|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#71
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة .. من ظلمات الوهم إلى نور التوحيد
من الأوهام التي تسللت إلى بعض البيوت، واستقرت في النفوس زمنًا، اعتقادُهم أن الفتاة البكر لا ينبغي لها أن تدخل على المرأة النُفَساء حتى تنجب، وإلا أصابها ما يحول بينها وبين الحمل! وكأن الأقدار تُدفع بمثل هذه الظنون الواهية، ومنها أيضًا ما تقوم به بعض الفتيات، إذا تأخر نصيب إحداهن في الزواج، فتذهب إلى عرسٍ وتقرص العروس، ظنًا منها أن الدور سيعقب ذلك مباشرة، وأن الزواج ينتقل إليها كما تنتقل العدوى! وقد اتسعت دائرة هذه المعتقدات حتى بلغت حدًّا من الغرابة؛ فصاروا يزعمون أن هذه ستلد ولدًا وتلك لا تلد، وما تلك إلا أوهامٌ نسجها الخيال، وتوارثتها العقول دون برهان، لا تقوم على دليلٍ ولا تستند إلى حق، نعوذ بالله من ضلالها. نماذج من خرافات الجاهلية وإذا أردت أن ترى نظير هذه الأوهام، فانظر إلى ما كان قبل بعثة النبي - صلى لله عليه وسلم -، وكيف كان الناس يتعاملون مع المرأة؟ فقد استطاع كفار قريش أن يقنعوا الناس بأن الطواف بالبيت لا يكون إلا بلباسٍ خاص بأهل مكة (الحمس)، أما غيرهم فيجب أن يتعرّى ويطوف! فكان الرجال والنساء يطوفون عراةً تقربًا إلى الله - بزعمهم -. زوال هذه الأوهام ومع تعاقب السنين، أخذت هذه الأوهام تتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى بهت بريقها في العقول، وانكشف زيفها أمام نور الحق؛ فلم يعد الناس كما كانوا أسرى لتلك المعتقدات، بل أشرقت في قلوبهم معاني التوكل على الله، واليقين بأن الأمور كلها بيده -سبحانه-، لا تُدفع بخرافة ولا تُجلب بوهم. سبب التحول لقد كان لجهود العلماء ودعاة التوحيد - بعد فضل الله - أثرٌ بيّن في هذا التحول؛ إذ صدعوا بالحق، ونشروا العلم، وبيّنوا للناس فساد تلك المعتقدات، وأوضحوا حقيقة التوكل على الله، مستضيئين بقوله -تعالى-: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}؛ فكان لذلك أثرٌ عظيم ظهر في الخطب والمواعظ والمحاضرات، كما تجلّى في الرسائل النافعة التي انتشرت بين الناس، ومن ذلك رسالة (أخطاء شائعة ) للشيخ خالد الخراز - حفظه الله -، التي طُبعت ووزعت على نطاق واسع في الكويت؛ فأسهمت في نشر الخير ومحاربة تلك الأوهام، وهكذا، ما إن أشرق نور التوحيد في القلوب، حتى تهاوت أمامه الخرافات، وتبددت ظلمات الجهل، واندثرت الأوهام، ليبقى الدين نقيًّا صافياً كما أنزله الله؛ لذلك ينبغي أن تستمر الدعوة إلى الله، وأن تُحيى السنن، ويُدعى إلى التوحيد؛ حتى يقضى على الشرك وتضمحل البدع. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#72
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة .. بين خرافة الموروث وحقيقة التوحيد من أبرز الظواهر البدعية التي شاعت في مجتمعاتٍ متعدّدة، وتسلّلت إلى بيوت المسلمين وأحوالهم، ما يُعرف بـ(العين الزرقاء)؛ تلك الرمزية التي غدت عند بعضهم وسيلةً لدفع الضرر، ووقايةً من الحسد، مع ما يحيط بها من تصوّراتٍ ومعتقدات تحتاج إلى وقفةٍ صادقة، ونظرةٍ ناقدةٍ تُعيد الأمور إلى ميزان الحقّ، وتكشف حقيقة ما استقرّ في الأذهان من أوهام. مما يذكر في هذه الظاهرة أنه قد اكتُشِفَتْ منطقةُ (تلِّ براك) - وهي إحدى التلالِ الأثريّة في بلادِ الشام، في سوريا - وعُثِرَ فيها على أقدمِ تمائمِ «العين»، ويُقال إن تاريخها يرجع إلى نحو ثلاثةِ آلافٍ وثلاثِ مئةِ سنةٍ قبل الميلاد. هكذا يروي أهلُ الاكتشافاتِ والتنقيبِ عن التراثِ وبواطنِ الأرض. وبالنظر إلى هذه الرمزيّة، نجد أنّ «العين» - أو ما يُسمّى بالعين الزرقاء - قد توارثتْها ثقافاتٌ متعدّدة، وتبنّتها حضاراتٌ مختلفة؛ فقد وُجدت في الشام، كما عُرفت في مصر قبل نحو ألفٍ وخمسِمائةِ سنةٍ قبل الميلاد، فيما سُمّي بـ«عين حورس»، ثم انتقلت هذه الفكرة إلى تركيا، فيما يُعرف بـ«نظر بونجوك»، ثم سرت في أقاليم شتّى، حتى وصلت إلى عددٍ من بلاد المسلمين. وسأدعُ هذا الامتدادَ التاريخيّ جانبًا، لأقفَ عند أصلِ الفكرة: وهي الاعتقادُ بأنّ هذه «العين» تدفع الضرر، وتردّ الحسد، وتحمي صاحبها من شرّ الناظرين؛ فيُعلّقها المرء على صدره، أو في سيارته، أو في بيته، أو في أدواته، ظنًّا منه أنّها تردّ العين، وتدفع البلاء، بل ويُقال عند بعضهم: إنّها تردّ الشيطان! وهنا يبرز سؤالٌ جوهريّ: من الذي أوحى للناس بهذه الفكرة؟ إنّه الشيطان نفسُه؛ إذ يلبّس على الناس، ويوهمهم أنّهم إن فعلوا هذه الأفعال اندفع عنهم شرّه، وهو في الحقيقة يزيدهم ضلالًا، ويُؤكّد ذلك ما جاء في قصّة أبي هريرة -رضي الله عنه- مع الشيطان، حين وكّله النبي - صلى الله عليه وسلم - بحفظِ صدقةِ رمضان، فجاءه الشيطانُ يسرق، فأمسكه، فشكا إليه الفقرَ والحاجة، فتركه. ثم تكرّر ذلك مرّتين، وفي المرّة الثالثة قال له الشيطان: «ألا أعلّمك شيئًا إذا قلته حَفِظَك الله من الشيطان؟» قال: نعم. قال: «إذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آيةَ الكرسي»، فلمّا أخبر أبو هريرة- رضي الله عنه - النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «صدقك وهو كذوب». فهذا الشيطان - مع كونه كذّابًا - قد يَصدُق أحيانًا لمصلحةٍ أعظم، وهي تمرير الباطل على الناس؛ فهو لمّا رأى حرص أبي هريرة على العلم، دلّه على الحقّ. أمّا عامّة الناس، فيُضلّهم بمثل هذه الخرافات، فيقول لهم - بلسان الحال-: علّقوا «العين الزرقاء» تُدفَع عنكم الأضرار، وتُصرَف عنكم الأسقام! وقد انتشرت هذه الظاهرة في كثيرٍ من البلدان، ومنها الكويت، فكانت تُرى في البيوت، والسيارات، بل وتطوّر الأمر حتى صُنعت منها أشياء تُهان كالنِّعال!
اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#73
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة .. الصلاة بين الاجتهاد وإحياء السُنَّة
إنَّ من أعظم ما علَّمه ربُّ العالمين لنبيِّه الكريم - صلى الله عليه وسلم -: الصلاة؛ فهي صلةُ العبد بربه، وعمادُ الدين، وأولُ ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصلاة خيرُ موضوع»، ولعِظم شأنها، تولّى الله -عز وجل- بيانها لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - بيانًا كاملًا، وحدد أوقاتها وحدودها، كما أوحى إليه كيفية أدائها وهيئتها التي يحبها الله ويرضاها، ليتقرب العباد إليه على بصيرة واتباع. ثم نقل الصحابة -رضوان الله عليهم- صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - نقلًا دقيقًا أمينًا، فتلقّاها عنهم التابعون، ثم من تبعهم بإحسان، جيلاً بعد جيل، حتى بقيت هذه الشعيرة محفوظة بحفظ الله -تعالى- لهذا الدين. بداية المدارس الفقهية ومع اتساع الأمصار، وتفرّق العلماء في البلدان، ظهرت قضية تفاوت وصول الأحاديث إلى الأئمة والعلماء؛ فربما بلغ أحدَهم حديثٌ لم يبلغ غيره، وربما صحَّ عند إمامٍ ما لم يصح عند آخر، إضافةً إلى اختلاف مراتب الأحاديث بين الصحيح والحسن والضعيف، والمتصل والمنقطع، وغير ذلك من علوم الرواية والدراية التي اعتنى بها علماء الأمة عنايةً عظيمة. ومن هنا نشأت المدارس الفقهية المشهورة، فكان للإمام أبي حنيفة -رحمه الله- اجتهاده في أبواب الصلاة، وكذلك الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد -رحمهم الله جميعًا-، وكلهم قصدوا اتباع السنة وطلب الحق بحسب ما بلغهم من العلم والدليل، ثم توارث الناس هذه المدارس، وانتشرت في الأقاليم الإسلامية؛ فغلب المذهب المالكي في بعض البلاد، والشافعي في أخرى، والحنبلي في غيرها، وهكذا أصبحت الأمة تسير على هذه المذاهب الفقهية المعروفة. أهل الحديث ومنهج الدليل وفي مقابل ذلك، ظهر علماء الحديث الذين تجردوا في بحثهم عن التقليد المجرّد، لا استهانةً بالمذاهب ولا انتقاصًا لأئمتها، وإنما رغبةً في تتبع النصوص الصحيحة، والوقوف على الهيئة الأقرب إلى هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن مسائل الصلاة من الأمور التعبدية المبنية على الاتباع المحض. فكان هؤلاء العلماء يتحرّون صحة الحديث، ويدققون في أسانيده ومتونه، فإذا صحَّ الحديث عندهم اتبعوه، عملاً بقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، وهكذا سارت الأمة بين مدارس الاجتهاد الفقهي ومدارس العناية بالحديث، وكلٌّ يطلب الحق بحسب ما فتح الله عليه من العلم والفهم. الكويت واتباع السُنَّة وكانت الكويت -كغيرها من بلاد المسلمين- قد تأثرت بما تأثرت به الأمة من انتشار التمذهب الفقهي في بعض أقاليمها، حتى بدأت في العصر الحديث صحوةٌ مباركة تدعو إلى الرجوع المباشر إلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإحياء منهج الاتباع القائم على الدليل. وأصبح الناس يسمعون كثيرًا تلك الكلمة العظيمة: «إذا صحّ الحديث فهو مذهبي»، وبدأ الاهتمام يتزايد بفهم صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما وردت في الأحاديث الصحيحة، لا تعصبًا لرأيٍ أو مذهب، وإنما تعبدًا لله -تعالى- بما ثبت عن رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم -. أما أهل العلم والبصيرة، فلهم أن يبحثوا ويجتهدوا ويتحققوا من صحة الأحاديث ومراتبها، حتى يعبدوا الله على علم ويقين، كما قال عمران بن حصين - رضي الله عنه -: «قد أحسن من انتهى إلى ما علم»، أي: من عمل بما صح لديه من الدليل فقد أحسن وسلك سبيل المؤمنين، أما الجمود على ما اعتاده الناس دون التفاتٍ إلى الدليل، فليس من شأن أهل الاتباع والتسليم. ![]() كتاب غيّر واقع الصلاة وفي خضم هذه الصحوة العلمية المباركة، جاء ميلاد كتابٍ كان له أثرٌ بالغ في العالم الإسلامي، وهو كتاب صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -) للشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله-، الذي صدر عام 1981م، فكان بحق حدثًا علميًّا مؤثرًا في واقع المسلمين، ولم يكن هذا الكتاب بدعًا من كتب أهل الحديث، بل هو امتدادٌ لجهود العلماء السابقين في خدمة السُنَّة، غير إن الله -عز وجل- وفّق الشيخ الألباني لجمعٍ وتحقيقٍ وتحريرٍ قلَّ نظيره في هذا الباب، حتى أصبح القارئ يشعر -وهو يقرأ الكتاب- كأنه يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي أمامه، من التكبير إلى التسليم؛ كما وصف ذلك الإمام ابن القيم -رحمه الله- بقوله: «كأنك تراه». وقد كتب كثير من العلماء في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن هذا الكتاب تميز بدقة التحقيق، وسعة الاستدلال، وجمع الروايات، والعناية ببيان الصحيح من الضعيف، حتى شهد له بذلك كثير من الأكاديميين والباحثين وأهل الاختصاص. أثر الكتاب في إحياء السُنَّة ومن بركات هذا الكتاب المبارك أنه انتشر انتشارًا واسعًا في العالم الإسلامي، وأحدث أثرًا واضحًا في تصحيح كثير من أخطاء الصلاة، وإحياء السنن التي ضعفت أو غابت عند بعض الناس، تحقيقًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا كما رأيتموني أصلي». ومن عاش في الستينيات ثم أدرك الثمانينيات، رأى بعينه كيف تغيّرت هيئة الصلاة في كثير من المساجد، وكيف عادت روح السُنَّة تدب في صفوف المصلين، وكيف أُميتت كثير من البدع والمخالفات، وانتشرت السنن بالدليل والتعليم، حتى أصبح كثير من طلاب العلم الذين تربوا على هذا الكتاب دعاةً ومشايخ ينشرون ما تعلموه بين الناس، ويصححون لهم عبادتهم، فتوسعت دائرة الانتفاع بهذا العمل المبارك. شهادة العلماء للكتاب ومؤلفه ومن أجمل ما قيل في هذا الكتاب ما ذكره سماحة الشيخ: عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله- حين سُئل عن تقييمه لكتاب صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «هذا كتاب طيب مفيد، والشيخ ناصر الدين الألباني رجل علاّمة طيب فاضل، وله اجتهاد عظيم في إحياء السنن وبيان الصحيح من الضعيف، فهو مشكور على جهوده، جزاه الله خيرًا وضاعف مثوبته، وكل أحد قد يخطئ، وليس أحدٌ من العلماء بمعصوم». وهذه شهادةٌ عظيمة من إمامٍ كبير في حق الكتاب ومؤلفه، مع ما قد يقع بين العلماء من اختلافٍ في بعض المسائل والاجتهادات، وهو أمرٌ معروف بين أهل العلم، لا ينقص من قدرهم، ولا يقدح في إخلاصهم وفضلهم. أثر أهل السُنَّة والجماعة كما كان لدعاة أهل السُنَّة والجماعة أثرٌ ظاهر في نشر هذا العلم، وتعليم الناس صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والدعوة إلى تصحيح الصلاة على وفق السنة، فقد بذلوا جهودًا كبيرة في تدريس هذا الكتاب، ونشره بين الناس، وإحياء معاني الاتباع، وربط المسلمين بالدليل الشرعي الصحيح، وكان لذلك أثرٌ بالغ في تصحيح عبادات الناس، وتقوية صلتهم بالسنة النبوية، وإحياء روح الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أدق تفاصيل العبادة وأجلِّها. الصلاة أعظم ما يُعتنى به بعد التوحيد وختامًا، فإن الصلاة هي أعظم ما يُقدَّم للناس بعد توحيد الله -عز وجل-؛ فهي عماد الدين، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، وما أحوج الأمة اليوم إلى العناية بالصلاة علمًا وعملاً وخشوعًا واتباعًا، وأن تُؤدَّى كما صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم -، بعيدًا عن الغفلة والتقصير والبدع، حتى تتحقق فيها معاني العبودية الكاملة لله رب العالمين. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#74
