المجذوم والأسد: إعجاز نبوي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4457 - عددالزوار : 882618 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3992 - عددالزوار : 416874 )           »          رمضان شهر الصدقات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 44 )           »          رؤية هلال رمضان .. قصص من التاريخ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          السياسة الشرعية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 58 - عددالزوار : 5093 )           »          جمهورية القرم الإسلامية .. وتاريخ من المعاناة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 48 )           »          المخدرات كارثة…تهدد بنيان المجتمع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          المسير إلى عرفة والوقوف بها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 54 )           »          الاستفادة من الأطفال في الدعوة إلى الله تعالى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 58 )           »          معاناتي مع القولون العصبي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 66 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13-04-2024, 12:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 135,704
الدولة : Egypt
افتراضي المجذوم والأسد: إعجاز نبوي

المجذوم والأسد: إعجاز نبوي

أ. د. فهمي أحمد عبدالرحمن القزاز


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فقد مرت عليَّ السنون والأعوام وأنا أدرس علم مصطلح الحديث بعد ما تلقيته عن الأكابر بالتدقيق والتمحيص ما يقارب ثلاثين سنةً وأنا أوجه عناية طلبتي إلى كيفية الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة» وبين قوله صلى الله عليه وسلم: «...وفِرَّ من المجذوم كما تفِرُّ من الأسد»، اللذين وردا في نص واحد أو نصين مفترقين [1]، وكانت الأنظار تتجه في الدرس إلى كيفية الجمع بينهما؛ لأن ظاهرهما التعارض كما فعل الأفاضل من أهل المصطلح والصنعة والدربة؛ فقد اختلفت أنظارهم في ذلك على عدة أقوال، فكنا نجمع الأقوال ونحللها، ونخرج بخلاصة تتناسب مع رفع التعارض الظاهر بين الحديثين أو غيرهما من النصوص في هذا الباب[2]، وقد أشبعت هذه النصوص بحثًا في باب "مختلف الحديث"[3]، وكنا نُعرِّج في نهاية الأمر على ظاهر الحديث، فيتبادر إلى ذهني وإلى ذهن السامع أن نفِرَّ من المجذوم كفرارنا من الأسد. ولم أسأل نفسي على مدار السنوات الماضية، وكذا لم يثر انتباه طلبتي الذين درستهم هذا الموضوع أمر مفاده ما وجه الشبه بين المجذوم والأسد؟ ولماذا مَثَّل النبي صلى الله عليه وسلم بالأسد دون غيره من الحيوانات المفترسة أو غيرها؟ ولماذا ذكر الجذام دون غيره من الأمراض المعدية في زمانه؟

ولا يخفى ما للمثل من أثر في تقريب الصورة للسامع أو المشاهد وهو ما كان يُعلِّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه؛ فعن عمرو بن العاص، قال: "عقلت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل"[4].

وليس بدعًا من القول أن التمثيل بالحيوان أخذ حيزًا واسعًا في السنة النبوية في العبادات مثل نهيه صلى الله عليه وسلم في صفة الصلاة عن أعمال معينة شبهها بهيئات خاصة بحيوانات معينة، فنهى عن نقر الديك، وإقعاء الكلب، وافتراش السبع، والتفاتة الثعلب، وغيرها مما ورد في السنة الشريفة في نواحي الحياة كافة [5].

قال أبو البقاء، كمال الدين الدميري (المتوفى سنة: 808هـ)، صاحب كتاب "حياة الحيوان": إنما كانت العرب أكثر أمثالها مضروبة بالبهائم، فلا يكادون يذمون ولا يمدحون إلا بذلك؛ لأنهم جعلوا مساكنهم بين السباع والأحناش والحشرات، فاستعملوا التمثيل بها لذلك...فلذلك ذكر العسكري في كتابه الأمثال ألف حديث مشتملة على ألف مثل من كلام النبي صلى الله عليه وسلم [6].

