التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 9 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 299 - عددالزوار : 7374 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5172 - عددالزوار : 2480617 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4765 - عددالزوار : 1809848 )           »          دورة الاستعداد لرمضان | النفسية في رمضان | الشيخ المربي محمد حسين يعقوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 20 - عددالزوار : 1043 )           »          شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 252 )           »          الصلاة في البيوت حال المطر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 49 )           »          النية في العبادات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          استخدام شاشات العرض لنقل المحاضرات داخل المسجد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          دفع الزكاة للمعسر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          تغيير الشيب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #81  
قديم 22-01-2026, 04:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,654
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 606 الى صـــ 625
الحلقة (81)





والمواظبة عَلَى طلبه. وفيه: ظهور بركة دعائه. وفيه: فضل التقليل من الدنيا وإيثار طلب العلم عَلَى طلب المال.
وفيه: أنه يجوز للإنسان أن يخبر عن نفسه بفضله إِذَا اضطر إلى ذَلِكَ لاعتذار عن شيء أو ليبين ما لزمه تبيينه إِذَا لم يقصد بذلك الفخر.
وقوله: («ضمه»): يجوز ضم ميمه وفتحها وكسرها. وقال بعضهم: لا يجوز إلا الضم لأجل الهاء المضمومة بعده. واختاره الفارسي، وجوزه صاحب «الفصيح» وغيره.
والوعاء: بكسر الواو ويجوز ضمها، وما حفظ - رضي الله عنه - من السنن المذاعة لو كتب لاحتمل أن يملأ منها وعاء، وما كتمه من أخبار الفتن كذلك.
ومعنى (بثثته): أذعته وأشهرته، قيل: هو أشراط الساعة، وفساد الدين، وتضييع الحقوق، وتغيير الأحوال لقوله - ﷺ -: «يكون فساد الدين عَلَى يد أغيلمة من قريش» (١)، وكان أبو هريرة يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم، لكنه خشي عَلَى نفسه ولم يصرح.
وجاء في غير البخاري: حفظت ثلاثة جرب، بثثت منها جرابين، ولو بثثت الثالث لقطع (هذا) (٢). يعني: البلعوم -وهو بضم الباء الموحدة- وهو مجرى النفس إلى الرئة، وقال الجوهري والقاضي: مجرى الطعام في الحلق، وهو المريء (٣).

----------------------
(١) سيأتي برقم (٣٦٠٥) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة. من حديث أبي هريرة بلفظ: «هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش».
(٢) في (ج): مني.
(٣) «الصحاح» ٥/ ١٨٧٤. و«مشارق الأنوار» ١/ ٨٩.



وقد فسره البخاري به كما سلف، وجاء: خمسة. يعني: أجرب (١) وفيه: أن كل من أمر بمعروف إِذَا خاف عَلَى نفسه في التصريح أن يعرض، ولو كانت الأحاديث التي لم يحدث بها من الحلال والحرام ما وسعه كتمها؛ لأنه قَالَ: لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت شيئًا ثمَّ يتلو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] كما سلف.
-----------------------
(١) ورد بهامش الأصل: رواية (خمسة أجرب) رواها الرامهرمزي.
وبعده تعليق آخر نصه: فسره الرواة في الجزء السادس، فقال: حدثنا عبدان، ثنا عمر بن عبد الله البصري (…) عن رسول الله - ﷺ -: خمسة جرب أحاديث وقال: (…) لو أخرجت الثالث لرميتموني بالحجارة.



٤٣ - باب الإِنْصَاتِ للْعُلَمَاءِ
١٢١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» فقال: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». [٤٤٠٥، ٦٨٦٩، ٧٠٨٠ - مسلم: ٦٥ - فتح: ١/ ٢١٧].
حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ثنا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» فقال: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في أربعة مواضع: هذا أحدها.
وثانيها: في المغازي عن حفص بن عمر (١).
ثالثها: في الفتن عن سليمان، كلاهما عن شعبة به (٢).
رابعها: في الديات عن بندار، عن غندر، عن شعبة (٣)، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به، وهذا أنزل من الأول بدرجة (٤).
وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٤٤٠٥) باب: حجة الوداع.
(٢) سيأتي برقم (٧٠٨٠) باب: قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارًا».
(٣) سيأتي برقم (٦٨٦٩) كتاب: الديات، باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾.
(٤) لم يروه البخاري عن عبيد الله بن معاذ، بل لم يرو عنه إلا بواسطة، وعلق عنه بصيغة الجزم. وبهذا السند رواه مسلم (٦٥/ ١١٨).



شعبة، وعن ابن المثنى، وابن بشار، عن غندر به (١).
وهو قطعة من حديث أبي بكرة الطويل، ذكره البخاري في الخطبة أيام منى (٢)، ومسلم في الجنايات (٣)، وقد سلف قطعة من حديث أبي بكرة في باب: رب مبلغ أوعى من سامع وغيره (٤).
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف.
وحجاج هو ابن منهال (٥)، وأبو زرعة هو هرم (٦)، وعلي بن مدرك هو أبو مدرك النخعي الكوفي الصالح الصدوق ثقة، عنه شعبة، مات سنة عشرين ومائة (٧).

-----------------------
(١) مسلم (٦٥/ ١١٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان معنى قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارًا».
(٢) سيأتي برقم (١٧٤١) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى.
(٣) مسلم (١٦٧٩/ ٢٩) كتاب: القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض.
(٤) سلف برقم (٦٧) كتاب: العلم، باب: قول النبي - ﷺ -: «رب مبلغ أوعى من سامع»، وبرقم (١٠٥) كتاب: العلم، باب: «ليبلغ العلم الشاهد الغائب».
(٥) هو حجاج بن المنهال الأنماطي أبو محمد السلمي وقيل: البرساني مولاهم البصري، روى عن حماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، روى عنه البخاري ومسلم، وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال خلف بن محمد كردوس الواسطي: توفي سنة ست عشرة ومائتين وكان صاحب سنة.
انظر: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٠١، «الجرح والتعديل» ٣/ ١٦٧ (٧١١)، «تهذيب الكمال» ٥/ ٤٥٧ (١١٢٨).
(٦) سبقت ترجمته في حديث رقم (٣٦).
(٧) علي بن مُدْرك النخعي ثم الوهبيلي: روى له الجماعة، وقال عنه إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وكذا قال النسائي. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: صالح صدوق، ثم قال: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات».
وانظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣١١، «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٩٤ (٢٤٤٦)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٥٧ (١٣١٠)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٠٣ (١١١٦)، «الثقات» ٥/ ١٦٥، «تهذيب الكمال» ٢١/ ١٢٦ (٤١٣٣).



ثالثها: في معانيه وضبط ألفاظه:
سميت حجة الوداع؛ لأنه - ﷺ - ودعهم فيها وعلمهم أمر دينهم وأوصاهم بتبليغ الشرع لمن غاب عنه بقوله: «ليُبلغ الشاهدُ الغائبَ» والقياس في الحجة الفتح؛ لكونه اسمًا للمرة لا للهيئة، والمسموع: الكسر، قَالَ الهروي وغيره: هو المسموع في واحده (١).
وحضور جرير حجة الوداع يدل عَلَى تقدم إسلامه، فإنه قيل: أسلم في رمضان سنة عشر (٢)، وقد أسلفنا أنه قيل: أسلم قبل وفاته - ﷺ - بأربعين يومًا.
ومعنى «لا تَرْجِعوا»: لا تصيروا. قَالَ ابن مالك: رجع هنا بمعنى: صار (٣).
وقوله: «بَعْدي» أي: بعد فراقي من موقفي هذا، قاله الطبري (٤).
وقال غيره: «بَعْدِي» أي: خلافي، أي: لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به، ويحتمل أنه - ﷺ - علم أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته.
وقوله: «يضرب» هو برفع الباء عَلَى الصواب، وهو الرواية أي: لا تفعلوا فعل الكفار. فتشبهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضًا، ومحاربة بعضهم بعضًا، وهذا أولى الوجوه في تأويله كما قاله القاضي (٥).

--------------------
(١) انظر: «الصحاح» ١/ ٣٠٤ مادة: (حجج)، «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٣٤٠ - ٣٤١.
(٢) انظر: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ٥٦٠.
(٣) «شواهد التوضيح» ص ١٣٨.
(٤) «تفسير الطبري» ٦/ ٦٥ (١٥١٣٧).
(٥) «إكمال المعلم» ١/ ٣٢٤.



وقد جرى بين الأنصار كلام بمحاولة اليهود حتَّى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح، فأنزل الله: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ (١) [آل عمران: ١٠١]. أي: تفعلون فعل الكفار، وسياق الخبر دال عَلَى أن النهي عن ضرب الرقاب، وعما قبله بسببه كما جاء في حديث أبي بكرة: «إنَّ دماءَكُم وأمْوَالَكُم عليكُم حَرَام» وذكر الحديث، ثمَّ قَالَ: «ليُبلغ الشاهدُ الغائبَ، لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا» الحديث (٢).
فهو شرح لما تقدم من تحريم بعضهم عَلَى بعض، وفيه ستة أقوال أخر:
أحدها: أنه كُفر عَلَى بابه في حق المستحل لغير الحق.
وثانيها: أن المراد: كفر النعمة وحق الإسلام.
ثالثها: أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه.
رابعها: لا تكفروا حقيقة، بل دوموا مسلمين.
خامسها: أن المراد بالكفار: المتكفرون في السلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه، إِذَا لبسه، حكاه الخطابي (٣).
سادسها: لا يُكَفِّر بعضكم بعضًا، فتستحلوا قتال بعضكم بعضًا،

----------------------
(١) روى الطبري في «تفسيره» ٣/ ٣٧٥ (٧٥٣٣) عن ابن عباس قال: كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت هذِه الآية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ إلى آخر الآيتين، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾، إلى آخر الآية.
ورواه أيضًا ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٧٢٠ (٣٨٩٨)، والواحدي في «أسباب النزول» ١٢١ (٢٣٤).
(٢) سيأتي برقم (١٠٥) كتاب: العلم، باب: «ليبلغ العلم الشاهد الغائب».
(٣) «أعلام الحديث» ٣/ ١٧٨١.



ومن سكن الباء (١) أحال المعنى؛ لأن النهي عَلَى هذا التقدير يكون عن الكفر مجردًا، وضرب الرقاب جواب النهي ومجازاة الكفر، وسياق الخبر كما سلف يأباه، وجوزه أبو البقاء وابن مالك (٢) عَلَى تقدير شرط مضمر أي: إن ترجعوا يضرب.
رابعها: في فوائده:
فيه: التصريح بما بوب عليه البخاري من الإنصات للعلماء فإنه توقير لهم، وكيف لا وهم ورثة الأنبياء؟! وقد أمر الله تعالى أن لا يرفع الصوت فوق صوت النبي؛ خوف حبوط العمل (٣).
وفيه أيضًاة تحذير الأمة من وقوع ما يحذر فيه.
وتعلق به بعض أهل البدع في إنكار حجية الإجماع كما قَالَه المازري؛ لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز إجماعها عليه لما نهاها.
والجواب: أن الامتناع إنما جاء من جهة خبر الصادق لا من الإمكان، وقد قَالَ تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ومعلوم أنه معصوم (٤).

----------------------
(١) يقصد في قوله: «يضرب بعضكم».
(٢) «شواهد التوضيح» ص ١٩٨.
(٣) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢].
(٤) «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ٦٥.



٤٤ - باب مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ: أَىُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَيَكِلُ الْعِلْمَ إِلَى اللهِ
١٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -[قَالَ]: "قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَني إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ. فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيهِ، فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ أَن عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَل فَإِذَا فَقَدْتَهُ فهْوَ ثَمَّ. فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكَتَلِ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَل الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ، ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١]، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَب حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الذِي أُمِرَ بهِ. فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]. قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ -أَوْ قَالَ: تَسَجَّى بِثَوْبِهِ- فَسَلَّمَ مُوسَى. فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى. فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ [الكهف: ٦٦، ٦٧]، يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْم مِن عِلْمِ اللهِ عَلّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْم عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ. قَال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]. فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِل البَحْر لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ


يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ. فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلا كَنَقْرَةِ هذا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ. فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحٍ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ. فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَىَ سَفِينَتِهِمْ فخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا! ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٢، ٧٣]. فَكَانَتِ الأولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؟! [الكهف: ٧٤] ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٥]- قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: وهذا أَوْكَدُ- ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧]. قَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ فَأقَامَة. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٧، ٧٨]. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا». [انظر: ٧٤ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح: ١/ ٢١٧]
حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا سُفْيَانُ، ثنَا عَمْرٌو: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، حَدَّثَني أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: "قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ - ﷺ - خطِيبًا فِي بَني إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ .. الحديث بطوله.


والكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث سلف قريبًا في موضعين: مختصرًا من كتاب العلم (١)، وأتى به في كتاب الأنبياء أتم (٢)، وقد سلف في باب: ما ذكر من ذهاب موسى في البحر إلى الخضر تعداد طرقه (٣).
ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف.
ثالثها: في ألفاظه ومعانيه:
الأولى: نَوف: بفتح النون، والبِكَالي -بكسر الباء الموحدة وفتح الكاف المخففة وفي آخره لام- نسبة إلى بني بكال بطن من حمير، وهو نوف بن فضالة، قَالَ أبو العباس أحمد بن عمر: وعند أبي بحر والخشني بفتح الباء وتشديد الكاف، قَالَ: ونسبه بعضهم في حمير، وآخرون في همدان. قَالَ: وكان نوف عالمًا فاضلًا إمامًا لأهل دمشق (٤).
قَالَ ابن التين: وكان حاجبًا لعلي، وكان قاصًّا، وهو ابن امرأة كعب الأحبار عَلَى المشهور، وقيل: ابن أخته، وكنيته: أبو زيد، وقيل: أبو رشيد.

------------------------
(١) سبق برقم (٧٨) باب: الخروج في طلب العلم.
(٢) سيأتي برقم (٣٤٠٠ - ٣٤٠١) باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام.
(٣) سبق برقم (٧٤).
(٤) «المفهم» ٦/ ١٩٣. وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٢١٩: البكالي بفتح الموحدة وكسرها وتخفيف الكاف، ووهم من شددها منسوب إلى بكال بطن من حمير، ووهم من قال: إنه منسوب إلى بكيل -بكسر الكاف- بطن من همدان لأنهما متغايران. اهـ.



وقال ابن العربي في «الأحوذي»: لعله منسوب إلى بكيل: بطن من همدان (١). وليس كما قَالَ، فالمنسوب إلى ما ذكر هو أبو الوداك جبر بن نوف (٢) وغيره، وأما نوف هذا فمنسوب إلى بكال: بطن من حمير كما سلف، وهو المذكور في كتب الأنساب (٣).
الثانية قوله: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ). هذا قاله عَلَى سبيل الإغلاظ عَلَى القائل بخلاف قوله، فإنه ليس غيره وألفاظ الغضب تجيء عَلَى غير الحقيقة غالبًا (٤).
الثالثة: السائل هنا هو سعيد بن جبير، وابن عباس هو المخبر، ووقع فيما مضى أن ابن عباس تمارى هو والحر بن قيس في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبي بن كعب فسأله ابن عباس، فأخبره، فيحتمل أن سعيد بن جبير سأل ابن عباس بعد

--------------------
(١) «عارضة الأحوذي» ٢/ ١٢.
(٢) هو جبر بن نوف الهمداني البكالي، أبو الوداك الكوفي روى عن شريح بن الحارث القاضي، وأبي سعيد الخدري. قال ابن معين: ئقة، وقال النسائي: صالح. روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٢/ ٢٤٣، «الجمع بين رجال الصحيحين» ١/ ٨٠، «تهذيب الكمال» ٤/ ٤٩٥ - ٤٩٦.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٥٢، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٢٩ (٢٤٥١)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٥٠٥ (٢٣١١)، «الثقات» ٥/ ٤٨٣، «الأنساب» ٢/ ٢٦٩، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٦٥ (٦٤٩٨)، «تقريب التهذيب» (٧٢١٣).
(٤) قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٢١٩: قال ابن التين: لم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق، فيطلقون أمثال هذا الكلام لقصد الزجر والتحذير منه، وحقيقته غير مراده. قلت -أي: ابن حجر-: ويجوز أن يكون ابن عباس اتّهم نوفًا في صحة إسلامه، فلهذا لم يقل في حق الحر بن قيس هذِه المقالة مع تواردهما عليها، وأما تكذيبه فيستفاد منه أن للعالم إذا كان عنده علم بشيء فسمع غيره يذكر فيه شيئًا بغير علم أن يكذبه.



الواقعة الأولى المتقدمة لابن عباس مع الحر، فأخبره ابن عباس لمَّا سأله عن قول نوف أن موسى ليس موسى بني إسرائيل.
وجاء أن السائل غير ابن جبير، روي عن سعيد قَالَ: جلست إلى ابن عباس وعنده قوم من أهل الكتاب. فقال بعضهم: يا أبا عبد الله، إن نوفًا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا، فقال ابن عباس: كذب نوف، حَدَّثَنِي أُبَيّ وذكر الحديث.
الرابعة: قوله: «فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ». تقدم الكلام عليه في باب: ذهاب موسى إلى الخضر (١). فينبغي لمن سُئِلَ عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم. وقد قَالَ مالك: جُنة العالم: لا أدري، فإذا أخطأها أصيبت مقاتله (٢).
وقال ابن المنير: ظن الشارح -يعني: ابن بطال- أن المقصود من الحديث التنبيه عَلَى أن الصواب من موسى كان ترك الجواب، وأن يقول: لا أعلم (٣)، وليس كذلك. بل رد العلم إلى الله تعالى متعين، أجاب أولم يجب، فإن أجاب قَالَ: الأمر كذا والله أعلم. وإن لم يجب قَالَ: الله أعلم، ومن هنا تأدب المُفْتون في أجوبتهم بقولهم: والله أعلم. فلو قَالَ موسى: أنا والله أعلم، لكان صوابًا، وإنما وقعت المؤاخذة باقتصاره عَلَى: (أنا أعلم) (٤).
الخامسة: «مجمع البحرين» هما: بحر الروم مما يلي (المغرب) (٥)

---------------------
(١) سبق برقم (٧٤).
(٢) انظر: «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٧٧.
(٣) «شرح ابن بطال» ١/ ١٩٨.
(٤) «المتواري» ص ٦٤.
(٥) في الأصل: الغرب. والمثبت من (ف)، (ج).



وبحر فارس مما يلي (المشرق) (١). قاله قتادة (٢). وحكى الثعلبي عن أُبي بن كعب أنه بإفريقية (٣). وقيل: بحر الأردن وبحر القُلْزُم. قَالَ السهيلي: وقيل: بحر المغرب وبحر الزقاق، قَالَ ابن عباس: اجتمع البحران: موسى والخضر بمجمع البحرين.
السادسة: (الحوت): السمكة، وكا نت مالحة، و(المكتل) -بكسر الميم وفتح المثناة فوق-: القفة والزِّنبيل (٤)، و(فتاه): صاحبه: يوشع بن نون (٥). سلف.
السابعة: قوله: «حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا» وفي رواية للبخاري «وفي أصل (الصخرة) (٦) عين يقال لها: الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر» (٧).
وفي رواية أخرى له: «فَقَالَ فَتَاهُ: لَا أُوقِظُهُ. حَتَّى إِذَا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ أَنْ يُخْبِرَهُ، وأمسك الله عن الحوت (جِرْية) (٨) الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي يوشع أن يخبره» (٩).

------------------
(١) في الأصل: الشرق. والمثبت من (ف)، (ج).
(٢) انظر: «تفسير عبد الرزاق» ١/ ٣٤١ (١٦٩٣)، «تفسير الطبري» ٨/ ٢٤٥ (٢٣١٦٨)، «تفسير البغوي» ٥/ ١٨٥، «زاد المسير» ٥/ ١٦٤، «تفسير ابن كثير» ٩/ ١٦١.
(٣) وكذا ذكره البغوي في «تفسيره» ٥/ ١٨٥، وابن الجوزي في «زاد المسير» ٥/ ١٦٤.
(٤) يسع خمسة عشر صاعًا، انظر: «الصحاح» ٥/ ١٨٠٩ مادة (كتل).
(٥) وقع بهامش الأصل تعليق نصه: في خط المصنف في الهامش: ونون مصروف كنوح.
(٦) في الأصل: شجرة، والصواب ما أثبتناه.
(٧) ستأتي برقم (٤٧٢٧) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا﴾.
(٨) في (ج): الجرية، والمثبت من الأصل.
(٩) سيأتي برقم (٤٧٢٥)، (٤٧٢٦) كتاب: التفسير.



فنسي يوشع وحده ونسب النسيان إليهما، فقال تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] كما قَالَ تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من الملح، وقيل: نسي موسى أن يتقدم إلى يوشع في أمر الحوت، ونسي يوشع أن يخبره بذهابه ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١] صار عليه الماء مثل الطاق، والطاق: عقد البناء وهو الأزج، وهو ما عُقد أعلاه بالبناء، وترك تحته خاليًا (١).
(والصخرة): هي التي دون نهر الزيت بالمغرب (٢)، قَالَ أُبي بن كعب: إفريقية. وقال مجاهد: بين البحرين (٣).
الثامنة: انتصب (سربًا) عَلَى المفعول كما قَالَ الزجاج، أو عَلَى المصدر كأنه قَالَ: سرب الحوت سربًا.
قَالَ ابن عباس: أحيا الله الحوت فاتخذ سبيله في البحر سربا، والسرب: حفير تحت الأرض. وجاء: «فجعل الماء لا يلتئم حتَّى صار كالكوة» (٤).
التاسعة: الضمير للحوت ويؤيده قوله: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ وكان لموسى وفتاه عجبًا -ويبعد أن يكون لموسى- أي: اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر سربًا- أي: مذهبًا ومسلكًا- فإنه اتبع أثره ويبس الماء في ممره، فصار طريقًا.

------------------
(١) انظر: «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٢٣١، «المجمل» ص ٥٩٠.
(٢) ذكره البغوي في «تفسيره» ٥/ ١٨٧ عن معقل بن زياد.
(٣) هذا الأثر رواه الطبري في «تفسيره» ٨/ ٢٤٧ (٣٢١٧٩)، وذكره ابن أبي حاتم ٧/ ٢٣٧٦ (١٢٨٨٩).
(٤) رواه الطبري في «تفسيره» ٨/ ٢٤٨ (٢٣١٨٥) من حديث أبي بن كعب.



العاشرة: قوله: «فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا» كذا جاء هنا، وفي كتاب التفسير (١) ومسلم (٢): «بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا ولَيْلَتِهِمَا» وهي الصواب لقوله: «فلما أصبح» وفي رواية: «حتَّى إِذَا كان من الغد» (٣) قَالَ النووي: وضبطوه، -يعني: في مسلم- بنصب «ليلتهما» وجرها (٤).
الحادية عشرة: قوله: (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾) [الكهف: ٦٤] أي: يقصان قصصا، أي: فرجعا يقصان آثارهما حتَّى أتيا الصخرة، وفي مسلم: «فأراه مكان الحوت، فقال: ها هنا وصف لي» (٥) وفيه: «فأتيا جزيرة فوجدا الخضر قائمًا يصلي عَلَى طنفسة خضراء عَلَى كبد البحر» (٦) أي: وسطه، وفي البخاري: «فلما انتهى إلى الصخرة إِذَا رجل مسجى بثوب، أو قَالَ: تسجى بثوبه» (٧) أي: مغطى به كله كتغطية الميت وجهه ورجليه وجميعه. كما جاء في رواية أخرى له: «قَدْ جعل طرفه تحت رجله، وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى، فكشف الخضر عن وجهه» (٨).
الثانية عشرة: قوله: (فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟) قَالَ عياض: تجيء أنَّى بمعنى: أين ومتى وحيث وكيف، قَالَ: وهذا يدل

-------------------
(١) رقم (٤٧٢٥) باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾.
(٢) مسلم (٢٣٨٠) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر - عليه السلام -.
(٣) وهي رواية البخاري السابقة رقم (٤٧٢٥).
(٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٥/ ١٣٨.
(٥) مسلم (٢٣٨٠/ ١٧٢) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر - عليه السلام -.
(٦) سيأتي برقم (٤٧٢٦)، ولم أجد هذا اللفظ عند مسلم.
(٧) حديث الباب.
(٨) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.



عَلَى أن السلام لم يكن معروفًا عندهم إلا في خاصة الأنبياء والأولياء، أو كان موضع بلاد كفر وهم ممن لا يعرف السلام (١).
الثالثة عشرة: معنى ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]: إنك سترى شيئًا ظاهره منكر ولا تصبر عليه، «يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَة لَا أَعْلَمُه أنا». وفي رواية أخرى لَهُ: «: فَمَا شَأْنُكَ؟ وَأَنَّ الوَحْيَ يَأْتِيكَ؟ يَا مُوسَى، إِنَّ لِي عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَهُ، وَإِنَّ لَكَ عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْلَمَة» (٢) ولم يسأله موسى عن شيء من دينه؛ لأن الأنبياء لا تجهل شيئًا من دينها التي تعبدت به أمتها، وإنما سأله عما لم يكن عنده علمه مما ذكر في السورة.
الرابعة عشرة: (السفينة) فعيلة بمعنى: فاعلة كأنها تسفن الماء، أي تقشره.
و(النول): -بالواو- والمنال والمنالة كله: الجُعل، وأما النيل والنوال: فالعطية ابتداءً، يقال: رجل نال إِذَا كان كثير النوال، كما قالوا: رجل مال أي: كثير المال، تقول: نلت الرجل أنوله نولًا، ونلت الشيء أناله نيلًا.
وقال صاحب «العين»: أنلته المعروف ونلته ونولته، والاسم النول والنيل يقال: نال ينال منالًا ومنالة (٣)، والنولة (٤): اسم

----------------------
(١) «إكمال المعلم» ٧/ ٣٧١ - ٣٧٢ وورد بهامش الأصل تعليق نصه: بلغ في السادس بعد الثلاثين كتبه مؤلفه.
(٢) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
(٣) «العين» ٨/ ٣٣٣، مادة: (نول).
(٤) في (ج): والنيلة.



للقبلة (١). و«العصفور»؟ بضم العين.
الخامسة عشرة: قوله: «فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هذا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ» اعلم أن لفظ النقص هنا ليس عَلَى ظاهره؛ فإنَّ علم الله لا يدخله الزيادة ولا النقصان، وإنما هذا عَلَى جهة التمثيل.
والمعنى: أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما نقر العصفور من البحر، فإنه لقلته وحقارته لا يظهر، فكأنه لم يأخذ شيئًا وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ (٢) الآية [الكهف: ١٠٩].
قَالَ القاضي عياض: أو يرجع ذَلِكَ في حقهما أي: ما نقص علمنا مما جهلنا من معلومات الله إلا مثل هذا في التقدير، وجاء في البخاري: «ما علمي وعلمك في جنب علم الله (- أي: معلومه- إلا كما أخذ هذا العصفور» وقال بعضهم أن «إلا» هنا بمعنى: ولا، كأنه قال: ما نقص

------------------
(١) انظر: «لسان العرب» ٣/ ٤٥٨٣، مادة: (نول).
(٢) قال شيخ الإسلام في «الفتاوى الكبرى» ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠: ومن المعلوم أن علم الله القائم بنفسه لا يزول منه شيء بتعلم العباد، وإنما المقصود أن نسبة علمي وعلمك إلى علم الله كنسبة ما علق بمنقار العصفور إلى البحر، ومن هذا الباب كون العلم يورث كقوله: «العلماء ورثة الأنبياء». ومنه قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، ومنه توريث الكتاب أيضًا كقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ﴾ [فاطر: ٣٢]، ومثل هذِه العبارة من النقص ونحوه تستعمل في هذا وإن كان العلم الأول ثابتًا، كما قال سعيد بن المسيب لقتادة، وقد أقام عنده أسبوعًا سأله فيه مسائل عظيمة حتى عجب من حفظه وقال: نزفتني يا أعمى.
وإنزاف القليب ونحوه هو رفع ما فيه بحيث لا يبقى فيه شيء، ومعلوم أن قتادة لو تعلم جميع علم سعيد لم يُزل علمه من قلبه كما يزول الماء من القليب. اهـ



علمي وعلمك من علم الله) (١) ولا ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر لما تقدم من أن علم الله تعالى لا ينقص بحال، ولا حاجة إلى هذا التكلف؛ لما بيناه من التمثيل (٢).
السادسة عشرة: قوله: «فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ» قَالَ المفسرون: قلع لوحين مما يلي الماء. وفي البخاري: «فوَتَدَ فِيهَا وَتدًا» (٣)، وفيه: «فعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى قَدُومٍ فَخَرَقَ به».
السابعة عشرة: في خرقه السفينة -كما قَالَ القاضي- مخافة أخذ الغاصب، حجة للنظر في المصالح ودفع أخف الضررين، والإغضاء عَلَى بعض المنكرات مخافة أن يتولد من عدم (تغييرهما) (٤) ما هو أشد، وجواز إفساد بعض المال لإصلاح باقيه، وخصاء الأنعام لسمنها، وقطع بعض آذانها للتمييز (٥).
الثامنة عشرة: قوله: «فَعَمَدَ» هو بفتح العين والميم، يقال: عَمَد بفتح الميم في الماضي، يعمد بكسرها في المستقبل.
التاسعة عشرة: معنى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣] أي: غفلتُ، وقيل: لم ينس ولكنه ترك، والترك يسمى نسيانًا. وفي البخاري: «فكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا» وفي موضع آخر منه: «وَالْوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا» وقيل: نسي في الأولى فاعتذر، ولم ينس في

-------------------
(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٢) «إكمال المعلم» ٧/ ٣٧٧.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
(٤) كذا في الأصل، (ج)، والأولى: تغييرها.
(٥) «إكمال المعلم» ٧/ ٣٧٢.



الثانية فلم يعتذر (١).
العشرون: معنى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ [الكهف: ٧٣]: لا تغشني (٢)، وقيل: لا تلحق بي وهمًا، يقال: رهقه الشيء بالكسر يرهقه بالفتح رهقًا بالتحريك إِذَا غشيه، وأرهقته: كلفته ذَلِكَ، يقال: لا ترهقني لا أرهقك الله أي: لا تعسرني لا أعسرك الله.
الحادية بعد العشرين: قوله: («فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ») وجاء فيه في بدء الخلق: «فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَطَعَهُ بيده هكذا» (٣) وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئًا، وفيه في التفسير: «فَبَيْنَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، إِذْ أَبْصَرَ الخَضِرُ غُلَامًا مَعَ الغِلْمَانِ فَاقْتَلَعَ رأسه فَقَتَلَهُ» (٤). وجاء: «فوجَدَ غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ، فَأَخَذَ غُلَامًا كَافِرًا ظَرِيفًا فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ» (٥).
وقال الكلبي: صرعه ثمَّ نزع رأسه من جسده فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] أي: طاهرة. وفي مسلم: «فَذُعِرَ مُوسَى (ذَعْرَةَ مُنْكِرٍ) (٦) عندها». وفيه أيضًا: «وَأَمَّا الغُلَامُ فَطُبعَ يَوْمَ طُبعَ كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا» (٧)،

--------------------
(١) سيأتي (٤٧٢٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾، وبرقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
(٢) انظر: «زاد المسير» ٥/ ١٧١ وورد بهامش الأصل تعليق نصه: من خط المؤلف في الهامش: وقيل: تكلفني، وقيل: تحملني.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾.
(٤) سيأتي برقم (٤٧٢٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾.
(٥) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾.
(٦) كذا في الأصل بالإضافة، وفي (ج): ذعرةً منكرةً.
(٧) رقم (٢٣٨٠/ ١٧٢) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر - عليه السلام -.



وهو معنى قوله: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠] والطغيان: الزيادة في الإضلال.
قَالَ البخاري: وكان ابن عباس يقرؤها: (وكان أبواه مؤمنين وكان هو كافرًا) (١). وعنه: وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين (٢).
وأوَّل ابن بطال قوله: «كان كافرًا» باعتبار ما يئول إليه لو عاش.
قَالَ: ووجه (استباحة) (٣) القتل لا يعلمه إلا الله، ولله تعالى أن يميت من شاء من خلقه قبل البلوغ وبعده، ولا فرق بين قتله وموته، وكل ذَلِكَ لا اعتراض عليه فيه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (٤).
فائدة: الغلام جيسور كما ذكره في التفسير (٥)، وهو بجيم وسين وراء مهملة، قاله ابن ماكولا (٦). وغيره ذكر أنه اسم الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا، وهو عجيب، ومنهم من أبدل الراء بنون، وسيأتي فيه زيادة في التفسير.
وقال ابن جرير: أخذ الخضر صخرة فثلغ بها رأسه (٧).
واسم أبيه: كازيري، وأمه: سهوى، وقيل: اسم أبيه: ملاس، واسم أمه: رحمى.

---------------------
(١) سيأتي برقم (٤٧٢٦) في التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
(٢) سيأتي برقم (٤٧٢٥) كتاب: التفسير، باب: وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح …
(٣) في الأصل، ج، ف: استنجائه. والمثبت من «شرح ابن بطال».
(٤) «شرح ابن بطال» ١/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(٥) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، وبرقم (٤٧٢٧) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾، وانظر «تفسير ابن أبي حاتم» ٧/ ٢٣٨٠ (١٢٩٢٣).
(٦) «الإكمال» ٢/ ٣٧٧.
(٧) «تفسير الطبري» ٨/ ٢٥٣.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #82  
قديم 22-01-2026, 04:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,654
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 646 الى صـــ 665
الحلقة (82)





سعيد بن منصور، عن أبي الأحوص، عن أشعث، وعن أبي بكر، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن أشعث، عن الأسود) (١)
وأخرجه من حديث عروة (٢)، وحديث عبد الله بن الزبير وفيه: سمعت عائشة (٣).
وأخرجه مسلم فيما انفرد به أن عبد الملك بن مروان (٤)، بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ قَالَ: قَاتَلَ اللهُ ابن الزُّبَيْرِ حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ المُؤمِنِينَ. يَقُولُ: سَمِعْتهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَائِشَةُ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ البَيْتَ حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ. فَإِنَّ قَوْمَكِ اقَتصَّرُوا فِي البِنَاءِ». فَقَالَ الحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَقُلْ هذا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَنَا سَمِعْتُها تُحَدِّثُ بهذا. قَالَ: لَوْ كنْتُ سَمِعْتُة قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ، لَتَرَكْتُة عَلَى مَا بَنَى ابن الزُّبَيْرِ (٥).
وفي بعض طرق حديث الأسود: أن ابن الزبير قَالَ له: ما نسيت أذكرك. وهذِه الرواية تدل عَلَى أن ابن الزبير سمعه من عائشة بغير واسطة، وقد سلف، لكنه أراد أن يثبت ذَلِكَ رواية غيره عن عائشة ليرد به (على من) (٦) يتكلم عليه.
وللبخاري في الحج من حديث الأسود: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ،

-------------------
(١) ساقطة من (ج). رواهما مسلم (١٣٣٣/ ٤٠٥، ٤٠٦) كتاب: الحج، باب: جدر الكعبة وبابها.
(٢) سيأتي برقم (١٥٨٥)، (١٥٨٦) كتاب: الحج، باب: فضل مكة.
(٣) رواه مسلم (١٣٣٣/ ٤٠٢).
(٤) وقع في الأصل، (ج) بعد مروان: وان.
(٥) مسلم (١٣٣٣/ ٤٠٤) كتاب: الحج، باب: نقض الكعبة وبنائها.
(٦) في (ج): عمن.



وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بالأَرْضِ» (١). وفي حديث عروة: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيم». فَذَلِكَ الذِي حَمَلَ ابن الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما عَلَى هَدْمِهِ. قَالَ يَزِيدُ راوي الحديث: وَشَهِدْتُ ابن الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ. وفيه أنه حزر مِنَ الحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا (٢).
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف.
أما الأسود (ع) فهو أبو عبد الرحمن الأسود بن يزيد بن قيس بن عبيد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان بن ذهل بن بكر بن عوف النخعي التابعي الجليل الثقة الحبر، أخو عبد الرحمن بن يزيد، وابن أخي علقمة بن قيس، وهو أسن من علقمة، وهو أيضًا خال إبراهيم النخعي.
روى عن عائشة وغيرها من الصحابة. وعنه أبو إسحاق وغيره، سافر ثمانين حجة وعمرة ولم يجمع بينهما، وكذا ولده عبد الرحمن، وقيل: إنه كان يصلي كل يوم سبعمائة ركعة، وكانوا يقولون: إنه أقل أهل بيته اجتهادًا، وصار عظمًا وجلدًا، وكانوا يسمون آل الأسود من أهل الجنة. مات سنة خمس وسبعين، وقيل: أربع (٣).

-----------------------
(١) سيأتي برقم (١٥٨٤) كتاب: الحج، باب: فضل مكة وبنيانها.
(٢) سيأتي برقم (١٥٨٦) كتاب: الحج، باب: فضل مكة وبنيانها.
(٣) الأسود بن يزيد بن قيس النخعي. قال الإمام أحمد: ثقة، من أهل الخير. وقال إسحاق، عن يحيى: ثقة. قال محمد بن سعد: ثقة، وله أحاديث صالحة. =



فائدة:
في الصحيحين الأسود جماعة غير هذا، منهم الأسود بن عامر شاذان (١).
وأما إسرائيل فهو أبو يوسف إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني الثقة -وخالف ابن المديني فضعفه- سمع جده وغيره، وعنه شبابة وغيره، قَالَ يحيى: هو أقرب حديثًا، وشريك أحفظ. ولد سنة مائة، ومات سنة ستين ومائة. وقيل: سنة إحدى. وقيل: سنة اثنتين وستين (٢).

------------------
= انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٧٠، «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٩١ (١٠٦٧)، «تهذيب الكمال» ٣/ ٢٣٣ (٥٠٩).
(١) هو الأسود بن عامر شاذان أبو عبد الرحمن الشامي نزيل بغداد روى عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد وشريك بن عبد الله وإسرائيل بن يونس وغيرهم. قال أبو حاتم عن علي بن المديني: ثقة، وقال ابن سعد: كان صالح الحديث، وقال أحمد بن حنبل: ثقة. مات سنة ثمان وستين.
انظر ترجمته في: «الطبقات» ٧/ ٣٣٦، «الجرح والتعديل» ١/ ١ (٩٤)، «تاريخ بغداد» ١/ ٤٤٨ (١٤٣١)، «تهذيب الكمال» ٣/ ٢٢٦ (٥٠٣).
(٢) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني السبيعي. قال عبد الرحمن بن مهدي عن عيسى بن يونس: قال لي إسرائيل: كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة.
قال أبو طالب: سئل أحمد: أيهما أثبت شريك أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل كان يؤدي ما سمع، كان أثبت من شريك. قلت: من أحب إليك يونس أو إسرائيل في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل؛ لأنه كان صاحب كتاب.
وقال ابن حجر: وهو كما قال ابن معين، فتوجه أن كلام يحيى القطان محمول على أنه أنكر الأحاديث التي حدثه بها إسرأئيل عن أبي يحيى، فظن أن النكارة من قبله، وإنما هي من قبل أبي يحيى كما قال ابن معين، وأبو يحيى ضعفه الأئمة النقاد، فالحمل عليه أولى من الحمل على من وثقوه والله أعلم، احتج به =



ثالثها: في فوائده:
فيه: ترك شيء من الأمر بالمعروف، إِذَا خشي منه أن يكون سببًا لفتنة قوم ينكرونه ويسرعون إلى خلافه واستبشاعه، وترك المصلحة لمعارضة مفسدة أشد منها، فخشي - ﷺ - أن تنكر ذَلِكَ قلوبهم لقرب عهدهم بالكفر، ويظنون أنه فعل ذَلِكَ لينفرد بالفخر، وعظم هدمها لديهم.
وقد روي أن قريشًا حين بنت البيت في الجاهلية تنازعت فيمن يجعل الحجر الأسود، فحكَّمُوا أول رجل يطلع عليهم، فطلعَ النبي - ﷺ -، فرأى أن يحمل الحجر في ثوب، وأمر كل قبيلة أن تأخذ بطرف الثوب، فرضوا بذلك (١). ولم يروا أن ينفرد بذلك واحد منهم خشية أن ينفرد بالفخر.
فلما ارتفعت الشبهة فعل فيه ابن الزبير ما فعل، فجاء الحجاج فردَّه كما كان، وتركه من بعده خشية أن يتلاعب الناس به، فيكثر هدمه وبنيانه، فتذهب هيبته من صدور الناس، كما قاله الإمام مالك لما سأله عن ذَلِكَ هارون الرشيد (٢).
وفيه: أن النفوس تُساس بما تُساس إليه في الدين من غير الفرائض بأن يترك ويرفع عن الناس ما ينكرون منها كما قررناه.

------------------
= الأئمة كلهم.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٥٦ (١٦٦٩)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٣٣٠ (١٢٥٨)، «تاريخ بغداد» ٧/ ٢٠ (٣٤٨٨)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٥١٥ (٤٠٢).
(١) رواه ابن إسحاق في «سيرته» ص ٨٧ (١١٣)، والأزرقي في «أخبار مكة» ١/ ١٥٩.
(٢) انظر: «التمهيد» ١٠/ ٥٠.



فائدة:
بنيت الكعبة مرات، الملائكة، ثمَّ إبراهيم، ثمَّ قريش في الجاهلية،
وحضر النبي - ﷺ - هذا البناء وهو ابن خمس وثلاثين -وقيل: خمس وعشرين- وفيه سقط عَلَى الأرض حين رفع إزاره، ثمَّ بناه ابن الزبير، ثمَّ بناه الحجاج بن يوسف واستمر، وقيل: مرتين أخريين أو ثلاثًا.
فائدة أخرى:
استدل أبو محمد الأصيلي فيما حكاه ابن بطال من هذا الحديث في مسألة من النكاح، ذلك أن جارية يتيمة غنية كان لها ابن عم وكان فيه ميل إلى الصبا، فخطب ابنة عمه وخطبها رجل غني، فمال إليه الوصي، وكانت اليتيمة تحب ابن عمها ويحبها، فأبى وصيها أن يزوجها منه، ورفع ذَلِكَ إلى القاضي، وشاور فقهاء وقته، فكلهم أفتى أن لا تزوج من ابن عمها، وأفتى الأصيلي أن تزوج منه خشية أن يقعا في المكروه، استدلالًا بهذا الحديث، فزوجت منه (١).

-------------------
(١) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٠٦.


٤٩ - باب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا
وَقَالَ عَلِيٌّ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟

١٢٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَعْرُوفٍ بْنِ خَرَّبُوذٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ. [فتح: ١/ ١٢٧].

١٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرّحْلِ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: «يَا مُعَاذُ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلَاثًا، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أفَلَا أخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا». وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. [١٢٩ - مسلم: ٣٢ - فتح: ١/ ٢٢٦]

١٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لُمِعَاذٍ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ». قَالَ: ألَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا». [انظر: ١٢٨ - مسلم ٣: ٢ - فتح: ١/ ٢٢٧]
حَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ مَعْرُوفٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قال: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟
حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، (ثَنَا) (١) مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ ثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ومُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ:

-------------------
(١) في (ج): أخبرنا.


«يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: «يَا مُعَاذُ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلَاثًا، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أخْبرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا». وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثنا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِمُعَاذٍ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ». قَالَ: أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا، أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا».
الكلام عَلَى هذِه الأحاديث:
أما حديث علي فالكلام عَلَى إسناده ثمَّ متنه.
أما إسناده: فعلي - رضي الله عنه - سلف.
وأبو الطفيل هو عامر بن واثلة، وقيل: عمرو بن عبد الله بن عمرو بن جحش بن جري بن سعد بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني الليثي.
ولد عام أحد، كان يسكن الكوفة، ثمَّ سكن مكة إلى أن مات. وعن سعيد الجريري، عن أبي الطفيل قَالَ: لا يحدثك أحد اليوم في وجه الأرض أنه رأى النبي - ﷺ - غيري.
وكان من أصحاب على المحبين له، وشهد معه مشاهده كلها، وكان ثقة مأمونًا، يعترف بفضل الشيخين، فاضلًا بليغًا عاقلًا شاعرًا محسنًا.
قَالَ ابن عبد البر في «كناه»: وكان فيه تشيع. قَالَ: وكان من (كبار) (١) التابعين. روي لَهُ عن النبي - ﷺ - تسعة أحاديث، وهو آخر من مات من الصحابة عَلَى الإطلاق كذا قاله غير واحد.

-------------------
(١) كذا في الأصل، وفي (ج): أكابر.


لكن ذكر ابن دريد في كتاب «الاشتقاق الكبير»: عكراش بن ذؤيب (ت. ق)، وقَالَ: لقي النبي - ﷺ -، وله حديث، وشهد الجمل مع عائشة. فقال الأحنف: كأنكم به، وقد أتي به قتيلًا أو به جراحة لا تفارقه حتَّى يموت، فضرب يومئذ عَلَى جهة أنفه، فعاش بعدها مائة سنة (١). وأثر الضربة به (٢). فعلى هذا تكون وفاته بعد سنة خمس وثلاثين ومائة.
وأبو الطفيل أكثرهم لا يُثْبِت لَهُ صحبة، إنما يذكرون لَهُ رؤية، والبخاري أخرج لَهُ هنا هذا الأثر خاصة عن علي، وأخرج لَهُ مسلم في الحج (٣)، وصفة النبي - ﷺ - (٤)، وعن معاذ وغيره من الصحابة، وروى لَهُ أيضًا الأربعة، مات سنة عشر ومائة عَلَى الصحيح بمكة (٥).
وأما معروف (خ م دق) فهو ابن خربوذ المكي مولى قريش روى عن أبي الطفيل وغيره. وعنه عبيد الله بن موسى وغيره، وروى لَهُ مسلم وأبو

---------------------
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قال بعض أشياخنا: وهذا باطل لا أصل له، والذي أوقع ابن دريد في ذلك ابن قتيبة في «المعارف» وهو إما باطل أو مثول بأنه استكمل بعد الجمل مائة سنة. وصحح الذهبي في «الوفيات» أنه توفي سنة عشر ومائة، وكذا في «الكاشف» له. اهـ.
قلت: انظر: «المعارف» لابن قتيبة ص ٣١٠، «الكاشف» للذهبي ١/ ٥٢٧.
وقد أورد هذا التعليق الناسخ في «حاشيته على الكاشف» ٢/ ٣٢، وأشار إلى أن القائل من شيوخه هو الحافظ زين الدين العراقي.
(٢) «الاشتقاق الكبير» ص ٢٤٩.
(٣) مسلم (١٢٦٤، ١٢٦٥)، باب: استحباب الرمل في الطواف، (١٢٧٥) باب: جواز الطواف على بعير وغيره …
(٤) مسلم (٢٣٤٠) كتاب: الفضائل، باب: كان النبي - ﷺ - أبيض مليح الوجه.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: وصحيح الذهبي في «الوفيات» أنه توفي سنة عشر ومائة. وكذا في «الكاشف» اهـ. وانظر ترجمته في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٤١ (٧٥١)، «الاستيعاب» ٢/ ٣٤٧ (١٣٥٢)، «أسد الغابة» ٣/ ١٤٥ (٢٧٤٥)، «الإصابة» ٢/ ٢٦١ (٤٤٣٦).



داود وابن ماجه، وضعفه ابن معين، وقواه غيره، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه (١).
وأما عبيد الله هو ابن موسى وقد سلف.
وأما متنه: فمعناه أنه ينبغي أن يحدث كل أحد عَلَى قدر فهمه، ولا يحدثه بما يُشتبه عليه، فيذهب في معناه إلى غير ما أريد به، وقد ذكر مسلم في مقدمة «صحيحه» بإسناده الصحيح إلى ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَة» (٢).
وأما حديث أنس، عن معاذ فالكلام عليه أيضًا من وجهين:
أحدهما: في التعريف برواته غير من سلف التعريف به.
أما معاذ (ع) بن جبل هو الخزرجي النجيب، جمع القرآن في حياته - ﷺ -، كان يشبه بإبراهيم، كان أمة قانتًا لله حنيفًا. مات بالأردن سنة ثماني عشرة (٣).
وأما معاذ (ع) بن هشام فهو الدستوائي البصري سكن ناحية من

-------------------
(١) معروف بن خربوذ المكي، مولى عثمان، ويقال عن ابن عيينة: إنه معروف بن مشكان، وذلك وهم. قال عبيد بن معاذ الحنفي عن معروف بن خربوذ مولى عثمان: كنت أتكلم في القدر فأتيت جعفر بن علي فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ السلام. وقال ابن حجر: صدوق ربما وهم، وكان أخباريًا علامة.
انظر: «التاريخ الكبير» ٧/ ٤١٤ (١٨١٦)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٨٧ (١٧٥٨)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٢١ (١٤٨١)، «الثقات» ٥/ ٤٣٩، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٢٦٣ (٦٠٨٦)، «تقريب التهذيب» ص ٥٤٠ (٦٧٩١).
(٢) انظر: مقدمة «صحيح مسلم» ١/ ٩.
(٣) انظر ترجمته في «الاستيعاب» ٣/ ٤٥٩ (٢٤٤٥)، «أسد الغابة» ٥/ ١٩٤ (٤٩٥٣)، «الإصابة» ٣/ ٤٢٦ (٨٠٣٧).



اليمن، ومات بالبصرة سنة مائتين. روى عن أبيه وابن عون، وعنه أحمد وغيره، قَالَ ابن معين: صدوق، وليس بحجة، وعنه أيضًا، وقد سئل: أهو أثبت في شعبة أو غندر؟ فقال: ثقة، ثقة. وقال ابن عدي: ربما يغلط في الشيء وأرجو أنه صدوق (١)، وأما والده فسلف في باب: زيادة الإيمان ونقصانه.
وأما إسحاق بن إبراهيم (خ، م، د، ت، س) فهو الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه بن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله بن مطر المروزي، أمير المؤمنين، الإمام المجمع عَلَى جلالته وعلمه وفضله وحفظه.
روى عنه مَنْ عدا ابن ماجه، وبَقِيَّةُ شيخُه، وخَلْق من آخرهم السراج.
وروى عن جرير، ومعتمر، ومعاذ، وطبقتهم. وُلدَ أبوه بطريق مكة فقالت المراوزة: راهوي؛ لأنه ولد في الطريق، والطريق بالفارسية: راه، وكان يكره هذا النعت (٢).
أملى مسنده من حفظه، وأملى مرة أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثمَّ قرئت عليه فما زاد حرفًا ولا نقص حرفًا، وعنه قَالَ:

---------------------
(١) معاذ بن هشام بن أبي عبد الله واسمه سنبر.
قال أبو أحمد بن عدي: ولمعاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة حديث كثير، ولمعاذ عن غير أبيه أحاديث صالحة، وهو ربما يغلط في الشيء، بعد الشيء، وأرجو أنه صدوق، وقال ابن حجر في مقدمة «الفتح»: لم يكثر له البخاري واحتج به الباقون.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٦٦ (١٥٧٢)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٤٩ (١١٣٣)، «الثقات» ٩/ ١٧٦ - ١٧٧، «الكامل» ٨/ ١٨٧ (١٩١٣)، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ١٣٩ (٦٠٣٨)، «مقدمة فتح الباري» ص ٤٤٤.
(٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قوله: (وكان يكره هذا النعت) أي: أبوه، وأما هو فلا يكره ذلك.



أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها. وأحفظ سبعين ألف حديث عَلَى ظهر قلبي، وأحفظ أربعة آلاف حديث مزورة؛ لأفليها من الأحاديث الصحيحة. وثناء الحفاظ عليه مشهور.
وقال أبو داود: تغير قبل موته بخمسة أشهر، وأنكر عليه غيره زيادته في حديث ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة دون أصحاب الزهري: «وإن كان ذائبًا (لما) (١) تقربوه» (٢) ويجوز أن يكون الخطأ من بعد إسحاق، وكذا حديث أنس روى فيه جمع التقديم بين الظهر والعصر، والذي في الصحيحين جمع التأخير.
ولد سنة إحدى وستين ومائة وقيل: سنة ست ومات في شعبان سنة ثماني وثلاثين ومائتين بنيسابور عن سبع وسبعين سنة.
فائدة: أخرج البخاري هنا لإسحاق بن راهويه. قَالَ أبو علي الجياني: وفي موضعين في الصلاة، وفي الأنبياء وشهود الملائكة، وفي باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: ٢٥]. وفي كتاب النبي - ﷺ - إلى قيصر وكسرى، وتفسير براءة والممتحنة، والذبائح، والاستئذان: حَدَّثَنَا إسحاق، ثنا يعقوب.
نسبه ابن السكن في بعض هذِه المواضع إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وجاء منسوبًا عند الأصيلي، وابن السكن في الفتيا وهو واقف عَلَى الدابة: حدثنا إسحاق بن منصور، أنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، عن صالح. وفي: حج الصبيان، نسبه الأصيلي أيضًا: إسحاق بن منصور.

--------------------
(١) كذا في الأصل، (ج). والذي في (ف)، و«صحيح ابن حبان»: فلا.
(٢) وواه ابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٢٣٤ (١٣٩٢) من طريق إسحاق بن إبراهيم.



قَالَ الكلاباذي: إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن منصور يرويان عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري (١).
ثانيهما: في ألفاظه ومعانيه:
الأولى: قوله: (يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) أما (ابن) فمنصوب قطعًا (٢) ويجوز في معاذ النصب والرفع، واختار ابن الحاجب النصب عَلَى أنه (تابع لـ (ابن) فيصيران) (٣) كاسم واحد مركب كأنه أضيف إلى جبل، والمنادى المضاف منصوب قطعًا، واعترضه ابن مالك فقال: الاختيار الضم؛ لأنه منادى علم ولا حاجة إلى إضمار.
الثانية: (لبيك): مشتق من لب يقال: لب بالمكان لبًا وألب إلبابًا إِذَا أقام به، وبني؛ لأن معناه إجابة بعد إجابة كما قالوا: حنانيك. أي: رحمة بعد رحمة.
قَالَ الأزهري: ومعنى لبيك: أنا مقيم عَلَى طاعتك، إقامة بعد إقامة، أصلها لبين فحذفت النون للإضافة. قَالَ الفراء: نصبت عَلَى المصدر (٤)، أي: كقولك: حمدًا وشكرًا.
الثالثة: الرديف: الركوب خلف الدابة. قَالَ ابن سيده: ردف الرجل وأردفه وارتدفه: جعله خلفه عَلَى الدابة، ورديفك: الذي يرادفك، والجمع: رُدَفاء ورُدَافي، والرديف: الراكب خلفك، والرداف: موضع مركب الرديف (٥).

----------------------
(١) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٦٢ - ٩٦٤.
(٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: يجوز فيه الضم، ذكره ابن مالك … ومثله فاعلمه.
(٣) كذا في الأصول، والمعنى لا يستقيم، ولعل الصواب: على أنه مع ما بعده كاسم واحد. انظر: «فتح الباري» ١/ ٢٢٦.
(٤) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٢٢٤.
(٥) «المحكم» ١٠/ ٢٧.



وفي «الصحاح»: كل شيء تبع شيئًا فهو ردفه (١). وفي «مجمع الغرائب»: ردفته ركبت خلفه. وأردفته: أركبته خلفي. وفي «جامع القزاز»: أنكر بعضهم الرديف، وقال: إنما هو الردف، وحكي: ردفت الرجل وأردفته إِذَا ركبت وراءه، وإذا جئت بعده.
وأرادف الملوك في الجاهلية: هم الذين كانوا يخلفون الملك كالوزراء. وعند ابن حبيب: يركب مع الملك عديله أو خلفه، وإذا قام الملك جلس مكانه، وإذا سقي الملك سقي بعده. وقد جمع ابن منده أرداف النبي - ﷺ - فبلغوا نيفًا وثلاثين رديفًا.
الرابعة: إن قُلْت: أخبر الشارع - ﷺ - أنه إِذَا قَالَ ذَلِكَ حرم عَلَى النار، ومظالم العباد لا تسقط إجماعًا، وأيضًا من خلط، ففعل المحرم وضيع ما وجب، تحت المشيئة، فكيف يجمع بين ذلك؟
قُلْتُ: بوجوه:
أحدها: أن الأول قبل نزول الفرائض والأمر والنهي. قاله سعيد بن المسيب وجماعة.
ثانيها: أن ذَلِكَ لمن قالها وأدى حقها وفرائضها، قاله الحسن.
ثالثها: أن ذَلِكَ لمن قالها عند الندم والتوبة ومات عليها وهو قول البخاري، كما سيأتي في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى.
رابعها: أن المراد حرم عليه الخلود؛ لقوله: «أَخْرِجُوا مِن النار مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّة خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» (٢) وهذا فيه قوة.

--------------------
(١) «الصحاح» ٤/ ١٣٦٣.
(٢) سبق برقم (٢٢) كتاب: الإيمان، باب: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.
وسيأتي برقم (٦٥٦٠) كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار.



الخامسة: قوله: «إِذًا يَتَكِلُوا» فيه تخصيص قوم بالعلم إِذَا أمن منهم الاتكال والترخص دون من لم يأمن منهم، وهو معنى قول البخاري: كراهية أن لا يفهموا أي: فيعملوا بالإطلاق ويتركوا التقييد.
السادسة: قوله: (فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمَا) هو بفتح التاء المثناة فوق، ثمَّ همزة مفتوحة أيضًا، ثمَّ مثلثة أي: فعل فعلًا خرج به عن الإثم، وقد سلف الكلام عَلَى هذِه (المادة) (١) فيما مضى عند قوله: (والتحنث: التعبد) وتأثمه: أنه كان يحفظ علمًا، فخاف فواته بموته، فخشي أن يكون ممن كتمه.
وأما حديث أنس فسلف التعريف برواته غير معتمر ووالده.
أما مُعتمر (ع) فهو ابن سليمان بن طرخان التيمي البصري لم يكن من بني تيم، بل كان نازلًا فيهم، وهو مولى بني مرة، روى عن أبيه، ومنصور وغيرهما. وعنه ابن مهدي وغيره، وكان ثقة صدوقًا رأسًا في العلم والعبادة كأبيه. ولد سنة ست ومائة، ومات سنة سبع وثمانين ومائة ويقال: كان أكبر من سفيان بن عيينة بسنة (٢).
وأما والده فهو أبو المعتمر سليمان (ع) التيمي، نزل فيهم بالبصرة،
لما أخرج لأجل الكلام في القدر، وكان من السادة، ومناقبه جمة، سمع

---------------------
(١) في (ج): المسألة.
(٢) معتمر بن سليمان قيل: إنه كان يلقب بالطفيل. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. قال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال عمرو بن علي، عن معاذ بن معاذ: سمعت مرة بن خالد يقول: ما معتمر عندنا دون سليمان التيمي.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٠، «التاريخ الكبير» ٨/ ٤٩ (٢١١٠)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٨٦ (١٧٥٥)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٤٠٢ (١٨٤٥)، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٢٥٠ (٦٠٨٠).



أنسًا وغيره. وعنه الأنصاري وغيره.
مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، مكث أربعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويصلي الصبح بوضوء عشاء الآخرة، وكان مائلًا إلى علي، وما روى عن الحسن، وابن سيرين فهو صالح إِذَا قَالَ: (سمعت أو قُلْتُ) (١) (٢).
وأما فقهه فسلف في الحديث قبله.

-----------------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: إذا قال: سمعت، أو حدثنا، أو أخبرنا.
(٢) سليمان التيمي أبو المعتمر. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ثقة، وهو في أبي عثمان أحب إلي من عاصم الأحول.
وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، والنسائي: ثقة. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: تابعي ثقة، وكان من خيار أهل البصرة.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٥٢، «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٠ (١٨٢٨)، «معرفة الثقات» ١/ ٤٣٠ (٦٧٠)، «الجرح والتعديل» ٤/ ١٢٤ (٥٣٩)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥ (٢٥٣١).



٥٠ - باب الحَيَاءِ فِي العِلْمِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْي وَلَا مُسْتَكْبِرٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ (١).

١٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابنةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الَحقِّ، فَهَلْ عَلَى الَمرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا رَأَتِ المَاءَ». فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ -تَعْنِي وَجْهَهَا- وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ الَمرْأَةُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا». [٢٨٢، ٣٣٢٨، ٦٠٩١، ٦١٢١ - مسلم ٣١٣ - فتح: ١/ ٢٢٨]

١٣١ - حَدَّثَنَا اِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟». فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هِيَ النَّخْلَةُ». قَالَ عَبْدُ اللهِ فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا. [انظر: ٦١ - مسلم: ٢٨١١ - فتح: ١/ ٢٢٩]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَام، أنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثنا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زينَبَ ابنةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَل

-------------------
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: من خط المصنف في هامشه: رواه أبو داود عن صفية عنها. أهـ.
قلت: أبو داود (٣١٥)، (٤١٠٠).



عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْل إِذَا احْتلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا رَأَتِ المَاءَ». فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ -تَعْنِي وَجْهَهَا- وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا».
حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً ..». وذكر الحديث كما سلف.
أراد البخاري رحمه الله بهذا الباب بيان أن الحياء المانع من تحصيل العلم مذموم، ولذلك بدأ بقول مجاهد وعائشة، والحياء الواقع عَلَى وجه التوقير والإجلال مطلوب حسن كما فعلت أم سلمة حين غطت وجهها، وقد أسلفنا في باب أمور الإيمان حقيقة الحياء، وأن المذموم منه ليس بحياء حقيقة، وإنما هو عجز وخور.
وحديث أم سلمة سلف التعريف برواته خلا زينب بنت أم سلمة.
وأبوها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم كان اسمها برة فسماها رسول الله - ﷺ - زينب، ولدتها أمها بأرض الحبشة وقدمت بها، وهي أخت عمر وسلمة ودرة. روى لها البخاري حديثًا، ومسلم آخر، وقتل لها يوم الحرة ابنان فاسترجعت، ماتت سنة ثلاث وسبعين (١).

-------------------
(١) انظر: ترجمتها في «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٦/ ٣٣٣٧ (٣٨٨٤)، و«الاستيعاب» ٤/ ٤١٠ (٣٣٩٥)، «أسد الغابة» ٧/ ١٣١ (٦٩٥٨)، «الإصابة» ٤/ ٣١٧ (٤٨٤).


ثمَّ الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي الطهارة (١)، والأدب (٢)، وخلق آدم (٣)، كما (ستعلمه) (٤) إن شاء الله، وأخرجه مسلم (٥) والأربعة في الطهارة (٦).
ثانيها:
معنى قولها: (إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ) أي: لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمنع من ذكره فتعتذر به، فعبر بالحياء عن الأمر به، من باب إطلاق اسم التعلق عَلَى المتعلق؛ لأن الله لا يوصف بالاستحياء عَلَى حد ما يوصف به المخلوق؛ لأنه منهم تغير وانكسار بتغير الأحوال، تعالى الله عن ذَلِكَ (٧).

--------------------
(١) سيأتي برقم (٢٨٢) كتاب: الغسل، باب: إذا احتلمت المرأة.
(٢) سيأتي برقم (٦٠٩١) كتاب: الأدب، باب: التبسم والضحك، وبرقم (٦١٢١) باب: ما لا يستحيى من الحق للتفقه في الدين.
(٣) سيأتي برقم (٣٣٢٨) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته.
(٤) كذا في الأصل، وفي (ج): ستعرفه.
(٥) مسلم برقم (٣١٣/ ٣٢) كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها.
(٦) أبو داود معلقًا بعد حديث (٢٣٧)، الترمذي (١٢٢)، النسائي ١/ ١١٤، ابن ماجه (٦٠٠).
(٧) قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في تعليقه على فتح الباري (١/ ٣٨٩): والصواب: أنه لا حاجة إلى التأويل مطلقًا، فإن الله يوصف بالحياء الذي يليق به ولا يشابه فيه خلقه كسائر صفاته، وقد ورد وصفه بذلك في نصوص كثيرة؛ فوجب إثباته له على الوجه الذي يليق به، وهذا قول أهل السنة والجماعة في جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة، وهو طريق النجاة فتنبه واحذر، والله أعلم.



ثالثها:
قدمت أم سليم هذا القول بسطًا لعذرها في ذكر ما تستحيي النساء من ذكره.
رابعها:
معنى: «تَرِبَتْ» افتقرت. يقال: ترب الرجل إِذَا افتقر، وأترب إِذَا استغنى، هذا هو المشهور، وهذِه الكلمة وشبهها تجري عَلَى ألسنة العرب من غير قصد الدعاء، وعليه يحمل كل ما جاء من الأحاديث من هذا وشبهه.
ومنه قوله في حديث خزيمة: «أَنْعِمْ صباحًا تربت يداك» (١) فأراد الدعاء لَهُ ولم يرد الدعاء عليه. والعرب تقول: لا أم لك، ولا أب لك، يريدون: لله درك، فتستعمل هذِه الألفاظ عند الإنكار عَلَى الشيء أو التأنيب أو الإعجاب أو الاستعظام، دون إرادة معناها الأصلي.
خامسها:
أخرج مسلم -منفردًا به- من حديث أنس أن أم سليم سألت ذَلِكَ بحضرة عائشة، وأن عائشة أنكرت ذَلِكَ عليها (٢)، فيحتمل كما قَالَ القاضي أن عائشة وأم سلمة كانتا أنكرتا عليها، فأجاب - ﷺ - كل واحدة بما أجاب، وإن كان أهل الحديث يقولون: إن الصحيح هنا أم سلمة لا عائشة (٣).

-------------------
(١) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٦/ ٣٧٣.
(٢) مسلم (٣١٠/ ٢٩) كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني.
(٣) «إكمال المعلم» ٢/ ١٥٠.



سادسها:
إنما قالت أم سلمة ما قالت؛ لأنهن يستحيين منه؛ لأن خروجه منهن يدل عَلَى قوة شهوتهن، أو لأنه يقل فيهن، ولهذا جاء في «صحيح مسلم»: فضحت النساء (١)، أي: كشفت من أسرارهن ما يكنه من الحاجة إلى الرجال، ورؤية الاحتلام.
سابعها:
الشِّبه، والشَّبه واحد يريد: شبه الابن لأحد أبويه كما جاء مبينًا في «الصحيح»: «إِذَا علا ماؤها ماءه؛ آنَّث -أي: أشبه أخواله- وإذا عكس أذكر»، أي: أشبه أعمامه (٢).
ثامنها:
استدل به بعضهم عَلَى رد من يقول: إن ماء الرجل يخالط دم المرأة، وإن ماءه كالأنفحة ودمها كاللبن الحليب.
تاسعها:
أن المرأة تحتلم ويعرف منيها بالتدفق والتلذذ والرائحة -كمني الرجل- وأنكر جماعة تدفقه، والمسألة مبسوطة في الفروع، وأوضحتها في شروحي.
عاشرها:
أن الحياء لا يمنع من طلب الحق.

-----------------
(١) رواه مسلم (٣١٣) كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها.
(٢) مسلم (٣١٤/ ٣٣) كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني من حديث عائشة بنحوه.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #83  
قديم 22-01-2026, 05:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,654
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 666 الى صـــ 680
الحلقة (83)





فائدة: جاء عن جماعة من الصحابيات أنهن سألن كسؤال أم سليم، منهن خولة (١) بنت حكيم، أخرجه ابن ماجه (٢) وفي إسناده علي بن زيد بن جُدعان (٣)، وبسرة ذكره ابن أبي شيبة (٤)، وسهلة بنت سهيل رواه الطبراني في «الأوسط» وفي إسناده ابن لهيعة (٥).
وأما حديث ابن عمر فسلف الكلام عليه في باب: قول المحدّث: ثنا وأنبا (٦).
وفيه: حرص الرجل عَلَى ظهور ابنه في العلم عَلَى من هو أكبر سنًّا منه، فإن في آخره (قَالَ عبد الله: فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا).

---------------
(١) ورد بهامش (ج) ما نصه: حديث خولة أخرجه النسائي بسند جيد، فعزوه إليه أولى. اهـ.
قلت: أخرجه النسائي في «الكبرى» ١/ ٢٠٩ (٢٠٤).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: في أصل سماعنا .... ولا غيره، ولأبي وخلف .... أجمع مستحضرًا هذِه .... فليحرر. اللهم إلا أن .... بعض النسخ دون بعض عزاه إلى ابن ماجه … أيضًا المزي في … في «مسند خولة».
(٣) «سنن ابن ماجه» (٦٠٢) كتاب: الطهارة وسننها، باب: في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل،
وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» ص ١١٣ (٢٠٨) وإسناد طريق ابن ماجه ضعيف لضعف علي بن زيد.
وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن.
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٨٠ (٨٨١).
(٥) «المعجم الأوسط» للطبراني ٨/ ٢٧٦ (٨٦٢٥)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن ابن هبيرة إلا ابن لهيعة.
ورواه في «الكبير» ٢٤/ ٢٩٢ (٧٤٣). وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٢٦٧، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف.
(٦) حديث رقم (٦١).



وإنما تمنى ذَلِكَ رجاء أن يسر النبي - ﷺ - بإجابته، فيدعو له، وقد كان عمر بن الخطاب يسأل ابن عباس وهو صغير مع شيوخ الصحابة.
وذكر ابن سلام أن الحطيئة أتى مجلس عمر، فرأى ابن عباس قَدْ نزع الناس بلسانه فقال: من هذا الذي نزل عن القوم في سنه ومدته وتقدمهم في قوله وحكمته.
وإن كبير القوم لا علم عنده صغير … إذا التفت عليه المحافل
وفيه: أن الابن العالم الموفق أفضل مكاسب الدنيا؛ لقوله: (لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا).


٥١ - باب مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ
١٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن دَاوُدَ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ الَحنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ الِمقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَسَألَهُ، فَقَالَ: «فِيهِ الوُضوءُ». [١٧٨، ٢٦٩ - مسلم: ٣٠٣ - فتح: ١/ ٢٣٠]
حدثنا مُسَدَّدٌ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «فِيهِ الوُضُوءُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الطهارة كما سيأتي (١)، ورواه مسلم في الطهارة عن أبي بكر، عن وكيع وغيره. وعن يحيى بن حبيب، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن الأعمش به (٢).
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف.
أما منذر (ع) فهو أبو يعلى منذر بن يعلى الثوري الكوفي الثقة، عن ابن الحنفية وغيره. وعنه فطر وغيره. قَالَ منذر: لزمت محمد بن الحنفية حتَّى قَالَ بعض ولده: لقد غلبنا هذا النبطي عَلَى أبينا (٣).
وأما عبد الله (خ، ٤) بن داود فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن

---------------
(١) سيأتي برقم (١٧٨) كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين.
(٢) مسلم (٣٠٣) كتاب: الحيض، باب: المذي.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣١٠، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٥٧ (١٥٤٠)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٩٨ (١٧٩١)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٤٢ (١٠٩٣)، «الثقات» ٧/ ٥١٨، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥١٥ (٦١٨٧).



داود بن عامر بن الربيع الخريبي البصري الهمداني الشعبي، أصله كوفي نزل البصرة بالخريبة وهي محلة منها. روى عن هشام وغيره. وعنه بندار وغيره. ثقة حجة ناسك. قَالَ: ما كذبت كذبة قط إلا مرة في صغري قَالَ لي أبي: ذهبت إلى الكتاب؟ قُلْتُ: نعم، ولم أكن ذهبت. قَالَ أبو حاتم: وكان يميل إلى الرأي، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين (١).
فائدة:
ليس في البخاري والأربعة عبد الله بن داود غير هذا، نعم، في الترمذي آخر واسطي مختلف في ثقته (٢).
ومحمد ابن الحنفية: أبوه علي، والحنفية أمه، يروي عن أبيه، وعثمان، وغيرهما. وعنه بنوه وعمرو بن دينار وغيره. مات سنة ثمانين عَلَى المشهور، ابن سبع وستين سنة (٣).

------------------
(١) «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٧ (٢٢١).
وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٥، «التاريخ الكبير» ٥/ ٨٢ (٢٢٣)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٥٨ (٣٢٤٨).
(٢) عبد الة بن داود الواسطي أبو محمد التمار. قال البخاري: فيه نظر.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي حدَّث بحديث منكر، عن حنظلة بن أبي سفيان، وفي حديثه مناكير.
وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال ابن حجر في «التقريب»: ضعيف من التاسعة.
وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٨٢ (٢٢٦). «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٨ (٢٢٢)، «المجروحين» ٢/ ١٣٤، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٦٧ (٣٢٤٩) «ميزان الاعتدال» ٣/ ١٢٩ (٤٢٩٤)، «تقريب التهذيب» ص ٣٠٢ (٣٢٩٨).
(٣) محمد بن علي بن أبي طالب القرشي.
قال العجلي: تابعي ثقة كان رجلًا صالحًا. قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد:
لا نعلم أحدًا أسند عن علي، عن النبي - ﷺ - أكثر ولا أصح مما أسند محمد =



ثالثها: في ألفاظه:
قوله: (كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) هو: بتشديد الذال المعجمة والمد، فعَّال من المذي أي: كثير المذي، وهو بإسكان الذال عَلَى الأفصح، وفيه لغة ثانية: كسر الذال مع تشديد الياء، وثالثة: كسرها مع تخفيف الياء، ويقال: أمذى ومذَّى ومذَى بتشديد الذال وتخفيفها، وهذِه الثلاث في المني والودي.
والمذي: ماء أبيض رقيق يخرج بلا شهوة عند الشهوة، وهو في النساء أغلب منه في الرجال، وفي المثل: كل ذكر يمذي، وكل أنثى تقذي. أي: تلقي بياضًا.
رابعها: في فوائده:
الأولى: إيجاب الوضوء منه وهو إجماع (١)، وللبخاري في الطهارة: «توضأ واغسل ذكرك» (٢).
ولمسلم: «توضأ وانضِح فرجك» (٣).
والمراد: غسل ما أصابه منه، واختلف عن مالك في غسل الذكر كله وهل يحتاج إلى نية أم لا؟ (٤)

---------------
= ابن الحنفية.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٩١، «التاريخ الكبير» ١/ ١٨٢ (٥٦١)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٤٩ (١٦٣١)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٦ (١١٦)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ١٤٧ (٥٤٨٤).
(١) نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر في «الأوسط» ١/ ١٣٤، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ٢٠٦.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٩) كتاب: الغسل، باب: غسل المذي والوضوء منه.
(٣) مسلم (٣٠٣/ ١٩) كتاب: الحيض، باب: المذي.
(٤) «المنتقى» ١/ ٨٧، «الذخيرة» ١/ ٢١٣.



الثانية: جواز الاستنابة في الاستفتاء.
الثالثة: جواز الاعتماد عَلَى الخبر المظنون مع القدرة عَلَى المقطوع لأن عليًّا بعث من يسأل مع القدرة على المشافهة، وإن كان جاء في النسائي أنه كان حاضرًا وقت السؤال إذ فيه: فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله. فقال: «فيه الوضوء» (١).
الرابعة: عموم قضايا الأحوال، وفيه خلاف في الأصول.
الخامسة: استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج ينبغي ألا يذكر ما يتعلق بالجماع والاستمتاع بحضرة أبي المرأة، وأخيها وغيرهما من أقاربها؛ لأن المذي غالبًا إنما يكون عند الملاعبة.
السادسة: خصَّ أصحاب مالك إيجاب الوضوء بما إِذَا حصل المذي عن ملاعبة؛ لأن في «الموطأ» أنه سأل عن الرجل إِذَا دنى من أهله وأمذى، ماذا يجب عليه؟ (٢)
والجواب خرج عَلَى مثله في المعتاد بخلاف المستنكح، والذي به علة فإنه لا وضوء عليه. ويدل عليه استحياء علي إذ لو كان (عن) (٣) مرض أو سلس لم يستحي منه (٤).
وعمم الشافعي وأبو حنيفة فأوجبا منه الوضوء عملًا بإطلاق سؤال المقداد (٥).

----------------
(١) «سنن النسائي» ١/ ٩٦.
(٢) «الموطأ» ص ٥٠، ورواه أبو داود (٢٠٧)، والنسائي ١/ ٩٧، وابن ماجه (٥٠٥)، وابن حبان ٣/ ٣٨٣ (١١٠١). قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٠٢): حديث صحيح.
(٣) كذا في الأصل، وفي (ج): في.
(٤) انظر: «المنتقى» ١/ ٨٨.
(٥) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٥ - ٤٨، «المبسوط» ١/ ٦٧، «البيان» ١/ ٢٤٢، «المجموع» ٢/ ١٦٤.



وفي «سنن أبي داود» عنه قَالَ: كنت رجلًا مذاءً فجعلت أغتسل حتَّى تشقق ظهري (١). وهذا دال عَلَى كثرة وقوعه منه ومعاودته.
السابعة: جاء أيضًا أنه أمر عمارًا أن يسأل (٢)، وجاء أيضًا أنه سأل بنفسه (٣)، فيحمل عَلَى أنه أرسلهما ثمَّ سأل بنفسه.
الثامنة: جاء في أبي داود الأمر بغسل الأنثيين أيضًا (٤)، وعللت بالإرسال وغيره. وقال بعضهم بوجوب ذَلِكَ والجمهور عَلَى خلافه (٥).
وأولت هذِه الرواية عَلَى الاستظهار، وفي بعض أحوال انتشاره، ويقال: إن الماء البارد إِذَا أصاب الأنثيين رد المذي وكسره (٦).

---------------
(١) أبو داود (٢٠٦).
(٢) رواه النسائي ١/ ٩٦، ٩٧، وعبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ١٥٥ (٥٩٧)، وأحمد ٤/ ٣٢٠، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» ١/ ٤٧٣ (١٤١٣).
(٣) رواه أبو داود (٢٠٦)، والترمذي (١١٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد ١/ ٨٧، ١٠٧، ١٠٩، ١١٠، ١١١، ١٢١، ١٢٥، وابن خزيمة ١/ ١٤ (٢٠)، وابن حبان ٣/ ٣٨٥ (١١٠٢).
(٤) أبو داود (٢٠٨). قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٠٣): إسناده صحيح.
(٥) انظر: «الاستذكار» ٣/ ١٤، ١٩، «المنتقى» ١/ ٨٦، «البيان» ١/ ٢٤٢، «المغني» ١/ ٢٣٢.
(٦) وقع بهامش الأصل ما نصه: قال النووي في «شرح المهذب» عن حديث أبي داود: رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح، قال: قد أخذ به الإمام أحمد في رواية، وهو في أبي داود من حديث عبد الله بن سعد الأنصاري. اهـ.
قلت: انظر «المجموع» ٢/ ١٦٤.



٥٢ - باب ذِكْرِ الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا فِى الْمَسْجِدِ
١٣٣ - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ - مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الَخطَّابِ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الَمسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّاْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ». وَقَالَ ابن عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ». وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هذِه مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [١٥٢٢، ١٥٢٥، ١٥٢٧، ١٥٢٨، ٧٣٤٤ - مسلم: ١١٨٢ - فتح: ١/ ٢٣٠]
حدّثنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا اللَّيْثُ، عن نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّاْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ». وَقَالَ ابن عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ». وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هذِه مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه في الحج أيضًا وقال: لم أسمع هذِه من رسول الله - ﷺ - (١). بدل: (أفقه)، وأخرجها مع مسلم أبو داود، والنسائي من حديث ابن عباس مرفوعًا (٢) كما سيأتي هناك، وفي مسلم من حديث

-------------------
(١) سيأتي برقم (١٥٢٨) كتاب: الحج، باب: مهل أهل نجد.
(٢) مسلم (١١٨١/ ١١) كتاب: الحج، باب: مواقيت الحج والعمرة، وأبو داود (١٧٣٨)، والنسائي ٥/ ١٢٣ - ١٢٤.



جابر غير مجزوم برفعه: «ومهل أهل العراق ذات عرق» (١).
وفي أبي داود والترمذي من حديث ابن عباس أنه - ﷺ - وقت لأهل المشرف العقيق (٢). وسيأتي في البخاري أن تحديد ذات عرق من اجتهاد عمر (٣).
ثانيها:
سيأتي الكلام عَلَى هذِه المواضع في الحج فإنه أليق به.
و(قرن): بسكون الراء، وغلط الجوهري في فتحها وفي نسبة أويس القرني إليها، وإنما هو منسوب إلى قبيلة (٤).
وأصل القرن: الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير.
ثالثها:
هذِه المواقيت الأربعة المذكورة في حديث ابن عباس، وابن عمر ثابتة بالنص والإجماع (٥)، واختلف في ذات عرق لأهل العراق، والجمهور عَلَى أنه من اجتهاد عمر (٦)، ولأصحابنا اضطراب في تصحيحه (٧) كما أوضحته في كتب الفروع، وسنقف عليه إن شاء الله في موضعه.

------------------
(١) مسلم (١١٨٣/ ١٨) كتاب: الحج، باب: مواقيت الحج والعمرة.
(٢) أبو داود (١٧٤٠)، والترمذي (٨٣٢). وقال: هذا حديث حسن، وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٠٦): ضعيف.
(٣) سيأتي برقم (١٥٣١) كتاب: الحج، باب: ذات عرق لأهل العراق.
(٤) «الصحاح» ٦/ ٢١٨١، مادة: (قرن).
(٥) نقل الإجماع على ذلك ابن حزم في «مراتب الإجماع» ص ٧٥، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٥/ ١٤٠.
(٦) انظر: «التمهيد» ١٥/ ١٤٠ - ١٤١، «البيان» ٤/ ١٠٧ - ١٠٨، «المغنى» ٥/ ٥٦ - ٥٨.
(٧) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢.



٥٣ - باب مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ
١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّ رَجُلًا سَأَلهُ: مَا يَلْبَسُ الُمحْرِمُ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسِ القَمِيصَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ». [٣٦٦، ١٥٤٢، ١٨٣٨، ١٨٤٢، ٥٧٩٤، ٥٨٠٣، ٥٨٠٥، ٥٨٠٦، ٥٨٤٧، ٥٨٥٢ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ١/ ٢٣١]
حَدّثَنَا آدَمُ، ثنا ابن أَبِي ذِئْبِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسِ القَمِيصَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في اللباس عن عليّ (عن) (١) سفيان، وفي الصلاة عن عاصم بن عليّ، عن ابن أبي ذئب، وفي الحج عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم، وأخرجه من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أيضًا (٢).

------------------
(١) في الأصل، (ج): ابن والصواب ما أثبتناه.
(٢) سيأتي برقم (٣٦٦) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في القميص والسراويل، وبرقم (١٨٤٢) كتاب: جزاء الصيد، باب: لبس الخفين للمحرم، وبرقم (٥٨٠٦) كتاب: اللباس، باب: العمائم، وبرقم (٥٨٤٧) كتاب: اللباس، باب: الثوب المزعفر.



ثانيها:
الزائد عَلَى السؤال في الحديث قوله: (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ) إلى آخره، وله تعلق به؛ فلذا ذكره عقبه.
ثالثها:
جوابه - ﷺ - مما لا يلبس، وإن كان السؤال عما يلبس من بديع الكلام وجزله، فإن المسئول عنه غير منحصر، إذ الأصل الإباحة، وأجابه بالمنحصر الذي كان من حق السؤال أن يقع به.
وأيضًا لو أجاب بما يلبس لتوهم المفهوم، وهو أن غير المحرم لا يلبسه، فانتقل إلى ما لا يلبس لإزالة ذَلِكَ، عَلَى أن سفيان رواه مرة عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قَالَ: سأل رجل رسول الله - ﷺ - ما يترك المحرم من الثياب؟ فقال .. الحديث، رواه أحمد في «مسنده» وأبو داود والدارقطني في «سننهما» فجاء عَلَى الأصل (١).
رابعها:
الإجماع قائم عَلَى أن ما ذكر لا يلبسه المحرم (٢)، وعداه القياسيون إلى ما رأوه في معناه، وأنه - ﷺ - نبه بكل واحد من المذكورات عَلَى ما في معناه.
فنبه بالقميص والسراويل عَلَى كل مخيط أو مُحيط معمول عَلَى قدر البدن أو عضو منه كالجوشن والتبان وغيرهما.
ونبه بالعمائم والبرانس عَلَى كل ساتر للرأس مخيطا كان أو غيره،

------------------
(١) «سنن أبي داود» (١٨٢٣)، وأحمد ٢/ ٤، «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٣٢ (٦٨).
(٢) نقل الإجماع على ذلك ابن حزم في «مراتب الإجماع» ص ٧٦، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٥/ ١٠٣.