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة.. من آثار دعاة التوحيد: إحياء سُنّة السلام
جلستُ يومًا إلى رجلٍ جاوز الثمانين من عمره، بعد حديثٍ دار بيننا حول سلسلة الإنجازات والآثار المباركة التي تحققت على أيدي دعاة التوحيد، فإذا به يفاجئني بكلمةٍ تستحق أن تُكتب بماء الذهب، فقال: «أضف هذه إلى ما تذكره من إنجازاتهم؛ فأنا ممن عاصر تلك المرحلة، وأعرف يقينًا من خلال ما سمعته من جدي، وما شهدته مجالس الدواوين قديمًا، أن هناك أمرًا لم يكن شائعًا في المجتمع كما هو اليوم، ثم أحياه الله -تعالى- على أيدي دعاة التوحيد»؛ قلت له: وما هو؟ قال: «السّلام عند دخول المجالس، والسلام عند الخروج منها». وأوضح الرجل أن الداخل إلى المجلس في الأزمنة الماضية لم يكن يحرص دائمًا على افتتاح مجلسه بالسلام الشرعي، بل كانت تتنوع التحيات والعبارات، وربما دخل بعض الناس دون تحية أصلًا، حتى قيّض الله دعاة التوحيد الذين أعادوا للناس هذه السنة العظيمة، فنشروها بين الخاصة والعامة، وربطوا الناس بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب. ومع مرور الزمن أصبح السّلام شعارًا ظاهرًا في المجتمع، حتى إن كثيرًا ممن لا يُعرفون بالالتزام الديني صاروا يبدؤون لقاءاتهم بقولهم: «السلام عليكم»، تأثرًا بما استقر في المجتمع من هذه السنة المباركة. ويقول الرجل: «إنك اليوم ترى أصحاب الاتجاهات الفكرية المختلفة، من علمانيين وليبراليين وغيرهم، يدخلون المجالس بالسّلام؛ وهذا من آثار انتشار هذه السّنة التي أسهم دعاة التوحيد في إحيائها وترسيخها». سُنّة أخرى أعيد إحياؤها ثم أضاف: «أما السُّنة الثانية التي جاءت متأخرة في الانتشار فهي السلام عند الانصراف من المجلس»، فكما اعتاد الناس أن يسلّموا عند الدخول، أصبح كثير منهم يسلّمون عند المغادرة أيضًا، امتثالًا لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، بعد أن كانت هذه السنة تكاد تغيب عن واقع الناس. وقد كان لدعاة التوحيد دورٌ بارز في نشر هذا المعنى، من خلال دروسهم ومحاضراتهم ومؤلفاتهم التي تناولت فضائل السلام وأحكامه وآدابه، حتى صار الناس يسمعون الحديث عنها في مجالس العلم، ويقرؤونها في الكتب والرسائل. جهود علمية في نشر أحكام السلام ومن الكتب التي عُنيت بهذا الباب كتاب «عقد الزبرجد في تحية أمة محمد»، ويُعد من أوائل الكتب التي جمعت أحكام السلام وآدابه وفضائله بطريقة شاملة ومنهجية واضحة، وقد لقي رواجًا واسعًا في زمانه، ثم تبعته مؤلفات أخرى أكملت الطريق، وخدمت هذا الباب خدمة جليلة. من التحّيات الدّخيلة إلى التحية الشرعية لقد علّم النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته السّلام قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، غير أن السنن قد تضعف في بعض الأزمنة، ويثقل تطبيقها على بعض الناس، فتظهر بدائل وعادات جديدة تحاول أن تحلّ محلها. ولهذا انتشرت في فتراتٍ من الزمن عبارات مثل: «مرحبًا»، و«صباح الخير»، و«مساء الخير»، حتى أصبح بعض المعلمين يدخلون الفصول الدراسية فيستقبلون الطلاب بهذه العبارات دون أن يبدؤوا بالسلام الشرعي؛ لكن بفضل الله -تعالى-، ثم بجهود العلماء والدعاة والمربين، عاد السلام ليكون التحية الأبرز في المدارس والتجمعات والمنتديات والنوادي وسائر المناسبات، حتى نشأ جيلٌ كامل يعرف فضل السلام وعظم شأنه، ويستشعر ما يحمله من معاني الإيمان والألفة والمحبة. ![]() السلام اسم من أسماء الله والسلام ليس مجرد كلمة تُقال، بل هو عبادة وشعيرة ومعنى إيماني عظيم؛ فهو مرتبط باسم الله -سبحانه- السلام. وقد جاء في الحديث: «إن الله هو السّلام»، والسّلام يتضمن الدعاء بالسلامة والأمان والحفظ والرعاية، فكأن المسلم حين يقول لأخيه: «السلام عليكم» يدعو له أن يناله من الله الأمن والوقاية والهداية والكفاية، وما أعظمها من تحية تجمع بين الذكر والدعاء والمحبة والأخوة! هدي نبوي مهجور عاد للحياة وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى استحباب السلام عند الدخول والخروج من المجلس فقال: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلِّم؛ فإن بدا له أن يجلس فليجلس، فإذا أراد أن يقوم فليسلِّم، فليست الأولى بأحق من الآخرة». رواه الترمذي وصححه أهل العلم. ذلك توجيه نبوي كريم ظل قائمًا في نصوص الشريعة، لكنه ضعف في بعض البيئات والأزمنة، حتى أعاد الله إحياءه على أيدي المصلحين والدعاة. بصمة مُباركة إن المتأمل في واقع الناس اليوم يدرك حجم هذا التغيير؛ فكم نسمع السلام يتردد في الأسواق، والمدارس، والدوائر الحكومية، والمجالس العامة، وعلى ألسنة الصغار والكبار، بل وحتى ممن لا يُعرفون بالتدين الظاهر! إنها سُنة نبوية عادت إلى الحياة، وبصمة مباركة تركها دعاة التوحيد في المجتمع، فأحيوا بها شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وأسهموا في نشر معاني الألفة والمحبة والأمان بين الناس، فجزى الله كل من دعا إلى هذه السنة، وعلّمها، ونشرها، وأحياها في نفوس المسلمين. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#75
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة.. الأصل في العبادات التوقيف