وبالعود إلى السؤال الذي طرحناه سلفًا يتبادر إلى ذهني ونحن نعيش أزمة وباء كرونا المستجد الذي جعلنا نراجع السُّنَّة ونقف على كنوزها في هذا الميدان ولا سيما نحن نفتخر على الأمم أننا سبقناهم بعدة قرون في ميدان تحديد نقطة انتشار الوباء، وبالحَجْر الصحي، والتباعد الاجتماعي وغيرها مما طرحته سابقًا وطرحه غيري من القدامى والمعاصرين[7]؛ مما جعلني أمعن النظر في كتب شروح الحديث وغيرها من كتب التخصص من العلوم الشرعية والطبية وكتب الأمثال واللغة للوقوف على حقيقة الأمر.

فأقول وبالله التوفيق ومنه العون والسداد: لقد رجعت إلى كتب شُرَّاح الحديث فلم أقف على جواب لما تبادر إلى ذهني؛ وإنما بحثوا ما بحثت فيه وانشغلت عن وجه الشبه في الحديث [8]، ولم يلتفت هذه الالتفاتة إلا الفيلسوف الرئيس ابن سينا، أبو علي، (المتوفى سنة: 428هـ)، في كتابه الرائع "القانون في الطب"، فقال: وهو يتكلم في المقالة الثالثة: الجذام؛ فصل في ماهية الجذام وسببه... فبين سبب تسمية الجذام بداء الأسد، فقال: (وهذه العلة تُسمَّى داء الأسد.

قيل: إنما سميت بذلك؛ لأنها كثيرًا ما تعتري الأسد.
وقيل: لأنها تجهم وجه صاحبها وتجعله في سحنة الأسد.
وقيل: لأنها تفترس من تأخذه افتراس الأسد) [9].

وتبعه علَّامة عصره ابن القيم الجوزية (المتوفى سنة: 751هـ) في كتابه الماتع "الطب النبوي" فقال: (فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في التحرُّز من الأدواء المعدية بطبعها وإرشاده الأصحاء إلى مجانبة أهلها)...ثم قال: الجذام: علة رديئة... ويسمى داء الأسد.

وفي هذه التسمية ثلاثة أقوال للأطباء:
أحدها: أنها لكثرة ما تعتري الأسد.
والثاني: لأن هذه العلة تجهم وجه صاحبها وتجعله في سحنة الأسد.
والثالث: أنه يفترس من يقربه، أو يدنو منه بدائه افتراس الأسد.

ثم قال: وهذه العلة عند الأطباء من العلل المعدية المتوارثة، ومقارب المجذوم، وصاحب السل يسقم برائحته، فالنبي صلى الله عليه وسلم لكمال شفقته على الأمة، ونصحه لهم نهاهم عن الأسباب التي تعرضهم لوصول العيب والفساد إلى أجسامهم وقلوبهم، ولا ريب أنه قد يكون في البدن تهيؤ واستعداد كامن لقبول هذا الداء، وقد تكون الطبيعة سريعة الانفعال قابلةً للاكتساب من أبدان من تجاوره وتخالطه، فإنها نقالة، وقد يكون خوفها من ذلك ووهمها من أكبر أسباب إصابة تلك العلة لها، فإن الوهم فعال مستولٍ على القوى والطبائع، وقد تصل رائحة العليل إلى الصحيح فتسقمه، وهذا معاين في بعض الأمراض، والرائحة أحد أسباب العدوى، ومع هذا كله فلا بد من وجود استعداد البدن وقبوله لذلك الداء)[10].

والملاحظ أن ابن القيم أضاف إضافة جديدة جديرة بالوقوف عليها وهي قوله: (أنه يفترس من يقربه، أو يدنو منه بدائه افتراس الأسد).

يعني: أن الأسد هو من يبدأ بالافتراس حتى لو لم يبادر من يقربه بالأذى والتحرش به، وكذا الجذام يصيب من يقرب من المصاب حتى لو لم يخالطه ويباشره، فمجرد الاقتراب يكون ذلك سببًا في إصابته بهذا الداء، والله أعلم بالصواب.

