مقاصد مؤلفي كتب المصطلح ووظيفة مضمونها وتطوره من القرن الرابع الهجري إلى القرن السابع - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4457 - عددالزوار : 882604 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3992 - عددالزوار : 416864 )           »          رمضان شهر الصدقات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          رؤية هلال رمضان .. قصص من التاريخ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          السياسة الشرعية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 58 - عددالزوار : 5092 )           »          جمهورية القرم الإسلامية .. وتاريخ من المعاناة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 47 )           »          المخدرات كارثة…تهدد بنيان المجتمع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          المسير إلى عرفة والوقوف بها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 53 )           »          الاستفادة من الأطفال في الدعوة إلى الله تعالى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 57 )           »          معاناتي مع القولون العصبي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 64 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13-04-2024, 12:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,704
الدولة : Egypt
افتراضي مقاصد مؤلفي كتب المصطلح ووظيفة مضمونها وتطوره من القرن الرابع الهجري إلى القرن السابع

مقاصد مؤلفي كتب المصطلح ووظيفة مضمونها

وتطوره من القرن الرابع الهجري إلى القرن السابع الهجري

أمين بوكنزة

مقدمة
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
إن القواعد والمصطلحات المتداولة في علوم الحديث لا يمكن الجزم بتحديد الفترة الزمنية التي نشأت فيها؛ ولكن يظهر أن القرن الثاني الهجري عرف ازدهارًا لرواية الحديث كان من نتائجه نضج قواعده، ولا شك أن ذلك كان على جهة التطور والتدرج؛ ولذلك لا نستغرب دقة الإمام البخاري في إصدار أحكامه على رواية الأحاديث والرواة؛ لأن ذلك لم يكن على جهة الإلهام؛ ولكن عن طريق إعمال القواعد، وإعمالها يتطلب المعرفة بها، وخير مثال شاهد على نضج قواعد الحديث يتمثل في المقدمة الجامعة التي صدَّر بها الإمام مسلم صحيحه، وخصوصًا في المناقشة التي تتعلق بالاحتجاج بالحديث المُعَنْعَن، ومن الأمثلة على ذلك أيضًا رسالة أبي داود إلى أهل مكة، كما أن العلل للترمذي التي في آخر جامعه من المصادر التي يمكن التعويل عليها في بيان الدرجة التي وصل إليها تأصيل القواعد والمصطلحات الحديثية، وهكذا ظلت هذه المصطلحات في تطور مستمر وفي تشعُّب، وتوارد عليها العلماء بالمناقشة والتمحيص؛ فظهرت مجموعة من الكتب خصوصًا ما بين القرن الرابع والقرن السابع الهجري تُعَدُّ أمهات الفن، ولا تزال المرجع الذي لا غنى عنه لمبتغي علم الحديث.

والإشكال أن هذه المصنفات تشتمل على مباحث تعرض كيف توثَّق السنة وكيف تدَوَّن، وتبين الرموز والمصطلحات التي يجب أن تستعمل في زمن قد دُوِّنت فيه السنن والأخبار النبوية، فماذا يُراد بالمناقشات التي تضمنتها هذه المصنفات ما دام الأمر قد فُرِغ منه؟ وتشتمل على مباحث تضمنت شروط الخبر المقبول وتمييزه عن المردود، وهذا بعدما صُححت الأخبار وضُعِّفت، فتُقدَّم على أنها قواعد وقوانين يجب أن تُعتمَد لمعرفة حال السند والمتن، فهل القصد هو عرض القواعد التي بها قُبل ما قُبل من الأخبار، ورُدَّ ما رُدَّ منها، أم أن الأمر يتعلق بعرض قانون تمييز الأخبار المقبولة من الأخبار المردودة، وأنها فُهِمت هكذا؟ وما سرُّ التعقبات التي حفلت بها كُتُبُ المتأخرين؟ وما التطور الحاصل في هذا الأمر؟ وما هي الكتب التي تُعتبر مراحل فاصلة في أصول الحديث؟ وما هي الكتب التي تأثرت في مباحثها ببعض العلوم الأخرى؛ كعلم الأصول وعلم المنطق؟ وما القضايا والقواعد والمصطلحات ذات التأثير التي حُرِّرت بشكل متدرج عبر القرون؟ وماذا ترتب على هذه المصطلحات والقواعد سواء التي قُررت لأول مرة أو التي حُررت بعدما كانت معروفة غير أنه اضطرب الناس في مفهومها أو في توظيفها؟