ما زلنا نتحدث عن انتصارات دعاة التوحيد في بيان قضايا العقيدة والعبادة والمعاملة وفق ما دلَّ عليه كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بفهم السلف الصالح، وهذه الأصول الثلاثة: الكتاب، والسُنّة، وفهم السلف الصالح، هي الأساس الذي يقوم عليه منهج أهل السُنّة والجماعة، أهل الحديث، أما كثير من الفرق الأخرى فإنها قد تعتني بالكتاب والسُنّة، لكنها لا تعطي لفهم السلف الصالح منزلته اللائقة، ومنهم من يعتمد على الأحاديث الضعيفة، ومنهم من يقتصر على القرآن الكريم ويعرض عن السنة، كالقرآنيين وأصحاب المدرسة العقلية. الأصل في العبادات التوقيف من القواعد العظيمة عند أهل السنة أن الأصل في العبادات التوقيف؛ أي إنه لا يجوز للعبد أن يتقرب إلى الله -تعالى- بعبادة إلا بدليل شرعي صحيح يدل على مشروعيتها. فالعبادات أمور غيبية لا تُعرف بالعقول والآراء، وإنما تُعرف بالوحي. والله -سبحانه- بيَّن ما يحبه ويرضاه لعباده عن طريق القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم نقل الصحابة -رضي الله عنهم- ذلك إلى الأمة؛ ولذلك فإن أي عبادة لا يدل عليها نص صحيح بفهم السلف الصالح لا يجوز إحداثها أو التقرب بها إلى الله -تعالى-؛ لأنها تدخل في دائرة البدع المحدثة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كل بدعة ضلالة». من البدع المحدثة ومن المسائل التي انتشرت في بعض البلاد خلال فترات سابقة: قيام بعض الناس لصلاة ركعتين بعد الأذان الأول للجمعة، بل وربما بعد الأذان الثاني، أو أثناء جلوس الإمام بين الخطبتين. وقد كان بعض المصلين يأتي مبكرًا إلى المسجد، فيصلي تحية المسجد وما شاء الله له من النوافل، ثم إذا أُذِّن الأذان الأول قام يصلي ركعتين مخصوصتين لذلك الأذان، ثم يعيد الأمر بعد الأذان الثاني، وربما أثناء الخطبة، مع عدم وجود دليل شرعي يثبت هذه الصلاة المخصوصة. هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أكمل الهدي لقد تركنا النبي - صلى الله عليه وسلم - على المحجة البيضاء، فقال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»، وقال أيضًا: «ما من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد دللتكم عليه». والصلاة من أعظم القربات إلى الله -تعالى-، وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنواعها وأوقاتها وأعدادها، فشرع السنن الرواتب، وصلاة الضحى، وقيام الليل، والنوافل المطلقة. ومع ذلك لم يُنقل عنه - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه أنهم خصصوا ركعتين بعد أذان الجمعة. كما إن الأذان الأول للجمعة لم يكن موجودًا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما أمر به الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - لتنبيه الناس واستعدادهم للصلاة بسبب اتساع المدينة وكثرة أهلها، ولم يشرع معه صلاة مخصوصة. جهود دعاة التوحيد في إحياء السُنّة ومن فضل الله -تعالى- أن هذه الظاهرة قد انحسرت كثيرًا في زماننا، واختفت بنسبة كبيرة، وكان لدعاة التوحيد والدعوة السلفية دور بارز في ذلك من خلال نشر السنة وبيان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - والتحذير من البدع بالحكمة والموعظة الحسنة. فقد بذلوا جهودًا كبيرة في تعليم الناس السنن الصحيحة، وتصحيح المفاهيم الخطأ، وإحياء ما اندرس من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى أصبح كثير من المصلين يعرفون هذه المسائل ويحرصون على موافقة السنة فيها. الدعوة إلى السنة بالحكمة والموعظة الحسنة ومن الوسائل النافعة في محاربة البدع بيان الحق للناس بلطف وأدب. وأذكر أني كنت في مسجد سعد بن أبي وقاص، فلما انتهى الأذان قام أحد المصلين ليصلي، فنصحته بلطف وقلت له: «لو سمحت اجلس، فليس هناك سنة مخصوصة بعد هذا الأذان». ومثل هذه المواقف الهادئة أمام الناس تترك أثرًا كبيرًا في نشر السنة وإماتة البدعة؛ لأن عامة المسلمين يعظمون سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحرصون على اتباعها متى تبين لهم الدليل، وما على الدعاة إلا البلاغ بالحكمة والرفق وحسن البيان. محبة الصحابة -رضي الله عنهم- من أصول عقيدة أهل السُنَّة والجماعة محبة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والترضي عنهم، وذكرهم بالخير والثناء، والكف عما شجر بينهم من خلافات، اعتقادًا بأنهم خير هذه الأمة بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم -، وقد دلَّ على ذلك القرآن الكريم والسُنَّة النبوية، قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، فأمر الله المؤمنين بالدعاء للصحابة وسلامة الصدور تجاههم، وجعل ذلك من صفات أهل الإيمان، كما جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - محبة الأنصار علامة على صدق الإيمان، فقال: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق»، وقال: «آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار»، وهذا الحكم لا يختص بالأنصار وحدهم، بل يشمل سائر الصحابة؛ لما لهم من فضل السبق إلى الإسلام، والهجرة والجهاد، ونصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبذل الأموال والأنفس في سبيل إعلاء كلمة الله، وقد أجمع علماء أهل السُنَّة على وجوب محبتهم والترضي عنهم، ونشر فضائلهم ومحاسنهم، والاقتداء بهديهم، فهم الذين نقلوا إلينا القرآن الكريم والسُنَّة النبوية، وحملوا أمانة هذا الدين إلى من بعدهم؛ فكانوا خير القرون بشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن تمام محبتهم الإمساك عما وقع بينهم من اجتهادات وخلافات، واعتقاد أنهم مجتهدون مأجورون، مع حفظ ألسنتنا وقلوبنا من الوقوع في أحد منهم؛ ولهذا كان حب الصحابة من الإيمان، وبغضهم أو الانتقاص منهم من علامات الانحراف عن منهج أهل السُنَّة والجماعة، فنسأل الله -تعالى- أن يملأ قلوبنا بمحبتهم، وأن يحشرنا في زمرتهم، وأن يرضى عنهم أجمعين. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#76
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة – الحجاب.. هويةٌ راسخة وصراعٌ متجدد
إذا رجعنا إلى التاريخ قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وجدنا أن كثيرًا من المجتمعات كانت تعيش أنواعا من الانحلال في شأن ستر المرأة وعفافها، تدرج فيه الشيطان مع بني آدم؛ إذ لم يدعهم إلى الانحراف دفعة واحدة، وإنما سار بهم خطوةً بعد خطوة، حتى هان عليهم ترك الحياء، ومن ثم فرطوا في الحجاب، ثم أظهروا الزينة والسفور. فلما أشرق نور الإسلام أعاد للمرأة كرامتها، وصان عفافها، وأنزل الله -تعالى- آية الحجاب، فقال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الأحزاب: 59)، فكان الحجاب تشريعًا ربانيًا يحفظ المرأة، ويصون المجتمع، ويجعل العفة عنوانًا للهوية الإسلامية. الكويت مجتمعٌ عُرف بالستر وتُعد الكويت مثالًا واضحًا للمجتمعات الخليجية التي اشتهرت بالاحتشام والمحافظة، فستر المرأة جزءٌ أصيلٌ من حياة المجتمع، فقد كانت المرأة الكويتية تعرف بلباسها المحتشم، ومن أشهره (البوشية) والعباءة، وهما من المظاهر الاجتماعية التي جسدت قيمة الحياء والستر في المجتمع الكويتي. ومع بدايات الانفتاح على العالم، بدأت بعض المؤثرات الفكرية والثقافية الوافدة تجد طريقها إلى المجتمع، كما أسهمت بعض وسائل الإعلام منذ خمسينيات القرن الماضي في إثارة قضايا تتعلق بالحجاب وما سُمِّي آنذاك بالحريات الشخصية، متأثرةً بالأفكار الوافدة من بعض البلدان العربية التي كانت قد تأثرت بالتيارات التغريبية. دعوات السفور ومقاومة الهوية ومع مرور الوقت ظهرت دعوات تدعو إلى التخلي عن البوشية والعباءة، وبرزت بعض الأصوات المطالبة بتغيير أنماط اللباس، كما نشأت المنتديات نسائية تبنت عددًا من الأفكار المتأثرة بالاتجاهات الغربية، وتزامن ذلك مع حملات إعلامية