وبالخفاف عَلَى كل ساتر للرجل، ونبه بالزعفران والورس عَلَى كل طيب، والورس: نبت أصفر تصبغ به الثياب معروف.
خامسها:
جاء قطع الخفين لفاقد النعلين، وفي حديث ابن عباس (١) وجابر (٢) لم يذكر القطع، وبه أخذ الإمام أحمد (٣)، وخالف الثلاثة (والجمهور) (٤) وحملوا المطلق عَلَى المقيد (٥)، ومن الغريب إعلال

------------------
(١) سيأتي برقم (١٨٤١) كتاب: جزاء الصيد، باب: لبس الخفين للمحرم، ورواه مسلم (١١٧٨) كتاب: الحج، باب: بيان ما يباح للمحرم بحج أو عمرة …
(٢) رواه مسلم (١١٧٩) كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة …
(٣) انظر: «المغني» ٥/ ١٢٠ - ١٢١، «الممتع» ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١، «المبدع» ٣/ ١٤٢ - ١٤٣، «كشاف القناع» ٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧. قال الخطابي في «معالم السنن» ٢/ ١٥٢: وأنا أتعجب من أحمد في هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقَلَّتْ سنة لم تبلغه. اهـ.
قال ابن مفلح في «المبدع» ٣/ ١٤٣: قال المروزي: احتججت على أبي عبد الله بحديث ابن عمر، وقلت: هو زيادة في الخبر، فقال: هذا حديث وذاك حديث. فقد اطلع - رضي الله عنه - على السنة، وإنما نظر نظر المتبحرين الذين أمدهم الله بعونه، مع أن خبرنا فيه زيادة حكم، وهو جواز اللبس بلا قطع لأن هذا الحكم لم يشرع بالسنة، قاله الشيخ تقي الدين. اهـ.
(٤) من (ف) وانظر قول الجمهور في: «مختصر الطحاوي» ص ٦٩، «الهداية» ١/ ١٤٩ - ١٥٠، «عيون المجالس» ٢/ ٧٩٩ - ٧٨٠، «المنتقى» ٢/ ١٩٦، «المجموع» ٧/ ٢٨٧. قال ابن قدامة في «المغني» ٥/ ١٢٢: والأولى قطعهما عملًا بالحديث الصحيح، وخروجًا من الخلاف وأخذًا بالاحتياط. اهـ.
(٥) قال ابن القيم رحمه الله في «تهذيب سنن أبي داود» ٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨:
فإن قيل: فحديث ابن عمر مقيد، وحديث ابن عباس مطلق، والحكم والسبب واحد، وفي مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد، وقد أمر في حديث ابن عمر بالقطع؟
فالجواب من وجهين: =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= أحدهما: أن قوله في حديث ابن عمر: «وليقطعهما» قد قيل: إنه مدرج من كلام نافع. قال صاحب «المغني»: كذلك روي في «أمالي أبي القاسم بن بشران» بإسناد صحيح: أن نافعًا قال بعد روايته للحديث: «وليقطع الخفين أسفل من الكعبين»، والإدراج فيه محتمل؛ لأن الجملة الثانية يستقل الكلام الأول بدونها فالإدراج فيه ممكن، فإذا جاء مصرحًا به أن نافعًا قاله زال الإشكال.
ويدل على صحة هذا أن ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء، فأخبرته صفية بنت أبي عبيد، عن عاثشة أن رسول الله - ﷺ - رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع.
الجواب الثاني: أن الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله - ﷺ - يخطب على المنبر، فناداه رجل فقال: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فأجابه بذلك، وفيه الأمر بالقطع، وحديث ابن عباس وجابر بعده، وعمرو بن دينار روى الحديثين معًا، ثم قال: انظروا أيهما كان قبل. وهذا يدل على أنهم علموا نسخ الأمر بحديث ابن عباس.
وقال الدارقطني: قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل؛ لأنه قال: نادى رجل رسول الله - ﷺ - وهو في المسجد. فذكره، وابن عباس يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب بعرفات.
فإن قيل: حديث ابن عباس رواه أيوب والثوري وابن عيينة وابن زيد وابن جريج، وهشيم، كلهم عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، ولم يقل أحد منهم «بعرفات» غير شعبة، ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد.
قيل: هذا عبث، فإن هذِه اللفظة متفق عليها في الصحيحين، وناهيك برواية شعبة لها، وشعبة حفظها وغيره لم ينفها، بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث مستقلة، وليست تتضمن مخالفة للآخرين، ومثل هذا يقبل ولا يرد؛ ولهذا رواها الشيخان.
وقد قال علي - رضي الله عنه -: قطع الخفين فساد، يلبسهما كما هما. وهذا مقتضى القياس، فإن النبي - ﷺ - سوى بين السراويل وبين الخف في لبس كل منهما عند عدم الإزار، والنعل، ولم يأمر بفتق السراويل لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس ولا غيرهما؛ ولهذا كان مذهب الأكثرين أنه يلبس السراويل بلا فتق عند عدم الإزار فكذلك الخف يلبس ولا يقطع، ولا فرق بينهما. وأبو حنيفة طرد القياس =



ابن الجوزي حديث ابن عمر هذا بالوقف (١)، وصاحب «المنتقى» وغيره بالنسخ (٢)، وهو ضعيف جدًا، وسيأتي بسط الكلام عَلَى هذا الحديث في بابه إن شاء الله وقدره (٣).
------------------
= وقال: يفتق السراويل، حتى يصير كالإزار.
والجمهور قالوا: هذا خلاف النص؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «السراويل لمن لم يجد الإزار»، وإذا فتق لم يبق سراويل، ومن اشترط قطع الخف خالف القياس مع مخالفته النص المطلق بالجواز.
ولا يسلم من مخالفة النص والقياس إلا من جوز لبسهما بلا قطع، أما القياس فظاهر، وأما النص فما تقدم تقريره. اهـ.
(١) «التحقيق» ٥/ ٣٤٠.
(٢) «المنتقى من أخبار المصطفى» لمجد الدين ابن تيمية ٢/ ٢٤١.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر الجزء الرابع من الجزء الثاني من تجزئة المصنف.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #84  
قديم 22-01-2026, 05:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,654
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 7 الى صـــ 26
الحلقة (84)





بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٤ - كتاب الوضوء
هو من الوضاءة بالمد، وهي النظافة والنضارة، وفيه ثلاث لغات: أشهرها: أنه بضم الواو اسم للفعل، وبفتحها اسم للماء الذي يتوضأ به، ونقلها ابن الأنباري عن الأكثرين.
ثانيها: أنه بفتح الواو فيهما، وهو قول جماعات، منهم الخليل، قَالَ: والضم لا يعرف (١).
ثالثها: أنه بالضم فيهما، وهي غريبة ضعيفة حكاها صاحب «المطالع»، وهذِه اللغات الثلاث مثلها في الطهور.
(١) «العين» ٧/ ٧٦ مادة: (وضأ).


١ - باب: ما جاء في قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]
[قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَبَيَّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ - ﷺ -.] (١) [فتح:١/ ٢٣٢]
هكذا هو ثابت في النسخ الصحيحة وفي بعضها باب: ما جاء في الوضوء، وقول الله تعالى إلى آخره، وعليها مشى ابن بطال في «شرحه» (٢)، والدمياطي (في أصله) (٣).
ومعنى قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: مُحْدِثين كذا قدره الجمهور (٤).
وذهب جماعة من السلف إلى عدم التقدير، وأنه يجب الوضوء لكل صلاة فرض عملًا بظاهر الآية، وذهب قوم إلى أن ذَلِكَ كان ثمَّ نسخ يوم

----------------------
(١) هذا التعليق ليس في الأصل، ولكن سيأتي عند المصنف مفرقا.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢١٤.
(٣) زيادة من (ج).
(٤) قال ابن عبد البر في «التمهيد» ١٨/ ٢٣٨: وروي عن ابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وأبي موسى، وجابر بن عبد الله، وعبيدة السلماني، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعن السدي أيضًا، والأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعي: أن الآية عني بها حال القيام إلى الصلاة على غير طهر، وهذا أمر مجتمع عليه. اهـ.



الفتح (١)، وضعفه في «شرح مسلم» (٢)، وقيل: لا نسخ، بل الأمر به لكل صلاة عَلَى الندب؛ لأنه إِذَا نسخ الوجوب بقي التخيير.
ثمَّ أجمع أهل الفتوى بعد ذَلِكَ على أنه لا يجب إلا عَلَى المحدث، وأن تجديده لكل صلاة مندوب، ولم يبق بينهم اختلاف (٣)، واختلف أصحابنا في الموجب للوضوء عَلَى ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجب بالحدث وجوبًا موسعًا.
وثانيها: لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة.
وأصحها: وجوبه بالأمرين، كذا صححه المتولي وغيره (٤)، واختلف العلماء هل الوضوء من خصائص هذِه الأمة أم لا؟ عَلَى قولين، وستأتي حجة كل منهم قريبًا في باب فضل الوضوء إن شاء الله تعالى.
والواو في الآية ليست للترتيب عَلَى الصواب، وإنما أُخِذَ من أدلة أخرى -ستمر بك إن شاء الله- وهو قول الشافعي وأحمد خلافًا لمالك والكوفيين (٥).

------------------
(١) انظر هذِه الأقوال في «تفسير الماوردي» ٢/ ١٨، «زاد المسير» ٢/ ٢٩٨، «تفسير البغوي» ٣/ ٢٠.
(٢) «مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٧٧.
(٣) انظر «تفسير الطبري» ٦/ ٨٠ - ٨٢، «الناسخ والمنسوخ» للنحاس ٢/ ٢٥٠ - ٢٥٧، «التمهيد» ١٨/ ٢٤١.
(٤) انظر: «المجموع» ١/ ٤٩٠، «الإعلام» ١/ ٢٢٥.
(٥) انظر: «الهداية» ١/ ١٤، «بدائع الصنائع» ١/ ٢١ - ٢٢، «تبيين الحقائق» ١/ ٦، «التفريع» ١/ ١٩٢، «عيون المجالس» ١/ ١١١، «الخرشي على مختصر خليل» ١/ ١٣٥، «الحاوي» ١/ ١٣٨، «روضة الطالبين» ١/ ٥٥، «التحقيق» ١/ ٢٧١ - ٢٧٢، «الكافي» لابن قدامة ١/ ٦٨، «الفروع» ١/ ١٥٤.



وقد وردت في الكتاب العزيز للترتيب وغيره، فمن الأول قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].
و(الوجه): ما يقع به المواجهة، وقد حددناه في كتب الفروع، وكذا اليد والمرفق، وسيأتي الكلام عَلَى مسح الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين -حيث ذكره البخاري- إن شاء الله تعالى.
قَالَ البخاري رحمه الله: (وَبَيَّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ (مَرَّةً مَرةً) (١). وجه ذَلِكَ أنه صح أنه - ﷺ - توضأ مرة مرة كما رواه قريبًا من حديث ابن عباس (٢)، وصلى به؛ فعلم أنه الفرض، إذ لا ينقص - ﷺ - منه، وهو المبين عن الله تعالى لأمته دينهم، وهو أيضًا إجماع كما نقله ابن جرير وغيره (٣).
وشذ بعضهم فأوجب الثلاث، حكاه الشيخ أبو حامد وغيره، وحكاه صاحب «الإبانة» عن ابن أبي ليلى، وهو باطل يرده إجماع من قبله، والنصوص الصريحة الصحيحة أيضًا (٤).

--------------------
(١) ورد بهامش (س): مرة: منصوب ظرف في موضع الخبر.
(٢) سيأتي برقم (١٤٠)، (١٥٧) باب: غسل الوجه واليدين من غرفة واحدة، وباب: الوضوء مرة مرة.
(٣) نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر في «الإجماع» ص ٣٤، وابن حزم في «مراتب الإجماع» ص ٣٨.
(٤) انظر: «المجموع» ١/ ٤٦٥.



وقال مهنا: سألت أبا عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- عن الوضوء مرة مرة، فقال: الأحاديث فيه ضعيفة، ثمَّ ذكر حديث جابر في وضوئه مرة ومرتين وثلاث مرات، أخرجه ابن ماجه (١) وفيما قاله نظر، فقد صح من حديث ابن عباس كما أسلفناه، قَالَ مالك: ولا أحب الواحدة إلا من العالم (٢).
قال البخاري: (وتوضأ -أيضًا-مرتين مرتين)، وهو كما قَالَ، وسيأتي من حديث عبد الله بن زيد في باب معقود لَهُ (٣).
قَالَ: (وثلاثًا ثلاثًا)، هو كما قَالَ وقد عقد لَهُ بابا أيضًا كما سيأتي (٤)، لكن لم يذكر فيه المسح ثلاثًا، وقد أخرجه أبو داود (٥) من حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
قَالَ البيهقي في «خلافياته»: إسناده قَدْ احتجا (٦) بجميع رواته غير (عامر بن شقيق بن سلمة) (٧)، قَالَ الحاكم (٨): لا أعلم في عامر طعنا بوجه من الوجوه (٩).

-------------------
(١) «سنن ابن ماجه» رقم (٤١٠)، وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٩١): ضعيف، وقال في «المشكاة» (٤٢٢): وثابت بن أبي صفية هو أبو حمزة الثمالي، وهو ضعيف.
(٢) انظر: «الذخيرة» ١/ ٢٨٧، «مواهب الجليل» ١/ ٣٧٦.
(٣) سيأتي برقم (١٥٨) باب: الوضوء مرتين مرتين.
(٤) سيأتي برقم (١٥٩)، باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا. من حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
(٥) أبو داود (١٠٦)، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٤): إسناده صحيح على شرط الشيخين وقد أخرجاه.
(٦) أي: البخاري ومسلم.
(٧) ورد بهامش (س): عامر بن شقيق بن جمرة بالجيم راوي الحديث المذكور عن شقيق بن سلمة، فلعله سقط منه عن شقيق، والله أعلم. [قلت: هو كذلك فعامر بن شقيق بن جمرة هو الذي يرويه عن شقيق بن سلمة. انظر مصادر التخريج].
(٨) «المستدرك» ١/ ١٤٩.
(٩) «خلافيات البيهقي» ١/ ٣٠٩.



ووضوؤه - ﷺ - مرتين وثلاثا هو من باب الرفق بأمته والتوسعة عليهم؛ ليكون لمن قصر في المرة الواحدة من عموم غسل أعضاء الوضوء أن يستدرك ذَلِكَ في المرة الثانية والثالثة.
ومن أكمل أعضاءه أولا، فالثانية سنة والثالثة فضيلة، وكأن تنويع وضوئه - ﷺ - من باب التخيير، كما ورد التخيير في كفارة الأيمان.
قَالَ البخاري رحمه الله: (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثَلَاث) هو كما قَالَ، بل روى ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قَالَ: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثا.
ثمَّ قَالَ: «هذا الوضوء، فمن زاد عَلَى هذا فقد أساء وتعدى وظلم» (١).
ثمَّ قَالَ: لم يوصل هذا الخبر غير الأشجعي ويعلى (٢).
وزعم أبو داود في كتاب «التفرد» أنه من مفردات أهل الطائف، ورواه ابن ماجه في «سننه» كذلك (٣)، ورواه أحمد في «مسنده» (٤)، والنسائي في «سننه» بلفظ: «فقد أساء وتعدى وظلم» (٥) ورواه أبو داود في «سننه» بلفظ: «أو نقص فقد أساء وظلم» أو «ظلم وأساء» (٦).
قَالَ البخاري رحمه الله: (وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ - ﷺ -). هذا من البخاري إشارة إلى نقل الإجماع

---------------------
(١) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٨٩ (١٧٤).
(٢) هذِه العبارة ليست في المطبوع من «صحيح ابن خزيمة»، وأثبتها الحافظ في «إتحاف المهرة» (١١٧٠٢).
(٣) ابن ماجه (٤٢٢).
(٤) أحمد ٢/ ١٨٠.
(٥) النسائي ١/ ٨٨.
(٦) «سن أبي داود» (١٣٥).



عَلَى منع الزيادة عَلَى الثلاث، وقد قَالَ الشافعي في «الأم»: لا أحب الزيادة عليها، فإن زاد لم أكرهه، إن شاء الله (١).
وحاصل ما ذكره أصحابنا في المسألة ثلاثة أوجه:
أصحها: أن الزيادة عليها مكروهة (كراهة) (٢) تنزيه وهو معنى قول الشافعي: لم أكرهه، أي: لم أحرمه.
وثانيها: أنها حرام.
وثالثها: أنه خلاف الأولى (٣).
وأبعد قوم فقالوا: إنه إِذَا زاد عَلَى الثلاث يبطل وضوؤه، كما لو زاد في الصلاة، حكاه الدارمي (٤) في «استذكاره» عنهم، وهو خطأ ظاهر، وخلاف ما عليه العلماء.
وفي «سنن ابن ماجه» بإسناد ضعيف من حديث ابن عمر: رأى النبي - ﷺ - رجلًا يتوضأ فقال: «لا تسرف، لا تسرف» (٥)

-------------------
(١) «الأم» ١/ ٢٧.
(٢) في (ج): كراهية.
(٣) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٥٩.
(٤) هو الإمام العلامة، شيخ الشافعية، أبو الفرج، محمد بن عبد الواحد بن محمد بن عمر بن ميمون الدارمي البغدادي، من تصانيفه: «الاستذكار في فقه الشافعي»، «جامع الجوامع ومودع البدائع»، «الدلائل السمعية على المسائل الشرعية»، توفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة.
انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢، «سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٥٢ - ٥٤، «هدية العارفين» ص ٤٨٣.
(٥) ابن ماجه (٤٢٤)، وأورده البوصيري في «زوائد ابن ماجه» ص ٩١ (١٥٠) وقال: إسناده ضعيف، الفضل بن عطية ضعيف، وابنه كذاب وبقية مدلس. وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٩٥)، و«ضعيف الجامع» (٦٤٢٨): موضوع.



ثمَّ ساق من حديث ابن عمرو أنه - ﷺ - مر بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قَالَ: «نعم وإن كنت عَلَى نهر جار» (١).
------------------
(١) ابن ماجه (٤٢٥). قال البوصيرى في «زوائد ابن ماجه» ص ٩١ (١٥١): هذا إسناد ضعيف لضعف يحيى بن عبد الله وابن لهيعة. وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٩٦)، «الإرواء» (١٤٠): ضعيف.


٢ - باب لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ بِغَيْرِطُهُورٍ
١٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ الَحنْظَلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُول اللهِ - ﷺ -: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ». قَالَ رَجلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الَحدَثُ يَا أَبَا هرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. [٦٩٥٤ - مسلم: ٢٢٥ - فتح: ١/ ٣٤]
هذِه الترجمة هي لفظ حديث صحيح من طريق ابن عمر بزيادة:
«ولا صدقة من غلول» أخرجه مسلم في «صحيحه» (١) وإنما عدل عنه إلى ما ذكره من حديث أبي هريرة، مع أن حديث ابن عمر هذا مطابق لما ترجم لَهُ لأجل سماك بن حرب المذكور في إسناده، فإنه ليس من شرطه، وإن أخرج لَهُ تعليقًا.
قَالَ البخاري: حدثني إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ قَالَ: أَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ». قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا إلى قوله: «يتوضأ» (٢).
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم أجمع مفرقًا، وجميع رجاله خرج لهم في

-------------------
(١) مسلم (٢٢٤/ ١) كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة.
(٢) مسلم (٢٢٥) كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة.



الصحيحين وباقي الكتب الستة إلا إسحاق بن راهويه، فإن ابن ماجه لم يخرج له، وجميعه يمانيون خلا ابن راهويه، وهذا السائل لا يحضرني اسمه فليبحث عنه.
ثالثها:
حضرموت: من بلاد اليمن كما قاله صاحب «المطالع»، وهذيل تَضُمُّ مِيْمَهُ، وقَالَ الجوهري: حضرموت: اسم بلد وقبيلة أيضًا، وهما اسمان جعلا واحدًا، إن شئت بنيت الاسم الأول عَلَى الفتح وأعربت الثاني بإعراب ما لا ينصرف.
قُلْتُ: هذا حضرموت، وإن شئت أضفت الأول إلى الثاني فقلت: هذا حضرموت، أعربت حضرا وخفضت موتا، وكذلك القول في سام أبرص، ورامهرمز، والنسبة إليه حضرمي، والتصغير حضيرموت، (تصغر) (١) الصدر منهما، وكذلك الجمع يقال: فلان من الحضارمة (٢).
رابعها: في أحكامه وفوائده:
الأولى: القبول: يراد به شرعًا: حصول الثواب، وقد تتخلف (٣) الصحة بدليل صحة صلاة العبد الآبق، ومن أتى عرافًا، وشارب الخمر إِذَا لم يسكر مادام في جسده شيء منها، وكذا الصلاة في الدار المغصوبة عَلَى الصحيح عند الشافعية (٤).

---------------------
(١) كذا في (س)، وفي (ج): تصغير.
(٢) انظر: «الصحاح» ٢/ ٦٣٤، «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٥٥، «معجم البلدان»
٢٦٩/ ٢ - ٢٧٠.
(٣) ورد بهامش الأصل: لعله سقطت: عن.
(٤) انظر: «المجموع» ٣/ ١٦٩.



فأما ملازمة القبول للصحة ففي قوله - ﷺ -: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (١) والمراد بالحائض: من بلغت سن (الحيض) (٢)، فإنها لا تقبل صلاتها إلا بالسترة، ولا تصح ولا تقبل مع انكشاف العورة، والقبول مفسر بترتب الغرض المطلوب من الشيء عَلَى الشيء.
فقوله - ﷺ -: «لَا يقْبَلُ الله صَلَاة مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» عام في عدم القبول من جميع المُحْدِثين في جميع أنواع الصلاة.
والمراد بالقبول: وقوع الصلاة مجزئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا يلزم من القبول الصحة ظاهرًا وباطنًا، وكذا العكس.
ونقل عن بعض المتاخرين أن الصحة (٣) عبارة عن ترتب الثواب والدرجات عَلَى العبادة، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران، أحدهما أخص من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.
فالقبول عَلَى هذا التفسير أخص من الصحة، فكل مقبول صحيح ولا عكس، وهذا إن نفع في نفي القبول مع بقاء الصحة فيما سلف ضرَّ في نفي القبول مع نفي الصحة، كما هو محكي عن الأقدمين.

----------------
(١) رواه أبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥)، وأحمد ٦/ ١٥٠، ٦/ ٢١٨، وابن حبان ٤/ ٦١٢ (١٧١١)، وابن خزيمة ١/ ٣٨٠ (٧٧٥)، والحاكم ١/ ٢٥١. كلهم من حديث عائشة.
قال الترمذي: حديث حسن. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأظن أنه لخلاف فيه على قتادة. اهـ. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٦٤٨): وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
(٢) كذا في (س)، وفي (ج): المحيض.
(٣) ورد بهامش (س): كذا في ابن دقيق العيد: القبول، وهو ظاهر. اهـ قلت: انظر: «إحكام الأحكام» ص ٦٧.



إلا أن يقال: دل الدليل عَلَى كون القبول من لوازم الصحة، فإذا انتفي انتفت، فيصح الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة، ويحتاج في نفيه مع بقائها في تلك الأحاديث إلى تأويل أو (تخريج) (١) جواب.
ويرد عَلَى من فسر القبول بكون العبادة مثابًا عليها أو مرضية، مع أن قواعد الشرع تقتضي أن العبادة إِذَا أتي بها مطابقة للأمر كانت سببًا للثواب في ظواهر لا تحصى (٢).
الثانية: الحدث: عبارة عما نقض (٣) الوضوء، ومحل الخوض في تفاصيله كتب الفروع، وقد أوضحناها فيها -ولله الحمد- وسيأتي بعضها حيث ذكره البخاري، وقد فسره أبو هريرة -راوي الحديث- بنوع من الحدث حين لسُئِلَ عنه فقال: فساء أو ضراط، كما سلف، وكانه أجاب السائل عما يجهله منها، أو عما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، أو عما يقع في الصلاة، فإن غيرَهُ كالبول مثلًا لا يُعهد فيها، وهو نحو قوله - ﷺ - فيما سيأتي في حديث آخر: «لا ينصرف حتَّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (٤).
ونبه به عَلَى التسوية بين الحدث الواقع في الصلاة وغيرها، لئلا يتمثل الفرق بين أن يحصل الشك فيه في الصلاة، فيتمادى أو خارجها فيتوضأ كما فرق به بعضهم.
ثمَّ الحدث بموضوعه يطلق عَلَى الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس والأصغر كنواقض الوضوء، وقد يسمى نفس الخارج حدثًا، وقد

----------------
(١) كذا في (س)، وفي (ج): ترجيح.
(٢) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٢١٦ - ٢١٨.
(٣) كذا بالأصل، وفي «الإعلام» ١/ ٢١٩: ينقض.
(٤) سيأتي برقم (١٧٧) كتاب: الوضوء، من لم ير الوضوء إلا من المخرجين.



يسمى: المنع المرتب عليه حدثًا، وبه يصح قولهم: رفعت الحدث، ونويت رفعه، وإلا استحال ما يرفع أن لا يكون رافعًا، وكأن الشارع جعل أمد المنع المرتب على خروج الخارج إلى استعمال المطهر.
وبهذا يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث لكون المرتفع هو المنع، وهو مرتفع بالتيمم لكنه مخصوص بحالة ما، أو بوقت ما، وليس ذَلِكَ ببدع، فإن الأحكام قَدْ تختلف باختلاف محلها، وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبًا لكل صلاة، فقد ثبت أنه كان مختصًّا بوقت مع كونه رافعًا للحدث اتفاقًا، ولا يلزم من انتهائه في ذَلِكَ (الوقت) (١) بانتهاء وقت الصلاة أن (لا) (٢) يكون رافعًا للحدث، ثمَّ زال ذَلِكَ الوجوب كما سلف.
وقد ذكر الفقهاء أن الحدث وصف حكمي مقدر قيامه بالأعضاء عَلَى معنى الوصف الحسي، وينزلون الوصف الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء، فمن يقول بأن التيمم لا يرفع الحدث يقول: إن الأمر المقدر الحكمي باق لم يزل، والمنع الذي هو ترتب التيمم عليه زائل.
الثالثة: قوله - ﷺ -: «حَتَّى يَتَوَضَّأَ» نفي القبول إلى غاية وهي الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا، ودخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيا، وتحقيقه أن صلاة اسم جنس وقد أضيف فيعم.
الرابعة: هذا الحديث محمول عَلَى تارك الوضوء بلا عذر، أما من تركه بعذر، وأتى ببدله، فالصلاة مقبولة قطعًا؛ لأنه قد أتى بما أمر به،

---------------------
(١) ساقط من (ج).
(٢) من (ج).



عَلَى أن التيمم من أسمائه الوضوء، قَالَ - ﷺ -: «لصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» (١) وهو حديث صحيح
الخامسة: هذا الحديث نص في وجوب الطهارة وشرطيتها للصلاة وهو إجماع (٢).
واختلفوا متى فرضت للصلاة؟ فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء كان في أول الإسلام (سنة) (٣) ثمَّ نزل فرضه في آية التيمم (٤).
وقال الجمهور: بل كان قبل ذَلِكَ فرضًا، ثمَّ اختلفوا في أنه هل يجب على كل قائم إلى الصلاة، أو عَلَى المحدث خاصة؟ والذي أجمع عليه أهل الفتوى الثاني كما سلف.
وأما الوضوء لغير الفرائض فذهب بعضهم إلى أنه بحسب [ما يفعل] (٥) لَهُ من نافلة أو فريضة، وهو عجيب، لا جرم رده بعض المالكية إلى أنه هل ينوي بالوضوء الفرض أو النفل؟ وذهب بعضهم إلى أنه فرض عَلَى كل حال، حكاه القاضي عياض (٦) وهو المتعين، وغيره مطرح.

-------------------
(١) رواه أبو داود (٣٣٢)، الترمذي (١٢٤)، والنسائي ١/ ١٧١، وأحمد ٥/ ١٥٥، وابن حبان ٤/ ١٤٠ (١٣١٣)، والدارقطني ١/ ١٨٦ (١)، والحاكم ١/ ١٧٦ - ١٧٧، والبيهقي ١/ ٢١٢ من حديث أبي ذر.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، لم يخرجاه إذ لم نجد لعمرو بن بجدان راويا غير أبي قلابة الجرمي، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٣٥٨): صحيح.
(٢) نقل الأجماع على ذلك ابن هبيرة في «الإفصاح» ١/ ٢٤٥.
(٣) ساقطة من (ج).
(٤) انظر: «إكمال المعلم» ١/ ١٠.
(٥) زيادة يقتضيها السياق، مثبتة من «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٢٢٣.
(٦) «إكمال المعلم» ١/ ١١.



السادسة: استدل المتقدمون بهذا الحديث على أن الصلاة لا تجوز إلا بطهارة، ولا يلزم من انتفاء القبول انتفاء الصحة، وقد تكون الصلاة مقبولة، ولا تيمم في حق فاقد الطهورين، فإنها صحيحة مقبولة، ولا تجب إعادتها عَلَى أحد الأقوال للشافعي.
وهو المختار عند جماعة من محققي أصحابه، وقول جماعة من العلماء، فيكون الحديث خرج عَلَى الأصل والغالب، والإعادة لا تجب إلا بأمر جديد.
وهذا كله عَلَى مذهب من يقول: إن الطهارة شرط للصحة، أما من يقول: إنها شرط للوجوب كمالك وابن نافع، فإنهما قالا: فاقد الطهورين لا يصلي، ولا يقضي إن خرج الوقت (١)؛ لأن عدم قبولها لعدم شرطها يدل عَلَى أنه ليس مخاطبًا بها حال عدم شرطها، فلا يترتب في الذمة شيء، فلا يقضي.
لكن قوله - ﷺ -: «إِذَا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢) يمنع هذا، فإنه أمر بالصلاة بشروط تعذرت فيأتى بها، ولا يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط بالنسبة إلى أصل الوجوب.
وهذِه المسألة فيها أربعة (٣) أقوال للشافعي:
أحدها: ما قدمناه.

----------------------
(١) انظر: «عارضة الأحوذي» ١/ ٩، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٦٤.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٨٨) كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: الاقتداء بسنة رسول الله - ﷺ -.
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: بل خمسة، فالخامس في «الشرح الكبير» للرافعي، وأسقطه النووي رحمه الله من «الروضة» وهو أنه يستحب الصلاة ولا تجب الإعادة، فإن شئت عبرت عنه بأنه لا تجب حالًا ولا مالًا، والله أعلم.



وثانيها: تحرم الصلاة وتجب الإعادة.
وثالثها: تستحب الصلاة وتجب الإعادة.
وأصحها: تجب الصلاة وتجب الإعادة (١)، وهي عند المالكية أيضًا لكن عندهم قول: إنه لا يصلي ولا يقضي كما سلف، فهذا خامس إذًا (٢).
السابعة: قَدْ استدل بهذا الحديث على بطلان الصلاة بالحدث سواء أكان خروج اختياريًّا أم اضطراريًّا، لعدم تفريقه - ﷺ - بين حدث وحدث في حالة دون حالة.
وقد حكي عن مالك والشافعي -في قوله القديم- وغيرهما أنه إِذَا سبقه الحدث يتوضأ، ويبني عَلَى صلاته، وإطلاق الحديث يرده (٣).

-------------------
(١) انظر: «المجموع» ١/ ٣٢٢، «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٢) وقد نظمها بعضهم، فقال:
ومَنْ لم يجد ماء ولا متيمما … فأربعة الأقوال يحكون مذهبا
يصلي ويقضي عكس ما قال مالك … وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا
وللقابسي ذو الربط يومي لأرضه … بوجه وأيد للتيمم مطلبا
انظر: «إنارة الدجى شرح تنوير الحجا» ص ٦٤.
(٣) انظر: «الحاوي» ٢/ ١٨٤، «المهذب» ١/ ٢٨٨، «التهذيب» ٢/ ١٦١، «روضة الطالبين» ١/ ٢٧١.
وفي نسبة هذا القول لمالك نظر، قال القاضي عبد الوهاب في «عيون المجالس» ١/ ٣٢٢: قال مالك: ومن غلبه الحدث في الصلاة بطلت صلاته وليستأنف الوضوء والصلاة ولا يبني بعد الوضوء. اهـ.
وانظر: «الفواكه الدواني» ١/ ٢٩١، «الثمر الداني» ص ١٢٩.
وممن ذهب إلى البناء إذا سبقه الحدث: أبو حنيفة وابن أبي ليلى والأوزاعي وهو رواية عن أحمد، وحكي عن عمر، وعلى، وأبن عمر، وابن عباس، وسلمان الفارسي، وابن المسيب، وعطاء، وطاوس. =



الثامنة: قام الإجماع عَلَى تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب لغير فاقد الطهورين، ولا فرق في ذَلِكَ بين الصلاة المفروضة والنافلة، وسجود التلاوة والشكر.
وحكي عن الشعبي (١)، ومحمد بن جرير الطبري أنهما أجازا صلاة الجنازة بغير وضوء (٢)، وهو باطل؛ لعموم هذا الحديث والإجماع، ومن الغريب أن قولهما قَالَ به بعض الشافعية كما أفدته في «شرح المنهاج».
فرع: لو صلى محدثًا متعمدًا بلا عذر أثِمَ ولا يكفر عندنا وعند الجمهور، وحكي عن أبي حنيفة أنه يَكْفُر لتلاعبه (٣).
التاسعة: قَدْ يستدل بالحديث عَلَى رفع الشك واستصحاب يقين الصلاة؛ لقوله - ﷺ -: «لا (يقبل الله) (٤) صلاة من أحدث» ولا يقال: أحدث إلا مع اليقين.

-------------------
= وذهب الشافعي في الجديد، ومالك، وأحمد في رواية، هي الصحيحة في المذهب إلى أنه يستأنف الصلاة ولا يبني على ما سبق، وهو محكي عن المسور بن مخرمة، وابن شبرمة، وعطاء، والنخعي، ومكحول.
انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٦٦، «الهداية» ١/ ٦٣، «الاختيار» ١/ ٨٦، «حلية العلماء» ٢/ ١٢٧، «الشرح الكبير» ٢/ ٤، «المجموع» ٤/ ٦، «المغني» ٢/ ٥٠٨، «الفروع» ١/ ٤٠١.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٨ (١١٤٧٨).
وورد بهامش (س) تعليق نصه: وفي حفظي أن أبا محمد ابن حزم قال بمثل قول الشعبي وابن جرير. اهـ.
(٢) انظر: «المجموع» ٥/ ١٨٢.
(٣) انظر: «المجموع» ٢/ ٧٨. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٢١/ ٢٩٥: ومن صلى بغير طهارة شرعية مستحلًا لذلك فهو كافر، ولو لم يستحل ذلك فقد اختلف في كفره، وهو مستحق للعقوبة الغليظة. اهـ.
(٤) في (ج): تُقْبَل.



٣ - باب فَضْلِ الوُضُوءِ، وَالْغُرِّ المُحجليَن (١) مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ
١٣٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ الُمجْمِرِ قَالَ: رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الَمسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ». [مسلم: ٢٤٦ - فتح: ١/ ٢٣٥]
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم (٢) أيضًا في الطهارة، وله: «يأتون» بدل: «يدعون».
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم خلا ثلاثة:
أولهم: أبو عبد الله نعيم بن عبد الله، وقيل: محمد المدني العدوي مولى آل عمر المجمر بتخفيف الميم، ويقال: بتشديدها، كان يبخر المسجد، وقيل: إن أباه كان يأخذ المجمر قدام عمر بن الخطاب إِذَا خرج إلى الصلاة في رمضان، وبه جزم ابن حبان في «ثقاته» (٣).

---------------------
(١) كذا في الأصل، وفي رواية الأصيلي: وفضل الغرّ المحجلين. وعند الباقين: الغرّ المحجلون. كما في السلطانية.
(٢) مسلم (٢٤٦/ ٣٥) كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء.
(٣) «الثقات» ٥/ ٤٧٦.



وجزم النووي في «شرح مسلم» بأن المجمر صفة لعبد الله، وتطلق عَلَى ابنه نعيم مجازًا، قَالَ ذَلِكَ مع جزمه أولًا بأن نعيمًا هو الذي كان يبخر المسجد (١)، فتأمله.
روى عن أبي هريرة، وجابر وغيرهما، وعنه ابنه محمد ومالك وجماعة. وثقه أبو حاتم وجماعة، وجالس أبا هريرة عشرين سنة (٢)
فائدة:
في الصحابة نعيم بن عبد الله النحام، وهو من الأفراد (٣)، وفيهم نعيم جماعة بدون ابن عبد الله (٤).

------------------
(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٤٣.
(٢) «الجرح والتعديل» ٨/ ٤٦٠ (٢١٠٦).
(٣) نعيم النحام بن عبد الله بن أسد بن جد عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب، أسلم بعد عشرة أنفس قبل إسلام عمر بن الخطاب، وكان يكتم إسلامه، ومنعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة واختلف في وقت وفاته، فقيل: بأجنادين شهيدًا سنة ثلاث عشرة في آخر خلافة أبي بكر. وقبل يوم اليرموك شهيدًا، وفي رجب سنة خمس عشرة في خلافة عمر.
انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ١٥٢ - ١٥٣ (١١٢٥)، «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٦٦٦ - ٢٦٦٧، «الاستيعاب» ٤/ ٦٩ - ٧٠ (٢٦٥٧).
(٤) وهم: نعيم بن أوس الداري، نعيم بن بدر، نعيم بن جناب، نعيم بن ربيعة بن كعب الأسلمي، نعيم بن زيد التميمي، نعيم بن سلام -وقيل: سلامة- نعيم بن عمرو بن مالك، نعيم بن قعنب، نعيم بن مسعود الأشجعي، نعيم بن مقرن، نعيم بن هزال الأسلمي، نعيم بن هبار الغطفاني.
وانظر تراجمهم في:
«معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ١٤٧ - ١٥٤ (١١٢٢ - ١١٢٦)، و«معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٦/ ٢٦٦٧ - ٢٦٧١، و«الاستيعاب» ٤/ ٦٩ - ٧٢ (٢٦٥٦ - ٢٦٦١)، و«أسد الغابة» ٦/ ٤٤٦ - ٤٤٧ (٦٦٧٣ - ٦٦٧٤)، و«الإصابة» ٣/ ٥٨٦ (٨٨٧٣، ٨٨٧٤).



فائدة:
مِجْمَر تشتبه بمخمر -بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الميم الثانية- (وهم جماعة سردهم ابن ماكولا منهم ذو مخمر ابن أخي النجاشي، له صحبة، ويقال: مخبر بالباء الموحدة بدل الميم (١).
ثانيهم: سعيد بن أبي هلال) (٢) الليثي، مولاهم أبو العلاء المدني، روى عن نافع ونعيم وجماعة، وعنه الليث بن سعد وغيره، مات سنة خمس وثلاثين ومائة (٣).
ثالثهم: خالد (ع) وهو ابن يزيد، أبو عبد الرحيم المصري، الفقيه، روى عن عطاء والزهري، وعنه الليث وغيره، ثقة مات سنة تسع وثلاثين ومائة (٤).
ثالثها:
هذا الإسناد جميع رجاله من فرسان الصحيحين، وباقي الكتب الستة إلا يحيى بن بكير، فإنه من رجال البخاري ومسلم وابن ماجه فقط، وفيه لطيفة أيضًا وهو أن النصف الأول من إسناده مصريون والنصف الثاني مدنيون.

--------------
(١) «الإكمال» ٧/ ٢٢٦.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ج).
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٥١٤، «التاريخ الكبير» ٣/ ٥١٩ (١٧٣٦)، «معرفة الثقات» ١/ ٤٠٦ (٦٢٠)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٧١ (٣٠١)، «الثقات» ٦/ ٣٧٤، «تهذيب الكمال» ١١/ ٩٤ (٢٣٧٢)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٣٣ (١٢٨).
(٤) قال أبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له الجماعة.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ١٨٠ (٦١٢)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٥٨ (١٦١٩)، «تهذيب الكمال» ٨/ ٢٠٨ (١٦٦٦)، «شذرات الذهب» ١/ ٢٠٧.



رابعها:
هذا الحديث رواه مع أبي هريرة سبعة من الصحابة، ذكرهم ابن منده في «مستخرجه»: ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو أمامة الباهلي، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن بسر المازني، وحذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -.
خامسها: في ألفاظه ومعانيه وفوائده:
أحدها: قوله (رقيت): هو بكسر القاف، أي: صعدت، هذِه اللغة الصحيحة المشهورة، وحكى صاحب «المطالع» فتح القاف من غير همز ومعه، فحصل ثلاث لغات.
وقال كراع: الهمز أجود، وخالفه صاحب «الجامع» فقال: عدمه
أصح، وقال الزمخشري: لا أعلم صحة الفتح، وهذا كله من الرقي، أما من الرقية فرقيت بالفتح كما اختاره ثعلب في «فصيحه» (١).
ثانيها: (الأمة): تطلق بإزاء أمور ليس هذا موضع الخوض فيها قَدْ ذكرتها في «شرح العمدة» (٢)، والمراد هنا أتباعه - ﷺ - جعلنا الله منهم.
ثالثها: (يوم): من الأسماء الشاذة لوقوع الفاء والعين فيه حرفي علة، فهو من باب: ويل وويح. و(القيامة): فعالة من قام يقوم أصله القوامة، فقلبت الواو فيه ياء؛ لانكسار ما قبلها.
رابعها: قوله: («غرًّا محجلين») هما منصوبان عَلَى الحال من الضمير في «يدعون» وهو الواو، والأصل: يدعوون، بواوين تحركت الأولى وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا اجتمع ساكنان: الألف والواو

----------------------
(١) انظر «شرح الفصيح» للزمخشري ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٤٠٣.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #85  
قديم 22-01-2026, 05:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,654
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 27 الى صـــ 46
الحلقة (85)



بعدها، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار يدعون، والمعنى -والله أعلم-: يدعون إلى موقف الحساب أو إلى الميزان أو إلى غير ذلك.
قَالَ الشيخ تقي الدين القشيري في «شرح العمدة»: ويحتمل أيضًا أن يكون مفعولًا لـ «يدعون» بمعنى: التسمية، أي: يسمون غرًّا، قَالَ: والحال أقرب، وتعدى يدعون في المعنى بالحرف، كما قَالَ تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] ويجوز ألا يعدى يدعون باالحرف، وتكون (غرًّا) حالًا أيضًا (١).
خامسها: الغرة: بياض في جبهة الفرس، والتحجيل: بياض في يديها ورجليها، فسمي النور الذي يكون في مواضع الوضوء يوم القيامة غرًّا وتحجيلا تشبيها بذلك.
قَالَ ابن سيده: الغرة: بياض في الجبهة، فرس أغر وغراء، وقيل:
الأغر من الخيل: الذي غرته أكبر من الدرهم، قَدْ وسطت جبهته، ولم تصب واحدة من العينين ولم تَمِل عَلَى واحد من الخدين، ولم تَسِل سُفْلا، وهي أفشى من القرحة. وقال بعضهم: بل يقال للأغر: أغرُّ أقرح، لأنك إِذَا قُلْتَ: أغر فلابد أن تصف الغرة بالطول والعرض والصغر والعِظم والدقة، وكلهن غُرَرُ، فالغرة جامعة لهن.
وغرة الفرس: البياض يكون في وجهه، فإن كانت (مدورة) (٢) فهو (وتيرة) (٣)، وإن كانت طويلة فهي شادخة، وعندي أن الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض.

-----------------
(١) «إحكام الأحكام» ص ٩٦.
(٢) في الأصل: (موزورة)، والمثبت من «المحكم» ٥/ ٢١٧.
(٣) في الأصل: (وثيرة)، والمثبت من «المحكم» ٥/ ٢١٧.