إن أهمية هذا الموضوع تكمن في الكشف عن مقاصد مؤلفي كتب المصطلح وأبعادها في فترة زمنية مهمة في تاريخ علم الحديث المحددة ما بين القرنين الرابع والسابع الهجريين، وتتبعها لمعرفة سر التعقبات والتطور الحاصل في مضمونها، وبيان المصطلحات والقواعد والقضايا التي نوقشت وحررت في هذه المصنفات، والتدرج الذي عرفته طيلة مسار التصنيف، وتجلية ما كان لهذه المصطلحات والقواعد من تأثير في بعض القضايا الفقهية والخلافية؛ لأن الاختلاف في القاعدة والاختلاف في تفسير المصطلحات يؤدي إلى اختلاف في عدد كبير من المسائل الجزئية، مع التأكيد على أن الهدف الأساس من هذا البحث هو تفسير اختلاف النظر والعمل بنتائج هذه القوانين بين المُحدِّثين والفقهاء، وكذلك بين المُحدِّثين الأوائل.

وسبب تحديد الفترة الزمنية بين القرن الرابع الهجري والسابع الهجري يرجع إلى كون هذه الفترة مثلت دور التآليف الجامعة وظهور فن علم الحديث مدونًا[1]، ففي هذه الفترة أكبَّ العلماء على تصانيف السابقين التي كانت تجربة أولى في التدوين، فجمعوا ما تفرَّق في مؤلفات الفن الواحد، واستدركوا ما فات السابقين، معتمدين في كل ذلك على نقل المعلومات عن العلماء بالسند إليهم كما فعل سابقوهم، ثم التعليق عليها والاستنباط منها، حتى وصل علم مصطلح الحديث إلى مرحلة النضج والاكتمال ابتداءً من القرن السابع الهجري.

وبعد البحث والتنقيب لم أقف على دراسة علمية محكمة تعنى بهذا الموضوع، ووجدت بعض الدراسات المتعلقة ببعض جوانب هذا الموضوع كالتي تتحدَّث عن تاريخ علوم الحديث والتصنيف فيه ومصطلحات وقواعد ومناهج المحدثين؛ من ذلك: تاريخ علوم الحديث لمحمد مختار ولد أباه، وإضاءات بحثية في بعض علوم السنة النبوية والمسائل الشرعية للدكتور الشريف حاتم العوني، والتأصيل الشرعي لقواعد المحدثين للدكتور عبدالله شعبان، ومبادئ علم الحديث وأصوله لشبير أحمد العثماني الهندي، والمعجم الوجيز في اصطلاحات أهل الحديث لأبي مازن أيمن السيد عبدالفتاح، وتدوين السنة النبوية: نشأته وتطوره لمحمد بن مطر الزهراني، وعلوم الحديث في ضوء تطبيقات المحدثين النقاد لحمزة المليباري، والمنهج المقترح لفهم المصطلح لحاتم العوني، وعلم العلل من خلال بيان الوهم والإيهام لإبراهيم الغماري، وعلم العلل وأثرها في اختلاف الفقهاء لماهر الفحل، ومنهج النقد في علوم الحديث لنور الدين عتر، وغيرها من الدراسات التي تناولت بعض جوانب هذا الموضوع، وتبقى ثغرات هذه الجهود أنها لم تتناول هذا الموضوع بشكل متكامل ومحكم على النحو الذي طرحناه ليعالج الإشكالات المطروحة.