وهنا يُلحَظ ملحظ مهم في علم المناعة؛ وهو أن مناعة الإنسان قد تضعف نتيجة لخوفه من المرض، فيكون ذلك سببًا في إصابته بالوباء فبيَّن السبب من أمره صلى الله عليه وسلم بالفرار من المجذوم فقال: (...يكون خوفها من ذلك ووهمها من أكبر أسباب إصابة تلك العلة لها، فإن الوهم فعَّال مستولٍ على القوى والطبائع)، وهذا ما أثبتته منظمة الصحة العالمية في عدة نشرات، وكذا ذكرته المواقع الطبية المعتبرة، فمَنْ عَلَّم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ وكيف فقه علماؤنا هذا الهدي النبوي الشريف من خلال الاسترشاد بالوحي، والخبرة، والمشاهدة والمراس والتجربة.

ولم يغفل رحمه الله عن قابلية الأبدان واختلافها في استعدادها للعدوى بناء على قوة جهازها المناعي وضعفه فقال: (ولا ريب أنه قد يكون في البدن تهيؤ واستعداد كامن لقبول هذا الداء، وقد تكون الطبيعة سريعة الانفعال قابلةً للاكتساب من أبدان من تجاوره وتخالطه، فإنها نقالة...)، فرحمه الله رحمةً واسعةً، فقد سبق أطباء عصرنا بعدة قرون، ففصل القول في هذه الجزئية الدقيقة، وجعلهم عالةً عليه في وقت لا يوجد فيه مختبر صحي ولا أجهزة متطورة.

وتنبغي الإشارة إلى أن كل من جاء بعد هذين العالمين ابن سينا، وابن القيم من العلماء وهم نوادر من العصور القريبة ومن المعاصرين في زمننا لم يسعهم إلا ما ذهبا إليه من وجه الشبه المقصود في الحديث.

وعند الرجوع إلى أصحاب التخصص من الأطباء وكتبهم وجدتهم يقولون الآتي: أنواع الجذام... يعتمد تصنيف أنواع الجذام على شدة الأعراض التي تظهر على المصاب، والجذام على أنواع:
1- الجذام السليني.
2- الجذام الدرني.
3- الجذام الحدودي.

4- الجذام ذو الورم (الأسدي): وهذا النوع من الجذام تكون فيه المناعة الخلوية مختفية ولا يوجد لها أي أثر؛ لذلك ينتشر المرض في الجلد والأغشية المخاطية للجهاز التنفسي، وفي الجزء الأمامي من العين والأعصاب الجلدية الطرفية والجهاز اللمفاوي والغدد التناسلية (الخصيتين)، والغدة فوق الكلية.

ويقولون من مزاياه: (شدة العدوى وخاصة من إفرازات الأنف؛ حيث يحتوي الملِّيلتر على 1×810 من ميكروبات الجذام، وتحتوي العطسة القوية على 2×810 ميكروبات من ميكروبات الجذام [11].

قلت: ومما سبق من كلام الأطباء هناك وجه ظاهر للشبه وهو النوع المسمى (الجذام الأسدي) وهو من أشد أنواع الجذام كما علمت؛ أي: إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمد على الواقع المشاهد في زمانه وبإخبار الوحي المعصوم، فأخبر عن نوع خبيث من أنواع الجذام، فمَثَّل بهذه الصورة القريبة من ذهن السامع، فإن صاحبها سيكون وجهه كوجه الأسد، فينبغي الفرار منه، فالعبرة ليست بسرعة انتشار الوباء كوثبة الأسد الجائع على الفريسة، وليس المثل بمبادرة الأسد بالهجوم من الذي يقترب ويدنو منه، وليس هذا المرض يصيب الأسد وكذلك يصيب الإنسان الذي يقترب منه. وليس في سرعة افتراسه وانقضاضه على الفريسة فقط، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر الأمة أيضًا أن هذا الداء خفي وسينتشر في الجسد ويصيبه وهو لا يعلم به حتى ينقلب وجهه شبه وجه الأسد، فلا بد من الفرار من المصاب قبل أن تقلب صورته كالأسد من شدة مرضه، والله أعلم بالصواب.

قال الجاحظ (المتوفى سنة: 255هـ): (والأسد يبلع البضعة العظيمة من غير مضغ) [12].

قال الدميري (المتوفى سنة: 808هـ)، وهو يتكلم عن الأسد: وإنما ابتدأنا به؛ لأنه أشرف الحيوان المتوحش؛ إذ منزلته منها منزلة الملك المهاب؛ لقوته وشجاعته وقساوته وشهامته وجهامته وشراسة خلقه؛ ولذلك يُضرَب به المثل في القوة والنجدة والبسالة وشدة الإقدام والجراءة والصولة...وللأسد من الصبر على الجوع، وقلة الحاجة إلى الماء، ما ليس لغيره من السباع. ومن شرف نفسه: أنه لا يأكل من فريسة غيره، فإذا شبع من فريسته تركها، ولم يعد إليها، وإذا جاع ساءت أخلاقه، وإذا امتلأ من الطعام ارتاض...وإذا أكل نهس من غير مضغ... ثم قال فيما يخص الأسد من المثل أنهم قالوا: «أكرم من الأسد» و«أبخر من الأسد» و «أكبر من الأسد» و«أشجع من الأسد» و«أجرأ من الأسد» [13].... ثم قال: وضربوا المثل بالخوف من الأسد [14].

ومما لا يخفى أن المماثلة يكفي في اعتبارها بعض الأوصاف وليس كلها[15]؛ أي: ليس كل أوصاف الأسد مقصودة بالتشبيه، والذي ينتفع به في هذا الباب أمران وهما:
الأول: بضرب المثل بالخوف منه، وهو مقصود لذاته إذا أراد صلى الله عليه وسلم من أمته أن تخاف من المجذوم مخافتها من الأسد فتفر منه.

والثاني: أريد بالتشبيه سرعة الالتهام من الأسد للفريسة وابتلاعها من غير مضغ، فالتشبيه لسرعة انتقال الوباء والجذام من العليل إلى الصحيح من غير مقدمات، فكأنما يلتهمه التهامًا.

وقال أحد شيوخنا الأفاضل: إن الأمر بالفرار من الأسد يقتضي التباعد التام لمسافات كبيرة؛ وذلك لسرعة وثوبه ومباغتته لفريسته؛ لذا من سمع بطروق الأسد في وادٍ لا يجرؤ على سلوكه خلافًا لغيره، والله أعلم بالصواب.

ولعل في ذلك جوابًا لما تبادر إلى الذهن: لماذا خصَّص الشبه بالأسد دون غيره من الحيوانات المفترسة...ويبقى في النفس شيء بالتمثيل بالأسد دون غيره من الحيوانات...فلا يخفى عند إطلاق اسمه ترتسم صورة لملك الغابة، وأنه المهيمن عليها، والمسيطر على زمامها، وهو صاحب الصوت المسموع والمخيف.

وأضاف السيوطي حكمة جديدة في الأمر بالفرار من الأسد فقال: (إن الأمر بالفرار رعاية لخاطر المجذوم؛ لأنه إذا رأى الصحيح تعظم مصيبته وتزداد حسرته، ويؤيده حديث: "لا تديموا النظر إلى المجذومين" فإنه محمول على هذا المعنى)[16].

وأجاب علي القاري (المتوفى سنة: 1014هـ) صاحب كتاب: "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" عن مضمون السؤال الثاني وهو "لماذا خصَّ النبي صلى الله عليه وسلم الجذام بالذكر دون غيره من الأمراض المعدية؟"، فقال رحمه الله: (ولعل تخصيص المجذوم؛ لأنه أشد تأثيرًا من العلل المعدية، ويؤيده ما رواه ابن عدي عن ابن عمر مرفوعًا: "إن كان شيء من الداء يعدي فهو هذا "[17] يعني الجذام) [18].

قلت: ويمكن أن نضيف في هذه العجالة ملحظًا آخر ذكر في النصوص؛ وهو جعل الحاجز والمباعدة بين المريض والصحيح الذي عبر عنه بـ (الاتقاء)؛ فعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "واتقوا المجذوم كما يُتَّقى الأسد"[19].

وهذا هو مفهوم الاتقاء الذي ورد في النص.

قال ابن فارس: (وقى) الواو والقاف والياء: كلمة واحدة تدل على دفع شيء عن شيء بغيره. ووقيته أقيه وقيًا. والوقاية: ما يقي الشيء. واتق الله: توَقَّه؛ أي: اجعل بينك وبينه كالوقاية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، وكأنه أراد: اجعلوها وقايةً بينكم وبينها [20].