والأغر: الأبيض من كل شيء، وقد غرّ وجه يغر بالفتح (غررًا) (١) وغرة، وغرارة: صار ذا غرة (٢).
قَالَ: والتحجيل: بياض يكون في قوائم الفرس كلها، وقيل: هو أن يكون البياض في ثلاث قوائم منهن دون الأخرى في رِجْل ويدَيْن، ولا يكون التحجيل في اليدين خاصة إلا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلا مع الرجلين، والتحجيل: بياض قل أو كثر حتَّى يبلغ نصف الوظِيفِ، (ولون) (٣) سائره ما كان (٤).
وفي «الصحاح»: يجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين ولا العرقوبين (٥) وفي «المغيث» لأبي موسى المديني: فإذا كان البياض في طرف اليد فهو العصمة، يقال: فرس أعصم. (٦)
سادسها:
المراد بالغرة: غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائدًا عَلَى الجزء الذي يجب غسله؛ لاستيعاب كمال الوجه، وفي التحجيل غسل ما فوق المرفقين والكعبين.
وادعى ابن بطال ثمَّ القاضي عياض ثمَّ ابن التين اتفاق العلماء عَلَى أنه لا تستحب الزيادة فوق المرفق والكعب (٧).

-----------------------
(١) في الأصل: (غرره)، والمثبت من «المحكم» ٥/ ٢١٧.
(٢) «المحكم» ٥/ ٢١٧.
(٣) في الأصل: ويكون، والمثبت من «المحكم» ٥/ ٣٣.
(٤) «المحكم» ٣/ ٥٥.
(٥) «الصحاح» ٤/ ١٦٦٦، مادة (حجل).
(٦) «المجموع المغيث» ١/ ٤٠٦.
(٧) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢١ - ٢٢٢، «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ٤٤.



وهي دعوى باطلة، فقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - فعل ذلك وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، فهم (محجوجون) (١) بالإجماع.
واحتجاجهم بالحديث السالف: «من زاد عَلَى هذا أو نقص فقد أساء وظلم» لا يصح، لأن المراد به الزيادة في عدد المرات، أو النقص عن الواجب، أو الثواب المرتب عَلَى نقص العدد لا الزيادة عَلَى تطويل الغرة والتحجيل.
وأما حد الزائد فغايته استيعاب العضد والساق، وقال جماعة من أصحابنا: يستحب إلى نصفها، وقال البغوي: نصف العضد فما فوق، ونصف الساق فما فوقه. (٢)
وحاصلها ثلاثة أوجه كما جمعها النووي في «شرح مسلم» فقال: اختلف أصحابنا في العدد المستحب عَلَى ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه تستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت.
وثانيها: إلى نصف العضد والساق.
وثالثها: إلى المنكب والركبتين، قَالَ: والأحاديث تقتضي ذَلِكَ كله (٣).
وقال الشيخ تقي الدين القشيري: ليس في الحديث تقييد ولا تحديد لمقدار ما يغسل من العضدين والساقين، وقد استعمل أبو هريرة الحديث على إطلاقه وظاهره في طلب إطالة الغرة، فغسل إلى قريب من المنكبين، ولم ينقل ذَلِكَ عن النبي - ﷺ -، ولا كثر استعماله في

-----------------------
(١) في الأصل: (محججون)، والصواب ما أثبتناه.
(٢) «التهذيب» ١/ ٢٤٧.
(٣) «مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٤٣.



الصحابة والتابعين، فلذلك لم يقل به الفقهاء، ورأيت بعض الناس قَدْ ذكر أن حد ذَلِكَ نصف العضد والساق (١)، هذا آخر كلامه.
وقوله: لم يقل به الفقهاء. غريب مع ما قدمناه عنهم.
ومن أوهام ابن بطال والقاضي عياض (٢) إنكارهما عَلَى أبي هريرة بلوغه الماء إبطيه وأن أحدًا لم يتابعه عليه، وقد قَالَ به القاضي حسين (٣) وآخرون من أصحابنا أيضًا، وفي «مصنف ابن أبي شيبة»: حَدَّثنَا وكيع، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف.
ثمَّ روى عن وكيع أيضًا، عن عقبة ابن أبي صالح، عن إبراهيم أنه كرهه (٤).
قُلْتُ: وهذا مردود بما سلف، وما أبعد من أول الاستطاعة في الحديث عَلَى إطالة (الغرة) (٥) والتحجيل بالمواظبة عَلَى الوضوء لكل صلاة، فتطول غرته بتقوية نور أعضائه، وهو ابن بطال قَالَ: والطول والدوام معناهما متقارب (٦).
سابعها:
قوله: «مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ» هو بضم الواو، ويجوز فتحها عَلَى إرادة آثار الماء المستعمل في الوضوء، فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء، فيجوز أن ينسب إلى كل منهما.

---------------------
(١) «إحكام الأحكام» ص ٩٦.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢١، «إكمال المعلم» ٢/ ٤٤.
(٣) «المجموع» ١/ ٤٥٨.
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٥٧ - ٥٨ (٦٠٤، ٦٠٥).
(٥) في (ج): غرته.
(٦) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٢.



ثامنها:
قوله: «فَمَنِ اسْتَطَاعَ ..» إلى آخره اقتصر فيه على ذكر الغرة دون التحجيل، وإن ذكر معها في رواية أخرى في «الصحيح» للعلم به (١)، فهو من باب قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولم يذكر البرد للعلم به.
وقال الشيخ تقي الدين القشيري: كأنَّ ذَلِكَ من باب التغليب بالذكر لأحد الشيئين عَلَى الآخر، (إن) (٢) كانا كسبيل واحد للترغيب فيه، وقد استعمل الفقهاء ذَلِكَ فقالوا: يستحب تطويل الغرة، ومرادهم الغرة والتحجيل (٣).
وهذا ليس تغليبًا حقيقيًّا إذ لم يؤت فيه إلا بأحد الاسمين، والتغليب: اجتماع الاسمين أو الأسماء وتغليب أحدهما عَلَى الآخر نحو: القمرين، والعمرين وشبههما.
ثمَّ القاعدة في التغليب أن يغلب المذكر عَلَى المؤنث لا بالعكس، والأمر هنا بالعكس لتأنيث الغرة وتذكير التحجيل، ويجاب أيضًا بأنها خصت بالذكر؛ لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء، ولأنه أول ما يقع عليه البصر يوم القيامة.
ونقل ابن بطال عن بعضهم أنه كنى بالغرة عن التحجيل معللًا بأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله (٤)، وهذا غريب عجيب.

----------------------
(١) «صحيح مسلم» (٢٤٦/ ٣٠) كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء.
(٢) في «الأصول»: (وإن) والمثبت من «الإحكام».
(٣) «إحكام الأحكام» ص ٩٦.
(٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٢.



تاسعها: رأيت مَنْ شرح هذا الموضع من هذا الكتاب من شيوخنا ادعى أن قوله: «فمن استطاع ..» إلى آخره من قول أبي هريرة أدرجه آخر الحديث (١). وفي هذِه الدعوى بُعدٌ عندي.
عاشرها: استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث عَلَى أن الوضوء من خصائص هذِه الأمة -زادها الله شرفًا- وبه جزم الحليمي في «منهاجه»، وفي «الصحيح» أيضًا: «لكم سيماء (٢) ليست لأحد من الأمم، تردون عليّ غرًّا محجلين من أثر الوضوء» (٣)

--------------------
(١) ورد بهامش (س) تعليق نصه: وذكر أنه مدرج ابن قيم الجوزية في «حادي الأرواح» في الباب الخمسين […] ولفظه. وأما قوله: «فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل» فهذِه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة لا من كلام النبي - ﷺ -، بيّن ذلك غير واحد من الحفاظ. وفي «مسند الإمام أحمد» في هذا الحديث: قال نعيم: فلا أدري قوله: «من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» من كلام النبي - ﷺ - أو شيء قاله أبو هريرة من عنده، وكان شيخنا ابن تيمية يقول:
هذِه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلام رسول الله - ﷺ -، فإن الغرة لا تكون في اليد، لا تكون إلا في الوجه، وإطالتها غير ممكنة إذ تدخل في الرأس فلا تسمى تلك غرة. اهـ.
وانظر: «حادي الأرواح» ص ٢٨٧ - ٢٨٨.
(٢) قال النووي في «شرح مسلم» ٣/ ١٣٥: أما السيما فهي العلامة، وهي مقصورة وممدودة لغتان، ويقال: السيميا بياء بعد الميم مع المد.
(٣) رواه مسلم (٢٤٧/ ٣٦) كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل
في الوضوء. من حديث أبي هريرة قال ابن حجر رحمه الله في «فتح الباري»
١/ ٢٣٦:
واستدل الحليمي بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذِه الأمة، وفيه نظر؛ لأنه ثبت عند المصنف في قصة سارة رضي الله عنها مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي، وفي قصة جريج الراهب أيضًا أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام. =



وقال آخرون: ليس الوضوء مختصًّا بها، وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل، و(ادعوا) (١) أنه المشهور من قول العلماء، واحتجوا بالحديث الآخر: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» (٢)
وأجاب الأولون عن هذا بوجهين: أحدهما: أنه حديث ضعيف.
ثانيهما: أنه لو صح لاحتمل اختصاص الأنبياء دون أممهم بخلاف هذِه الأمة.
وفيه: شرف عظيم لهم، حيث استووا مع الأنبياء في هذِه الخصوصية، وامتازت بالغرة والتحجيل، لكن سيأتي في حديث جريج في موضعه:
أنه توضأ وصلى (٣). وفيه دلالة عَلَى أن الوضوء كان مشروعًا لهم.
وعلى هذا فيكون خاصية هذِه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن الوضوء لا الوضوء، ونقل الزناتي المالكي شارح «الرسالة» عن العلماء أن الغرة والتحجيل حكم ثابت لهذِه الأمة، من توضأ منهم ومن لم يتوضأ.
كما قالوا: لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنبٍ، إن أهل القبلة كل من آمن به من أمته سواء صلى أو لم يصل، وهذا نقل غريب، وظاهر

------------------------
= فالظاهر أن الذي اختصت به هذِه الأمة هو الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء، وقد صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة أيضًا مرفوعًا قال: «سيما ليست لأحد غيركم» وله من حديث حذيفة نحوه. أهـ.
(١) في الأصول (أدعى) وما أثبتناه أليق بالسياق.
(٢) رواه ابن ماجه (٤٢٠)، والدارقطني ١/ ٧٩ - ٨١ (١ - ٦)، والبيهقي ١/ ٨٠، من حديث أُبي بن كعب. وذكره البوصيري في «زوائد ابن ماجه» ص ٩٠ (١٤٩) وقال:
إسناده ضعيف، زيد هو العمي ضعيف وكذلك الرواي عنه. وضعفه ابن حجر في «الفتح» ١/ ٣٦، وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٩٣): ضعيف.
(٣) سيأتي برقم (٢٤٨٢) كتاب: المظالم، باب: إذا هدم حائطًا فليبن مثله.



الأحاديث يقتضي خصوصية ذَلِكَ بمن توضأ منهم، وفي «صحيح أبي حاتم ابن حبان»: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قَالَ: «غرٌ محجلون بلق من آثار الوضوء» (١).
الحادي عشر: قَدْ استوفي - ﷺ - بذكر الغرة والتحجيل جميع أعضاء الوضوء، فإن الغرَّ: بياض في الوجه، والرأس داخلة في مسماها.
والتحجيل: بياض في اليدين والرجلين.
الثاني عشر: فيه استصحاب المحافظة عَلَى الوضوء وسننه المشروعة فيه.
الثالث عشر: فيه ما أعد الله من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة.
الرابع عشر: فيه ما أَطْلَع اللهُ نبيه - ﷺ - من المغيبات المستقبلة التي لم يُطْلع عليها نبيًّا غيره من أمور الآخرة وصفات ما فيها.
الخامس عشر: فيه أيضًا جواز الوضوء عَلَى ظهر المسجد، وهو من باب الوضوء في المسجد، وقد كرهه قوم وأجازه الأكثرون، ومن كرهه لأجل التنزيه كما يتنزه عن البصاق والنخامة، وحرمة أعلى المسجد كحرمة داخله، وممن أجازه في المسجد ابن عباس، وابن عمر، وعطاء، والنخعي، وطاوس (٢).

------------------------
(١) «صحيح ابن حبان» ٣/ ٣٢٣ (١٠٤٧)، ١٦/ ٢٢٦ (٧٢٤٢)، ورواه ابن ماجه (٢٨٤)، وأبو داود الطيالسي في «مسنده» ١/ ٢٨١ (٣٥٩). وأحمد ١/ ٤٠٣، ٤٥٢، ٤٥٣. وأبو يعلى في «مسنده» ٨/ ٤٦٢ (٥٠٤٨) من حديث عبد الله بن مسعود. وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٣٠): حسن صحيح.
(٢) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٤١ (٣٨٥، ٣٨٧، ٣٨٨، ٣٩١، ٣٩٢)، ورواها عبد الرزاق ١/ ٤١٨ (١٦٣٩)، عن ابن عمر، و(١٦٣٨) عن طاوس.



وهو قول ابن القاسم المالكي (١)، وأكثر العلماء كما حكاه ابن بطال عنهم (٢)، وكرهه ابن سيرين (٣) وهو قول مالك، وسحنون (٤).
وقال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء فيه، إلا أن يبله ويتأذى به الناس، فإنه مكروه (٥).
قُلْتُ: وصرح جماعة من أصحابنا بجوازه فيه، وأن الأولى أن يكون في إناء (٦).
قَالَ البغوي: ويجوز نضحه بالماء المطلق، ولا يجوز بالمستعمل؛ لأن النفس تعافه (٧). وفي هذا نظر.
السادس عشر: فيه قبول خبر الواحد، وهو مستفيض في الأحاديث (٨).

----------------------
(١) انظر: «المنتقى» ١/ ٧٩.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢ (٣٩٤).
(٤) انظر: «المنتقى» ١/ ٧٩.
(٥) «الأوسط» ٥/ ١٣٩ - ١٤٠.
(٦) انظر: «المجموع» ٢/ ٢٠١.
(٧) «التهذيب» ٣/ ٢٣٩.
(٨) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في الثامن بعد الثلاثين له مؤلفه غفر الله له.



٤ - باب لَا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ
١٣٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيِّبِ وعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: الرَّجُلُ الذِي يخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّئ فِي الصُّلَاةِ. فَقَالَ: «لَا يَنْفَتِلْ -أَوْ لَا يَنْصَرِف- حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». [١٧٧، ٢٠٥٦ - مسلم: ٣٦١ - فتح: ١/ ٢٣٧]
حَدَّثنَا عَلِيٌّ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثنا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ [و] (١) عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَهُ شَكَا إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: الرَّجُلُ الذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّئ فِي الصَّلَاةِ. فَقَالَ: «لَا يَنْفَتِلْ -أَوْ لَا يَنْصَرِفْ- حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وأخرجه قريبًا في باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين القبل والدبر، عن أبي الوليد، عن سفيان به، وقال: «لا ينصرف حتَّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (٢)، وأخرجه في البيوع: عن أبي نعيم، عن ابن عيينة، عن الزهري به (٣).

----------------------
(١) قال الحافظ في «الفتح»: سقطت الواو من نسخة كريمة غلطا، لأن سعيد لا رواية له عن عباد أصلا.
(٢) سيأتي برقم (١٧٧) كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر.
(٣) سيأتي برقم (٢٠٥٦) كتاب: البيوع، باب: من لم ير الوساوس ونحوها من المشتبهات.



وأخرجه مسلم هنا عن عمرو الناقد، وغيره عن ابن عيينة به (١).
ثانيها: في التعريف برواته:
أما عم عباد فهو غبد الله (ع) بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصاري المازني، من بني مازن بن النجار المدني.
له ولأبويه صحبة، ولأخيه حبيب بن زيد الذي قطعه مسيلمة عضوًا عضوا، فقضى أن عبد الله هو الذي شارك وحشيًّا في قتل مسيلمة، وهو راوي هذا الحديث، وحديث صلاة الاستسقاء أيضًا الآتي في بابه (٢)، وغيرهما من الأحاديث كما ستعلمه.
ووهم ابن عيينة فزعم أنه الذي أُرِيَ الأذان أيضًا، وهو عجيب فإن ذاك عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد والأنصاري، فكلاهما اتفقا في الاسم واسم الأب والقبيلة وافترقا في الجد والبطن من القبيلة، فالأول مازني، والثاني حارثي، وكلاهما أنصاريان خزرجيان فيدخلان في نوع المتفق والمفترق.
وممن غلط ابن عيينة في ذَلِكَ البخاري في «صحيحه» في باب الاستسقاء. كما ستعلمه هناك إن شاء الله تعالى وَقَّدرَه.
ثمَّ عبد الله صاحب الترجمة له ثمانية وأربعون حديثًا، اتفقا عَلَى ثمانية منها، وذاك اشتهر له حديث واحد، وهو حديث الأذان، حتَّى قَالَ البخاري فيما نقله الترمذي عنه: لا نعرف له غيره (٣). لكنا ظفرنا

---------------------
(١) مسلم (٣٦١) كتاب: الحيض، باب: الدليل على أن من تقين الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك.
(٢) سيأتي برقم (١٠١٢) كتاب: الاستسقاء، باب: تحويل الرداء في الاستسقاء.
(٣) «سنن الترمذي» عقب الرواية (١٨٦).



له بحديث ثان وثالث وذكرتهما في تخريجي لأحاديث الرافعي (١).
قتل صاحب الترجمة في ذي الحجة بالحرة عن سبعين سنة، وكانت الحرة في آخر سنة ثلاث وستين، وهو أُحُدِي، وقال ابن منده وأبو أحمد الحاكم وأبو عبد الله صاحب «المستدرك»: إنه بَدْرِي (٢)، وهو وهم (٣).
فائدة:
ليس في الصحابة من اسمه عبد الله بن زيد بن عاصم سوى هذا، وفيهم أربعة أخر اسم كل منهم عبد الله بن زيد منهم صاحب الأذان (٤).
فائدة أخرى:
عبد الله بن زيد هذا هو عم عباد من قبل أمه، وقيل: من قبل أبيه فتنبه له.
وأما عباد بن تميم بن غزية فهو أنصاري مازني مدني ثقة. قَالَ: أَعِي يوم الخندق وأنا ابن خمس سنين.

----------------
(١) «البدر المنير» ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٦.
(٢) «المستدرك» ٣/ ٥٢٠. وقال الذهبي: هذا خطأ. اهـ.
(٣) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٣/ ١٦٥٦ (١٦٤٠)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٥ (١٥٥٨)، «أسد الغابة» ٣/ ٢٥٠ (٢٩٥٦)، «الإصابة» ٢/ ٣١٢ (٤٦٨٨).
(٤) وهم عبد الله بن زيد الجهني، عبد الله بن زيد الضبي، عبد الله بن زيد بن عمرو بن مازن، عبد الله بن زيد بن سهل وهو ابن أبي طلحة الأنصاري، وعبد الله بن يزيد الأنصاري الحارثي أيضًا.
وانظر تراجمهم في: «معرفة الصحابة» ٣/ ١٦٥٣ - ١٦٥٨ (١٦٣٩ - ١٦٤٣)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٥ - ٤٦ (١٥٥٧ - ١٥٥٨)، «أسد الغابة» ٣/ ٢٤٧ - ٢٥٠ (٢٩٥٣ - ٢٩٥٦)، «الإصابة» ٢/ ٣١٢ - ٣١٣ (٤٦٨٦ - ٤٦٩١).



فينبغي إذن أن يعد في الصحابة، وليس فيهم من يسمى عباد بن تميم سواه (إذن) (١) وقد عده الذهبي فيهم (٢)، ووقع في بعض نسخ ابن ماجه رواية عباد، عن أبيه، عن عمه حديث الاستسقاء، وتبعها ابن عساكر، والصواب عن عبد الله بن أبي بكر قَالَ: سمعت عباد بن تميم يحدث أبي عن عمه الحديث (٣).
فائدة:
عَبَّاد -بفتح أوله وتشديد ثانيه- ويشتبه بِعُبَاد -بضم أوله وتخفيف ثانيه- وهو والد قيس وغيره، وبِعبَاد -بكسر أوله وفتح ثانيه- وبعياذ وبعيَّاد وبعَنَّاد، والكل موضح في «مشتبه النسبة» تأليفي.
وأما سعيد بن المسيب والزهري فسلف التعريف بهما، وليس في الكتب الستة من اسمه سعيد بن المسيب سوى هذا الإمام، بل، ولا يحضرني في غيرها أيضًا.
وسفيان: هو ابن عيينة سلف، وكذا علي بن المديني.
فائدة:
هذا الإسناد كلهم من رجال الكتب الستة، إلا علي بن المديني فإنه من رجال البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي فقط، وجميع رجاله مدنيون، خلا ابن المديني، فإنه بصري، وخلا سفيان فإنه مكي.
الوجه الثالث:
قول البخاري، (عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وعن عباد بن

-------------------
(١) ساقطة من (ج).
(٢) «تجريد أسماء الصحابة» (٣٠٧٤).
(٣) وقد اختلف في صحبته. انظر: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٨١، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٥ (١٦٠٤)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٦ (٨٣٤)، «الإصابة» ٢/ ٢٦٤ (٤٤٥٦).



تميم، عن (عمه) (١» يعني به أن الزهري رواه عنهما جميعًا أعني: سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد.
الوجه الرابع: في ألفاظه وفوائده:
الأولى: الياء في (شكى) منقلبة عن واو؛ لأنه من شكى يشكو، ويجوز أن تكون أصلية غير منقلبة في لغة من قَالَ: شكى يشكي.
الثانية: هذِه الرواية ظاهرها أن الشاكي عبد الله بن زيد، وضبط النووي في «شرح مسلم» رواية مسلم، عن عمه شكى إلى رسول الله - ﷺ - الرجل يخيل إليه .. الحديث. فقال: شُكي بضم الشين وكسر الكاف، والرجل مرفوع.
ثمَّ قَالَ: ولم يسم هنا الشاكي، وجاء في رواية البخاري، أنه عبد الله بن زيد الراوي.
قَالَ: ولا ينبغي أن يتوهم من هذا أن شكى بفتح الشين والكاف، وبجعل الشاكي هو عمه المذكور، فإن هذا الوهم غلط (٢).
هذا لفظه، ولم يظهر لي وجه الغلط في ذَلِكَ، فإن العم هو عبد الله بن زيد، وإن كان هو الشاكي فلم لا تصح قراءة شكى بالفتح؟
الثالثة: الشيء المشار إليه هو الحركة التي يظن بها أنها حدث، وليس كذلك ولهذا قَالَ - ﷺ -: «حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» ومعناه: حتَّى يعلم وجود أحدهما يقينًا، ولا يشترط اجتماع السماع والشم بالإجماع.

------------------
(١) ساقطة من (ج).
(٢) «مسلم بشرح النووي» ٤/ ٥١.



وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان، و«مستدرك الحاكم» من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا جاء أحدكم الشيطان، فقال إنك أحدثت، فليقل كذبت إلا ما وجد ريحًا بأنفه أو سمع صوتًا بأذنه» (١) وفي رواية ابن حبان «فليقل في نفسه كذبت».
قَالَ ابن خزيمة: وقوله: «فليقل كذبت» أراد بضميره لا بالنطق (٢).
قُلْتُ: رواية ابن حبان تؤيد ما قاله، وزعم بعض العلماء أنه - ﷺ - ذكر الصوت لمن حاسة شمه معلولة، والريح لمن حاسة سمعه معلولة.
وقد أسلفنا في حديث أبي هريرة السالف في باب: لا تقبل صلاة بغير طهور. أنه يجوز أن يكون أشار به لكونه أنه الواقع في الصلاة، فإن غيره كالبول مثلًا لا يعهد فيها.
وفي «مسند أحمد» من حديث أبي سعيد الخدري أيضًا: «إن الشيطان ليأتى أحدكم وهو في صلاته فيأخذ شعرة من دبره فيمدها فيرى أنه أحدث، فلا ينصرف حتَّى يسمع صوتًا» (٣) وفي إسنادها علي بن زيد بن جدعان وحالته معلومة (٤).

-------------------
(١) ابن خزيمة ١/ ١٩ (٢٩)، ابن حبان ٦/ ٣٨٨ (٢٦٦٥)، والحاكم ١/ ١٣٤. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
(٢) ابن خزيمة ١/ ١٩ (٢٩).
(٣) «مسند أحمد» ٣/ ٩٦.
(٤) علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة القرشي التميمي، أبو الحسن البصري المكفوف مكي الأصل. قال أحمد بن حنبل: ليس بالقوي وقد روى عنه الناس.
وقال يحيى بن معين: ليس بذاك القوي. وفي موضع آخر: ليس بشيء. وقال النسائي: ضعيف. وقال العجلي: يكتب حديثه وليس بالقوي.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٥٢، «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٧٥ (٢٣٨٩)، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٨٦ (١٠٢١)، و«ضعفاء العقيلي» ٣/ ٢٢٩ (١٢٣)، «الكامل» ٦/ ٣٣٣ (١٣٥١)، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ٤٣٤ (٤٠٧٠).



الرابعة: معنى الحديث أنه يمضي في صلاته ما لم يتيقن الحدث، ولم يرد تخصيص هذين النوعين من الحدث، وإنما هو جواب خرج حذو سؤال السائل، لا يعني الوضوء إلا من أحدهما.
ودخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين من بولٍ أو غائطٍ أو مذي أو ودي أو دم، وقد يكون بأُذُنِهِ وَقْرٌ فيخرج الريح ولا يسمع له صوتًا، وقد يكون أخشم فلا يجد الريح. والمعنى إِذَا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى.
وهذا كما روي أنه - ﷺ - قَالَ: «إِذَا استهل الصبي ورث وصلي عليه» (١) لم يرد تخصيص الاستهلال الذي هو الصوت دون غيره من أمارات الحياة من حركة ومصٍّ وبسط ونحوهما، وهذا أصل في كل ما ثبت يقينًا، فإنه لا يرفع بالشك.
الخامسة: قوله: («لَا يَنْفَتِلْ -أَوْ لَا يَنْصَرِفْ») الظاهر أنه شك من الراوي. ووقع في كتاب الخطابي: «ولا يَنْصَرِفْ» بحذف الهمزة (٢). وقد أسلفنا رواية أخرى للبخاري: «لا يَنْصَرِفْ» من غير شك.
السادسة: هذا الحديث كما قدمناه أصل من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يُحْكَم ببقائها عَلَى أصولها

--------------------
(١) رواه ابن ماجه (١٥٠٨). وابن حبان ١٣/ ٣٩٢ (٦٠٣٢). والحاكم ٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩ من حديث جابر وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أجده من حديث الثوري عن أبي الزبير موقوفًا فكنت أحكم به، والبيهقي ٤/ ٨.
وقال النووي في «المجموع» ٥/ ٢٠٩ - ٢١٠: إسناده ضعيف. وقال ابن حجر في «فتح الباري» ١١/ ٤٨٩: الصواب أنه صحيح الإسناد لكن المرجح عند الحفاظ وقفه. وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٢٢٥): صحيح.
(٢) قلت: وليس كذلك بل وقع عند الخطابي: (أو لا ينصرف) بالهمزة أيضًا، والله أعلم. «أعلام الحديث» ١/ ٢٢٧.



حتَّى يتيقن خلاف ذَلِكَ، ولا يضر الشك الطاريء عليها.
والعلماء متفقون عَلَى هذِه القاعدة، ولكنهم مختلفون في كيفية استعمالها.
مثاله: مسألة الباب التي دل عليها الحديث، وهي أن من تيقن الطهارة، وشك في الحدث يحكم ببقائه عَلَى الطهارة، سواء حصل الشك في الصلاة أو خارجها، وهو مذهب الشافعي وجمهور علماء السلف والخلف؛ إعمالًا للأصل السابق، وهو الطهارة، وإطراحًا للشك الطاريء، وأجازوا الصلاة في هذِه الحالة، وهو ظاهر الحديث.
وعن مالك رحمه الله روايتان:
إحداهما: يلزمه الوضوء مطلقًا؛ نظرًا إلى الأصل الأول قبل الطهارة، وهو ترتب الصلاة في الذمة، فلا تزال إلا بطهارة متيقنة، ولا يقين مع وجود الشك في وجود الحدث.
والثانية: إن كان شكه في الصلاة لم يلزمه الوضوء، وإن كان خارجها لزمه (١)، وليس هذا وجهًا عندنا، وإن وقع في الرافعي (٢) و«الروضة» (٣) فلا أصل له كما أوضحته في «شرح العمدة» (٤) و«شرح المنهاج»، وبعض الشراح حكى الأول وجهًا عندنا أيضًا، وهو غريب (٥).

--------------------
(١) انظر: «عيون المجالس» ١/ ١٥٢، «المنتقى» ١/ ٥٤.
(٢) «الشرح الكبير»١/ ١٦٩.
(٣) «روضة الطالبين» ١/ ٧٧. وقال: وهذا شاذ، بل غلط. اهـ.
(٤) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦٦٦ - ٦٦٧.
(٥) قال المصنف في «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦٦٦ - ٦٦٧ ما نصه: ووقع في «شرح ابن العطار» أنه وجه شاذ عن بعض الشافعية وهو غلط منه كان سببه =



وعن مالك رواية ثالثة رواها ابن نافع أنه لا وضوء عليه كما قاله الجمهور (١)، حكاها ابن بطال عنه (٢).
ونقل القاضي عياض (٣)، ثمَّ القرطبي (٤) عن ابن حبيب المالكي أن هذا الشك في الريح دون غيره من الأحداث، وكأنه تبع ظاهر الحديث، واعتذر عنه بعض المالكية بأن الريح لا يتعلق بالمحل منه شيء بخلاف البول والغائط.
وعن بعض أصحاب مالك أنه إن كان الشك في سبب حاضر كما في الحديث طرح الشك، وإن كان في سبب متقدم فلا (٥).
السابعة: لا فرق في الشك عند أصحابنا بين تساوي الاحتمالين في وجود الحدث وعدمه وبين ترجح أحدهما وغلبة الظن في أنه لا وضوء عليه، فالشك عندهم خلاف اليقين، وإن كان خلاف الاصطلاح الأصولي، وقولهم موافق لقول أهل اللغة: الشك خلاف اليقين.
نعم يستحب الوضوء احتياطًا، فلو بان حدثه أولًا فوجهان:
أصحهما: لا يجزئه هذا الوضوء؛ لتردده في نيته، بخلاف ما إِذَا

-------------------
= انتقال ذهني منه إلى الرواية الثانية المنفصلة، فإنها حكيت وجهًا لنا، وهو غلط أيضًا كما ستعلمه. اهـ.
(١) «عيون المجالس» ١/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٣.
(٣) «إكمال المعلم» ٢/ ٢٠٨.
(٤) «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ١/ ٦٠٨.
(٥) انظر: «الذخيرة» ١/ ٢١٨. قال القرافي: قال صاحب «الطراز»: وهذِه التفرقة ظاهر المذهب لما في الترمذي وأبي داود: إذا كان أحدكم في المسجد فوجد ريحًا بين أليتيه فلا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا. قال الترمذى: حديث صحيح. اهـ.



تيقن الحدث وشك في الطهارة فتوضأ ثمَّ بان محدثًا، فإنه يجزئه قطعًا؛ لأن الأصل بقاء الحدث، فلا يضر التردد معه (١).
فرع:
لو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث بالإجماع (٢)، وهو داخل في القاعدة السالفة.
فرع:
لو تيقن الطهارة والحدث معًا وشك في السابق منهما، فأوجه:
أصحها: أنه يأخذ بضد ما قبلهما إن عرفه، فإن لم يعرفه لزمه الوضوء بكل حال، والمختار لزوم الوضوء مطلقًا (٣)، ومحل بسط المسألة في كتب الفروع، وقد أوضحتها في «شرح المنهاج» وغيره.
الثامنة: من مسائل القاعدة التي اشتمل عليها معنى الحديث: من شك في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة المنجس، أو نجاسة الثوب أو غيره، أو أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، أو أنه ركع أو سجد أولًا، أو نوى الصوم أو الصلاة أو الوضوء أو الاعتكاف، وهو في أثناء هذِه العبادات، وما أشبه هذِه الأمثلة، فكل هذِه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث.
وقد استثنى من هذِه القاعدة بضع عشرة مسألة (٤):
منها من شك في خروج وقت الجمعة قبل الشروع فيها -قيل: أو فيها- ومن شك في ترك بعض وضوء أو صلاة بعد الفراغ لا أثر له

-----------------
(١) انظر: «مسلم بشرح النووي» ٤/ ٥٠.
(٢) نقل الإجماع على ذلك النووي في «شرحه على مسلم» ٤/ ٥٠.
(٣) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٧٧.
(٤) قلت: هذا نص كلام النووي في «شرحه على مسلم» ٤/ ٥٠.



عَلَى الأصح، ومنها عشر ذكرهن ابن القاصّ (١) -بتشديد الصاد المهملة- من أصحابنا: الشك في مدة خُفٍّ وأن إمامه مسافر أو وصل وطنه أو نوى إقامة، ومستحاضة شفيت، وغسل متحيرة، وثوب خفيت نجاسته، ومسألة الظبية، وبطلان التيمم بتوهم الماء، وتحريم صيد جرحه فغاب فوجده ميتًا.
قَالَ القفال: لم يعمل بالشك في شيء منها؛ لأن الأصل في الأولى الغسل، وفي الثانية الإتمام، وكذا في الثالثة والرابعة إن أوجبناه، والخامسة والسادسة اشتراط الطهارة ولو ظنًّا أو استصحابًا، والسابعة بقاء النجاسة، والثامنة لقوة الظن، والتاسعة للشك في شرط التيمم وهو عدم الماء، وفي الصيد تحريمه إن قلنا به. وقول ابن القاصّ أقوى في غير الثامنة والتاسعة والعاشرة كما قاله النووى (٢)، وليس هذا موضع بسطه.
التاسعة: فيه حجة كما قَالَ الخطابي لمن أوجب الحد على من وجدت منه رائحة (المسكر) (٣) وإن لم يشاهد شربه ولا شهد عليه الشهود ولا اعترف به.

------------------
(١) هو الإمام الفقيه شيخ الشافعية أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري ثم البغدادي الشافعي تلميذ أبي العباس بن سريج. حدث عن أبي خليفة الجمحي وغيره. من مصنفاته: كتاب «المفتاح»، وكتاب «أدب القا ضي»، وكتاب «المواقيت» توفي مرابطًا بطرسوس سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة.
انظر ترجمته في: «طبقات الشيرازي» ص ١٢٠، «الأنساب» ١٠/ ٢٤، «وفيات الأعيان» ١/ ٦٨، «الوافي بالوفيات» ٦/ ٢٢٧، «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٣٧١.
(٢) انظر: «المجموع» ١/ ٢٦٣ - ٢٦٦.
(٣) في (ج): السكر.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #86  
قديم 23-01-2026, 04:31 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,654
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 47 الى صـــ 66
الحلقة (86)





العاشرة: (فيه مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع، وجواب السائل.
الحادية عشرة: فيه أيضًا كما قال الداودي في «شرحه»: ترك الاستحياء) (١) في العلم، وأنه - ﷺ - كان يعلمهم كل شيء، وأنه يصلي بوضوء صلوات ما لم يحدث.
ومن تراجم البخاري عليه باب: من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات، ووجهه أنه نهى عن العمل بمقتضى الوسواس؛ لأن يقين الطهارة لا يقاومه الشك، ففيه تنبيه عَلَى ترك الوسواس في كل حال، وأدخله البيهقي في معرفته في باب: عدة زوجة المفقود (٢).
وقد أسلفنا عن البخاري أنه أدخله أيضًا في باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين.
واعترض عليه الخطابي فقال: لا معنى للاستدلال به في ذَلِكَ، ولا في نقض تيمم المصلي، وإن كان قَدْ أولع به أهل الجدل من أصحابنا؛ لأنه ليس مما قصد بالجواب والسؤال، ولا هو واقع تحت الجنس من معقول (الباب) (٣).
قَالَ: وكذلك لا معنى للاستدلال فيه بقوله - ﷺ - «لا يقطع صلاة المرء شيء» (٤)؛ لأنه إنما ورد في المار بين يدي المصلي، ألا تراه

-------------------------
(١) سقط في (ج).
(٢) «معرفة السنن والآثار» ١١/ ٢٣٦ (١٥٣٨١ - ١٥٣٨٢).
(٣) وردت في الأصول: (الباد)، والمثبت من «أعلام الحديث» للخطابي ١/ ٢٢٩.
(٤) رواه أبو داود في «سننه» (٧١٩)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٥٠، والبيهقي في «السنن الكبرى» ١/ ٢٢٠، من حديث أبي سعيد، وقال الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (١١٥): إسناده ضعيف.



قَالَ فيه: «وادرأوا ما استطعتم» (١).
قُلْتُ: ونختم الكلام عَلَى الحديث بما روينا عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول (٢) قَالَ: جاء رجل إلى أبي حنيفة فقال: شربت البارحة نبيذًا فلا أدري أطلقت امرأتي أم لا. فقال له: المرأة امرأتك حتَّى تستيقن أنك طلقتها.
قَالَ: فتركه ثمَّ جاء إلى سفيان الثوري، فسأله. فقال: اذهب فراجعها فإن كنت قَدْ طلقتها فقد راجعتها، وإلا فلا تضرك المراجعة.
فتركه وجاء إلى شريك فقال له: اذهب فطلقها ثمَّ راجعها.
فتركه وجاء إلى زفر فسأله فقال: هل سألت أحدًا قبلي؟ قال: نعم وقصَّ القصة، فقال في جواب أبي حنيفة: الصواب قَالَ لك، وقال في جواب سفيان: ما أحسن ما قَالَ، ولما بلغ إلى قول شريك ضحك مليًّا.
ثمَّ قَالَ: لأضربن لهم مثلًا: رجل مر بمثعب يسيل دمًا، فشك في ثوبه هل أصابته نجاسة؟ قَالَ له أبو حنيفة: ثوبك طاهر حتَّى تستيقن، وقال سفيان: اغسله فإن كان نجسًا فقد (طهرته) (٣) وإلا فقد زدته طهارة، وقال شريك: بُل عليه ثمَّ اغسله.

----------------------
(١) انظر: «أعلام الحديث» للخطابي ١/ ٢٢٩.
(٢) هو عبد الرحمن بن مالك بن مغول البجلي أبو بهز من أهل الكوفة يروي عن عبد الله بن عمر، روى عنه العراقيون وكان ممن يروي عن الثقات المقلوبات، وما لا أصل له عن الأثبات. تركه الإمام أحمد بن حنبل.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٤٩، «المجروحين» ٢/ ٦١.
(٣) في (ج): طهر منه.



٥ - باب: التَّخْفِيفِ فِي الوُضُوءِ
١٣٨ - حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى- وَرُبَّمَا قَالَ: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا -يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ- وَقَامَ يُصَلِّي، فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ -وَرُبَّمَا قَالَ شفْيَانُ: عَنْ شِمَالِهِ- فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ الله، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثمَّ أَتَاهُ الُمنَادِي فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قلْنَا لِعَمرٍو: إِنَّ نَاسَا يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تنَامُ عَيْنُة، وَلَا يَنَام قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عمَيْرٍ يَقولُ: رُؤيَا الأنبِيَاءِ وَحْيٌ، ثمَّ قَرَأَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] [انظر: ١١٧ - مسلم ٧٦٣ - فتح: ١/ ٢٣٨].
حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابن عبَّاس أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى -وَرُبَّمَا قَالَ: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. ثُمَّ ثنا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّة بَعْدَ مَرَّةٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ كُرَيْب عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْل، قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا -يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيقلِّلُهُ- وَقَامَ يُصَلِّي، فَتَوَضَّأتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: عَنْ شِمَالِهِ- فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُنَادِي فَآذَنَهُ بالصَّلَاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قُلْنَا لِعَمْرٍو: إِنًّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَنَامُ عَيْنُهُ، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ:


رُويَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، ثُم قَرَأَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾.
الكلام على هذا الحديث من أوجه:
أحدها:
قَدْ أسلفنا في أثناء كتاب العلم قريبًا أن البخاري ذكر هذا الحديث في مواضع، وهذا ثانيها، وذكر الخطابي عقب ما ساقه البخاري هنا: وحَدَّثَنَا إسماعيل، حَدَّثَنِي مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن أبيه، عن ابن عباس وذكر الحديث. قَالَ: ثمَّ قام إلى شَنٍّ معلقة، وأخذ بأذني يفتلها (١)، ولم أر هذا في البخاري هنا.
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بابن عباس وسفيان بن عيينة، وعلي بن المديني.
وأما كريب: فهو أبو رشدين، كريب بن أبي مسلم المدني الثقة، روى عن مولاه ابن عباس وغيره، وعنه ابناه محمد، ورشدين، وموسى بن عقبة، وخلق. مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين. وهو من أفراد الكتب الستة (٢).

---------------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٢٣١.
وهذا الحديث سيأتي برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره.
(٢) كريب بن أبي مسلم القرشي الهاشمي أبو رشدين الحجازي.
قال عثمان بن سعيد الدرامي: قلت ليحيى بن معين: كريب أحب إليك عن ابن عباس أو عكرمة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال النسائي: ثقة.
وقال زهير بن معاوية، عن موسى بن عقبة: وضع عندنا كريب حمل بعير أو عدل بعير من كتب ابن عباس. وكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إليه: ابعث إلى بصحيفة كذا وكذا فينسخها ويبعث إليه إحداهما.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٩٣، «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٣١ (٩٩٤)، =



وأما عمرو فهو الإمام أبو محمد، عمرو بن دينار الأثرم مولى ابن باذان أو باذان المكي، وكان من الأبناء من فرس اليمن (١)، سمع خلقًا الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر، وله حديث عن أبي هريرة عند ماجه (٢)، وعنه شعبة والسفيانان والحمادان ومالك وخلق. مات أول ست وعشرين ومائة عن ثمانين سنة في خلافة مروان (٣).
فائدة:
في الترمذي وابن ماجه عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير ضعفوه (٤).

-----------------------
= «الجرح والتعديل» ٧/ ١٦٨ (٩٥٦)، «الثقات» ٥/ ٣٣٩، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ١٧٢ (٤٩٧٥).
(١) انظر: «التعديل والتجريح» ٣/ ٩٧١ للباجي.
(٢) «سنن ابن ماجه» (٢٣٨٧).
(٣) عمرو بن دينار المكي أبو محمد الأثرم الجمحي. قال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينه يذكر عن أبي نجيح، قال: ما كان عندنا أحد أفقه ولا أعلم من عمرو بن دينار. وقال الحميدي عن سفيان: قلت لمسعر: من رأيت أشد إتقانًا للحديث؟ قال: القاسم بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار.
قال أحمد بن حنبل: عمرو بن دينار أثبت الناس في عطاء. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. زاد النسائي: ثبت.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٧٩، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٨ (٢٥٤٤)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٣١ (١٢٨٠)، «الثقات» ٥/ ١٦٧، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٥ (٤٣٦٠).
(٤) عمرو بن دينار المصري، أبو يحيى الأعور. قال إسماعيل ابن علية: ضعيف الحديث. وقال أبو الحسن الميموني، عن أحمد بن حنبل: ضعيف. وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: لا شيء. وقال أبو زرعة: واهي الحديث.
وقال البخاري: فيه نظر. وقال ابن حجر في «التقريب»: ضعيف.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٩ (٢٥٤٥)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٣٢ (١٢٨١)، «المجروحين» ٢/ ٧١، «الكامل» ٦/ ٢٣٤ (١٢٩٧)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٣ (٤٣٦١)، «تقريب التهذيب» ص ٤٢١ (٥٠٢٥).