إن المنهج المقترح للبحث في هذا الموضوع ينبغي أن يكون منهجًا وصفيًّا تحليليًّا استقرائيًّا حيث ينبغي استقراء كتب المصطلح والعلل من القرن الرابع الهجري إلى القرن السابع الهجري، وتبيين مقاصد مؤلفيها، ووظيفة مضمونها، مع تحليل مباحثها التي شملت القواعد والمصطلحات والقضايا والمسائل لبيان ما عرفته من تطور، وما ورد عليها من تعقيبات، وما خلفته من تأثيرات فيما بعد، مع التركيز على الأسلوب التحليلي في النقد والبحث عن المقاصد والوظائف التي يمكن العثور عليها مشتتة في التآليف أو استنتاجها بالنظر الدقيق والقراءة المتأنية.

وابتداءً قبل التعمق في هذا الموضوع ينبغي تأكيد أن أهم ما صُنف في مصطلح الحديث والعلل والرجال ما بين القرن الرابع الهجري والقرن السابع الهجري: مقدمة ابن حبان (ت354هـ) لكتبه: "المجروحين" و"الثقات" و"التقاسيم والأنواع"؛ فقد حوت مباحث مهمة وقواعد لا يستغنى عن العلم بها، و"علل ابن أبي حاتم" (ت327هـ) وله مزايا كبيرة؛ منها: أنه رتبه على أبواب الفقه، وقد حوى علمي إمامي الدنيا؛ لأن عامة الكتاب أسئلة لأبيه أبي حاتم الرازي، وابن خالته أبي زرعة الرازي، كما أنه اعتنى بذكر العلل المرتبطة بالتفرد. ووُجد كتاب "الكامل في الضعفاء" لابن عدي (ت365هـ) وقد حوت مقدمته أبوابًا مفيدة، وكتاب "العلل" للدارقطني (ت385) وهو كتاب عظيم لو فُقد لخفي علينا كثير من معالم منهج المحدثين في التعليل، وله من سعة العلم ودقة الفهم والإفادة بذكر وجوه الترجيح وأسباب الوهم وقرائن الترجيح ما لا نجده في كتاب آخر، وكتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" لأبي محمد الرامهرمزي (ت360هـ)، وهو أكبر كتاب وضع في علوم الحديث، استوفى فيه مؤلفه البحث في آداب الراوي والمحدِّث، وطرق التحميل والأداء، واجتهاد المحدثين في حمل العلم، وهو من كتب علوم الحديث بمعناه الإضافي لا باعتبار كونه اسمًا ولقبًا للعلم الخاص المعروف، ومقدمة الإمام أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي (ت388هـ) لكتابه "معالم السنن"، ومع أن ما ذكره في تلك المقدمة قصير جدًّا، إلا أنه كان بها أول من قسم الحديث من حيث القبول والرد إلى ثلاثة أقسام صريحة: صحيح، وحسن، وضعيف، وكتب أيضًا أبو الحسن محمد بن خلف القابسي (ت403هـ) مقدمة لكتابه "مختصر الموطأ عن مالك" تناول فيها مسائل في الاتصال والانقطاع، وصيغ الأداء، والرفع وأنواعه ونحوها، أصل في هذه القضايا تأصيلًا مهمًّا، يزيده أهمية أن صاحبه من أهل الاصطلاح، وكتاب أبي عبدالله الحاكم (ت405هـ) "معرفة علوم الحديث" وبحَثَ فيه اثنين وخمسين نوعًا من علوم الحديث، وفيه كثير من الإضافات، و"المستخرج" لأبي نعيم الأصفهاني (ت430هـ) زاد فيه على الحاكم أشياء فاتته؛ ولذلك سمَّاه مستخرجًا، ومع ذلك فقد ترك أشياء للمتعقب، وما نثره ابن حزم (ت456هـ) في أول كتابه الأصولي "الإحكام في أصول الأحكام" من مسائل خالف فيها من سبقه، والإمام الخطيب البغدادي (ت463هـ) الذي صنف كتاب "الكفاية في علم الرواية"، وقد استوفى فيه البحث في قوانين الرواية، وأبان فيه عن أصولها وقواعدها الكلية، ومذاهب العلماء فيما اختلفت آراؤهم فيه، ومقدمة كتاب "التمهيد" لأبي عمر بن عبدالبر (ت463هـ) التي سطَّر فيها منهج الإمام مالك والمدنيين في المسائل الحديثية، و"الإلماع في أصول الرواية والسماع" للقاضي عياض (ت544هـ)، و"ما لا يسع المحدِّث جهله" لأبي حفص الميانجي (ت580هـ)، إلى أن جاء ابن الصلاح (ت643هـ) فأملى كتابه "معرفة أنواع علم الحديث" ويعرف بمقدمة ابن الصلاح.