وفي الختام نسأل الله تعالى أن يدفع عنا الوباء وعن بلاد المسلمين والعالم كله برحمته وهو أرحم الراحمين.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

[1] فعن أبي هريرة، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عَدْوَى ولا طيرةَ ولا هامةَ ولا صَفرَ، وفِرَّ مِنَ المجذومِ كما تَفِرُّ مِنَ الأسدِ»؛ صحيح البخاري (7/ 126) (5707)، باب الجذام. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر»؛ صحيح البخاري (7/135) (5757)، باب الهامة، قلت: وفي الباب من حديث سيدنا أنس وابن عمر وغيرهما.
[2] قلت: وينظر كتب ابن القيم؛ الطب النبوي لابن القيم (ص: 109-112)، ومفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (2/ 272)، وزاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 136)، والطرق الحكمية (ص: 243)، فقد جمع بين حديث: "لا عدوى ولا طيرة" وحديث جابر بن عبدالله "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فأدخله معه في القصعة، ثم قال: كُلْ بسم الله، ثقةً بالله وتوكلًا عليه"؛ سنن الترمذي، ت بشار (3/ 327) (1817).
[3] قال ابن حجر [مختلف الحديث، وطرق دفع التعارض بين الحديثين المتعارضين في الظاهر]: وإن كانت المعارضة بمثله؛ فلا يخلو: إما أن يمكن الجمع بين مدلوليهما بغير تعسف، أو لا، فإن أمكن الجمع فهو النوع المسمى: مختلف الحديث، ومَثَّل له ابن الصلاح بحديث: "لا عدوى ولا طيرة"، مع حديث: "فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد"، وكلاهما في الصحيح، وظاهرهما التعارض. قلت: وقع في رواية البخاري الجمع بين قوله " لا عدوى ولا طيرة" وقوله: "وفر من المجذوم " برواية واحدة؛ فعن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد»؛ صحيح البخاري (7/ 126) (5707)، باب الجذام. فكيف لنا أن نقول: (بحديث: "لا عدوى ولا طيرة"، مع حديث: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" وكلاهما في الصحيح وظاهرهما التعارض)، إلا إذا أردنا روايتهما من مسندين مختلفين من مسند ابن عمر، وأنس مع حديث أبي هريرة رضي الله عنهم جميعًا؛ فعن ابن عمر، رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاث: في المرأة، والدار، والدابة"؛ صحيح البخاري (7/ 135) (5753). وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة"؛ صحيح البخاري (7/ 135) (5756)، قلت: وعليه لا بد من الجمع بين المعنيين لا الروايتين؛ لأنهما وردا في رواية واحدة كما علمت، والله أعلم بالصواب. ثم قال-أي ابن حجر-: ووجه الجمع بينهما: أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، لكن الله سبحانه وتعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببًا لإعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب. كذا جمع بينهما ابن الصلاح، تبعًا لغيره...والأولى في الجمع أن يقال: إن نفيه صلى الله عليه وسلمللعدوى باقٍ على عمومه، وقد صح قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يعدي شيء شيئًا"، وقوله صلى الله عليه وسلم لمن عارضه بأن البعير الأجرب يكون في الإبل الصحيحة فيخالطها فتجرب، حيث رد عليه بقوله: "فمن أعدى الأول؟!". يعني أن الله سبحانه وتعالى ابتدأ بذلك في الثاني كما ابتدأه في الأول. وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع؛ لئلا يتفق للشخص الذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداءً، لا بالعدوى المنفية؛ فيظن أن ذلك بسبب مخالطته؛ فيعتقد صحة العدوى؛ فيقع في الحرج؛ فأمر بتجنبه حسمًا للمادة. والله أعلم؛ ينظر: نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ت الرحيلي (ص: 216).
[4] مسند أحمد، ط الرسالة (29/ 341) (17806)، قال الهيثمي: رواه أحمد وإسناده حسن؛ ينظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (8/ 264) (13974).
[5] وقد أشرفت على رسالة دكتوراه بعد أن اخترت عنوانها لأحد تلامذتي النجباء وكانت بعنوان: (لفظة مثل في السنة النبوية: دراسة تحليلية).
