
أربع وعشرين, وخامسة تبقى ليلة ت وعشرين, وثالثة تبقى ليلة ثمان وعشرين, وواحدة تبقى آخر ليلة. وهكذا في حديث أبي بكرة المرفوع, وتفسير أبي سعيد.
وإن كان الشهر تسعاً وعشرين؛ فتاسعة تبقى ليلة إحدى وعشرين.
ويستوي على هذا التقدير الوتر باعتبار ما مضى وما بق
ي.
وقد يكون قوله: «لثلاث بقين أو خمس بقين أو سبع بقين»؛ يعني: من الليالي التزام الكوامل.
فإذا كان الشهر تامّاً أيضاً؛ كان الأوتار مما مضى هي الأوتار مما بقي؛ فليلة إحدى وعشرين قد بقي تسع كوامل.
741 - فإن قيل: قد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه؛ قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اطلبوها ليلة سبع [عشرة] من رمضان, وليلة إحدى وعشرين, وليلة ثلاث وعشرين» , ثم سكت. رواه أبو داوود.
742 - وروى عبد الرزاق عن علي ونحوه.
743 - وروى سعيد عن [أبي] نحوه.

744 - وعن موسى بن عقبة, عن أبي إسحاق, عن سعيد بن جبير, عن عبد الله بن عمر؛ قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر؟ فقال: «هي في كل رمضان». رواه أبو داود وقال: رواه سفيان وشعبة عن أبي إسحاق موقوفاً على ابن عمر لم يرفعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
745 - وعن أبي العالية: أن أعرابيّاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي, فقال له: متى ليلة ال
قدر؟ فقال: «اطلبوها في أول ليلة, وآخر ليلة, والوتر من الليالي».
رواه أبو داوود في «مراسيله».
قيل: أما حديث عبد الله وأبي العالية إن صح؛ فإنه - والله أعلم- كان قبل أن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنها في العشر الأواخر؛ كما فسره أبو سعيد؛ فإنه أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحراها في العشر الأوس
ط, ثم أعلم أنها في الأواخر, وأمر أصحابه بتحريها في العشر البواقي.
وكذلك [حديث] ابن عمر وغيره يدل على أن العلم بتعيينها في العشر الأواخر كان متجدداً, فإذا وقع التردد بين الأوسط والآخر؛ علم أن الشك قبل العلم.
وأما حديث ابن عمر؛ فمعناه - والله أعلم - أنها في جميع الرمضانات لا تختص ببعض الرمضانات الموجودة على عهد الأنبياء عليهم السلام؛ فإن ابن عمر قد صح عنه أنه أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتماسها في العشر الأواخر.

وذلك أن بعض الناس توهم أنها رفعت لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فتلاحى فلان وفلان فرفعت» , وإنما رُفع علمها ومعرفتها في ذلك العام؛ لأنه خرج ليخبركم بها, فأنسيها.
ومن هذا الباب رفع القرآن ونحوه.
ويدل على ذلك قوله: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: رقم 216] , [وقوله: «وعسى أن يكون خيراً»].
وارتفاع بركة ليلة القدر لا خير فيه للأمة؛ بخلاف نسيانها؛ فإنه قد يكون فيه خير
للاجتهاد في العشر كله.
وقوله بعد ذلك: «فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» , ولولا أ
نها موجودة بعد هذا الرفع؛ لم تلتمس.
746 - فقد روى عبد الرزاق, عن يزيد بن عبد الله بن الهاد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ليلة القدر, فقيل له: قد كانت [مع النبيين] ثم رفعت حين قبضوا أو في كل سنة؟ قال: «بل في كل سنة».
747 - وعن ابن عباس؛ قال: «ليلة القدر في كل رمضان تأتي».
وإجماع الصحابة على طلبها والتماسها بعد موت النبي صلى الله ع
ليه وسلم دليل قاطع على ذلك.
قال كثير من أصحابنا: تلتمس في جميع العشر, وآكده ليالي الوتر, وآكده ليلة سبع وعشري
ن؛ لأن أحمد رضي الله عنه قال: أصحها حديث ابن عمر, وفي حديث ابن عمر أنها ليلة سبع وعشرين. وهو قول القاضي في «الخلاف» , وعامة أصحابه.
وقال القاضي في «المجرد»: أوكد ليالي الوتر لثلاث بقين وسبع بقين وتسع بقين, والظاهر أنها إحدى هذه الليالي الثلاث.
748 - وعن قتادة: أنه سمع مطرفاً, عن معاوية بن أبي سفيان, عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر؛ قال: «ليلة سبع وعشرين». رواه أبو داود.

749 - وعن ابن عباس: أن رجلاً أتى نبي الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله! إني شيخ كبير عليل, يشق عليَّ القيام, فأمرني بليلة, لعل الله يوفقني بها لليلة القدر. قال: «عليك بالسابعة». رواه أحمد.
750 - وعن أبي عقرب الأسدي؛ قال: أتيت عبد الله بن مسعود, فوجدته على إيجار له (يعني: سطحاً) , فسمعته يقول: صدق الله ورسوله, صدق الله ورسوله. فصعدت إليه, فقلت: يا أبا عبد الرحمن! ما لك قلت: صدق الله ورسوله صد
ق الله ورسوله؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبأنا أن ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر؛ أن الشمس تطلع صبيحتها ليس لها شعاع. قال: فصعدت, فنظرت إليها, فقلت: صدق الله ورسوله, صدق الله ورسوله». رواه أحمد وسعيد.
751 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال:
متى ليلة القدر؟ قال: «من يذكر منكم ليلة الصهباوات؟». قال عبد الله: أنا بأبي أنت وأمي. وإن في يدي لتمرات أتسحر بهن مستتراً بمؤخرة رحلي من الفجر, وذلك حين طلع القمر. رواه أحمد.


752 - وعن زر بن حُبيش؛ قال: «سمعت أبي بن كعب يقول: وقيل له: إن عبد الله بن مسعود يقول: من قام السنة؛ أصاب ليلة القدر. فقال أبي بن كعب: والله الذي لا إله إلا هو؛ إنها لفي رمضان (يحلف ما يستثني) , ووالله؛ إني لأعلم أي ليلة هي, هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها ليلة سبع وعشرين, وأمارتها تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها».






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #43  
قديم 08-02-2023, 10:39 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,775
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام --- متجدد فى رمضان





شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 666الى صــ 675
(43)
المجلد الثانى
كتاب الصيام
(13)




وفي رواية: «سألت ابن كعب, فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول؛ يصب
ليلة القدر. فقال: رحمه الله؛ أراد ألا يتّكل الناس, أما إنه قد علم أنها في رمضان, وأنها في العشر الأواخر. ثم حلف لا يستثني: إنها ليلة سبع وعشرين. فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة (أو: بالآية) التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها». رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه, قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وفي رواية: قلت: وما تلك الآية؟ قال: أن تصبح الشمس يومئذ بيضاء لا شعاع لها حتى ترتفع كأنها الطست.
753 - وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه؛ قال: «قمنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول, ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل, ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح, وكنا ندعو السحر: الفلاح, فأما نحن؛ فنقول: ليلة السابعة, ليلة سبع وعشرين, وأنتم تقولون: ليلة ثلاث وعشرين السابعة؛ فمن أصوب؟! نحن أو أنتم». رواه أحمد والنسائي.
ويلي هذه الليلة سابعة تبقى؛ كما ذكره الإِمام أحمد.

قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «في سبع بقين» , وقالوا: «في ثلاث بقين» , وهي على هذا التقدير إما ليلة ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين, وهي أول السبع البواقي التي خصت في حديث ابن عمر ومؤذن النبي صلى الله عليه وسلم, وقد جاء ذلك منصوصاً في حديث بلال وغيره.
754 - وعن الحسن: أنه كان يقول: «ليلة سابعة تبقى ليلة أربع وعشرين».
755 - وهو كذلك في الحديث المرفوع عن أبي بكرة.
وقد تقدم تفسير أبي سعيد أن ليلة سابعة تبقى ليلة أربع وعشرين, ثم قد اختصها دون سائر الليالي.
756 - فروي عن أبي نضرة, عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: «ليلة القدر ليلة أربع وعشرين». رواه الطيالسي في «مسنده» بإسناد جيد.
757 - ورواه هدبة بن خالد, عن أبي سعيد موقوفاً؛ قال: ليلة القدر هي ليلة أربع وعشرين, نحن أعلم بالحساب منكم, هي ليلة أربع وعشرين السابعة, وليلة ثلاث وعشرين ثامنة تبقى.
ويؤيد ذلك أنه قد روي أن القرآن نزل فيها.
ومنهم من يفسرها بليلة ثلاث وعشرين؛ كما تقدم عن أيوب وغيره.
758 - عن أبي المليح, عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قال: «أنزل الله صحف إبراهيم علي
ه السلام في أول ليلة من شهر رمضان, وأنزل الإِنجيل على عيسى عليه السلام في ثمان عشرة ليلة من شهر رمضان, وأنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم لأربع وعشرين خلت من شهر رمضان». رواه هشام بن عمار وأبو حفص بن شاهين عن علي بن عاصم عن عبد الله بن سعيد بن يحيى عن عبيد الله بن أبي حميد عنه.

759 - ورواه أبو حفص بن شاهين عن واثلة بن الأسقع مرفوعاً.
760 - وعن إسماعيل بن عياش, عن عبد الله بن دينار؛ قوله.
وقد تفسر بليلة ثلاث وعشرين؛ كما تقدم عن أيوب.
761 - وذلك لما روى بشر بن سعيد, عن عبد الله بن أنيس الجهني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أريت ليلة القدر ثم أنسيتها, وأراني صبيحتها أسجد في ماء وطين». قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين, فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه, وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين. رواه أحمد ومسلم.
762 - وعن محمد بن إبراهيم, عن [ابن] عبد الله بن أنيس, عن أبيه؛ قال: قلت: يا رسول الل
ه! إن لي بادية أكون فيها, وأنا أصلي فيها بحمد الله؛ فمرني بليلة أنزلها إلى هذا المسجد. فقال: «انزل في ليلة ثلاث وعشرين». فقيل لابنه: كيف كان أبوك يصنع؟ قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر, فلا يخرج منه لحاجة حتى يصلي الصبح, فإذا صلى الصبح؛ وجد دابته على باب المسجد, فجلس عليها فلحق بباديته. رواه أبو داوود.

763 - [و] [عن الزهري] , عن ضمرة بن عبد الله بن أنيس, عن أبيه؛ [قال: كنت في مجلس بني سلمة, وأنا أصغرهم] , فقالوا: من يسأل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر؟ وذلك صبيحة إحدى وعشرين من رمضان, فخرجت, فوافيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب, ثم قمت بباب بيته, فمرَّ بي, فقال: «ادخل». فدخلت, فأتي بعشائه, فرأيتني أكف عنه من قلته, فلما فرغ؛ قال: «[ناولني] نعلي». فقام وقمت معه, فقال: «كأنَّ لك حاجة». قلت: أجل؛ أرسلني إليك رهط [من] بني سلمة يسألونك عن ليلة القدر؟ فقال: «كم الليلة؟». [فقلت:] اثنان وعشرون. قال: «هي الليلة». ثم رجع فقال: «أو القابلة»؛ يريد: ليلة ثلاث وع
شرين. رواه أبو داوود والنسائي.
764 - وعن معاذ بن عبد الله بن حبيب؛ قال: قالوا لعبد الله بن أنيس الجهني: يا أبا يحيى! حدثنا كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في ليلة القدر المباركة؟ فقال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مسجد جهينة, فقلنا: يا رسول الله! متى نلتمس هذه الليلة المباركة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «التمسوها [هذه] الليلة». فقال رجل: يا رسول الله! لثامنة تبقى؟ فقال: «ولكن لسابعة تبقى, إن الشهر لا يتم». رواه هدبة بن خالد وحسن والليث.
765 - وعن ابن عباس؛ قال: «أتيت وأنا نائم في رمضان, فقيل لي: إن الليلة ليلة القدر. فقمت وأنا ناعس, فتعلقت ببعض أطناب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي». فقال ابن عباس: «فنظرت في الليلة؛ فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين». فقال ابن عباس: «إن الشيطان يطلع مع الشمس كل يوم؛ إلا ليلة القدر؛ فإنها تطلع يومئذ لا شعاع لها». رواه سعيد.
والذي يبين أن السابعة أرجى الليالي, وأنها سابعة تمضي أو تبقى:

766 - ما رواه أحمد, ثنا عبد الرزاق, ثنا معمر, عن قتادة وعاصم, أنهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عباس: «دعا عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فسألهم عن ليلة القدر؟ فأجمعوا أنها في العشر الأواخر. فقلت لعمر رضي الله عنه: إني لأعلم (أو: إني لأظن) أي ليلة هي. قال: وأي ليلة هي؟ قال: قلت: سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر. قال: ومن أين تعلم؟ قال: خلق الله سبع سماوات وسبع أرضين وسبعة أيام, وإن الدهر يدور في سبع, وخلق الإِنسان ويأكل ويسجد على سبع, والطواف سبع, والجمار سبع. فقال عمر: لقد فطنت لأمر ما فطنّا له».

767 - وعن عاصم بن كليب, عن أبيه, عن خاله؛ قال: سأل عمر ابن الخطاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان يسألني معهم, مع الأكابر منهم, ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلموا. فقال: علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: «اطلبوها في العشر الأواخر وتراً»؛ ففي أي الوتر ترون؟ قال: فأكثر القوم في الوتر. فقال: ما لك لا تتكلم يا ابن عباس؟ قال: قلت: إن شئت تكلم
ت برأيي. قال: عن رأيك أسألك. قال: قلت: رأيت الله تعالى أكثر ذكر السبع في القرآن, فذكر السماوات سبعاً, والأرضين سبعاً, والطواف سبعاً, والجمار سبعاً, وما شاء الله في ذلك, وخلق الإِنسان في سبعة, وجعل رزقه في سبعة. فقال: كل ما ذكرت عرفت؛ فما قولك: خلق الإِنسان من سبعة وجعل رزقه في سبعة؟ قال: خلق الإِنسان من سلالة من طين, ثم جعله نطفة في قرار مكين. . . إلى قوله: {خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: آية 14] , ثم قرأ: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا. . .} إلى قوله: {وَأَبًّا} [عبس: آية 25 - 31] , والأب ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس؛ فما أراها إلا ليلة ثلاث وعشرين لسبع بقين. قال عمر: غلبتموني, لا تأتوا بإجابة [كإجابة] هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه». رواه المحاملي.
ورواه أحمد في «مسنده» المرفوع عنه, عن الدورقي, عن ابن إدريس, عنه.

وقد تقدم حديث أبي سعيد في ليلة الحادي والعشرين, ونبه عليه أحمد بقوله: «تسع تبقى».
وهذه الأحاديث كلها تقتضي أنها تكون في هذه الليالي كلها, وقد كانت في عام من الأعوام في إحدى هذه الليالي, فتكون متنقلة في الليالي العشر.

وحكى هذا عن أحمد نفسه, وهو مقتضى ما ذكره القاضي وغير من أصحابنا.
ومن أصحابنا من قال: إنها ليلة واحدة في كل سنة لا تتغير, وزعم أنه مقتضى كلام أحمد, وليس بصحيح.
وبكل حال؛ فلا نجزم لليلة بعينها أنها ليلة القدر على الإِطلاق, بل هي مبهمة في العشر؛ كما دلت عليه النصوص.
وينبني على ذلك: أنه لو نذر قيام ليلة القدر؛ لزمه, ولم يجزه في غيرها, فيلزمه قيام ليالي العشر كلها؛ كمن نذر ونسى صلاة من يوم لا يعلم عينها, ولو علق عتاقاً أو طلاقاً بليلة القدر قبل دخول العشر؛ حكم به إذا انقضى العشر, إن كان في أثناء العشر؛ حكم به في مثل تلك الليلة من العام المقبل؛ إن قيل: لا تنتقل, وإن قيل: تنتقل؛ لم يحكم به حتى ينصرم العشر من العام القابل, وهو الصواب. والله أعلم.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #44  
قديم 09-02-2023, 04:14 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,775
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام --- متجدد فى رمضان





شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 676الى صــ 685
(44)
المجلد الثانى
كتاب الصيام
(14)



* فصل:
وعلامتها ما تقدم أن الشمس تطلع يومئذ لا شعاع لها, كأنها الطست حتى ترتفع, ذكر مع
نى ذلك مرفوعاً في حديث أبي وابن مسعود, وجاء عن ابن عباس أيضاً.
768 - وعن عبادة بن الصامت؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أمارة ليلة القدر أنها صافية [بلجة] , كأن فيها قمراً ساطعاً, ساكنة ساجية, لا برد فيها ولا حر, ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى تصبح, وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر, لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ». رواه أحمد.
769 - وعن حماد بن سلمة, عن حميد, عن الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
: «اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر؛ التاسعة, والسابعة, والخامسة, وآخر ليلة, هي ليلة بلجة, لا حارة ولا باردة, ولا يرمى فيها بنجم, ولا ينبح فيها كلب». رواه هدبة بن خالد عنه.
770 - وعن عبيد بن عمير؛ قال: «كنت ليلة السابع والعشرين في البحر. فأخذت من مائه, فوجدته عذباً سلساً. . .».


* فصل:
ويستحب الاجتهاد في العشر مطلقاً.
771 - لما روي عن عائشة؛ قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر؛ أحيا الليل, وأيقظ أهله, وشد المئزر». متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: «وجدَّ وشدَّ المئزر».
وفي رواية له: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره.
772 - وعن علي؛ قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يوقظ أهله في العشر الأواخر م
ن رمضان». رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
ورواه عبد الله بن أحمد, ولفظه: «إذا دخل العشر الأواخر؛ شد المئزر».

وفي لفظ: «رفع المئزر, وأيقظ نساءه».
قيل لأبي بكر بن عياش: ما رفع المئزر؟ قال: اعتزل
النساء.
773 - وعن عائشة: أنها قالت: يا رسول الله! أرأيت إن وافقت ليلة [القدر] ما أقول؟ قال: «[تقولين:] اللهم! إنك عفو تحب العفو فاعف عني». رواه الخمسة إلى أبا داود, وصححه الترمذي, ولفظه: قلت: يا رسول الله! إن علمت أي ليلة القدر؛ ما أقول؟ قال: قولي: (فذكره).
774 - ويحصل النصيب منها؛ لحديث أبي [ذر]؛ [فإنه] يقتضي أن قيامها يحصل بالقيام مع الإِمام.

775 - وعن مالك: أنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يقول: «من شهد العشاء
ليلة القدر؛ فقد أخذ بحظه».
776 - وعن الضحاك: «أنه قيل له: أرأيت النفساء والحائض والنائم والمسافر؛ هل لهم في ليلة القدر نصيب؟ قال: نعم؛ كل من تقبَّل الله عمله سيعطيه نصيبه من ليلة القدر لا يخيبه أبداً».
******
باب الاعتكاف

مسألة:
وهو لزوم مسجد لطاعة الله فيه.
جماع معنى الاعتكاف والاحتباس والوقوف والمقام.
يقال: عَكَفَ على الشيء يعكُف ويعكِف عُكوفاً, وربما قيل: عَكْفاً: إذا أقبل عليه مواظباً. ومنه قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعراف: آية 138]. وقوله سبحانه حكاية عن إبراهيم عليه السلام {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] وقوله أيضاً: {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء: 71].
فعداه باللام؛ لأن المعنى: أنتم لها عابدون ولها قانتو
ن.
777 - ومرَّ علي رضي الله عنه بقوم يلعبون بالشطرنج, فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟!
ويقال: فلان عاكف على فرج حرام
وعكف حول الشيء: استداروا.
وقال الطرماح:

فَبَاتَ بَنَاتُ الَّيْلِ حَوْليَ عًكّفا عُكُوفَ البَواكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ ثم صار هذا في لسان الشرع عند الإِطلاق مختصّاً بالعكوف لله وعليه في بيته:
كما قال تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187].
وقال تعالى: {طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: آية 125].
وقال في موضع آخر: {لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ} [الحج: آية 26].
ولم يذكر العكوف لمن, وعلى مَن؛ لأن عكوف المؤمن لا ي
كون إلا لله.
ويستعمل متعدياً أيضاً, فيقال: عكفه يعكفُه ويعكِفه عكُفاً: إذا حبسه ووقفه؛ كما قال تعالى: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: آية 25] , ويقال: ما عكفك عن كذا؟ أي: ما حبسك عنه, وعكف الجوهر في النظم.
والتاء في الاعتكاف تفيد ضرباً من المعالجة والمزاولة؛ لأن فيه كلفة؛ كما يقال: لست وألست, وعمل واعتمل, وقطع واقتطع.
وربما حسب بعضهم أنه مطاوع عكفه فاعتكف, كما يقال: انعكف عليه, وهو ضعيف.

ولما كان المرء لا يلزم ويواظب إلا من يحبه ويعظمه؛ كما كان المشركون يعكفون على أصناهم وتماثيلهم, ويعكف أهل الشهوات على شهواتهم؛ شرع الله سبحانه لأهل الإِيمان أن يعكفوا على ربهم سبحانه وتعالى.
وأخص البقاع بذكر اسمه سبحانه والعبادة له بيوته المبنية لذلك؛ فلذلك كان الاعتكاف ل
زوم المسجد لطاعة الله فيه.
ولو قيل: لعبادة الله فيه؛ كان أحسن؛ فإن الطاعة موافقة الأمر, وهذا يكون بما هو في الأصل عبادة؛ كالصلاة, وبما هو في الأصل غير عبادة, وإنما يصير عبادة بالنية؛ كالمباحات كلها؛ بخلاف العبادة؛ فإنها التذلل للإِله سبحانه وتعالى.
وأيضاً؛ فإن ما لم يؤمر به من العبادات, بل رغب فيه: هو عبادة, وإن لم يكن طاعة؛ لعدم الأمر.
ويسمى أيضاً الجوار والمجاورة.
778 - قالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصغي إليَّ رأسه وهو مجاور في المسجد, فأرج
له وأنا حائض». رواه البخاري.
لأنه قد جاور الله سبحانه بلزوم بيته ومكاناً واحداً لعبادته:
779 - كما في الحديث: يقول الله تعالى: أنا جليس مَن ذكرني».
ويسمى المقام بمكة مجاورة؛ لأنه مجاور بيت الله؛ كما يجاور الرجل بيت الرجل.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #45  
قديم 10-02-2023, 11:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,775
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام --- متجدد فى رمضان





شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 686الى صــ 695
(45)
المجلد الثانى
كتاب الصيام
(15)



مسألة:
وهو سنة لا يجب إلا بالنذ
ر.
في هذا فصلان:
أحدهما: أن الاعتكاف سنة وقربة بالكتاب والسنة والاِجماع: أما الكتاب:
فقوله تعالى: {طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: آية 125].
وقوله في الآية الأخرى: {وَالْقَائِمِينَ} [الحج: آية 26].

وقوله سبحانه: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِ
دِ} [البقرة: آية 178].
وأما السنة:780 - فروى ابن عمر؛ قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان».
781 - وعن عائشة؛ قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى, ثم اعتكف أزواجه من بعده». متفق عليهما.

782 - وقد تقدم حديث أبي سعيد: «أنه اعتكف هو وأصحابه العشر الأوسط والآخر».
وفي رواية: «اعتكف العشر الأول أيضاً».
783 - وكان يعتكف أزواجه معه.

وفاته الاعتكاف عاماً فاعتكف في العام القاب
ل عشرين.
وتركه مرة في رمضان فاعكتف العشر الأول من شوال.
وهذا كله يدل على محافظته صلى الله ع
ليه وسلم.
وأجمع المسلمون على أنه قربة وعمل صا
لح.
وأيضاً؛ ففيه من القرب والمكث في بيت الله, وحبس النفس على عبادة الله, وإخلاء القلب من الشواغل عن ذكر الله, والتخلي لأنواع العبادات المحضة من [التفكر] وذكر الله وقراءة القرآن والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار إلى غير ذلك من أنواع القرب.
784 - وقد روي عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المعتكف: «هو يعكف الذنوب, ويجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها». رواه ابن ماجه.

وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن المعتكف قد حبس الذنوب ووقفها, وامتنع منها؛ فلا تخلص إليه.
785 - كما قال: «الصوم جنة».
وقد تهيأ لجميع العبادات.

فإن قيل: هذا الحديث فيه فرقد السبخي, وقد تكلم فيه, ولهذا قال أبو داوود: قلت لأحمد: تعرف في فضل الاعتكاف شيئاً؟ قال: لا؛ إلا شيئاً ضعيفاً. وكذلك تقل أبو طالب.
قيل: فرقد السبخي رجل صالح, قد كتب الناس أحاديثه, وأحاديث الترغيب والترهيب يت
سامح في أسانيدها؛ كما قال أحمد: إذا جاء الترغيب والترهيب؛ سهلنا, إذا جاء الحلال والحرام؛ شددنا.
وقول أحمد: «إلا شيئاً ضعيفاً»: إشارة إلى أن إسناده ليس قويّاً, وهذا القدر قدر لا يمنع الاحتجاج به في الأحكام؛ فكيف في الفضائل.
786 - وقد روى إسحاق بن راهوية, عن أبي الدرداء؛ قال: «من اعتكف ليلة؛ كان له كأجر عمرة, و
من اعتكف ليلتين؛ كان له كأجر عمرتين. . .» ثم ذكر على قدر ذلك.
الفصل الثاني: أنه ليس بواجب في الشرع, بل يجب بالنذر, وهذا إجماع.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضاً؛ إلا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذراً, فيجب عليه.
وهذا لأن الله لم يوجبه ولا رسوله, وكان أكثر الناس لا يعتكفون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم, فلم يأمرهم به.

787 - بل قال لهم لما اعتكف العشر الأوسط: «إني أتيت, فقيل لي: إنها في العشر الأواخر؛ فمن أحب منكم أن يعتكف؛ فليعتكف».
وترك الاعتكاف مرة, وهو مقيم, ثم قضاه في شوال.

وأما وجوبه بالنذر:
788 - فلما روت عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعمه, ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصيه».
789 - وعن عمر: أنه قال: يا رسول الله! إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال: - «أوف بنذرك». متفق عليهما.
قال أبو بكر: ويستحب أن لا يدع أحد [الاعتكاف في العشر الأواخر] من شهر رمضان؛ لأن النبي
صلى الله عليه وسلم داوم عليه وقضاه لما فاته, وكل ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من السنن المؤكدة؛ كقيام الليل ونحوه.
وإذا شرع في الاعتكاف؛ ينوي مدة من الزمان؛ لم يلزم بالشروع عند أصحابنا.
ولو قطعه [مُدّة]؛ لم يلزمه قضاؤه؛ لأن من أصلنا المشهور: أنه لا يلزم بالشروع إلا الإِحرام, لكن يستحب له إتمامه, وأن يقضيه إذا قطعه.

وكذلك أيضاً لو كان له ورد من الاعتكاف, ففاته؛ استحب قضاؤه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان لما ضرب أزواجه الأخبية, ثم قضاه من شوال, ولم يأمر أزواجه بالقضاء؛ لأنه لم يكن من عادتهن, وإنما عزَمْنَ عليه ذلك العام, ولأن قضاءه غير واجب؛ ولأنهن لم يكن شرعْنَ فيه, وهو صلى الله عليه وسلم كان قد شرع فيه؛ لأن المسجد كله م
وضع للاعتكاف, وهو قد دخل المسجد حين صلى بالناس, فالظاهر أنه نوى الاعتكاف من حينئذ؛ لأنه لم يكن في نيته الخروج منه بعد ذلك.
790 - وعن أبي بن كعب رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان, فلم يعتكف عاماً, فلما كان العام المقبل؛ اعتكف عشرين ليلة». رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجه.
وفي لفظ: «سافر عاماً, فلما كان العام المقبل؛ اعتكف
عشرين».
791 - وعن أنس؛ قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان, فلم يعتكف عاماً, فلما كان في العام المقبل؛ اعتكف عشرين».
رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب.

ورواه أحمد, ولفظه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان مقيماً؛ اعتكف العشر الأواخر من رمضان, فإذا سافر؛ اعتكف من العام المقبل عشرين».
ويتخرج أن يلزم بالشروع قياساً على الرواية التي في الصوم والصلاة, لكن قد يفرق. . . .
فإن قيل: إذا كان له الخروج منه, ثم له أن يدخل فيه متى شاء؛ فما معنى قولهم: يحر
م على المعتكف كذا, ويجب عليه كذا؟!
قيل: له فوائد:
إحداها: أن المحرمات في الاعتكاف من المباشرة والخروج من المسجد لغير حاجة, و
إنما له أن يفعلها إذا نوى ترك الاعتكاف, فيكون قد فعله على وجه الترك للاعتكاف, فلا يكون حين فعله معتكفاً.
أما أن يستديم نية الاعتكاف ويفعل ذلك؛ فلا يحل له ذلك, بل يكون قد اتخذ آيات الله هزواً, ويكون بمنزلة الحائض إذا أمسكت تعتقد الصوم [صحيحاً] , وبمنزلة ما لو تكلم أو أحدث في الصلاة أو أكل في الصوم مع بقاء اعتقاد الصل
اة, وهذا لأن العبادة التي ليست واجبة, إذا أراد أن يفعلها؛ فإنه يجب أن يفعلها على الوجه المشروع, وليس له أن يُخل بأركانها وشروطها, وإنْ كان له تركها بالكلية, ولو لم يستدم النية ذكراً ولا نوى الخروج منه.
الثانية: انه إذا فعل ما ينافيه من خروج ومباشرة؛ انقطع الاعتكاف, فلو أراد أن يعود إليه؛ كان اعتكافاً ثانياً, يحتاج إلى تجديد نية, ولا يكفيه استصحاب حكم النية الأولى, حتى إنا إذا لم نجوز الاعتكاف أقل [من يوم] فاعتكف بعض يوم, ثم قطعه, ثم أراد أن يتمه باقي اليوم؛ لم يصح ذلك؛ كما لو أصبح صائماً فأكل, ثم أراد أن يتم الصوم.

الثالثة: أنه إذا نذر الاعتكاف معيناً أو مطلقاً؛ صارت هذه الأمور واجبة عليه, وحرم عليه ما ينافي الاعتكاف بكل حال؛ كما لو نذر صوماً معيناً أو مطلقاً أو صلاة مؤقتة أو مطلقة.
وإن لم ينو مدّة, لكن قال: أقعد ما بدا لي, أو إلى أن يكون كذا. . . .
وإذا أبطل الاعتكاف؛ لم يبطل ما مضى منه. قاله بعض أصحابنا.
وكذلك قال القاضي في التطوع, وهذا ينبني على أقل الاعتكاف. . . .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #46  
قديم 11-02-2023, 10:33 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,775
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام --- متجدد فى رمضان



شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 696الى صــ 705
(46)
المجلد الثانى
كتاب الصيام
(16)





* فصل:
ولا يصح الاعتكاف إلا من مسلم عاقل؛ لأن الكافر والمجنون ليسا من أهل العبادة.
فأما الصبي. . . .
* فصل:

قال أصحابنا: ليس للرقيق قِنّاً كان أو مدبراً أو أم ولد الاعتكاف بغير إذن السيد, ولا للزو
جة الاعتكاف بدون إذن الزوج؛ لأن منافع العبد والزوجة مستحقة للسيد والزوج, وفي الاعتكاف تعطيل منافعهم عليه, فإن أذن له في الاعتكاف؛ اعتكف ما شاء, ولم يخرج إلى الجمعة؛ لأنها غير واجبة على أحد منهم.

فإن أراد السيد أو الزوج منع من أذن له بعد الدخول فيه؛ فله ذلك؛ لأنه تطوع, والخروج منه جائز. هكذا قال أصحابنا.
ويتخرج على قولنا: إن التطوع يلزم بالشروع: أنه ليس أن يخرجهما منه. . . .
فإذا كان نذراً, وقد دخل فيه بإذنه؛ لم يكن له أن يخرجه منه؛ كما لو أذن له في الإِحرام والصيام والواجب, سواء كان معيناً أو مطلقاً. . . .
وإن دخل في النذر بغير إذنه, و [هو قد] كان نذره بإذنه, [وهو معين؛ لم يملك منعه,
وإن كان نذره بإذنه] , وهو غير معين؛ ففيه وجهان.
وإن لم يأذن في النذر؛ فقيل: له منعه منه وقطعه عليه؛ لأنه لا يملك تفويت حقه. وقيل:. . .
وأما المكاتب؛ فله أن يعتكف بدون إذن سيده؛ لأنه لا يستحق منافعه؛ كما له أن يحج في ال
منصوص عنه إذا لم يحل نجم في غيبته؛ لأنه بمنزلة المدين.
والمعتق بعضه ليس له أن يعتكف إلا أن يكون بينه وبين السيد [مهاياة] , فيعتكف في أيامه خاصة.
مسألة:
ويصح من المرأة في كل مسجد, ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تقام فيه الجماعة, واعت
كافه في مسجد تقام فيه الجمعة أفضل.
في هذا الكلام فصول:
الأول: أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد, ويصح في كل مسجد في الجملة, سواء ف
ي ذلك مساجد الأنبياء, وهي المساجد الثلاثة أو غيرها؛ لأن الله تعالى قال: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: آية 187].
فلم ينه عن المباشرة إلا من عكف في المسجد, وتخصيصه بالذكر يقتضي أن ما عداه بخلافه, وتبقى مباشرة العاكف في غير المسجد على الإِباحة.

وإذا لم يكن العاكف في غير المسجد منهيّاً عن المباشرة؛ علم أنه ليس باعتكاف شرعي؛ لأنا لا نعني بالاعتكاف الشرعي إلا ما تحرم معه المباشرة؛ كما أنا لا نعني بالصوم الشرعي إلا ما حرم فيه الكل والشرب, ولأن كل معتك
ف تحرم عليه المباشرة؛ فلو كان المقيم في غير المسجد معتكفاً؛ لحرمت عليه المباشرة كغيره.
فإن قيل: فقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}: دليل على أنه قد يكون عاكفاً في غير المسجد؛ لأن التقييد بالصفة [بما لولا هو] لدخل في المطلق.
قلنا: لا ريب أن كل مقيم في مكان ملازم له فهو عاكف كما تقدم, لكن الكلام في النوع الذي شرعه الله ت
عالى؛ كما أن كل ممسك يسمى صائماً, وكل قاصد يسمى متيمماً, ثم لما أمر الله تعالى بتيمم الصعيد وأمر بالإِمساك عن المفطرات؛ صار ذلك هو النوع المشروع.
على أن الصفة قد تكون للتبيين والإِيضاح؛ كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [المؤمنون: آية 117] , وقوله: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: آية 61] , ونحو ذلك.

فإن قيل: فلو لزم الإِنسان بقعة, يعبد الله تعالى فيها خالياً من الناس أو غير خال, مثل كهف أو غار أو بيت أو شعب؛ فهل يشرع ذلك ويستحب؟. . . .
قيل: أما إذا قصد مكاناً خالياً. . . .
وإنما جاز في كل مسجد؛ لأن الله سبحانه عمَّ المساجد بالذكر, ولم يخص مسجداً دون مسجد, وهو اسم جمع, معرف باللام, والمباشرة نكرة في سياق النفي, فيكون معنى الكلام: لا تفعلوا شيئاً من المباشرة وأنتم عاكفون في
مسجد من المساجد.
وله أن يلزم بقعة بعينه لاعتكافه, وإن كره ذلك لغيره؛ لأن الاعتكاف عبادة واحدة؛ فلزوم المكان لأجلها كلزومه لصلاة واحدة وإقراء قرآن في وقت ونحو ذلك, وقيامه منه لحاجة لا تسقط حقه منه؛ لأن مَن قام
من مجلس [ثم] عاد إليه؛ فهو أحق به.
وأصل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في موضع بعينه من المسجد.
792 - قال نافع: «قد [أراني] ابن العمر الموضع الذي كان يعتكف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد». رواه مسلم.
الفصل الثاني: أن المسجد هو المكان المبني للصلوات الخمس, وبيت قناديله وسطحه منه, وحوائطه, والمنارة المبنية في حيطانه أو داخله.
فلو اعتكف فيها أو صعد عليها؛ جاز عند أصحابن
ا.
قال أصحابنا: ويستحب الأذان لكل أحد, ونحن للمعتكف أشد استحباباً, وإن كانت متصلة بحائط المسجد, وهي خارجة عن سمت حائط المسجد؛ فهي منه كالمحرا
ب.
قال القاضي: كلها منه منفصلة أو متصلة. . . .
وإن كانت المنارة خارج المسجد وخارج رحبته, فخرج المعتكف للتأذين فيها؛ ففيه وجهان:
أحدهما: لا يبطل؛ لأنها مبنية للمسجد, فأشبهت المتصلة به.
والثاني: يبطل.

قال ابن عقيل: وهو الشبه؛ لأنها ليست من المسجد.
وأما الرحبة: ففيها روايتان:
إحداهما: هي من المسجد.
قال في رواية المروذي: يخرج المعتكف إلى الرحبة, هي من المسجد.
والثانية: ليست منه.

قال في رواية ابن الحكم: إذا سمع أذان العصر في رحبة المسجد الجامع؛ انصرف ولم يصل, ليس هو بمنزلة المسجد, حدّ المسجد هو الذي جعل عليه حائط وباب.
793 - وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المعتكف
ات إذا حضن أن يقمن في رحاب المسجد.
قال القاضي: إن كانت محوطة عن الطريق, وعليها أبواب؛ فهي تابعة للمسجد.
وإن كانت [مشروعة] عن الطريق وغير محازة؛ مثل: رحاب جامع المنصور, ورحاب جامع دمشق؛ فحكمها حكم الطريق, لا يجوز الخروج إليها لغير حاجة.

فإن قلنا: الرحبة من المسجد؛ فكذلك المنارة التي فيها.
وإن قلنا: ليست هي منه؛ ففي الخروج إلى المنارة التي فيها وجهان.
الفصل الثالث: أمنه لا يصح اعتكاف الرجل إلا في مسجد تقام فيه الصلوات الخمس جماعة, سواء كانت الجماعة تتم بدون المعتكف أو لا تتم إلا به, حتى لو اعتكف رجلان في مسجد, فأقاما به الجماعة؛ جاز.
فإن رجا أن يجمع فيه, وغلب على ظنه ذلك, مثل إن نوى أن يؤذن فيه, فيجيء من يصلي معه؛ صار مسجد جماعة.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #47  
قديم 12-02-2023, 05:22 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,775
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام --- متجدد فى رمضان






شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 706الى صــ 715
(47)
المجلد الثانى
كتاب الصيام
(17)



فإن غلب على ظنه أن لا يصلي معه أحد؛ لم يصح الاعتكاف؛ لأن الاعتكاف لا يكون إلا بالعزم على المقام في المسجد, والعزم يتبع الاعتقاد, فإذا اعتقد حصول الصلاة فيه؛ عزم على العكوف فيه, وإلا؛ فلا.
فإن اختلت الجماعة فيه بعض الأوقات. . . .

794 - وذلك لما روي عن أبي وائل شقيق بن سلمة؛ قال: قال حذيفة لعبد الله بن مسعود: إن قوماً عكوفاً بين دارك ودار الشعري؛ فلا تغير! وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة (أو قال: في مسجد جماعة»). فقال عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأت, وحفظوا ونسيت. رواه سعيد بإسناد جيد.
795 - وعن جويبر, عن الضحاك, عن حذيفة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله ص
لى الله عليه وسلم: «كل مسجد له مؤذن وإمام؛ فالاعتكاف فيه يصلح». رواه سعيد والنجاد والدارقطني وقال: الضحاك لم يسمع من حذيفة.

796 - وقد رواه حرب, عن الضحاك, عن النزال بن سبرة؛ قال: أقبل ابن مسعود وحذيفة من النجف, وأشرفوا على مسجد الكوفة؛ فإذا خيام مبنية, فقالوا: ما هذا؟ قالوا: أناس عكفوا. فقال ابن مسعود: لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام. فقال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مسجد له إمام مؤذن؛ فإنه يعتكف فيه».
فإن قيل: جويبر ضعيف متروك, ويدل على ضعف الحديث أن مذهب حذيفة أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة؛ بدليل:

797 - ما روي عن إبراهيم؛ قال: «دخل حذيفة مسجد الكوفة, فإذا هو بأبنية مضروبة, فسأل عنها, فقيل: قوم يعتكفون, فانطلق إلى ابن مسعود, فقال: ألا تعجب من قوم يزعمون أنهم معتكفون بين دارك ودار الأشعري. فقال عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأت, وحفظوا ونسيت. فقال حذيفة: لقد علمت [أنه لا اعتكاف] إلا في ثلاثة مساجد:
المسجد الحرام, ومسجد الأقصى, ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم».
قلنا: قد روى هذا الحديث عن جويبر رجال من كبار أهل العلم, مثل هشيم وإسحاق والأزرق, وقد تابعه على نحو من معناه أبو وائل عن حذيفة, وهو معضود بآثار الصحابة, والرواية الأخرى عن حذيفة مرسلة.
وأيضاً؛ فإنه إجماع الصحابة.

798 - روى النجاد عن علي رضي الله عنه؛ قال: «لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة».
799 - وعن ابن عباس؛ قال: «لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة».
800 - وعن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: «لا اعتكاف إلا في م
سجد جماعة».
801 - وروى حرب, عن جابر بن زيد, عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: «كل مسجد تقام فيه الصلاة فيه اعتكاف».
802 - وقد روى أبو داوود وغيره حديث عائشة؛ قالت: «من السنة لا اعتكاف إلا في مسجد جامع».

803 - وعن الزهري؛ قال: «مضت السنة أن لا يكون اعتكاف إلا في مسجد جماعة, مسجد يجمع فيه الجمعة». رواه النجاد.
804 - وفي لفظ للدارقطني: «من السنة لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة».

وقال غير عبد الرحمن بن إسحاق: لا يقول فيه: «قالت: السنة» , جعله قول عائشة.
وهذا قول عامة التابعين, ولم ينقل عن صحابي خلافه؛ إلا قول من خص الاعتكاف بالمساجد الثلاثة وبمسجد نبي.
فقد أجمعوا كلهم على أنه لا يكون في مسجد لا جماعة فيه.
وأيضاً؛ المسجد موضع السجود ومحله, وهذا الاسم إنما يتم له ويكمل إذا كان معموراً بالسجود وبالصلا
ة فيه, أما إذا كان خراباً معطلاً عن إقام الصلاة فيه؛ فلم يتم حقيقة المسجد له, وإنما يسمى مسجداً بمعنى أنه مهيأ للسجود معدٌّ له؛ كما قد تسمى الدار الخالية مسكناً ومنزلاً, ويُصان مما تُصان منه المساجد؛ لأنه مسجد, وإن لم يتم المقصود فيه.
وبهذا يعلم أن قوله: {عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}: إنما يفهم منه المواضع التي فيها الصلاة والسجود.

وأيضاً؛ فإن الصلوات الخمس في الجماعة واجبة كما تقدم بيانه؛ فلو جاز الاعتكاف في مسجد مهجور معطل؛ للزم: إما ترك الجماعة, وذلك غير جائز, وإما تكرار الخروج في اليوم والليلة لما عنه مندوحه, وذلك غير جائز؛ لأن الاعت
كاف هو لزوم المسجد, وأن لا يخرج منه إلا لما لا بد منه. . . .
وأيضاً؛ فلو لم تكن الجماعة واجبة؛ فإنها من أعظم العبادات, وهي أوكد من مجرد الاعتكاف الخالي عنها بلا ريب, والمداومة على تركها مكروهة كراهة شديدة؛ فلو كان العكوف الخالي عنها مشروعاً؛ لكان قد شرع التقرب إلى الله تعالى
بما ينهى فيه عن الجماعة, بل يحرم فعلها معه؛ إذ الخروج من المعتكف لا يجوز, وهذا غير جائز. . . .
فأما اعتكاف لا يتضمن وجوب جماعة, مثل أن يكون زمنه يسيراً, لا يحضر فيه صلاة مكتوبة:

فقال ابن عقيل وغيره: يصح في كل مسجد؛ إذ لا محذور فيه؛ فإنما اشترطنا مسجداً تقام فيه الجماعة لأجل وجوبها, وهذا إذا صححنا اعتكاف بعض يوم على المشهور من المذهب, وكذلك من لا يمكنه شهود الجماعة؛ لكونه في موضع لا تقام
فيه الجماعة.
وأما من يمكنه حضور الجماعة ولا يجب عليه كالمريض وغيره من المعذورين والعبد؛ ففيه وجهان:
أحدهما يصح اعتكافه في كل مسجد؛ لأن الجماعة لا تجب عليه.
والثاني: لا يصح إلا في مسجد الجماعة؛ لأنه من أهل الوجوب, فإذا تكلف الاعتكاف في مسجد؛ وجب أن يكون مسجد الجماعة.

وإذا تكلف حضور محلها؛ وجبت عليه كما تجب عليه الجمعة إذا حضر المسجد؛ لأن المسقط للحضور قد التزمه كما
يجب عليه إذا حضرها.
ولأن من التزم التطوعات لا يصح أن يفعلها إلا بشروطها؛ كالصوم والصلاة.
فعلى هذا: إن أقيمت فيه بعض الصلوات, فاعتكف في وقت تلك الصلاة. . . .

الفصل الرابع: أن المرأة لا يصح اعتكافها إلا في المسجد المتخذ للصلوات الذي يحرم مقام الجنب فيه وتناله أحكام المساجد.

فأما مسجد بيتها - وهو مكان من البيت يتخذه الرجل أو المرأة للصلاة فيه مع بقاء حكم الملك عليه-؛ فلا يصح الاعتكاف فيه عند أصحابنا.

قال أحمد في رواية أبي داود وقد سئل عن المرأة تعتكف في بيتها: فذكر النساء يعتكفن في المساجد, ويضرب لهن فيه الخيم, وقد ذهب هذا من الناس.
لأن هذا ليس مسجداً, ولا يسمى في الشرع مسجداً؛ بدليل جواز مكث الحائض فيه, والاعتكاف يكون في المساجد.
805 - ولأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اعتكفن في المسجد بعده كما تق
دم.
806 - وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف؛ صلى الفجر, ثم دخل معتكفه, وأنه أمر بخبائه فضرب, ثم أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان, فأمرت زينب بخبائها, وأمرت غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخباء فضرب, فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر؛ نظر؛ فإذا الأخبية, فقال: «ألبر تردن؟». فأمر بخبائه فقُوِّض, وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العش
ر [الأول] من شوال. رواه الجماعة.
وفي رواية للبخاري وغيره عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان, فاستأذنته عائشة فأذن لها, وسألت حفصة عائشة ـن تستأذن لها ففعلت, فلما رأت ذلك زينب؛ أمرت ببناء فبني لها؛ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى؛ انصرف إلى بنائه, فبصر الأبنية, فقال: «ما
هذا؟». قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آلبر أردن بهذا؟! ما أنا بمعتكف». فرجع, فلما أفطر؛ اعتكف عشراً من شوال.
فهذا نص مفسر في أنه أذن لعائشة وحفصة أن يعتكفا في المسجد, وذلك دليل على أنه مشروع حسن, ولو كان اعتكافهن في غير المسجد العام ممكناً؛ لاستغنين بذلك عن ضرب الأخبية في المسجد كما استغنين
بالصلاة في بيوتهن عن الجماعة في المساجد, ولأمرهن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
807 - كما قال في الصلاة: «وبيوتهن خير لهن».

لا سيما وقد خاف أن يكون قد دخلهن في ذلك شيء من المنافسة والغيرة حين تشبه بعضهن ببعض, واعتكفن معه, حتى ترك الاعتكاف من أجل ذلك, وقد كان يمكنه أن يقول: الاعتكاف في البيت يغنيكن عن الاعتكاف في المسجد.
808 - كما قال لعائشة: «صلي في الحجر فإنه من البيت».
وكان مما يحصل به مقصوده ومقصود من أرادت الاعتكاف منهن, وتقوم به الحجة على من لم يرده.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #48  
قديم 13-02-2023, 11:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,775
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام --- متجدد فى رمضان





شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 716الى صــ 725
(48)
المجلد الثانى
كتاب الصيام
(18)






809 - وأيضاً؛ فما روت عائشة قالت: «اعتكف مع النبي صلى الله عليه وسلم بعض أزواجه, وكانت ترى الدم والسفرة والطست تحتها وهي تصلي». رواه البخاري وغيره.

810 - [و] عن كثير مولى [ابن] سمرة أن امرأة أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أريد أن أعتكف العشر الأواخر وأنا أستحاض؛ فما ترى؟ قال: «ادخلي المسجد, واقعدي في طست, فإذا امتلأ؛ فليهراق عنك». رواه النجاد.
فقد مكَّن النبي صلى الله عليه وسلم امرأته أن تعتكف في المسجد وهي مستحاضة, وهي لا تفعل ذلك إلا بأمره, وأمر ال
تي سألته أن تدخل المسجد, والأمر يقتضي الوجوب, ولو كان الاعتكاف في البيت جائزاً؛ لما أمرها بالمسجد, ولأمرها بالبيت؛ فإنه أسهل وأيسر وأبعد عن تلويث المسجد بالنجاسة وعن مشقة جمل الطست ونقله.


811 - وهو صلى الله عليه وسلم لم يخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.
فعلم أن الجلوس في غير المسجد ليس باعتكاف.

812 - وأيضا؛ ما روى قتادة, عن أبي حسان وجابر بن زيد: «أن ابن عباس سئل عن امرأة جعلت عليها أن تعتكف في مسجد نفسها في بيتها؟ فقال: بدعة, وأبغض الأعمال إلى الله تعالى البدع, لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة». رواه حرب.
مع ما تقدم من غيره من الصحابة؛ فإنهم لم يفرقوا بين الرجال والنساء, وعائشة منهم, ومعلوم أنها لا تهمل ش
أن اعتكافها, ولم يعرف عن صحابي خلافه, لا سيما والصحابي إذا قال: بدعة؛ علم أنه غير مشروع؛ كما أنه إذا قال: سنة؛ علم أنه مشروع.
فعلى هذا يجوز اعتكافها في كل مسجد, سواء أقيمت فيه الجماعة أو لم تقم.
هكذا ذكر كثير من أصحابنا, منهم القاضي في «المجرد» وأبو الخطاب وابن عقيل وعامة المتأخرين؛ لأن الجماعة
ليست واجبة عليها, فسيَّان في حقها مسجد جماعة وغيره.
813 - وقد روى ابن أبي مليكة؛ قال: اعتكفت عائشة بين حراء وثيبر, فكنا نأتيها هناك وعبداً لها يؤمها». رواه حرب.
وليس هناك مسجد تقام فيه الجماعة.

وقال القاضي في «خلافه»: كل موضع لا يصح اعتكاف الرجل فيه لا يصح اعتكاف المرأة فيه.
وكذلك الخرقي وابن أبي موسى وغيرهما اشترطوا للاعتكاف مسجداً يجمع فيه, ولم يفرقوا بين الرجل
والمرأة.
وقال أحمد في رواية ابن منصور: الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الصلاة, ولم يفرق. . . .
وهذا ظاهر ما تقدم ذكره عن الصحابة؛ فإنهم لم يفرقوا, لا سيما حديث ابن عباس؛ فإنه سئل عن اعتكاف المرأة؟ فقال: «لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة» , وحديث عائشة أيضاً؛ فإن اعتكاف النساء لا بد أن يدخل في عموم كلامهما
.
وأما اعتكافها في مسجد حراء؛ فقد كان يؤمها فيه عبدها, وهذا يؤيد أنه لا بد في الاعتكاف من مسجد جماعة.
وأيضاً؛ فإن المقصود من المسجد إقامة الصلاة فيه؛ فاعتكافها في مسجد لا جماعة فيه كاعتكافها في بيتها, والجماعة إن لم تك
ن واجبة عليها في الأصل, لكن إذا أرادت الاعتكاف, فجاز أن يجب عليها ما لم يكن واجباً قبل ذلك؛ كما لو أرادت الجمعة والجماعة؛ وجب عليها ما يجب على المأموم, وإن لم يجب بدون ذلك.
وإذا كان الاعتكاف يوجب الاحتباس في المسجد, مع أنه غير مقصود لنفسه, بل لغيره؛ فلأن يوجب الجماعة التي [هي] أفضل العبادات الأولى, ولأن ذلك لو لم يكن واجباً. . . .

ولا يكره الاعتكاف للعجوز التي لا يكره لها شهود الجمعة والجماعة.
وهل يكره للشابة؟
المنصوص عنه الرخصة مطلقاً.

قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل النساء: يعتكفن؟ قال: نعم؛ قد اعتكف النساء.
فعمَّ, ولم يخص الشابة من غيرها, وقد تقدم نحو ذلك في رواية أبي داو
ود.
وقال القاضي: قياس قوله أنه يكره للشابة؛ لأنه قد نص على ذلك في خروجها لصلاة العيدين, وأنه مكروه.
وهذا اختيار القاضي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بنقض قباب أزواجه لما أردن الاعتكاف معه.
814 - وقالت عائشة رضي الله عنها: لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء؛ لمنعهن كما
منعت نساء بني إسرائيل.
ولأنه خروج من البيت لغير حاجة, فكره للشابة؛ كالخروج للجمعة والجماعة.
قال القاضي: وكذلك يكره لها الطواف نهاراً.

والصحيح المنصوص. . . .
لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة وحفصة أن يعتكفا معه, وكانتا شابتين.
815 - وقد اعتكف معه امرأة من أزواجه كانت ترى الدم, وقد جاء مفسراً أنها أم سلمة رضي الله ع
نها, ولم تكن عجوزاً.
وإنما أمرهن بتقويض الأبنية لما خافه عليهن من المنافسة والغيرة, ولهذا
قال: «آلبر يردن؟».
ولأن مريم عليها السلام قد اخبر الله سبحانه أنها جعلت محررة له, وكانت مقيمة في المسجد الأقصى في المحراب, وأنها انتبذت من أهلها مكاناً شرقيّاً, فاتخذت من دونهم حجاباً, وهذا اعتكاف في المسجد واحتجاب فيه, وشرع ما قبلنا شرع لنا, ما لم يرد شرعنا بنسخه, ولأن هذه العبادة لا تفعل إلا في المسجد, فلو كرهت لها؛ للزم تفويتها بالكلية, ونحن لا ننهى عن العبادة بالكلية؛ لجواز أن يفتتن بها إنسان, مع أن الظاهر خلافه.

ولهذا لا يكره لها الخروج لمصلحة متعينة من عيادة أهلها ونحو ذلك؛ بخلاف خروجها في الجنائز؛ فإنه لا فائدة فيه, وفيه مفاسد ظاهرة.
ولهذا لا يكره لها حج النافلة, بل هو جهادها, مع أن خوف الفتنة به أشد ما لم يكن فعله إلا كذلك.

وأما خروجها للجمعة والجماعة إن سلم؛ فلها مندوحة عن ذلك بأن تصلي في بيتها, وكذلك الطواف إن سلم؛ فإن لها في الطواف بالليل مندوحة عن النهار.
فعلى هذا لا يستحب الاعتكاف للنساء, ولا يكون الأولى بتركه, بل الأولى فعله, إذا لم يك
ن فيه مفسدة.
كما قال في رواية أبي داوود, وذكر النساء يعتكفن في المسجد ويضرب لهن فيه الخيم: وقد ذهب هذا من الناس, ويستحب لها أن تستتر من الرجال بخباء ونحوه.

نص عليه اقتداء بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ونساء السلف كما ذكره أحمد, ولأن المسجد يحضره الرجال, والأفضل للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهم الرجال.

ويضرب الخباء في موضع لا يصلي فيه الرجال؛ لئلا تقطع صفوفهم وتضيق عليهم.
ولا بأس أن يستتر الرجل أيضاً, بل هو أفضل.
816 - فإن عائشة؛ قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف؛ صلى الصبح, ثم دخل معتكفه, وإنه أمر بخباء فضرب».
وفي لفظ للبخاري: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان, فكنت أضرب له خباء, فيصلي الصبح, ثم يدخله».



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #49  
قديم 14-02-2023, 05:07 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,775
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام --- متجدد فى رمضان





شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 726الى صــ 735
(49)
المجلد الثانى
كتاب الصيام
(19)




817 - وعن أبي سعيد: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان, ثم اعتكف العشر الأوسط, في قبة تركية, على سدتها حصير». قال: «فأخذ الحصير بيده, فنحاها في ناحية القبة, ثم أطلع رأسه, فكلم الناس, فدنوا منه». رواه مسلم بهذا اللفظ, وهو في «الصحيحين» , قد تقدم.

وقد تقدم في الصلاة: أنه اتخذ حجرة من حصير في رمضان, فصلى فيها ليالي, فصلى بصلاته ناس.
وينبغي أن يكون استتار المعتكف مستحبّاً؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم, وليجمع له فضل الصلاة في المسجد, وفضل إخفاء العمل, وليجمع عليه قلبه بذلك, فلا يشتغل برؤية الناس وسماع كلامهم, ولينقطع الناس عنه فلا يجالسونه ويخاطبونه.

الفصل الخامس: أن الاعتكاف في المسجد الجامع الذي تقام فيه الجمعة والجماعة أفضل؛ لأنه إذا اعتكف في غيره؛ لم يجز له ترك الجمعة, فيجب عليه الخروج من معتكفه, وقد كان يمكنه الاحتراز عن هذا الخروج بالاعتكاف في المسجد الأعظم, و
هذا إنما يكون في اعتكاف تتخلله جمعة.
فأما إن لم تتخلله جمعة؛ فإن اعتكف في غير مسجد الجمعة, وخرج للجمعة؛ جاز؛ لما تقدم من
الحديث المرفوع وأقاويل الصحابة: أن الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الجماعة, لا سيما والاعتكاف الغالب إنما يكون في العشر الأواخر من رمضان, ولا بد أن يكون فيها جمعة.
818 - وقد روي ذلك صريحاً عن علي رضي الله عنه؛ قال: «إذا اعتكف الرجل؛ فليشهد الجمعة, وليحضر الجنازة, وليعد المريض, وليأت أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم». رواه سعيد.

ولم يستثنوا ذلك.
فأما قول الزهري المتقدم؛ فليس هو متصلاً, وهو من صغار التابعين, ويشبه أن يكون م
حمولاً على الاستحباب.
وأيضاً؛ فإن الخروج للجمعة خروج لحاجة لا تتكرر, فلم يقطع الاعتكاف؛ كالخروج
للحيض.
وأيضاً؛ فإن من أصلنا أن قطع التتابع في الصيام والاعتكاف لعذر لا يمنع البناء, وإن أمكن الاحتراز منه؛ كما سنذكر إن شاء الله تعالى.
وأيضاً؛ فإن اعتكاف العشر الأواخر سنة, وتكليف الناس يعتكفوا في المسجد الأعظم فيه مشقة عظيمة, وربما لم يتهيأ ذلك لكثير من الناس, فعفي عن الخروج للجمعة كما عفي عن الخروج لحاجة الإِنسان.

وأيضاً؛ فإن من أصلنا أنه يجوز له اشتراط الخروج لما له منه بد؛ فالخروج الذي يقع مستثنى بالشرع أولى وأحرى, سواء كان الاعتكاف واجباً أو مستحبّاً تطوعاً, وسواء كان نذراً متتابعاً أو نذراً مطلقاً, وسواء كان الاعتكاف قليلاً يمكن فعله في غير يوم الج
معة أو لا بد من تخلل يوم الجمعة له.
وركن الاعتكاف شيئان:
أحدهما: لزوم المسجد, فلو خرج منه لغير حاجة؛ بطل اعتكافه؛ كما نبين إن شاء الله تعالى.
الثاني: النية؛ فلا يصح الاعتكاف حتى يقصد لزوم المسجد لعبادة الله, فلو لزم المسجد من غير قصد؛ لم يكن معتكفاً؛ ولو قصد القعود فيه
لعبادة يعملها؛ كصلاة مكتوبة, أو تعلم علم أو تعليمه.
[و] إذا قطع النية بأن نوى ترك الاعتكاف؛ بطل في قياس قول أصحابنا؛ كما قلنا في الصوم والصلاة والطواف ونحوها.
ويتخرج على قول ابن حامد.
فأما الصوم؛ فإن السنة للمعتكف أن يكون صائماً؛ لأن الله سبحانه ذكر آية الاعتكاف في ضمن آية
الصوم, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الاعتكاف بفعله, وإنما كان يعتكف في شهر رمضان وهو صائم.
وقد أجمع الناس على استحباب الصوم للمعتكف, ولأن الصوم أعون له على كف النفس على الفضول؛ فإنه مفتاح العبادة, فيجتمع له حبس النفس عن الخروج, وحبسها عن الشهوات, فيتم مقصود الاعتكاف.
فإن اعتكف بدون الصوم؛ فهل يصح؟ على روايتين:

إحداهما: لا يصح.
819 - لما روى عبد الرحمن بن إسحاق, عن الزهري, عن عروة, عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً, ولا يشهد جنازة, ولا يمس امرأة, ولا يباشرها, ولا يخرج لحاجة؛ إلا لما لا بد منه, ولا اعتكاف إلا بصوم, ولا اعتكاف
إلا في مسجد جامع». رواه أبو داوود, وقال: غير ابن إسحاق, لا يقول فيه: قالت: السنة. جعله قول عائشة.
820 - ورواه الدارقطني من حديث ابن جريج, عن ابن شهاب, عن سعيد وعروة, عن عائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان, وأن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإِنسان, ولا يتبع جنازة, ولا يعود مريضاً, ولا يمس امرأة, ولا يباشرها, ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة, ويأمر من اعتكف أن يصوم».

وقال الدارقطني: يقال: إن قوله: «إن السنة للمعتكف. . .» إلى آخره: ليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنه من كلام الزهري, ومَنْ أدرجه في الحديث فقد وهم.
821 - 823 - وعن ابن عمر وابن عباس وعائشة: أنهم قالوا: «لا اعتكاف إلا بصوم». رواه سعيد.

ولأن الاعتكاف لبث في مكان مخصوص, فلم يكن قربة, حتى ينضم إليه قربة أخرى؛ كالوقوف بعرفة ومزدلفة, لا يكون قربة حتى ينضم إليه الإِحرام, ولأن المعتكف ممنوع مما يمنع منه الصائم من القبلة ونحوها؛ فلأن يمنع مما منعه الصائم ك
الأكل والشرب أولى.
فعلى هذه الرواية: لا يصح إفراده بالزمان الذي لا يصح صومه؛ كليلة مفردة, ويوم العيد, وأيام التشريق.
ولو نذر اعتكافاً؛ لزمه الصوم.
فأما إن اعتكف يوم العيد ويوماً آخر معه؛ فإنه يصح على ظاهر ما قالو
ه.
وهل يصح اعتكاف بعض يوم أو ليلة وبعض يوم إذا صام اليوم كله؟ فيه وجهان:
أحدهما": لا يجزيه. قاله القاضي في «المجرد» وأبو الخطاب في «الهداية».
والثاني: يجزيه.

ولو نذر على هذا أن يعتكف, ولم يسم شيئاً؛ لزمه أن يصوم مع اعتكافه.
وهل يجزيه صوم يوم أو بعض يوم؟. . . .
وإن اعتكف تطوعاً:

فقال في رواية حنبل, وقد سئل عن الاعتكاف في غير شهر رمضان؟ فقال: لا يكون إلا في شهر رمضان؛ إلا النذر, فإن كان نذراً؛ فلا بأس, وإنما الاعتكاف في شهر رمضان؛ لأنه لا اعتكاف إلا بصوم.

وظاهره أنه لا اعتكاف إلا بصوم واجب, وربما يكون وجهه أن الاعتكاف يلزم بالشروع, وصوم التطوع لا يلزم بالشروع, فإذا اعتكف في غير رمضان صائماً متطوعاً؛ كان مخيراً في ترك الصوم دون الاعتكاف.
ويحتمل أن يكون كلامه يُخَرَّج على عادة الناس. . . .
وقال القاضي: إذا قلنا: من شرطه الصوم؛ فلا بد أن يكون صائماً في الجملة تطوعاً أو رمضا
ن أو قضاء رمضان أو نذراً. . . .
والرواية الثانية: يصح بغير صوم, والاستحباب له أن يصوم. وهذا اختيار أصحابنا؛ لأن الله سبحانه قال: {طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ} [البقرة: آية 125] , وقال تعالى في موضع: وَالْقَائِمِينَ} [الحج: آية 26].
فعلم أن المقام في بيت الله هو العكوف فيه من غير شرط, وأنه عبادة بنفسه؛ كما كان الطواف والركوع والسجود عبادة بنفسه.
ولأن العكوف في اللغة: الإِقبال على الشيء على وجه المواظبة, وهذا يحصل من الصائم والمفطر, وهو لفظ معروف, ولا إجمال فيه.
ولأن العاكفين على الأصنام ولَهاً سمُّوا بذلك بمجرد احتباسهم عليها, وإن لم يصوموا؛ فالمحتبس لله في بيته عاكف له, وإن لم يكن صائماً.
ولأن الله سبحانه أطلق قوله: {عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] , ولم يخصص به صائماً من غيره.

نعم؛ لما أباح المباشرة للصائم بالليل, وقد يكون معتكفاً؛ نهاه أن يباشر في حال عكوفه؛ ليتبين أن كل واحد من الصوم والعكوف [مانع] من المباشرة.
824 - وأيضاً؛ ما روى ابن عمر: أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. قال: «فأوف بنذرك». رواه الجماعة إلا أبا داود.

825 - وفي لفظ للبخاري: «أوف بنذرك, اعتكف ليلة». فاعتكف ليلة.
ولو كان الصوم شرطاً في صحته؛ لما جاز اعتكاف ليلة؛ لأن الليل لا صوم فيه. . . .
فإن قيل: معنى الحديث: نذرت أن أعتكف ليلة بيومها؛ فإن العرب تذكر الليالي وتدخل الأيام فيها تبعاً:

بدليل ما روي عن ابن عمر عن عمر: أنه جعل على نفسه يوماً يعتكفه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوف بنذرك».
وفي رواية في الصحيح لهما أو لأحدهما: أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة, بعد أن رجع من الطائف, فقال: يا رسول الله! إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوماً في المسجد الحرام؛ فكيف ترى؟ قال: «اذهب؛فاعتكف يوماً». رواه مسلم.
قال: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه جارية من الخمس, فلما أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا الناس. فقال عمر: يا عبد الله! اذهب إلى تلك الجارية فخل سبيلها».


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #50  
قديم 15-02-2023, 10:49 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 137,775
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام --- متجدد فى رمضان



شرح العمدة لابن تيمية كتاب الصيام
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 736الى صــ 745
(50)
المجلد الثانى
كتاب الصيام
(20)


826 - وأيضاً؛ عن عبد الله بن بديل, عن عمرو بن دينار, عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يومها عند الكعبة, فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «اعتكف وصم». قال: فبينما هو معتك
ف؛ إذ كبر الناس, فقال: ما هذا يا عبد الله؟ قال: سبي هوزان, أعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال. وتلك الجارية فأرسلها معهم. رواه أبو داوود.
فهذا نص في أنه أمره بالصيام, ودليل على أن الاعتكاف كان نهاراً؛ لأن تكبير الناس وانتشار
هم في أمورهم وظهور عتق السبي إنما كان بالنهار.
قال عبد الله بن عمر: بعثت بجاريتي إلى أخوالي في بني جمح ليصلحوا لي منها, حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم إذا فرغت, فخرجت من


المسجد, فإذا الناس يشتدون, فقلت: ما شأنكم؟ فقالوا: رد علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءنا وأبناءنا. فقلت: دونكم صاحبتكم؛ فهي في بني جمح. فانطلقوا فأخذوها.