والعمل المنهجي ينبغي أن يكون محصورًا في هذه المصنفات والمقدمات (كمقدمة ابن حزم ومقدمة ابن عبدالبر..)، وضابط الحصر يكمن في كونها تعتبر أهم وأشهر ما كُتب وصُنف في الصناعة الحديثية في تلك الفترة، وكون بعض مؤلفيها من ذوي الساق الطويلة في علم المصطلح والبعض الآخر من مثيري المناقشات والخلافات في هذا الفن، كما أن جُلَّ المؤلفين من أهل الاصطلاح والنظر الدقيق، وهناك كتب أخرى تُعتبر دون هذه في الأهمية ظهرت في ما بين القرن الرابع الهجري والسابع الهجري قد تُستحضر في البحث حسب المقام.

فالمتتبع لهذه التصانيف يلحظ التطور الحاصل على مستوى المصطلحات والقواعد والقضايا وبعض الاختلافات والتعقبات والمناقشات الحاصلة فيها، فعلى سبيل المثال مصطلح المرسل عرف تطورًا ومناقشة في كتب المصطلح، فقد عرفه الحاكم بأنه الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، فيقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم[2]، وفرق بينه وبين المنقطع، فقال: أن يكون في الإسناد رواية راوٍ لم يسمع من الذي يروي عنه الحديث قبل الوصول إلى التابعي الذي هو موضع الإرسال، ولا يقال لهذا النوع من الحديث: مرسل؛ إنما يقال له: منقطع[3]، ثم جاء البغدادي فخالفه وقال: وأما المرسل فهو ما انقطع إسناده بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممن فوقه إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم[4]، وقال عن المنقطع: والمنقطع مثل المرسل إلا أن هذه العبارة تستعمل غالبًا في رواية من دون التابعي عن الصحابة[5]، فهو اعتبر المنقطع مثل المرسل، وكلاهما شاملان لكل ما لا يتصل إسناده، وجاء ابن حزم فقال: المرسل من الحديث هو الذي سقط بين أحد رواته وبين النبي صلى الله عليه وسلم ناقل واحد فصاعدًا، وهو المنقطع أيضًا[6]، ثم جاء ابن عبدالبر فقال: فأما المرسل فإن هذا الاسم أوقعوه بإجماع على حديث التابعي الكبير عن النبي صلى الله عليه وسلم[7]، وقال عن المنقطع: المنقطع عندي كل ما لا يتصل سواء كان يعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى غيره[8]، وجاء ابن الصلاح فقرر أن المرسل حديث التابعي الكبير الذي لقي جماعة من الصحابة وجالسهم وأمثالهما إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك رضي الله عنهم[9]، وتبعه على ذلك جماعة من أهل الاصطلاح.

وعليه فقد استقر الاصطلاح على أن المرسل لا يطلق إلا على ما رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مزج ابن الصلاح بين التدليس والإرسال الخفي؛ فقد عرف التدليس- أي تدليس الإسناد- بقوله: هو أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره، ولم يلقه موهمًا أنه لقيه وسمعه منه[10]؛ لذلك اعترض ابن حجر على قوله عمن عاصره ولم يلقه بأنه ليس من التدليس؛ بل هو من المرسل الخفي إذ قال: والتحقيق فيه التفصيل، وهو أن من ذكر بالتدليس أو الإرسال إذا ذكر بالصيغة الموهمة عمن لقيه فهو تدليس، أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه فهو مطلق الإرسال[11].

ومن ثمَّ فتتبُّع مسار المصطلح ومناقشاته يخرج لنا أن كلمة الإرسال تدل على أربعة معانٍ:
الأول: الانقطاع الظاهر؛ وهو أن يروي الراوي عمن لم يعاصره.
الثاني: تدليس الإسناد؛ وهو أن يروي الراوي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمعه.
الثالث: المرسل الخفي؛ وهو أن يروي عمن عاصره ولم يلقه، أو لقيه ولم يسمع منه.
الرابع: سقوط ما فوق التابعي.