وأما عبيد بن عمير فهو الليثي قاصُّ مكة، روى عن عمر وغيره. وعنه ابنه وغيره، وذكر ثابت البناني أنه قصَّ على عهد عمر واستبعد. قَالَ البخاري: مات قبل ابن عمر سنة أربع وسبعين (١).
فائدة:
في أبي داود عبيد بن عمير مولى ابن عباس، وعنه ابن أبي ذئب، والصحيح أن بينه وبينه عطاء (٢).
ثالثها:
هذا الإسناد كله من فرسان الكتب الستة، إلا علي بن المديني فإن مسلم وابن ماجه لم يخرجا له، وجميعهم ما بين مكي ومدني وبصري، وابن عباس مكي وأقام بالمدينة أيضًا.
رابعها:
[قوله: فقام رسول الله - ﷺ - من الليل. كذا هو بالقاف، وصوابه:

---------------------
(١) عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر. قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال شهاب بن خراش، عن العوام بن حوشب: رأى ابن عمر في حلقة عبيد بن عمير وكان من أبلغ الناس يبكي حتى بلَّ الحصى بدموعه.
انظر في ترجمته: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٦٣، «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٥٥ (١٤٧٩)، «الجرح التعديل» ٥/ ٤٠٩ (١٨٩٦)، «الثقات» ٥/ ١٣٢، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٢٢٣ (٣٧٣٠).
(٢) عبيد بن عمير مولى ابن عباس، ويقال: مولى أمه أم الفضل، أخو عبد الله بن عمير وعمر بن عمير.
نروى عن ابن عباس. روى عنه ابن أبي ذئب. قال ابن عساكر: المحفوظ رواية عطاء عن عبيد الليثي، فأما عبيد بن عمير مولى ابن عباس فغير مشهور. وقال ابن حجر: مجهول.
انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ١٩/ ٢٢٥ (٣٧٣١)، «إكمال تهذيب الكمال» ٩/ ٩٨ (٣٥٣٢)، «تقريب التهذيب» ص ٣٧٧ (٤٣٨٦).



فنام، قَالَ صاحب «المطالع»: وهو ما لابن السَّكَنِ وللجماعة: فقام، والأول أصوب.
(كما في) (١) قوله في الرواية الأخرى: نام حتَّى انتصف الليل أو قبله بقليل ثمَّ أستيقظ (٢).
خامسها] (٣): في لغاته:
الشَّنُ -بفتح الشين- قَالَ أهل اللغة: الشنُّ: القربة الخلق، وجمعه شنان، وقوله: (شن معلق). ذكره عَلَى إرادة السقاء والوعاء، وفي رواية للبخاري في كتاب التفسير من «صحيحه»: معلقة (٤) على إرادة القربة.
وقوله: (في بعض الليل): وقع في بعض النسخ (من) بدل (في) ويحتمل أن تكون للتبعيض، وأن تكون بمعنى: في؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، أي: في يوم الجمعة.
وقوله: (وضوءًا خفيفًا)، أي: بين وضوءين فلم يكثر، وقد أبلغ، وقد ذكره البخاري كذلك في كتاب: الدعاء -كما سيأتي إن شاء الله- وفي أخرى في الوتر: فتوضأ فأحسن الوضوء.
وقوله: (فآذنه) هو بالمد، أي: أعلمه. واليسار: بفتح الياء وكسرها.

--------------------
(١) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق، والعبارة كلها ساقطة من الأصل كما سيأتي بعد تعليق.
(٢) سيأتي برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: قراءة القرآن بعد الحديث وبرقم (١١٩٨) كتاب: العمل في الصلاة، باب: استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت من (ج).
(٤) سيأتي برقم (٤٥٧١) كتاب: التفسير، باب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.



سادسها: في فوائده:
وقد تقدم جملة منها في الباب السالف المشار إليه:
منها: أن نومه مضطجعًا لا ينقض، وكذا سائر الأنبياء كما سلف هناك، فيقظة قلوبهم تمنعهم من الحدث، ولهذا قَالَ عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي. يريد أنه منع النوم قلبه ليعي الوحي إذا أوحي إليه في منامه.
ومنها: مبيت من لم يحتلم عند محرمه، ومنها مبيته عند الرجل مع أهله، وقد روي أنها كانت حائضًا (١).
ومنها: تواضعه - ﷺ -، وما كان عليه من مكارم الأخلاق.
ومنها: صلة القرابة، وفضل ابن عباس.
ومنها: الاقتداء بأفعاله - ﷺ -.
ومنها: الإمامة في النافلة، وصحة الجماعة فيها، وقد سلف.
ومنها: ائتمام واحد بواحد.
ومنها: ائتمام صبي ببالغ، وعليه ترجم البيهقي في «سننه» (٢).
ومنها: أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام كما سلف.
قَالَ ابن بطال: وهو رد عَلَى أبي حنيفة في قوله: إن الإمام إِذَا صلى مع الرجل واحد أنه يقوم خلفه لا عن يمينه. وهو مخالف لفعل الشارع (٣).

--------------------
(١) سبق تخريجه.
(٢) «السنن الكبرى» ٣/ ٩٥.
(٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٧.
وهذا القول فيه نظر؛ فمذهب الحنفية أن الإمام إذا كان معه واحد غير امرأة أنه يقيمه عن يمينه، وهو الأولى لهذا الحديث، فإن وقف عن يساره جاز مع الكراهة، =



وعن سعيد بن المسيب: إن موقف الواحد مع الإمام عن يساره (١).
وعن أحمد: إن وقف عن يساره بطلت صلاته (٢).
ومنها: أن أقل الوضوء يجزئ إِذَا أسبغ وهو مرة مرة.
ومنها: تعليم الإمام المأموم.
ومنها: التعليم في الصلاة إِذَا كان من أمرها.
ومنها: إيذان الإمام بالصلاة.
ومنها: قيامه مع المؤذن إِذَا آذنه.
ومنها: الجمع بين نوافل وفرض بوضوء واحد، ولا شك في جوازه.

---------------------
= وإن وقف خلفه فاختلفوا على قولين: أحدهما: الجواز مع الكراهة، والثاني: الجواز بلا كراهة.
انظر: «موطأ مالك برواية الشيباني» ص ٧٧، «الأصل» ١/ ٢٢، «بدائع الصنائع» ١/ ١٥٨ - ١٥٩، «شرح فتح القدير» ١/ ٣٥٥، «الاختيار» ١/ ٨١، «تبيين الحقائق» ١/ ١٣٦، «البناية» ٢/ ٤٠١ - ٤٠٢، «البحر الرائق» ١/ ٦١٦.
وقد رد أيضا هذا القول العيني في «عمدة القاري» ٢/ ٢٣٦ وقال: باطل، وليس هذا مذهب أبي حنيفة، وابن بطال جازف في كلامه.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٢٩ (٤٩٣٥).
(٢) قلت: عن أحمد روايتان، هذِه أحدهما، وهي الصحيحة في المذهب إذا لم يكن عن يمين الإمام أحدٌ.
والثانية: أن صلاته صحيحة، وهذِه الرواية هي اختيار أبي محمد التميمي، واستظهرها ابن مفلح، وصوبها المرداوي، واختارها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي.
انظر: «المغني» ٣/ ٥٠ - ٥١، «الفروع» ٢/ ٣٠، «شرح الزركشي» ١/ ٤١٤، «المبدع» ٢/ ٨٣، «الإنصاف» ٤/ ٤٢١ - ٤٢٤، «كشاف القناع» ٣/ ٢٢٠، «فقه الشيخ ابن سعدي» ٢/ ٢١٩، «مفردات مذهب الإمام أحمد» ص ١٨٦.



ومنها: جواز الفريضة بوضوء النافلة. قاله الداودي، وإن كان يجوز أن يكون نواهما.
ومنها: أن النوم الخفيف لا يجب منه الوضوء. قَالَه الداودي في «شرحه» أيضًا، وفيه نظر، فإنه - ﷺ - اضطجع، فنام حتَّى نفخ، وهذا لا يكون في الغالب خفيفًا.
ومنها: الاضطجاع عَلَى الجنب بعد التهجد.
ومنها: اضطجاع ابن عباس قريبًا من مضطجع الرجل مع أهله، وليس مذكورًا في هذِه الرواية، نعم في رواية أخرى في «الصحيح» في باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره أنه - ﷺ - اضطجع هو وأهله في طول الوسادة، واضطجع ابن عباس في عرضها (١).
ومنها: ما استنبطه ابن بطال من قوله: (فنام النبي - ﷺ - من الليل، فلما كان في بعض الليل قام، فتوضأ) أي: فتوضأ بعد نوم نامه، (ثمَّ نام نومًا آخر وصلى ولم يتوضأ) فدل ذَلِكَ عَلَى اختلاف حاله في النوم، فمرة استثقل نومًا ولا يعلم حاله، ومرة علم حاله من حدث وغيره (٢)، ولا يخلو ما ذكره من نظر.
ومنها: أن تقدم المأموم على إمامه مبطل (٣)؛ لأن المنقول أن الإدارة

-----------------------
(١) سيأتي برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: الرجل يوضئ صاحبه.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٧.
(٣) اعلم أن الفقهاء قد اختلفوا في حكم تقدم المأموم على الإمام على أقوال:
الأول: أن صلاته باطلة.
وهو قول الحنفية، والشافعي في الجديد، وهو الصحيح عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، وهو قول سفيان الثوري.
الثاني: أنها مكروهة.
وهو قول المالكية، ووجه عند الحنابلة، وبه قال الليث، وإسحاق، وأبو ثور، =



كانت من خلف رسول الله - ﷺ - لا من قدامه كما حكاه القاضي عياض عن تفسير محمد بن أبي حاتم، كذا استنبطه بعضهم، ولا يخلو عن نظر، فإنه يجوز أن تكون إدارته من خلفه؛ لئلا يمر بين يديه، فإنه مكروه.
ومنها: قيام الليل، وكان واجبًا عليه ثمَّ نسخ عَلَى الأصح.
ومنها: المبيت عند العالم؛ ليراقب أفعاله، فيقتدي به وينقلها.
ومنها: طلب العلو في السند، فإنه كان يكتفي بإخبار خالته أم المؤمنين.
ومنها: أن النافلة كالفريضة في تحريم الكلام؛ لأنه - ﷺ - لم يتكلم.
ومنها: أن من الأدب أن يمشي الصغير عن يمين الكبير، والمفضول عن يمين الفاضل، ذكره الخطابي (١).
ومنها: أن النوم بِعْينِهِ ليس بحدث وإنما هو مظنة له، فيعتبر أحواله، وسيأتي إن شاء الله تعالى غير ذَلِكَ في موضع آخر من المواضع التي ذكرها البخاري إن شاء الله.

----------------------
= وروي عن الحسن، إلا أن المالكية قالوا: إن الكراهة حيث لا ضرورة.
الثالث: أنها جائزة بلا كراهة.
وهو قول الشافعى في القديم، لكن نص متأخروا الشافعيه على أن كل مندوب يتعلق بالموقف فإنه يكره مخالفته، وتفوت به فضيلة الجماعة.
الرابع: أنها تصح في الجمعة والعيد والجنازة ونحوها لعذر.
وهو قول بعض الحنابلة.
انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٣٦، «بدائع الصنائع» ١/ ١٤٥، «مواهب الجليل» ٢/ ٤٣٣، «الخرشي على مختصر خليل» ٢/ ٢٩، «الفواكه الدواني» ١/ ٢٤٦، «الحاوي» ٢/ ٣٤١، «الشرح الكبير» ٢/ ١٧٢، «روضة الطالبين» ١/ ٣٥٨، «الفروع» ٢/ ٢٨، «المبدع» ٢/ ٨٢.
(١) «أعلام الحديث» للخطابي ١/ ٢٣١.



وأختم الكلام فيه بأمرين:
أحدهما: أنه لم يذكر في هذِه الرواية كيفية التحويل، وقد اختلفت فيه روايات «الصحيح»، ففي بعضها: أخذ برأسه فجعله عن يمينه (١).
وفي بعضها: فوضع يده اليمنى عَلَى رأسي، فأخذ بأذني اليمنى يفتلها (٢)، وفي بعضها: فأخذ برأسي من ورائي (٣)، وفي بعضها: بيدي أو عضدي (٤).
والرواية الثانية جامعة لهذِه الروايات، وفي أخذه بأذنه فوائد:
الأولى: تذكره القصة بعد ذَلِكَ؛ لصغر سنه.
ثانيها: نفي النوم عنه لما أعجبه قيامه معه.
ثالثها: التنبيه عَلَى الفهم وهي قريبة من الأولى، ويقال: إن المعلم إِذَا تعاهد فَتْلَ أُذُن المعلَّم كان أذكى لفهمه.
قَالَ الربيع: ركب الشافعي يومًا، فلصقت بسرجه، وهو عَلَى الدابة، فجعل يفتل شحمة أذني، فأعظمت ذَلِكَ منه حتَّى وجدته عن ابن عباس، أنه - ﷺ - فعل ذَلِكَ به، فعلمت أنه فعله عن أصل.

--------------------
(١) سيأتي برقم (٦٩٩) كتاب: الأذان، باب: إذا لم ينو الإمام أن يؤم.
(٢) سيأتي برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره. وبرقم (٩٩٢) كتاب: الوتر، باب: ما جاء في الوتر. وبرقم (١١٩٨) كتاب: العمل في الصلاة، باب: استعانة اليد في الصلاة. وبرقم (٤٥٧٠) كتاب: التفسير، باب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. وبرقم (٤٥٧١) كتاب: التفسير، باب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
(٣) سيأتي برقم (٧٢٦) كتاب: الأذان، باب: إذا قام الرجل عن يسار الإمام.
(٤) سيأتي برقم (٧٢٨) كتاب: الأذان، باب: ميمنة المسجد والإمام.



الثاني: قَالَ الداودي في «شرحه»: قول عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي، ثمَّ تلى الآية. صحيح وليس من هذا الباب، يريد بذلك أن التبويب عَلَى تخفيف الوضوء فقط، لكن ذكر هذا لأجل ما زاده فيه من نوم العين دون نوم القلب، فاعلمه.

٦ - باب: إِسْبَاغِ الوُضُوءِ
وَقَالَ ابن عُمَرَ: إِسْبَاغُ الوُضُوءِ: الإِنْقَاءُ

١٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأ وَلم يُسبغِ الوُضُوءَ. فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الُمزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الَمغْرِبَ، ثُمُّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلهِ، ثمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. [١٨١، ١٦٦٧، ١٦٦٩، ١٦٧٢ - مسلم: ١٢٨٠ - فتح: ١/ ٢٣٩]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبغِ الوُضُوءَ. فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الحج عن ابن يوسف، عن مالك به (١). وعن مسدد، عن حماد بن زيد، عن يحيى، عن موسى به (٢).

----------------------
(١) سيأتي برقم (١٦٧٢) كتاب: الحج، باب: الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة.
(٢) وبرقم (١٦٦٧) كتاب: الحج، باب: النزول بين عرفة وجمع.



وعن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن كريب بنحوه (١).
وفي الجهاد (٢) عن ابن سلام، عن يزيد بن هارون، عن يحيى، عن موسى به (٣).
وأخرجه مسلم في المناسك من طرق منها: عن يحيى بن يحيى، عن مالك به (٤).
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بكريب (٥)، ومالك (٦)، وعبد الله بن مسلمة (ع) (٧).
وأما أسامة فهو أبو زيد أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي المدني الحِبُ بن الحِبِ، وكان نقش خاتمه: حِبُ رسول الله، وكان مولى النبي - ﷺ -، وابن حاضنته ومولاته أم أيمن، أمَّره رسول الله - ﷺ - عَلَى جيش فيهم أبو بكر وعمر وعمره عشرون فأقل، فلم ينفذ حتَّى مات.
روي له مائة حديث وثمانية وعشرون حديثًا، اتفقا على خمسة عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين. روى عنه عروة

------------------
(١) وبرقم (١٦٦٩) كتاب: الحج، باب: النزول بين عرفة وجمع.
(٢) كذا بالأصول، والصواب: في الطهارة، وسيأتي برقم (١٨١).
(٣) برقم (١٨١) كتاب: الوضوء، باب: الرجل يوضئ صاحبه.
(٤) «صحيح مسلم» (١٢٨٠/ ٢٧٦) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة.
(٥) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٣٨).
(٦) سبقت ترجمته في حديث رقم (٢).
(٧) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٩). وهذا الرمز فيه نظر؛ فقد أخرج له (خ، م، د، ت، س). انظر ترجمته، والصفحة اللاحقة.



وكريب وخلق. مات بوادي القُرى سنة أربع وخمسين عَلَى الأصح، ابن خمس وخمسين (سنة) (١)، وذكر الله أباه زيدًا في القرآن باسمه (٢).
فائدة:
أسامة بن زيد ستة هذا أحدهم، وليس في الصحابة من اسمه أسامة بن زيد سواه، وإن كان فيهم من اسمه أسامة -مختلف في بعضهم (٣) - خمسة غيره:
ثانيهم: تنوخي روى عنه زيد بن أسلم وغيره.
ثالثهم: ليثي (م. الأربعة) روى عن نافع وغيره.
رابعهم: مدني (ق) مولى عمر بن الخطاب، ضعيف.
خامسهم: كلبي روى عن زهير بن معاوية وغيره.
سادسهم: شيرازي روى عن أبي حامد الفضل الجمحي.
وأما موسى بن عقبة فهو أبو محمد المدني موسى بن عقبة (ع) بن أبي عياش المدني مولى الزبير (٤) بن العوام، ويقال مولى أم خالد زوجة الزبير القرشي، أخو محمد وإبراهيم، وكان إبراهيم أكبر من موسى.

--------------------
(١) من (ج).
(٢) انظر ترجمته في «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ٢٢٢، «معرفة الصحابة» ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥ (٨٤)، «الاستيعاب» ١/ ١٧٠ - ١٧٢ (٢١)، «أسد الغابة» ١/ ٧٩ - ٨١ (٨٤)، «الإصابة» ١/ ٣١ (٨٩).
(٣) وهم: أسامة بن شريك، وأسامة بن عمير، وأسامة بن أخدري، وأسامة بن خزيم، وأسامة بن مالك، وأسامة بن عمرو الليثي، وأسامة الحنفي. وانظر ترجمتهم في: «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ٢٢٣ - ٢٢٧، «معرفة الصحابة» ١/ ٢٢٥ - ٢٢٩ (٨٥ - ٨٧)، «الاستيعاب» ١/ ١٧٢ - ١٧٣ (٢٢ - ٢٥)، «أسد الغابة» ١/ ٧٩، ٨١ - ٨٣ (٨٢ - ٨٣، ٨٥ - ٨٧)، «الإصابة» ١/ ٣٠ - ٣٢ (٨٧ - ٩٣).
(٤) في (ج): ابن الزبير، والثابت في كتب التراجم إما: آل الزبير، أو: الزبير.



روى عن كريب، وأم خالد الصحابية وغيرهما. وعنه مالك، والسفيانان وغيرهم، وكان من (المتقنين) (١) الثقات. مات سنة إحدى وأربعين ومائة، ومغازيه أصح المغازي كما قاله مالك، وليس في الكتب الستة من اسمه موسى بن عقبة غيره (٢).
الثالث: هذا الإسناد كل رجاله في الصحيحين وباقي الكتب الستة، إلا القعنبي، فإن ابن ماجه لم يخرج له، وكل رجاله مدنيون.
الرابع: في بيان الأماكن الواقعة فيه.
أما (عرفة) فهو موضع الوقوف -زاده الله شرفًا- سميت بذلك؛ لأن آدم عرف حواء بها، فإن الله أهبط آدم بالهند وحواء بجدة؛ فتعارفا في الموقف، أو لأن جبريل عَرَّفَ إبراهيم المناسك هناك، أو للجبال التي فيها، والجبال هي الأعراف، وكل ناتٍ فهو عرف، ومنه عرف الديك، أو لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم. ويسألون غفرانها فتغفر، أقوال. والمشهور صرف عرفات (٣).
و(الشعب) -بكسر الشين- الطريق في الجبل (٤).
و(المزدلفة) (٥) -بضم الميم- من الازدلاف وهو التقرب أو الاجتماع،

-----------------------
(١) في الأصل: المفتين، والمثبت من (ج).
(٢) انظر: «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٩٢ (١٢٤٧)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٠٥ (١٨٢٠)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٥٤ (٦٩٣)، «الثقات» ٥/ ٤٠٤، «تهذيب الكمال» ٢٩/ ١١٥ - ١٢٢ (٦٢٨٢)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ١١٤ - ١١٨.
(٣) وذكر الحموي أن عرفة وعرفات واحد عند أكثر أهل العلم. انظر: «معجم البلدان» ٤/ ١٠٤ - ١٠٥.
(٤) ورد بهامش الأصل: من خط المصنف في الهامش، قاله ابن التين.
(٥) المزدلفة: اختلف فيها لم سميت بذلك؟ فقيل: لازدلاف الناس في منى بعد الإفاضة، وقيل: لاجتماع الناس بها، وقيل: لازدلاف آدم وحواء بها أي: =



ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾ [الشعراء: ٩٠] أي: قربت.
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾ [الشعراء: ٦٤]، أي: جمعناهم، وكذلك قيل لمزدلفة: جَمْع.
الخامس: في ألفاظه ومعانيه:
قوله: (ثُمَّ تَوَضَّأ وَلَمْ يُسْبغِ الوُضُوءَ). أي: لم يكمله، بل توضأ مرة مرة سابغة أو خفف استعمال الماء بالنسبة (إلى) (١) غالب عاداته، ويؤيده رواية إبراهيم بن عقبة، عن كريب قال: فتوضأ وضوءًا ليس بالبالغ (٢).
وفي «صحيح مسلم»: فتوضأ وضوءًا خفيفًا (٣).
وقوله بعده: (فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ). أي: أكمله، ولا خلاف في هذا أنه الوضوء الشرعي، وأما الأول فاختلف فيه، فقيل: إنه الشرعي مرة مرة كما أسلفناه، وقيل: اللغوي. أي: اقتصر عَلَى بعض الأعضاء، وهو بعيد.
وأبعد منه أن المراد به الاستنجاء، كما قاله عيسى بن دينار وجماعة، ومما يوهنه رواية البخاري الآتية في باب: الرجل يوضى صاحبه، أنه - ﷺ - عدل إلى الشعب فقضى حاجته، فجعلت أصب الماء عليه ويتوضأ (٤)، ولا يجوز أن يصُب عليه أسامة إلا وضوء الصلاة؛ لأنه كان لا يقرب منه أحد وهو عَلَى حاجته، وأيضًا فقد قَالَ أسامة

-----------------------
= لاجتماعهما. انظر: «معجم البلدان» ٥/ ١٢٠.
(١) في (ج): على.
(٢) «صحيح مسلم» (١٢٨٠) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة.
(٣) «صحيح مسلم» (١٢٨٠/ ٢٦٦)، باب: بيان استحباب إدامة الحاج التلبية.
(٤) سيأتي برقم (١٨١).



(عقب) (١) ذَلِكَ: الصلاة يا رسول الله. ومحال أن يقول لَهُ: الصلاة، ولم يتوضأ وضوء الصلاة، وأبعد من قَالَ: إنما لم يسبغه؛ لأنه ج يرد أن يصلي به، ففعله ليكون مستصحبًا للطهارة في مسيره، فإنه كان في (عامة) (٢) أحواله عَلَى طهر. وقال أبو الزناد: إنما لم يسبغه ليذكر الله؛ لأنهم يكثرون منه عشية الدفع من عرفة.
وقال غيره: إنما فعله؛ لإعجاله الدفع إلى المزدلفة، فأراد أن يتوضأ وضوءًا يرفع به الحدث، لأنه كان - ﷺ - لا يبقى بغير طهارة، وكذا قَالَ الخطابي: إنما ترك إسباغه حتَّى نزل الشعب؛ ليكون مستصحبًا للطهارة في طريقه، وتجوّز فيه؛ لأنه لم يرد أن يصلي به، فلما نزل وأرادها أسبغه.
وقوله: («الصَّلَاةُ أَمَامَكَ») أي: سنة الصلاة تأخير المغرب إلى المزدلفة؛ لتجمع مع العشاء. وقال الخطابي: المراد أن موضع هذِه الصلاة المزدلفة، وهو أمامه. قَالَ: وهو تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس بفعله - ﷺ - (٣). وفيما قاله من التخصيص نظر، ولم يعلم أسامة هذِه السنة؛ لأنه - ﷺ - أول من سنها في حجة الوداع.
وقوله: (ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ)، كأنهم فعلوا ذَلِكَ خشية ما يحصل منها من التشويش بقيامها.
السادس: في فوائده:
الأولى: جمع التأخير بمزدلفة وهو إجماع (٤)، لكنه عند جمهور أصحابنا بسبب السفر، فالمزدلفي لا يجمع، وعند أبي حنيفة ومالك

---------------------
(١) في (ج): عقيب.
(٢) في (ج): غاية.
(٣) «أعلام الحديث» للخطابي ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٤) نقله ابن عبد البر في «الإجماع» ص ١٦٩ مسألة (٣٧١).



أنه بسبب النسك فيجمع، وإنما يؤخر إِذَا لم يخرج وقت اختيار العشاء، فإن خافه فالأفضل التقديم، كما قاله جماعات من أصحابنا، وسيأتي بسطه في بابه إن شاء الله تعالى.
الثانية: عدم وجوب الموالاة في جمع التأخير، فإنه وقع الفصل بينهما بإناخة كل إنسان بعيره في منزله.
الثالثة: الإقامة لكل من صلاتي الجمع، وحكى ابن التين عن ابن عمر: أنه يصلي بإقامة واحدة (١). ويبعد أن يكون المراد بالإقامة هنا الشروع فيها وفعلها بأحكامها.
الرابعة: لم يذكر هنا الأذان لها، والصحيح عند أصحابنا أنه يؤذن للأولى، وبه قَالَ أحمد، وأبو ثور، وعبد الملك بن الماجشون المالكي، والطحاوي الحنفي. وقال مالك: يؤذن ويقيم للأولى، ويؤذن ويقيم للثانية. وهو محكي عن عمر، وابن مسعود، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: أذان وإقامة واحدة. وللشافعي وأحمد قول أنه يصلي كل واحدة بإقامة بلا أذان، وهو محكي عن القاسم بن محمد وسالم. وقال الثوري: يصليهما جميعًا بإقامة واحدة (٢)، وقد أسلفناه عن ابن عمر.
الخامسة: أفضلية تأخير المغرب إلى العشاء، قَالَ أصحابنا: فلو

--------------------
(١) رواه مسلم (١٢٨٨) وفي آخره أن ابن عمر قال: هكذا صلى بنا رسول الله - ﷺ - في هذا المكان. بينما سيأتي خلاف ذلك عنه عند البخاري برقم (١٠٩٢)، (١٦٧٣) حيث قال ابن عمر فيه: جمع النبي - ﷺ - بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهمابإقامة .. «الحديث فانظره.
(٢) انظر:»البيان«٢/ ٦١،»عقد الجواهر الثمينة«١/ ٨٨ - ٨٩،»المغني" ٢/ ٧٧ - ٧٨.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #87  
قديم 23-01-2026, 04:37 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,654
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 67 الى صـــ 86
الحلقة (87)



جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو في الطريق أو في موضع آخر، أو صلى كل صلاة في وقتها جاز جميع ذَلِكَ، وإن خالف الأفضل، هذا مذهبنا.
وبه قَالَ جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعي، وأبو يوسف، وأشهب، وفقهاء أصحاب الحديث.
وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين: يشترط أن يصليهما بالمزدلفة ولا يجوز قبلها. وقال مالك: لا يجوز أن يصليهما قبلها إلا من به -أو بدابته- عذر، فله أن يصليهما قبلها بشرط كونه بعد مغيب الشفق، وحكى ابن التين عن «المدونة» أنه يعيد إِذَا صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة، أو جمع بينها وبين العشاء بعد مغيب الشفق وقبل أن يأتيها.
وعن أشهب المنع إلا أن يكون صلى قبل مغيب الشفق، فيعيد العشاء بعدها أبدًا، وبئس ما صنع.
وقيل: يعيد العشاء الآخرة فقط. وقال في «المعونة»: إن صلى المغرب بعرفة في وقتها فقد ترك الاختيار والسنة، وتجزئه خلافًا لأبي حنيفة. قَالَ أشهب: وإذا أسرع فوصل المزدلفة قبل مغيب الشفق جمع، وإن قضى الصلاتين قبل مغيبه، وخالفه ابن القاسم فقال: لا يجمع حتى يغيب.
السادسة: تنبيه المفضولِ الفاضلَ إِذَا خاف عليه النسيان لما كان فيه من الشغل؛ لقول أسامة: الصلاة يا رسول الله.
السابعة: في قوله: (فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ). أن الوضوء عبادة وإن لم يصلِّ به -يعني: بالأول- نبه عليها الخطابي (١)، وقد قَالَ بعضهم: من

------------------------
(١) «أعلام الحديث» للخطابي ١/ ٢٣٦.


توضأ ثمَّ أراد أن يجدد وضوءه قبل أن يصلي ليس لَهُ ذَلِكَ، لأنه لم يوقع به عبادة، ويكون كمن زاد عَلَى ثلاث في وضوء واحد، وهو الأصح عند أصحابنا، ولا يسن تجديده إلا إِذَا صلى بالأول صلاة فرضًا كانت أو نفلًا.
الثامنة: ظاهر الحديث أنهم صلوا قبل حط رحالهم، وقد جاء مصرحًا به في رواية أخرى في «الصحيح» (١)، ووافق مالك في الأمر الخفيف، وقال في المحامل والزوامل: يبدأ بالصلاة قبلها.
وقال أشهب: له أن يحط رحله قبل أن يصلي، وبعد المغرب أحب إلي ما لم تكن دابته معقلة، ولا يتعشى قبل المغرب وإن خفف عشاءه، ولا يتعشى بعدها وإن كان عشاؤه خفيفًا، وإن طال فبعد العشاء أحب إليَّ.
التاسعة: ترك النافلة في السفر، كذا استنبطه المهلب من قوله: ولم يصل بينهما. ولذلك قَالَ ابن عمر: لو كنت مسبحًا لأتممت (٢).
وقال غيره: لا دلالة فيه؛ لأن الوقت بين الصلاتين لا يتسع لذلك، ألا ترى أن بعضهم قَالَ: لا يحطون رواحلهم تلك الليلة حتَّى يجمعوا.
ومنهم من قَالَ: يحط بعد الأولى، مع ما في ترك الرواحل بأوقارها ما نهي عنه من تعذيبها، ولم يتابع ابن عمر عَلَى قوله، والفقهاء متفقون عَلَى اختيار التنفل في السفر.

-------------------------
(١) «صحيح مسلم» (١٢٨٠/ ٢٧٩) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة.
(٢) رواه مسلم (٦٨٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصدها.
وابن ماجه (١٠٧١)، وعبد الرزاق ٢/ ٥٥٧ (٤٤٤٣)، وأبو يعلى ١٠/ ١٥٦ (٥٧٧٨)، وابن خزيمة ٢/ ٢٤٦ (١٢٥٧).



قَالَ ابن بطال: وقد تنفل رسول الله - ﷺ - (١) راجلًا وراكبًا (٢).
العاشرة: جواز التنفل بين صلاتي الجمع كذا استدل به القرطبي في «مفهمه» قَالَ: وهو قول ابن وهب قَالَ: وخالفه بقية أصحابنا فمنعوه (٣).
قُلْتُ: وهو جائز عندنا في جمع التأخير ممتنع في جمع التقديم، والحديث ناصٌّ عَلَى أنه لم يصل بينهما، ولعل القرطبي أخذه. من إناخة البعير بينهما.
الحادية عشرة: الدفع من عرفة إلى مزدلفة راكبًا.
الثانية عشرة: نقل أفعاله والاعتناء بها ليتبع.
الثالثة عشرة: الاستنجاء من البول لغير صلاة تنظفًا وقطعًا لمادته قاله الداودي، وكأنه حمل الوضوء الأول فيه عَلَى الاستنجاء، وليس بجيد لما أسلفناه.
الرابعة عشرة: ترك إسباغ الوضوء عند البول إِذَا لم تجئ الصلاة قاله أيضًا، وفيه نظر أيضًا.
الخامسة عشرة: تخصيص العموم قاله الخطابي، وقد سلف ما فيه.
السادسة عشرة: قَالَ الخطابي أيضًا: فيه دلالة (أيضًا) (٤) عَلَى أنه

-----------------------
(١) ورد بهامش (س) ما نصه: لا يصح الاستدلال على ابن عمر من تنفل الشارع في السفر إلا إذا ثبت أن الذي تنفله راتبًا، وأما مطلق النفل فلا يمنع منه ابن عمر وهو قائل باستحبابه، لكن مما يستدل به على ابن عمر صلاته عليه السلام راتبة الصبح يوم الوادي وسنة الصبح يوم الفتح، ولعل ابن عمر لم يره -عليه السلام- تنفل في السفر، والله أعلم.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٩.
(٣) انظر: «المفهم» ٣/ ٣٩١، وجاء هذا القول عن ابن حبيب، وليس قول ابن وهب كما قال المصنف.
(٤) ساقطة من (ج).



لا يجوز أن يصليها الحاج إِذَا أفاض من عرفة حتَّى يبلغها ويجمع بينهما، ولو أجزأ غير ذَلِكَ لما أخرها - ﷺ - عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام (١). وفيما ذكره نظر أيضًا، فإنه إنما أخرها لأجل الجمع.
السابعة عشرة: قَالَ أيضًا: استدل به الشافعي عَلَى أن الفوائت لا يؤذن لها لكن يقام (٢)، وكأن وجهه أنها تشبه الفائتة، وإلا فإذا أخرها فهي أداء عَلَى الصواب، لأجل العذر المرخص.
الثامنة عشرة: قَالَ فيه أيضًا: إن يسير العمل إِذَا (تخلل) (٣) بين الصلاتين لا يقطع نظم الجمع بينهما، لما ذكر من إناخة كل واحد بعيره بينهما، ولكن لا يتكلم بين الصلاتين، وما ذكره ماشٍ عَلَى من يشترط الموالاة في جمع التأخير، والأصح عند أصحابنا خلافه.
التاسعة عشرة: قَالَ: في وضوئه الأول لغير الصلاة دلالة عَلَى أن الوضوء نفسه عبادة وقربة، وإن لم يصل به، وكان - ﷺ - يقدم الطهارة إِذَا أوى إلى فراشه؛ ليكون مبيته عَلَى طهر (٤).
العشرون: قَالَ المهلب: فيه اشتراك وقت المغرب والعشاء، وأن وقتهما واحد (٥). وقال غيره: المراد بالنسبة إلى الجمع (٦).

------------------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٢) انظر: «البيان» ٥٩/ ١.
(٣) في (ج): تملك.
(٤) انظر: الفوائد السابقة في «أعلام الحديث» ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٥) كما في «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٩.
(٦) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في التاسع بعد الثلاثين كتبه مؤلفه.



٧ - باب غَسْلِ الوَجهِ بِالْيَدَيْنِ مِن غَرفَةٍ وَاحِدَةٍ
١٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ الُخزَاعِيُّ مَنصُورُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن بِلَالٍ -يَعْنِي سُلَيْمَانَ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَة مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسْرى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرفَةً أُخْرى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ -يَعْنِي: اليُسْرى- قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يتَوَضّأُ. [فتح ١/ ٢٤٠]
حَدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أنا أَبُو سَلَمَةَ الخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ، أنا ابن بِلَالٍ -يَعْنِي سُلَيْمَانَ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ (١) بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إلى يَدِهِ الأُخْرى، فَغَسَلَ بها (٢) وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسْرى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ على رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ -يَعْنِي: اليُسْرى- ثمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ.

---------------------
(١) علم عليها الناسخ بإشارة نسخة، وكتب في الهامش: واستنثر.
(٢) علم عليها الناسخ أن في نسخة (بهما) وكتب (بها).



الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري منفردًا به عن مسلم، ولم يخرج مسلم عن ابن عباس في صفة الوضوء شيئًا.
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بابن عباس وعطاء وزيد.
وأما سليمان بن بلال فهو أبو محمد مولى آل أبي بكر، روى عن عبد الله بن دينار وغيره. وعنه ابنه أيوب ولوين وغيرهما.
وكان بربريًّا جميلًا حسن الهيئة عاقلًا متقنًا ثقة إمامًا، وولي خراج المدينة. مات سنة اثنتين وسبعين ومائة، وقيل: سنة سبع وسبعين، وقد سلف أيضًا في باب: أمور الإيمان (١).
وأما أبو سلمة منصور (خ. م. س) بن سلمة الخزاعي البغدادي الحافظ، روى عن مالك وغيره. وعنه الصاغاني وغيره.
مات سنة سبع أو تسع ومائتين وقيل: سنة عشر (٢).
وأما محمد بن عبد الرحيم (خ. د. ت. س) فهو أبو يحيى الحافظ،

----------------------
(١) سبقت ترجمته في حديث رقم (٩).
(٢) منصور بن سلمة بن عبد العزيز بن صالح، أبو سلمة الخزاعي البغدادي.
قال أبو بكر الأعين: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو سلمة الخزاعي من متثبتي بغداد. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال الدارقطني: أبو سلمة الخزاعي أحد الثقات الحفاظ الرفعاء الذين كانوا يسألون عن الرجال.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٤٥، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٤٨ (١٥٠٢)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٧٣ (٧٦٣)، «الثقات» ٩/ ١٧٢، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥٣٠ - ٥٣٢ (٦١٩٤).



صاعقة؛ لقب بذلك لحفظه.
روى عن يزيد بن هارون، وروح، وطبقتهما.
وعنه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن صاعد، والمحاملي، وخلق. وكان بزازًا، مات سنة خمس وخمسين ومائتين (١).
ثالثها:
هذا الحديث مما شاهده ابن عباس من رسول الله - ﷺ - وهي معدودة.
قَالَ الداودي: الذي صح مما سمع من النبي - ﷺ - اثنا عشر حديثًا، وحكى غيره، عن غندر عشرة أحاديث. وعن يحيى القطان، وأبي داود: تسعة.
ووقع في «المستصفى» للغزالي: أن ابن عباس مع كثرة روايته، قيل: إنه لم يسمع من النبي - ﷺ - إلا أربعة أحاديث لصغر سنه، وصرح بذلك في حديث: «إنما الربا في النسيئة» (٢) وقال: حَدَّثَنِي به أسامة بن زيد، ولما روى حديث قطع التلبية حين رمى جمرة العقبة (٣) قَالَ: حَدَّثَنِي به أخي الفضل (٤).

-----------------------
(١) محمد بن عبد الرحيم بن أبي زهير أبو يحيى القرشي العدوي.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كتب عنه أبي بمكة، وسئل عنه، فقال: صدوق.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، والنسائي: ثقة.
وقال ابن صاعد: حدثنا أبو يحيى الثقة الأمين. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان متقنا، ضابطًا عالمًا، حافظًا.
انظر: «الجرح والتعديل» ٨/ ٩ (٣٣)، «الثقات» ٩/ ١٣٢، «تاريخ بغداد» ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٥ - ٨ (٥٤١٧).
(٢) سيأتي برقم (٢١٧٨) كتاب: البيوع، باب: الدينار بالدينار نساءً.
(٣) سيأتي برقم (١٦٨٥) كتاب: الحج، باب: التلبية والتكبير غداة النحر.
(٤) انظر: «المستصفى» ١/ ٣١٩ - ٣٢٠.



رابعها: في ألفاظه:
معنى (أَضَافَهَا إلى يَدِهِ الأُخْرى):. جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا، فإنه أمكن في الغسل.
وقوله: (فَرَشَّ على رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا) أي: صبه قليلًا قليلًا حتَّى صار غسلًا.
وقوله: (فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ): -يعني: اليسرى- هو بغين معجمة ثمَّ سين مهملة كذا رأيناه في الأصول، وقال ابن التين: رويناه بالعين غير معجمة، ولعله عد الرجلين بمنزلة العضو الواحد، فكأنه كرر غسله؛ لأن الغسل هو الشرب الثاني: ثمَّ قَالَ: وقال الحسن: أراه (فعل) فسقطت السين.
قُلْتُ: وهذا كله غريب والصواب ما أسلفناه.
خامسها: في فوائده:
الأولى: الوضوء مرة، وهو إجماع كما أسلفناه في أوائل الوضوء، وشذ من قَالَ: فرض مغسول الوضوء التثليث، وهذِه القولة حكاها ابن التين هنا، وأسلفنا حكايتها عن غيره في الموضع المشار إليه.
الثانية: الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة بغرفة، وهو أفضل من الفصل، وسيأتي في حديث عبد الله بن زيد أنه جمع بينهما ثلاث مرات من غرفة واحدة (١)، وهو الذي صحت به الأحاديث، وحديث الفصل أخرجه أبو داود في «سننه» (٢) ولا يصح.

----------------------
(١) سيأتي برقم (١٩١).
(٢) انظر: «سنن أبي داود» (١٣٩)، والبيهقي ١/ ٥١ ونصُّه: دخلت -يعني: على النبي - ﷺ - وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضه والاستنشاق، وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٨): ضعيف.



الثالثة: البداية بالميامن، وهو سنة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، ومن نقل خلافه فقد غلط، ثمَّ هذا بالنسبة إلى اليد والرجل، أما الخدان والكفان فيطهران دفعة واحدة، وكذا الأذنان عَلَى الأصح عند الشافعية.
الرابعة: أخذ الماء للوجه باليد، وفي رواية للبخاري ومسلم في حديث عبد الله بن زيد: ثمَّ أدخل يده فغسل وجهه ثلاثًا (١)، وفي رواية للبخاري: ثمَّ أدخل يديه بالتثنية (٢).
وهما وجهان للشافعية، وجمهورهم عَلَى الثاني.
وقال زاهر السرخسي: إنه يغرف بكفه اليمنى، ويضع ظهرها عَلَى بطن كفه اليسرى، ويصبه من أعلى جبهته، وحديث الباب قد يدل له.
الخامسة: قَالَ ابن بطال فيه أن الماء المستعمل في الوضوء طاهر مطهر، وهو قول مالك والثوري، قَالَ: والحجة لذلك أن الأعضاء كلها إِذَا غسلت مرة مرة، فإن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملًا ثمَّ يمره عَلَى كل جزء بعده وهو مستعمل فيجزئه، فلو كان الماء المستعمل لا يجوز لم يجز الوضوء مرة مرة، ولما أجمعوا أنه جائز استعماله في العضو الواحد كان في سائر

-----------------------
(١) سيأتي برقم (١٨٦) باب: غسل الرجلين إلى الكعبين، وبرقم (١٩٢)، باب: مسح الرأس مرة. وبرقم (١٩٩)، باب: الوضوء من التور.
ومسلم (٢٣٥) كتاب: الطهارة، باب: في وضوء النبي - ﷺ -.
(٢) قال ابن حجر في «الفتح» ١/ ٢٩٤: وقع في رواية ابن عساكر وأبي الوقت من طريق سليمان بن بلال: ثم أدخل يديه، بالتثنية، وليس ذلك في رواية أبي ذر ولا الأصيلي ولا في شيء من الروايات خارج الصحيح، قاله النووي. اهـ. وانظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٢٢.



الأعضاء كذلك، وفيما قاله نظر؛ لأن الماء يحكم لَهُ بالاستعمال بعد انفصاله، ومادام مترددًا عَلَى العضو لا يثبت لَهُ حكم الاستعمال (١).
تنبيه:
لم يذكر في هذا الحديث أخذ الماء للرأس؛ فقال بعضهم فيه: مسح الرأس بفضل الذراع. وفي «سنن أبي داود» أنه - ﷺ - مسح رأسه من فضل ماء كان في يده (٢). وهذا قول الأوزاعى، والحسن، وعروة، وقال الشافعي ومالك: لا يجزئه أن يمسح بفضل ذراعيه ولا لحيته. وأجازه ابن الماجشون في بلل اللحية إِذَا نفذ منه الماء. وقال القاضي عبد الوهاب: يشبه أن يكون قول مالك: لا يجزئه، عبارة عن شدة الكراهية (٣).

--------------------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٢) «سنن أبي داود» (١٣٠)، ورواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٨ (٢١١)، والطبراني ٢٤/ ٢٦٨ (٦٧٩)، وفي «الأوسط» ٣/ ٣٥ - ٣٦ (٢٣٨٩) من حديث الرُّبيِّع، وقال: لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا أبو داود. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٢١): إسناده حسن.
(٣) انظر: «الذخيرة» ١/ ٢٦٢.



٨ - باب التَّسمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الوِقَاعِ
١٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، يَبْلُغُ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ». [٣٢٧١، ٣٢٨٣، ٥١٦٥، ٦٣٨٨، ٧٣٩٦ - مسلم: ١٤٣٤ - فتح: ١/ ٢٤٢]
حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثنَا جَرِير، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، يَبْلُغُ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أتَى أَهْلَه قَالَ: بِسْمِ اللهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الدعوات عن علي بن المديني أيضًا (١)، وفي التوحيد عن قتيبة، عن جرير (٢)؛ وفي صفة إبليس عن موسى بن إسماعيل. عن همام، وعن آدم، عن شعبة (٣)، وفي النكاح عن سعد بن حفص، عن شيبان، كلهم عن جرير به (٤)، وقال في عقب حديث آدم: وثنا الأعمش (٥).

---------------------
(١) قلت: ما سيأتي في الدعوات برقم (٦٣٨٨) هو عن عثمان بن أبي شيبة، لا عن علي بن المديني، وكذا قال العيني في «عمدة القاري» ٢/ ٢٤٩.
(٢) سيأتي برقم (٧٣٩٦) كتاب: التوحيد، باب: السؤال بأسماء الله والاستعاذه بها.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٧١) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس، وبرقم (٣٢٨٣) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس.
(٤) سيأتي برقم (٥١٦٥) كتاب: النكاح، باب: ما يقول الرجل إذا أتى أهله.
(٥) سيأتي برقم (٣٢٨٣) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده.



وأخرجه مسلم في النكاح عن يحيى بن يحيى، وغيره عن جرير، ومن طريق الثوري وغيره عن منصور (١). لم يرفعه الأعمش ورفعه منصور، وأخرجه الأربعة (٢) أيضًا.
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم خلا سالم بن أبي الجعد الأشجعي مولاهم الكوفي التابعي، روى عن ابن عباس وابن عمر، وأرسل عن عمر وعائشة. قَالَ أحمد: لم يسمع من ثوبان ولم يلقه. وعنه منصور والأعمش، مات سنة مائة، وهو من الثقات لكنه يرسل ويدلس، وحديثه عن النعمان بن بشير، وعن جابر في البخاري ومسلم وأبي داود عن عبد الله بن عمرو، وابن عمر في البخاري، وعن علي في أبي داود والنسائي (٣).

--------------------
(١) مسلم (١٤٣٤) كتاب: النكاح، باب: ما يستحب أن يقوله عند الجماع.
(٢) أبو داود (٢١٦١)، والترمذي (١٠٩٢)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٢٦٦)، وابن ماجه (١٩١٩).
(٣) سالم بن أبي الجعد واسمه رافع الأشجعي. روى عن أنس بن مالك، روى عنه ابنه الحسن بن سالم بن أبي الجعد. قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وأبو زرعة والنسائي: ثقة.
وقال سفيان عن منصور: قلت لإبراهيم: ما لسالم بن أبي الجعد أتم حديثًا منك؟ قال: لأنه كان يكتب.
وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا مالك بن مغول أنه ذكر له عن سالم بن أبي الجعد أنه كان يعطي، فعاتبته امرأته أم أبان، فقال: لأن أذهب بخير وأترككم بشر أحب إلي من أن أذهب بشر وأترككم بخير.
وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٢٩١، «التاريخ الكبير» ٤/ ١٠٧ (٢١٣٢)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٨٢ (٥٣٨)، «الجرح والتعديل» ٤/ ١٨١ (٧٨٥)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ١٣٠ - ١٣٣ (٢١٤٢).



وأما (منصور) فهو ابن المعتمر أبو عتاب السلمي من أئمة الكوفة.
روى عن أبي وائل، وزيد بن وهب، وعنه شعبة والسفيانان وخلق. قَالَ: ما كتبت حديثًا قط. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة (١)، وقد سلف أيضًا في باب إثم من كذب عَلَى النبي - ﷺ -.
ثالثها:
هذا الإسناد كلهم من رجال الكتب الستة إلا ابن المديني فإن مسلمًا وابن ماجه لم يخرجا له، ورواته ما بين مكي ومدني وكوفي ورازي وبصري.
رابعها:
(ما) هنا بمعنى: شيء، فإنها تكون لمن يعقل إِذَا كانت بمعنى الشيءكما نبه عليه ابن التين.
ومعنى «لم يضره»: لا يكون له عليه سلطان ببركة اسمه جل وعز، بل يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وأبعد من قَالَ إن المراد: لم يصرعه، وكذا قول من قَالَ: لم يطعن فيه عند ولادته.
واختار الشيخ تقي الدين (القشيري) (٢) في «شرح العمدة» أن المراد: لم يضره في بدنه، وإن كان يحتمل الدين أيضًا، لكن يبعده انتفاء العصمة (٣). وقال الداودي: لم يضره بأن يفتنه بالكفر.

-------------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٣٧، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٤٦ (١٤٩١)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٧٧ - ١٧٩ (٧٧٨)، «الثقات» ٧/ ٤٧٣، «تهذيب الكمال» ٨/ ٥٤٦ - ٥٥٥ (٦٢٠١)، «جامع التحصيل» (٨٠٢)، «شذرات الذهب» ١/ ١٨٩.
(٢) في (ج): الفربري، وهو خطأ.
(٣) «إحكام الأحكام» ص ٥٨١.



خامسها: في فوائده:
وهو مطابق لقول الله تعالى حاكيًا عن أم مريم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].
الأولى: استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الوقاع، واستحب الغزالي في «الإحياء» أن يقرأ بعد باسم الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، ويكبر ويهلل، ويقول: بسم الله العلي العظيم، اللَّهُمَّ اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدرت ولدًا يخرج من صلبي، قَالَ: وإذا قرب الإنزال فقل في نفسك ولا تحرك به شفتيك: الحمد لله الذي خلق من الماء بشرًا (١).
الثانية: الاعتصام بذكر الله تعالى ودعائه من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستشعار بأن الله تعالى هو الميسر لذلك العمل والمعين عليه.
الثالثة: الحث عَلَى المحافظة عَلَى تسميته ودعائه في كل حال لم ينه الشرع عنه، حتَّى في حال ملاذ الإنسان، وأراد البخاري بذكره في هذا الباب مشروعية التسمية عند الوضوء، واستغنى عن حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»؛ لأنه ليس على شرطه وإن كثرت طرقه، وقد طعن فيه الحفاظ، واستدركوا عَلَى الحاكم تصحيحه بأنه انقلب عليه إسناده واشتبه (٢).

---------------------
(١) انظر: «إحياء علوم الدين» ٢/ ٦٣. ويكتفي بما ورد في السنة لأنه هو المشروع.
(٢) هذا شطر حديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». رواه أبو داود (١٠١)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٤١٨، والحاكم ١/ ١٤٦. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وقد احتج مسلم بيعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة دينار، ولم يخرجاه. والبيهقي ١/ ٤٣. =



وأصح ما في التسمية كما قَالَ البيهقي، واحتج به في «معرفته» حديث أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - وضع يده في الإناء الذي فيه الماء وقال: «توضئوا بسم الله ..»، (١) الحديث؛ ويقرب منه حديث: «كل أمر بال لا يبدأ فيه بذكر الله -وفي لفظ: ببسم الله- فهو أجذم» (٢).
--------------------
= واعترض المنذري على تصحيح الحاكم فقال: ليس كما قال، فإنهم رووه عن يعقوب بن سلمة الليثي عن أبيه عن أبي هريرة. وقد قال البخاري وغيره: لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب سماع من أبيه. انظر: «صحيح الترغيب» ١/ ٢٠٠ (٢٠٣). وقال ابن حجر: رواه الحاكم من هذا الوجه، فقال: يعقوب أبي سلمة. وادعى أنه الماجشون وصححه لذلك، والصواب أنه الليثي. ثم قال: قال ابن الصلاح: انقلب إسناده على الحاكم، فلا يحتج لثبوته بتخريجه له، وتبعه النووي. وقال ابن دقيق العيد: لو سلم للحاكم أنه يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة دينار يحتاج إلى معرفة حال أبي سلمة، وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، فلا يكون أيضًا صحيحًا. «تلخيص الحبير» ١/ ٧٢ - ٧٣.
والحديث حسنه الألباني كما في «صحيح أبي داود» و«صحيح الترغيب» (٢٠٣).
وللحديث شاهد عند الترمذي من طريق رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب عن جدته عن أبيها. الحديث رواه الترمذي (٢٥). والبيهقي ١/ ٤٣. وقال الترمذي: وفي الباب: عن عائشة وأبي سعيد وأبي هريرة وسهل بن سعد وأنس وقال: قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد.
قال إسحاق: إن ترك التسمية عامدًا أعاد الوضوء، وإن كان ناسيًا أو متأولًا أجزأه.
وقال البخاري: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن. وقال أبو عيسى: ورباح بن عبد الرحمن عن جدته عن أبيها، وأبوها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. وقال المنذري: إن الأحاديث التي وردت فيها وإن كان لا يسلم شيء منها من مقال فإنها تتعاضد بكثرة طرقها وتكتسب قوة. والله أعلم.
والحديث حسنه الألباني، انظر: «صحيح الترغيب» ١/ ٢٠١ (٢٠٤).
(١) انظر: «معرفة السنن والآثار» ١/ ٢٦٦ (٥٩٢). ورواه النسائي ١/ ٦١ - ٦٢. وقال الألباني في «صحيح النسائي»: صحيح الإسناد.
(٢) بنحوه في «مسند أحمد» ٢/ ٣٥٩، وانظر «إرواء الغليل» الحديث الأول.



وحاصل ما في التسمية مذاهب:
أحدها: أنها سنة وليست بواجبة، فلو تركها عمدًا صح وضوؤه، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور العلماء، وهو أظهر الروايتين عن أحمد (١)، وعبارة ابن بطال: استحبها مالك وعامة أئمة أهل الفتوى، وذهب بعض من زعم أنه من أهل العلم إلى أنها فرض فيه (٢).
ثانيها: أنها واجبة، (وهو) (٣) رواية عن أحمد (٤)، وقول أهل الظاهر (٥).
ثالثها: أنها واجبة إن تركها عمدًا بطلت طهارته، وإن تركها سهوًا أو معتقدًا أنها غير واجبة لم تبطل طهارته، وهو قول إسحاق بن راهويه، كما حكاه الترمذي وغيره عنه (٦).
رابعها: أنها ليست بمستحبة، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعن مالك رواية أنها بدعة، وقال: ما سمعت بهذا؛ يريد: أن يذبح!! وفي رواية: أنها مباحة لا فضل في فعلها ولا في تركها (٧).

--------------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ١٣، «عيون المجالس» ١/ ٩٦، «المجموع» ١/ ٣٨٧، «المغني» ١/ ١٤٥، ١٤٦، «عارضة الأحوذي» ١/ ٤٣.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٣) في (ج): وهي.
(٤) انظر: «المغني» ١/ ١٤٥.
(٥) قلت: المنصوص عليه عند ابن حزم أن تسمية الله تعالى على الوضوء تستحب وإن لم يفعل فوضوؤه تام. انظر «المحلى» ٢/ ٤٩.
(٦) «سنن الترمذي» ١/ ٣٨ وانظر: «مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن منصور الكوسج» ١/ ٩٩ (٨٤)، و«المغني» ١/ ١٤٦، و«الإنصاف» ١/ ٢٧٧، و«مسائل أحمد برواية السجستاني» ص ١١٠.
(٧) انظر: «الذخيرة» ١/ ٢٨٤.



واحتج من أوجبها بالحديث الذي أسلفناه، ولأنها عبادة يبطلها الحدث فوجب في أولها نطق كالصلاة.
واحتج من لم يوجبها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وبقوله: - ﷺ - «توضأ كما أمرك الله» (١).
وأشباه ذَلِكَ من النصوص الواردة في بيان الوضوء، وليس فيها ذكر التسمية.
والجواب عن الحديث من أوجه:
أحسنها: ضعفه، قَالَ الإمام أحمد: لا أعلم في التسمية حديثًا ثابتًا (٢).
ثانيها: أنه مقدر بنفي الكمال.
ثالثها: أن المراد بالذكر النية، قاله ربيعة شيخ مالك وغيره، والجواب عن قياسهم من وجهين:

---------------------
(١) هذا جزء من حديث رفاعة بن رافع، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ..» وفي رواية أخرى «فتوضأ كما أمرك الله ..» الحديث.
رواه أبو داود (٨٥٧ - ٨٦١)، والترمذي (٣٠٢)، والنسائي ٢/ ١٩٣، ٢٢٥، ٢٢٦، وابن الجارود ١/ ١٨٢ - ١٨٣ (١٩٤)، وابن خزيمة ١/ ٢٧٤ (٥٤٥)، وابن حبان ٥/ ٨٨ - ٨٩ (١٧٨٧). والحاكم ١/ ٢٤١ - ٢٤٢.
وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢٤٧).
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٠٤): إسناده صحيح على شرط البخاري.
(٢) انظر: «مسائل الإمام أحمد»رواية أبي داود السجستاني ص ١١، و«برواية الكوسج» ١/ ٩٩ (٨٤).



أحدهما: أنه منتقض بالطواف، وأنه عبادة لا يجب في آخرها ذكر فلا يجب في أولها كالطواف، وفيه احتراز من سجود التلاوة والشكر.
ثانيها: إنا نقلبه عليهم نقول: عبادة يبطلها الحدث فلم تجب التسمية في أولها كالصلاة. قال ابن بطال: وهذا الذي أوجبها عند الوضوء لا يوجبها عند غسل الجنابة والحيض، وهذا (مناقض) (١) لإجماع العلماء أن من اغتسل من الجنابة ولم يتوضأ وصلى، أن صلاته تامة (٢).
الرابعة: الإشارة إلى ملازمة الشيطان لابن آدم من حين خروجه من ظهر أبيه إلى رحم أمه إلى حين موته -أعاذنا الله منه- فهو يجري منه مجرى الدم (٣)، وعلى خيشومه إِذَا نام (٤)، وعلى قلبه إِذَا استيقظ، فإذا غفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس (٥)، ويضرب عَلَى قافية رأسه

--------------------
(١) في الأصول: يناقض، والمثبت من «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣١.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣١.
(٣) دل عليه حديث سيأتي برقم (٢٠٣٨ - ٢٠٣٩) كتاب: الاعتكاف، باب: زيارة المرأة زوجها مع اعتكافه.
(٤) يشير إلى حديث (٣٢٩٥) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده.
(٥) علقه البخاري قبل حديث (٤٩٧٧) كتاب: التفسير، باب: سورة الناس، ووصله الطبري في «تفسيره» ٣٠/ ٣٥٥، والحاجم في «المستدرك» ٢/ ٥٤١، كلاهما من طريق حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. ورواه الضياء في «المختارة» ١٠/ ١٧٥ (١٧٢) من طريق الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وأورده السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٧٧٢، وعزاه إلى ابن أبي الدنيا، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي والضياء في «المختارة». وقال الحافظ في «تغليق التعليق» ٤/ ٣٨١ - ٣٨٢ بعدما أورد طريق ابن جرير والحاكم: وكذا رواه عتبة، عن القاسم، عن الأعمش، عن حكيم بن جبير، وحكيم ضعيف الحديث. =



إِذَا نام ثلاث عقد: عليك ليل طويل؛ وينحل بالذكر والوضوء والصلاة (١).
الخامسة: فيه -كما قَالَ ابن بطال:- الحث على ذكر الله في كل وقت على حال طهارة وغيرها، ورد عَلَى من أنكر ذَلِكَ، وهو قول مروي عن ابن عمر، أنه كان لا يذكر الله إلا وهو طاهر، وروي مثله عن أبي العالية والحسن، وروي عن ابن عباس أنه كره أن يذكر الله على حالين: عَلَى الخلاء، والرجل يواقع أهله (٢)، وهو قول عطاء، ومجاهد. قال مجاهد: يجتنب الملك الإنسان عند جماعه وعند غائطه (٣). قَالَ ابن بطال: وهذا الحديث خلاف قولهم (٤).
قُلْتُ: لا، فإن المراد بإتيانه أهله إرادة ذَلِكَ، وحينئذ فليس خلاف قولهم، وكراهة الذكر عَلَى غير طهر؛ لأجل تعظيمه.

---------------------
= وقد روي عن منصور، عن سعيد بن جبير وفي إسناده ضعف؛ ثم وصله من طريق منصور عن سعيد بن جبير به. اهـ.
وقال الحافظ في «الفتح» أيضًا ٨/ ٧٤١: ورويناه في «الذكر» لجعفر بن أحمد بن فارس من وجه آخر عن ابن عباس، وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال. اهـ. وله شاهد من حديث أنج بن مالك مرفوعًا بنحوه رواه أبو يعلى في «مسنده» ٧/ ٢٧٩ وقال ابن كثير في «تفسيره» ١٤/ ٥٣٠: غريب. أبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٢٦٨. والبيهقي في «الشعب» ١/ ٤٠٢ (٥٤٠)، وقال البوصيري في «الإتحاف» ٦/ ٣١٥: هذا إسناد ضعيف لبعض رواته، رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي. وضعف الحافظ في «الفتح» ٨/ ٧٤٢ إسناد أبي يعلى.
(١) دل عليه حديث سيأتي برقم (١١٤٢) أبواب التهجد، باب: عقد الشيطان على قافية الرأس .. إلخ.
(٢) روى ذلك الأثر ابن أبي شيبة ١/ ١٠٨ (١٢٢٠)، وابن المنذر في «الأوسط» ١/ ٣٤٠ (٢٩١).
(٣) روى هذا الأثر ابن المنذر في «الأوسط» ١/ ٣٤١.
(٤) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٠.



فروع متعلقة بالجماع:
لا يكره مستقبل القبلة ولا مستدبرها، لا في البنيان ولا في الصحراء، قاله النووي في «الروضة» (١) من زوائده.
وقال الغزالي في «الإحياء»: لا يستقبل القبلة به إكرامًا لها، قَالَ: وليتغطيا بثوب قَالَ: وينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة، وأن يزيد وينقص عَلَى حسب حاجتها في التحصين، فإن تحصينها واجب، وإن لم تثبت المطالبة بالوطء، قَالَ: ويكره الجماع في الليلة الأولى من الشهر والأخيرة منه وليلة نصفه، فيقال: إن الشيطان يحضر الجماع في هذِه الليالي (٢)، ويقال: إنه يجامع، قَالَ: وإذا قضى وطره فليمهل عليها حتَّى تقضي وطرها (٣).

---------------------
(١) «روضة الطالبين» ١/ ٦٦.
(٢) قلتُ: هذِه الكراهة حكم شرعي وليس عليه دليل شرعي من الكتاب والسنة فهي مردودة لقول الله -عز وجل- في سورة البقرة: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. [البقرة: ٢٢٣].
(٣) «الإحياء» ٢/ ٦٤.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #88  
قديم 23-01-2026, 04:45 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,654
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 87 الى صـــ 106
الحلقة (88)



٩ - باب: مَا يَقُولُ عِنْدَ الخَلَاءِ
١٤٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ». تَابَعَهُ ابن عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ: إِذَا أَتَى الَخلَاءَ. وَقَالَ مُوسَى، عَنْ حَمَّاد: إِذَا دَخَلَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ. [٦٣٢٢ - مسلم: ٣٧٥ - فتح: ١/ ٢٤٢]
حَدَّثنَا آدَمُ، ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ». تَابَعَهُ ابن عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ: إِذَا أَتَى الخَلَاءَ. وَقَالَ مُوسَى، عَنْ حَمَّادٍ: إِذَا دَخَلَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: حَدَّثنَا عَبْدُ العَزِيزِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في الدعوات أيضًا عن ابن عرعرة، عن شعبة (١)، وأخرجه مسلم هنا (٢) والأربعة (٣).
والتعريف برواته سلف خلا سعيد (م. د. ت. ق) بن زيد وهو أبو الحسن (٤) أخو حماد بن زيد الجهضمي البصري.
روى عن ابن جدعان وغيره، وعنه عارم ومسلم، واستشهد به البخاري، وأخرج لَهُ أيضًا أبو داود والترمذي وابن ماجه،
(١) سيأتي برقم (٦٣٢٢) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء عند الخلاء.
(٢) «صحيح مسلم» (٣٧٥) كتاب: الحيض، باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء.
(٣) أبو داود (٤، ٥)، الترمذي (٥، ٦)، النسائي ١/ ٢٠، ابن ماجه (٢٩٨).
(٤) هكذا بالأصل والصواب: الحسم.



وثقه ابن معين ولينه جماعة. (مات سنة سبع وستين ومائة قبل أخيه حماد) (١) (٢).
وأما (موسى) فهو ابن إسماعيل التبوذكي البصري الحافظ الثقة الثبت، سلف في الوحي، ولما ذكره المزي في «تهذيبه» قَالَ: روى عن حماد بن زيد يقال: حديثًا واحدًا، وروى عن حماد بن سلمة تعليقًا (٣). وقال في آخر ترجمة حماد بن سلمة: وقال البخاري في «الصحيح»: وقال حماد: إِذَا أقر عند الحاكم رجم. يعني: الزاني (٤)، وروى لَهُ مسلم مقرونًا بغيره.
الوجه الثاني: في ألفاظه ومعانيه:
(كان) في قوله: (كان إِذَا دخل الخلاء) (دالة على) (٥) الملازمة والمداومة.

-------------------------
(١) من (ج).
(٢) سعيد بن زيد، قال عبد الله بن أحمد ابن حنبل، عن أبيه: ليس به بأس، وكان يحيى بن سعيد لا يستمرئه.
قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يضعف سعيد بن زيد في الحديث جدًا ثم قال: قد حدثني وكلمته. وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: ثقة.
وقال البخاري: حدثنا مسلم قال: حدثنا سعيد بن زيد أبو الحسن صدوق، حافظ.
وقال ابن حجر: صدوق له أوهام.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٧، «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٧٢ (١٥٧٦)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٩٩ (٥٩٠)، «الضعفاء الكبير» ٢/ ١٠٥ (٥٧٤)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٢١ (٨٧)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٤٤١ - ٤٤٤ (٢٢٧٦)، «تقريب التهذيب» (٢٣١٢).
(٣) تقدمت ترجمته في حديث رقم (٥).
(٤) سيأتي قبل حديث (٧١٧٠) كتاب: الأحكام، باب: الشهادة تكون عند الحاكم.
(٥) في (ج): كناية عن.



ومعنى (إِذَا دخل): إِذَا أراده كما صرح به في رواية سعيد (١)، ويبعد أن يراد به ابتداء الدخول، وإن أبداه القشيري احتمالًا (٢)، فإن كان المحل الذي يقضي فيه الحاجة غير معد لذلك كالصحراء مثلًا، جاز ذكر الله تعالى في ذَلِكَ المكان، وإن كان معدًّا لذلك كالكنف ففي جواز الذكر فيه خلاف للمالكية، فمن كرهه أوَّل الدخولَ بمعنى: الإرادة؛ لأن لفظة (دخل) أقوى في الدلالة عَلَى الكنف المبنية منها عَلَى المكان البراح، أو لأنه قد بين في حديث آخر أن المراد حيث قَالَ - ﷺ -: «إن هذه الحشوش محتضرة -أي: للجان والشياطين- فإذا أراد أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث» (٣).
ومن أجازه استغنى عن هذا التأويل، وتحمل (دخل) على حقيقتها، وحديث: «إن هذِه الحشوش محتضرة». فيه بيان لمناسبة هذا الدعاء المخصوص لهذا المكان المخصوص.
وقال ابن بطال: المعنى متقارب في قوله: (إِذَا دخل) وفي قوله:

----------------------
(١) علقه البخاري بعد حديث (١٤٢) في الوضوء، باب: ما يقول إذا دخل الخلاء، ووصله في «الأدب المفرد» (٦٩٢)، وصححه الألباني في «الإرواء» (٥١).
(٢) انظر: «إِحكام الأحكام» ص ٩٧.
(٣) رواه أبو داود (٦)، وابن ماجه (٢٩٦)، وأحمد ٤/ ٣٦٩، ٣٧٣، والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٢٣ - ٢٤ (٩٩٠٣ - ٩٩٠٦)، وابن خزيمة (٦٩)، والطبراني ٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥ (٥٠٩٩ - ٥١٠٠)، والحاكم ١/ ١٨٧ بإسنادين عن زيد بن أرقم وقال: كلا الإسنادين من شرط الصحيح ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وإنما اتفقا على حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس بذكر الاستعاذة فقط، والبيهقي ١/ ٩٦، كلهم عن زيد بن أرقم، قال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: إسناده صحيح على شرط البخاري.



(إِذَا أراد أن يدخل)، ألا ترى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ [النحل: ٩٨] والمراد: إِذَا أردت أن تقرأ، غير أن الاستعاذة بالله متصلة بالقراءة لا زمان بينهما، وكذا الاستعاذة بالله من الخبث والخبائث لمن أراد الدخول متصلة بالدخول، فلا يمنع من إتمامها في الخلاء مع أن رواية: (إِذَا أتى) أولى من رواية: (إِذَا أراد أن يدخل)؛ لأنها زيادة، فالأخذ بها أولى (١).
قُلْتُ: في هذا نظر بل رواية (إِذَا أراد) مبينة لرواية (إِذَا أتى).
الثالث: (الخلاء) -بفتح الخاء المعجمة وبالمد-: موضع قضاء الحاجة، سمي بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو الكنيف، والحش، والمرفق، والمرحاض أيضًا، وأصله: المكان الخالي، ثمَّ كثر استعماله حتَّى تجوز به عن ذلك.
وأما (الخلى) -بالقصر- فهو الحشيش الرطب، والكلام الحسن أيضًا، وقد يكون خلا مستعملًا في باب الاستثناء، فإن كسرت الخاء مع المد فهو: عيب في الإبل كالحران في الخيل، وانتصب الخلاء عَلَى أنه مفعول به لا على الظرف.
الرابع: «اللَّهُمَّ» الأفصح فيه استعماله بالألف واللام كما وقع في الحديث.
و«أعوذ» معناه: أستجير وأعتصم.
و«الخبث» بضم الخاء قطعًا، والباء مضمومة أيضًا، ويجوز الإسكان، وإن غلَّط الخطابي المحدثين (٢) فيه، فقد حكاه أبو عبيد

---------------------
(١) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٢) «إصلاح خطأ المحدثين» ص ٤٨ - ٤٩.



القاسم بن سلام (وغيره) (١) (٢)، بل نقله القاضي عياض عن الأكثرين (٣)، لكن لا يسلم لَهُ ذَلِكَ بل الأكثر عَلَى الضم، وهو جمع خبيث.
(والخبائث) جمع خبيثة فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم، وفيه أقوال أخر ذكرتها في «شرح العمدة» (٤) وأغربها أنه استعاذ من البول والغائط، وكأنه استعاذ من ضررهما، ولا يبعد الاستعاذة من الكفر والشياطين، وسائر الأخلاق الخبيثة والأفعال المذمومة، وإنما جاء بلفظ «الخبث» لمجانسة الخبائث.
الخامس: الظاهر أن سيدنا رسول الله - ﷺ - قَالَ ذَلِكَ؛ إظهارًا للعبودية وتعليمًا للأمة، وإلا فهو - ﷺ - محفوظ من الجن والإنس، وقد ربط عفريتًا عَلَى سارية من سواري المسجد (٥).
وفيه: دليل عَلَى مراقبته لربه ومحافظته عَلَى ضبط أوقاته وحالاته واستعاذته عندما ينبغي أن يستعاذ منه، ونطقه بما ينبغي أن ينطق به، وسكوته عندما ينبغي أن يسكت عنده، وقد صح أنه - ﷺ - كان إِذَا خرج من الخلاء قَالَ: «غفرانك» (٦) (٧) أي: سألت غفرانك عن حالة

----------------------
(١) من (س).
(٢) «غريب الحديث» ١/ ٣١١.
(٣) «إكمال المعلم» ٢/ ٢٢٩.
(٤) «الإعلام» ١/ ٤٣٣ - ٤٣٤.
(٥) سيأتي برقم (٤٦١) كتاب: الصلاة، باب: الأسير أو الغريم يربط في المسجد، وبرقم (١٢١٠) كتاب: العمل في الصلاة، باب: ما يجوز من العمل في الصلاة.
وبرقم (٣٢٨٤) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده.
وبرقم (٣٤٢٣) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾.
وبرقم (٤٨٠٨) كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾.
(٦) ورد بهامش (س) ما نصه: إشارة إلى حديث عائشة وهو: قول: كنا، وقد صح وذكر الحديث هو في أبي داود وابن ماجه وحسنه الترمذي مع الغرابة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وهو في «اليوم والليلة» للنسائي.
(٧) رواه أبوداودبرقم (٣٠)، والترمذي برقم (٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب. =



شغلتني عن ذكرك، فيختم بالذكر كما ابتدأ به.
وآخر شيء أنت أول هجعه … وأول شيء أنت عند هبوبي
وزاد أبو حاتم في أول الذكر: باسم الله (١)، فيستحب مع التعوذ أيضًا، وصيغة التعوذ: أعوذ بالله. وفي مسلم: «أعوذ بك» (٢)، وفي حديث بإسناد ضعيف: «اللَّهُمَّ إني أعوذ بك» (٣)، والظاهر أنه - ﷺ - جهر بهذِه الاستعاذة.
السادس: هذِه الاستعاذة مجمع عَلَى استحبابها، وسواء فيها البنيان والصحراء؛ لأنه يصير مأوى لهم بخروج الخارج، وقبل مفارقته أيضًا لكن في «البيان» للعمراني من أصحابنا عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني أن ذكر الدخول مختص بالبنيان؛ لأن الموضع لم يصر مأوى الشياطين بعد، فلو نسي التعوذ ودخل فذهب ابن عباس وغيره إلى كراهة التعوذ، وأجازه جماعة، منهم ابن عمر، وقد سلف في الباب قبله.

----------------------
= والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٢٤ (٩٩٠٧). وابن ماجه برقم (٣٠٠).
وابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٤٨ (٩٠)، وابن حبان ٤/ ٢٩١ (١٤٤٤).
والحاكم ١/ ١٥٨، والبيهقي ١/ ٩٧. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٣): صحيح.
(١) انظر: «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٦٣ (١٦٧). عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا دخل أحدكم الخلاء يقول: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث ..» الحديث.
ورواه ابن أبي شيبة ١/ ١١ (٥). والطبراني في «الدعاء» ٢/ ٩٥٩ (٣٥٦ - ٣٥٨).
قال الحافظ ابن حجر في «نتائج الأفكار» ١/ ١٩٥ هذا حديث غريب من هذا الوجه.
(٢) انظر: «صحيح مسلم» (٣٧٥) كتاب: الحيض، باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء.
(٣) رواه ابن ماجه (٢٩٩) وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٥٩) ضعيف.



وقال ابن بطال: في الحديث جواز ذكر الله عَلَى الخلاء (١)؛ وليس كما ذكر إِذَا قلنا: إن المراد بالدخول إرادته. قَالَ: وهذا مما اختلف فيه الآثار، فروي عن النبي - ﷺ - أنه أقبل من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد -عليه السلام- حتى تيمم بالجدار، واختلف في ذلك أيضًا العلماء، فروي عن ابن عباس أنه كره أن يذكر الله عند الخلاء، وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي، وقال عكرمة: لا يذكر الله فيه بلسانه بل بقلبه. وأجاز ذَلِكَ جماعة من العلماء، روى ابن وهب أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يذكر الله في المرحاض.
وقال العرزمي: قُلْتُ للشعبي: أعطس وأنا في الخلاء، أحمد الله؟ قَالَ: لا، حتَّى تخرج. فأتيت النخعي فسألته عن ذَلِكَ فقال لي: احمد الله. فأخبرته بقول الشعبي، فقال النخعي: إن الحمد يصعد ولا يهبط. وهو قول ابن سيرين ومالك. قال ابن بطال: وهذا الحديث حجة لمن أجاز ذَلِكَ.
-قُلْتُ: قَدْ أسلفنا فيه نظرًا- قَالَ: وذكر البخاري في كتاب «خلق أفعال العباد»، عن عطاء: الخاتم فيه ذكر الله لا بأس أن يدخل به الإنسان الكنيف أو يلم بأهله وهو في يده لا بأس به (٢)، وهو قول الحسن. وذكر وكيع عن سعيد بن المسيب مثله.
قَالَ البخاري: وقال طاوس في المنطقة تكون عَلَى الرجل فيها الدراهم يقضي حاجته: لا بأس بذلك (٣). وقال إبراهيم: لا بد للناس من نفقاتهم.

-------------------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٢.
(٢) «خلق أفعال العباد» ص ١٤٣ - ١٤٤ (٣٧٧).
(٣) «خلق أفعال العباد» ص ١٤٤ (٣٨٢).



وأحب بعض التابعين أن لا يدخل الخلاء بالخاتم فيه ذكر الله (١).
قَالَ البخاري: وهذا من غير تحريم يصح (٢).
وأما حديث بئر جمل فإنما هو عَلَى الاختيار والأخذ بالاحتياط والفضل؛ لأنه ليس من شرط رد السلام أن يكون عَلَى وضوء، قاله الطحاوي.
وقال الطبري: إن ذَلِكَ منه كان على وجه التأديب للمسلم عليه أن لا يسلم بعضهم عَلَى بعض على الحدث وذلك نظير نهيه، وهم كذلك أن يحدث بعضهم بعضًا لقوله: «لا يتحدث المتغوطان عَلَى طوفهما -يعني: حاجتهما- فإن الله يمقت عَلَى ذَلِكَ» (٣).
وروى أبو عبيدة الناجي، عن الحسن، عن البراء أنه سلم عَلَى النبي - ﷺ - وهو يتوضأ فلم يرد عليه شيئًا حتَّى فرغ (٤).

------------------------
(١) «خلق أفعال العباد» ص ١٤٤ (٣٨٣).
(٢) انظر: «خلق أفعال العباد» ص ١٤٤ (٣٨٣)، «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٢ - ٢٣٤.
(٣) رواه أبو داود (١٥). وابن ماجه (٣٤٢). وأحمد ٣/ ٣٦، والنسائي في «الكبرى» ١/ ٧٠ (٣٢ - ٣٣)، وابن خزيمة ١/ ٣٩ (٧١)، وقال الألباني: «ضعيف ابن ماجه» (٧٦) ضعيف.
(٤) رواه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ٣٥٣ (٧٧٠٦) وقال: لا يروى هذا الحديث عن البراء إلا بهذا الإسناد، تفرد به زيد بن الحباب.
وذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ٢٧٦ وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه من لم أعرفه.



١٠ - باب وَضعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاءِ
١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ محمد قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بنِ أَبى يَزِيدَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺدخَلَ الَخلَاءَ، فَوَضَعتُ لَهُ وَضُوءًا، قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هذا؟». فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». [انظر: ٧٥ - مسلم: ٢٤٧٧ - فتح: ١/ ٢٤٤]
حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ ثنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ الخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا؛ قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هذا؟». فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها: في التعريف برجاله:
وقد سلف التعريف بابن عباس، وهذا من الأحاديث التي صرح فيها بالسماع من رسول الله - ﷺ -.
و(عبيد الله) (ع) بن أبي يزيد مكي من الموالي تابعي روى عن ابن عباس وجماعة، وعنه شعبة وجماعة، مات سنة ست وعشرين ومائة عن ست وثمانين سنة (١).
و(ورقاء) هو ابن عمر اليشكري أبو عمرو، روى عن عبيد الله هذا وغيره، وعنه الفريابي ويحيى بن آدم، صدوق صالح، وليس في الكتب الستة ورقاء غيره، وكذا ليس في الستة عبيد الله بن أبي يزيد غير الأول،

----------------------
(١) مولى آل قارظ بن شيبة الكناني.
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وكذلك قال علي بن المديني، والعجلي وأبو زرعة والنسائي، ومحمد بن سعد وزاد: كثير الحديث. انظر: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٨١، «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٠٣ (٣٦٩٧)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٧٨ (٣٦٦٧) «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٤٢ (١٠٤).



نعم، في النسائي عبيد الله بن يزيد الطائفي، عن ابن عباس أيضًا. وعنه سعيد بن السائب وغيره، وثق (١).
وأما هاشم (ع) بن القاسم فهو أبو النضر، ولقبه قيصر، الحافظ الثقة.
روى عن عكرمة وغيره، وعنه أحمد والحارث بن أبي أسامة، وهو صاحب سنة، يفتخر به أهل بغداد، مات سنة سبع ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة، وليس في الستة هاشم بن القاسم سواه (٢)، وفي ابن ماجه وحده هاشم بن القاسم الحرانى شيخه (٣)، ولا ثالث فيهما سواهما.

----------------------
(١) ورقاء بن عمر بن كليب، أبو بشر اليشكري وقيل: الشيباني.
قال أبو داود: قال لي شعبة: عليك بورقاء فإنك لا تلقى بعده مثله حتى ترجع، فقيل لأبي داود: ما يعني بقوله؟ قال: أفضل وأورع وخير منه. وقال أبو حاتم: الرازي صالح.
قال ابن حجر: لم يخرج له الشيخان من روايته عن منصور بن المعتمر شيئا، وهو محتج به عند الجميع.
انظر: «تاريخ بغداد» ١٣/ ٥١٥ (٧٣٣٦)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٤٣٣ (٦٦٨٤)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٤١٩ (١٥٧)، «إكمال تهذيب الكمال» ١٢/ ٢١٢ (٥٠١٨)، «مقدمة فتح الباري» ص ٤٤٤.
(٢) هاشم بن القاسم، أبو النضر الليثي البغدادي، خراساني الأصل.
قال الحارث: كان أحمد بن حنبل يقول: أبو النضر شيخنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. قاك عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال العجلي: أبو النضر من الأبناء ثقة. وقال ابن حجر: ثقة ثبت.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٣٥، «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٣٥ (٦٥٤٠)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ١٣٠ - ١٣٥ (٦٥٤٠)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٥٤٥ - ٥٤٩ (٢١٣)، «تقريب التهذيب» (٧٢٥٦).
(٣) هاشم بن القاسم بن شيبة بن إسماعيل بن شيبة القرشي أبو محمد الحراني، مولى قريش.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كتب إليّ وإلى أبي ببعض حديثه، محله الصدق.
وقال ابن حجر: صدوق تغير، سمع من يعلى بن الأشدق ذاك المتروك الذي ادعى =



وعبد الله بن محمد هو المسندي ج سلف في باب: أمور الإيمان (١).
فائدة:
هذا الإسناد كله عَلَى شرط الستة (٢)؛ خلا شيخ البخاري فإنه من له ورجال الترمذي فقط.

----------------------
= أنه لقى الصحابة.
انظر: «الثقات» ٩/ ٣٤٢، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ١٢٩ (٦٥٣٩)، «الكاشف» ٢/ ٣٣٢ (٥٩٣٠)، «تقريب التهذيب» ص ٥٧٠ (٧٢٥٥).
(١) جاء سنده في باب: أمور الإيمان حديث رقم (٩).
(٢) شروط الأئمة الستة:
١ - شرط البخاري ومسلم:
أ- أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلات بين الثقات الأثبات.
ب- ويكون إسناده متصلًا غير مقطوع.
ج- فإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسنٌ وإن لم يكن له إلا راوٍ واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه.
د- إلا أن مسلمًا أخرج أحاديث أقوام ترك البخاري حديثهم لشبهة وقعت في نفسه، أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة مثل حماد بن سلمة وسهيل بن أبي صالح وداود بن أبي هند وأبي الزبير والعلاء بن عبد الرحمن وغيرهم.
فلما تكُلم في هؤلاء بما لا يزيل العدالة والثقة ترك البخاري إخراج حديثهم معتمدًا عليهم تخريجًا وأخرج مسلم أحاديثهم بجزالة.
٢ - وأما أبو داود فمن بعده فإن كتبهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: صحيح وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاري ومسلم.
القسم الثاني: صحيح على شرطهم؛ حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود والنسائي إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال، ويكون هذا القسم من الصحيح.
القسم الثالث: أحاديث أخرجوها للضدية في الباب المتقدم وأوردوها =



الوجه الثاني:
الخلاء ممدود كما سلف في الباب قبله.
و(الوضوء) بفتح الواو كما سلف أول الوضوء.
الثالث: في فوائده:
الأولى: جواز الاستنجاء بالماء، فإن من المعلوم أن وضع الماء عند الخلاء إنما هو للاستنجاء به عند الحدث، وهو راد عَلَى من أنكر الاستنجاء به، وقال: إنما ذَلِكَ وضوء النساء، وقال: إنما كانوا يتمسحون بالحجارة. ونقل ابن التين في «شرحه» عن مالك أنه - ﷺ - لم يستنج عمره بالماء. وهو عجيب منه.
وقد عقد البخاري قريبًا بابًا للاستنجاء به، وذكر فيه أنه - ﷺ - استنجى به، وسنوضح الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى (١)، وفي «صحيح ابن حبان» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله - ﷺ - خرج من غائط قط إلا مس ماءً (٢).
وفي «جامع الترمذي» من حديثها أيضًا أنها قالت: مرن أزواجكن

-------------------------
= لا قطعًا منهم بصحتها وربما أبان المخرج لها عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة.
٣ - وأمَّا أبو عيسى الترمذي فكتابه وحده على أربعة أقسام:
١ - قسم صحيح مقطوع به وهو ما وافق فيه البخاري ومسلمًا.
٢ - وقسم على شرط الثلاثة دونهما؛ يقصد أبا داود والنسائي وابن ماجه.
٣ - قسم أخرجه للضدية وأبان عن علته ولم يغفله.
٤ - وقسم رابع أبان هو عنه؛ فقال: ما أخرجت في كتابي إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء. اهـ. انظر «شروط الأئمة الستة» للسلفي ص ١٠ - ١٣.
(١) سيأتي برقم (١٥٠)، باب: الاستنجاء بالماء.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩ (١٤٤١).