827 - وأيضاً؛ فقد روى إسحاق بن راهوية عن ابن عمر: أنه قال: «لا اعتكاف أقل من يوم وليلة».
827 - وقد روى عن سعيد: أنه قال: «لا اعتكاف إلا بصوم».

فلو كان يروى عن عمر أنه اعتكف ليلة مفردة؛ لما قال هذا ولا هذا.
فقد أجاب أصحابنا عن الأول:
بجواز أن يكونا واقعتين.
وبجواز أن يكون عنى باليوم والليلة؛ لأن رواية البخاري صريحة بأنه اعتكف ليلة, وأما الرواية الأخرى؛ فق
ال الدارقطني: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر؛ لأن الثقات من أصحاب عمرو ن دينار لم يذكروه, منهم: ابن جريج, وابن عيينة, وحماد بن سلمة, وحماد بن زيد, وابن بديل ضعيف.
829 - وأيضاً؛ تقدم في حديث عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان, فتركه, واعتكف في العشر الأول من شوال».

وفي لفظ: «فلما أفطر؛ اعتكف عشراً من شوال».
وفي لفظ: «فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال».
رواهن البخاري.

فقد بينت عائشة أنه اعتكف العشر الأول من شوال, وهذا إنما يكون إذا اعتكف يوم العيد, لا سيما ومقصوده عشر مكان عشر, وكان يدخل معتكفه بعد صلاة الفجر اليوم الأول من العشر؛ فلذلك ينبغي أن يكون قد دخل معتكفه بعد صلاة العيد.
وقولها: «حتى اعتكف في العشر»؛ يعني - والله أعلم - في آخر عشر رمضان؛ يعني: في منسلخه ومنقضاه, وهذا يقتضي أن اعتكافه في أول يوم من شوال؛ كما دلت عليه بقية الروايات, لكن يحتمل أنه لم يحتسب بيوم الفطر, بل بالليلة التي تليه؛ إلا أن يكون دخل ليلة العيد, ويحتمل أن يصح اعتكاف يوم العيد مع أيام أخر.
وأيضاً؛ فإنه عبادة من العبادات, فلم يكن الصوم شرطاً في صحتها كسائر العبادات.

ولأنه ليس فيه اشتراط الصوم كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح, والحكم إنما يثبت بواحدة
من هذه الجهات؛ بخلاف نفي الاشتراط؛ فإنه ثابت بالنفي الأصلي وعدم الدليل الدال على الإِيجاب.
وأما حديث عائشة؛ فقد ذكر أبو داوود وغيره أن المشهور أنه من قولها.

وكذلك قول الزهري: «السنة»: عنى به السنة في اعتقاده؛ كما يقول الفقيه: حكم الله في هذه المسألة كذا وكذا, والسنة أن يفعل كذا, وحكم الشريعة كذا؛ يعني به: فيما [علمته] وأدركته.
والذي يبين أن الزهري لم يكن عنده بذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم:

830 - ما رواه سعيد, عن الدراوردي, عن أبي سهيل؛ قال: «كان على امرأة من أهلي اعتكاف, فسألت عمر بن عبد العزيز؟ فقال: ليس عليها صيام؛ إلا أن تجعله على نفسها. وقال الزهري: لا اعتكاف إلا بصوم. فقال له عمر: عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا. قال: فعن عمر؟ قال: لا. وأظنه قال: عن عثمان؟ قال: لا. قال أبو سهيل: فخرجت من عنده, فلقيت طاووساً وعطاء, فسألتهما, فقال طاووس: كان فلان لا يرى عليها صياماً إلا أن تجعله على نفسها».
831 - وروي بهذا الإِسناد عن طاووس, عن ابن عباس؛ قال: «ليس على المعتكف صيام؛ إلا أن يجعله على
نفسه».
832 - ورواه الدارقطني مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم, وقال: رفعه السوسي, وغيره لا يرفعه.
833 - وعن مقسم: أن عليّاً وابن مسعود قالا: «إن شاء الله المعتكف ص
ام, وإن شاء لم يصم».
834 - وقال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما: «لا اعتكاف إلا بصوم». رواهما سعيد.
وأما اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم صائماً؛ فلأنه كان يتحرى أفضل الأحوال في اعتكافه, ولهذا كان يعتكف العشر الأواخر, مع أن اعتكاف غيرها جائز, وكان يعتكف عشراً, ولو اعتكف أقل جاز.

وأما قياسه على الوقوف؛ فينقلب عليهم بأن يقال: فلم يكن الصوم شرطاً في صحته كالأصل, وهذا أجود؛ لأنه قد صرح فيه بالحكم, ثم القرينة المتضمنة إلى الوقوف هي الإِحرام, وهي تنعقد بالنية, ومثله في الاعتكاف لا بد من النية.
وأما اشتراط زيادة على النية؛ فإنه وإن وجب في الأصل, لكنه ي
صح بدونه.
ثم الفرق بين المسجد والمعرِّف ظاهر؛ فإن المسجد لدخوله مزية على غيره في كل وقت, وعلى كل حال, ولهذا يجب صونه عن أشياء كثيرة, والمعرّف لا يمتاز المكث فيه إلا في يوم مخصوص على وجه مخصوص؛ فكيف يقاس بهذا؟!
فعلى هذا يصح اعتكافه ليلة مفردة ويومي العيدين وأيام التشريق مفردات.
ولو نذر اعتكافاً؛ لم يلزمه الصوم؛ إلا أن ينذره.

فعلى هذا لا بد من اللبث فيه, فلو اجتاز في المسجد, ولم يلبث فيه؛ لم يكن عاكفاً عند أصحابنا؛ بخلاف الوقوف بعرفة؛ فإن الواجب فيه الكون في ذلك المكان؛ لأن العكوف هو الاحتباس والمقام كما تقدم, وذلك لا يحصل إلا بنوع لبث.
فعلى هذا: إذا نذر اعتكافاً مطلقاً, وقلنا: الصوم واجب فيه:

فقال القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب: أقله يوم واحد.
وإن قلنا: ليس الصوم شرطاً فيه على ظاهر المذهب؛ لم يكن لأقله حد, فيجزيه ما يقع عليه الاسم؛ كما قلنا في الصلاة والصوم والصدقة.
قال القاضي وابن عقيل: ولسنا نريد بقولنا: أقل ما يقع عليه الاسم أن يجلس أقل ما يقع عليه اسم ا
لجلوس, بل ما يُسمى به معتكفاً لابثاً, وإنما يحصل هذا باستقرار ما وقع عليه اسم لبثه.
فأما أن يوقع عقيب ما وقع عليه اسم لبث؛ فلا.
قالوا: والمستحب له أن لا ينقص من يوم وليلة.

وقال بعض أصحابنا: يلزمه ما يُسمى به معتكفاً, [ولو ساعة من نهار؛ فاللحظة وما لا يسمى به معتكفاً]؛ لا يجزيه.
فأما إذا مر في المسجد, ولم يقف؛ فليس بمعتكف قولاً واحداً.

وإذا نذر أن يعتكف صائماً أو وهو صائم؛ لزمه ذلك, ولم يجز له أن يفرد الصوم عن الاعتكاف في المشهور من المذهب؛ لأن الصوم في الاعتكاف صفة مقصودة كالتتابع, فوجب الوفاء به, فلو ترك ذلك؛ لزمه أن يستأنف الصوم والاعتكاف معاً, وليس له أن يقضي كل منهما مفرداً.
وقيل:. . . .
ولو نذر أن يعتكف صائماً؛ فكذلك على أحد الوجهين.
ولو قال: لله عليَّ أن أعتكف وأصوم.

فقال القاضي: هو بالخيار بين الإِفراد والمقارنة.
ولو نذر أن يعتكف مصلياً؛ فقيل: هو على أحد الوجهين.
وقيل: لا يجب الجمع هنا, وإن وجب في الأولى.

ولو قال: لله عليَّ أن أصلي وأصوم؛ فله أن يفرد ويقرن؛ لأن أحدهما ليس شعاراً للآخر. . . .
وإذا أفطر في اعتكافه, وقلنا: الصوم شرط فيه, أو كان قد نذره في اعتكافه؛ بطل اعتكافه؛ كما يبطل بالوطء والخروج.
فإذا كان متتابعاً؛ كان عليه الاستئناف.

وإن كان معيناً؛ ففيه الوجهان.
وقال ابن أبي موسى: من صام في اعتكافه, إذا أفطر فيه عامداً, وقلنا: الصوم من شرطه؛ استأنفه, وإذا قلنا: ليس الصوم شرطاً فيه؛ فلا شيء عليه؛ إلا أن يكون أوجب الاعتكاف بالصوم, فيلزمه قضاء ما أفطر فيه من الاعتكاف بالصوم في أحد الوجهين, وفي الآخر يلزمه استئنافه.

ولعل وجه هذا أن الصوم إذا كان شرطاً فيه؛ كان الفطر مبطلاً له؛ كالجماع, فيبطل كله؛ لأنه عبادة واحدة, يطرأ الفساد عليها, فأبطلها كلها كسائر العبادات.
وأما إذا أوجب الصوم على نفسه, ولم يكن شرطاً لصحته؛ لم يكن الفطر مبطلاً للاعتكاف, وإنما يكون فيه ترك الوفاء بالنذر, وذلك ينجبر بالقضاء والكفارة؛ كما لو نذر صوم أيام متتابعة فأفطر بعضها.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



مجموعة الشفاء على واتساب


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 182.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 177.13 كيلو بايت... تم توفير 5.80 كيلو بايت...بمعدل (3.17%)]