ومن الأمثلة ما يتعلق بشروط الراوي الذي يقبل حديثه ويحتج به، فعند النظر في كتب المصطلح نجد عبارات العلماء قد اختلفت في تعداد صفات القبول، فمن مقل ومن مكثر، وجمع أبو عمرو بن الصلاح تلك الخصال فقال: أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا ضابطًا لما يروي، وتفصيله أن يكون بالغًا عاقلًا سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظًا غير مغفل، حافظًا إن حَدَّث من حفظه، ضابطًا لكتابه إن حَدَّث من كتابه، وإن حدَّث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالمًا بما يحيل المعاني[12]، ونجد من قبله من خالفه في هذه الشروط خصوصًا المالكية، وهو مذهب ابن عبدالبر[13]، والقاضي عياض[14]، وهي: الثقة في الدين المانعة من الكذب، والثقة في الأداء المانعة من المخالفة، والفقه لألفاظ المحمول الحامي من رواية النكر، والتسنن الحامي من ابتداع المتفرقين، والأداء للفظ على رسم مخرجه دون التصرف في معانيه بتغيير ألفاظه عن أداء المتثبتين، والموافقة لعمل أهل المدينة الممثل للسنة المتوارثة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمدينته الشريفة، ولأجل هذا النظر نجد المحدثين من المدنيين يروون مراسيل المتثبتين من التابعين وأتباعهم من أئمة النقل الذين كانوا في تدينهم وتسننهم ومحل الاقتداء بهم على هدي الصحابة في اعتماد الأداء بالإرسال عمن يعدلون، إما لتعدد من يؤدون عنهم ممن يقبلون، وإما للتفنن في الأداء عمن يزكون. ورغبوا في مقابل ذلك عن أحاديث الموثقين التي لم تقوَ أمام ما خالفها من العمل أو لمن هو أكثر دلالات بالصدق، وقبلوا أحاديث بعض المضعفين ضعفًا نسبيًّا بسبب بعض الأوهام اليسيرة العارضة؛ لما تبين لهم أن شرط القبول تحقق في المنتقى من رواياتهم.

لذلك فالبحث في هذا الموضوع جدير بالعناية والاهتمام؛ حيث سيعين على معرفة المصنفات الحديثية بين القرنين الرابع والسابع الهجري ومقاصد مؤلفيها وأبعادها وإضافاتها التي أحدثتها في تاريخ علوم الحديث، وتمييز الكتب التي تعتبر مراحل فاصلة في أصول الحديث، مع الاطلاع على المصطلحات والقواعد التي تناولتها هذه المصنفات وناقشتها، كما سيعين على دحض شبهات من يدخل من باب اختلاف المحدِّثين في القواعد والمصطلحات قصد إثارة التشويش على السنة النبوية عمومًا، وعلى علم الحديث خصوصًا، بعد التأمُّل والوقوف على كل ما قيل في المسائل والقضايا التي أثارتها هذه المصنفات الحديثية وتحرير محل النزاع فيها.

[1] منهج النقد في علوم الحديث لنور الدين عتر: ص63.

[2] معرفة علوم الحديث: ص67.

[3] معرفة علوم الحديث: ص70.

[4] الكفاية في علم الرواية: ص 21.

[5] المصدر السابق: ص21.

[6] الإحكام في أصول الأحكام: 143/2.

[7] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: 19/1.

[8] المصدر السابق: 21/1.

[9] مقدمة ابن الصلاح: ص31.

[10] مقدمة ابن الصلاح: ص66.

[11] النكت على كتاب ابن الصلاح: ص242.

[12] مقدمة ابن الصلاح: ص94.

[13] وقد ساق ابن الأثير شواهده في كتابه التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد.

[14] ترتيب المدارك: 83/1.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 58.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 56.51 كيلو بايت... تم توفير 1.62 كيلو بايت...بمعدل (2.79%)]