وثقافية استهدفت إعادة تشكيل الهوية الاجتماعية، وقد انعكس أثر هذه الدعوات في سبعينيات القرن الماضي، حتى أصبح الحجاب في بعض البيئات الجامعية أقل انتشارًا مما كان عليه في السابق، وهو ما أثار قلق العلماء والدعاة وعموم الغيورين على هوية المجتمع. جهود العلماء والدعاة وفي مقابل هذه الموجة التغريبية، نهض العلماء والدعاة بواجبهم في البيان والدعوة، فبدأت جهود الدعوة إلى الحجاب منذ أواخر الخمسينيات، وطُبعت مؤلفات تُبين حكم الحجاب وأدلته الشرعية، وإن كان انتشارها في بداياتها محدودًا. ثم تعاظمت هذه الجهود في السبعينيات، ولا سيما من خلال الصحافة والإعلام؛ حيث برز عدد من الدعاة الذين تصدوا للشبهات المثارة حول الحجاب، ومنهم الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله-، الذي أسهم في نشر الأدلة الشرعية، وبيان مكانة الحجاب، والتنبيه إلى أن ظاهرة السفور ليست من أصالة المجتمع الكويتي ولا من أعرافه، وإنما هي ثقافة وافدة، وأن المحافظة على الحجاب هي محافظة على الدين والهوية والقيم. واستطاعت هذه الجهود العلمية والدعوية -بفضل الله -تعالى- أن تواجه المد العلماني والاشتراكي وسائر التيارات المخالفة للشريعة، حتى عاد الحجاب بقوة إلى المجتمع الكويتي في ثمانينيات القرن الماضي، وأصبح مظهرًا بارزًا من مظاهر الالتزام والاعتزاز بالدين. ![]() مسؤولية الحاضر واستمرار الرسالة واليوم، ونحن نعيش موجة جديدة من الدعوات التي تستهدف قيم العفة والاحتشام بوسائل إعلامية وثقافية أكثر تأثيرًا وانتشارًا، فإن الواجب يقتضي ألا نغفل عن دروس التاريخ؛ وأهمية مواصلة الجهود الدعوية والتربوية والإعلامية في ترسيخ قيمة الحجاب، وتعزيز هوية بناتنا ونسائنا، وربط الأجيال بأحكام الشريعة ومحاسنها، مع تقديم القدوة الحسنة والخطاب الحكيم الذي يجمع بين العلم والرحمة والإقناع. عبادة يُتقرب بها إلى الله -تعالى- فالحجاب ليس مجرد مظهر أو عادة اجتماعية، بل هو عبادة يتقرب بها إلى الله -تعالى-، وهو عنوان للعفة والحياء، وسياج يحفظ الأسرة والمجتمع، ويحمي الهوية الإسلامية من الذوبان في موجات التغريب. وإذا حافظ المجتمع على قيمه وثوابته بقي متماسكًا قويًّا، معتزًا بدينه، مستمسكًا بشريعته، سائرًا على هدي ربه، {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}، والحمد لله رب العالمين. فضائل الحجاب
اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#77
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة – الاعتكاف .. من سُنَّةٍ مهجورة إلى شعيرةٍ ظاهرة
الاعتكاف عبادةٌ ضاربةٌ في عمق التاريخ، فإذا أردنا أن نتحدث عن الاعتكاف، فلا ينبغي أن نبدأ من واقعنا المعاصر؛ بل نرجع إلى جذوره الأولى، إلى ما يزيد على ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة، حين قال الله -تعالى مخاطبًا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام-: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (البقرة: 125)؛ فقد أوحى الله إلى إبراهيم وإسماعيل أن يطهّرا البيت الحرام، والطهارة هنا تشمل أمرين عظيمين: تطهيره من الشرك والكفر والوثنية، وتطهيره من النجاسات والأقذار. ثم بيّن -سبحانه- أن هذا البيت المبارك قد أُعِدَّ لعبادات مخصوصة، منها: الطواف والاعتكاف والصلاة، ما يدل على عظم شأن الاعتكاف، وأنه عبادة قديمة عرفتها الشرائع السابقة، وأكدها الله في زمن إبراهيم -عليه السلام- عند بناء الكعبة. الاعتكاف في شريعة الإسلام وجاء الإسلام ليجدد هذه السُنَّة ويبين أحكامها بيانًا كاملًا، فقال -تعالى- في آيات الصيام: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (البقرة: 18)، ثم جاءت السنة النبوية التطبيق العملي لهذه العبادة، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، واعتكف أصحابه، ثم اعتكفت أمهات المؤمنين من بعده، فأصبح الاعتكاف سنةً ثابتةً متوارثة بين المسلمين، إلا أن هذه السنة، كغيرها من السنن، أصابها في بعض الأزمنة شيء من الضعف والغربة. الاعتكاف في الكويت ولو انتقلنا من عهد إبراهيم -عليه السلام- إلى واقع الكويت قبل عقود، لوجدنا صورة مختلفة؛ فقد سألنا عددًا من كبار السن عن الاعتكاف في مساجد الكويت القديمة، كمساجد شرق والمرقاب وجبلة، فلم يكن لدى كثير منهم تصور واضح عن هذه العبادة، ولم تكن ظاهرة الاعتكاف معروفة بين عامة الناس. ويرجع ذلك إلى طبيعة الحياة آنذاك؛ إذ كان الناس منشغلين بطلب الرزق، ويعانون شظف العيش وقلة ذات اليد، فلم يكن يعتكف غالبًا إلا إمام المسجد أو مؤذنه أو من تفرغ للعبادة، أما عامة الناس فلم يكن الاعتكاف منتشرًا بينهم. إحياء السنة في أواخر السبعينيات ومع أواخر السبعينيات بدأت هذه السُنَّة المباركة تعود إلى الحياة شيئًا فشيئًا، وقد ذكر الشيخ ناظم سلطان المسباح -حفظه الله-، أن كثيرًا من السُنَن التي أظهرها السلفيون في الكويت كان للشيخ عبدالله السبت -رحمه الله- فضل كبير في الدعوة إليها ودعمها، وكان الاعتكاف من أبرز تلك السنن، ويقول الشيخ: إنه لا يملك تاريخًا محددًا لبداية الاعتكاف، إلا أنه كان في أواخر السبعينيات محدودًا جدا، وكان الناس يستغربون من يعتكف، ويتساءلون في دهشة: كيف يترك الإنسان بيته وأهله ليقيم في المسجد عشرة أيام كاملة؟ ذكريات البدايات والصعوبات ومن الذكريات التي تُروى في هذا الباب، أن أول اعتكاف كان عام 1981م مع شباب الفيحاء في مسجد الخالدية، الذي كان الشيخ عبدالله السبت يلقي فيه دروسه، ثم انتقل المعتكفون بعد ذلك إلى مسجد المشاري الذي كانت تقام فيه دروس الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق -رحمه الله-، وفي تلك الفترة لم يكن الاعتكاف أمرًا مألوفًا، بل كان يواجه بالاستنكار والاعتراض، ففي بعض المساجد، ومنها مسجد الإمام أحمد بن حنبل، كان بعض الناس ينكر على الشباب اعتكافهم، ويقولون: لماذا تنامون في المسجد؟ ولماذا توسخونه؟ بل إن بعض المساجد كانت تمنع الاعتكاف تمامًا، ولا تسمح به إلا في نطاق ضيق جدا. مشروع ترعاه الدولة لكن هذه الصعوبات لم تمنع المخلصين من مواصلة إحياء هذه السنة، ومع مرور السنوات، انتشر الاعتكاف في مساجد الكويت، حتى تحول من مبادرة شبابية محدودة إلى شعيرة معروفة، ثم أصبح يحظى بتنظيم رسمي من الجهات المختصة؛ فأصبحت المساجد المخصصة للاعتكاف تُعلن رسميا، وتوضع لها الجداول والتنظيمات، وهكذا انتقل الاعتكاف من سنة تؤدى على استحياء إلى عبادة ظاهرة يشارك فيها الشباب وعامة الناس، في صورة مشرقة تعكس إحياء سنة من سنن النبي - صلى الله عليه وسلم -. الجهود العلمية في خدمة الاعتكاف ولم يقتصر إحياء الاعتكاف على الجانب العملي، بل صاحبه جهد علمي مبارك، فكان من أوائل من كتب في أحكام الاعتكاف الإمام محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- ضمن رسالته قيام رمضان، ثم أفرد الشيخ حاي الحاي -حفظه الله- رسالة مستقلة في الاعتكاف عام 1988م، قبل الغزو العراقي للكويت، فأسهمت في نشر فقه الاعتكاف وتعريف الناس بأحكامه وآدابه. ثمرة الصبر وإحياء السنن إن ما نراه اليوم من انتشار الاعتكاف في مساجد الكويت، وما يصاحبه من تنظيم رسمي وإقبال واسع، هو ثمرة سنوات من الدعوة والصبر والاحتساب، فأولئك الذين تحملوا استغراب الناس، وصبروا على الأذى، وأحيوا هذه السنة بعدما كادت تندثر، يدخلون -بإذن الله- في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، وما أجمل أن يرى الإنسان ثمرة عمله بعد سنوات، حين تتحول السنة المهجورة إلى شعيرة ظاهرة، يؤديها الآلاف في بيوت الله، على الهدي الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! نموذج عملي لإحياء السُنَن إن قصة الاعتكاف في الكويت تمثل نموذجًا عمليًا لكيفية إحياء السنن؛ إذ انتقلت من عبادة شبه مجهولة عند عامة الناس إلى شعيرة ظاهرة ترعاها الدولة ويشارك فيها الآلاف، بفضل الله ثم بجهود العلماء والدعاة الذين صبروا حتى عادت السنة إلى مكانتها في المجتمع. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#78
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة.. عودة الذكر إلى هدي النبوة
جاء الإسلام لتعبيد الناس لرب العالمين وفق مراد الله -تعالى- وهدي نبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ قال الله -تعالى- مخاطبًا نبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} (الشورى: 52)، قد كان الناس قبل الإسلام يعيشون في ظلمات الجهل، ومن أعظم مظاهر ذلك الجهل ما يتعلق بالعقائد والعبادات؛ إذ لا يجوز لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه -سبحانه-، فلا تُفتح أبواب العبادات بالرأي أو الذوق أو العاطفة، وإنما بالدليل من الكتاب والسنة. ولهذا كانت مهمة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعلِّم الناس كيف يعبدون ربهم، فبيَّن لهم كل ما يحبه الله ويرضاه، ولم يترك بابًا من أبواب الخير إلا دل الأمة عليه، ومن ذلك باب الذكر، فقد قال -سبحانه-: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الأحزاب: 35)، وبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الذكر منه المطلق، ومنه المقيد، فهناك أذكار الصلاة، وأذكار ما بعد الصلاة، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار الأحوال والمناسبات، وكلها جاءت بكيفيات وهيئات وأوقات محددة، فلا يزاد فيها ولا ينقص منها. وقد مات النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما ترك أمته على المحجة البيضاء، كما قال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك». عبدالله بن مسعود- رضي الله عنه- والذكر الجماعي ولننتقل الآن إلى ما بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحو أربعٍ وعشرين سنة، فقد خرج عبدالله بن مسعود - رضي لله عنه - يومًا من بيته بالكوفة، فوجد أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - ينتظره، فقال له: «إني رأيت في المسجد أمرًا أنكرته، ولم أرَ إلا خيرًا»، فلما دخلا المسجد، وجدا حِلقًا يجلس فيها الناس، وعلى رأس كل حلقة رجل يقول لهم: سبحوا الله مائة، احمدوا الله مائة، كبِّروا الله مائة، فيُردِّد الجميع الذكر بصوت واحد وبكيفية جماعية؛ فلما رأى ابن مسعود - رضي الله عنه - ذلك، قال لهم: «عدُّوا سيئاتكم، فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء». فقالوا: «والله يا أبا عبدالرحمن، ما أردنا إلا الخير»، فقال كلمته العظيمة التي أصبحت قاعدة في باب الاتباع: «وكم من مريدٍ للخير لن يصيبه!»، ثم قال: «أأنتم أهدى من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -؟!»، وبيَّن لهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلِّمهم هذه الهيئة، مع أنهم شاهدوه يذكر الله، وعرفوا ألفاظ الذكر وكيفيته وهيئته وأوقاته، ثم ختم نصيحته بقوله: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم». العبادة لا تكون مقبولة إلا بالاتباع قد تبدو بعض الأعمال في ظاهرها خيرًا، لكن العبرة ليست بحسن المقصد وحده، وإنما بموافقة السنة، فلو كانت هذه الكيفية في الذكر مما يحبه الله، لشرعها -سبحانه-، ولو شرعها الله لبيَّنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو بيَّنها النبي - صلى الله عليه وسلم - لنقلها الصحابة -رضوان الله عليهم- للأمة، وهذه هي السلسلة الذهبية في تلقي الدين: الله -سبحانه- يشرع، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبلِّغ، والصحابة ينقلون، ثم تتلقاها الأمة بالقبول، فما جاء بعد ذلك فهو إما اتباعٌ للسنة، وإما ابتداعٌ في الدين. النهاية الخطيرة ولم يكن إنكار ابن مسعود - رضي الله عنه - مجرد اعتراض على طريقة من طرائق الذكر، بل كان نظره إلى مآلات الأمور، ولهذا قال الراوي عن أولئك القوم بعد سنوات: «رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج». فتأملوا! بدأ الأمر بحلقة ذكر مبتدعة، ثم انتهى بأصحابها إلى الخروج على جماعة المسلمين. ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في وصف الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، ثم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». فكثرة العبادة وحدها لا تكفي إذا لم تكن مبنية على السنة. ![]() كيف انتشرت هذه البدع؟ قام عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - بواجبه، فأنكر البدعة وأقام الحجة، فانفضَّت تلك المجالس. لكن الشيطان لا يمل من إحياء البدع، فما إن تمضي سنوات حتى يعيد بثها في أماكن أخرى. وكان موسم الحج من أبرز المواطن التي تنتقل فيها بعض الممارسات المخالفة؛ إذ يجتمع المسلمون من بلدان متعددة، فيرى بعض العامة أعمالًا لا أصل لها، فيظنونها من الدين، ثم يعود كل واحد إلى بلده ناشرًا ما رآه، وهكذا انتقلت كثير من البدع إلى أقطار مختلفة، ولا سيما مع ضعف العلم وقلة من يبين السنة. إحياء السنة في الكويت وصلت بعض تلك المظاهر إلى الكويت في عقودٍ سابقة، فكان الذكر الجماعي يُرى في بعض المساجد، ولا سيما في المناطق الساحلية حتى أوائل السبعينيات، وتأثر بذلك بعض الأئمة الذين حملوا معهم ما اعتادوه في بلدانهم. ثم جاءت الدعوة العلمية المباركة، وانتشر تعليم العقيدة والسنة؛ فعرف الناس أن للذكر ضوابط شرعية في ألفاظه، وكيفياته، وأوقاته، وهيئاته، وأن العبادة توقيفية لا مجال للرأي فيها. وفي بدايات الأمر وقعت بعض المناقشات والمواقف بين الشباب الحريصين على السنة وبعض الأئمة، لكن الدعوة استمرت بالحكمة والتعليم والصبر، حتى ظهرت ثمارها. وبحلول منتصف الثمانينيات، وبعد سنوات من الدعوة المتواصلة إلى الكتاب والسنة، اختفت هذه المظاهر من غالب مساجد الكويت، ولم يبق منها إلا ما يقتصر على بعض التجمعات الخاصة لبعض الطرق الصوفية، أما المساجد فقد عادت -بفضل الله- إلى هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب. ولا شك أن هذا من نعم الله على البلاد، ثم من ثمار جهود العلماء والدعاة الذين جعلوا شعارهم: قال الله، وقال رسوله - صلى الله عليه وسلم -. الطريق إلى القضاء على البدع إن القضاء على البدع لا يكون بالشعارات، ولا بالصمت، ولا بالمجاملة، وإنما يتحقق بثلاثة أمور: العلم الشرعي الصحيح، والعمل بالسنة، والدعوة إليها بالحكمة والصبر. أما إذا سكت أهل العلم، وتقاعس الدعاة، وقال كل واحد: «ليس هذا من شأني»، فإن البدع لا تلبث أن تعود للظهور والانتشار، ولهذا قال أهل العلم: إذا أُحييت السنة ماتت البدعة، وإذا أميتت السنة عاشت البدعة. إن أعظم ما تحتاجه الأمة في كل زمان هو إحياء سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وربط الناس بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة؛ فكلما ازداد العلم الصحيح، انحسر الجهل، وضعفت البدع، وقويت معالم الهداية. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#79
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة .. جهود دعاة السُنّة في تصحيح ما أُلحق بالأذان من بدع
لم تقتصر مهمة الدعاة والعلماء عبر التاريخ على إلقاء الدروس وإلقاء الخطب، بل كان من أعظم واجباتهم تصحيح المفاهيم، وتنقية السنة مما علق بها من زيادات أو ممارسات لا تثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد أثمرت هذه الجهود المباركة في واقع الناس، حتى تغيرت بعض المظاهر التي ظلت متداولة سنوات طويلة، ثم اندثرت عندما ظهر الدليل، وانتشرت السنة، وقام أهل العلم بواجب البيان. ومن النماذج الواضحة على ذلك ما يتعلق ببعض الأمور التي ارتبطت بالأذان، سواء ما كان متصلاً بالأذان نفسه، أو ما أُلحق به من ممارسات اعتادها الناس حتى ظنها كثير منهم من شعائر الدين. أولاً: تصحيح الدعاء بعد الأذان من السنن الثابتة أن المسلم يجيب المؤذن، ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يقول الدعاء الوارد في الحديث الصحيح: «اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته». وقد وردت في بعض الروايات زيادة: «إنك لا تخلف الميعاد»، وهي زيادة حكم عليها كبار المحدثين بالشذوذ والضعف، وبيّنوا أنها لا تثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن أبرز من ناقش هذه المسألة الإمام الألباني -رحمه الله- في سلسلة الأحاديث الصحيحة؛ حيث قرر أن هذه الزيادة غير محفوظة، وأن المشروع الاقتصار على اللفظ الثابت في الصحيح. ومع ذلك، ظلت هذه الزيادة تُتلى سنوات طويلة عبر الإذاعة والتلفزيون، حتى اعتادها الناس، وظن كثير منهم أنها جزء من الدعاء المأثور. جهود علمية وإعلامية مثمرة لم يكتف دعاة السنة ببيان الحكم في مجالسهم الخاصة، بل سلكوا مسارات عدة متكاملة لإزالة هذه الزيادة من الواقع، فكان المسار العلمي من خلال الدروس والمحاضرات، وبيان الحكم الشرعي بين طلاب العلم والشباب، والإشارة إلى هذه المسألة في الرسائل العلمية والكتيبات الدعوية، حتى أصبح كثير من الناس على علم بضعف هذه الزيادة. ثم جاء المسار الإعلامي؛ حيث كتب الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله- مقالات تناول فيها هذه القضية، وانتقد استمرار بث الزيادة عبر وسائل الإعلام، مؤكدًا أن الواجب الالتزام بالألفاظ الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. أما المسار الرسمي، فتمثل في مخاطبة الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة الإعلام ووزارة الأوقاف، وبيان أن هذه الزيادة لا تصح نسبتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن استمرار إذاعتها يخالف ما ثبت في السنة. وقد أثمرت هذه الجهود بفضل الله، فأزيلت هذه الزيادة من البث الرسمي، وأصبح الدعاء الذي يُذاع بعد الأذان موافقًا للفظ الصحيح الوارد في السنة، وهو ما لا يزال معمولًا به إلى اليوم. ![]() ثانيا: التواشيح الدينية ومن المظاهر الأخرى التي ارتبطت بالأذان قديمًا ما كان يُعرف بـ(التواشيح الدينية)، وهي الأناشيد والمدائح التي كانت تُبث قبل الأذان أو بعده، ولا سيما قبل أذان المغرب؛ حيث كانت تمتد أحيانًا لدقائق. وقد اشتملت بعض هذه التواشيح على عبارات من الغلو في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أوصاف وثناء لم ترد في الكتاب والسنة، كما كانت تمثل أحد المظاهر المرتبطة بالطرق الصوفية التي انتشرت في عدد من بلاد المسلمين، حتى أصبحت جزءًا ثابتًا من البث الإذاعي والتلفزيوني. مواجهة علمية هادئة وقف دعاة السنة من هذه الظاهرة موقف البيان والنصح، فبينوا أن العبادات والشعائر مبناها على التوقيف، وأن ما لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز جعله من شعائر الدين أو ما يتصل بها. وتنوعت وسائل المعالجة؛ فمنها الدروس العلمية والمحاضرات التي أوضحت حقيقة هذه التواشيح وحكمها، ومنها المقالات العلمية، ومن أشهرها مقال للشيخ عبدالله السبت بعنوان (التواشيح الدينية)، تناول فيه هذه الظاهرة بالنقد العلمي المؤصل، مبينًا ما فيها من مخالفات شرعية. ومع استمرار النصح والحوار مع الجهات المعنية، أزيل هذا البرنامج من البث الرسمي، حتى أصبح من أراد سماع تلك التسجيلات لا يجدها إلا ضمن المواد القديمة المحفوظة في الأرشيف أو المنشورة عبر بعض المنصات الإلكترونية. أثر الدعوة في إصلاح الواقع تكشف هذه النماذج جانبًا مهما من آثار الدعوة السلفية في المجتمع، فهي لم تكن دعوة نظرية تقف عند حدود التأليف والخطابة، وإنما كان لها أثر عملي في تصحيح المفاهيم، وإحياء السنن، وإزالة ما علق بالدين من ممارسات لا تقوم على دليل صحيح. كما تؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالصدام ولا بالتشهير، وإنما بالعلم، والحكمة، والصبر، والاستمرار في البيان، والتواصل مع المجتمع ومؤسساته، حتى يؤتي العمل ثماره بإذن الله. دروس وعبر إن هذه المواقف تعلم الدعاة وطلاب العلم أن مسؤوليتهم لا تنتهي عند معرفة الحق، بل تمتد إلى تبليغه بالحكمة، والسعي في نشر السنة، وتصحيح الأخطاء بالعلم والرفق، مع الصبر على طول الطريق، فما دام أهل السنة قائمين بواجب البيان، متمسكين بالوحي، ثابتين على منهج السلف، فإن الخير باقٍ في الأمة بإذن الله، وستظل السنة تظهر، والبدعة تضعف، مصداقًا لقوله -تعالى-: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}. وهكذا يثبت التاريخ أن الدعوات الإصلاحية الصادقة لا تقاس بكثرة الشعارات، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس، وبما تحققه من إحياء للسنة، وتصحيح للمفاهيم، وتقريب للأمة من هدي نبيها - صلى الله عليه وسلم -. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#80
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة .. دُعاة التوحيد ومواجهة بدعة الخروج الدعوي!