[6] حياة الحيوان الكبرى (1/ 19)، وينظر: جمهرة الأمثال؛ أبو هلال الحسن بن عبدالله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395هـ)، الناشر: دار الفكر – بيروت.
[7] ينظر بحوثنا: "هل صدق كلام الإمام الليث بن سعد رحمه الله بخصوص تحديد تاريخ ظهور فايروس كورونا؟ " و"لا يجتمع وباء وسيف...سنة كونية أم إخبار بإعجاز نبوي؟" و"ترك الاختلاط بالمصاب بالوباء، وعزله، وعدم ملامسته، والابتعاد عنه بمتر أو يزيد، وجلوسه في بيته...سبق للمسلمين على غيرهم بقرون ولكن!".
[8] ينظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ): (ص: 168)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (9/ 409)، وشرح النووي على مسلم (14/ 228)، والمنتقى شرح الموطأ (7/ 264-266)، وفتح الباري لابن حجر (10/ 160-163)، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري (21/ 246-248)، وشرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (8/ 373)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم (7/ 140)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (4/ 75)، وشرح المشكاة للطيبي، الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2978)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (7/ 140)، كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 472)، وغيرها من كتب شرح الحديث.
[9] القانون في الطب؛ الحسين بن عبدالله بن سينا، أبو علي، شرف الملك: الفيلسوف الرئيس (المتوفى: 428هـ)، المحقق: وضع حواشيه محمد أمين الضناوي: (3/ 188-189).
[10] ينظر: الطب النبوي لابن القيم (ص: 109-112)، ومفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (2/ 272)، وزاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 136)، والطرق الحكمية (ص: 243).
[11] ينظر بحث د. محمد علي البار، عضو الكلية الملكية للأطباء ـ لندن، مستشار قسم الطب الإسلامي ـ مركز الملك فهد للبحوث الطبية، جامعة الملك عبدالعزيز ـ جدة. وينظر المصادر الآتية:
Bullock W.R. Mycobacteriun Lepra. In Mandell, Douglas, Bennet (eds). Principles and Practice of Infectious Dis- eases. Wiley and Sons. New York 1979pp. 1943 – 1953
Bryceson A. Leprosy. Medicine International 1981, 1. (3): 123 -126.
Encyclopedia Britanica, 15th Edition 1982 vol 8:695.
Bullock W.R. Leprosy. In Wyngoarden J. and Smith L (eds). Cecil Textbook of Medicine. Saunders Co. Phil-adelphia – London – New York, 1985 (17th edition) pp. 1634 -39.
"Leprosy Overview", webmd, Retrieved 11-11-2019. Edited.
اقرأ المزيد على استشاري.كوم:
https://n9.cl/ytmcm
[12] الحيوان (4/ 334).
[13] جمهرة الأمثال؛ أبو هلال الحسن بن عبدالله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395هـ)، الناشر: دار الفكر – بيروت: (1/ 167)، و(1/ 562)، و(2/ 70)، وغيرها من المواضع في الكتاب.
[14] حياة الحيوان الكبرى (1/10-19).
[15] شرح المشكاة للطيبي، الكاشف عن حقائق السنن: (2/ 627).
[16] تدريب الراوي، بتحقيق الشيخ عوامة: (5/ 122).
[17] وهو عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "مر بعُسْفان وإذا وادي المُجَذَّمين فأسرع السير، قال: «إن كان شيء من الداء يعدي فهو هذا»؛ مسند الحارث = بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (2/ 599) (562)، قال المناوي: (فهو هذا يعني: الجذام) هذا من كلام الراوي لا من تتمة الحديث؛ ينظر: فيض القدير (3/ 32).
[18] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (7/ 2894).
[19] ينظر: الجامع لابن وهب، ت مصطفى أبو الخير (ص: 726) (634)، والطب النبوي لأبي نعيم الأصفهاني (1/ 353) /[75] باب الجذام وعلاجه (287)، والسنن الكبرى للبيهقي (7/ 356) (14246).
[20] مقاييس اللغة (6/ 131).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 63.61 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 61.99 كيلو بايت... تم توفير 1.62 كيلو بايت...بمعدل (2.55%)]