أن يغتسلوا إثر الغائط والبول، فإنه - ﷺ - كان يفعله (١). ثم قَالَ: هذا حديث حسن صحيح.
وفي «صحيح ابن حبان» أيضًا من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قضى حاجته (٢)، ثمَّ استنجى من تور.
وفي كتاب ابن بطال أن مالكًا روى في «موطئه» عن عمر: أنه كان يتوضأ بالماء وضوءًا لما تحت إزاره. قَالَ مالك: يريد الاستنجاء بالماء (٣).
الثانية: خدمة العالم ومراعاته حتَّى حال دخوله الخلاء والتقرب بخدمته.
الثالثة: الدعاء مكافأة لمن منه إحسان أو معروف، فإنه - ﷺ - سر بابن عباس بتنبهه إلى ذَلِكَ. وقال الداودي: فيه دلالة عَلَى أنه ربما لا يستنجي عندما يأتي الخلاء؛ لئلا يكون ذَلِكَ سنة، لأنه لم يأمر بوضع الماء، قد اتبعه عمر بالماء فقال: «لو استنجيت كلما أتيت الخلاء لكان سنة» (٤) وفيما ذكره نظر، وما استشهد به حديث ضعيف (٥).

-----------------------
(١) «سنن الترمذي» (١٩).
وأحمد ٦/ ٩٥، والنسائي في «الكبرى» ١/ ٧٣. وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٢٥١ (١٤٠٥). ورواه أبو داود (٤٥). وابن ماجه (٣٥٨).
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ١/ ٧٧ (٣٥): حسن.
(٣) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٤٢، وانظر: «موطأ مالك» ١/ ٢٢ (٤٧).
(٤) لم أقف عليه.
(٥) ورد بهامش (س) ما نصه: آخر الجزء الخامس من الجزء الثاني من تجزئة المصنف.



١١ - باب لَا تُسْتَقْبَلُ القِبْلَهُ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ إِلَّا عِنْدَ البِنَاءِ جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ
١٤٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبي ذِئبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». [٣٩٤ - مسلم: ٢٦٤ - فتح: ١/ ٢٤٥]
حَدَّثنَا آدَمُ ثنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ ثنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها: في التعريف برواته.
أما أبو أيوب فهو خالد (ع) بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم الأنصاري النجاري، شهد بدرًا والمشاهد، والعقبة الثانية، وعليه نزل رسول الله - ﷺ - حين قدم المدينة شهرًا، وهو من نجباء الصحابة، له مائة وخمسون حديثًا، اتفقا منها عَلَى سبعة.
وانفرد البخاري بحديث: وفد عَلَيَّ ابن عباس البصرة فقال: إني أخرج عن مسكني كما خرجت لرسول الله - ﷺ -، فأعطاه ما أغلق عليه، ولما قفل أعطاه عشرين ألفًا وأربعين عبدًا (١)، ومناقبه جمة.
ولما مرض قَالَ: احملوني فإذا صففتم العدو فارموني تحت

------------------------
(١) رواه الطبراني ٤/ ١٢٥ (٣٨٧٦)، والحاكم ٣/ ٤٦١ - ٤٦٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وذكره الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٣٢٣، وقال: رجال الإسناد رجال الصحيح إلا أن حبيب بن ثابت لم يسمع من أبي أيوب.


أرجلكم (١)؛ فقبره مع سور القسطنطينة يتبرك به ويستشفي (٢). مات سنة
----------------------
(١) رواه ابن سعد ٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٢٢، والطبراني ٤/ ١١٨ (٣٨٤٧).
(٢) قلت: هذا الكلام مردود شرعًا عند أهل السنة والجماعة؛ لأنه من البدع الدخيلة على دين الله، فإن زيارة القبور بنية التبرك هي زيارة بدعية شركية.
قال شيخ الإسلام في «اقتضاء الصراط المستقيم» ص ٤٠٠ - ٤٠١: غلب في عرف كثير من الناس استعمال لفظ: (زرنا) في زيارة قبور الأنبياء والصالحين على استعمال لفظ زيارة القبور في الزيارة البدعية الشركية لا في الزيارة الشرعية. ولم يثبت عن النبي - ﷺ - حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى في ذلك شيئًا، لا أهل الصحيح ولا السنن، ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد وغيره، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره. وأجل حديث روي في ذلك ما رواه الدارقطني، وهو ضعيف باتفاق أهل العلم بالأحاديث المروية في زيارة قبره، كقوله: «من زارني، وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة». و: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي». و: «من حج ولم يزرني فقد جفاني» ونحو هذِه الأحاديث؛ كلها مكذوبة موضوعة لكن النبي - ﷺ - رخص في زيارة القبور مطلقًا، بعد أن كان قد نهى عنها، كما ثبت عنه في «الصحيح» أنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، وفي «الصحيح» عنه أنه قال: «استأذنت ربي في أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنت في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» فهذِه زيارة لأجل تذكرة الآخرة. ولهذا يجوز زيارة قبر الكافر لأجل ذلك. اهـ.
وزاد رحمه الله في «مجموع الفتاوى» ١١/ ١١٥: فمن ظن أن الميت يدفع عن الحي مع كون الحي عاملًا بمعصية الله فهو غالط؛ وكذلك إذا ظن أن بركة الشخص تعود على من أشرك به وخرج عن طاعة الله ورسوله، مثل أن يظن أن بركة السجود لغيره، وتقبيل الأرض عنده، ونحو ذلك يحصل له السعادة، وإن لم يعمل بطاعة الله ورسوله؛ وكذلك إذا اعتقد أن ذلك الشخص يشفع له، ويدخله الجنة بمجرد محبته، وانتسابه إليه، فهذِه الأمور ونحوها مما فيه مخالفة الكتاب والسنة، فهو من أحوال المشركين، وأهل البدع. باطل لا يجوز اعتقاده ولا اعتماده. والله -سبحانه وتعالى- أعلم. اهـ.
هذا في حق التبرك بقبور الأنبياء والصالحين. أما عن الاستشفاء الذي ذكره =



خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل غير ذَلِكَ (١).
فائدة: أبو أيوب في الصحابة ثلاثة: هذا أجلهم، وثانيهم: يماني له رواية (٢)، وثالثهم: روى عن علي بن مسهر، عن الأوزاعي، عن أبيه، عن أبي أيوب فلعله الأول (٣).
ثانية: (أيوب) يشتبه بأثوب -بالمثلثة- بن عتبة صحابي، ذكره ابن قانع والمديني (٤). والحارث بن أثوب تابعي كذا قاله عبد الغني، والصواب: ثوب بوزن صوغ، وأثوب بن أزهر زوج قيلة بنت مخرمة الصحابية (٥).

---------------------
= المصنف غفر الله له فهذا شرك أكبر. قال في «فتح المجيد» ص ١٩٦ - ١٩٧: الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق، فيما لا يقدر عليه إلا الله، كالاستغاثة والاستعانة بالأموات، والاستغاثة بالأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله من شفاء المرضى وتفريج الكربات ودفع الضر، فهذا النوع غير جائز، وهو شرك أكبر، وقد كان في زمن النبي - ﷺ - منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله - ﷺ - من هذا المنافق، فقال النبي - ﷺ -: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله»، وكره - ﷺ - أن يستعمل هذا اللفظ في حقه، وإن كان مما يقدر عليه في حياته، حماية لجناب التوحيد وسدًّا لذرائع الشرك، وأدبًا وتواضعًا لربه، وتحذيزًا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال؛ فإذا كان هذا فيما يقدر عليه النبي - ﷺ - في حياته، فكيف يستغاث به بعد مماته، وتطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله، وإذا كان هذا لا يجوز في حقه - ﷺ - فغيره من باب أولى.
------------------------

(١) انظر ترجمته: في «معرفة الصحابة» ٢/ ٩٣٣ - ٩٣٨ (٧٩٩)، «الاستيعاب» ٢/ ٩ - ١١ (٦١٨)، «أسد الغابة» ٢/ ٩٤ - ٩٦ (١٣٦١)، و«الإصابة» ١/ ٤٠٥ (٢١٦٣).
(٢) كذا في الأصل وها (اليماني) وما في المصادر أبو أيوب (اليمامي). «أسد الغابة» ٦/ ٢٦ (٧٨٦٨)، «الإنابة» ٢/ ٢٦٢ (١١٣٥)، و«الإصابة» ٤/ ١٢ (٧٨).
(٣) انظر ترجمته في: «أسد الغابة» ٦/ ٢٦ (٥٧٠٩).
(٤) «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ٥٩ (٥٥).
(٥) انظر: «الإكمال» ١/ ١١٧، «تهذيب مستمر الأوهام» ص ٨٣.



وأما (عطاء) فهو أبو يزيد عطاء (ع) بن يزيد الليثي ثمَّ الجندعي المديني ويقال: الشامي التابعي، سمع أبا أيوب وغيره. وعنه الزهري وغيره، مات سنة سبع، وقيل: خمس ومائة عن اثنتين وثمانين سنة (١).
وأما (الزهري) فهو الإمام محمد بن مسلم، سلف قريبًا.
وأما (ابن أبي ذئب) فهو أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام المدني العامري، روى عن نافع وخلق. وعنه ابن المبارك وخلق، وكان كبير الشأن. ولد سنة ثمانين، ومات بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة (٢).
وأما (آدم) فقد سلف.
فائدة:
[هذا الإسناد على شرط الستة إلا الأخير فإنه من رجال البخاري وباقي السنن خلا أبي داود.
فائدة ثانية] (٣):
هذا الإسناد كلهم مدنيون، وقد دخل (آدم) إليها أيضًا.

----------------------
(١) هو أبو محمد. قال علي بن المديني: سكن الرملة، وكان ثقة. وقال النسائي: عطاء بن يزيد، أبو زيد شامي ثقة وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٥٩ (٢٩٩)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٣٨ (١٢٤٤)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٣٨ (١٨٦٦)، «الثقات» ٥/ ٢٠٠، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ١٢٣ (٣٩٤٥).
(٢) محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة. ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة وقال: كان ثقة قليل الحديث. وقال النسائي: ثقة.
انظر: «الطبقات» ٥/ ٢٠٩، «التاريخ الكبير» ١/ ١٤٥ (٤٣٦)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٣١٣ (١٦٩٩)، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٥٩٨ (٥٣٩٤)، «الكاشف» ٢/ ١٩٤ (٥٠٠١).
(٣) ما بين المعقوفين سقط من (ج).



الوجه الثاني:
الحديث ليس مطابقًا لما بوب له، بل راويه فهم عموم النهي في الصحراء والبنيان، فإنه قَالَ: قدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو القبلة فننحرف عنها، ونستغفر الله -عز وجل-. ذكره في باب: قبلة أهل المدينة (١) كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
لا جرم تعقبه الإسماعيلي فقال: ليس في الحديث الذي أورده دلالة عَلَى الاستثناء الذي ذكره، إلا أن يريد أن في نفس الخبر الذهاب إلى الغائط، وذلك في التبرز في الصحراء.
وأجاب ابن بطال عن ذَلِكَ فقال: هذا الاستثناء ليس مأخوذًا من الحديث ولكن لما علم في حديث ابن عمر استثناء البيوت بوب عليه؛ لأن حديثه - ﷺ - كله كأنه شيء واحد، وإن اختلف طرقه، كما أن القرآن كله كالآية الواحدة وإن كثر. وتبعه ابن التين في «شرحه» وزاد: فإن البخاري عقبه به، وهو جواب حسن (٢).
الوجه الثالث:
(الغائط): المكان المطمئن من الأرض كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة، ثمَّ استعمل للخارج وغلب عَلَى الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية، لكن لا يقصد به إلا الخارج من الدبر فقط لتفرقته في الحديث الآخر بينهما في قوله: «لغائط (أو) (٣) بول» (٤)، وقد يقصد به ما يخرج من القبل أيضًا، فإن الحكم عام.

---------------------
(١) سيأتي برقم (٣٩٤) كتاب: الصلاة.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٦.
(٣) في الأصل: (ولا)، والمثبت من (ج).
(٤) رواه مسلم (٢٦٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة.



الوجه الرابع: في أحكامه:
وهو دال عَلَى المنع من استقبال القبلة واستدبارها.
وحاصل ما للعلماء في ذَلِكَ أربعة مذاهب:
أحدها: المنع المطلق في البنيان والصحراء، وهو قول أبي أيوب الأنصاري راوي الحديث وجماعة منهم: أحمد في رواية، وحكاه ابن التين في «شرحه» عن أبي حنيفة، وهؤلاء حملوا النهي عَلَى العموم، وجعلوا العلة فيه التعظيم والاحترام للقبلة، فإن موضعها الصلاة والدعاء ونحوهما من أمور البر والخير، وهو معنى مناسب ورد النهي عَلَى وفقه فيكون علة له (١).
وقد روي: في حديث ضعيف التعليل به، فلا فرق فيه بين البنيان والصحراء، ولو كان الحائل كافيًا في جوازه في البنيان لكان في الصحراء من الجبال والأودية ما هو أكفي، وورد من قول الشعبي أنه علل ذَلِكَ بأن لله خلقًا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم وينبني عَلَى العلتين ما إِذَا كان بالصحراء وتستَّر بشيء.
المذهب الثاني: أنهما جائزان مطلقًا، وهو قول عروة بن الزبير، وربيعة الرأي، وداود (٢). ورأى هؤلاء أن حديث أبي أيوب منسوخ، وزعموا أن ناسخه حديث مجاهد، عن جابر. نهانا رسول الله - ﷺ - أن نستقبل القبلة أو نستدبرها ببول، ثمَّ رأيته قبل أن يقبض بعام

--------------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ٧٠، «عيون المجالس» ١/ ١٢٥، «المغني» ١/ ٢٢٠ - ٢٢١.
(٢) انظر: «المحلى» ١/ ١٩٤، «عيون المجالس» ١/ ١٢٦.



يستقبلها (١)، حسنه الترمذي مع الغرابة، وصححه البخاري وغيره،
واستدلالهم بالنسخ ضعيف (٢)؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع

--------------------
(١) رواه أبوداود (١٣)، والترمذي (٩)، وابن ماجه (٣٢٥) قال الترمذي: حديث جابر في هذا الباب حديث حسن غريب. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٩).
(٢) قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله في «مختصر سنن أبي داود» ١/ ٢٢ - ٢٣ بعد قول الحافظ زكي الدين: (وقال الترمذي: حديث غريب): وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: حديث صحيح. وقد أعل ابن حزم حديث جابر بأنه عن أبان بن صالح، وهو مجهول، ولا يحتج برواية مجهول. قال ابن مفوز: أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث. وهو أبان بن صالح بن عمير، أبو محمد القرشي، مولى لهم، المكي، روى عنه ابن جريج، وابن عجلان، وابن إسحاق، وعبيد الله بن أبي جعفر، استشهد بروايته البخاري في «صحيحه» عن مجاهد والحسن بن مسلم وعطاء، وثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والنسائي. وأما الحديث فإنه أنفرد به محمد بن إسحاق، وليس هو ممن يحتج به في الأحكام، فكيف أن يعارض بحديثه الأحاديث الصحاح، أو ينسخ به السنن الثابتة مع أن التأويل في حديثه ممكن، والمخرج منه معرض. تم كلامه. وهو -لو صح- حكاية فعل لا عموم لها، ولا يعلم هل كان في فضاء أو بنيان؟ وهل كان لعذر: من ضيق مكان ونحوه، أو اختيارًا؟ فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع؟
فإن قيل: فهب أن هذا الحديث معلول، فما يقولون في حديث عراك عن عائشة: ذكر عند رسول الله - ﷺ - أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال رسول الله - ﷺ -: «أو قد فعلوها؟ استقبلوا بمقعدتي القبلة؟».
فالجواب: أن هذا حديث لا يصح، وإنما هو موقوف على عائشة. حكاه الترمذي في كتاب: «العلل» عن البخاري. وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح، وله علة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة، المعانون عليها. وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه، ولا أقام إسناده. خالفه فيه الثقة الثبت صاحب عراك بن مالك المختص به، الضابط لحديثه: جعفر بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة، أنها كانت تنكر ذلك.
فبين أن الحديث لعراك عن عروة، ولم وهو ممكن كما ستعلمه.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #89  
قديم 23-01-2026, 04:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,654
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 107 الى صـــ 126
الحلقة (89)






المذهب الثالث: أنه لا يجوز الاستقبال فيهما، ويجوز الاستدبار فيهما، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، ويرده حديث أبي أيوب هذا (١).
الرابع: وهو قول الجمهور، وبه قَالَ مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء دون البنيان، وهو مروي عن العباس وابن عمر (٢)، ورأى هؤلاء الجمع بين الأحاديث ورد النسخ، إذ لا يصار إليه إلا بالتصريح به أو بمعرفة تاريخه، والجمع ولو من وجه أولى إذ في تركه إلغاء للبعض، واستدلوا بحديث ابن عمر الآتي عَلَى الأثر وبأحاديث أخر، ولما في المنع في البنيان من المشقة والتكلف لترك القبلة بخلاف الصحراء، ويتعلق بالمسألة فروع محل الخوض فيها كتب الفروع وقد

-----------------------
= يرفعه، ولا يجاوز به عائشة. وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك. مع صحة الأحاديث عن النبي - ﷺ - وشهرتها بخلاف ذلك. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «المراسيل» عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله، وذكر حديث خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة عن النبي - ﷺ - هذا الحديث فقال: مرسل. فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة؟ فأنكره وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ماله ولعائشة؟ إنما يرويه عن عروة، هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، قال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، وليس فيه: سمعت، وقال غير واحد أيضًا عن حماد بن سلمة، ليس فيه: سمعت.
فإن قيل: قد روى مسلم في «صحيحه» حديثًا عن عراك عن عائشة، قيل:
الجواب: أن أحمد وغيره خالفه في ذلك، وبينوا أنه لم يسمع منها.
(١) انظر: «الهداية» ١/ ٧٠.
(٢) انظر: «المحلى» ١/ ١٩٤، «عيون المجالس» ١٢٦/ ١.



بسطناها فيها، فلا حاجة إلى التطويل بها؛ لئلا نخرج عن موضوع الشرح.
وقوله - ﷺ -: «شرقوا أو غربوا» هو خطاب لأهل المدينة ومن في معناهم كأهل الشام واليمن وغيرهم ممن قبلته عَلَى هذا السمت، فأما من كانت قبلته من جهة المشرق أو المغرب، فإنه يتيامن أو يتشأم.
قَالَ الداودي: واحتج قوم في أمر القبلة بهذا الحديث وقالوا: إن ما بين المشرق والمغرب مما يحاذي الكعبة أنه يصلي (إليه) (١) من جهتين ولا يشرق ولا يغرب، وقد أسلفنا أن الحديث ليس مطلقًا بل محمول عَلَى قوم، واستنبط ابن التين من الحديث منع استقبال النيرين في حالة الغائط والبول وقال: إن الحديث يدل له. وكأنه قاسه عَلَى استقبال القبلة وليس الإلحاق بظاهر.

------------------------
(١) في (ج): إليها.


١٢ - باب مَنْ تَبَرَّزَ عَلَى لَبِنَتَين
١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يحيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يحيى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ غمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ، فَلَا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الَمقْدِسِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الَمقْدِسِ لَحِاجَتِهِ. وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنَ الذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ. فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي والله. قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي الذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ، يَسْجدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرْضِ. [١٤٨، ١٤٩، ٣١٠٢ - مسلم ٢٦٦ - فتح: ٢٤٦/ ١]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أنا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَي بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ، فَلَا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ المَقْدِسِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ. وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنَ (القوم) (١) الذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ. فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي والله. قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي الذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرْضِ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف برواته غير من سلف.
أما واسع (ع) فهو ابن حبَّان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- الأنصاري النجاري المازني الثقة، والد حبان بن واسع بن حبان. روى عن ابن عمر وغيره، وعنه ابنه حبان، وابن أخيه محمد بن

---------------------
(١) فوقها في الأصل علامة أنها نسخة.


يحيى بن حبان، وحَبَّان نسبة لعدة أسماء ذكرتهم في مقدمات هذا الشرح (١).
وأما الراوي عنه فهو أبو عبد الله المازني الفقيه الثقة محمد (ع) بن يحيى بن حبان، كان صاحب حلقة بالمدينة، روى عن أبيه، وعمه واسع، وأنس، وعنه الزهري وربيعة، ومالك، مات سنة إحدى وعشرين ومائة (٢). وباقي الإسناد سلف.
فائدة:
هذا الإسناد كله عَلَى شرط الشيخين وباقي الستة إلا عبد الله بن يوسف فإنه من رجال البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي، وكلهم مدنيون سواه، فإنه مصري تنيسي بكسر المثناة فوق.
وفي هذا الإسناد طرفة أخرى وهي رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: يحيى بن سعيد، ومحمد بن يحيى، وواسع بن حبان.

----------------------
(١) واسع بن حبان بن منقذ بن عمرو بن مالك.
قال عنه أبو زرعة: مدني ثقة. وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات»، وقال العجلي: ثقة، وكذا قال: الذهبي.
انظر: «التاريخ الكبير» ٨/ ١٩٠ (٢٦٥٥)، «معرفة الثقات» ٣٣٨/ ٢ (١٩٢٥)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٣٩٦ (٦٦٦٠)، «الكاشف» ٢/ ٣٤٦ (٦٠٢٦).
(٢) محمد بن يحيى بن حبان أبو عبد الله المازني الفقية.
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، وأبو حاتم والنسائي: ثقة. ذكره ابن حبان في كتاب «الثقات»، وقال الواقدي: كانت له حلقة في مسجد الرسول، وكان يفتي وكان ثقة، كثير الحديث.
انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٦٥ (٨٤٨)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٢٢ (٥٤٩)، «الثقات» ٥/ ٣٧٦، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٦٠٥ (٥٦٨١)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ١٨٦ (٦٦).



الوجه الثاني:
هذا الاطلاع من ابن عمر رضي الله عنهما لم يكن تجسسًا وإنما كان اتفاقيًّا من غير قصد، ولم ير إلا أعاليه فقط، ويحتمل كما أبداه القاضي أن يكون عن قصد التعلم مع أمنه من الاطلاع عَلَى ما لا يجوز الاطلاع عليه (١)، لكن قد يبعده رواية البخاري الآتية قريبًا: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي (٢). ويجمع بين قوله: (بيت لنا) و(بيت حفصة) بأن بيت حفصة بيته، أو بأنه كان لها بيت في بيت عمر يعرف بها أو صار إليها بعد.
الثالث:
قوله: (فرأيته عَلَى لَبِنَتَيْنِ): يحتمل كما قَالَ القاضي أن يكونا مبنيتين فيكون حجة لمن قَالَ: إنه لا يكلف الانحراف في الكنف المبنية إلى القبلة، خلافًا لما ذهب إليه أبو أيوب كما سلف في الحديث قبله. وفي رواية صحيحة لابن حزم: رأيته يقضي حاجته محجر عليه باللبن (٣).
وفي رواية للبزار: رأيته في كنيف مستقبل القبلة. ثم قَالَ: لا نعلم رواها عن نافع إلا عيسى الحناط (٤)، وهو ضعيف (٥).

------------------------
(١) انظر: «إكمال المعلم» ٢/ ٧٣.
(٢) سيأتي برقم (١٤٨) كتاب: الوضوء، باب: التبرز في البيوت.
(٣) «المحلي» ١/ ١٩٥.
(٤) ورد بهامش (س) تعليق نصه: عيسى حناط وخيَّاط وصباغ الخَبَط.
(٥) «مسند البزار» ١٢/ ٢٠٨ (٥٨٩٣)، ورواه ابن ماجه (٣٢٣) قال الحافظ البوصيري في «مصباح الزجاجة» ١/ ٤٧: إسناده ضعيف لضعف عيسى الحناط. وقال الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٦٧) ضعيف جدًّا.



الرابع:
قوله: (فرأيته مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ) كذا هنا، وسيأتي قريبًا مستقبل الشام مستدبر القبلة (١). ووقع في «صحيح ابن حبان»: مستقبل القبلة مستدبر الشام؛ وكأنه. مقلوب (٢).
الخامس:
اختلف العلماء في كيفية العمل بهذا الحديث، فمنهم من رأه ناسخًا لحديث أبي أيوب السالف (٣)، واعتقد الإباحة مطلقًا، وقاس الاستقبال عَلَى الاستدبار، وطرح حكم تخصيصه بالبنيان، ورأى أنه وصف مُلْغَى الاعتبار فيه، ومنهم من رأى العمل بحديث أبي أيوب وما في معناه واعتقد هذا خاصًّا بالنبي - ﷺ -؛ ومنهم من جمع بينهما وأعملهما كما سلف في الحديث قبله، ومنهم من توقف في المسألة، ولمن خصه بالشارع أن يستدل بأن نظر ابن عمر كان اتفاقيًّا كما سلف، وكذا جلوسه - ﷺ - من غير (قصد) (٤) لبيان حكم؛ لأنه لو كان ذَلِكَ حكمًا عامًّا لبينه بالقول كغيره من الأحكام، فلما لم يقع ذَلِكَ دل عَلَى الخصوص، وفيه بحث.
السادس:
يؤخذ منه تتبع أحواله كلها - ﷺ - ونقلها، وأنها كلها أحكام شرعية.

---------------------
(١) سيأتي برقم (١٤٨) كتاب: الوضوء، باب: التبرز في البيوت.
(٢) «صحبح ابن حبان» ٤/ ٢٦٦ - ٢٦٧ (١٤١٨).
(٣) سلف برقم (١٤٤) باب: لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء، جدار ..
(٤) بياض في (س)، والمثبت من (ج).



السابع:
جواز استقبال القبلة في البنيان وأنه (مخصص) (١) لعموم النهي وقد سلف (٢).
الثامن:
استعمال الكناية بالحاجة عن البول والغائط، وجواز الإخبار عن مثل ذَلِكَ للاقتداء والعمل.
التاسع:
من استقبل بيت المقدس، وهو بالمدينة فقد استدبر الكعبة، وقد أسلفنا أنه جاء في رواية أخرى: مستقبل الشام مستدبر القبلة.
قَالَ الخطابي: وقد يتوهم السامع من قول ابن عمر: (أن ناسًا يقولون .. إلى آخره) أنه يريد إنكار ما روي في النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة نسخًا لما حكاه من رؤيته - ﷺ - يقضي حاجته مستدبر القبلة وليس الأمر في ذَلِكَ عَلَى ما يتوهم؛ لأن المشهور من مذهبه أنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار في الصحراء ويجيزهما في البنيان، وإنما أنكر قول من يزعم أن الاستقبال في البنيان غير جائز، ولذلك مثل بما شاهد من قعوده في الأبنية، ويشبه أن يكون بلغه قول أبي أيوب، فإنه كان يرى عموم النهي كما سلف، وإليه كان مذهب سفيان الثوري (٣).

---------------------
(١) بياض في (س)، والمثبت من (ج).
(٢) سلف برقم (١٤٤).
(٣) «أعلام الحديث» ١/ ٢٤١.



العاشر:
جاء في «مسند الإمام أحمد»، و«سنن أبي داود»، وابن ماجه من حديث معقل بن أبي معقل الأسدي - رضي الله عنه - قَالَ: نهى رسول الله - ﷺ - أن تستقبل القبلتين ببول أو غائط (١). سكت عليه أبو داود وضعفه ابن حزم، وأجاب أصحابنا عنه بجوابين:
(أحدهما) (٢): أنه نهى عن استقبال بيت المقدس حين كان قبلة ثم نهى عن الكعبة حين صارت قبلة فجمع الراوي بينهما.
(وثانيهما) (٣): أنه المراد بالنهي أهل المدينة؛ لأن من استقبل بيت المقدس وهو في المدينة استدبر الكعبة وإن استدبره استقبلها، والمراد بالنهي عن استقبالها النهي عن استقبال الكعبة واستدبارها، وفي كل من التأويلين نظر كما نبه عليه النووي في «شرح المهذب».
والظاهر المختار أن النهي وقع في وقت واحد، وأنه عام لكلتيهما في كل مكان، ولكنه في الكعبة نهي تحريم في بعض الأحوال، وفي بيت المقدس نهي تنزيه، ولا يمتنع جمعهما في النهي وإن اختلف معناه، وسبب النهي عن بيت المقدس كونه كان قبلة فبقيت له حرمة دون حرمة الكعبة، وقد اختار الخطابي هذا التأويل (٤)، وقد صرح أصحابنا بعدم الحرمة وأنه يكره، لهذا قَالَ: وإنما حملنا النهي على التنزيه للإجماع فلا نعلم من يُعَتدُّ به حرَّمه.

----------------------
(١) «سنن أبي داود» (١٠)، «سنن ابن ماجه» (٣١٩)، «مسند أحمد» ٤/ ٢١٠.
وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» ٩/ ١١ (٢): منكر، وأبو زيد ليس بالمعروف، وقال في «ضعيف ابن ماجه» (٦٦): ضعيف.
(٢) من (س).
(٣) من (س).
(٤) انظر: «المجموع» ٢/ ٩٥.



قُلْتُ: قد حكى ابن أبي الدم (١) الشافعي وجهًا أن النهي للتحريم، فأين الإجماع؟
وقال ابن بطال: لم يقل بحديث معقل السالف أحد من الفقهاء إلا النخعي وابن سيرين ومجاهد، فإنهم كرهوا استقبال القبلتين واستدبارهما ببول أو غائط، وهؤلاء غاب عنهم حديث ابن عمر، وهو يدل عَلَى أن النهي إنما أريد به الصحراء لا البيوت، وقال أحمد: حديث ابن عمر ناسخ للنهي عن استقبال بيت المقدس واستدباره بغائط وبول، والدليل عَلَى هذا ما روى مروان الأصفر عن ابن عمر أنه أناخ راحلته مستقبل بيت المقدس، ثمَّ جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قَالَ: إنما نهي عن هذا في الفضاء، وأما إِذَا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس (٢).

-------------------------
(١) هو العلامة شهاب الدين إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن علي بن أبي الدم الحموي الشافعي. حدث بمصر ودمشق وحماة «بجزء الغطريف». وولي القضاء بحماة وترسل عن ملكها وصنف «أدب القضاة» و«مشكل الوسيط» وجمع تاريخًا وألف في الفرق الإسلامية، وغير ذلك، وله نظم جيد وفضائل وشهرة. توفي في جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وله ستون سنة.
انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢٣/ ١٢٥ - ١٢٦ (٩٦)، «الوافي بالوفيات» ٦/ ٣٣ - ٣٤ (٢٤٦٥)، «طبقات الشافعية» للسبكي ٥/ ٤٧، «طبقات الشافعية» للإسنوي ١/ ٥٤٦ - ٥٤٧ (٥٠٤)، «شذرات الذهب» ٥/ ٢١٣.
(٢) حديث ابن عمر رواه أبو داود (١١)، وابن خزيمة ١/ ٣٥ (٦٠)، والحاكم ١/ ١٥٤، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، فقد احتج بالحسن بن ذكوان ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٨): إسناده حسن. انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٧.



الحادي عشر:
في قوله: (إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: كذا) دلالة على أن الصحابة كانوا يختلفون في معاني السنن وكان كل واحد منهم يستعمل ما سمع عَلَى عمومه، فمن هنا وقع بينهم الاختلاف.
الثاني عشر:
قوله: (لَعَلَّكَ مِنَ الذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ) قد فسره مالك كما سلف، فيؤخذ منه اشتراط ارتفاع الأسافل عَلَى الأعالي وهو الأصح عندنا (١).

------------------------
(١) ورد بهامش (س) تعليق نصه: ثم بلغ في الأربعين كتبه مؤلفه غفر الله له.


١٣ - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى البَرَازِ
١٤٦ - حَدَّثَنَا يحيى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الَمنَاصِعِ -وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ- فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ -زَوْجُ النَّبيِّ - ﷺ - لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ اَمْرَأةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ. حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الِحجَابُ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الِحجَابِ. [١٤٧، ٤٧٩٥، ٥٢٣٧، ٦٢٤٠ - مسلم: ٢١٧٠ - فتح: ١/ ٢٤٨]

١٤٧ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكنَّ». قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي: البَرَازَ. [انظر: ١٤٦ - مسلم: ٢١٧٠ - فتح: ١/ ٢٤٩]
حَدَّثنَا يَحْيَ بْنُ بُكَيْرٍ، ثنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبيِّ - ﷺ - كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى المَنَاصِعِ -وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ- فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ النبي - ﷺ - يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ -زَوْجُ النَّبيِّ - ﷺ - لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ. حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللهُ آية الحِجَابِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها: في التعريف برواته: وقد سلف مفرقًا.
ثانيها:
معنى (تبرزن): خرجن إلى البراز للبول والغائط.


و(المناصع): المواضع التي يتخلى فيها للحاجة، واحدها منصع قَالَ الزبيدي والأزهري: أراها مواضع خارج المدينة (١). وقال الداودي: هي التي يؤتى ذَلِكَ فيها فيضع الإنسان ويذهب عنه فعل ذَلِكَ. وعبارة ابن الجوزي في «غريبه» ومن خطه نقلت: هي المواضع التي يتخلى فيها للحاجة، وكان صعيدًا أفيح خارج المدينة يقال لَهُ: المناصع (٢).
وهو بمعنى ما سلف.
و(الصعيد): وجه الأرض.
و(الأفيح): المتسع، ودارًا فيحاء: واسعة (٣).
و(البراز) في ترجمة البخاري بفتح الباء وهو لغة -ما برز من الأرض واتسع، كنى به عن الحدث كما كنى بالغائط وهو المطمئن من الأرض.
وفي «سنن أبي داود»، وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا:
«اتقوا الملاعن الثلاث» (٤)، وعُدَّ منها البراز في الموارد، قَالَ الخطابي: هو بفتح الباء وغلط من رواه بكسرها (٥)، ولا يسلم له.

-----------------------
(١) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٥٨٦، مادة: (نصع).
(٢) «غريب الحديث» ٢/ ٤١٢.
(٣) انظر: «أعلام الحديث» ١/ ٢٤٣.
(٤) رواه مسلم (٢٦٩) كتاب: الطهارة، باب: النهي عن التخلي في الطرق والظلال، وأبي داود (٢٥)، وأحمد ٢/ ٣٧٢، وأبو عوانة ١/ ١٦٦ (٤٨٦)، وابن حبان ٤/ ٢٦٢ (١٤١٥)، والحاكم ١/ ١٨٥ - ١٨٦، والبيهقي ١/ ٩٧ كلهم عن أبي هريرة بلفظ: «اتقوا اللاعنين» عدا أبي عوانة فلفظه: «اجتنبوا ..» أمَّا لفظ المصنف: «اتقوا الملاعن الثلاث» فقد روي مرفوعًا عن معاذ بن جبل عند أبي داود برقم (٢٦)، وابن ماجه برقم (٣٢٨) وفي الباب عن ابن عباس رواه أحمد ١/ ٢٩٩.
(٥) «غريب الحديث» ١/ ١٠٧، «لسان العرب» ١/ ٢٥٥. مادة: (برز).



الوجه الثالث: في فوائده:
الأولى: مراجعة الأدنى للأعلى في الشيء المتبين.
الثانية: فضل المراجعة إِذَا لم يقصد بها التعنت؛ فإنه قد تبين فيها من العلم ما خفي، فإن نزول الآية وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩] الآية، كان سبب المراجعة.
الثالثة: فضل عمر، فإن الله أيد به الدين، وهذِه إحدى ما وافق فيها ربه.
وثانيها: في قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥].
وثالثها: قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى.
وهذِه الثلاثة ثابتة في الصحيح كما ستعلمه في الصلاة (١).
ورابعها: موافقته في أسرى بدر (٢).
خامسها: في منع الصلاة عَلَى المنافقين. وهاتان في «صحيح مسلم» (٣).
سادسها: موافقته في آية المؤمنين؛ روينا في «مسند أبي داود الطيالسي» من حديث علي بن زيد: وافقت ربي لما نزلت ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فقلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين.
فنزلت (٤).

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٤٠٢) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة على من سها.
(٢) يشير المصنف إلى ما كان سببًا في نزول قول الله -عز وجل-: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]. فقد رواه الحاكم ٢/ ٣٢٩ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: صحيح على شرط مسلم.
(٣) مسلم (٢٣٩٩، ٢٤٠٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر - رضي الله عنه.
(٤) رواه أبو داود الطيالسي ١/ ٤٦ - ٤٧ (٤١). قلت: والحديث أصله في الصحيحين =



سابعها: موافقته في تحريم الخمر، كما ستعلمه إن شاء الله في موضعه (١).
ثامنها: موافقته في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٨]. ذكره الزمخشري (٢)، وقال ابن العربي: قدمنا في الكتاب الكبير أنه وافق ربه تعالى تلاوة ومعنى في أحد عشر موضعًا، وهذا من النفائس (٣).
وفي «جامع الترمذي» مصححًا عن ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال عمر فيه إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قَالَ عمر (٤).
الرابعة:
كلام الرجال مع النساء في الطريق.
الخامسة:
جواز وعظ الإنسان أمه في البر؛ لأن سودة من أمهات المؤمنين.

----------------------
= من حديث أنس عن عمر دون ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] عند البخاري برقم (٤٠٢) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة، ومسلم (٢٣٩٩) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل عمر.
(١) يشير المصنف إلى حديث عمر بن الخطاب: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فقد رواه أبوداود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٠٤٩)، والنسائي ٨/ ٢٨٦، وأحمد ١/ ٥٣، والحاكم ٢/ ٢٧٨، والبيهقي ٨/ ٢٨٥. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٢) «الكشاف» ١/ ٨٤.
(٣) «عارضة الأحوذي» ١٣/ ١٤٢ - ١٤٣.
(٤) رواه الترمذي (٣٦٨٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٧٣٦).



السادسة:
جواز الإغلاظ في القول والعتاب إِذَا كان قصده الخير، فإن عمر قَالَ: قد عرفناك يا سودة؛ وكان شديد الغيرة لاسيما في أمهات المؤمنين.
السابعة:
التزام النصيحة لله ولرسوله في قول عمر: احجب نساءك.
وكان - ﷺ - يعلم أن حجبهن خير من غيره، لكنه كان يترقب الوحي، بدليل أنه لم يوافق عمر حين أشار بذلك، وكان عدمه من عادة العرب.
قَالَ القاضي عياض: والحجاب الذي خص به أمهات المؤمنين هو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذَلِكَ لشهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخصهن إِذَا خرجن، كما فعلت حفصة يوم مات أبوها، ستر شخصها حين خرجت، وزينب عمل لها قبة لما توفيت قَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] (١).
فائدة:
كان الحجاب في السنة الخامسة في قول قتادة. وقال أبو عبيدة: في الثالثة. وقال ابن إسحاق: بعد أم سلمة. وعند ابن سعد: في الرابعة في ذي القعدة؛ وذلك لما تزوج زينب بنت جحش أولم عليها، وأكل جماعة وهي مولية بوجهها إلى الحائط ولم يخرجوا، فخرج رسول الله - ﷺ - ولم يخرجوا وعاد فلم يخرجوا فنزلت آية الحجاب (٢).

-----------------------
(١) انظر: «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٧/ ٥٧.
(٢) انظر: «الطبقات الكبرى» ١/ ١٧٤.



الثامنة:
جواز تصرف النساء في ما بهن حاجة إليه.
ثم قال البخاري رحمه- الله: حَدَّثنَا زَكَرِيَّاءُ ثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَام ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «قَدْ أُذِنَ أَنْ (١) تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكُنَّ». قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي: البَرَازَ.
أما رجاله فسلف التعريف بهم.
وأما فقهه فخروجهن إلى البراز ومثله ما بهن حاجة إليه وقد أمرن بالخروج إلى العيدين كما سيأتي (٢).
و(الْبَرَازَ) بفتح الباء كما سلف. قَالَ الداودي: وقوله: «قَدْ أُذَنَ أَنْ تَخْرُجْنَ» دال على أنه لم يرد هنا حجاب البيوت -فإن ذَلِكَ وجه آخر- إنما أراد أن يستنزن بالجلباب حتَّى لا يبدو منهن إلا العين.
قالت عائشة: كنا نتأذى بالكنف وكنا نخرج إلى المناصع (٣).

------------------------
(١) في الهامش كتب: (لكن) ورمز فوقها أنها نسخة.
(٢) سيأتي برقم (٩٧٤) كتاب: العيدين، باب: خروج النساء والحيض إلى المصُلى، ومسلم (٨٩٠) كتاب: صلاة العيدين.
(٣) سيأتي برقم (٤١٤١) كتاب: المغازي، باب: حديث الإفك.



١٤ - باب التَّبُّرزِ فِي البُيُوتِ
١٤٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْنُ الُمنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسولَ اللهِ - ﷺ - يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ. [انظر: ١٤٥ - مسلم: ٢٦٦ - فتح: ١/ ٢٥٠]

- باب
١٤٩ - حَدَّثَنَا يعقوب بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيد بْن هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يِحْيَى بْنِ حَبَّانَ، أَنَّ عَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ: لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الَمقْدِسِ. [انظر: ١٤٥ - مسلم ٢٦٦ - فتح: ١/ ٢٥٠]
حَدَّثَني إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، ثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْييَ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ.
حَدَّثنَا (١) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْييَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْييَ بْنِ حَبَّانَ، أَنَّ عَمهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ: لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ المَقْدِسِ.

------------------------
(١) كتب في هامش الأصل قبالة هذِه الكلمة (باب) وأشار إلى أنها نسخة.
[قلت: أثبتت في المتن بين معقوفتين].



هذا الحديث بطريقيه سلف الكلام عليه قريبًا (١).
وكذا رجاله خلا أنس (ع) بن عياض (٢) وهو ليثي مدني ثقة عالم.
روى عن ربيعة (وعدة) (٣). وعنه أحمد وأمم. مات سنة مائتين عن ست وتسعين سنة، وهو من الأفراد، وليس في الكتب الستة أنس بن عياض سواه، وكنيته أبو ضمرة.
وعبيد الله (ع) هو أبو عثمان عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر العمري الفقيه. روى عن أبيه والقاسم وسالم وعدة. ويقال: إنه أدرك أم خالد بنت خالد. وعنه خلق آخرهم عبد الرزاق. مات سنة سبع وأربعين ومائة (٤).
ويزيد (ع) بن هارون هو الحافظ المتقن أحد الأعلام السلمي. وعنه الذهلي وخلق.

-----------------------
(١) سلف برقم (١٤٥) كتاب: الوضوء، باب: من تبرز على لبنتين.
(٢) أنس بن عياض بن ضمرة. قال عباس الدوري، عن يحيى: ثقة. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى: صويلح، وقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال أبو زرعة والنسائي: لا بأس به.، وقال ابن حجر في التقريب: ثقة. انظر: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٣ (١٥٩١)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٨٩ (١٠٥٥)، «الثقات» ٦/ ٧٦، «تهذيب الكمال» ٣/ ٣٤٩ (٥٦٧)، «تقريب التهذيب» (٥٦٤).
(٣) في (ج): وغيره.
(٤) عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال يحيى بن معين: عبيد الله بن عمر من الثقات. قال أحمد بن صالح: عبيد الله بن عمر أحب إلي من مالك في حديث نافع.
انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٩٥ (١٢٧٣)، «معرفة الثقات» ٢/ ١١٣ (١١٦٦)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٢٦ (١٥٤٥)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٣٠٤ (١٢٩)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٢٤ (٣٦٦٨).



كان يصلي الضحى ست عشرة ركعة؛ وقد عمي. مات سنة ست ومائتين بواسط عن ثمان وثمانين سنة، وليس في الستة مشارك له في اسمه واسم أبيه (١).
-----------------------
(١) يزيد بن هارون بن زاذي ويقال: ابن زاذان، قال إسحاق بن منصورِ، عن يحيى بن معين: ثقة.
قال علي بن المديني: هو من الثقات، وقال في موضع آخر: ما رأيت رجلًا قط أحفظ من يزيد بن هارون. وقال أبو حاتم: ثقة، إمام صدوق، لا يسأل عن مثله.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣١٤، «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٦٨ (٣٣٥٤)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٦٨ (٢٠٣٩)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٢٦١ (٧٠٦١).



١٥ - باب: الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ
١٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الَملِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ -وَاسْمُهُ عطًاءُ بْنُ أَبِي مَيْمونَةَ- قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُول: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا خَرَجَ لَحِاجَتِهِ أَجِيءُ أَنَا وَغُلام مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ. يَعْنِي: يَسْتَنْجِي بِهِ. [١٥١، ١٥٢، ٢١٧، ٥٠٠ - مسلم ٢٧١ - فتح: ١/ ٢٥٠]
حَدَّثنَا أَبُو الوَليدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ قَالَ: حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ -وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَجِيءُ أَنَا وَغُلَامٌ مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ. يَعْنِي: يَسْتَنْجِي بِهِ.
الكلام عليه من أوجه:
ولنقدم عليها أن الاستنجاء مأخوذ من النجو وهو القطع. وقيل: من الارتفاع. وقيل: من طلب النجاة، وهو الخلاص، حكاها القاضي عياض في «تنبيهاته».
الأول: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم خلا عطاء (خ. م. د. س. ق) بن أبي ميمونة وهو بصري تابعي مولى أنس، وقيل مولى عمران بن حصين مات بعد الثلاثين ومائة، وكان يرى القدر (١).

---------------------
(١) عطاء بن أبي ميمونة واسمه منيع البصري. قال أبو حاتم: صالح لا يحتج بحديثه، وكان قدريًا، قال أبو أحمد بن عدي: ومن يروي عنه يكنيه بأبي معاذ، وفي أحاديثه بعض ما ينكر عليه. قال البخاري: قال يحيى القطان: مات بعد الطاعون.
وقال ابن حجر: احتج به الجماعة سوى الترمذي وليس له في البخاري سوى حديثه عن أنس في الاستنجاء. =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #90  
قديم 23-01-2026, 05:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,654
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 127 الى صـــ 146
الحلقة (90)






ومن طُرف هذا الإسناد أنهم كلهم بصريون، وكلهم من فرسان الصحيحين وباقي الستة إلا عطاء (فلم) (١) يخرج له الترمذي.
الثاني: في بيان ألفاظه:
(الغلام) هو الذي طرَّ شاربه. وقيل: هو من حين يولد إلى أن يشب، وقد أوضحته بمتعلقاته في «شرح العمدة» (٢) فراجعه منه.
و(الإداوة) بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء كالسطيحة (٣) ونحوها، والجمع: أداوى، قَالَ الجوهري: الإداوة: المِطْهَرَة، والجمع: الأداوى (٤).
و(الحاجة) هنا: الغائط أو البول. وهذا الغلام من الأنصار كما سيأتي (٥).
الثالث: في فوائده:
الأولى: خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك (٦)، وتفقد حاجاتهم خصوصًا المتعلقة بالطهارة.
الثانية: استخدام الرجل الفاضل بعض أتباعه الأحرار خصوصًا إِذَا أرصدوا لذلك، والاستعانة في مثل هذا فيحصل الشرف لهم بذلك.

-------------------
= انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٦٩ (٣٠١٢)، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ١١٧ (٣٩٤٢)، «مقدمة فتح الباري» ص ٤٢٥.
(١) في (ج): فإنه لم.
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٤٧٥.
(٣) «لسان العرب» ٤/ ٢٠٠٦. مادة: (أدا).
(٤) «الصحاح» ٦/ ٢٢٦٦.
(٥) سيأتي برقم (١٥١) كتاب: الوضوء، باب: الاستنجاء بالماء.
(٦) خدمة الصالحين مندوبة، أما التبرك بذلك فهو من خصوصية النبي - ﷺ - حال حياته دون موته، وسيأتي الكلام على ذلك باستفاضة في تعليقنا على حديث (١٩٤).



وقد صرح الروياني (١) من أصحابنا بأنه يجوز أن يعير ولده الصغير، ليخدم من يتعلم منه، وخالف صاحب «العدة» فقال: ليس للأب أن يعير ولده الصغير لمن يخدمه؛ لأن ذَلِكَ هبة لمنافعه فأشبه إعارة ماله (٢)، وأوله النووي في «الروضة» فقال: هذا محمول عَلَى خدمة تقابل بأجرة، أما ما كان محتقرًا لا يقابل بها فالظاهر والذي تقتضيه أفعال السلف أن لا منع منه، إِذَا لم يضر بالصبي (٣).
وقال غيره من المتأخرين: ينبغي تقييد المنع بما إِذَا انتفت المصلحة، أما إِذَا وجدت كما لو قَالَ لولده الصغير: اخدم هذا الرجل في كذا؛ ليتمرن عَلَى التواضع ومكارم الأخلاق فلا منع منه، وهو حسن بالغ (٤).
الثالثة: التباعد لقضاء الحاجة عن الناس، وقد اشتهر ذَلِكَ من فعله - ﷺ -.
الرابعة: جواز الاستعانة في أسباب الوضوء.
الخامسة: جواز الاستنجاء بالماء كما ترجم عليه البخاري (٥).
واعترضه الأصيلي فقال: استدلاله به ليس بالبين؛ لأن قوله: (يستنجي به) ليس من قول أنس، إنما هو من قول أبي الوليد، وقد رواه سليمان بن حرب، عن شعبة، (لم يذكر يستنجي به، كما

------------------
(١) تقدمت ترجمته في حديث رقم (١).
(٢) انظر «أسنى المطالب» ٢/ ٣٢٥، «الفتاوى الهندية» ٤/ ٣٧٢، و«مغني المحتاج» ٢/ ٢٦٥.
(٣) «روضة الطالبين» ٤/ ٤٢٦.
(٤) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٤٨٢ - ٤٨٣.
(٥) سيأتي برقم (١٥٠) كتاب: الوضوء، باب: الاستنجاء بالماء.



سيأتي (١)، فيحتمل أن يكون الماء لطهوره أو لوضوئه. وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة (٢): قد تابع أبا الوليد النضر وشاذان، عن شعبة) (٣) وقالا: يستنجى بالماء.
قَالَ: وتواترت الآثار عن أبي هريرة (٤) وأسامة وغيرهما من الصحابة عَلَى الحجارة (٥). وقال ابن التين في «شرحه» مثله، وزاد عن أبي

-------------------
(١) سيأتي برقم (١٥١) كتاب: الوضوء، باب: من حمل معه الماء لطهوره.
(٢) المهلب بن أحمد بن أبي صفرة أسيد بن عبد الله الأسدي الأندلسي المربي مصنف «شرح صحيح البخاري». وكان أحد الأئمة الفصحاء، الموصوفين بالذكاء. أخذ عن أبي محمد الأصيلي، وفي الرحلة عن أبي الحسن القابسي، وأبي الحسن علي بن بندار القزويني، وأبي ذر الحافظ.
روى عنه أبو عمر بن الحذاء، ووصفه بقوة الفهم وبراعة الذهن. وحدث عنه أيضًا أبو عبد الله بن عابد وحاتم بن محمد.
ولي قضاء المرية، توفي في شوال سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٥٧٩ (٣٨٤)، «الوافي بالوفيات» ٢٦/ ١٨٧، «كشف الظنون» ١/ ٥٤٥، «شذرات الذهب» ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦، «معجم المؤلفين» ٣/ ٩٢٧، «شجرة النور الزكية» ١/ ١١٤ (٣١١).
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ج).
(٤) حديث أبي هريرة: رواه أبو داود (٨)، والنسائي ١/ ٣٨، وابن ماجه (٣١٣)، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» ١/ ٣٤٣ (٨٤٦). قال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٦): إسناده حسن، وقال في «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٥٢): حسن صحيح. وحديث أسامة لم أقف عليه.
(٥) وغيرهم مثل:
سلمان: رواه مسلم (٢٦٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة.
وعائشة: رواه أبو داود (٤٠)، والنسائي ١/ ٤١ - ٤٢، وأحمد ٦/ ١٠٨، والدارمي ١/ ٥٣٠ - ٥٣١ (٦٩٧)، والدارقطني ١/ ٥٤، والبيهقي ١/ ١٠٣، قال الدارقطني: إسناده صحيح. وقال النووي في «المجموع» ٢/ ٩٣. صحيح وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حديث حسن، وخزيمة بن ثابت: =



عبد الملك أنه قول أبي معاذ الراوي، عن أنس. قَالَ: وذلك لأنه لم يصح أنه - ﷺ - استنجى بالماء.
وكذا نُقل عن أحمد أنه لم يصح به حديث؛ وأقول: قد ذكر البخاري من غير طريق أبي الوليد: (يستنجي بالماء) كما سيأتي بعد من طريق غندر (١) والنضر (٢) وشاذان (٣).
وذكره أيضًا في باب غسل البول من غير طريقه بلفظ: كان - ﷺ - إِذَا تبرز لحاجته أتيته بماء فتغسَّل به (٤).
وسيأتي في لفظ لمسلم: دخل حائطًا وتبعه غلام معه ميضأة فوضعها عند رأسه، فقضى رسول الله - ﷺ -، فخرج علينا وقد استنجى بالماء (٥).
وسلف قريبًا حديث ابن عباس في وضعه الماء له ودعائه - ﷺ - له (٦)، وترجم عليه: وضع الماء عند الخلاء. وذكرنا هناك جملة من الأحاديث الصحيحة فيه.
وفي «صحيح ابن خزيمة» من حديث إبراهيم بن جرير، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - دخل الغيضة فقضى حاجته، فأتاه جرير بإداوة من ماء فاستنجى

--------------------
= رواه أبو داود (٤١)، وابن ماجه (٣١٥)، وأحمد ٥/ ٢١٣ - ٢١٥. قال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٣٢): حديث حسن أو صحيح، وهذِه الأحاديث كلها على أن الاستنجاء بثلاثة أحجار.
(١) متابعة غندر ستأتي برقم (١٥٢) كتاب: الوضوء، باب: حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء.
(٢) متابعة النضر رواها النسائي ١/ ٤٢.
(٣) متابعة شاذان ستأتي برقم (٥٠٠) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة إلى العنزة.
(٤) سيأتي برقم (٢١٧) كتاب: الوضوء، باب: ما جاء في غسل البول.
(٥) «صحيح مسلم» (٢٧٠) كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء من التبرز، من حديث أنس.
(٦) سبق برقم (١٤٣) كتاب: الوضوء، باب: وضع الماء عند الخلاء.



بها، ومسح يده بالتراب (١).
وفي «صحيح مسلم» لما عد الفطرة عشرة عد منها انتقاص الماء (٢)، وفُسِّر بالاستنجاء. وزعم ابن بطال أن حذيفة بن اليمان (٣) وسعيد بن المسيب (٤) كرها الاستنجاء بالماء، وكان المهاجرون يستحبون الاستنجاء بالأحجار، والأنصار بالماء (٥).
وفي «المصنف» أيضًا عن سعد بن أبي وقاص، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، ومجمع بن يزيد، وعروة بن الزبير، والحسن بن أبي الحسن، وعطاء؛ شيء من ذَلِكَ، والإجماع قاضٍ على قولهم، وكذا امتنان البارئ ﷻ في كتابه بالتطهير به؛ ولأنه أبلغ في إزالة العين (٦).

---------------------
(١) انظر: «صحيح خزيمة» ١/ ٤٧ (٨٩) كتاب: الوضوء، باب: جماع أبواب الاستنجاء بالماء.
(٢) انظر: «صحيح مسلم» (٢٦١) كتاب: الطهارة، باب: خصال الفطرة.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٤٢ (١٦٣٥).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٤٢ (١٦٣٧).
(٥) «شرح ابن بطال»١/ ٢٤١.
(٦) الآثار عن عمر وسعد بن أبي وقاص ومجمع بن يزيد وعروة بن الزبير والحسن بن أبي الحسن وعطاء إلى «المصنف» خطأ لأنني لم أقف عليها في المطبوع من «مصنف ابن أبي شيبة»، وما وقفت عليه هو أثر عبد الله بن الزبير، رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٤٢ (١٦٤١).
أمَّا غير ذلك مما ذكره المصنف فلا. والذي وقفت عليه أن بطال نقل في «شرحه على الصحيح» ١/ ٢٤١ أن المهاجرين كانوا يستنجون بالأحجار، وأنكر الاستنجاء بالماء سعد بن أبي وقاص، وحذيفة، وابن الزبير، وسعيد بن المسيب وقال: إنما ذلك وضوء النساء. وكان الحسن لا يغسل بالماء، وقال عطاء: غسل الدبر محدث. أهـ.



وفي «شرح الموطأ» لابن حبيب: حَدَّثنَا أسد بن موسى وغيره عن السدي بن يحيى، عن أبان بن أبي عياش أنه - ﷺ - قَالَ؟ «استنجوا بالماء، فإنه أطهر وأطيب»، وأبان هذا متروك.
وأجيب عن قول سعيد بن المسيب وقد سُئِلَ عن الاستنجاء بالماء أنه وضوء النساء (١)، وأنه لعل ذَلِكَ في مقابلة غلو من أنكر الاستنجاء بالأحجار، وبالغ في إنكاره بهذِه الصيغة لتمنعه من الغلو، وحمله ابن نافع (٢) عَلَى أنه في حق النساء، وأما الرجال فيجمعون بينه وبين الأحجار، حكاه الباجي عنه (٣).

----------------
(١) رواه مالك في «موطئه» ص ٤٧ برواية يحيى.
(٢) هو عبد الله بن نافع الصائغ، من كبار فقهاء المدينة، حديثه مخرج في الكتب الستة سوى «صحيح البخاري»، وهو من موالي بني مخزوم، ولد سنة نيف وعشرين ومائة.
حدَّث عن: محمد بن عبد الله بن حسن الذي قام بالمدينة وقُتِل، وأسامة بن زيد الليثي، ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وسليمان بن يزيد الكعبي صاحب أنس، وكثير بن عبد الله بن عوف، وداود بن قيس الفراء، وخلق سواهم.
حدَّث عنه: محمد بن عبد الله بن نمير، وأحمد بن صالح، وسحنون بن سعيد، وسلمة بن شبيب، والحسن بن علي الخلال، وغيرهم. وليس هو بالمتوسع في الحديث جدًّا، بل كان بارعًا في الفقه. وثقه ابن معين، وقال البخاري: يعرف حفظه وينكر وكتابه أصح. وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: روى عن مالك غرائب. وقال ابن سعد: كان قد لزم مالكًا لزومًا شديدًا. ثم قال: وهو دون معن، قال: وتوفي في شهر رمضان سنة ست ومائتين.
انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٣٨، «التاريخ الكبير» ٥/ ٢١٣ (٦٨٧) وفيه (الصانع) بدل (الصائغ)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٨٣ - ١٨٤ (٨٥٦)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٣٧١ - ٣٧٤ (٩٦)، «شذرات الذهب» ٢/ ١٥، «شجرة النور الزكية» ١/ ٥٥ (٤).
(٣) انظر: «المنتقى» ١/ ٧٣.



قَالَ القاضي: والعلة عند سعيد كونه وضوء النساء، معناه: أن الاستنجاء في حقهن بالحجارة متعذر. قَالَ الخطابي: وزعم بعض المتأخرين أن الماء مطعوم؛ فلهذا كره الاستنجاء به سعيد وموافقوه؛ وهذا قول باطل منابذ للأحاديث الصحيحة (١).
وشذ ابن حبيب فقال: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء (٢).
وحكاه القاضي أبو الطيب (٣)، عن الزيدية والشيعة (٤)، وغيرهما،

-------------------
(١) انظر: «معالم السنن» ١/ ٢٥.
(٢) انظر: «عارضة الأحوذي» ١/ ٣٣، «المنتقى» ١/ ٧٣.
(٣) الإمام العلامة، شيخ الإسلام، القاضي أبو الطيب، طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، الطبري الشافعي، فقيه بغداد. ولد سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة بآمل.
سمع من أبي أحمد بن الغطريف، والدارقطني، وموسى بن عرفة، وعلي بن عمر السُكري، والمعافي الحريري، واستوطن بغداد، ودرس وأفتى وأفاد، وولي قضاء رُبع الكرخ بعد القاضي الصيمري.
قال الخطيب: كان شيخنا أبو الطيب ورعًا، عاقلًا، عارفًا بالأصول والفروع، محققًا، حسن الخلق، صحيح المذهب، اختلفت إليه، وعلقت عنه الفقه سنين.
حدَّث عنه: الخطيب، وأبو إسحاق، وابن بكران، وأبو محمد بن الأبنوسي، وأحمد بن الحسن الشيرازي. قال الخطيب: مات صحيح العقل ثابت الفهم في ربغ الأول سنة خمسين وأربعمائة وله مائة وسنتان، رحمه الله. انظر: ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٩/ ٣٥٨ - ٣٦٠، «الأنساب» ٨/ ٢٠٧، «المنتظم» ٨/ ١٩٨، «اللباب» ٢/ ٢٧٤، «تهذيب الأسماء واللغات» ٢/ ٢٤٧، ٢٤٨، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٦٦٨ - ٦٧١ (٤٥٩)، «شذرات الذهب» ٣/ ٢٨٤، ٢٨٥.
(٤) الشيعة: لغة: هم أنصار الرجل وأتباعه وكل قوم اجتمعوا على أمرٍ فهم شيعة، وكل من عاون إنسانًا وتحزب له فهو شيعة، وأصله من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة.
اصطلاحًا: الشيعة اسم لكل من فضل عليًّا على الخلفاء الراشدين قبله - رضي الله عنهم - =



والسنة قاضية عليهم، استعمل الشارع وأبو هريرة الأحجار (وهو معه) (١) ومعه إداوة من ماء.
ومذهب جمهور السلف والخلف والذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيقدم الحجر أولًا ثمَّ يستعمل الماء، فتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في النظافة، فإن أراد الاقتصار عَلَى أحدهما فالماء أفضل؛ لكونه يزيل عين النجاسة وأثرها، والحجر يزيل العين دون الأثر، لكنه معفو عنه في حق نفسه وتصح الصلاة معه كسائر النجاسات المعفو عنها (٢).
الفائدة السادسة: اتخاذ آنية الوضوء كالإداوة ونحوها، وحمل الماء معه إلى الكنيف.

---------------------
- جميعًا -ورأى أن أهل البيت أحق بالخلافه، وأن خلافة غيرهم باطلة.
الزيدية: هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي وهم من حيث اعتقادهم انقسموا إلى قسمين:
١ - المتقدمون منهم: المتبعون لأقوال زيد وهؤلاء لا يعدون من الرافضة، ويعترفون بإمامة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
٢ - المتأخرون منهم: وهؤلاء يعدون من الرافضة، وهم يرفضون إمامة الشيخين ويسبونهما ويكفرون من يرى خلافتهما. اهـ. وقد استقر الاصطلاح في العصر الحديث إلى أن المقصود بالشيعة هم الرافضة مطلقًا.
انظر: «تهذيب اللغة» ٣/ ٦١، «تاج العروس» ٥/ ٤٠٥، «تاريخ المذاهب الإسلامية» ١/ ٥٢ لأبي زهرة، «فرق معاصرة تنتسب للإسلام» ١/ ٣٠٦، ٣٣٤، ٣٣٦ للدكتور/ غالب بن علي عواجي.
(١) من (س).
(٢) انظر: «الإعلام» ١/ ٤٨٧.



١٦ - باب مَنْ حُمِلَ مَعَهُ المَاءُ لِطُهُورِهِ
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَلَيْسَ فِيكمْ صَاحِب النَّعْلَيْنِ وَالطَّهُورِ وَالْوسَادِ؟

١٥١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أبي مُعَاذٍ -هُوَ عَطَاءُ بْنُ أبي مَيْمُونَةَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا خَرَجَ لَحِاجَتِهِ، تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلَامٌ مِنَّا مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءِ. [انظر: ١٥٠ - مسلم ٢٧١ - فتح: ١/ ٢٥١]
(وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِب النَّعْلَيْنِ وَالطَّهُورِ وَالْوِسَادِ؟): يعني به عبد الله بن مسعود وأراد بذلك الثناء عليه والمدح له والشرف بخدمته -عليه السلام -.
قال البخاري: حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب، ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ عَطَاء .. الحديث كما سلف إلى قوله (وَغُلَامٌ مِنَّا مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ ماءٍ).
وقد سلف الكلام عليه قريبًا سندًا ومتنًا (١)، إلا سليمان بن حرب، وقد أسلفنا ترجمته في الإيمان (٢). ومن طُرف إسناده أنهم كلهم بصريون.
وفي هذِه الرواية بيان أن الغلام من الأنصار؛ لقوله: (وغلام منَّا)، وكذا أخرجه الإسماعيلي في «صحيحه» قَالَ: وروي (فأتبعه) (٣) وأنا غلام. والصحيح: أنا وغلام.

---------------------
(١) انظر الحديث السابق.
(٢) تقدمت ترجمته في المقدمة.
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: لعله (فاتبعته).



١٧ - باب حَفلِ العَنَزَةِ مَعَ المَاءِ فِي الاسْتِنْجَاءِ
١٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمُّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أبَى مَيمُونَةَ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْخُلُ الَخلَاءَ، فَأَحْمِلُ أنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً يَسْتَنْجِي بِالَمْاءِ. تَابَعَهُ النَّضْرُ وَشَاذَانُ، عَنْ شُعْبَةَ. العَنَزَةُ عَصَا عَلَيْهِ زُجٌّ. [انظر: ١٥٠ - مسلم ٢٧١ - فتح: ا/ ٢٥٢]
حَدَثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْخُلُ الخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. تَابَعَهُ النَّضْرُ وَشَاذَانُ، عَنْ شُعْبَةَ.
هذا الحديث سلف الكلام عليه قريبًا سندًا ومتنًا (١).
ومحمد (ع) بن بشار سلف في الإيمان (٢)، ولقبه بندار؛ لأنه كان مكثرًا من الحديث، والبندار: (من) (٣) يكون مكثرًا من شيء يشتريه منه من هو دونه ثم يبيعه، قاله أبو سعد السمعاني (٤).
و(محمد) (ع) بن جعفر هو غندر، وقد سلف (٥).
و(النضر) (ع) هو ابن شميل بن خرشة أبو الحسن المازني البصري الحافظ اللغوي عالم أهل مرو وقاضيها، كان أول من أظهر السنة بمرو بخراسان، ألف كتبًا لم يسبق إليها، روى عن شعبة وغيره، وعنه محمود بن غيلان وغيره. مات آخر سنة ثلاث أو أربع ومائتين، عن

---------------------
(١) انظر الحديث السابق برقم (١٥٠).
(٢) تقدمت ترجمته في حديث رقم (٦٩).
(٣) في (ج): أن.
(٤) «الأنساب» ٢/ ٣١١.
(٥) تقدمت ترجمته في حديث رقم (٣٤).



نيف وثمانين سنة (١).
و(شاذان) (ع) لقب الأسود بن عامر الشامي البغدادي أبو عبد الرحمن، روى عن شعبة وخلق. وعنه الدارمي وخلق. مات سنة ثماني ومائتين وقيل: سنة سبع (٢).
فائدة:
شاذان أيضًا لقب عبد العزيز بن عثمان بن جبلة الأزدي (٣) مولاهم المروزي، أخرج لَهُ البخاري والنسائي، وهو والد خلف بن شاذان (٤).
فائدة ثانية:
هذا الإسناد كلهم بصريون إلا شاذان فبغدادي.

--------------------
(١) سبقت ترجمته حديث رقم (٢٧).
(٢) الأسود بن عامر شاذان أبو عبد الرحمن الشامي. قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول: أسود بن عامر ثقة قلت: ثقة. وقال عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين: لا بأس به. قال أبو حاتم عن علي بن المديني: ثقة. قال محمد بن سعد: كان صالح الحديث.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٣٦، «التاريخ الكبير» ١/ ٤٤٨ (١٤٣١)، «تهذيب الكمال» ٣/ ٢٢٦ (٥٠٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ١١٢ (١٠)، «شذرات الذهب» ٢/ ٢٠.
(٣) تحرفت في الأصل إلى (الأودي)؛ يراجع «تهذيب الكمال» ١٨/ ١٧٢.
(٤) عبد العزيز بن عثمان بن جبلة بن أبي رؤاد الأزدي، أبو الفضل المروزي. ذكره أبو حاتم بن حبان في «الثقات»، وقال: مولده سنة خمس وأربعين ومائة ومات سنة إحدى وعشرين ومائتين، وقيل: سنة خمس وعشرين ومئتين وقال أبو نصر الكلاباذي: ولد في المحرم سنة ثمان وأربعين ومائة بعد عبدان بثلاث سنين، ومات في المحرم سنة تسع وعثرين ومائتين بعد عبدان بثمان سنين روى له البخاري والنسائي.
انظر: «الثقات» ٨/ ٣٩٥، «تهذيب الكمال» ١٨/ ١٧٢ (٣٤٦٣) «الكاشف» ١/ ٦٥٧ (٣٤٠٣)، «تقريب التهذيب» ص ٣٥٨ (٤١١٢).



وقوله: (تابعه النضر وشاذان، عن شعبة) يعني: على لفظ (يستنجي به) وهذِه المتابعة أخرجها (١).
و(العنزة) -بفتح العين والنون والزاي- عصا في أسلفها زج، وهل هي قصيرة أو طويلة فيه اضطراب لأهل اللغة، صحح الأول القاضي عياض (٢)، والثاني النووي في «شرحه» (٣)، وجزم القرطبي في باب: من قدم من سفر، بأنها عصا مثل نصف الرمح أو أكثر وفيها زج، ونقله عن أبي عبيد.
وفي «غريب ابن الجوزي»: أنها مثل الحربة (٤). قَالَ الثعالبي: فإن طالت شيئًا فهي النيزك ومطرد، فإذا زاد طولها وفيها سنان عريض فهي آلة وحربة.
وقال ابن التين: العنزة: أطول من العصا وأقصر من الرمح، وفيه زج كزج الرمح، وعبارة الداودي: العنزة: العكاز أو الرمح أو الحربة أو نحوها يكون في أسفلها زج أو قرن.
فائدة:
هذِه العنزة أهداها له النجاشي - رضي الله عنه -، وكان - ﷺ - يستصحبها معه ليصلي إليها في الفضاء، قيل: وليتقي بها كيد المنافقين واليهود، فإنهم كانوا يرومون قتله واغتياله بكل حالة، ومن أجل هذا اتخذ الأمراء المشي أمامهم بها.

----------------------
(١) ورد بهامش (س) تعليق ما نصه: ينظر من له حديث المتابعة، أخرج متابعة النصر النسائي ومتابعة شاذان أخرجها البخاري في الصلاة.
(٢) «مشارق الأنوار» ٢/ ٩٢.
(٣) «شرح النووي على مسلم» ٣/ ١٦٣.
(٤) «غريب الحديث» ٢/ ١٣٠.



وذكر بعض شراح «المصابيح» أن لها فوائد: دفع العدو، واتقاء السبع، ونبش الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة؛ خشية الرشاش، وتعليق الأمتعة بها، والتوكؤ عليها، والسترة بها في الصلاة، وفيها مآرب أخرى.
ويبعد أن يكون يستتر بها في قضاء الحاجة، وإن كان في تبويب البخاري ما قد يوهمه، فإن ضابط السترة ما يستر الأسافل (١).

----------------------
(١) انظر: «الإعلام بفوائد الأحكام» ١/ ٤٨٠ - ٤٨١.


١٨ - باب النَّهْيِ عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِيِن
١٥٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ الدَسْتَوَائِيُّ- عَنْ يحيى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَاَ أَتَى الخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِه». [١٥٤، ٥٦٣٠ - مسلم ٢٦٧ - فتح: ١/ ٢٥٣]
حدثنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، ثنَا هِشَامٌ -هُوَ الدَسْتَوَائِيُّ- عَنْ يَحْييَ بْنِ أَبِي كَثيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث قد ذكره بعد، وفي الأشربة أيضًا (١)، وأخرجه مسلم (٢) أيضًا وباقي الجماعة، وفي «صحيح ابن خزيمة» التصريح لإخبار ابن أبي قتادة عن أبيه، وصح اتصاله وارتفع توهم من توهم تدليس يحيى فيه (٣).
ثانيها: في التعريف برواته:
أما (أبو قتادة) فهو الحارث وقيل: النعمان وقيل: عمرو بن ربعي بن بلذمة بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلِمة -بكسر اللام- السلَمي -بفتحها، ويجوز في لغة كسرها- المدني فارس

--------------------
(١) سيأتي برقم (٥٦٣٠) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن التنفس في الإناء.
(٢) مسلم (٢٦٧) كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاستنجاء باليمين.
(٣) «سنن أبي داود» (٣)، «سنن الترمذي» (١٥)، «سنن النسائي» ١/ ٢٥، «سنن ابن ماجه» (٣١٠)، وانظر: «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٤٣ (٧٩).



رسول الله - ﷺ - شهد أحدًا والخندق وما بعدها، والمشهور أنه لم يشهد بدرًا. روي له مائة حديث وسبعون حديثًا، انفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثمانية، واتففا عَلَى أحد عشر، ومناقبه جمة، مات بالمدينة وقيل: بالكوفة سنة أربع وخمسين على أحد الأقول عن سبعين سنة، ولا نعلم في الصحابة من يكنى بهذِه الكنية سواه (١).
وأما ولده عبد الله (ع) فهو أبو إبراهيم السلمي. روى عن أبيه، وعنه يحيى وغيره. مات سنة خمس وسبعين (٢).
وأما (معاذ بن فضالة) فهو أبو زيد البصري، روى عن الثوري وغيره.
وعنه البخاري وغيره (٣). وباقي رجاله سلف التعريف به.
الوجه الثالث:
التنفس هنا خروج النفس من الفم يقال: تنفس الرجل وتنفس الصعداء، وكل ذي رئة يتنفس، (وذوات) (٤) الماء لا رئات لها كما قاله الجوهري (٥).

------------------------
(١) انظر ترجمته في: «معجم ابن قانع» ١/ ١٦٩، «الاستيعاب» ١/ ٣٥٣ (٤١٤)، «أسد الغابة» ١/ ٣٩١ (٨٧٩)، «الإصابة» ٧/ ١٥٥.
(٢) عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري السلمي أبو إبراهيم.
قال النسائي: ثقة. وقال الهيثم بن عدي: توفي بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك. انظر: «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٢ (١٣٩)، «الثقات» ٥/ ٢٠، «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ٢٨٣، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٤٤٠ (٣٤٨٧).
(٣) معاذ بن فضالة الزهراني، ويقال: الطفاوي. ويقال: القرشي. قال أبو حاتم: ثقة صدوق. وذكره ابن حبان في «الثقات»، قال أبو سعيد: توفي بعد سنة مائتين.
انظر: «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٦٦ (١٥٧٥)، «الثقات» ٩/ ١٧٧، «المنتظم» ٥/ ١٤٦، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ١٢٩ (٦٠٣٤).
(٤) كذا في الأصول، وفي «الصحاح»: (ودواب).
(٥) انظر: «الصحاح» ٣/ ٩٨٤.



و(التمسح): الاستنجاء.
الوجه الرابع: في فوائده:
وهو حديث جامع لآداب نبوية.
الفائدة الأولى: كراهة التنفس في الإناء.
ووجهه: ما فيه من تقذير الماء والإناء بخروج شيء من (الفم أو الأنف بالنفس، والماء من ألطف المشارب وأقبلها للتغير بالريح، والنفس خارجه أحسن في الأدب وأبعد عن الشره وأخف) (١) للمعدة، وإذا تنفس فيه تكاثر الماء في حلقه وأثقل معدته، وربما شرق وآذى كبده، وهو فعل البهائم. وقد قيل: إن في القلب بابين يدخل النفس من أحدهما ويخرج من الآخر (فنقَّى) (٢) ما على القلب من هم وقذى، ولذلك لو احتبس النفس ساعة هلك الآدمي، فكره التنفس في الإناء خشية أن يصحبه شيء مما (في) (٣) القلب فيقع في الماء ثمَّ يشربه فقد يتأذى به. وقيل: علة الكراهة أن كل عبة شربة مستأنفة فيستحب الذكر في أولها والحمد في آخرها (٤) فإذا وصل ولم يفصل بينهما فقد أخل بعدة سنن (٥).

----------------------
(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٢) كذا في (س) وفي (ج): فينقى.
(٣) في (ج): على.
(٤) ورد بها مش (س) تعليقًا: قوله: (فيستحب الذكر في أولها والحمد في آخرها)، روى الطبراني في «الأوسط» من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - ﷺ - كان يشرب في ثلاث دفعات له فيها ثلاث تسبيحات، وفي أواخرها ثلاث تحميدات. ورجاله ثقات.
(٥) قال ابن القيم في «زاد المعاد» ٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦: وأما النفخ في الشراب، فإنه يُكسِبه من فم النافخ رائحة كريهة يُعاف لأجلها، ولا سيما إن كان متغير الفم. وبالجملة: فأنفاس النافخ تُخالطه، ولهذا جمع رسولُ الله (بين النهي عن التنفس في الإناء =



الثانية: الإبانة هنا مطلقة وثبت في الحديث الآخر موصوفة بالتثليث.
واختلف العلماء في أي هذِه الأنفاس الثلاثة أطول عَلَى قولين: أحدهما: الأول. والثاني: أن الأولى أقصر، والثانية أزيد منها، والثالثة أزيد منها؛ ليجمع بين السنة والطب؛ لأنه إِذَا شرب قليلًا قليلًا وصل إلى جوفه من غير إزعاج، ولهذا جاء في الحديث «مصوا الماء مصًّا ولا تعُبُّوه عبًّا فإنه أهنأ وأمرأ وأبرأ» (١) (٢).

-------------------
= والنفخ فيه في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه، عن ابن عباس - رضي الله عنه -، قال:
نهى رسول الله (أن يُتنفس في الإناء أو ينفخ فيه.
فإن قيل: فما تصنعون بما في «الصحيحين» من حديث أنس، أن رسول الله (كان يتنفسُ في الإناء ثلاثا؟ قيل: نقابله بالقبول والتسليم، ولا مُعارضة بينه وبين الأول، فإن معناه أنه كان يتنفس في شربه ثلاثًا، وذكر الإناء لأنه آلة الشرب، وهذا كما جاء في الحديث الصحيح: أن إبراهيم بن رسول الله (مات في الثدي، أي: في مدة الرضاع.
(١) ورد بهامش (س) ما نصه: الذي وقفت عليه حديث: كان يمص الماء مصًّا ولا يعبه عبًّا. بلفظ الخبر عن الشارع لا أنه أمر (…) والطبراني (…) وابن منده (…) من حديثه (…) عرضًا وبه (…) من حديث (…) الشيخ من (…) اهـ.
(٢) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٥/ ١١٥ (٦٠٠٩). وابن عدي في «الكامل» ٣/ ٤٤٨. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٤٢٨): ضعيف.
قال ابن القيم في «زاد المعاد» ٤/ ٢٣٠ - ٢٣٢: وفي هذا الشرب حكم جمة، وفوائد مهمة، وقد نبه (على مجامعها بقوله: «إنه أروى وأمرأ وأبرأ» فأروى: أشد ريًا وأبلغه وأنفعه، وأبرأ: أفعل من البرء، وهو الشفاء، أي يُبرئ من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت الثانية عنه، وأيضَا فإنه أسلمُ لحرارة المعدة، وأبقى عليها من أن يهجم عليها الباردُ وهلة واحدة ونهلة واحدة.
وأيضًا فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة، ثم يُقلع عنها ولما تُكسر =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= سورتها وحدتها، وإن انكسرت لم تبطل بالكلية بخلاف كسرها على التمهل والتدريج. وأيضًا فإنه أسلم عاقبة، وآمن غائلة من تناول جميع ما يُروي دفعة واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده، وكثرة كميته، أو يُضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد وإلى أمراض رديئة، خصوصًا في سكان البلاد الحارة كالحجاز واليمن ونحوهما، أو في الأزمنة الحارة كشدة الصيف، فإن الشرب وهلة واحدة مخوف عليهم جدًا، فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن أهلها وفي تلك الأزمنة الحارة.
وقوله: «وأمرأ»: هو أفعل من مري الطعام والشراب في بدنه؛ إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع؛ ومنه: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، هنيئًا في عاقبته، مريئًا في مذاقه. وقيل: معناه أنه أسرع انحدارًا عن المريء لسهولته وخفته عليه، بخلاف الكثير، فإنه لا يسهُل على المريء انحداره.
ومن آفات الشرب وهلة واحدة أنه يُخاف منه الشرق بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه، فيغص به، فإذا تنفس رويدًا ثم شرب أمن من ذلك.
ومن فوائده: أن الشارب إذا شرب أول مرة تصاعد البخارُ الدخاني الحارُّ الذي كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه، فأخرجته الطبيعة عنها، فإذا شرب مرة واحدة، اتفق نزول الماء البارد وصعود البخار، فيتدافعان ويتعالجان، ومن ذلك يحدث الشرق والغصة، ولا يتهنأ الشارب بالماء، ولا يُمرئه ولا يتم ريه. وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقي وغيرهما عن النبى - ﷺ -: «إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصًّا، ولا يعب عبًّا، فإنه من الكباد».
والكباد -بضم الكاف وتخفيف الباء - هو وجع الكبد، وقد علم بالتجربة أن ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها، وسبب ذلك المضادة التي بين حرارتها وبين ما ورد عليها من كيفية المبرود وكميته، ولو ورد بالتدريج شيئًا فشيئًا، لم يضاد حرارتها ولم يضعفها، وهذا مثاله صب الماء البارد على القدر، وهي تفور، لا يضرها صبه قليلًا قليلًا. وقد روى الترمذي في «جامعه» عنه - ﷺ -: «لا تشربوا نفسًا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم فرغتم». =



الثالثة: لا يختص النهي المذكور بالشرب، بل الطعام مثله فيكره النفخ فيه، والتنفس في معنى النفخ (١). وفي «جامع الترمذي» مصححًا عن أبي سعيد الخدري أنه - ﷺ - نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاه أراها في الإناء؟ فقال: «أهرقها». قَالَ: فإني لا أروى من نفس واحد. قَالَ: «فأبن القدح إذًا عن فيك» (٢).
وأما حديث أنس الثابت في الصحيحين أنه - ﷺ -: كان يتنفس في الشراب ثلاثًا (٣). فمعناه: خارج الإناء، أو فعله بيانًا للجواز، أو النهي خاص بغيره؛ لأن ما يتقذر من غيره يستطاب منه.
الرابعة: جواز الشرب من نفس واحد؛ لأنه إنما نهى عن التنفس في الإناء، والذي شرب في نفس واحد لم يتنفس فيه، فلا يكون مخالفًا للنهي، وكرهه جماعة وقالوا: هو شرب الشيطان. وفي الترمذي محسنًّا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «لا تشربوا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاثًا، وسموا إِذَا أنتم شربتم، واحمدوا إِذَا أنتم رفعتم» (٤).
الخامسة: النهي عن مس الذكر باليمين، وذلك لاحترامها وصيانتها.

------------------
= وللتسمية في أول الطعام والشراب وحمد الله في آخره تأثيره عجيب في نفعه واستمرائه ودفع مضرته.
قال الإمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعًا فقد كمل: إذا ذُكر اسم الله في أوله، وحمد الله في آخره، وكثرت عليه الأيدي، وكان من حل.
(١) انظر: «المعونة» ٢/ ٥٨٣.
(٢) «سنن الترمذي» (١٨٨٧)، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (١٥٣٨).
(٣) سيأتي برقم (٥٦٣١) كتاب: الأشربة، باب: الشرب بنفسين أو ثلاث، ومسلم (٢٠٢٨) كتاب: الأشربة، باب: كراهية التنفس في نفس الإناء.
(٤) سنن الترمذي (١٨٨٥)، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٦٢٣٣).



وهذا النهي للتنزيه عند الجمهور خلافًا للظاهرية حيث حرموا مس الإنسان ذكره فقط (١).
السادسة: النهي عن الاستنجاء باليمين وخالف بعض الظاهرية فقال: لا يجزئ الاستنجاء به، وهو وجه لأصحاب الإمام أحمد، لاقتضاء النهي الفساد، وحكاه ابن بطال عن بعض الشافعية أيضًا (٢).
والذي قاله بعض الشافعية كصاحب «المهذب» وغيره التحريم فقط (٣).
وعن مالك: أنه يسيء ويجزئه. ومن العلماء من خص النهي عن مس الذكر باليمين بحالة البول آخذًا بالرواية الأخرى الآتية في تقييدها بذلك.
فرع:
إِذَا استنجى بالماء صبه بيمنه ومسح بيساره، وإذا استنجى بالحجر أمسك ذكره بيساره والحجر بيمينه وحرك اليسار ليخرج من النهيين.
فرع:
من كان في يده خاتم فيه اسم الله تعالى فلا يستنج وهو في يده؛ لأنه إِذَا نزهت اليمنى عن ذَلِكَ، فذكر الله أولى وأعظم، ورواية «العتبية» في ذَلِكَ منكرة لا يحل ذكرها.
السابعة: فضل التيامن.

--------------------
(١) «المحلى» ٢/ ٧٧.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٤٤.
(٣) انظر: «المجموع» ٢/ ١٢٦.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 11 ( الأعضاء 0 والزوار 11)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 442.56 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 436.72 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.32%)]