شهدت الساحة الدعوية في الكويت -في مراحل سابقة- انتشار بعض الأساليب الدعوية التي تقوم على ما عُرف بـ«الخروج للدعوة إلى الله»؛ حيث تخرج مجموعات من الدعاة ويمكثون في المساجد مددًا محددة؛ كثلاثة أيام، أو أسبوع، أو أربعين يومًا، وربما امتد الخروج إلى أشهر عدة، داخل البلاد أو خارجها، بل وقد شارك بعض المنتسبين إلى العمل الدعوي في هذه الممارسات في مراحل مبكرة، قبل أن تتضح لهم أقوال أهل العلم ومناقشاتهم حول مشروعية تخصيص الدعوة بهذه الهيئات والأزمنة. لا خلاف في أن الدعوة إلى الله من أجلِّ القربات وأعظم الطاعات، وقد أمر الله -تعالى- بها فقال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125)، وقال -سبحانه-: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} (يوسف: 108)، فالدعوة إلى الله أصل شرعي ثابت، وهي سبيل الأنبياء وأتباعهم، لكن شرف الغاية لا يعني أن كل وسيلة أو هيئة تُجعل للدعوة تكون مشروعة بمجرد حسن القصد؛ بل لابد من مراعاة الضوابط الشرعية، ولا سيما إذا اتخذت الوسيلة صفة التعبد والالتزام. الوسائل المباحة ومن المهم التفريق بين الوسائل والأساليب المتجددة التي تخدم الدعوة، وبين تقييد العبادة بهيئة أو زمن أو عدد معين على وجه الالتزام من غير دليل؛ فالاستفادة من وسائل الاتصال الحديثة، وتنظيم الدروس والمحاضرات، وطباعة الكتب، وإقامة البرامج الدعوية؛ كلها وسائل يتسع فيها الاجتهاد ما دامت منضبطة بالشرع. أما أن يُجعل للخروج الدعوي مُدد محددة؛ كثلاثة أيام، أو أربعين يومًا، أو أربعة أشهر، وأن تتحول هذه المدد إلى منهج ملازم للدعوة يتقرب به إلى الله، فهنا وقع الخلاف والنقد من عدد من أهل العلم؛ لأن تخصيص القربات بزمان أو عدد أو هيئة على وجه التعبد يحتاج إلى دليل. ![]() العلماء ومناقشة «الخروج الدعوي» تناول عدد من علماء العصر هذه القضية بالنقد والبيان، ومن أبرزهم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله-، الذي انتقد تخصيص الدعوة بهذه الكيفيات والمدد، ورأى أن أصل الدعوة مشروع، لكن جعلها في صور وأعداد وأزمنة محددة على وجه الالتزام يحتاج إلى دليل شرعي. كما كتب الشيخ حمود التويجري -رحمه الله- في نقد بعض المناهج والممارسات المرتبطة بهذه الجماعات، وعُرضت مسائلها على عدد من كبار أهل العلم، ومنهم الشيخ عبدالعزيز ابن باز والشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمهما الله.- وقد اختلفت مناهج العلماء في التعامل مع هذه الجماعات وبعض ممارساتها؛ فمنهم من غلَّب جانب التحذير من الأخطاء والمحدثات، ومنهم من رأى إمكان المناصحة والتوجيه وتصحيح المخالفات بضوابط شرعية، ولذلك فإن الإنصاف العلمي يقتضي نسبة كل قول إلى صاحبه بدقة، وعدم جعل مواقف العلماء جميعًا في مرتبة واحدة. جهود علمية في الساحة الكويتية كما شهدت الكويت على مدى سنوات جهودًا علمية ودعوية في بيان السُنَّة في أبواب الدعوة والعبادة، والتحذير مما يرى العلماء أنه مخالف للهدي النبوي، وكان من صور ذلك مناقشة ظاهرة مكوث بعض الجماعات في المساجد أيامًا متتابعة، واتخاذ المسجد مكانًا للنوم والطعام والاجتماعات، ثم إلقاء الكلمات والمواعظ بعد الصلوات ضمن برنامج دعوي محدد. وقد أسهم الطرح العلمي والدروس والفتاوى والكتابات في زيادة الوعي بهذه المسائل، وفي التأكيد على ضرورة أن تكون المساجد مصونة، وأن تخضع الأنشطة المقامة فيها للضوابط الشرعية والتنظيمية المعتمدة. الدعوة لا تقوم على الحماس وحده ومن الدروس المهمة التي ينبغي تأكيدها أن الدعوة إلى الله لا يكفي فيها حسن النية والحماس، بل لا بد أن تقوم على العلم والبصيرة، كما قال -تعالى-: {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} (يوسف: 108)؛ فالداعية يحتاج إلى العلم بما يدعو إليه، ومعرفة السُنَّة، وفقه أحوال المدعوين، والحكمة في مخاطبتهم؛ حتى لا تتحول الدعوة إلى كلمات عامة تفتقر إلى التأصيل، أو إلى تعصب لجماعة أو منهج أو نشاط بعينه، والدعوة الحقة إنما تدعو الناس إلى الله ورسوله، وتربطهم بالكتاب والسُنَّة، ولا تجعل الولاء للأسماء أو الجماعات أو البرامج مقدَّمًا على الدليل الشرعي. خير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - إن أعظم ما ينبغي أن تستحضره الحركات والجماعات والمؤسسات الدعوية أن الغاية المشروعة لا تُصحح كل وسيلة، وأن باب الدعوة إلى الله، مع سعته وتنوع وسائله، يجب أن يبقى محكومًا بأصول الشريعة وهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلما كانت الدعوة أقرب إلى الكتاب والسُنَّة، قائمة على العلم والبصيرة والحكمة، كانت أرجى للقبول وأعظم أثرًا وأبعد عن الانحراف والغلو، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن خيرَ الحديثِ كتابُ اللهِ وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وشرَّ الأمورِ محدثاتُها وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ»، فالمعيار ليس كثرة الأتباع، ولا انتشار الطريقة، ولا طول الممارسة، وإنما موافقة الحق والدليل. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |