|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#61
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 206 الى صـــ 225 الحلقة (60) الوجه الثالث: في بيان ألفاظه ومعانيه وفوائده: الأولى: قوله: (كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابن عَبَّاسٍ). يعني زمن ولايته البصرة من قِبلَ علي رضي الله (عنهما) (١) وللبخاري في كتاب العلم عنه: كنت أترجم بين ابن عباس والناس (٢)، ولمسلم: كنت أترجم بين يدي ابن عباس وبين الناس (٣). قيل: إن لفظة يدي زائدة؛ لتتفق الروايات. وقيل: التقدير بينه وبين الناس. والترجمة: التعبير بلغة عن لغة لمن لا يفهم، وقيل: كان يتكلم بالفارسية، وكان يترجم لابن عباس عمن تكلم بها. قَالَ ابن الصلاح: وعندي أنه كان يترجم عن ابن عباس إلى من خفي عليه من الناس لزحام أو لاختصار يمنع من فهمه، وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بأخرى، فقد أطلقوا على (قولهم) (٤) باب كذا اسم الترجمة لكونه يعبر عما يذكره بعد. قَالَ النووي: والظاهر أنه يفهمهم عنه ويفهمه عنهم (٥). وفي لفظ: فجاءته امرأة فسألته عن نبيذ الجر فقال: الحديث (٦). الثانية: فيه جواز الترجمة والعمل بها، وجواز المترجم الواحد؛ لأنه من باب الخبر لا من باب الشهادة على المشهود، وبوب عليه ------------------- (١) في (ج): عنه. (٢) سيأتي برقم (٨٧) باب: تحريض النبي - ﷺ - وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم. (٣) مسلم (١٧) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله - ﷺ - وشرائع الدين والدعاء إليه … (٤) من (ف). (٥) «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٨٦ وما قبله أيضًا من كلام النووي. (٦) مسلم (١٧). البخاري في بعض طرقه: باب الترجمة بين يدي الحاكم (١). الثالثة: السرير: معروف وجمعه: سُرُر -بضم الراء- كما جاء به القرآن الكريم، ويجوز فتحها، وكذا ما أشبهها من المضعف كجديد وجُدُد ودليل ودُلُل ونظائره، ويجوز فيها ضم الثاني وفتحه، والضم أشهر، والفتح حكاه الواحدي والجوهري وغيرهما (٢)، ولا وجه لمن أنكره. الرابعة: فيه استحباب إكرام كبير القدر من جلسائه، ورفع مجلسه (وتخصيصه) (٣) فيه على غيره. الخامسة: معنى قوله: (أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي) أقم عندي لتساعدني على فهم كلام السائلين، فإنه كان يترجم له كما سلف، ويخبره بمراد السائل الأعجمي ويخبر السائل بقول ابن عباس. السادسة: الوفد: الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقى العلماء، والمصير إليهم في المهمات. واحدهم: وافد. قَالَ ابن سيده: يُقال: وفد عليه وإليه وفدًا ووُفُودًا، ووِفَادة وإِفَادة على البدل: قَدِمَ، وأوفده عليه، وهم الوفد والوفود. فأما الوفد: فاسم (للجمع) (٤)، وقيل: جمع. وأما الوفود فجمع (وافد) (٥) وفد أوفده إليه (٦). --------------- (١) سيأتي معلقًا قبل حديث (٧١٩٦) كتاب: الأحكام. (٢) «الصحاح» ٦٨٢/ ٢، مادة: (سرر). (٣) في (ف): تخصصه. (٤) في (ج): لجمع. (٥) في (ف): واحد، وفي (ج): وفد، والمثبت من «المحكم». (٦) «المحكم» ١٠/ ١٤٠. وفي «الجامع» للقزاز: ووفوده والقوم يفدون وأوفدتهم أنا إيفادًا وواحد الوفد: وافد. وفي «الصحاح»: وفد فلان على الأمير رسولًا، والجمع: وُفُد، وجمع الوُفُد: أوفاد، والاسم: الوفادة وأوفدته أنا إلى الأمير: أرسلته (١). وفي «المغيث» و«مجمع الغرائب»: الوفد قوم يجتمعون فيردون البلاد (٢). وما ذكرته أولًا هو قول صاحب «التحرير» وجزم به النووي في «شرحه» لهذا الكتاب (٣)، وقال القاضي: هم القوم يأتون الملك ركبانًا (٤)، ويؤيد ما ذكره أن ابن عباس فسَّر قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥] قَالَ: ركبانًا (٥). السابعة: وفد عبد القيس تقدموا قبائل عبد القيس للمهاجرة إلى رسول الله - ﷺ - وكانوا أربعة عشر راكبًا رئيسهم الأشج العصري واسمه: المنذر بن عائذ -بالذال المعجمة، وقال الكلبي: المنذر بن الحارث ابن زياد، وقيل: المنذر بن عامر، وقيل: ابن عبيد، وقيل: عبد الله بن عوف، قاله ابن سعد (٦)، ولُقّب بالأشج؛ لأثر كان في وجهه (٧) وسبب ------------------- (١) «الصحاح» ٢/ ٥٥٣، مادة: (وفد). (٢) «المجموع المغيث» ٣/ ٤٣٨. (٣) وذكره أيضًا النووي في «شرح مسلم» ١/ ١٨١. (٤) «مشارق الأنوار» ٢/ ٢٩٢ مادة (و. ف. د). (٥) رواه الطبري في «تفسيره» ٨/ ٣٨٠ (٣٢٩٣١). (٦) «الطبقات الكبرى» ٥/ ٥٥٨ - ٥٥٩. (٧) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» ٣/ ١٠٣، «معرفة الصحابة» ١/ ٣٥٨، «الاستيعاب» ١/ ٢٢٦، «أسد الغابة» ١/ ١١٦ - ١١٧، ٥/ ٢٦٧. وفادتهم؛ أن منقذ بن (حيان) (١) أحد بني غنم بن وديعة كان متجره إلى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد الهجرة فمر به النبي - ﷺ - فنهض منقذ إليه فقال النبي - ﷺ - لمنقذ بن حيان: «كيف جمع قومك؟» ثم سأله عن أشرافهم (وتسميتهم) (٢). فأسلم منقذ وتعلم الفاتحة وأُقْرِأَ ثم رحل إلى هجر. فكتب النبي - ﷺ - إلى جماعة عبد القيس فكتمه، ثم اطَّلَعَتْ عليه أمرأته -وهي بنت المنذر بن عائذ -بالذال المعجمة- (بن المنذر) (٣) بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عصر بن عوف بن عمرو بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن (عمرو) (٤) بن وديعة بن لُكَيْز -بالزاي- بن قصي بن عبد القيس بن أفصى -بالفاء ثم صاد مهملة- بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار (بن معد بن عدنان) (٥)، والمنذر هذا هو: الأشج -كما سلف- سماه - ﷺ - به؛ لأثر كان في وجهه -كما سلف- وكان منقذ (يُصلي ويقرأ) (٦)، فذكرت لأبيها فتلاقيا، فوقع الإسلام في قلبه ثم ثار الأشج إلى قومه عصر ومحارب بكتاب رسول الله - ﷺ - فقرأه عليهم فوقع الإسلام في قلوبهم، وأجمعوا على السير إلى رسول الله - ﷺ -، فسار الوفد، فلما دنوا من -------------- (١) في (ج): حبان والمثبت هو الصواب كما في «الطبقات الكبرى» ٥/ ٥٦٣، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٨ (١٩٩٤)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٦٧ (١٦٧٨)، وقال ابن حبان في «الثقات» ٧/ ٥١١ (١١٢٢١): وقد قيل: منقذ بن حبان. اهـ. (٢) في (ف): يسميهم. (٣) من (ف). (٤) في (ف): عمر. والمثبت هو الصواب كما في «معجم الصحابة» ٣/ ١٠٣، «أسد الغابة» ٥/ ٢٦٧. (٥) من (ج). (٦) في (ج): يقرأ ويصلي. الوديعة قَالَ النبي - ﷺ -: «أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الأشج العصري غير ناكبين ولا مبدلين ولا مرتابين» إذ لم يسلم قوم حتى وتروا (١). قَالَ القاضي: وكان وفودهم عام الفتح قبل خروج النبي - ﷺ - إلى مكة (٢). فائدة: القيس في اللغة: الشدة، وبه سُميَّ امرؤ القيس. أي: رجل الشدة (٣). الثامنة: قوله: قَالَ: («مَنِ القَوْمُ» أَوْ «مَنِ الوَفْدُ؟») هو شك من بعض الرواة قالوا: ربيعة هذا نسبة إلى جدهم الأعلى فإن عبد القيس هو ابن (أفصى) (٤) بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة كما سلف. التاسعة: قوله: («قَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ») هو من الرُّحب -بضم الراء- وهو: السعة، والرَّحب بالفتح: الشيء الواسع. ومرحبًا منصوب بفعل مضمر لا يظهر أي: صادفت رحبًا، وأتيت رحبًا وسعة فاستأنس. وقال الفراء: معناه: رحب الله بك مرحبًا كأنه وضع موضع الترحيب، والعرب أيضًا تقول: يرحبك الله ويسهلك، ومرحبًا بك وسهلًا. ذكره الهروي وغيره، وأكثرت العرب منه ومرادها: البر والإكرام وحسن اللقاء. العاشرة: قوله: («غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى») هكذا وقع هنا، وجاء في ----------------- (١) انظر: «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٨١. (٢) «إكمال المعلم» ١/ ٢٢٩. (٣) انظر: «لسان العرب» ٦/ ١٨٨. (٤) في (ج): قصي. غير ذا الموضع «غَيْرَ الخَزَايَا وَلَا النَدَامَى» (١) بالألف (واللام) (٢) فيهما، وفي رواية لمسلم: «غَيْرَ خَزَايَا وَلَا النَدَامَى» (٣) وكله صحيح و«غير» منصوب على الحال. هكذا الرواية، وتُؤيده رواية البخاري في موضع آخر: «مرحبًا بالقوم الذين جاءوا غير خزايا ولا ندامى» (٤). وأشار صاحب «التحرير» إلى أنه روي بالكسر على الصفة للقوم، والمعروف الأول، وأما معناه: فالخزايا جمع خزيان كحيران وحيارى، والخزيان: المستحيي. وقيل: الذليل المهان (وبه جزم ابن التين في المغازي فقال: أي غير أذلاء ولا مهانين، يقال: خزي الرجل يخزى خزيًا إذا هلك، وخزي إذا استحيا قال: ويحتمل أن يريد: أنكم لن تقعوا في بلية، قال ابن السكيت (٥): خزي إذا وقع في بلية) (٦). وأما الندامى فقيل: جمع ندمان، بمعى: نادم وهي لغة في نادم حكاها القزاز والجوهري وغيرهما (٧) وعلى هذا هو على بابه، وقيل: جمع نادم اتباعًا للخزايا، وكان الأصل نادمين فأُتْبع لخزايا تحسينًا للكلام، وهذا الإتباع كثير في كلام العرب، وهو فصيح. -------------------- (١) رواها ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٣/ ٢٥٤ (١٦١٦)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٤٠٠ (٣٩١)، وأبو نعيم في «مستخرجه على مسلم» ١/ ١١١ (١٠٥)، والبيهقي في «الشعب» ٤/ ٦٠. (٢) من (ج). (٣) مسلم (١٧/ ٢٤) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله. (٤) سيأتي برقم (٦١٧٦). (٥) «إصلاح المنطق» ص ٣٧٣. (٦) من (ج). (٧) «الصحاح» ٥/ ٢٠٤٠، «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٥/ ٣٦، وانظر: «لسان العرب» ٧/ ٤٣٨٦، مادة: (ندم). ومنه قوله - ﷺ -: «ارجعن مأزورات غير مأجورات» (١) أتبع مأزورات لمأجورات، ولو أفرد ولم يتبع لقال: موزورات. كذا قاله الفراء وجماعات، قالوا: ومنه قول العرب: إني لآتيه بالغدايا والعشايا. جمعوا الغداة: غدايا؛ إتباعًا لعشايا، وأصله: غدوات. وأما معنى «غير ندامى» فالمقصود: أنه لم يكن منهم تأخُر عن الإسلام ولا عناد، ولا أصابكم إسار ولا سبيًا ولا ما أشبه ذَلِكَ مما يستحيون بسببه أو يذلون أو يهانون أو يندمون، فهذا إظهار لشرفهم حيث دخلوا في الإسلام طائعين من غير خزي ثم لما أسلموا احترموا. -------------------- (١) روي من حديث علي بن أبي طالب وأنس بن مالك ومورق العجلي، أما حديث علي فرواه ابن ماجه (١٥٧٨) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في اتباع النساء الجنائز، والبزار في «مسنده» ٢/ ٢٤٩ (٦٥٣)، والبيهقي في «السنن» ٤/ ٧٧ كتاب: الجنائز، باب: ما ورد في نهي النساء عن اتباع الجنائز، وابن الجوزي في «العلل» ٢/ ٤٢٠ (١٥٠٧)، وجوَّد إسناده، وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» ٢/ ٤٤: هذا إسناد مختلف فيه من أجل دينار، وإسماعيل بن سلمان أورده ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ورواه الحاكم من طريق إسرائيل، ومن طريق الحاكم رواه البيهقي. أما حديث أنس بن مالك، فرواه أبو يعلى ٧/ ١٠٩ (٤٠٥٦)، ٧/ ٢٦٨ (٤٢٨٤) والخطيب في «تاريخ بغداد» ٦/ ٢٠١، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٨: رواه أبو يعلى، وفيه الحارث بن زياد، قال الذهبي: ضعيف. وقال المناوي في «فيض القدير» ١/ ٦٠٥ بعدما أورد كلام ابن الجوزي والهيثمي: وقال الدميري: حديث ضعيف تفرد به ابن ماجه وفيه إسماعيل بن سليمان الأزرق ضعفوه. ثم قال: وبهذا التقرير انكشف أن رمز المصنف لصحته صحيح في حديث علي لا في حديث أنس فَخُذْه منقحًا. اهـ. بتصرت، ورد الألباني قول المناوي وضعف الحديث كما في «الضعيفة» (٢٧٤٢). وأما حديث مورق العجلي، فرواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧ (٦٢٩٨) عن الثوري، عن رجل عنه مرسلًا. وقد صح النهي عن اتباع النساء الجنائز كما في «صحيح مسلم» (٩٣٨). الحادية عشرة: قوله: (إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الحَرَامِ). المراد: جنس الأشهر الحرم، وهي أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. وفي رواية لمسلم: (في أشهر الحرم) (١). أي: في أشهر الأوقات الحرم، وإنما مكنوا في هذِه الأشهر دون غيرها؛ لأن العرب كانت لا تقاتل فيها، وما ذكرناه من عد الأشهر الحرم هو المستحسن في عدها وتظاهرت عليه الأخبار، وقيل: تعد من سنة واحدة. الثانية عشرة: قوله: (وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هذا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ). أي: في طريقنا من المدينة نمر عليهم. وأصل الحي: منزل القبيلة ثم سُميت به اتساعًا؛ لأن بعضهم يحيا ببعض، قاله في «المطالع»، وقال ابن سيده: إنه بطن من بطون العرب (٢). قَالَ الكلبي: وأول العرب شعوب ثم قبائل ثم عمائر ثم بطون، ثم أفخاذ، ثم فصائل، ثم عشائر (٣). وقدم الأزهري العشائر على الفصائل قَالَ: وهم الأحياء. ----------------- (١) مسلم (١٨) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله … من حديث أبي سعيد الخدري. (٢) «المحكم» ٣/ ٣٠٣. (٣) وقد نظمها بعضهم، قال العلامة محمد بن عبد الرحمن الغرناطي: الشعْبُ ثم قبيلةٌ وعِمَارة … بطْنٌ وفخذٌ فالفصيلة تابِعَهْ فالشعبُ مجتمعُ القبيلةِ كُلّها … ثم القبيلة للِعمارةِ جامِعَهْ والبطنُ تَجْمَعُه العمائِرُ فاعلَمَنْ … والفَخْذُ تَجْمَعُه البطونُ الواسِعَهْ والفخْذُ يجمع للفصائل هَاكَها … جاءت على نَسَق لها متتابِعَهْ فخزيمةٌ شَعْبٌ وإنّ كِنانةً … لقبيلةٌ منها الفضائلُ نابِعَهْ وقريشها تُسْمَى العِمَارةَ يا فتى … وقُصيُّ بطنٌ للأَعَادي قَامِعَه ذا هاشمُ فَخِذٌ وذا عَبّاسُهَا … كَنْزُ الفصيلةِ لا تُناطُ بِسَابِعَهْ انظر: «تاج العروس» ٢/ ١١٤ مادة (شعب). وذكر الجواني (١) في «الفاضلية» أن العرب على طبقات عشر أعلاها الجذم ثم الجمهور ثم الشعوب -واحدها: شعب- ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم العشيرة، ثم الفصيلة، ثم الرهط. وقال ابن دريد: الحي: الشعب العظيم من الناس (٢). الثالثة عشرة: قوله: (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ). أي: بين واضح ينفصل به المراد ولا يشكل. قاله الخطابي وغيره (٣). الرابعة عشرة: قوله: (نُخْبِر) هو بالرفع على الصفة لأمر، قَالَ القرطبي: كذا قيدناه على من يوثق. وقوله: (وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ) يجوز رفعه على الصفة وجزمه على (جواب) (٤) الأمر. قَالَ القرطبي: قيدناه بهما كأنه قال إن أمرتنا بأمر واضح فعلناه ورجونا دخول الجنة به (٥). ------------- (١) هو محمد بن أسعد بن عليّ بن معمر بن عمر بن عليّ بن الحسين بن أحمد بن عليّ ابن إبراهيم بن محمد بن الحسن محمد الجواني، الشريف أبو علي، ولد سنة خمس وعشرين وخمسمائة. وكان علامة النسب في عصره، وولي نقابة الأشراف مدة بمصر، من مصنفاته: كتاب «طبقات الطالبيين»، و«تاج الأنساب ومنهاج الصواب»، و«المقدمة الفاضلية في الأنساب»، و«ديوان العرب وجوهرة الأدب في إيضاح النسب»، توفي سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. انظر ترجمته في: «تاريخ الإسلام» ٤١/ ٣٠٧ - ٣٠٨، «الوافي بالوفيات» ٢/ ٢٠٢، «هدية العارفين» ص ٧٤٧. (٢) الذي ذكره في «جمهرة اللغة» ١/ ٣٤٣: أن الشعب: الحي العظيم من الناس نحو حِمير وقُضاعة وجُرْهُم. (٣) «أعلام الحديث» ١/ ١٨٥. (٤) في (ف): جواز. (٥) «المفهم» ١/ ١٧٤. وقوله: (وَنَدْخُل)، كذا هو هنا بالواو وفي البخاري أيضًا ومسلم بحذفها (١). الخامسة عشرة: قوله: (فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ باللهِ وحده) إلى آخره. وعدَّ خمسة ويجاب: بأنه أمرهم بالأربع التي وعدهم ثم زادهم خامسة وهي أداء الخمس؛ لأنهم كانوا مجاورين كفار مضر فكانوا أهل جهاد، ويكون قوله: («وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ»). معطوفًا على أربع أي: أمرهم باربع وبأن يعطوا، والشهادتان في حكم واحد. وجواب ثانٍ وهو أن أول الأربع إقام الصلاة، وذكر كلمة التوحيد؛ لأنها الأساس، وقد رواه البخاري في كتاب: الأدب وفيه: «أقيموا الصلاة» (٢) إلى آخره وليس فيه ذكر الشهادة، وفي بعض طرقه حذف الصوم (٣). السادسة عشرة: هذا الحديث موافق لحديث: «بُني الإسلام على خمس» (٤) ولتفسير الإسلام بخمسة في حديث جبريل -عليه السلام- (٥) وقد سلف أن ما يُسمى إسلامًا يُسمى إيمانًا. قيل: وإنما لم يذكر هنا ------------------ (١) البخاري (٦١٧٦): كتاب: الأدب، باب: قول الرجل مرحبًا، و(٧٢٦٦) كتاب: أخبار الآحاد، باب: وصاة النبي - ﷺ - وفود العرب أن يبلغوا من وراءهم، ومسلم (١٧) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله. (٢) سيأتي برقم (٦١٧٦) كتاب: الأدب، باب: قول الرجل مرحبًا. (٣) سيأتي برقم (٢٥٣) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾، و(١٣٩٨) كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة. و(٣٥١٠) كتاب: المناقب، و(٤٣٦٩) كتاب: المغازي، باب: وفد عبد القيس. (٤) سبق برقم (٨) كتاب: الإيمان، باب: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾: إيمانكم. (٥) سبق برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل النبي - ﷺ -. الحج؛ لأنه لم يكن فُرِضَ بعد، وفيه نظر؛ لأن هذا كان عام الفتح، والحج فُرض قبل ذَلِكَ إما سنة خمس أو سنة ست. قَالَ القاضي: والجهاد لم يكن فُرِضَ أيضًا لأن فرضه العام نزل في سورة براءة سنة ثمان بعد الفتح. قَالَ: وجاء في بعض طرق هذا الحديث حذف الصوم وهو إغفال من الراوي؛ لعدم الحفظ من بعضهم (١). السابعة عشرة: الخُمس -بضم الميم وتسكن- وكذا الثلث والربع إلى العشر يُضم ثانيه ويسكن. الثامنة عشرة: فيه دلالة على وجوب الخمس في الغنيمة قلَّت أم كَثُرت وإن لم يكن الإمام في السرية (الغازية) (٢). وسيأتي بسطه في موضعه إن شاء الله تعالى (ذَلِكَ) (٣) وقدره. التاسعة عشرة: (الحَنتم) -بفتح الحاء المهملة وإسكان النون ثم مثناة فوق مفتوحة- جرار خضر على أصح الأقوال، وقد جاء في «صحيح مسلم» في كتاب الأشربة تفسيره بها (٤). ثانيها: أنها الجرار مطلقًا. ثالثها: أنها جرار مقيرات الأجواف يؤتى بها من مضر، زاد بعضهم أنها حُمْر. رابعها: أنها جرار حمر أعناقها، وقيل: أفواهها في جنوبها يُجلب فيها الخمر من مضر، وقيل: من الطائف، وكان ناس ينتبذون فيها يضاهون به الخمر. -------------------- (١) «إكمال المعلم» ١/ ٢٢٩. (٢) في (ف): المغازية. (٣) من (ف). (٤) مسلم (١٩٩٣) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن الانتباذ قي المزفت والدباء والحنتم. خامسها: أنها جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم (١)، وعبارة «المحكم» أنها جرار خضر تضرب إلى الحمرة (٢). وعبارة الخطابي إنها جرار مطلية بما يسد مسام الخزف ولها التأثير في الانتباذ؛ لأنها كالمزفت (٣). وعبارة ابن حبيب: هي الجر وكل ما كان من فخار أبيض أو أخضر. وردَّ عليه بأنها ما طلي من الفخار بالحنتم المعمول من الزجاج وغيره. وأما (الدباء): بالمد فهو: اليقطين اليابس أي الوعاء منه، وهو بضم الدال وقد تكسر وقد يقصر. وأما (النقير): فهو جذع ينقر وسطه (وينبذ) (٤) فيه كما جاء في «صحيح مسلم» مبينًا مرفوعًا (٥). وأما (المقير): فهو المزفت وهو المطلي بالقار وهو الزفت، وقيل: الزفت: نوع من القار. والصحيح الأول، وفي «صحيح مسلم» (٦) عن ابن عمر قَالَ: المزفت هو المقير. وعبارة ابن سيده وغيره: أنه شيء أسود تطلى به الإبل والسفن (٧). وقال أبو حنيفة (٨): إنه شجر مر. --------------------- (١) انظر: «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٨٥. (٢) «المحكم» ٤/ ٥٤. (٣) في «أعلام الحديث» ١/ ١٨٥ قال: والحناتم: الجرار، وفي «معالم السنن» ٤/ ٢٤٨ قال: أما الحنتم فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر. (٤) في (ج): وينتبذ. (٥) مسلم (١٨) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين. (٦) مسلم (١٩٩٧) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والحنتم والنقير. (٧) «المحكم» ٦/ ٣٠٩. (٨) هو أحمد بن داود الدنيوري النحوي، تلميذ ابن السكيت. انظر «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ٤٢٢. العشرون: النهي عن الانتباذ في هذِه الأربع، وهو أن يجعل في الماء حبات من تمر أو زبيب أو نحوهما؛ ليحلو (ويشرب) (١)؛ لأنه يسرع فيها الإسكار فيصير حرامًا وتبطل ماليته، ففيه إضاعة المال، وربما شربه بعد أن صار مسكرًا ولا يدري. ولم يُنْه عن الانتباذ في أسقية الأدم بل أذن فيها؛ لأنها لرقتها لا يبقى فيها المسكر بل إذا صار مسكرًا شقها غالبًا، ثم إن هذا النهي كان في أول الإسلام ثم نسخ، ففي «صحيح مسلم» من حديث بريدة - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - (قَالَ) (٢): «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية فانتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرًا» (٣). هذا مذهب الشافعي والجمهور، وذهبت طائفة إلى أن النهي باقٍ، منهم: مالك وأحمد وإسحاق حكاه الخطابي عنهم قَالَ: وهو مروي عن (ابن عمر) (٤) وابن عباس (٥)، وذِكْرُ ابن عباس هذا الحديث لما اسْتُفْتي ------------------- (١) في (ف): أو يشرب. (٢) من (ف). (٣) مسلم (٩٧٧) كتاب: الجنائز، باب: استئذان النبي - ﷺ - ربه -عز وجل- في زيارة قبر أمه. (٤) في الأصول: عمر، والمثبت هو الصواب، كما في «معالم السنن». (٥) «معالم السنن» للخطابي ٤/ ٢٤٨، وحديث ابن عمر رواه مسلم (١٩٩٧) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والحنتم والنقير، وبيان أنه منسوخ وأنه اليوم حلال، ما لم يصر مسكرًا، وأبو داود (٣٦٩٠، ٣٦٩١) كتاب: الأشربة، باب: في الأوعية، والترمذي (١٨٦٨) كتاب: الأشربة، باب: ما جاء في كراهية أن ينبذ في الدباء والنقير والحنتم، والنسائي ٨/ ٣٠٣ - ٣٠٤ كتاب: الأشربة، باب: ذكر الأوعية التي نهي عن الانتباذ فيها دون ما سواها مما لا تشتد أشربتها كاشتداده فيها، وابن ماجه (٣٤٠٢) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن نبيذ الأوعية، وأحمد ١/ ٢٧. وحديث ابن عباس هو حديث الباب وفي بعض رواياته أنه استفتي في ذلك فأجاب بهذا الحديث. دليلٌ على أنه يعتقد النهي ولم يبلغه الناسخ، والصواب الجزم بالإباحة؛ لصريح النسخ (١). الحادية بعد العشرين: قوله - ﷺ -: («وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ») فيه دلالة على قبول خبر الواحد، وقد أخرجه البخاري فيه (٢)، كما سلف، وقوله: «مَن». هو بفتح الميم، ورواه مسلم مرة كذلك ومرة بكسرها (٣) والهمز في «وراءكم»، وقوله أولا: (مَن وراءنا). لا خلاف أنه مفتوح الميم. الثانية بعد العشرين: قد اشتمل هذا الحديث على أنواع من العلوم وقد أشرنا إلى بعضها، ومنها: وفادة الفضلاء والرؤساء إلى الأئمة عند الأمور المهمة. ومنها: تقديم الاعتذار بين يدي المسألة. ومنها: بيان مهمات الإسلام وأركانه سوى الحج. ومنها: أن الأعمال تُسمى إيمانًا وهو مراد البخاري هنا. ومنها: ندب العَالِم إلى إكرام الفاضل. ومنها: استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم كما (فعل) (٤) ابن عباس. --------------------- (١) انظر هذِه المسألة في: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٢٣ - ٢٢٩، «المنتقى» ٣/ ١٤٨، «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٨٥ - ١٨٦، «المغني» ١٢/ ٥١٤ - ٥١٥، «نيل الأوطار» ٥/ ٤١٦. (٢) سيأتي برقم (٧٢٦٦) كتاب: أخبار الآحاد، باب: وصاة النبي - ﷺ - وفود العرب أن يبلغوا من وراءهم. (٣) «صحيح مسلم» (١٧/ ٢٤) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله ورسوله. (٤) في (ج): فعله. ومنها: استحباب قول الرجل لزواره وشَبَهِهِم: مرحبًا (١). ومنها: أنه ينبغي للعالم أن يحث الناس على تبليغ العلم وإشاعة أحكام الإسلام. ومنها: أنه لا كراهة في قول رمضان من غير تقييد بالشهر. ومنها: أنه لا (عيب) (٢) على طالب العلم والمستفتي إذا قَالَ للعالم: أوضح لي الجواب. ونحو هذِه العبارة. ومنها: جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا لم يخف (فتنة وإعجابًا) (٣) ونحوه. ومنها: الترجمة في الفتوى وقبول خبر الواحد كما سلف. ومنها: وجوب الخمس في الغنيمة. خاتمة: جاء في هذا الخبر أن وفد عبد القيس لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبي - ﷺ - وأقام الأشج فجمع رحالهم وعقل ناقته ولبس ثيابًا جددًا، ثم أقبل إلى النبي - ﷺ - فقربه وأجلسه إلى جانبه، ثم إن النبي - ﷺ - قَالَ لهم: «تبايعوني على أنفسكم وقومكم؟» فقال القوم: نعم. فقال الأشج: يا رسول الله، إنك إن تزايل الرجل عن شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا وترسل معنا من يدعوهم، فمن اتبع كان منا، ومن أبى قاتلناه. قَالَ: «صدقت، إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة» (٤). -------------------- (١) قال الحافظ في «الفتح» ١/ ١٣١: وأفاد العسكري أن أول من قال مرحبًا سيف بن ذي يزن. اهـ. (٢) في (ج): عتب. (٣) في (ف): فتنة وإعجاب، وفي (ج): فيه بإعجاب. (٤) ذكر هذا الخبر بتمامه النووي في «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٨٩. وجاء في مسند أبي يعلى (١): فقال: يا رسول الله، كانا فِيَّ أم حَدَثًا؟ قَالَ: «بل قديم». قَالَ: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله. والأناة: بفتح الهمزة مقصور هي: تربصه حتى نظر في مصالحه وهي الأناة، والثانية: الحلم وهي هذِه الأخيرة الدالة على صحة عقله وجودة نظره للعواقب. ------------------ (١) ١٢/ ٢٤٢ (٦٨٤٨). ٤١ - باب مَا جَاءَ أَنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ، وَالْوُضُوءُ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْحَجُّ، وَالصَّوْمُ، وَالأَحْكَامُ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]: عَلَى نِيَّتِهِ. وَقَالَ النبي - ﷺ -: «ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ». [انظر: ١٣٤٩]. ٥٤ - حَدُّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ قَالَ: أَخبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصِ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». [انظر: ١ - مسلم: ١٩٠٧ - فتح: ١/ ١٣٥]. ٥٥ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْن مِنْهَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَى عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ». [٤٠٠٦، ٥٣٥١ - مسلم: ١٠٠٢ - فتح: ١/ ١٣٦] ٥٦ - حَدَّثَنَا الَحكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرٌ بْنُ سَعْدِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص أنَهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيّ امْرَأَتِكَ». [١٢٩٥، ٢٧٤٢، ٢٧٤٤، ٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٥٣٥٤، ٥٦٥٩، ٥٦٦٨، ٦٣٧٣، ٦٧٣٣ - مسلم:١٦٢٨ - فتح: ١/ ١٣٦] حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمة نَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ أمْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». حَدَّثنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ثنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ نفقة يَحْتَسِبُهَا فَهُي لَهُ صَدَقَةٌ». حَدَّثنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِع أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِم امْرَأَتِكَ». الكلام على ذَلِكَ من وجوه: أحدها: حديث: «ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ». علقه هنا بصيغة جزم وقد أسنده في: الحج (١)، والجهاد (٢)، والجزية (٣) كما ستعلمه، أخرجه في الحج عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعًا: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا». وأخرجه مسلم أيضًا في الجهاد (٤). وحديث عمر - رضي الله عنه - سلف أول الكتاب بتعداد طرقه وهذا ثاني موضع منها. -------------- (١) سيأتي برقم (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة. (٢) سيأتي برقم (٢٧٨٣) باب: فضل الجهاد والسير. (٣) سيأتي برقم (٣١٨٩) باب: إثم الغادر للبر والفاجر. (٤) مسلم (١٣٥٣/ ٨٥) كتاب: الإمارة، باب: المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام .. وحديث أبي مسعود - رضي الله عنه - أخرجه هنا كما ترى، وفي المغازي (١) عن مسلم، وفي النفقات (٢) عن آدم. وأخرجه مسلم (٣) في الزكاة عن ابن معاذ، عن أبيه، وعن محمد بن بشار وأبي بكر بن (نافع) (٤)، عن غندر. وعن أبي كريب، عن وكيع كلهم، عن شعبة به. فوقع للبخاري عاليًا خماسيًّا، ولمسلم من جميع طرقه سداسيًّا. وحديث سعد بن أبي وقاص قطعة من حديثه الطويل المشهور، أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي الجنائز (٥) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وفي المغازي (٦) عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم. وفي الهجرة (٧) عن يحيى، عن قزعة، عن إبراهيم. وفي الدعوات (٨) عن موسى، عن إبراهيم بن سعد. وفي الطب (٩) عن موسى بن إسماعيل عن شعيب، وأخرجه مسلم في الفرائض: عن يحيى بن يحيى، عن إبراهيم. وعن قتيبة وأبي بكر، عن ------------------ (١) سيأتي برقم (٤٠٠٦) كتاب: المغازي، باب: شهود الملائكة. (٢) سيأتي برقم (٥٣٥١) كتاب: النفقات، باب: فضل النفقة على الأهل. (٣) مسلم (١٠٠٢) كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة. (٤) في (ف)، (ج): رافع، والصواب ما أثبتناه من «صحيح مسلم». (٥) سيأتي برقم (١٢٩٥) كتاب: الجنائز، باب: رثاء النبي - ﷺ - سعد بن خولة. (٦) سيأتي برقم (٤٤٠٩) كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع. (٧) سيأتي برقم (٣٩٣٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قول النبي - ﷺ -: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم». (٨) (٦٣٧٣) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء برفع الوباء والوجع. (٩) سيأتي برقم (٥٦٦٨) عن موسى بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وليس عن شعيب، وانظر «التحفة» (٣٨٩٠). سفيان. وعن إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، كلهم عن الزهري به (١). وأورده البخاري في الفرائض أيضًا مطولًا وفيه: «لن تُخَلَّفَ بعدي فَتَعْمَلَ عملًا تريد به وجه الله إلا ازددت به رفعة ودرجة» (٢). وهو أعم من لفظ النفقة التي أوردها هنا. الوجه الثاني: في التعريف برجاله: أما حديث: «الأعمال بالنيات» فتقدم الكلام على رجاله مفرقًا، وأما حديث سعد فكذلك أيضًا. وأما حديث أبي مسعود فسلف من رجاله شعبة فقط، وأما باقي رجاله فأبو مسعود هو: عقبة (ع) بن عمرو بن ثعلبة بن أَسِيرة -بفتح الهمزة وكسر السين وقيل: بضمها، وقيل: يسيرة بضم أوله بن عَسيرة -بفتح العين وكسر السين- بن عطية بن جِدارة -بكسر الجيم، وقال ابن عبد البر: بكسر الخاء المعجمة- بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي البدري. شهد العقبة مع السبعين وكان أصغرهم، وشهد أحدًا. ثم الجمهور على أنه لم يشهد بدرًا وإنما سكنها، وقال المحمدون: ابن شهاب الزهري وابن إسحاق -صاحب المغازي- والبخاري في «صحيحه»: شهدها (٣)، وكذا الحكم بن عتيبة. وقال ابن سعد: قَالَ محمد بن عمر وسعد بن إبراهيم وغيرهما: لم يشهد بدرًا (٤)، وقال الحكم وغيره من أهل الكوفة: شهدها وأهل المدينة أعلم بذلك. --------------- (١) مسلم (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث. (٢) سيأتي برقم (٦٧٣٣) كتاب: الوصية، باب: ميراث البنات. (٣) انظر حديث (٤٠٠٧) كتاب المغازي، باب منه (١٢). (٤) «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٦/ ١٦. ![]()
__________________
|
|
#62
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 226 الى صـــ 245 الحلقة (61) روي له عن النبي - ﷺ - مائة حديث وحديثان، اتفقا منها على تسعة، وللبخاري حديث ولمسلم سبعة. روى عنه: عبد الله بن يزيد الخطمي وابنه بشير وغيرهما. سكن الكوفة ومات بها، وقيل: بالمدينة قبل الأربعين، قيل: سنة إحدى وثلاثين، وقيل: بعد الستين، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين (١). فائدة: في الصحابة أبو مسعود هذا، وأبو مسعود الغفاري (٢)، قيل: اسمه عبد الله وثالث الظاهر أنه الأول (٣). وأما الراوي عنه فهو أبو موسى عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصين بن عمرو بن الحارث بن خطمة -واسمه عبد الله؛ لأنه ضرب رجلًا على خَطمه أي: على مقدم أنفه فسميَّ بذلك -بن جُشَم بن مالك بن ----------------- (١) انظر ترجمته في «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٧٢ (٧٩٥)، «الاستيعاب» ٣/ ١٨٤ (١٨٤٦)، «أسد الغابة» ٤/ ٥٧ (٣٧١١)، «الإصابة» ٢/ ٤٩٠ - ٤٩١ (٥٦٠٦). (٢) هو عبد الله بن مسعود الغفاري، وقيل: أبو مسعود الغفاري، روي عنه حديث طويل في فضائل رمضان، سماه بعضهم في الرواية عبد الله، وأكثر ما يُروى عنه لا يُسمى. وقال ابن الأثير في «أسد الغابة» ٦/ ٢٨٧ (٦٢٤٣): اختلف في هذا الصحابي، وأكثر ما يجيء عنه بابن مسعود، وقيل: اسمه عبد الله. وانظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٠٢٩ (٣٤٥٩)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٩٢ (٣١٧٨)، ٤/ ٣٣ (٣٦٥٣)، «الإصابة» ٤/ ١٨٠ (١٠٤٨). (٣) قال ابن الأثير: أبو مسعود غير منسوب. أورده أبو بكر بن أبي علي، إن لم يكن البدري فغيره ثم قال: وقد جعله أبو موسى ترجمة غير أبي مسعود البدري، والذي يغلب على ظني أنه هو، فإن أبا مسعود البدري هو ابن عمرو بن ثعلبة، ثم من بني عوف بن الحارث بن الخزرج، فبأي شيء علم ابن أبي علي أنه غيره حتى جعلهما ترجمتين انظر: «أسد الغابة» ٦/ ٢٨٧ - ٢٨٨ (٦٢٤٤). الأوس أخي الخزرج بن حارثة بن ثعلبة العنقاء -لطول عنقه- بن عمرو بن مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الأزد الأنصاري الخطمي الصحابي. سكن الكوفة وكان أميرًا عليها (في عهد ابن الزبير) (١) شَهِد الحديبية وهو ابن سبع عشرة سنة، وشهد صفين والجمل (والنهروان) (٢) مع علي - رضي الله عنه -، وكان الشعبي كاتبه، وكان من أفاضل الصحابة، وقيل: إن لأبيه يزيد صحبة. روي له عن رسول الله - ﷺ - سبعة وعشرون حديثًا، أخرج البخاري منها حديثين أحدهما في: الاستسقاء موقوفًا (٣)، وفي المظالم حديث النهي عن النُهْبَى والمُثْلَةِ (٤)، ومسلم أحدهما (٥) وأخرجا له عن البراء (٦) وأبي مسعود (٧) وزيد بن ثابت (٨). مات زمن ابن الزبير قاله الواقدي (٩). ------------------ (١) من (ج). (٢) في (ف): النيروان. (٣) سيأتي برقم (١٠٢٢) باب: الدعاء في الاستسقاء قائمًا. (٤) سيأتي برقم (٢٤٧٤) باب: النهبى بغير إذن صاحبه. (٥) مسلم (٨٩٤) كتاب: صلاة الاستسقاء. (٦) البخاري (٦٩٠) كتاب: الأذان، باب: متى يسجد من خلف الإمام، ومسلم (٤٧٤) كتاب: الصلاة، باب: متابعة الإمام والعمل بعده. (٧) البخاري حديث الباب، ومسلم (١٠٢٢) كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين. (٨) البخاري (١٨٨٤) كتاب: فضائل المدينة، باب: المدينة تنفي الخبث، ومسلم (١٣٨٤) كتاب: الحج، باب: المدينة تنفي شرارها. (٩) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ١٨، «الاستيعاب» ٣/ ١٢٣ - ١٢٤ (١٧٠٣)، «أسد الغابة» ٣/ ٤١٦ - ٤١٧ (٣٢٤٥)، «الإصابة» ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣ (٥٠٣٣). (وأخرج له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) (١). فائدة: في الصحابة عبد الله بن يزيد جماعة هذا أحدهم، وثانيهم: عبد الله بن يزيد القارئ (٢) له ذكر في حديث عائشة أنه - ﷺ - سمع قراءته (٣)، وثالثهم: عبد الله بن يزيد النخعي (٤)، ورابعهم: عبد الله بن ----------------- (١) من (ج). (٢) انظر ترجمته في: «أسد الغابة» ٣/ ٤١٧ (٣٢٤٦)، «الإصابة» ٢/ ٣٨٣ (٥٠٣٤). (٣) الحديث رواه البخاري (٢٦٥٥)، وأحمد ٦/ ٦٢ وقال البخاري عقب هذِه الرواية: وزاد عباد بن عبد الله، عن عائشة تهجد النبي - ﷺ - في بيتي فسمع صوت عباد يصلي في المسجد فقال: «يا عائشة أصوت عباد هذا؟» قلت: نعم. قال: «اللهم ارحم عبادًا». وقال ابن حجر: في «الفتح» ٥/ ٢٦٥ عند شرحه للحديث: وظاهر الحال أن المبهم في الرواية التي قبل هذِه هو المفسر في هذِه الرواية؛ لأن مقتضى قوله «زاد» أن يكون المزيد فيه والمزيد عليه حديثًا واحدًا فتتحد القصة. لكن جزم عبد الغني بن سعيد في «المبهمات» بأن المبهم في رواية هشام، عن أبيه، عن عائشة هو عبد الله بن يزيد الأنصاري. اهـ. وكذا قال ابن طاهر المقدسي في «إيضاح الإشكال» ص ١٠١ (١٣٧) والخطيب البغدادي في «الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة» ص ١٧٨ (٩١) وساق الحديث بإسناده إلى عمرة، عن عائشة وسمى القارئ في الحديث بعبد الله بن يزيد الأنصاري. (٤) قال ابن الأثير في «أسد الغابة» ٣/ ٤١٧ - ٤١٨ (٣٢٤٨): عبد الله بن يزيد النخعي، والد موسى، أورده العسكري في الأفراد. وروى محمد بن الفضل بإسناده إلى موسى بن عبد الله بن يزيد النخعي، عن أبيه أنه كان يصلي للناس، فكان الناس يرفعون رءوسهم ويضعونها قبل أن يضع، فقال: أيها الناس، إنكم تأثمون ولو تستقيمون لصليت بكم صلاة رسول الله - ﷺ - لا أخرم منها شيئًا. ورواه أحمد بن خُلَيد الحلبي، عن أبي نعيم، عن محمد بن موسى الأنصاري، عن موسى بن عبد الله، عن أبيه ولم يقل النخعي، وأورده الطبراني في ترجمة عبد الله ابن يزيد الخطمي، وهو أنصاري لا نخعي، وهو به أشبه، أخرجه أبو موسى، قلت: هو الخطمي لا شبهة فيه، وابنه موسى يروي عنه، ولعل الراوي قد رآه مصحفًا فإن النخعي قريب من الخطمي في الكتابة -والله أعلم-. اهـ. يزيد البجلي (١) له حديث: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» أورده ابن قانع (٢). وخامسهم: غلط فيه ابن المبارك (٣) في حديث ابن مربع: «كونوا على مشاعركم» (٤). ---------- (١) انظر ترجمته في «الإصابة» ٢/ ٣٨٣ (٥٠٣٥). (٢) «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ١٠١ في ترجمة: عبد الله بن يزيد البجلي. (٣) روى يعقوب بن سفيان الفسوي في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٢١٠ - ٢١١ هذا الحديث عن الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عمرو أنه سمع عبد الله بن صفوان بن أمية، قال: أخبرني يزيد بن شيبان الأزدي، قال: كنا وقوفًا بعرفة … الحديث. ثم قال: وروى ابن المبارك، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن عبد الله بن يزيد، قال: كنا وقوفًا … قال يعقوب: فذكرت ذلك لصدقة بن الفضل، فقال: هذا من ابن المبارك، غلط فيه. قلت: فإن عليّ بن الحسن بن شقيق قال: سمعته من سفيان مثله. فقال صدقة: اتكل على سماع غيره. اهـ. وعلق الحافظ على ذلك ففال: الحديث مخرج في السنن من طرق اتفقت على قوله عن يزيد بن شيبان. اهـ. «الإصابة» ٣/ ١٤٤ - ١٤٥ (٦٦٥٤). تنبيه: كذا وقع في «المعرفة والتاريخ» أنه سمع عبد الله بن صفوان، وهو خطأ وصوابه: عمرو بن عبد الله بن صفوان كما في مصادر تخريج الحديث. (٤) رواه أبو داود (١٩١٩)، والترمذي (٨٨٣)، وقال: حديث ابن مربع الأنصاري حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، والنسائي ٥/ ٢٥٥، وفي «الكبرى» ٢/ ٤٢٤ (٤٠١٠)، وابن ماجه (٣٠١١)، وأحمد ٤/ ١٣٧ (١٧٢٣٣)، والحميدي ١/ ٤٩١ (٥٨٧)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٨/ ٤٤٦، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ٣/ ٢٣٦ (١٣٨٧٣) كتاب: الحج، باب من قال: عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٤/ ١٦٨ (٢١٤٩) ويعقوب الفسوي في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٢١٠ وابن خزيمة في «صحيحه» ٤/ ٢٥٥ (٢٨١٩) والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» ٣/ ٢٩٨ (١٧٧٥) والمحاملي في «أماليه» (٣٤٥) وابن قانع في «معجم الصحابة» = فائدة: هذا الحديث في إسناده من الطرف رواية صحابي عن صحابي. وأما عدي بن ثابت (١) فهو أنصاري كوفي سمع جده لأمه عبد الله بن يزيد الخطمي والبراء بن عازب وغيرهما من الصحابة، وعنه: شعبة والأعمش وغيرهما. قَالَ أحمد: ثقة. وأما الحجاج فهو أبو محمد حجاج بن منهال السلمي مولاهم البصري الأنماطي سمع شعبة وغيره من الكبار، وعنه الأعلام: البخاري وغيره واتفقوا على الثناء عليه، وكان صاحب سنة يظهرها، وُلِد سنة أربعين ومائة، ومات سنة ست عشرة، وقيل: سبع عشرة ومائتين. قَالَ المزي في «تهذيبه»: روى له الستة (٢) ولم يعدد أولًا فيمن روى عنه منهم غير البخاري، وقال النووي في «شرحه»: روى عنه: البخاري ومسلم (وأبو داود) (٣). وقال شيخنا قطب الدين في «شرحه»: روى له البخاري، وروى ----------------- = ١/ ٢٣٠، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٦٢ وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي في «التلخيص»: صحيح. والحديث صححه الألباني كما في «صحيح أبي داود» (١٦٧٥)، و«صحيح الجامع» (٤٣٩٤). (١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٠٨، «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٤ (١٩٦)، «الثقات» ٢/ ١٣٢ (١٢٢٢)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٢ (٥)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ٢٧٠، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٥٢٢ - ٥٢٤ (٣٨٨٣). (٢) «تهذيب الكمال» ٥/ ٤٥٩ (١١٢٨). (٣) من (ف). مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه (١) (والصواب الأول) (٢). فائدة: ليس في الكتب الستة حجاج بن منهال سواه. الوجه الثالث: فسّر الشاكلة في الآية بالنية. وفسرها الزجاج بالطريقة والمذهب والليث: بما يوافق فاعله، فالكافر ييأس عند الشدة بخلاف المؤمن ويدل عليه قوله: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٤]. ومعنى: «يحتسبها» يبتغي بها وجه الله. وقوله: «فم» هو: بالميم وروي بحذفها وإثبات الياء وهو أصوب، والأول لغة قليلة. الوجه الرابع: في هذِه الأحاديث أحكام كثيرة نشير إلى بعضها هنا؛ لأنها ستأتي في مواضعها مبسوطة. وأما حديث «إنما الأعمال بالنيات» فسلف الكلام عليه مبسوطًا كما نبهنا عليه. ومنها: الحث على الإخلاص وإحضار النية في جميع (الأعمال) (٣) الظاهرة والخفية. -------------------- (١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ١/ ٣٠٧، «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٨٠ (٢٨٤١)، «معرفة الثقات» ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧ (٢٦٩)، «الجرح والتعديل» ٣/ ١٦٧ (٧١١). (٢) في (ف): فاعلم ذلك. (٣) في (ج): الأفعال. ومنها: الرد على قول المرجئة: إن الإيمان إقرار باللسان دون الاعتقاد بالجنان. وهو مراد البخاري بهذا الباب وقد سلف بسط ذَلِكَ، وهو مردود بالنصوص والإجماع في أن المنافقين من أهل الدرك الأسفل من النار. ومنها: أن النفقة على العيال وإن كانت من أفضل الطاعات فإنما تكون طاعة إذا نوى بها وجه الله، وكذا نفقته على نفسه وضيعته ودابته وغير ذَلِكَ إذا نوى بها ذَلِكَ، وإلى ذَلِكَ الإشارة بقوله - ﷺ -: «حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِم امْرَأَتِكَ» ولو حصل فيه حظ نفس في ضمنه من لذة وغيرها فإن الوضع يكون غالبًا لحظ النفس من شهوة وغيرها، ونبَّه بذلك على الأعلى من كسوة وغيرها. ٤٢ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] ٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وِايتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِم. [٥٨، ٥٢٤، ١٤٠١، ٢١٥٧، ٢٧١٤، ٢٧١٥، ٧٢٠٤ - مسلم:٥٦ - فتح:١/ ١٣٧] ٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ الُمغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ. ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لأمِيرِكمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ. ثمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ. فَشَرَطَ عَلَيَّ: «وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ». فَبَايَعْتُهُ عَلَى هذا، وَرَبِّ هذا الَمسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ. [انظر: ٥٧ - مسلم: ٥٦ فتح: ١/ ١٣٩] حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البجلي قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا أَبُو النّعْمَانِ نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ باتِّقَاءِ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيَكُمُ الآنَ. ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ. فَشَرَطَ عَلَيَّ: وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلمٍ. فَبَايَعْتُهُ عَلَى هذا، وَرَبِّ هذا المَسْجِدِ إِنِّي لنَاصِح لَكُمْ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنزَلَ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث خرجه البخاري هنا كما ترى، وخرَّجه في كتاب البيوع (١) بلفظ: بايعتُ رسول الله - ﷺ - على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم. وأخرجه مسلم بلفظين: أحدهما كلفظ البخاري الأول (٢)، والثاني بلفظ: بايعتُ رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة فلقَّنني: «فِيمَا اسْتَطَعْتَ». وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ (٣). الوجه الثاني: في التعريف برجاله: أما الإسناد الأول فمسدد، ويحيى، وهو ابن سعيد القطان، وإسماعيل وهو ابن أبي خالد التابعي فسلف بيانهم. وأما جرير (ع) فهو أبو عبد الله -أو أبو عمرو- جرير بن عبد الله بن جابر وهو الشليل (٤) بن مالك بن نصر بن ثعلبة البجلي الأحمسي -بالحاء والسين المهملتين- الكوفي. -------------------- (١) سيأتي برقم (٢١٥٧) كتاب: البيوع، باب: هل يبيع حاضر لبادٍ بغير أجر. (٢) مسلم (٥٦/ ٩٧) كتاب: الإيمان، باب: بيان أن الدين النصيحة. (٣) مسلم (٥٦/ ٩٩) كتاب: الإيمان، باب: بيان أن الدين النصيحة. (٤) ورد في بعض المصادر: السليل. انظر: «تهذيب الكمال» ٤/ ٥٣٣، «تهذيب التهذيب» ١/ ٢٩٦. وبجيلة قبيلة معروفة نسبوا إلى بجيلة بنت (صعب) (١) بن سعد العشيرة. قَالَ ابن إسحاق: جرير سيد قبيلته. يعني: بجيلة. قَالَ: وبجيلة بن أنمار بن نزار بن معد بن عدنان. نزل جرير الكوفة، ثم تحول إلى قرقيسيا (٢) وبها توفي سنة إحدى وخمسين. وقيل غير ذَلِكَ. له مائة حديث اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بحديثٍ ومسلم بستة، كذا في شرح شيخنا قطب الدين، وفي شرح النووي: روي له (مائتا) (٣) حديثٍ، انفرد البخاري بحديثٍ، وقيل: بستةٍ. ولعل صوابه: ومسلم بستةٍ بدل: وقيل: بستة. كان قدومه على رسول الله - ﷺ - سنة عشر في رمضان، (فبايعه وأسلم وقيل أسلم) (٤) قبل وفاة رسول الله - ﷺ - بأربعين يومًا، وكان يصلي إلى سنام البعير، وكانت نعله ذراعًا، واعتزل الفتنة، وكان يدعى يوسف هذِه الأمة لحسنه. روى عنه بنوه: عبد الله، والمنذر، وإبراهيم، وابن ابنه أبو زرعة هرم، ومناقبه جمة، ومنها أن وكيله اشترى له فرسًا بثلاثمائة، فتخيل جرير أنها تساوي أربعمائة، قَالَ لصاحبها: أتبيعها بأربعمائة؟ قَالَ: --------------------- (١) في الأصول (صعبة)، والصواب ما أثبتناه كما في «الاستيعاب» ١/ ٣٠٨، «أسد الغابة» ١/ ٣٣٣، «عمدة القاري» ١/ ٣٧٠. (٢) قَرْقِيْسِيا: بفتح أوله، وإسكان ثانيه، بعده قاف أخرى مكسورة، وياء ساكنة وسين مكسورة وياء أخرى وألف ممدودة ويقال بياء واحدة، بلد على نهر الخابور قرب رحبة مالك بن طوق على ستة فراسخ وعندها مصب الخابور في الفرات فهي في مثلث بين الخابور والفرات. انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ١٠٦٦، «معجم البلدان» ٤/ ٣٢٨. (٣) في (ف): روى له مائتي. (٤) في (ج): فبايعه وأسلم، وقيل: أسلم. نعم. ثم تخيل أنها تساوي خمسمائة قَالَ: أتبيعها بخمسمائة؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فلم يزل كذلك حتى اشتراها منه بثمانمائة وقال: بايعت رسول الله على النصح لكل مسلم (١). فائدة: ليس في الصحابة جرير بن عبد الله البجلي إلا هذا، وفيهم: جرير بن عبد الله الحميري (٢) فقط، وقيل: ابن عبد الحميد. وفيهم جرير بن الأرقط (٣)، وجرير بن أوس الطائي، وقيل: خريم (٤)، وجرير أو أبو جرير، يُروى (حديثه) (٥) عن أبي ليلى الكندي عنه (٦). وأما الراوي عنه فهو أبو عبد الله قيس بن أبي حازم. واسم أبي حازم عبد عوف بن الحارث، ويُقال: عوف بن عبد الحارث بن عوف الأحمسي البجلي الكوفي التابعي المخضرم. أدرك الجاهلية، وجاء ليبايع النبي - ﷺ - فقُبض وهو في الطريق -ووالده صحابي- سمع خلقًا من الصحابة منهم: العشرة المشهود لهم بالجنة، وليس في التابعين من يروي عنهم غيره. وقيل: لم يسمع عبد الرحمن بن عوف، وعنه جماعة من التابعين، وجلالته متفق ------------------ (١) انظر ترجمة جرير في: «معرفة الصحابة» ٢/ ٥٩١ - ٥٩٩ (٤٨٣)، «الاستيعاب» ١/ ٣٠٨ - ٣١٠ (٣٢٦)، «أسد الغابة» ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤ (٧٣٠)، «الإصابة» ١/ ٢٣٢ (١١٣٦). (٢) انظر ترجمته في: «أسد الغابة» ١/ ٣٣٢ (٧٢٩)، «الإصابة» ١/ ٢٣٢ (١١٣٧). (٣) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ١/ ٥٩٩ (٤٨٤)، «أسد الغابة» ١/ ٣٣٢ (٧٢٧)، «الإصابة» ١/ ٢٣١ (١١٣٤). (٤) انظر: «أسد الغابة» ١/ ٣٣٢ (٧٢٨)، «الإصابة» ١/ ٢٣١ (١١٣٥). (٥) في (ف): حديث. (٦) انظر ترجمته في: «أسد الغابة» ١/ ٣٣٤. عليها، وهو أجود الناس إسنادًا كما قاله أبو داود (١). ومن طرف أحواله أنه روى عن جماعة من الصحابة لم يرو عنهم غيره منهم (أبوه، ودكين) (٢) بن سعيد، والصنابحي بن الأعسر، ومرداس الأسلمي - رضي الله عنهم -. مات سنة أربع، وقيل: سبع وثمانين، وقيل: سنة ثمان وتسعين (٣). وأما الإسناد الثاني: فالراوي عن جرير زياد وهو: أبو مالك زياد بن عِلاقة -بكسر العين المهملة- بن مالك الثعلبي -بالثاء المثلثة- الكوفي، سمع: جريرًا وعمه قطبة بن مالك وغيرهما من الصحابة وغيرهم، وعنه جماعات من التابعين منهم الأعمش، وكان يخضب بالسواد، وثقوه (٤). وأما الراوي عنه فهو: أبو عوانة -بفتح العين المهملة- الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي سلفت ترجمته واضحة، وكررها النووي، وهي من آخر ما انتهى إليه «شرحه» رحمه الله. وأما الراوي عنه فهو: أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري المعروف بعَارِم وكان بعيدًا منه، لأن العرامة: الشراسة والفساد، يُقال: عَرِمَ يَعْرم عَرامة -بالفتح- وصبي عارم أي: شرس، من (العُرَام) (٥) بضم العين. قَاله الجوهري (٦). ------------------ (١) «سؤالات الآجري» ص ١١٣ (٤٥). (٢) في (ف): أبو ود كثير. (٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٦٧، «التاريخ الكبير» ٧/ ١٤٥ (٦٤٨)، «الجرح والتعديل» ٧/ ١٠٢ (٥٧٩)، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ١٠ - ١٦ (٤٨٩٦). (٤) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣١٦، «التاريخ الكبير» ٣/ ٣٦٤، (١٢٣٤)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٧٣ (٥١١)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٤٠، (٢٤٣٧)، «الثقات» ٤/ ٢٥٨، «تهذيب الكمال» ٩/ ٤٩٨ - ٥٠٠ (٢٠٦١). (٥) في (ف): العرامة. (٦) «الصحاح» ٥/ ١٩٨٣، مادة: (عرم). سمع ابن المبارك وخلائق، وعنه: البخاري وغيره من الأعلام. قَالَ أبو حاتم: إذا حدثك عارم فاختم عليه. وكان سليمان بن حرب يقدمه على نفسه إذا خالفه في شيء رجع إلى ما يقول. وقال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: اختلط أبو النعمان في آخر عمره وزال عقله، فمن سمع منه قبل الاختلاط فسماعه صحيح، وكتبتُ عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة (١). وقد أسلفنا أن البخاري روى عنه بغير واسطة، وروى مرة عنه بواسطة (٢)، وكذا مسلم والأربعة (٣). مات سنة أربع وعشرين ومائتين (٤). الوجه الثالث: ذكر البخاري في الباب ثلاثة أحاديث: حديثين مسندين عن جرير، والثالث حديث: «الدين النصيحة» ذكره معلقًا كما تراه، وقد أخرجه مسلم في «صحيحه» مسندًا من حديث سهيل، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري أن النبي - ﷺ - قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (ثلاثة) (٥) قلنا: --------------- (١) «الجرح والتعديل» ٨/ ٥٩ (٢٦٧). (٢) سيأتي برقم (٤٦٢٠) كتاب: التفسير، باب: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. (٣) أي بواسطة فإن مسلم والأربعة لم يرووا عنه إلا بواسطة. (٤) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٠٥، «التاريخ الكبير» ١/ ٢٠٨ (٦٥٤)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٥٠ (١٦٣٤)، «المجروحين» ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٢٨٧ - ٢٩٢ (٥٥٤٧)، «التقريب» ص ٥٠٢ (٦٢٢٦). (٥) من (ج). لِمن؟ قَالَ: «لله وَبكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (١). وليس (لهم) (٢) في «صحيح مسلم» سواه، ولا أخرج البخاري (لهم) (٣) شيئًا، لأن سهيلًا ليس على شرطه. قَالَ الخطابي: ترجم البخاري على حديث: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» ولم يسنده؛ لأن راوي الحديث تميم، وأشهر طرقه سهيل بن أبي صالح وليس من شرطه، وروي أيضًا عن ابن عمر من طرق لا بأس بها (٤). قُلْتُ: فقوي إذن. وقد أخرج له البخاري مقرونًا (٥). وقال البخاري أيضًا: سمعت عليًّا -يعني: ابن المديني- يقول: كان سهيل له أخ (تَوَجَّد) (٦) عليه؛ فنسي كثيرًا من الأحاديث (٧). وقَالَ الحاكم: اجتهد مسلم وأكثر إخراجه (عنه) (٨) في الشواهد مقرونًا في أكثر روايته بحافظ لا يدافع، فسلم بذلك من نسبته إلى سوء الحفظ. وأغرب بعض شيوخنا فقال في تعليقه على هذا الصحيح: حديث جرير في النصح شبيه بحديث تميم المذكور عند ابن ------------------- (١) مسلم (٥٥) كتاب: الإيمان، باب: بيان أن الدين النصيحة. (٢) في (ج): لتميم. (٣) في (ج): لتميم. (٤) «أعلام الحديث» ١/ ١٨٧. (٥) سيأتي برقم (٢٨٤٠) كتاب: الجهاد، باب: فضل الصوم في سبيل الله. قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» ٢/ ١٢٩: وعاب ذلك عليه النسائي، فقال السلمي: سألت الدارقطني: لم ترك البخاري حديث سهيل في كتاب «الصحيح»؟ فقال: لا أعرف فيه عذرًا، فقد كان النسائي إذا مرّ بحديث سهيل، قال: سهيل -والله- خير من أبي اليمان، ويحيى بن بكير وغيرهما. اهـ. (٦) في (ج): فوجد. (٧) انظر: «تهذيب التهذيب» ٢/ ١٢٩. (٨) من (ج). خزيمة في كتابه: «السياسة»، ثم ساقه بسياقة مسلم ولا شك أن عزوه إليه أولى. الوجه الرابع: النصح نقيض الغش. نَصَحَ له ونَصَحَه يَنْصَح نُصْحًا ونُصوحًا ونِصاحة ونَصاحة قاله ابن سيده (١)، وقال صاحب «الجامع»: النصح: بذل المودة والاجتهاد في المشورة. وقال ابن طريف: نَصُحَ قلبُ الإنسان خَلُصَ من الغش، قَالَ الجوهري: وهو باللام أفصح (٢). وفي «الغريبين»: نصحته: صدقته. الوجه الخامس: هذا الحديث عظيم جليل حفيل عليه مدار الإسلام لا كما قيل: إنه ربعه؛ فإن النصيحة كلمة جامعة معناها: حيازة الحظ للمنصوح له، وهو من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، ويقال: إنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي بها العبارة على معنى هذِه الكلمة كما قالوا في الفلاح: ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه. وقيل: النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه. والنصاح: الخيط، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بفعل الخياط فيما يسده من خلل الثوب. ------------------ (١) «المحكم» ٣/ ١١٣. (٢) «الصحاح» ١/ ٤١٠، مادة: (نصح). ويقصد الجوهري بقوله: وهو باللام أفصح، قول الذبياني الذي أنشده: نَصَحْتُ بني عوفٍ فلم يَتَقَبَّلوا … رسولي ولم تَنْجَح لديهم وسائلي أي: نَصَحْت لِبَني. وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع. شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط. ومعنى الحديث: عماد الديق وقوامه النصيحة كقوله: «الحج عرفة» (١) أي: عماده ومعظمه، كما يُقال: الناس تميم، والمال الإبل. وإنما استفصلت (الكلمة) (٢)؛ لأنها من باب المضاف فقال: «(لله) (٣) ولكتابه» حلها شائعة في كل سهم من سهام الدين، وفي كل طبقة من طبقات أهله. فأما النصيحة لله فمعناها منصرف إلى الإيمان به ونفي الشرك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال (والجلال) (٤) كلها، وتنزيهه -سبحانه وتعالى- عن جميع أنواع النقائص وصفات المحدث، والقيام بطاعته واجتناب مخالفته، والحب فيه والبغض فيه، وموالاة من والاه ومعاداة من عصاه، وجهاد من كفر به، والاعتراف (بنعمه) (٥) التي لا تُحصى وشكره عليها، والإخلاص له في جميع الأمور، والدعاء إلى جميع هذِه الأوصاف، وحث الناس عليها، والتلطف في جمعهم وإرشادهم إليها، وحقيقة هذِه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه نفسه؛ (فالله) (٦) تعالى غني عن نصح الناصح وعن العالمين. ------------------ (١) رواه أبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي ٥/ ٢٥٦، وابن ماجه (٣٠١٥) من حديث عبد الرحمن بن يعمر. وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٧٠٥). (٢) من (ف). (٣) من (ج). (٤) من (ج). (٥) في (ف): بنعمته. (٦) في (ج): فإنه. وأما النصيحة لكتابه تعالى فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله، لا يشبهه شيء من كلام (الخلق) (١)، ولا يقدر الإنس والجن لو اجتمعوا على الإتيان بسورة مثله، ثم تعظيمه وتلاوته حقها وتحسينها والخشوع عندها وإقامة ألفاظه، والذب عنه لتأويل الملحدين وتحريف المحرفين وتعرض (الطاعنين) (٢)، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه، والعمل بما اقتضى منه عملًا، ودوام تدبره، والتصديق بوعده ووعيده إلى غير ذَلِكَ. وأما النصيحة لرسوله - ﷺ - فمعناها تصديقه في إرساله، وقبول ما جاء به ودعا إليه، والطاعة له فيما سن وحكم وشرَّع وبيَّن من أمر الدين، وإعظام حقه، وتوقيره، ومؤازرته، وإحياء طريقته في بث الدعوة، وإشاعة السنة ونفي التهمة عنه فيما قَالَه، فإنه كما قَالَ تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. وأما النصيحة لأئمة المسلمين فهم الخلفاء الراشدون ومن بعدهم ممن يلي أمر الأمة ويقوم، ومن نصحهم: بذل الطاعة لهم في المعروف، والصلاة خلفهم، وجهاد الكفار معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج عليهم بالسيف إذا ظهر منهم سوء سيرة، وتنبيههم عند الغفلة، وألا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى بصلاحهم، وقد يتأول ذَلِكَ في الأئمة الذين هم علماء الدين، ومن ---------------------- (١) في (ج): الناس. (٢) في (ف): طاعن. نصحهم: قبول ما رووا إذا انفردوا، وتقليدهم، ومبايعتهم، وحسن الظن بهم. وأما نصيحة عامة المسلمين: فتعليمهم ما يجهلونه، وإرشادهم إلى مصالحهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة كما قَالَ تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وكقوله تعالى حكاية عن إبراهيم -عليه السلام-: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾، و﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] الآيتين. قَالَ الآجري: ولا يكون ناصحًا إلا من بدأ بالنصيحة لنفسه فعلمها؛ ليعلم ويحذر من مكائد الشيطان ويخالف النفس في هواها (١). قَالَ عيسى صلوات الله وسلامه عليه: الناصح لله الذي يبدأ بحقه قبل حق الناس، ويبدأ بأمر الآخرة قبل الدنيا (٢). قَالَ الحسن البصري: مازال لله نصحاء ينصحون الناس في عباده، وينصحون لعباد الله في حق الله (عليهم) (٣)، ويعملون له في الأرض بالنصيحة، أولئك خلفاء الله في الأرض. ------------------- (١) قال الأجري في كتاب «الأربعين حديثًا» ص ٤٤٦ بعد إيراده حديث: «الدين النصيحة» هذا: قد سألنا سائل عن هذا الحديث فقال: تخبرني كيف النصيحة لله -عز وجل-، وكيف النصيحة لكتاب الله جل ثناؤه، وكيف النصيحة لرسوله ..؟ فأجبناه فيه كيف النصيحة على هذا الترتيب الذي سأل عنه بجزء ينبغي لكل مؤمن عاقل أديب يطلبه ويتعلمه. (٢) رواه أحمد في «الزهد» ص ٧٣ باب: من مواعظ عيسى -عليه السلام-، ونعيم بن حماد في «زوائده على الزهد لابن المبارك» ص ٣٤ (١٣٤). (٣) في (ف): عليكم. الوجه السادس: مراد البخاري بهذا الباب: وقوع الدين على العمل؛ فإنه سَمى النصيحة دينا وإسلامًا، وبايعه على النصح لكل مسلم كما بايعه على الصلاة والزكاة، فالنصح معتبر بعد الإسلام. وظن ابن بطال في «شرحه» (١) أن مقصود البخاري الرد على من زعم أن الإسلام القول دون العمل، وهو ظاهر العكس؛ لأنه لما بايعه على الإسلام فشرط عليه: «والنصح» فلو دخل في الإسلام لما استأنف له بيعة. السابع: النصيحة فرض على الكفاية لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي فهو في سعة، فيجب على من علم بالمبيع عيبًا أن يبينه بائعا كان أو أجنبيًّا، ويجب على الوكيل والشريك والخازن النصح. الثامن: قد تكون عامة وقد تكون خاصة، وقد سلف ذَلِكَ عند حديث عبادة إثر باب علامة الإيمان حب الأنصار، وكان المغيرة واليًا على الكوفة لعمر بن الخطاب ثم لمعاوية بعده، ومات بها وهو والٍ عليها سنة خمسين. التاسع: قول جرير: (عليكم بالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ). أي: الزموهما. ----------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ١٢٩. ويؤخذ منه أن العالم إذا رأى أمرًا يخشى منه الفتنة على الناس أن (يعظهم) (١) في ذَلِكَ ويرغبهم في الألفة وترك الفرقة. ومعنى قوله: («حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ») أي: يقوم بأمركم وينظر في مصالحكم. وقوله: («فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ») جعل الوسيلة إلى عفو الله بالدعاء بأغلب خلال الخير عليه وما كان يحبه في حياته من العفو عمن أذنب إليه، وكذلك يُجْزى كل أحد يوم القيامة (٢) (بأحسن خلقه وعمله في الدنيا) (٣). ------------------- (١) في الأصول: يعظم، ولعل الصواب ما أثبتناه. (٢) هنا انتهى الجزء الأول من المخطوط (ف) ويبدأ بعد ذلك جزء آخر وهو بخط مختلف وبترقيم جديد. (٣) من (ج). ![]()
__________________
|
|
#63
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 246 الى صـــ 265 الحلقة (62) كِتابُ العِلْمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٣ - كتاب العلم ١ - باب فَضْلِ العِلْمِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]. وَقَوْلِهِ -عز وجل-: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. [فتح: ١/ ١٤٠] استفتح البخاري رحمه الله هذا الباب بآياتٍ من القرآن العظيم تبركًا. قَالَ ابن مسعود: مدح الله تعالى العلماء في هذِه الآية أي: يرفع الله الذين آمنوا وأوتوا العلم عَلَى الذين آمنوا ولم يؤتوه درجات في دينهم (١) أي: وفي الآخرة إِذَا فعلوا ما أُمروا به. وقيل: يرفعهم في الثواب والكرامة. ------------------- (١) أورده بمعناه البغوي في «تفسيره» ٨/ ٥٨ - ٥٩. والقرطبي في «تفسيره» ١٧/ ٢٩٩. وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٢٧١ لابن المنذر. وقيل: في الفضل في الدنيا والمنزلة، وقيل: إن المراد بالعلم في الآية الثانية القرآن (١). وكان كلما نزل شيء منه ازداد به -عليه السلام- علمًا، وقيل: ما أمر الله رسوله بزيادة الطلب في شيء إلا في العلم، وقد طلب موسى -عليه السلام- الزيادة فقال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] وكان ذَلِكَ لما سُئِلَ: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليها (٢). وجاء في كثير من (الآثار) (٣) أن درجات العلماء تتلوا درجات الأنبياء ودرجات أصحابهم، فالعلماء ورثة الأنبياء (٤) وإنما ورثوا العلم وبينوه للأمة وذبوا عنه وحموه من تحريف الجاهلين و(انتحال) (٥) المبطلين (٦). وقال زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] قَالَ: بالعلم (٧). -------------------- (١) ذكره ابن الجوزي في «زاد المسير» ٥/ ٣٢٧ ونسبه لمقاتل. (٢) سيأتي برقم (٧٤) كتاب: العلم، باب: ما ذكره في ذهاب موسى -عليه السلام- في البحر إلى الخضر. (٣) في (ف): الآيات. (٤) جزء من حديث أورد البخاري بعضه في كتاب العلم ضمن عنوان، باب: العلم قبل القول والعمل، فقال: «وإن العلماء هم ورثة الأنبياء» وسيأتي كلام المصنف عليه هناك. (٥) في (ف): إبطال، والمثبت من (ج). (٦) مصداقًا لقوله - ﷺ -: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الجاهلين وانتحال المبطلين وتأويل الغالين» وسوف يأتي تخريج هذا الحديث موسعًا إن شاء الله. (٧) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٤/ ١٣٣٥ (٧٥٥٠)، وعزاه السيوطي في "الدر = وجاء في فضل العلم وآدابه أحاديث صحيحة منتشرة وآثار مشهورة منها: قوله - ﷺ -: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». وسيأتي -حيث ذكره البخاري (١) - قريبًا جملة منها فإنه ذكرها متفرقة فيما سيأتي، وقد أفرده العلماء بالتصنيف كالحافظ أبي بكر الخطيب (٢) وغيره (٣) فلا نطول به. ----------------- = المنثور«٣/ ٥١ لأبي الشيخ. (١) سيأتي برقم (٧١) كتاب: العلم، باب: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين. (٢) له أكثر من مصنف منها»الرحلة في طلب الحديث«، و»الفقيه والمتفقه«، و»شرف أصحاب الحديث«، و»الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع«. (٣) كابن عبد البر كتاب»جامع بيان العلم وفضله". ٢ - باب مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الْحَدِيثَ، ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ ٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ ح. وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الُمنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ - ﷺ - فِي مَجْلِسِ يُحَدِّثُ القَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ. حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ -أُرَاة- السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟». قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». [٦٤٩٦ - فتح: ١/ ١٤١] ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانِ، ثنَا فُلَيْحٌ وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، ثنَا مُحَمَّدُ ابْنُ فُلَيْحٍ، ثَنا أَبِي ثنا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ - ﷺ - فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ. حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ -أُرَاهُ- السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟». قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَإذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُشَدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف برجاله: أما أبو هريرة فسلف، وأما الراوي عنه فكذلك، وهو: عطاء بن يسار وإن كرره شيخنا قطب الدين في «شرحه»، وأما الراوي عنه فهو هلال (ع)، بن أبي ميمونة، وقيل: ابن أبي هلال علي قاله البخاري (١)، وقيل: هلال بن أسامة، نسبة إلى جده الفهري، سمع أنسًا وغيره. قَالَ أبو حاتم: يكتب حديثه وهو شيخ. قَالَ الواقدي: مات في آخر خلافة هشام (٢). وأما الراوي عنه فهو فليح (ع) بن سليمان العدوي مولاهم (المدني) (٣) روى عن نافع وغيره، وعنه ابنه محمد وغيره. قَالَ ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: هو عندي لا بأس به (٤). وقد اعتمده البخاري في «صحيحه»، وقال الحاكم: اجتماعه مع مسلم في إخراجهما عنه (في الأصول) (٥) يؤكد أمره ويسكن القلب فيه إلى تعديله، مات سنة ثمان وستين ومائة (٦). ------------------- (١) «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٠٤ (٢٧٢٠). (٢) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٩/ ٧٦ (٣٠٠)، «الثقات» ٥/ ٥٠٥، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٣٤٣ (٦٦٢٦)، «تهذيب التهذيب» ٤/ ٢٩٠. (٣) من (ج). (٤) «الكامل» ٧/ ١٤٤. (٥) من (ج). (٦) قال ابن حجر في «هدي الساري» ص ٤٣٥: لم يعتمد عليه البخاري اعتماده على مالك وابن عيينة وأضرابهما، وإنما أخرج له أحاديث أكثرها في المناقب وبعضها في الرقاق. وفليح: لقب غلب عليه، واسمه: عبد الملك. وقال في: «تهذيب التهذيب» ٣/ ٤٠٤: وقال ابن القطان: أصعب ما رمي به ما روي عن يحيى بن معين، عن أبي كامل قال: كنا نتهمه؛ لأنه كان يتناول أصحاب النبي - ﷺ -. كذا ذكر هذا، وهكذا ابن القطان في كتاب: «البيان» له، وهو من التصحيف الشنيع الذي وقع له. والصواب ما تقدم. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤١٥، «التاريخ الكبير» ٧/ ١٣٣ (٦٠١)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٨٤ - ٨٥ (٤٧٩)، «الثقات» ٧/ ٣٢٤، «الكامل» ٧/ ١٤٤ (١٥٧٥)، «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٣١٧ - ٣٢٢ (٤٧٧٥). وأما الراوي عنه فهو: ولده محمد (خ. س. ق) روى عن هشام ابن عروة، وغيره وعنه: هارون بن موسى الفروي وغيره، لينه ابن معين. وقال أبو حاتم: ما به بأس، ليس بذاك القوي (١) مات سنة سبع وتسعين ومائة (٢). وأما الراوي عنه فهو إبراهيم (خ. د. ت. ق) بن المنذر الحزام -بالحاء والزاي- الأسدي أحد العلماء بالمدينة، روى عن ابن وهب وابن عيينة وعدة، وعنه خلق. منهم: البخاري وابن ماجه، وروى البخاري، عن محمد بن غالب عنه، وروى النسائي عن رجل عنه، وأخرج لَهُ الترمذي أيضًا، صدوق، قَالَ النسائي: ليس به بأس، مات سنة ست، وقيل: خمس وثلاثين ومائتين (٣). ----------------------- (١) «الجرح والتعديل» ٨/ ٥٩. (٢) قال ابن حجر في «هدي الساري» ص ٤٤٢: أخرج له البخاري نسخة من روايته عن أبيه، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة، وبعضها عن هلال، عن أنس بن مالك، توبع على أكثرها عنده وله نسخة أخرى عنده بهذا الإسناد، لكن عن عبد الرحمن بن أبي عمرة بدل عطاء بن يسار وقد توبع فيها أيضًا وهي ثمانية أحاديث والله أعلم. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٠٩ (٦٥٧)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٥٩ (٢٦٩)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٤٤٠، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٢٩٩ - ٣٠١ (٥٥٤٩)، «ميزان الاعتدال» ٥/ ١٣٥ (٨٠٦٣). (٣) هو إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، القرشي، الحزامي، أبو إسحاق المدني وجدُّه خالد بن حزام أخو حكيم بن حزام. قال يحيى بن معين والدارقطني: ثقة. وقال صالح بن محمد: صدوق. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: صدوق. وقال الساجي: بلغني أن أحمد كان يتكلم فيه ويذمُّه، وكان قدم إلى ابن أبي دؤاد قاصدًا من = وأما محمد بن سنان (خ. د. ت. ق) فهو: أبو بكر العوقي -بفتح العين المهملة وقبل الياء قاف، ولم يكن من العوقة وهم حي من عبد القيس، وإنما نزل فيهم، كانت لهم محلة في البصرة فنزل عندهم فنسب إليهم. روى عن فليح و(همام) (١) وغيرهما وعنه: البخاري وأبو داود وخلق. قَالَ أبو حاتم: صدوق. وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين (٢). ثانيها: هذا الأعرابي لا يحضرني اسمه فليبحث عنه. ثالثها: تأخيره -عليه السلام- جواب السائل إلى أن قضى حديثه يحتمل؛ لأنه قَدْ شرع في جواب سائل سأله متقدم فكان أحق بتمامه ولو قطعه قَدْ لا يحصل للسائل فائدة جوابه أو كانت الحاجة إليه أمس فخاف فوته. -------------------- = المدينة، عنده مناكير. وقال الخطيب: أما المناكير فقلما توجد في حديثه إلا أن يكون عن المجهولين، ومع هذا فإن يحيى بن معين، وغيره من الحفاظ كانوا يرضونه ويوثقونه. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٣٣١ (١٠٤٣)، «الجرح والتعديل» ٢/ ١٣٩ (٤٥٠)، «الثقات» ٨/ ٧٣، «تاريخ بغداد» ٦/ ١٧٩ - ١٨١، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٠٧ - ٢١١ (٢٤٩)، «سير أعلام النبلاء» ١/ ٦٨٩ - ٢٩١ (٢٥٥)، «التقريب» ص ٩٤ (٢٥٣). (١) في (ف): هشام، والمثبت من (ج) وهو الصواب. (٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٠٢، «التاريخ الكبير» ١/ ١٠٩ (٣١٠)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٧٩ (١٥١٦)، «الثقات» ٩/ ٧٩، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٣٢٠ (٥٢٦٧)، «تهذيب التهذيب» ٣/ ٥٨١. رابعها: معنى: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ» أي: تولاه غير أهل الدين والأمانة ومن يعينهم عَلَى الظلم والفجور، وعند ذَلِكَ يكون الأئمة قَدْ ضيعوا الأمانة التي فرض الله عليهم حتَّى يؤتمن الخائن ويُسْتَخْوَن الأمين وهذا إنما يكون عند غلبة الجهل وضعف أهل الحق عن القيام به، نسأل الله العافية. خامسها: في أحكامه: الأول: أن من آداب المتعلم أن لا يسأل العالم مادام مشتغلًا بحديث أو غيره؛ لأن من حق القوم الذين بدأ بحديثهم أن لا يقطعه عنهم حتَّى يتمه. الثاني: الرفق بالمتعلم وإن جفا في سؤاله أو جهل؛ لأنه -عليه السلام- لم يوبخه عَلَى سؤاله قبل إكمال حديثه. الثالث: وجوب تعليم السائل والمتعلم؛ لقوله - ﷺ -: «أين السائل؟» ثم أخبره عن الذي سأل عنه. الرابع: مراجعة العالم عند عدم فهم السائل كقوله: كيف إضاعتها؟ الخامس: جواز اتساع العالم في الجواب، وأن يبقي منه إِذَا كان ذَلِكَ لمعنى. ٣ - باب مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعِلْمِ ٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ - ﷺ - فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاة وَنَحْن نَتَوَضَّأ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. [٩٦، ١٦٣ - مسلم: ٢٤١ فتح: ١/ ١٤٣] حدثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ وقَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ - ﷺ - فِي سفرة سافرناها، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادئ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه قريبًا في العلم عن مسدد، وفيه: وقد أرهقنا الصلاة صلاة العصر (١). وفي الطهارة عن موسى، وفيه: فأدركنا وقد أرهقنا العصر (٢)، وأخرجه مسلم في: الطهارة عن شيبان، وأبي كامل عن أبي عوانة به (٣). ------------------- (١) سيأتي برقم (٩٦) كتاب: العلم، باب: مَن أعاد الحديث ثلاثًا؛ ليفهم عنه. (٢) سيأتي برقم (١٦٣) كتاب: الوضوء، باب: غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين. (٣) مسلم (٢٤١/ ٢٧) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما. ثانيها: في التعريف برجاله: أما أبو النعمان: محمد، وأبو عوانة: الوضاح فقد سلفا، وكذا عبد الله بن عمرو. وأما الراوي عنه فهو: يوسف (ع) بن ماهك -بفتح الهاء والكاف، لا ينصرف؛ للعجمة والعلمية فارسي مكي تابعي ثقة، سمع ابن عمر وعائشة وغيرهما، وسمع والده ماهك. واسم أمه: مسيكة. وقال الدارقطني: بل ماهك ويذكر عن أبي داود وعلي بن المديني أن يوسف بن ماهك ويوسف بن ماهان واحد، مات سنة ثلاث عشر ومائة، وقيل: سنة عشر ومائة (١). وأما الراوي عنه فهو أبو بشر جعفر (ع) بن أبي وحشية واسمه إياس، واسطي بصري ثقة، كثير الحديث، لقي من الصحابة عباد بن شرحبيل اليشكري، وهو من قومه، روى عنه: شعبة وهشيم، مات سنة خمس وعشرين ومائة (٢). ---------------------- (١) هو يوسف بن ماهك بن بهزاذ الفارسي المكي، مولئ قريش، وقيل: يوسف بن مهران، والصحيح أنه غيره. قال ابن معين والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن خراش: ثقة عدل. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٧٠، «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٧٥ (٣٣٧٩)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٢٩ (٩٦١)، «الثقات» ٥/ ٥٤٩، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٤٥١ - ٤٥٤ (٧١٥٠)، «تهذيب التهذيب» ٤/ ٤٥٩ - ٤٦٠. (٢) هو جعفر بن إياس بن أبي وحشيَّة اليشكري أبو بشر الواسطي بصري الأصل. روى عن: خالد بن عرفطة، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران، ونافع مولى ابن عمر، وأبي عمير بن أنس بن مالك. وروى عنه: أيوب السختياني وخلف بن خليفة وأبو عوانة. وثقَّه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأحمد بن عبد الله = ثالثها: لما ذكر ابن ماجه من حديث جابر: «ويل للعراقيب» (١) قَالَ: هذا أعجب إليَّ من حديث عبد الله بن عمرو (٢)، وهو الذي ذكره البخاري ومسلم. وقد أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة أيضًا أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا لم يغسل عقبه فقال: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (٣) وقد أخرجه البخاري عنه في الطهارة كما سيأتي (٤). رابعها: هذِه السفرة قد جاءت مبينة في بعض طرق روايات مسلم: رجعنا مع رسول الله - ﷺ - من مكة إلى المدينة، حتَّى إِذَا كنا في الطريق تعجل قوم عند العصر فتوضئوا وهم عجال فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال النبي - ﷺ -: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أسبغوا الوضوء» (٥). --------------------- = العجلي، والنسائى. وكان شعبة يضعف حديث أبى بشر عن مجاهد وعن حبيب ابن سالم. انظر ترجمته في: «الطبقات» ٧/ ٢٥٣، «التاريخ الكبير» ٢/ ١٨٦ (٢١٤١)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٤٨٣ (١٩٢٧)، «الثقات» ٦/ ١٣٣، «تهذيب الكمال» ٥/ ١٠ (٩٣٢)، «تهذيب التهذيب» ١/ ٣٠٠ - ٣٠١. (١) «سنن ابن ماجه» (٤٥٤) كتاب: الطهارة وسننها، باب: غسل العراقيب. (٢) مقتضى السياق أن هذا القول قول ابن ماجه، ولم أقف عليه، بل وقفت عليه من قول الدارمي كما في «مسنده» ١/ ٥٥٢ (٧٣٤)، بعد روايته حديث أبي هريرة المذكور بعدُ. (٣) مسلم (٢٤٢) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما. (٤) سيأتي برقم (١٦٥) كتاب: الوضوء، باب: غسل الأعقاب. (٥) مسلم (٢٤١/ ٢٦) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما. خامسها: قوله: (وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصُّلَاةُ)، هو برفع الصلاة عَلَى أنها الفاعل أي: أعجلتنا؛ لضيق وقتها، وروي: أرهقنا الصلاة (١) بالنصب عَلَى أنها مفعولة أي: أخرنا الصلاة حتَّى كادت تدنو من الأخرى. قَالَ القاضي: وهذا أظهر (٢). قَال صاحب «الأفعال»: أرهقت الصلاة: أخرتها، وأرهقته: أدركتْهُ (٣). وقال الخليل: أرهقنا الصلاة: استأخرنا عنها (٤). وقال أبو زيد: رهقتنا الصلاة إِذَا حانت. وقال أبو عبيد: رَهَقْتُ القومَ غشيْتُهم ودنوتُ منهم (٥). وقال ابن الأعرابي: رهقته وأرهقته بمعنى دنوت منه. وقال الجوهري: رهقه -بالكسر- يرهقه رهقا غشيه، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (٦) وقال أبو زيد: أرهقه عسرا إِذَا كلفه إياه، يقال: لا ترهقني لا أرهقك الله أي: لا تعسرني لا أعسرك الله. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣] أي: تلحق بي، من قولهم: رهقه الشيء إِذَا غشيه، وقيل: لا تعجلني، ويجيء عَلَى قول أبي زيد: لا تكلفني. -------------------- (١) ستأتي هذِه الرواية برقم (٩٦) كتاب: العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه. (٢) «مشارق الأنوار» ١/ ٣٠٠ - ٣٠١. (٣) «الأفعال» ٢/ ٢٩. (٤) «العين» ٣/ ٣٦٧، مادة: (رهق). (٥) في «غريب الحديث» ٢/ ٣٨٧. (٦) «الصحاح» ٤/ ١٤٨٦، مادة: (رهق). سادسها: («ويل») من المصادر التي لا أفعال لها وهي كلمة عذاب وهلاك، وهي مقابل ويح يقال (١) لمن وقع فيما لا يستحقه: ويحه ترحمًا عليه، وعن أبي سعيد الخدري: ويل: واد في جهنم لو أرسلت (عليه) (٢) الجبال لماعت من حره (٣). وقيل: ويل صديد أهل النار (٤). سابعها: («الأعقاب»): جمع: عقب، وهي مؤخر القدم، وعقب كل شيء: آخره، وهي مؤنثة، وقال الأصمعي: العقب هو: ما أصاب الأرض من مؤخر الرجل إلى موضع الشراك. وقال ثابت: العقب هو: ما فضل من مؤخر القدم إلى الساق. ويقال: عقِب وعقْب بكسر القاف وسكونها. ثامنها: خص - ﷺ - الأعقاب بالعِقَاب؛ لأنها التي لم تغسل، ويحتمل أن يريد صاحبها، ففيه حذف المضاف، والألف واللام في الأعقاب الظاهر أنها عهدية، ويحتمل أن تكون للعموم. ------------------- (١) وقع في (ف) بعدها: ويحه. والكلام يستقيم بدونها. (٢) في (ج): فيه. (٣) أخرجه ابن المبارك في «الرقائق» ص ٩٥ (٣٣٢)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ١/ ١٥٣ (٨٠٠)، وابن جرير في «تفسيره» أيضًا ١/ ٤٢٣ (١٣٩٩)، والبيهقي في «البعث والنشور» ص ٢٥٩ (٥١٦). عن عطاء بن يسار، وليس عن أبي سعيد الخدري، ولفظه: لو سُيرت فيه الجبال لماعت من حره. (٤) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٧٩٩) ١/ ١٥٣، وابن جرير (١٣٨٦/ ١٣٨٧) ١/ ٤٢٢ عن أبي عياض. تاسعها: هذا الحديث مما ورد عَلَى سبب وفيه كثرة يحتمل إفراده بالتأليف. عاشرها: في أحكامه: الأول: وجوب استيعاب غسل الرجلين، وأن المسح غير كافٍ ولا يجب مع الغسل المسح، وهو إجماع من يعتد به (١). وقد ترجم عليه البخاري في الطهارة، باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين، ففهم منه أن القدمين لا يمسحان، بل يغسلان، لكن رواية مسلم السالفة: وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء (٢). قَدْ تفسر الرواية هنا: فجعلنا نمسح عَلَى أرجلنا، ولا شك أن هذا موجب للوعيد بالاتفاق وقد يؤول عَلَى أن المراد: لم يمسها الماء للغسل وإن مسها بالمسح، فيكون الوعيد وقع عَلَى الاقتصار عَلَى المسح فقط. وفي «صحيح ابن خزيمة» من حديث عمرو بن عنبسة الطويل: «ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله تعالى» (٣) وهو دالٌّ عَلَى أنّ الله تعالى أمر بغسلهما فلا عبرة إذًا بقول الشيعة: إن الواجب المسح (٤)، ولا بقول ابن جرير، والجُبّائي -من المعتزلة- إنه: مخير بينه وبين الغسل (٥)، ولا بإيجاب بعض الظاهرية الجمع بينهما (٦)، وقراءة الجر في الآية محمولة عَلَى النصب أو من باب عطف الجوار. ------------------- (١) انظر: «المجموع» ١/ ٤٤٧. (٢) مسلم (٢٤١) كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما. (٣) ١/ ٨٥ (١٦٥). (٤) انظر: «البحر الزخار» ٢/ ١٠٦، «نيل الأوطار» ١/ ٢٦٣. (٥) انظر: «الحاوي» ١/ ١٢٣، «المجموع» ١/ ٤٤٧، «المغني» ١/ ١٨٤، «البحر الزخار» ٢/ ١٠٦. (٦) انظر: «المجموع» ١/ ٤٤٧، «نيل الأوطار» ١/ ٢٦٣. الثاني: وجوب تعميم الأعضاء (بالمطهر) (١) وأن ترك البعض منها غير مجزئ. الثالث: تعليم الجاهل وإرشاده. الرابع: أن الجسد يعذب، وهو مذهب أهل السنة (٢). --------------------- (١) في (ج): الطهر. (٢) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن عذاب القبر، هل هو على النفس والبدن أو على النفس دون البدن؟ فقال: الحمد لله رب العالمين بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذِه الحال مجتمعين، كما يكون للروح منفردة عن البدن. وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة والكلام، وفي المسألة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل السنة والحديث، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان؛ وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم: الذين يقولون: لا يكون ذلك في البرزخ، وإنما يكون عند القيام من القبور. وقول من يقول: إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب، وإنما الروح هي الحياة، وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام، من المعتزلة، وأصحاب أبي الحسن الأشعري، كالقاضي أبي بكر، وغيرهم؛ وينكرون أن الروح تبقى بعد فراق البدن. وهذا قول باطل؛ خالفه الأستاذ أبو المعالي الجويني وغيره؛ بل قد ثبت في الكتاب والسنة، واتفاق سلف الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن، وأنها منعمة أو معذبة. والفلاسفة الإلهيون يقولون بهذا، لكن ينكرون معاد الأبدان، وهؤلاء لا يقرون بمعاد الأبدان؛ لكن ينكرون معاد الأرواح، ونعيمها وعذابها بدون الأبدان؛ وكلا القولين خطأ وضلال، لكن قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل الإسلام، وإن كان قد يوافقهم عليه من يعتقد أنه متمسك بدين الإسلام، بل من يظن أنه من أهل المعرفة والتصوف، والتحقيق والكلام. والقول الثالث: الشاذ. قول من يقول إن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب، بل = الخامس: جواز رفع الصوت في المناظرة بالعلم. السادس: أن العالم يُنكر ما يرى من التضييع للفرائض والسنن ويُغْلظ القول في ذَلِكَ ويرفع صوته للإنكار، كما ذكرنا. السابع: تكرار المسألة توكيدًا لها، ومبالغة في وجوبها، وسيأتي ذكره في باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم. واعْلم أن الصحابة إنما أخروا الصلاة عن الوقت الفاضل طمعًا في صلاتها مع الشارع فلما خافوا فوتها استعجلوا فأنكر عليهم نقصهم الوضوء. ---------------- = لا يكون ذلك حتى تقوم القيامة الكبرى، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة، ونحوهم، الذين ينكرون عذاب القبر ونعيمه، بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب. فجميع هؤلاء الطائفتين ضلال في أمر البرزخ، لكنهم خير من الفلاسفة؛ لأنهم يقرون بالقيامة الكبرى. فإذا عرفت هذِه الأقوال الثلاثة الباطلة: فلتعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا، فيحصل له معها النعيم والعذاب. اهـ. «مجموع الفتاوى» ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٤. ٤ - باب قَوْلِ المُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا أَوْ أَخبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَقَالَ لَنَا الحُمَيْدِيُّ: كَانَ عِنْدَ ابن عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَاَنَا وَسَمِعْتُ وَاحِدًا. وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ: حَدَّثنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ. وَقَالَ شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - كَلِمَةً. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَدِيثَيْنِ. وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ: عَنِ ابن عَبَّاسِ، عَنِ النَّبِي - ﷺ - فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبهِ. وَقَالَ أَنَسٌ: عَنِ النَّبِي - ﷺ - فيما يَرْوِيهِ عَنْ رَبهِ -عز وجل-. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِي - ﷺ - يَرْوِيهِ عَنْ رَبكُمْ -عز وجل-[فتح: ١/ ١٤٤]. ٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُط وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِم، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟». فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي. قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». [٦٢، ٧٢، ١٣١، ٢٢٠٩، ٤٦٩٨، ٥٤٤٤، ٥٤٤٨، ٦١٢٢، ٦١٤٤ مسلم: ٢٨١١ - فتح: /١٤٥] حَدَّثَني قُتَيْبَةُ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، فَحَدِّثونِي مَا هِيَ؟». فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي. قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: حديث ابن عمر، أخرجه البخاري في العلم في مواضع: عن قتيبة كما ترى، وعن خالد بن مخلد، عن سليمان، عن ابن دينار به (١)، وعن علي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (٢)، وعن إسماعيل، عن مالك، عن ابن دينار به، وفيه فقالوا: يا رسول الله أخبرنا بها (٣). وأخرجه في البيوع في باب: بيع الجمار وأكله عن أبي الوليد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عمر (٤). وفي الأطعمة عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش، عن مجاهد به (٥)، وعن أبي نعيم، عن محمد (بن) (٦) طلحة، عن زبيد، عن مجاهد به (٧)، ولفظ رواية عمر بن حفص: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رسول الله - ﷺ - جُلُوسٌ إِذْ أُتِيَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكتُهُ كَبَرَكَةِ المُسْلِمِ». فَظَنَنْتُ أَنَهُ يَعْنِي النَّخْلَةَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ التَفَتُّ فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ فَسَكَتُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هِيَ النَّخْلَةُ». ------------------- (١) سيأتي برقم (٦٢) باب: طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم. (٢) سيأتي برقم (٧٢) كتاب: العلم، باب: الفهم في العلم. (٣) سيأتي برقم (١٣١) كتاب: العلم، باب: الحياء في العلم. (٤) سيأتي برقم (٢٢٠٩) كتاب: البيوع، باب: بيع الجمار وأكله. (٥) سيأتي برقم (٥٤٤٤) كتاب: الأطعمة، باب: أكل الجمار. (٦) في (ف): عن. (٧) سيأتي برقم (٥٤٤٨) كتاب: الأطعمة، باب: بركة النخل. ![]()
__________________
|
|
#64
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 266 الى صـــ 285 الحلقة (63) وفي أول بعض طرقه: كنت عند رسول الله - ﷺ - وهو يأكل الجمار (١). وأخرجه في: الأدب في باب: لا يستحيا من الحق، عن آدم عن شعبة، عن محارب، عن ابن عمر مرفوعًا: (مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَلَا يَتَحَاتُ». فَقَالَ القَوْمُ: هِيَ شَجَرَةُ كَذَا، هِيَ شَجَرَةُ كَذَا. فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ -وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». وَعَنْ شُعْبَةَ، عن خُبَيْبُ، عَنْ حَفْصِ، عَنِ ابن عُمَرَ مِثْلَهُ، وَزَادَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا (٢). وأخرجه في التفسير عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر (٣)، وأخرجه مسلم تلو كتاب التوبة عن محمد بن عبيد، عن حماد، عن أيوب، عن أبي الخليل، وعن أبي بكر وابن أبي عمر، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، وعن (ابن نمير) (٤)، عن أبيه، عن سيف بن سليمان -يقال ابن أبي سليمان- كلهم عن مجاهد به (٥). وعن قتيبة وابن أيوب وابن حجر، عن إسماعيل به (٦). وفي بعضها: قَالَ ابن عمر: فألقى الله في روعي أنها النخلة الحديث. وفيه من رواية ------------------ (١) سيأتي برقم (٢٢٠٩) كتاب: البيوع، باب: بيع الجمار وأكله، ولفظه: كنت عند النبي - ﷺ - وهو يأكل جمارًا. (٢) سيأتي برقم (٦١٢٢) كتاب: الأدب، باب: ما لا يستحيا من الحق للتفقه في الدين. (٣) سيأتي برقم (٤٦٩٨) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾. (٤) في (ف): بشير، والصواب ما أثبتناه من (ج) ويوافق ما في «صحيح مسلم» (٢٨١١). (٥) (٢٨١١/ ٦٤) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: مثل المؤمن مثل النخلة. (٦) (٢٨١١/ ٦٣) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: مثل المؤمن مثل النخلة. مجاهد عن ابن عمر: «فأَخْبِرُوني» وقد سلف، وعند البخاري «فحدثوني». ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلفوا، وفيه من الأسماء غير ما مر: حذيفة بن اليمان حِسْل -بكسر الحاء وإسكان السين المهملتين- العبسي حليف بني عبد الأشهل من الأنصار، حديثه ليلة الأحزاب مشهور فيه معجزات، ومناقبه جمة، مات بالمدائن سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ليلة، أخرجا لَهُ اثني عشر حديثًا بالاتفاق، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بسبعة عشر (١). وليس في الصحابة حذيفة بن اليمان سواه وإن كان فيهم حذيفة ستة (٢). ----------------- (١) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٢/ ٢٠ - ٢٦، «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ١٩١ - ١٩٢ (٢١٥)، «الاستيعاب» ١/ ٣٩٣ - ٣٩٤ (٥١٠)، «أسد الغابة» ١/ ٤٦٨ - ٤٧٠ (١١١٣)، «الإصابة» ١/ ٣١٧ - ٣١٨ (١٦٤٧). (٢) وهم: حذيفة بن أسيد الغفاري أبو سريحة، واسمه: حذيفة بن أسيد بن الأعور وقيل الأغوز، وقيل: ابن عمَّار بن واقعة بن حزام بن غفار. كان من أصحاب الشجرة، من أهل الصفة، ونزل الكوفة ومات بها، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. انظر: «معجم الصحابة» للبغوي ٢/ ٢٧، «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٢/ ٦٩١ (٥٦٧)، «الاستيعاب» ١/ ٣٩٤ (٥١١)، «أسد الغابة» ١/ ٤٦٦ (١١٠٨)، «الإصابة» ١/ ٣١٧ (١٦٤٤). حذيفة البارقي: له ذكر فيمن أدرك النبي - ﷺ - يحدث عن جنادة الأزدي، يحدث عنه أبو الخير اليزني. انظر: «أسد الغابة» ١/ ٤٦٧ (١١١٠) و«الإصابة» ١/ ٣١٨ (١٦٤٩). حذيفة بن أوس: انظر: «أسد الغابة» ١/ ٤٦٦ (١١٠٩)، «الإصابة» ١/ ٣١٧ (١٦٤٥). = وفيه شقيق (ع) بن سلمة أبو وائل الأسدي وقد سلف أيضًا، (سمع عمه) (١)، وليس في الكتب الستة شقيق بن سلمة سواه، وإن كان فيهم من يسمى بهذا الاسم أربعة غيره. وفيه أبو العالية (خ. م. س) البرّاء -بالراء المشددة- واسمه زياد بن فيروز، أو أذينة، أو كلثوم، أو زياد بن أذينة -أقوال- البصري القرشي مولاهم التابعي (الثقة) (٢). سمع ابن عمر وغيره. مات سنة تسعين. وإنما قيل لَهُ: البراء؛ لأنه كان يبري النبل (٣). ------------------ = حذيفة بن عبيد المرادي: انظر: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٢/ ٦٩٤ (٥٦٩). «أسد الغابة» ١/ ٤٦٧ (١١١١)، «الإصابة» ١/ ٣٧٥ (١٩٦٢). حذيفة القلعاني: «أسد الغابة» ١/ ٤٦٧ (١١١٢)، وفي «الإصابة» ١/ ٣١٧ (١٦٤٦): العلقائي. حذيفة الأزدي: قال البغوي: يشك في صحبته. جعله ابن منده هو والبارقي واحدًا، واستدركه أبو موسى على ابن منده وقد ردَّ هذا الاستدراك ابن الأثير فقال: فقد أخرج أبو موسى حذيفة الأزدي مستدركًا على ابن منده .. فبات بهذا السياق أن كل بارقي أزدي، وقد تابع ابن حجر ابن منده في جعلهما واحدًا فقال: حذيفة البارقي الأزدي. انظر: «معجم الصحابة» للبغوي ٢/ ٣٠ - ٣١، «أسد الغابة» ١/ ٣٦٥ (١١٠٧)، «الإصابة» ١/ ٣٧٥ (١٩٦٣). (١) من (ف). (٢) من (ف). (٣) قال عنه أبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: مات في شوال سنة تسعين. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. انظر: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٣٧. «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٤١٢ (٢١٩٠)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٤١ - ٥٤٢ (٢٤٤٦)، «الثقات» لابن حبان ٤/ ٢٥٨، «تهذيب التهذيب» ٥/ ٥٤٥. ومثله أبو معشر البراء واسمه يوسف (١) وكان يبري النبل وقيل: العود، ومن عداهما البراء مخفف وكله ممدود كما سلف في القواعد أول هذا الشرح بزيادة. ثالثها: اختلف العلماء في هذِه المسألة التي عقد لها البخاري الباب عَلَى ثلاثة مذاهب: أحدها: ما ذكره البخاري وهو جواز إطلاق (نا، وأنا) (٢) في قراءة الشيخ والقراءة عليه، وهو مذهب جماعة من المحدثين، منهم: الزهري، ومالك، وابن عيينة، ويحيى القطان، وجماعة من المتقدمين، وقيل: إنه قول معظم الحجازيين والكوفيين. وقال القاضي عياض: لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه: (نا، وأنا) (٣)، وأنبأنا، وسمعتهُ يقول، وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان (٤). ------------------- (١) وقع في (ف): أبو يوسف. وهو خطأ. فهو يوسف بن يزيد البصري أبو معشر البراء العطَّار. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ضعيف. وقال أبو داود: ليس بذاك. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في «الثقات». روى له البخاري ومسلم. وقال الذهبي: صدوق. وقال ابن حجر: صدوق، ربما أخطأ، له في البخاري ثلاثة أحاديث وليس له عند مسلم سوى حديث واحد وهذا جميع ما له في الصحيحين، وما له في السنن الأربعة شيء. انظر ترجمته قي: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٨٥ (٣٤١٢)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥ (٩٨٦)، «الثقات» ٧/ ٦٣٧، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٤٧٧ - ٤٧٩ (٧١٦٥)، «الكاشف» ٢/ ٤٠١ (٦٤٥٨)، «ميزان الاعتدال» ٦/ ١٤٩ (٩٨٩٠)، «التقريب» ص ٦١٢ (٧٨٩٤)، «مقدمة فتح الباري» ص ٤٥٤. (٢) في (ج): ثنا وأنبا. (٣) في (ج): ثنا، وأنبا. (٤) «إكمال المعلم» ١/ ١٨٨. وكذا قَالَ الطحاوي: لم يفرق القرآن بين الخبر والحديث، ولا السنةُ، قَالَ تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ [الزلزلة: ٤] فجعل الحديث والخبر واحدًا، وقال تعالى: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤]، وهي الأشياء التي كانت بينهم، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧)﴾ [البروج: ١٧]، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]. وقال -عليه السلام-: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟» (١)، و«أخبرني تميم الداري» وذكر قصة الجن (٢) وقال هنا: «فحدثوني: ما هي؟»، وفي رواية: «فأخبروني» (٣)، وقال في الحديث السالف: «وأخبروا به من ورائكم» (٤). وصحح هذا المذهب ابن الحاجب الأصولي (٥)، ونقل هو وغيره عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة (٦). ------------------ (١) سيأتي برقم (١٤٨١) كتاب: الزكاة، باب: خرص التمر. (٢) جاءت هذِه القصة في حديث رواه مسلم (٢٩٤٢) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قصة الجساسة. وأبو داود (٤٣٢٦، ٤٣٢٧). والترمذي (٢٢٥٣). وابن حبان ١٥/ ١٩٣ - ١٩٩ (٦٧٨٧ - ٦٧٨٩) من حديث فاطمة بنت قيس. (٣) ستأتي برقم (٤٦٩٨) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾. (٤) سبق برقم (٥٣). (٥) هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الكردي الدويني الأصل الأسناوي، يلقب بجمال الدين، ويُكنَّى بأبي عمرو، وشهرته بابن الحاجب؛ لأن أباه كان حاجبًا للأمير عز الدين موسك الصلاحي فعرف ولده بذلك. اشتغل بالقراءات على الشاطبي وغيره، وبرع في الأصول والعربية وتفقه في مذهب مالك، وكان محبًا ملازمًا للشيخ عز الدين بن عبد السلام توفي سنة ٦٤٦ هـ. انظر ترجمته في «وفيات الأعيان» ٣/ ٢٤٨، «مرآة الجنان» ٤/ ١١٤، و«شذرات الذهب» ٥/ ٢٣٤. (٦) انظر: «شرح مختصر ابن الحاجب» ١/ ٧٢٧. المذهب الثاني: المنع فيهما في القراءة عليه إلا مقيدًا مثل: حَدَّثنَا فلان قراءة عليه، وأخبرنا قراءة عليه، وهو مذهب ابن المبارك، ويحيى بن يحيى التميمي، وأحمد بن حنبل، والمشهور عن النسائي، وصححه الآمدي (١) والغزالي (٢)، وهو مذهب المتكلمين. والمذهب الثالث: الفرق: فالمنع في حدثنا والجواز في أخبرنا وهو مذهب الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق، ونقل عن أكثر المحدثين منهم: ابن جريج، والأوزاعي، والنسائي، وابن وهب، وقيل: إنه أول من أحدث هذا الفرق بمصر وصار هو الشائع الغالب عَلَى أهل (٣) الحديث، وخير ما يقال فيه: إنه اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين وخصصوا قراءة الشيخ بحدثنا، بقوة إشعاره بالنطق والمشافهة (٤). رابعها: معنى قوله: (فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي): ذهبت أفكارهم إِلى ذَلِكَ وذهلوا عن النخلة، وقوله «مَثَلُ المُسْلِمِ» هو بفتح الثاء، ويجوز إسكانها. خامسها: في فوائده: الأولى: استحباب إلقاء العالم المسائل؛ ليختبر أفهامهم، وضرب الأمثال، وتوقير الأكابر كما فعل ابن عمر، أما إِذَا لم يتنبه لها الكبار فللصغير أن يقولها. -------------------- (١) «الأحكام» ١/ ١٢٠ - ١٢١. (٢) «المستصفى» ١/ ٣٠٩ - ٣١٠. (٣) في (ف) هنا كلمة: هذا. (٤) انظر: «معرفة علوم الحديث» للحاكم ٢٥٦ - ٢٦٠، «مقدمة ابن الصلاح» ١٣٨ - ١٤٠، «المقنع في علوم الحديث» ١/ ٢٩٩ - ٣٠١، «فتح الباقي» ٢٩٥ - ٣٠١. الثانية: فضل النخل، وقد قَالَ المفسرون في قوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾: إنها النخلة ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ في الأرض ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: رأسها ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾ أي: ثمرها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥] فشبه عمل المؤمن في كل وقت كالنخلة التي تؤتي أكلها كل وقت. الثالثة: أشبهت النخلة المسلم في كثرة خيرها، ودوام ظلها، وطيب ثمرها، ووجوده عَلَى الدوام، فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتَّى ييبس وبعده، ويتخذ منه منافع كثيرة من خشبها، وورقها، وأغصا نها فتستعمل جذوعًا، وحطبًا، وعصيًا، وحصرًا، ومخاصر (١)، وحبالًا، وأواني، وغير ذَلِكَ، ثمَّ ينتفع بنواها علفًا للإبل وغيرها، ثمَّ كمال نباتها، وحسن ثمرته، وهي كلها منافع وخير وجمال، والمؤمن خير كله من كثرة طاعاته، ومكارم أخلاقه ومواظبته عَلَى عبادته وصدقته وسائر الطاعات. هذا هو الصحيح في وجه الشبه للمسلم وقد جاء في حديث ذكره الحارث بن أبي أسامة (أنه - ﷺ -) (٢) قَالَ: «هي النخلة لا تسقط لها أنملة وكذلك المؤمن لا يسقط لَهُ دعوة» (٣). وفيه وجه ثانٍ: أن النخلة إِذَا قطع رأسها ماتت بخلاف باقي الشجر. وثالث: من كونها لا تحمل حتَّى تلقح، وفيهما نظر؛ لأن التشبيه إنما وقع بالمسلم وهذان المعنيان يشملان المسلم والكافر، وقيل: ---------------- (١) مخاصر: جمع مخصرة وهي ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوه، وما يأخذه الملك يشير به إذا خاطب، والخطيب إذا خطب راجع «القاموس المحيط» مادة: خصر. (٢) من (ج). (٣) «بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث» ص ٣١٩ (١٠٧٤). لأنها فضل تربة آدم عَلَى ما يروى، وإن كان لا يثبت. وعلو فروعها كارتفاع عمل المؤمن، وقيل: لأنها شديدة الثبوت كثبوت الإيمان في قلب المؤمن (١). ---------------- (١) ورد في حاشية (ف): فائدة: روى أبو حاتم بن حبان في «صحيحه» من حديث لقيط بن أبي رزين أنه -عليه السلام- قَالَ: «مثل المؤمن مثل النخلة، لا تأكل إلا طيبًا، ولا تضع إلا طيبا». ٥ - باب طَرْحِ الإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ. ٦٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَة لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟». قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَهَا النَّخلَةُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». [انظر: ٦١ - مسلم: ٢٨١١ - فتح: ١/ ١٤٧] ثنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، نَا سُلَيْمَانُ، نَا عَبْدُ اللهِ بْن دِينَارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شجَرَةً لَا يَسْقُط وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟». قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِى شَجَرِ البَوَادِي. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، ثمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: قَدْ ذكرت لك طرقه في الباب الماضي فراجعه. ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلفوا إلا خالد بن مخلد أبو الهيثم القطواني -بفتح القاف والطاء المهملة- البجلي مولاهم الكوفي، وقطوان موضع بالكوفة، روى عن: مالك وغيره، وعنه: البخاري، وروى مرة عن ابن كرامة عنه (١). قَالَ أحمد وأبو حاتم: لَهُ أحاديث مناكير، وقال يحيى بن معين: ------------------- (١) سيأتي آخر الصحيح برقم (٦٥٠٢) كتاب: الرقاق، باب: التواضع. وابن كرامة اسمه: محمد بن عثمان بن كرامة. ما به بأس، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه (١)، وقال ابن عدي: هو من المكثرين في محدثي الكوفة، وهو عندي -إن شاء الله- لا بأس به (٢)، وروى مسلم والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن رجل عنه مات في (المحرم) (٣) سنة ثلاث عشر ومائتين (٤). ثالثها: في فوائده: وقد سلفت في الباب قبله وسبب استحيائه تأدبًا مع الأشياخ كما سلف، فإنه كان أحدثهم، وقد قَالَ - ﷺ -: «كبر كبر» (٥)، ويقال: استحييت واستحيت بمعنى. و(البوادي) بالياء وفي نسخة بحذفها وهي لغة، ومعنى: فوقع الناس في شجر البوادي. أي: (ذهبت) (٦) أفكارهم إلى أشجار البوادي، فكان كل إنسان يفسر بنوع من (أنواع) (٧) أشجار البوادي وذهلوا عن النخلة (٨). --------------------- (١) «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٥٤ (١٥٩٩). (٢) «الكامل» ٣/ ٤٦٦ (٥٩٥). (٣) في (ف): (الحرم)، والمثبت من (ج). (٤) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٤٠٦، «التاريخ الكبير» ٣/ ١٧٤ (٥٩٥)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٣٢ (٣٩٤)، «تهذيب الكمال» ٨/ ١٦٣ - ١٦٧ (١٦٥٢)، «شذرات الذهب» ٢/ ٢٩، و«مقدمة الفتح» ص ٤٠٠. (٥) سيأتي برقم (٧١٩٢) كتاب: الأحكام، باب: كتاب الحاكم إلى عماله والقاضي إلى أمنائه. (٦) في (ف): دبت. (٧) من (خ). (٨) رود بهامش (ف) توثيق نصه: بقراءة إبراهيم الحلبي على الحسن، بلغ من أول كلتاب العلم، فأسمعه السادة: الحاصري، والسلاوي، والبيجوري، وعلى، والعملي، وحلذ العقاد وعلى ولد المصنف كلتبه على ابن الأنصاري الشافعي. ومعنى طرح المسائل عَلَى التلاميذ؛ لترسخ في القلوب، وتثبت؛ لأن ما جرى منه في المذاكرة لا يكاد ينسى، وفيه ضرب الأمثال بالشجر وغيرها. ٦ - باب مَا جَاءَ فِى الْعِلْمِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] الْقِرَاءَةُ وَالْعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ. وَرَأى الحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ القِرَاءَةَ جَائِزَةً، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: آللهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: فهذِه قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ. وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ فَيَقُولُونَ: أَشْهَدَنَا فُلَانٌ. وُيقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ، وَيُقْرَأُ عَلَى المُقْرِئِ، فَيَقُولُ القَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلَانٌ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الَحسَنِ الوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الَحسَنِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ. وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفِرَبْرِيُّ، وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيل البُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى الُمحَدِّثِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكِ وَسُفْيَانَ: القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ وَقرَاءَتُهُ سَوَاءٌ. ٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ -هُوَ الَمقْبُرِيُّ- عَنْ شَرِيكُ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الَمسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الَمسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - متَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ. فَقُلْنَا: هذا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الُمتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابن عَبْدِ الُمطَّلِبِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الَمسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكُ. فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ». فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرِّبكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ باللهِ، آللهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الَخمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ باللهِ، آللهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هذا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ باللهِ، آللهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هذِه الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكرٍ. رَوَاهُ مُوسَى، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الَحمِيدِ، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. بهذا. [مسلم: ١٢ - فتح: ١/ ١٤٨] نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، نَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ. فَقُلْنَا: هذا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابن عَبْدِ المُطَّلِبِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِني سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَك». فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ باللهِ، آللهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ باللهِ، آللهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هذا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ باللهِ، آللهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأخُذَ هذِه الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. رَوَاهُ مُوسَى، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. بهذا. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث قَدْ أخرجه البخاري من حديث شريك وثابت، عن أنس كما سترى، وقد علقه أولًا وأسنده ثانيًا، وأخرجه مسلم، عن عبد الله بن هاشم، عن بهز بن أسد، عن سليمان به (١). ورواه الترمذي، عن البخاري، عن علي بن عبد الحميد، ثمَّ قَالَ: حسن غريب (٢)، ورواه النسائي، عن محمد بن معمر، عن العقدي، عن سليمان (٣). ثانيها: في التعريف برواته غير (من) (٤) سلف: وقد سلف التعريف بأنس، وكرره شيخنا قطب الدين في «شرحه»، وأما الراوي عنه فهو أبو عبد الله شريك (ع) بن عبد الله بن أبي نمر المدني القرشي أو الليثي أو الكناني -أقوال- وجده أبو نمر. شهد أحدا مع المشركين، ثمَّ اهتدى للإسلام، ذكره ابن سعد في مسلمة الفتح، سمع أنسًا وغيره، وعنه سليمان بن بلال، وغيره، قَالَ ابن سعد: كان ثقة كبيرا (٥)، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، وقال ابن عدي: مشهور من أهل الحديث، حدث عنه الثقات، وحديثه إِذَا روى عنه ثقة فلا بأس به، إلا أن يروي عنه ضعيف (٦). ---------------- (١) مسلم (١٢/ ١١) كتاب: الإيمان، باب: السؤال عن أركان الإسلام. (٢) الترمذي (٦١٩). (٣) «المجتبى» ٤/ ١٢١ - ١٢١. (٤) في (ف): ما. (٥) «الطبقات الكبرى» القسم المتمم ص ٢٧٨ (١٦٣). (٦) «الكامل» ٥/ ٩ (٨٨٧). مات سنة أربعين ومائة. أخرجوا لَهُ إلا الترمذي، ففي «الشمائل» (١). وقوله: رواه موسى لعله ابن إسماعيل التبوذكي الحافظ، فإنه سمع سليمان بن المغيرة (٢)، وعنه البخاري في: بدء الوحي كما سلف. وأما علي بن عبد الحميد فهو: أبو الحسين علي (م. س) بن عبد الحميد بن مصعب بن يزيد الأزدي المَعْنِيّ -نسبة إلى معن- وهو ابن أخي عبد الرحمن بن مصعب القطان، وقال ابن أبي خيثمة هو: ابن عم معاوية بن عمر. وروى عن: سليمان وغيره، وعنه: البخاري تعليقًا، وأبو حاتم، وغيرهما. ثقة فاضل، وكان ضريرا. مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائتين، وروى له: الترمذي، والنسائي، وأهمله الكلاباذي. لَهُ هذا الحديث، وحديث آخر عن سليمان، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا: «ألا أخبرك بأفضل القرآن» فتلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ (٣). ------------------- (١) قال النسائي وابن الجارود: ليس بالقوي. وكان سعيد بن يحيى القطان لا يحدث عنه. وقال الساجي: كان يرمى بالقدر. وقال ابن حجر: احتج به الجماعة إلا أن في روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضع شاذة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧ (٢٦٤٥)، «معرفة الثقات» ١/ ٤٥٣ (٧٢٦)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٦٣ - ٣٦٤ (١٥٩٢)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٤٧٥ - ٤٧٧ (٢٧٣٧)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ١٥٩ - ١٦٠ (٧٣). «مقدمة فتح الباري» ص ٤٠٩ - ٤١٠. (٢) «تهذيب الكمال» ٢١/ ٥٠. (٣) رواه النسائي في «الكبرى» ٥/ ١١ (٨٠١١)، وابن حبان في «صحيحه» (٧٧٤) ٣/ ٥١، والحاكم ١/ ٥٦٠، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٣٥٨) ٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥، والضياء في «المختارة» ٥/ ٩٨ - ١٠٠ (١٧١٨ - ١٧٢٠)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢١/ ٥٠. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه = قَالَ المزي: هذا جميع ما له عندهم (١). وأما سليمان (ع) بن المغيرة فهو أبو سعيد القيسي البصري مولى بني قيس بن ثعلبة بن بكر بن وائل، سمع الحسن وثابت البناني وغيرهما، وعنه: الثوري، وشعبة، وتوثيقه مجمع عليه وهو سيد أهل البصرة، مات سنة خمس وستين ومائة. روى لَهُ البخاري مع هذا التعليق حديثه عن حميد بن هلال، عن أبي صالح السمان، عن أبي سعيد في المرور (٢). وأما ثابت (ع) فهو أبو أحمد ثابت بن أسلم البناني البصري العابد، وبنانة هم بنو سعد بن لؤي بن غالب، وأم سعد بنانة، قاله الخطيب. وقال الزبير بن بكار: وكانت بنانة أمة لسعد بن لؤي حضنت بنيه فنسبوا إليها. سمع أنسًا وغيره من الصحابة والتابعين، وعنه خلق، وهو ثقة ----------------- = الذهبي، وقال الألباني في «الصحيحة» (١٤٩٩): وأقول: المَعْنِيُّ لم يخرج له مسلم شيئًا، ولكنه ثقة فالحديث صحيح فقط، وله شواهد تجدها في أول «تفسير ابن كثير». (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٤٠٨، «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٨٧ (٢٤٢١)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٥٦ (١٣٠٦)، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٩٥ (١٠٧٣)، «الثقات» ٨/ ٤٦٥، «تهذيب الكمال» ٢/ ٤٦ - ٥٠ (٤١٠٠)، «الكاشف» ٢/ ٤٣ (٣٩٤١)، «التقريب» ص ٤٠٣ (٤٧٦٤). (٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٥٠٩) كلتاب: الصلاة، باب: يرد المصلي من مر بين يديه. وسليمان بن المغيرة: انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٠، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٨ (١٨٨٧)، «الجرح والتعديل» ٤/ ١٤٤ (٦٢٦)، «الثقات» ٦/ ٣٩٠، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٦٩ - ٧٣ (٢٥٦٧)، «إكمال التهذيب» لمغلطاي ٦/ ٨٨ - ٨٩ (٢٢٣). بإجماع، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة (١). وفي الباب من الأسماء محمد بن سلام، وقد تقدم، وكرره شيخنا قطب الدين في «شرحه». ومحمد بن الحسن الواسطي المزني القاضي الثقة، أخرج لَهُ البخاري هذا الأثر خاصة، ونقل في «تاريخه» عن ابن معين توثيقه، مات سنة تسع وثمانين ومائة. وروى لَهُ الترمذي وابن ماجه أيضًا (٢). وعوف هو: ابن أبي جميلة، وقد سلف وكرره شيخنا أيضًا. وكذا كرر ترجمة عبيد الله بن موسى العبسي. وأبو عاصم هو: الضحاك (ع) بن مخلد بن الضحاك بن مسلم بن رافع بن الأسود بن عمرو بن زالان بن ثعلبة بن شيبان الشيباني البصري النبيل الحافظ العالم الزاهد، روى عن ابن عجلان وغيره من الكبار، وعنه: البخاري والدوري وخلق. ----------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٣٢، «معرفة الثقات» ١/ ٢٥٩ (١٨٨)، «التاريخ الكبير» ٢/ ١٥٩ - ١٦٠ (٢٠٥٢)، «الثقات» ٤/ ٨٩، «تهذيب الكمال» ٤/ ٣٤٢ - ٣٥١ (٨١١). (٢) قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ليس به بأس. وقال أبو بكر ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في «الثقات». وذكره أيضًا في «المجروحين» وقال: يرفع الموقوف ويسند المراسيل. وقال الذهبي: ثقة. وقال ابن حجر: ما له في البخاري سوى أثر واحد ذكره في كتاب: العلم، موقوفًا على الحسن البصري. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣١٥، «التاريخ الكبير» ١/ ٦٧ (١٥٥)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٢٦ (١٢٥٠)، «الثقات» ٧/ ٤١١، «المجروحين» ٢/ ٢٧٥، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٧١ - ٧٤ (٥١٥١)، «الكاشف» ٢/ ١٦٤ (٤٧٩٧)، «هدي الساري» ص ٤٣٨. قَالَ عن نفسه: ما دلست قط، ولا اغتبت أحدًا منذ عقلت تحريم الغيبة، مات في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة (١) ومائتين عن تسعين سنة وستة أشهر، سمي نبيلًا؛ لأن ابن جريج لما قُدِمَ بالفيل البصرة ذهب الناس ينظرون إليه فقَالَ له: مَالَكَ، ألا تنظر؟! فقال: لا أجد منك عوضًا، فقال: أنت نبيل. وقيل: لأنه كان يلبس الخز وجيد الثياب فإذا أقبل قَالَ ابن جريج: جاء النبيل (٢). ثالثها: ضمام هذا هو: ابن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر كما سلف، وكان قدومه سنة تسع فيما قاله أبو عبيدة، والطبري، وابن إسحاق، وقال الواقدي: سنة خمس (٣). رابعها: في ألفاظه. قوله: (بينا). أي: بين أوقات كذا ثمَّ حذف المضاف، وقوله: (مُتَّكِئ). هو مهموز، يقال: اتكأ عَلَى الشيء فهو متكئ، والموضع: مُتَّكَأ، كله مهموز الآخر، وكذا توكأت عَلَى العصا، وكل من استوى عَلَى وطاء فهو متكئ وهذا المعنى هو المراد في الحديث. -------------- (١) في (ف): اثنتى عشر. (٢) قال عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة كثير الحديث، وكان له فقه. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحب إليَّ من روح بن عبادة. وقال محمد بن سعد: كان ثقة فقيهًا، روى له الجماعة. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٥، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٣٦ (٣٠٣٨)، «معرفة الثقات» ١/ ٤٧٢ (٧٧٦)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٤٦٣ (٢٠٤٢)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٢٨١ - ٢٩١ (٢٩٢٧). (٣) انظر: «السيرة النبوية» لابن هشام ٤/ ٢٢١، «الطبقات الكبرى» ١/ ٢٩٩، «تاريخ الطبري» ٢/ ١٩٢ - ١٩٣، «البداية والنهاية» ٥/ ٦٥، ٦٦. وقوله: (بين ظهرانيهم) -هو بفتح الظاء والنون- أي: بينهم، قَالَ الأصمعي وغيره يقال: بين ظهريهم وظهرانيهم (١). خامسها: مراد البخاري رحمه الله بالعرض: القراءة عَلَى الشيخ، سميت بذلك؛ لأن القارئ يعرض عَلَى الشيخ ما يقرأه كما يعرض القارئ عَلَى المقرئ، وسواء قرأت أو قرأ غيرك وأنت تسمع من كتاب أو حفظٍ حفظ الشيخ ما تقرأه عليه أم لا، لكن يمسك أصله هو أو ثقة غيره. ولا خلاف أنها صحيحة إلا ما حكي عن بعض من لا يعتد بخلافه، فيحتمل أن البخاري أراد بعقد هذا الباب الرد عَلَى هؤلاء، واحتج عليهم بقول الحسن وغيره، وهذا المذهب محكي عن أبي عاصم النبيل، فيما حكاه الرامهرمزي عنه (٢). قَالَ ابن سعد: أخبرنا مطرف بن عبد الله قَالَ: سمعت مالك بن أنس يقول لبعض من يحتج عليه في العرض أنه لا يجزئه إلا المشافهة، فيأبى ذَلِكَ ويحتج بالقراءة عَلَى المقرئ وهو أعظم من الحديث (٣). ثمَّ اختلفوا بعد ذَلِكَ في مساواتها للسماع من لفظ الشيخ في الرتبة أو دونه أو فوقه عَلَى ثلانة أقوال: (أولها) (٤): إنها أرجح من قراءة الشيخ وسماعه، قاله أبو حنيفة ------------------ (١) انظر: «الصحاح» ٢٣/ ٧٣١، «لسان العرب» ٥/ ٢٧٦٧ مادة: (ظهر). (٢) «المحدث الفاصل» ص ٤٢٠. (٣) «الطبقات الكبرى» القسم المتمم ص ٤٣٨. (٤) في (ج): أحدها. وابن أبي ذئب وغيرهما ومالك في رواية، واستحب مالك القراءة عَلَى العالم، وذكر الدارقطني في كتاب «الروايات عن مالك» أنه كان يذهب إلى أنها أئبت من قراءة العالم. وذكر فيه أيضًا أنه لما قدم أمير المؤمنين هارون المدينة حضر مالك، فسأله أن يسمع منه محمد والمأمون، فبعثوا إلى مالك فلم يحضر، فبعث إليه أمير المؤمنين، فقال: العلم يؤتى إليه ولا (يأتي) (١)، فقال: صدق أبو عبد الله سيروا إليه، فساروا إليه ومؤدبهم، فسألوه أن يقرأ عليهم فأبى. وقال: إن علماء هذا البلد قالوا: إنما يُقرأ عَلَى العالم ويفتيهم مثل ما يُقرأ القرآن عَلَى المعلم ويرد، سمعت ابن شهاب بحر العلماء يحكي عن سعيد وأبي سلمة وعروة والقاسم وسالم وغيرهم أنهم كانوا يقرأون عَلَى العلماء، وما احتج به مالك في الصك يقرأ فيقولون: أشهدنا فلان، حجة ظاهرة؛ لأن الإشهاد أقوى بخلاف الإخبار، وكذلك القراءة عَلَى المقرئ. القول الثاني عكسه: إن قراءة الشيخ بنفسه أرجح من القراءة عليه، وهذا ما عليه الجمهور، وقيل: إنه مذهب جمهور أهل المشرق. القول الثالث: إنهما سواء، وهو قول ابن أبي الزناد وجماعة -كما حكاه عنهم ابن سعد، وقيل: إنه مذهب معظم علماء الحجاز، والكوفة، ومذهب مالك وأشياعه من علماء المدينة، ومذهب البخاري وغيرهم (٢). ---------------------- (١) في (ف): يؤتى. (٢) انظر: «المحدث الفاصل» ص ٤٢٠ - ٤٣٠، «الكفاية في علم الرواية» ص ٣٨٠ - ٣٩٤، «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٣٧ - ١٥٠، «المقنع في علوم الحديث» ١/ ٢٩٧ - ٣١٤، «فتح الباقي» ص ٢٩٥ - ٣١٩. ![]()
__________________
|
|
#65
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 286 الى صـــ 305 الحلقة (64) سادسها: في فوائد الحديث وأحكامه: الأولى: قبول خبر الواحد؛ فإنه لم ينقل أن قومه كذبوه فيما أخبرهم به. الثانية: جواز الاتكاء بين الناس. الثالثة: التواضع؛ فإنه -عليه السلام- كان يجلس مختلطًا بهم، وهو من تواضعه. الرابعة: جواز إدخال البعير المسجد وعقله، كذا استنبطه ابن بطال. وليس صريحًا فيه بل في رواية ابن إسحاق أنه أناخ بعيره عَلَى باب المسجد وعقله (١). ثمَّ شرع يستنبط منه طهارة روثه، معللًا بأنه لا يؤمن ذَلِكَ من البعير مدة إقامته (٢). وقد علمت أن ذَلِكَ كان خارج المسجد فلا دلالة فيه إذن. الخامسة: التعريف بالشخص؛ فإنه قَالَ: أيكم محمد؟ وقال: ابن عبد المطلب. السادسة: النسبة إلى الأجداد، فإنه قَالَ: ابن عبد المطلب، وجاء في «صحيح مسلم»: يا محمد (٣). فإن قُلْتَ: لِمَ لَمْ يخاطب بالنبوة ولا بالرسالة وقد قَالَ تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]؟ قُلْتُ: يحتمل أوجهًا: أحدها: أنه لم يؤمن بعد. ثانيها: أنه باقٍ عَلَى جفاء الجاهلية، لكنه لم ينكر عليه ولا رد عليه. ثالثها: لعله كان قبل النهي عن مخاطبته - ﷺ - بذلك. ----------------- (١) انظر: «سيره ابن هشام» ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ١٤٤. (٣) مسلم (١٢) كتاب: الإيمان، باب: السؤال عن أركان الإسلام. رابعها: لعله لم يبلغه. السابعة: أن السكوت كالإقرار، فإنه لما قَالَ: ابن عبد المطلب، قَالَ لَهُ - ﷺ -: «قد أجبتك»، ولم يتلفظ بالجواب، فجعل السكوت عند قول أصحابه ما قالوه جوابًا منه عما سألوه عنه، عَلَى أنه جاء في «سنن أبي داود» في هذا الحديث من طريق ابن عباس أنه قَالَ: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال النبي - ﷺ -: «أنا ابن عبد المطلب»، فقال: يا ابن عبد المطلب (١) وساق الحديث. وأجاب بعضهم عن عدم جوابه لفظًا عَلَى الرواية الأولى؛ بأنه -عليه السلام- كره ما دعاه به حيث لم ينسبه إلى ما شرفه الله به من النبوة والرسالة، ونسبه إلى جده. وأما قوله -عليه السلام- يوم حنين: «أنا ابن عبد المطلب» (٢) فلم يذكره افتخارًا؛ لأنه كان يكره الانتساب إلى الكفار، لكنه أشار إلى رؤيا رآها عبد المطلب مشهورة كانت إحدى دلائل نبوته فذكرهم بها، وبخروج الأمر عَلَى الصدق فيها. الثامنة: استنبط منه الحاكم أبو عبد الله طلب الإسناد العالي، ولو كان الراوي ثقة، إذ البدوي لم يقنعه خبر الرسول عن النبي - ﷺ -، حتَّى رحل بنفسه، وسمع ما بلغه الرسول عنه، وما ذكره إنما يتم إِذَا كان ضمام قَدْ بلغه ذَلِكَ أولًا (٣)، وقد جاء ذَلِكَ مصرحًا به في رواية مسلم (٤). -------------------- (١) «سنن أبي داود» (٤٨٧). (٢) سيأتي برقم (٢٨٦٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: من قاد دابة غيره في الحرب. (٣) «معرفة علوم الحديث» للحاكم ص ٥، ٦. (٤) سبق تخريجه. التاسعة: جواز الاستحلاف على الخبر، ليحكم باليقين. وفي مسلم: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض -ونصب هذِه الجبال- آلله أرسلك؟ قَالَ: «نعم»، والظاهر أن هذِه الأيمان هنا للتأكيد وتقرير الأمر فقط، كما أقسم الله تعالى عَلَى أشياء كثيرة كقوله: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، وكقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، وقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]. العاشرة: فيه أن الرجل يعرف بصفته من البياض والحمرة والطول والقصر؛ لقولهم: فقلنا هذا الرجل الأبيض. الحادية عشر: تقديم الإنسان بين (يدي) (١) حديثه مقدمة يعتذر فيها؛ ليحسن موقع حديثه عند المحدث واختير لَهُ عَلَى ما يأتي منه، وهو من حسن التوصل، وإليه الإشارة بقوله: إني سائلك فمشدد عليك. واعلم أنه قد تقدم في باب الزكاة من الإسلام في الكلام عَلَى حديث طلحة بن عبيد الله ما لَهُ تعلق بحديث أنس هذا، وقد عقبه مسلم بحديث طلحة، وفيه زيادة ذكر الحج، وسياقه له عقبه يدل عَلَى أن الحديثين عنده لضمام؛ لأن هذا الثاني لم يختلف فيه أنه لضمام، وقد ساقه ابن إسحاق من حديث ابن عباس بزيادات، وفيه أن بني سعد بن بكر بعثوا ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول الله. وفيه: وكان ضمام رجلًا جلدًا أشعر ذا غديرتين، وفيه: آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئًا وأن نخلع هذِه الأنداد؟ ثمَّ ذكر الصلاة، ثمَّ جعل يذكر لَهُ فرائض الإسلام، فريضة فريضة، الصيام والزكاة والحج والشرائع كلها، ينشده عن كل واحد، حتَّى إِذَا فرغ ----------------- (١) من (ج). قَالَ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وسأؤدي هذِه الفرائض، واجتنب ما نهيتني عنه، ثمَّ لا أزيد ولا أنقص، فقال - ﷺ -: «إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة». وفيه: فأتى قومه فقال: بئست اللات والعزى، فقالوا: مه، اتق الجذام، اتق البرص. وفيه: وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. وفيه: فوالله ما أمسى في ذَلِكَ اليوم في حاضرته أحد إلا مسلمًا (١). وظاهر هذا السياق أنه لم يأت مسلمًا، وإنما أسلم بعد، وقد بوَّب عليه أبو داود باب: في المشرك يدخل المسجد، لا جرم (٢). قَالَ القاضي: الظاهر أنه (لم يأت إسلامه بعدُ) (٣) وأنه جاء (مستفتيًا) (٤). ويدل عليه قوله في مسلم: وزعم رسولك، وقوله في حديث ابن عباس: فلما فرغ تشهد. وأما قول بعضهم: الظاهر أن البخاري فهم إسلامه قبل قدومه، وأنه جاء يعرض عَلَى النبي - ﷺ -، ولهذا بوب عليه: العرض عَلَى المحدث؛ ولقوله آخر الحديث: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي. فضعيفٌ؛ لأنه لا يلزم ذَلِكَ منه، وكذا قوله: آمنت بما جئت به، يحتمل أنه ابتداء إيمان لا إخبار بإيمان سالف. ----------------- (١) «سيرة ابن هشام» ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢. (٢) سبق تخريجه. (٣) في «إكمال المعلم» ١/ ٢٢٠: والظاهر أنه لم يأا إلا بعد إسلامه. (٤) انظر: «إكمال المعلم» ١/ ٢٢٠، وفيه مستثبتًا بدلا من مستفيًا، وهو الأليق بالسياق. ٧ - باب مَا يُذْكَرُ فِى الْمُنَاوَلَةِ وَكِتَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ وَقَالَ أَنَسٌ: نَسَخَ عُثْمَانُ المَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفَاقِ [انظر: ٣٥٠٦]. وَرَأى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمَالِكٌ ذَلِكَ جَائِزًا. وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحِجَازِ فِي المُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - ﷺ -، حَيْثُ كَتَبَ لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: «لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [فتح: ١/ ١٥٣] ٦٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَينِ إِلَى كِسْرى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ. فَحَسِبْتُ أَنَّ ابن الُمسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ. [٢٩٣٩، ٤٤٢٤، ٧٢٦٤ - فتح: ١/ ١٥٤] ٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الَحسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - كِتَابًا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا. فَاتُّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةِ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. كَأنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ. فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ نَقْشُهُ مُحَمَّد رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ. [٢٩٣٨، ٣١٠٦، ٥٨٧٠، ٥٨٧٢، ٥٨٧٤، ٥٨٧٥، ٥٨٧٧، ٥٨٧٩، ٧١٦٢ - مسلم: ٢٠٩٢ - فتح: ١/ ١٥٥] ثم ساق البخاري حديث ابن عباس وأنس في ذلك. الكلام عليه من وجوه: أحدها: أثر أنس ساقه البخاري في فضائل القرآن عن أنس مطولا كما سنقف عليه -إن شاء الله تعالى- في موضعه (١)، وفي غير البخاري أن عثمان بعث مصحفًا إلى الشام، وآخر إلى الحجاز، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وأبقى عنده مصحفصا منها؛ ليجمع الناس عَلَى قراءة ما يعلم ويتيقن. قَالَ أبو عمرو الداني: أجمع العلماء عَلَى أن عثمان كتب أربع نسخ فبعث بإحداهن إلى البصرة، والأخرى إلى الكوفة، وبالثالثة إلى الشام، وحبس آخر عنده، وقال أبو حاتم السجستاني: كتب سبعة، فبعث إلى مكة واحدًا، وإلى الشام آخر، وإلى اليمن آخر، وإلى البحرين آخر، وإلى البصرة آخر، وإلى الكوفة آخر، [وحبس بالمدينة واحدًا] (٢). الثاني: أمير السرية هذا هو عبد الله بن جحش بن رئاب أخو أبي أحمد، وزينب أم المؤمنين، وأم حبيبة، وحمنة، وأخوهم (عبيد) (٣) الله تنصر بأرض الحبشة، وعبد الله وأبو أحمد كانا من المهاجرين الأولين، وعبد الله يقال له: المجدع في الله، شهد بدرًا وقتل يوم أحد بعد أن قطع أنفه وأذنه - رضي الله عنه - (٤). ---------------- (١) سيأتي برقم (٤٩٨٧) كتاب: فضائل القرآن، باب: جمع القرآن. (٢) زيادة من «المصاحف» لابن أبي داود السجستاني ص (٣٤) وبها يتم العدد الذي ذكره. (٣) في (ف): عبد، والمثبت من (ج) وهو الصواب. (٤) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٣/ ٥٢٤ - ٥٢٦. «معجم الصحابة» = قَالَ ابن إسحاق: كانت هذِه السرية أول سرية غنم فيها المسلمون، وكانت في رجب (من) (١) السنة الثانية قبل بدر الكبرى، بعثه النبي - ﷺ - ومعه ثمانية رهط من المهاجرين، وكتب لَهُ كتابًا وأمره ألا ينظر إليه حتَّى يسير يومين، ثمَّ ينظر فيه فيمضي لما أمر به، ولا يستكره من أصحابه أحدًا، فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه: «إِذَا نظرت في كتابي هذا فامض حتَّى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشًا وتعلم لنا أخبارهم»، فقال عبد الله وأصحابه: سمعًا وطاعة. فمضوا ولقوا عيرًا لقريمش، فقتلوا عمرو بن الحضرمي في أول يوم من رجب كافرًا، واستأسروا اثنين، وغنموا ما كان معهم. فأنكر عليهم النبي - ﷺ - وقال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام»، وقالت قريش: قَدْ استحل محمد الشهر الحرام فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية (٢). فهذِه أول غنيمة، وأول أسير، وأول قتيل قتله المسلمون. الثالث: لما ذكر البخاري أولًا قراءة الشيخ ثمَّ تلاه بالقراءة والعرض عليه، وهو يشمل السماع والقراءة، ثمَّ تلاه بالمناولة والمكاتبة، وكل منهما قَدْ يقترن به الإجازة وقد لا يقترن، ولم يصرح بالإجازة المجردة، ويحتمل أنه يرى أنها من أنواع الإجازة، فبوب عَلَى أعلاها رتبة عَلَى جنسها. ---------------------- = لابن قانع، ٢/ ١٠٩ - ١١٠ (٥٦٣)، «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٦/ ١٦٠٣ - ١٦٠٨ (١٥٩٢)، «الاستيعاب» ٣/ ١٤ - ١٦ (١٥٠٢)، «أسد الغابة» ٣/ ١٩٤ - ١٩٦ (٢٨٥٦)، «الإصابة» ٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧ (٤٥٨٣). (١) في (ف): في. (٢) سبق تخريجه. والخطيب الحافظ أطلق اسم الإجازة عَلَى ما عدا السماع، وجعل المناولة والعرض من أنواعها، واستدل عَلَى الإجازة (بعين) (١) ما استدل به البخاري عَلَى المناولة، وهو حديث عبد الله بن جحش، فإنه -عليه السلام- ناوله الكتاب فقرأه عَلَى الناس، ويجوز لهم روايته عن النبي - ﷺ -؛ لأن كتابته إليهم تقوم مقامه، وجائز للرجل أن يقول: حَدَّثَنِي فلان كتابة إِذَا كتب إليه (٢). والمناولة المقرونة بالإجازة لها صور: إحداها: أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعًا مقابلًا به، ويقول: هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه، أو أجزتُ لك روايته عني، ثمَّ يملكه لَهُ أو يأذن له في نسخه ويقابله به. ثانيها: أن يدفع (إليه) (٣) الطالب سماعه فيتأمله وهو عارف به متيقظ، ثمَّ يعيده إليه ويقول: هو حديثي أو روايتي فاروه عني، أو أجزت (لك) (٤) روايته، وهذا سماه غير واحد من أئمة الحديث عرضا. وقد أسلفنا أن القراءة عليه تسمى عرضا أيضًا، فليسم هذا عرض المناولة وذاك عرض القراءة، وهذِه المناولة كالسماع في القوة عند الزهري ومالك وآخرين، والصحيح أنها منحطة عَلَى السماع والقراءة، وهو قول جماعة منهم باقي الأربعة. ----------------- (١) في (ف): بغير. (٢) انظر: «الكفاية في علم الرواية» ص ٤٦٦ - ٤٧١. (٣) في (ج): إلى. (٤) في (ف): له. ثالثها: أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويجيزه لَهُ ثمَّ يمسكه الشيخ عنه ولا يمكنه منه، وهذا دون ما سبق، ويجوز روايته إِذَا وجده أو فرعًا مقابلًا به موثوقًا بموافقته لما تناوله الإجازة، والمناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله مقتصرًا عَلَى: هذا سماعي، فلا تصح الرواية بها، وجوزها جماعة وذلك كله مبسوط في مختصري في علوم الحديث فراجعه (١)، فإنه يعز نظيره. وأما الكتابة (المعتبرة) (٢) بالإجازة فكالمناولة وكذا الكتابة المجردة عند الأكثرين، وأما الإجازة فالأصح جواز الرواية والعمل بها، وقد أوضحتها بأقسامها في الكتاب المشار إليه، فراجعه (٣). الرابع: معنى (كتب): أمر بالكتابة، وسيأتي الخوض في ذَلِكَ في موضعه إن شاء الله تعالى. قال البخاري رحمه الله: نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيم البَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ. فَحَسِبْت أَنَّ ابن المُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ. ----------------- (١) انظر: «المقنع» ١/ ٣٢٥ - ٣٣٠. (٢) في (ج): المقترنة. (٣) «المقنع» ١/ ٣١٤ - ٣٢٥. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم أخرجه في مواضع هنا عن إسماعيل: هو الأويسي، عن إبراهيم كما ترى، وفي المغازي (عن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم) (١) عن أبيه، عن صالح به، وفيه أنه - ﷺ - بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي (٢)، وفي خبر الواحد عن ابن بكير، عن ليث، عن يونس (٣)، وفي: الجهاد: عن عبد الله بن يوسف، عن (الليث، عن عقيل) (٤)، عن الزهري به (٥). ثانيها: هذا الرجل هو: عبد الله بن حذافة السهمي كما سقته لك مبينًا، وهو: عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن (هصيص) (٦) بن كعب بن لؤي. أخو خنيس بن حذافة، زوج حفصة أصابته جراحة بأحد فمات منها، خلف عليها بعده رسول الله - ﷺ -، وعبد الله الذي قَالَ: يا رسول الله من(١) في (ج): (عن إسحاق بن يعقوب، عن إبراهيم) والصواب ما أثبتناه. البخاري (٤٠٧٢). (٢) سيأتي برقم (٤٤٢٤) كتاب: المغازي، باب: كتابة النبي - ﷺ - إلى كسرى وقيصر. (٣) سيأتي برقم (٧٢٦٤) كتاب: أخبار الآحاد، باب: ما كان يبعث النبي - ﷺ - من الأمراء واحدًا بعد واحدٍ. (٤) في (ف)، (ج): الليث، عن يونس، عن عقيل، والصواب: ما أثبتناه كما في كتاب: الجهاد من «صحيح البخاري» (٢٩٣٩). (٥) سيأتي برقم (٢٩٣٩) كتاب: الجهاد والسير، باب: دعوة اليهود والنصارى. (٦) في (ف)، (ج): هصص، وما أثبتناه كما في «الثقات» ٣/ ٢١٦، «أسد الغابة» ٣/ ٢١١. أبي؟ قَالَ: «أبوك حذافة» (١). أسلم قديمًا وكان من المهاجرين الأولين، وكانت فيه دعابة، وقيل: إنه شهد بدرًا. ولم يذكره الزهري، ولا موسى بن عقبة، ولا ابن إسحاق في البدريين، أسره الروم في زمن عمر، وأرادوه عَلَى الكفر، وله في ذَلِكَ قصة طويلة، وآخرها أنه قَالَ لَهُ ملكهم: قبل رأسي وأطلقك، قَالَ: لا. قَالَ له: وأطلق من معك من أسرى المسلمين، فقبل رأسه، فأطلق معه ثمانين أسيرًا، فكان الصحابة يقولون له: قبلت رأس علج، فيقول: أطلق الله بتلك القبلة ثمانين أسيرًا من المسلمين، توفي عبد الله في خلافة عثمان (٢). ثالثها: في التعريف برجاله، وقد سلف مفرقًا. رابعها: البحران: تثنية بحر وهو ملك مشهور بين البصرة وعمان (٣)، صالح النبي - ﷺ - أهله وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا عبيدة فأتى بجزيتها (٤). ---------------- (١) سيأتي برقم (٧٢٩٤) كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه. (٢) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٣/ ٥٤٠ - ٥٤١، «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٩٨ - ٩٩ (٥٤٧)، «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٣/ ١٦١٥ - ١٦١٧ (١٦٠٢)، «الاستيعاب» ٣/ ٢٤ - ٢٦ (١٥٢٦)، «أسد الغابة» ٣/ ٢١١ - ٢١٣ (٢٨٨٩)، «الإصابة» ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧ (٤٦٢٢). (٣) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٢٢٨. «معجم البلدان» ١/ ٣٤٦. (٤) سيأتي في الحديث رقم (٣١٥٨) كتاب: الجزية والموادعة، باب: الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب. خامسها: (عظيم البحرين) لعله المنذر بن ساوى العبدي، فإن النبي - ﷺ - بعث العلاء بن الحضرمي إليه وكان ملك البحرين فصدق وأسلم (١). سادسها: كسرى -بكسر الكاف وفتحها- قَالَ ابن الجواليقي: والكسر أفصح. وهو فارسي معرب، وهو أنوشروان بن هرمز الكافر، وهو الذي ملك النعمان بن المنذر عَلَى العرب، وهو الذي قصده سيف بن ذي يزن يستنصره عَلَى الحبشة، فبعث معه قائدًا من قواده فنفوا السودان، وكان ملك كسرى سبعًا وأربعين سنة وسبعة أشهر. وذكر ابن سعد أنه - ﷺ - بعث عبد الله بن حذافة السهمي، وهو أحد الستة الذين بعثوا إلى الملوك كسرى وغيره [يدعوه] إلى الإسلام، وكتب معه كتابًا، قَالَ عبد الله: فدفعت إليه كتاب رسول الله - ﷺ - فقرئ عليه ثمَّ أخذه فمزقه. فلما بلغ رسول الله - ﷺ - ذلك قَالَ: «اللهم مزق ملكه»، وكتب كسرى إلى باذان عامله في اليمن أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز فليأتيا بخبره، فبعث باذان قهرمانه ورجلًا آخر، وكتب معهما كتابًا، فقدما المدينة ومعهما كتاب باذان إلى رسول الله - ﷺ -، فتبسم النبي - ﷺ - ودعاهما إلى الإسلام، وفرائصهما ترعد. وفيه فقال: «أبلغا صاحبكما أن ربي قتل ربه كسرى في هذِه الليلة» لسبع ساعات مضت منها وهي ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى ---------------------- (١) انظر ترجمته في «معجم الصحابة» ٣/ ١٠ (١٠٧٠)، «الاستيعاب» ٤/ ١٠ (٢٥١٥)، «أسد الغابة» ٥/ ٢٢٦ (٥٠٩٨)، «الأصابة» ٣/ ٤٥٩ (٨٢١٦). الأولى سنة سبع، وأن الله سلط عليه ابنه شيرويه فقتله (١). أي: وتمزق ملكه كل ممزق، وزال بدعوة النبي - ﷺ -، وذكر ابن هشام: أنه لما مات وِهرز الذي كان باليمن عَلَى جيش الفرس أسر كسرى ابنه يعني: ابن وِهرز، ثمَّ عزله وولى باذان فلم يزل بها حتَّى بعث الله النبي - ﷺ -. قَالَ: فبلغني عن الزهري أنه قَالَ: كتب كسرى إلى باذان أنه بلغني أن رجلًا من قريش يزعم أنه نبي فسر إليه فاستتبه، فإن تاب وإلا فابعث إليَّ برأسه، فبعث باذان بكتابه إلى رسول الله، فكتب إليه رسول الله - ﷺ -: «إن الله تعالى وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا ومن شهر كذا وكذا»، فلما أتى باذان الكتاب قَالَ: إن كان نبيًّا سيكون ما قَالَ، فقتل الله كسرى في اليوم الذي قَالَ رسول الله - ﷺ -. قَالَ ابن هشام: قتل عَلَى يدي ابنه شيرويه. قَالَ الزهري: فلما بلغ باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس (٢). سابعها: قَدْ أسلفنا في الكلام عَلَى حديث هرقل أن كل من ملك الفرس يقال لَهُ كسرى وأولنا حديث: «إذا هَلَكَ كِسْرى فَلَا كِسْرى بَعْدَهُ» (٣)، فراجعه من ثَمَّ. ثامنها: فيه من الفقه ما أسلفناه من الكتابة، وفيه أيضًا الاكتفاء بواحد في حمل كتاب الحاكم إلى حاكم آخر إِذَا لم يشك في الكتاب ولا أنكره، ------------------- (١) «الطبقات الكبرى» ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠. (٢) «سيرة ابن هشام» ١/ ٧٣ - ٧٤. (٣) سيأتي برقم (٣١٢٠) كتاب: فرض الخمس، باب: قول النبي - ﷺ -: «أحلت لكم الغنائم». واعتماد الحكام الآن عَلَى اثنين للاحتياط، وسيأتي بسط ذَلِكَ في كتاب: الأحكام -إن قدر الله الوصول إليه وشاءه. قال البخاري رحمه الله: نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ، أَنَا عَبْدُ اللهِ أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - كِتَابًا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكتُبَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إلَّا مَخْتُومًا. فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ. فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في أبواب هنا، والجهاد (١) واللباس عن ابن مقاتل (٢)، عن ابن المبارك (٣). وفي الأحكام عن ابن بشار، عن غندر (٤). وله عنه طرق أخرى. ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا محمد بن مقاتل، وهو مروزي ثقة صدوق، كنيته أبو الحسن، انفرد به البخاري عن باقي الكتب، روى ----------------- (١) سيأتي برتم (٢٩٣٨) كتاب: الجهاد والسير، باب: دعوة اليهود والنصارى. (٢) كلام المصنف يوهم أن طرق الرواية في كتاب: الجهاد، وكتاب: اللباس والزينة من طريق محمد بن مقاتل عن ابن المبارك وليس كذلك، بل هذِه الطريق هنا فقط، فأما الجهاد فعن علي بن الجعد، وأما في اللباس والزينة فعن آدم بن أبي إياس كلاهما عن ابن المبارك. (٣) سيأتى برقم (٥٨٧٥) كتاب: اللباس، باب: اتخاذ الخاتم ليختم به الشيء. (٤) سيأتى برقم (٧١٦٢) كتاب: الأحكام، باب: الشهادة على الخط المختوم. عن ابن المبارك، ووكيع، وعنه مع البخاري أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم، مات آخر سنة ست وعشرين ومائتين (١). ثالثها: الخاتم: بفتح التاء وكسرها وفيه أربع لغات أخر خاتام وخيتام وختام وختم. رابعها: في فوائده وأحكامه: الأولى: اتخاذ خاتم الفضة، وهو إجماع (٢)، ولا عبرة بمن شذ فيه من كراهة لبسه إلا لذي سلطان (٣)، ومن كراهته للنساء؛ لأنه من زي الرجال (٤). وأما خاتم الذهب: فقام الأجماع عَلَى تحريمه (٥)، ولا عبرة بقول أبي بكر (بن) (٦) محمد بن عمرو بن حزم أنه مباح (٧). ولا بقول ----------------- (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٤٢ (٧٦٧)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٠٥ (٤٤٨)، «الثقات» ٩/ ٨١، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٤٩١ - ٤٩٣ (٥٦٢٦). (٢) انظر: «التمهيد» ١٧/ ٩٩، «الإقناع في مسائل الإجماع» لابن القطان الفاسي ٤/ ٢٠٢٨، «المجموع» ٤/ ٣٠٤. (٣) انظر: «التمهيد» ١٧/ ١٠٠، «المجموع» ٤/ ٣٠٤ - ٣٤١، «أحكام الخواتم» لابن رجب ص ٥٣. قال النووي: وأما ما نقل عن بعض علماء الشام المتقدمين من كراهة لبسه لغير ذي سلطان، فشاذ مردود بالنصوص واجماع السلف. اهـ. قلت: من أراد مزيد بيان فليراجع المسالة في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٦٥ - ٢٦٦. (٤) انظر: «المجموع» ٤/ ٣٤٠، وعزاه للخطابي، قال النووي: هذا الذي قاله باطل لا أصل له. اهـ. (٥) انظر: «مسلم بشرح النووي» ١٤/ ٣٢. (٦) في الأصل: أبو بكر محمد بن عمرو، والصواب ما أثبتناه كما في «الجرح والتعديل» ٩/ ٣٣٧، «الثقات» ٥/ ٥٦١، «تهديب التهذيب» ٤/ ٤٩٤. (٧) انظر: «تهذيب سنن أبي داود» لابن القيم ٦/ ١١٢. قال ابن القيم: وقد روي عن = بعضهم أنه مكروه (١)، وقد كان - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ذهب، وجعل فصه مما يلي بطن كفه فاتخذ الناس مثله فرماه، وقال: «لا ألبسه أبدًا» (٢) ثمَّ اتخذ الخاتم من فضة فنسخ لبسه. وأما حديث أنس (خ م) أنه رأى في يد رسول الله - ﷺ - خاتمًا من ورق يومًا واحدًا فطرحه وطرح الناس خواتيمهم (٣) فهو وهم من الزهري، وإن كان رواه عنه خمسة وصوابه من ذهب (٤). الثانية: جواز نقش الخاتم ونقش اسم صاحبه، وجواز نقش اسم الله تعالى عليه، وهو قول مالك (٥) وابن المسيب (٦) وغيرهما، وكرهه ابن سيرين (٧). ---------------- = البراء بن عازب، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أنهم لبسوا خواتيم الذهب. وهذا إن صح عنهم فلعلهم لم يبلغهم النهي، وهم في ذلك كمن رخص في لبس الحرير من السلف، وقد صحت السنة بتحريمه على الرجال وإباحته للنساء والله أعلم. اهـ. (١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٦٠ - ٢٦١. (٢) سيأتي برقم (٥٨٦٧) كتاب: اللباس، باب: خاتم الفضة. (٣) سيأتي برقم (٥٨٦٨) كتاب: اللباس، باب: خاتم الفضة، ومسلم (٢٠٩٣) كتاب: اللباس والزينة، باب: في طرح الخواتم. (٤) قلت: ذكر ابن رجب في «أحكام الخواتم» ص ٥٦ - ٦٠ إلى جانب هذا السبب، أسباب أُخر، أحدها: أن الخاتم الذي رمى به النبي - ﷺ - لم يكن كله من فضة، وإنما كان من حديد عليه فضة. الثاني: أن طرحه إنما كان لئلا يظن أنه سنة مسنونة، فإنهم اتخذوا الخواتيم لما رأوه قد لبسه فتبين بطرحه أنه ليس بمشروع ولا سنة وبقى أصل الجواز بلُبْسه. الثالث: أن طرحه كان بسبب نقش الناس على نقشه لنهيه عن ذلك. (٥) انظر: «الذخيرة» ١٣/ ٢٦٥. (٦) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٣٤٦ (١٣٥١)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ٥/ ١٩٢ (٢٥١١٤). (٧) انظر: «المنتقى» ٧/ ٢٥٤. وأما رواية البخاري فيما سيأتي: «إنِّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا، وَنَقَشْنَا عليه نَقْشًا، فَلَا يَنْقُشْ عَلَيْهِ أَحَدٌ» (١) فالنهي محن نقش مثله خوف حصول المفسدة والخلل، فإنه إنما فعل ذَلِكَ؛ ليختم به كلتب الملوك، فإذا نقش مثله خيف وقوع ذَلِكَ. الثالثة: ختم كتاب السلطان والقضاة والحكام، وهو سنة متبعة، وإنما كانوا لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا خوفًا عَلَى كشف أسرارهم وإذاعة تدبيرهم، فصار الختم للكتاب سنة، وقد قيل في قوله: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩]: أنه كان مختومًا (٢). الرابعة: معنى (كَتَبَ): أراد أن يكتب كما سلف. واعلم أن البخاري ذكر أحاديث الخاتم في مواضع من كتابه في كتاب اللباس وغيره كما سنمر عليه -إن شاء الله تعالى-، وهناك يأتي الكلام -إن شاء الله تعالى- في كيف وضع فصه؟ وأنه من داخل، وصفة فصه، وهل يلبسه في يمينه أو في يساره؟ إن شاء الله. واستحب مالك لبسه في يساره وكرهه في يمينه (٣)، والأصح عند الشافعية عكسه، وكان نقش خاتم الإمام مالك: حسبي الله ونعم الوكيل (٤)، وكان نقش خاتم الشافعي: الله ثقة محمد بن إدريس، ونقل الربيع عنه أنه كان يتختم في يساره. -------------- (١) سيأتي برقم (٥٨٧٤) كتاب: اللباس، باب: الخاتم في الخنصر. (٢) ذكره الطبري في «تفسيره» ٩/ ٥١٣. (٣) انظر: «المنتقى» ٧/ ٢٥٤، «عقد الجواهر الثمينة» ٣/ ١٢٩١. (٤) انظر: «المنتقى» ٧/ ٢٥٤، «عقد الجواهر الثمينة» ٣/ ١٢٩١، «الذخيرة» ١٣/ ٢٦٥. ٨ - باب مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِى بِهِ الْمَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِى الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا ٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ. فِي الَمسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اَثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأى فُرْجَةً فِي الَحلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاَثةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْة، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَغرَضَ اللهُ عَنْهُ». [٤٧٤ - مسلم ٢١٧٦ - فتح: ١/ ١٥٦] لو أخر البخاري هذا الباب -رحمه الله- إلى ما بعد الباب الذي يليه وهو باب قوله - ﷺ -: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» لكان أولى؛ لأن فيه معنى التحمل عن غير العارف وغير الفقيه. نَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ -مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- أخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرِ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي الصلاة في باب: الحلق والجلوس في المسجد عن عبد الله بن يوسف (١). وأخرجه مسلم في الأدب عن قتممة كلاهما عن مالك، وعن أحمد بن المنذر، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حرب (بن) (٢) شداد، عن يحيى بن أبي كثير، وعن إسحاق بن منصور، عن حبان، عن أبان العطار، عن ابن أبي كثير كلاهما عن إسحاق، عن أبي مرة يزيد مولى عقيل، عن أبي واقد (٣). ثانيها: في التعريف برواته: أما أبو واقد فهو -بالقاف- مشهور بكنيته، وفي اسمه أقوال: أصحها: الحارث بن عوف قاله الكلبي، وصححه أبو عمر (٤)، وثانيها: عكسه. ثالثها: الحارث بن مالك -قاله الواقدي- ابن أسيد بن جابر بن عويرة (٥) بن ------------------- (١) سيأتي برقم (٤٧٤) كتاب الصلاة. (٢) في (ج): عن. وما أثبتناه هو الصحيح، مسلم (٢١٧٦). (٣) (٢١٧٦) كتاب: السلام، باب: مَنْ أتى مجلسًا فوجد فرجة فجلس فيها، وإلا وراءهم. (٤) «الاستيعاب» ١/ ٣٦٠. (٥) كذا بالأصول عندنا: عويرة، ووقع في «معجم البغوي»: عوثرة. وسقطت من «الإصابة» لابن حجر و«معجم ابن قانع»، ووقع في مطبوع «الاستيعاب»: عوثرة، وذكر المحقق أنه وقع في مخطوط: عنورة، ووقع في «أسد الغابة»: عويرة بمثل ما ذكر عندنا، ووقع في «معرفة الصحابة» لأبي نعيم: عتوارة. عبد مناف (١) بن شجع (٢) بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة بن خزيمة الليثي. قَاَل أبو عمر عن بعضهم: شهد بدرًا، ولم يذكر موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق فيهم، وذكر بعضهم أنه كان قديم الإسلام. وقال غيره: أسلم يوم الفتح، وأخبر عن نفسه أنه شهد حنينًا، قَالَ: وكنت حديث عهد بكفر، وهذا يدل عَلَى تأخر إسلامه، وشهد اليرموك، ثمَّ جاور بمكة سنة ومات بها ودفن بمقبرة المهاجرين. لَهُ أربعة وعشرون حديثًا اتفقا منها عَلَى هذا الحديث، وليس لَهُ في «صحيح البخاري» غيره، وانفرد مسلم بحديث آخر، وهو ما كان يقرأ به النبي - ﷺ - في الأضحى (٣). وقيل: إنه ولد في العام الذي ولد فيه ابن عباس، وفي هذِه وشهوده نظر كما قاله الحافظ عبد الغني، مات سنة ثمان وستين عن خمس وسبعين سنة (٤). ------------------ (١) كذا بالأصول عندنا: عبد مناف، زكذا وقع في «معجم البغوي»، ووقع في «معجم ابن قانع»، و«الاستيعاب»، والطبوع في «أسد الغابة»: عبد مناة، وذكر محقق «أسد الغابة» أنه وقع في أصوله الخطية: عبد مناف، ووقع في «الإصابة»: عبد مناة. وكذا بهامشة لابن عبد البر، وكذلك في «معرفة الصحابة» لأبي نعيم. (٢) كذا بالأصول عندنا: شجع، وكذا وقع في «معجم البغوي»، «أسد الغابة»، «معرفة الصحابة»، ووقع في «معجم ابن قانع»، «و»الاستيعاب«،»الإصابة«: أشجع. (٣) مسلم (٨٩١) كتاب: صلاة العيدين، باب: ما يقرأ به في صلاة العيدين. (٤) انظر ترجمته في:»معجم الصحابة«للبغوي ٢/ ٤٢ - ٤٥،»معجم الصحابة«لابن قانع ١/ ١٧٢ - ١٧٣ (١٨٥)،»معرفة الصحابة«للبغوي ٢/ ٤٢ - ٤٥،»معرفة الصحابة«لأبي نعيم ٢/ ٧٥٢ (٦٣٠)،»الاستيعاب«٤/ ٣٣٧ (٣٢٤٧)،»أسد الغابة«١/ ٤٠٩ (٩٤٠)، »الإصابة" ٤/ ٢١٥ - ٢١٦ (١٢١١). ![]()
__________________
|
|
#66
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 306 الى صـــ 325 الحلقة (65) فائدة: في الصحابة من يكنى بهذِه الكنية ثلاثة هذا أحدهم، وثانيهم أبو واقد (١) مولى رسول الله - ﷺ - (٢)، روى عنه أبو عمر زاذان (٣)، وثالثهم أبو واقد النميري (٤)، روى عنه نافع بن سرجس (٥). وأما الراوي عنه فهو أبو مرة واسمه يزيد كما سلف، مولى عقيل بن أبي طالب كما ذكره البخاري، وقيل: مولى أخيه، وقيل: مولى أختهما أم هانئ، وكان يلزم عقيلا فنسب إلى ولائه، روى عن عمرو بن العاص وأبي واقد وغيرهما، قَالَ ابن منجويه: كان شيخًا قديمًا، وروى عنه زيد بن أسلم وأبو حازم وغيرهما (٦). وأما الراوي عنه فهو: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن -------------------- (١) وقع في «الاستيعاب» أن اسمه: (واقد) وذكره في أسماء من تبدأ أسماؤهم بحرف الواو. (٢) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٦/ ٣٠٤١ (٣٤٨٤)، «الاستيعاب» ٤/ ١١٢ (٢٧٤٤)، «أسد الغابة» ٦/ ٣٢٦ (٦٣٢٨)، «الإصابة» ٤/ ٢١٦ (١٢١٢). (٣) انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» ٦/ ١٧٨، «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٣٧ (١٤٥٥)، «معرفة الثقات» للعجلي ١/ ٣٦٦ (٤٨٨)، «الكامل» لابن عدي ٤/ ٢٠٩ (٧٢٨)، «الثقات» ٤/ ٢٦٥، و«تهذيب الكمال» ٩/ ٢٦٣ (١٩٤٥). (٤) انظر ترجمته في: «أسد الغابة» ٦/ ٣٢٦ (٦٣٢٩)، «الإصابة» ٤/ ٢١٦ (١٢١٤)، وقال ابن حجر في ترجمته: ذكره ابن شاهين في الصحابة وأخرج من طريق جشم، عن نافع بن سرجس، عن أبي واقد النميري قال: كان رسول الله - ﷺ - أخف الناس صلاة على الناس وأدومها على نفسه. (٥) انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٧٧، و«التاريخ الكبير» ٨/ ٨٤ (٢٢٦٣)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٤٥٢ (٢٠٧١)، و«الثقات» لابن حبان ٥/ ٤٦٨. (٦) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ١٧٧/ ٥، «معرفة الثقات» ٢/ ٤٢٥ (٢٢٤٧)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٩٩ (١٢٧٧)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٢٩٠ - ٢٩١ (٧٠٦٨)، «تقريب التهذيب» ص ٦٠٦ (٧٧٩٧). سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري ابن أخي أنس لأمه. كان يسكن دار جده بالمدينة، وهو تابعي سمع أباه وعمه أنس بن مالك وغيرهما، وثقته متفق عليها، وهو أشهر إخوته وأكثرهم حديثًا وهم: عبد الله، ويعقوب، وإسماعيل، وعمر، وعبد الله، وكان مالك لا يقدم عَلَى إسحاق في الحديث أحدًا، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة (١). وأما الراوي عنه فهو: إسماعيل الأودي وقد سلف. ثالثها: تتبع أسماء هؤلاء الثلاثة فإني لم أظفر بها. رابعها: في ألفاظه: (النفر) -بفتح الفاء- عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة قاله الجوهري (٢). و(الفرجة) -بضم الفاء وفتحها لغتان- الخلل بين شيئين، واقتصر الجوهري وغيره عَلَى الضم (٣). وقد فرج لَهُ في الصف والحلقة ونحوهما بالتخفيف، يفرج -بضم الراء- وأما الفرجة بمعنى الراحة من الغم فهي بفتح الفاء، وحكى الأزهري وغيره تثليثها (٤). وقد أوضحت ذَلِكَ في «الإشارات للغات المنهاج». و(الحلقة) بإسكان اللام عَلَى المشهور، وحكي فتحها، وقوله: «فَآوى إِلَى اللهِ» فهو مقصور، وقوله: «فَآوَاهُ الله» فهو ممدود هكذا ------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» القسم المتمم لتابعي أهل المدينة. ومن بعدهم ص ٢٨٨ - ٢٨٩ (١٧٧)، «التاريخ الكبير» ١/ ٣٩٣ - ٣٩٤ (١٢٥٥)، «معرفة الثقات» ١/ ٢١٩ (٧٠)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٤٤٤ - ٤٤٦ (٣٦٦). (٢) «الصحاح» ٢/ ٨٣٣، مادة: (نفر). (٣) «الصحاح» ١/ ٣٣٤، «المجمل» ٣/ ٧١٩، مادة: (فرج). (٤) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٧٥٩، «المجمل» ٣/ ٧١٩، مادة: (فرج). الرواية، وبه جاء القرآن القصر في اللازم والمد في المتعدي، قَالَ الله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠]، ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ [الضحى: ٦]، وحكى بعضهم فيهما اللغتين القصر والمد، كما حكاه القاضي (١). والمشهور الفرق. وقوله: «فَآوى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ» هو من باب المقابلة، وكذا: «فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ»، وكذا: «فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ»، كله من باب المقابلة والمماثلة في اللفظ، ومثله في القرآن: ﴿مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥] ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] والمعنى: جازاهم الله عَلَى أفعالهم، فسمى مجازاتهم بمثل أسماء أفعالهم استعارة ومجازا (٢). -------------------- (١) انظر: «إكمال المعلم» ٧/ ٦٦. (٢) اعلم أن صفة المكر والاستهزاء والحياء من صفات الكلمال المقيدة التي لا يجوز أن يتصف الله بها إلا مقيدة. قال العلامة محمد الصالح العثيمين في «شرح العقيدة الواسطية» ١/ ١٠٩ - ١١٠: الصفات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: صفة كمال على الإطلاق، وصفة كمال بقيد، وصفة نقص. أما صفة الكمال على الإطلاق: فهي ثابتة لله كالمتكلم والفغال وغير ذلك وأما صفة كمال بقيد: فهذِه لا يوصف الله بها على الإطلاق إلا مقيدَا مثل: المكر والخداع والاستهزاء، وما أشبه ذلك، فهذِه صفات كمال بقيد إذا كانت في مقابلة من يفعلون ذلك فهي كمال، وإن ذكرت مطلقة فلا تصح بالنسمة لله -عز وجل-، ولهذا لا يصح إطلاق وصفه بالماكر أو المستهزئ أو الخادع، بل تقيد، فتقول: ماكر بالماكرين، مستهزئ بالمنافقين، خاح للمنافقين، كائد للكافرين، فتقيدها لأنها لم تأت إلا مقيدة. الثالث: ما دلّ على نقص، فهذا لا يوصف الله به مطلقًا، وبأيّ حال من الأحوال كالعاجز والأعمى والأصم، فهذا لا يوصف الله به مطلقًا؛ لأنه نقص = ومعنى: «فَآوى إِلَى اللهِ» لجا إليه، قَالَ القاضي: وعندي أن معناه: دخل مجلس ذكر الله (١). و«آواه الله» أي: قبله وقربه، أو آواه إلى جنته، وقوله: «فاستحيا» اْي: ترك المزاحمة والتخطي حياءً من الله ورسوله والحاضرين، أو استحياءً منهم أن يعرض ذاهبًا فاستحيا الله منه، أي: رحمه ولم يعاقبه، وقوله: «فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ» أي: لم يرحمه وسخط عليه، وحمله بعضهم عَلَى من ذهب معرضًا لا لعذر، فمن أعرض عن نبيه - ﷺ - وزهد فيه فليس بمؤمن، وإن كان هذا مؤمنًا وذهب لحاجة دنيوية أو ضرورية فإعراض الله عنه ترك رحمته وعفوه، فلا تثبت له حسنة ولا تمحو عنه سيئة، نبه عَلَى ذَلِكَ القاضي (٢). خامسها: فيه من الآداب جمل مستكثرة منها: حلق العلم والذكر في المسجد، واستحباب القرب من الكبير في الحلقة ليسمع كلامه، واستحباب الثناء عَلَى من فعل جميلًا، وأن الإنسان إِذَا فعل قبيحًا أو مذمومًا وباح به جاز أن ينسب إليه. وفيه أيضًا: أن من جلس إلى حلقة فيها ذكر أو علم فهو في كنف الله (وجواره) (٣) وإيوائه، وهو ممن تضع لَهُ الملائكة أجنحتها. وأن العالم يؤوي المتعلم؛ لقوله -عليه السلام-: «فآواه الله» وأن من قصد المعلم ومجالسته فاستحيا من قصده، ولم يمنعه الحياء من التعلم ومجالسة -------------------- = على الإطلاق. اهـ. قلت: إذ علم ذلك سهل علينا فَهْمُ كثير من آيات وأحاديث الصفات دون الحاجة إلى تحريف أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف. (١) انظر: «إكمال المعلم» ٧/ ٦٦. (٢) انظر التخريج السابق. (٣) من (ج). العلماء، أن الله يستحي منه ولا يعذبه جزاءً باستحيائه، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (١). فالحياء المذموم في الفعل هو الذي يبعث عَلَى ترك التعلم. وفيه أيضًا أن من قصد العلم ومجالسه ثمَّ أعرض عنها فإن الله يعرض عنه، ومن (أعرض) (٢) عنه فقد تعرض لسخطه، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥]، وهذا انسلخ من إيواء الله بإعراضه عنه. وفيه: سد الفُرج في حلق الذكر، وقد جاء في سدها في صفوف الصلاة وفي الصف في سبيل الله توغيب وآثار (٣)، ومعلوم أن حلق الذكر في سبيل الله، وفيه أن التزاحم بين يدي العالم أفضل من أعمال البر، ألا ترى قول لقمان لابنه: يا بني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء (٤). ------------------ (١) رواه مسلم (٣٣٢/ ٦٩) كتاب: الحيض، باب: استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم. (٢) في (ف): يعرض. (٣) من ذلك ما رواه ابن عمر عن النبي - ﷺ -: «أقيموا الصفوت وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله». رواه أبو داود (٦٦٦)، ابن خزيمة (١٥٤٩)، الحاكم ١/ ٢١٣. وقال: هذا صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. والحديث صححه الألباني. انظر: «صحيح أبي داود» (٦٧٢). (٤) ذكره مالك في «الموطأ»رواية يحيى ص ٦١٩ بلاغًا، ورواه ابن المبارك في «الزهد» ص ٤٨٧ (٣٨٧) عن عبد الوهاب بن بخت المكي، قال: قال لقمان = وفيه: أن من حسن الأدب أن يجلس المرء حيث انتهى به مجلسه ولا يقيم أحدًا، وقد روي ذَلِكَ عن رسول الله - ﷺ - (١). وفيه: ابتداء العالم جلساءه بالعلم، قبل أن يسئل عنه. وفيه: مدح الحياء والثناء عَلَى صاحبه. وفيه: ذم من زهد في العلم؛ لأنه لا يحرم أحد عن حلقة رسول الله وفيه خير. ---------------------- = لابنه: … فذكره، ورواه الطبراني ٨/ ١٩٩ - ٢٠٥ (٧٨١٠)، والرامهرمزي في «أمثال الحديث» ص ٩٠ من حديث أبي أمامة عن النبي - ﷺ - أن لقمان قال لابنه: يا بني عليك بمجالسة العلماء، واستماع كلام الحكماء، فإن الله -عز وجل- يحيى القلوب بنور الحكمة كما يحيى الأرض بوابل المطر. قال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٢٥: وفيه عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد وكلاهما ضعيف لا يحتج به، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٧٨). (١) ستأتي هذِه الرواية برقم (٦٢٦٩) كتاب: الاستئذان، باب: لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه. ٩ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» ٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن عَوْنٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - قعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ -أَوْ بِزِمَامِهِ- قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هذا؟». فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوى اسْمِهِ. قَالَ: «أَليْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قُلْنَا بَلَى. قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هذا؟». فَسَكتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ: «أَليْسَ بِذِي الحِجَّةِ؟». قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، فِي شَهْرِكُمْ هذا، فِي بَلَدِكُمْ هذا. لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ». [١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٨ - مسلم: ١٦٧٩ - فتح: ١/ ١٥٧] نَا مُسَدَّدٌ نَا بِشْرٌ هو ابن المفضل نَا ابن عَوْنٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ -أَوْ بِزِمَامِهِ- قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هذا؟». فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوى اسْمِهِ. قَالَ: «ألَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قُلْنَا بَلَى. قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هذا؟». فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ: «أَليْسَ بِذِي الحِجَّةِ؟». قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كحُرْمَةِ يَوْمِكمْ هذا، فِي شَهْرِكُمْ هذا، فِي بَلَدِكُمْ هذا. لِيُبَلِّغِ الشَّاهِذ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي العلم (١) والتفسير عن عبد الله بن عبد الوهاب، عن حماد بن زيد، عن أيوب (٢). وفي بدء الخلق (٣)، وحجة الوداع (٤)، والتوحيد عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب (٥). وفي الأضاحي عن محمد بن سلام، عن الثقفي، وعن عبد الوارث (٦)، وفي الفتن عن مسدد، عن يحيى القطان، عن قرة (٧). وفي الحج: عن عبد الله بن محمد، عن أبي عامر العقدي، عن قرة (٨). وأخرجه مسلم في الحدود عن أبي بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن حبيب ابن عربي، عن عبد الوهاب، عن أيوب، وعن نصر بن علي، عن ابن زريع، عن ابن عون، وعن أبي موسى، عن حماد بن مسعدة، عن ابن عون، وعن محمد بن حاتم، عن يحيى القطان، عن قرة، وعن محمد بن عمر وأحمد بن الحسن بن خراش، عن أبي عامر العقدي، عن قرة كلهم عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن عن أبيه به (٩). -------------------- (١) سيأتي برقم (١٠٥) كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب. (٢) سيأتي برقم (٤٦٦٢) كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾. (٣) سيأتي برقم (٣١٩٧) كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في سبع أرضين. (٤) سيأتي برقم (٤٤٠٦) كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع. (٥) سيأتي برقم (٧٤٤٧) في التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. (٦) سيأتي برقم (٥٥٥٠) كتاب: الأضاحي، باب: من قال: الأضاحي يوم النحر. (٧) سيأتي برقم (٧٠٧٨) كتاب: الفتن، باب: «لا ترجعوا بعدي كفارًا». (٨) سيأتي برقم (١٧٤١) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى. (٩) (١٦٧٩) كتاب: القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال. وفي حديث العقدي عن قرة، عن محمد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي بكرة (١). وأخرجه البخاري من حديث ابن عباس (٢) وابن عمر (٣) بنحوه، وله طرق تأتي -إن شاء الله تعالى- وذكره ابن منده في «مستخرجه» من حديث سبعة عشر صحابيًا. الثاني: لفظ ترجمة البخاري رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قَالَ: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «نضر الله امرأ سمع (منا شيئًا) (٤) فبلغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع» ثمَّ قَالَ: هذا حديث حسن صحيح (٥). قُلْتُ: وكأنه لم يعبأ بما قيل في عدم سماع عبد الرحمن من أبيه لصغره، قَال يحيى بن معين: لم يسمع منه. وقال أحمد: مات عبد الله ولعبد الرحمن ابنه ست سنين أو نحوها. وأخرج البخاري لعبد الرحمن، عن مسروق فكان هذا عذر البخاري، حيث جعله في الترجمة (٦) واستشهد لَهُ مما ساقه من قوله: «فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى لَهُ منه». --------------------- (١) مسلم (١٦٧٩) ٣١. (٢) سيأتي برقم (١٧٣٩) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى. (٣) سيأتي برقم (١٧٤٢) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى. (٤) في (ج): مقالتي منا شيئًا. (٥) «سنن الترمذي» (٢٦٥٧). (٦) قلت: بل لفظ الترجمة جاء عند البخاري في إحدى رواياته ستأتي برقم (١٧٤١). وقد أخرج أبو داود والترمذي في «جامعه» وابن ماجه وابن حبان والحاكم في «صحيحهما» من حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قَالَ: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «نضر الله امرأً سمع مقالتي فحفظها ووعاها فأداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». قَالَ الترمذي: حسن، وقال الحاكم: صحيح عَلَى شرط الشيخين (١). و(نضر) -بالتشديد أكثر من التخفيف- أي: حسن، ويقال: أنضر الله وجهه، و(نضر) بالضم والكسر حكاهما الجوهري (٢). ثالثها: في التعريف برواته: أما أبو بكرة فسلف، وأما ولده عبد الرحمن فهو أبو عمرو الثقفي البصري أخو عبيد الله، ومسلم، وورَّاد وهو أول مولود ولد في الإسلام بالبصرة سنة أربع عشرة، حين بنيت، سمع أباه وعليًّا وغيرهما، وعنه ابن سيرين وغيره، مات سنة ست وتسعين (٣). وأما ابن سيرين فسلف. ------------------- (١) قلت: ليس عند الحاكم من حديث زيد بن ثابت، بل من حديث جبير بن مطعم، انظر: «المستدرك» ١/ ٨٦ - ٨٨، وأما حديث زيد فهو عند الترمذي (٢٦٥٦)، ابن حبان ٢/ ٢٧٠ (٦٧)، كما قال. ورواه أيضًا أبو داود (٣٦٦٠)، وابن ماجه (٢٣٠)، وأحمد ٥/ ١٨٣، والدارمي ١/ ٣٠٢ (٢٣٥) وغيرهم. (٢) «الصحاح» ٢/ ٨٣٠، مادة: (نضر). (٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٩٠، «التاريخ الكبير» ٥/ ٢٦٠ (٨٣٨)، «معرفة الثقات» ٢/ ٧٣ (١٠٢٣)، «الثقات» ٥/ ٧٧، «تهذيب الكمال» ١٧/ ٥ - ٦ (٣٧٧١)، «التقريب» ص ٣٣٧ (٣٨١٦). وأما ابن عون فهو: الإمام أبو عون عبد الله (ع) بن أرطبان البصري مولى عبد الله بن مغفل المزني، أحد الأعلام، رأى أنسًا ولم يثبت لَهُ منه سماع، وسمع (أنسًا) (١) وابن سيرين وغيرهما، وعنه الأعلام: شعبة والثوري والقطان وغيرهم، وورعه ودينه مشهور. قال خارجة: صحبته أربعًا وعشرين سنة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة. وقال أبو حاتم: ثقة، وقال الأوزاعي: إِذَا مات ابن عون وسفيان استوى الناس، مات سنة إحدى وخمسين ومائة عن خمس وثمانين (٢). وأما الراوي عنه فهو أبو إسماعيل بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشي البصري، سمع ابن عون وغيره، وعنه الإمام أحمد وغيره، وهو ثقة، (كثير) (٣) الحديث كان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة ويصوم يومًا. ويفطر يومًا قَالَ أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عثمانيا (٤)، مات سنة ست، وقيل: سبع وثمانين (٥) (ومائة) (٦). وأما مسدد فقد سلف. ---------------- (١) في (ج): الحسن. (٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٦١ - ٢٦٨، «التاريخ الكبرى» ٥/ ١٦٣ (٥١٢)، «معرفة الثقات» ٢/ ٤٩ (٩٤٣)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٣٠ - ١٣١ (٦٠٥)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٣٩٤ - ٣٩٥ (٣٤٦٦). (٣) في (ف): كتب. (٤) «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٠. (٥) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٨٤ (١٧٦٩)، «معرفة الثقات» ١/ ٢٤٧ (١٥٨)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٣٦٦ (١٤١٠)، «تهذيب الكمال» ٤/ ١٤٧ - ١٥١ (٧٠٧). (٦) من (ج). رابعها: (ذو الحجة): -بكسر الحاء أفصح من فتحها-، وذو القعدة -بالعكس-، والخطام والزمام بكسر أولهما، واسم هذا الممسك: (أبو بكرة راوي الحديث) (١). خامسها: عقد البخاري هذا الباب لينبه عَلَى أنه يجوز التحمل من غير فقيه إِذَا ضبط ما يحدث به ويعد في زمرة أهل العلم -إن شاء الله- أو فيه أحكام وفوائد أخر: أولها: جواز القعود عَلَى الدابة وغيرها لحاجة لا للأشر، والنهي عن اتخاذ ظهورها منابر﴾ (٢) مخصوص بغير الحاجة، والحاجة هنا إسماع الناس. ثانيها: البعير: اسم جنس بمنزلة الإنسان من الناس، يقال للجمل بعير وللناقة بعير، وإنما يقال له بعير إِذَا جذع. ثالثها: صون البعير عن اضطرابه وتهويشه عَلَى راكبه بإمساك خطامه أو زمامه. رابعها: وجوب تبليغ العلم وتبيينه، وهو الميثاق الذي أخذه الله -عز وجل- عَلَى العلماء ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. خامسها: أنه قَدْ يأتي في الزمن الأخير من يكون لَهُ فهم في العلم ما ليس لمن يقدمه إلا أنه يكون قليلًا؛ لأن رب للتقليل وعسى (للطمع) (٣) وليست موضوعة (لتحقيق) (٤) الشيء. --------------- (١) من (ج). (٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ف). (٣) في (ج): للمطمع. (٤) في (ف): لتحقق. سادسها: تأكيد التحريم وتغليظه بأبلغ ما تجد مرة وثنتين وثلاثًا، كلما فعل - ﷺ - في قوله: «كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، فِي شَهْرِكُمْ هذا، فِي بَلَدِكُمْ هذا» ثمَّ اعلم أنه لم يذكر هنا السؤال عن البلد، وقد ذكره في الحج (١) فلعله من تقصير وقع هنا من بعض (الرواة) (٢). وذكره أيضًا من طريق ابن عمر وابن عباس كما ستعلمه في موضعه -إن شاء الله تعالى- لكن في حديث ابن عباس أنهم أجابوه بقولهم: هذا يوم حرام وبلد حرام وشهر حرام (٣)، وهو مخالف للمذكور هنا من حديث أبي بكرة، وحديث ابن عمر أيضًا أنهم سكتوا حتَّى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه (٤)، ويحتاج إلى جمع (متين) (٥) بينهما. وقد يقال: ييحسمل أن تكون الخطبة متعددة، وأجاب في الثانية من علم في الأولى، وسؤاله -عليه السلام- عما هو معلوم وسكوته المراد به: التعظيم والتنبيه عَلَى عظم مرتبة هذا اليوم والشهر والبلد. وقولهم في حديث ابن عباس: قلنا: الله ورسوله أعلم. فيه دلالة عَلَى حسن أدبهم؛ لأنهم علموا أنه - ﷺ - لا يخفي عليه جواب ما سأل عنه، فعرفوا أنه ليس المراد الإخبار عما يعرفون. ------------------ (١) سيأتي برقم (١٧٤١) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى. (٢) في (ف): الرواية. (٣) سيأتي برفم (١٧٣٩) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى. (٤) سيأتي برقم (١٧٤٢) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى. (٥) من (ف). ١٠ - باب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فَبَدَأَ بِالْعِلْم، وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَرَّثُوا العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ. وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ١٠] وَقَالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَهِّمْهُ فِي الدِّينِ» و: «إِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّم». وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هذِه -وَأَشَارَ إِلى قَفَاهُ- ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُهَا. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] عُلَمَاءَ (١) فُقَهَاءَ. وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ: الذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ. [فتح: ١/ ١٥٩] الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه: وقد سلف التعريف بابن عباس وبأبي ذر، وكرره شيخنا قطب الدين. ---------------- (١) كذا في (ج)، (ف) وفي «اليونينية» ١/ ٢٥: حلماء، وفي هامشها أنه وقع في بعض النسخ حكماء. ثانيها: الخطاب في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] للنبي - ﷺ -، والمراد به غيره، ويجوز كما قَالَ الواحدي: أن يكون المعنى: أقم عَلَى ذَلِكَ العلم واثبت عليه، ويجوز أن يكون متعلقًا بما قبله عَلَى معنى: إِذَا جاءتهم الساعة فاعلم ذَلِكَ وأنه لا مُلْكَ لأحدٍ إلا له (١). وسئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله تعالى حين بدأ بـ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، فأمر بالعمل بعد العلم (٢)، وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، ثم قَالَ: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، فالنظر الموصل إلى المعارف واجب وهو أول (الواجبات) (٣) ويكفي (فيه) (٤) الاعتقاد الجازم وإن لم يعرف الأدلة عَلَى المختار. ثالثها: قوله: («وإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ ورَّثُوا العِلمَ فمَنْ أخذه أخَذَ بحظٍ وافِر») هذا حديث مطول أخرجه الترمذي من حديث مَحْمْود بْن خِدَاشٍ، عن مُحَمَّد بْن يَزِيدَ الوَاسِطِيّ عن عَاصِم بْن رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثيرٍ عن أَبِي الدَّرْدَاءِ - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يطلبُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّل اللهُ له طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا -------------------- 0(١)»تفسير الوسيط«٤/ ١٢٥. (٢) رواه أبو نعيم في»حلية الأولياء" ٧/ ٢٨٥. (٣) في (ف): الواجب. (٤) في (ج): به. لِطَالِبِ العِلْمِ رِضَاءً، وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الحِيتَانُ فِي المَاءِ، وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، وإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظً وَافِرٍ». ثمَّ قَالَ: كذا حَدَّثَنَاه محمود، وَإِنَّمَا يُرْوى عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ دَاوُدَ (ابن) (١) جَمِيلٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وهذا أَصَحُ ولا يعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم، وليس إسناده عندي بمتصل (٢). وأما ابن حبان: فأخرجه في «صحيحه» من حديث عاصم عن داود به (٣)، وقال في «ضعفائه»: روي: «العلماءُ ورثة الأنبياء» بأسانيد صالحة (٤). والتزم الحاكم صحته (٥). وحسنه حمزة مع الغرابة (٦). وأما الدارقطني فضعفه (٧). والحق: أن إسناده مضطرب وقد سقتُ لك بعضه، ورواه الأوزاعي، عن كئير بن قيس، عن يزيد بن سمرة، عن أبي الدرداء، قَالَ الدارقطني في «علله»: وليس بمحفوظ (٨). ------------------- (١) في (ف): عن. (٢) «سنن الترمذي» (٢٦٨٢). (٣) «صحيح ابن حبان» ١/ ٢٨٩ (٨٨). (٤) لم أقف على هذِه العبارة في كتب ابن حبان وهي بنصها في «العلل المتناهية» لابن الجوزي ١/ ٧٠ ساقها في كلامه على الحديث المذكور، وقبلها مباشرة كلام ابن حبان في تجريح أحد رواته مما يوهم أن كلا العبارتين لابن حبان. (٥) لم أقف عليه في «المستدرك» وعزاه له الحافظ في «الفتح» ١/ ١٦٠ وأنه صححه. (٦) «جامع بيان العلم» ١/ ١٦٢. (٧) «علل الدارقطني» ٦/ ٢١٦ - ٢١٧. (٨) «علل الدارقطني» ٦/ ٢١٧. وقال ابن عبد البر: لم يقمه الأوزاعي، وقد خلط فيه. وقال حمزة: رواه الأوزاعي، عن عبد السلام بن سليم، عن يزيد بن سمرة وغيره من أهل العلم عن كثير بن قيس. قَالَ ابن عبد البر: وعاصم بن رجاء هذا ثقة مشهور، وقال الدارقطني: عاصم بن رجاء ومن فوقه إلى أبي الدرداء ضعفاء، وقَالَ؟ وداود بن جميل مجهول (١). وقال البزار: لا يعلم إلا في هذا الحديث. وكذا كثير بن قيس، قَالَ: ولا يعلم روى عن كثير غير داود والوليد بن مرة، ولا يعلم روى عن داود غير عاصم (٢). وذكر ابن القطان: أنه اضطرب عاصم فيه فرواه عبد الله بن داود، عن عاصم كما سلف، ورواه أبو نعيم، عن عاصم عمن حدثه، عن كثير، ورواه محمد بن يزيد الواسطي، عن عاصم، عن كثير لم يذكر بينهما أحدا، قَالَ: والمتحصل من علة هذا الخبر هو الجهل بحال راويين من رواته، والاضطراب فيه ممن لم تثبت عدالته (٣). قُلْتُ: وقد رواه عن محمد، عن قيس بن كثير كما سلف، وقيل: الوليد بدل داود، وقيل جميل بن قيس، ذكره ابن عبد البر في «بيان العلم» له، ثمَّ قَالَ: والقلب إلى ما قاله محمد بن يزيد، عن عاصم، عن كثير، أميل (٤). وزعم ابن قانع أن كثير بن قيس صحابي وأنه راوي هذا الحديث ------------------ (١) «علل الدارقطني» ٦/ ٢١٦ - ٢١٧، «جامع بيان العلم» ١/ ١٦٤. (٢) انظر «مسند البزار» ١٠/ ٨٠ (٤١٤٥). (٣) «بيان الوهم والإيهام» ٤/ ٢٨ - ٢٩. (٤) «جامع بيان العلم» ١/ ١٦٢. وتبعه ابن الأثير، وهو غريب فتنبه لذلك كله (١). وسموا ورثة الأنبياء لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] وسيأتي قريبًا حديث ابن عمر في الرؤيا لأبيه، وأن النبي - ﷺ - أوله بالعلم (٢). رابعها: قوله: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ»، قَدْ علمت أن هذا أول الحديث المذكور، لكنه ثابت في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة في حديث طويل أوله: «من نفس عن مؤمن كربة .. ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله لَهُ (به) (٣) طريقًا إلى الجنة» (٤). خامسها: معنى (يخشى): يخاف، قَالَ ابن عباس: إنما يخاف الله من خلقه من علم جبروته وعزته وسلطانه، وقال مقاتل: أشد الناس لله خشية أعلمهم به. وقال مسروق: كفئ بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا. وقال مجاهد والشعبي: العالم من خاف الله، وقال ابن عباس: من خشي الله فهو عالم، ومعنى قوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ------------------- (١) انظر: «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨ (٩٣٩)، «أسد الغابة» ٤/ ٤٦١ (٤٤٢٨). (٢) سيأتي برقم (٨٢) كتاب: العلم، باب: فضل العلم. (٣) من (ج). (٤) (٢٦٩٩) كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر. [العنكبوت: ٤٣] أي: وما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله، وروى جابر أنه - ﷺ - لما تلى هذِه الآية قَالَ: «العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه» (١). ومعنى قوله: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠] الآية أي: لو كنا نسمع سمع من يعي أو يفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار، قاله الزجاج. وروى أبو سعيد الخدري مرفوعًا: «إن لكل شيء دعامة، ودعامة المؤمن عقله فبقدر ما يعقل يعبد ربه، ولقد ندم الفجار يوم القيامة فقالوا:»﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ «(٢) الآية. وروى أنس مرفوعًا:»إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنما يرتفع العباد غدًا في الدرجات، وينالون الزلفى من ربهم عَلَى قدر عقولهم«(٣). ---------------------- (١) رواه الحارث بن أبي أسامة في»مسنده«كما في»بغية الباحث«ص ٢٦٠ (٨٤٥)،»المطالب العالية«١٣/ ٧١٥ (٣٣٠٥)، والواحدي في»الوسيط«٣/ ٤٢٠، والبغوي في»معالم التنزيل«٦/ ٢٤٣. قال الحافظ في»المطالب«١٣/ ٧٢٥: هذِه الأحاديث من كتاب:»العقل«لداود بن المحبر كلها موضوعة ذكرها الحارث في»مسنده«عنه. (٢) رواه الديلمي في»الفردوس«٣/ ٣٣٣ (٤٩٩٩)، الحارث بن أبي أسامة في»مسنده«كما في»بغية الباحث«ص ٢٦١ (٨٤٩). (٣) رواه الحارث بن أبي أسامة في»مسنده«كما في»بغية الباحث«ص ٢٥٥ (٨٢٢). قال الألباني في»الضعيفه«١/ ٥٣ - ٥٤: ومما يحسن التنبيه عليه أن كل ما ورد في فضل العقل من الأحاديث لا يصح منها شيء، وهي تدور بين الضعف والوضع .. وقد قال العلامة ابن القيم في»المنار" ص ٢٥: أحاديث العقل كلها كذب. سادسها: قوله: «إِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُمِ» هذا قد ورد في حديث مرفوع بإسناد منقطع رواه الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب «الفقيه والمتفقه» من حديث مكحول، عن معاوية ولم يسمع منه، قَالَ رسول الله - ﷺ -: «يا أيها الناس، إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه» (١). سابعها: قوله: (وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَهِّمْهُ فِي الدِّينِ»)، هذا التعليق قَدْ أسنده قريبًا من حديث معاوية - رضي الله عنه - (٢). ثامنها: قوله: (وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ) إلى آخره (٣) روشاه من حديث الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن مرثد بن أبي مرثد (٤)، عن --------------------- (١) «الفقيه والمتفقه» ١/ ٧٩ (١٢)، ورواه أيضًا الطبراني ١٩/ ٣٩٥، قال الحافظ في «الفتح» ١/ ١٦١: هو حديث مرفوع أيضًا أورده ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية .. إسناده حسن إلا أن فيه مبهمًا اعتضد بمجيئه من وجه آخر. اهـ. والحديث حسنه لغيره الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» ١/ ١٣٦ (٦٧). (٢) سيأتي برقم (٧١) كتاب: العلم، باب: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين. (٣) أسنده الدارمي في «سننه» ١/ ٤٥٦ (٥٦٢)، وإسحاق بن راهويه كما في «المطالب العالية» ١٢/ ٦٧٩ (٣٠٦٩)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ١٩٠، وقال العيني في «عمدة القاري» ١/ ٤٢١: ورواه أحمد بن منيع. قال الحافظ في «المطالب» ١٢/ ٦٧٩: هذا حديث صحيح. (٤) الصواب أنه مالك بن مرثد، والذي وقع في مصادر التخريج: أبو كثير، وهي كنيته كذا عند الدارمي: حدثنا الأوازعي، حدثني أبو كثير، حدثني أبي. ووقع في «الحلية»: حدثني مرثد أبو كبير، ولعله تحريف الطابع، وفي «المطالب»: حدثني أبو كثير أنه سمع أباه. لكن الحافظ بينه في «الفتح» ١/ ١٦١ فقال: رويناه موصولًا في «مسند الدارمي» = ![]()
__________________
|
|
#67
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 326 الى صـــ 345 الحلقة (67) أبيه قَالَ: جلست إلى أبي ذر الغفاري إذ وقف عليه رجل فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فقال أبو ذر: والله لو وضعتم (هذِه) (١) الصمصامة عَلَى هذِه -وأشار إلى حلقه- عَلَى أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله - ﷺ - لأنفذتها قبل أن يكون ذَلِكَ. أنبأنيه شيخنا قطب الدين عبد الكريم الحلبي، حَدَّثَنِي الحافظ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطي، أنبأنا الحسين الخليلي، أنا ابن كاره، أنا ابن عبد الباقي، عن ابن حيوية، عن ابن معروف، عن الحسين بن فهم، عن محمد بن منيع، عن سليمان، (عن) (٢) عبد الرحمن، عن الوليد به. تاسعها: الصَّمصامة -بفتح الصادين المهملتين-: السيف بحد واحد، قَالَ ابن سيده والجوهري وغيرهما: الصمصامة والصمصمام: السيف الصارم --------------------- = وغيره من طريق الأوزاعي: حدثني أبو كثير -يعني: مالك بن مرثد- عن أبيه. فجزم الحافظ أنه مالك بن مرثد، وقبله المزي في «تهذيب الكمال» ٢٧/ ١٥٥ (٥٧٥٠) ثم ذكر اضطراب الأوزاعي في اسمه، فقال: وروى عنه الأوزاعي فقال مرة: مرثد بن أبي مرثد، وقال مرة: عن ابن مرثد، أو أبي مرثد. قلت: يؤيد هذا ما قاله ابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ٢١٣ في شرح حديث أبي ذر في تعيين ليلة القدر وسنده مثل هذا السند، فقال: هكذا قال الأوزاعي: عن مرثد بن أبي مرثد وهو خطأ، وإنما هو مالك بن مرثد، عن أبيه ولم يقم الأوزاعي إسناد هذا الحديث ولا ساقه سياقة أهل الحفظ له. ومما يحسن التنبيه إليه أن محقق الدارمي صماه: يزيد بن عبد الرحمن بن أزينة لاشتراكهما في الكنية ورواية الأوزاعي عنهما وروايتهما عن أبويهما، عن أبي ذر، ومن ثم ضعف حديثنا هذا، ولعله لم يمعن النظر أثناء التحقيق فوقع في هذا الوهم. (١) من (ج). (٢) في (ج): بن. الذي لا ينثني (١). ومعنى قوله: (قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ)، أي: تقطعوا رأسي، أراد - رضي الله عنه - بذلك الحض عَلَى العلم والاغتباط بفضله، حيث سهل عليه قتل نفسه في جنب ما يرجو من ثواب نشره وتبليغه. ويؤخذ منه: أنه يجوز للعالم أن يأخذ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشدة ويحتمل الأذى ويحتسبه رجاء ثواب الله، ويباح له أن يسكت إِذَا خاف الأذى كما قَالَ أبو هريرة: لو حدثتكم بكل ما سمعت من رسول الله - ﷺ - لقطع (مني) (٢) هذا البلعوم (٣). وعنه: لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر (٤). قَالَ الحسن: صدق. وكأنه أراد والله أعلم عنى به ما يتعلق بالفتن مما لا يتعلق بذكره مصلحة شرعية. عاشرها: قوله: (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] عُلَمَاءَ (٥) فُقَهَاءَ)، هذا التعليق رواه الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب «الفقيه والمتفقه» بإسناد صحيح عن أبي بكر الجيري، (ثنا) (٦) أبو محمد ---------------------- (١) انظر: «المحكم» ٨/ ١٨٥، «الصحاح» ٥/ ١٩٦٨، «تهذيب اللغة» ٢/ ٢٠٦٠، «لسان العرب» ٤/ ٢٥٠٣، مادة: (صمم). (٢) من (ج). (٣) سيأتي في رواية البخاري برقم (١٢٠) باب: حفظ العلم عنه: حفظت من رسول الله - ﷺ - وعاءين فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. (٤) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٤/ ٣٣١. (٥) كذا في (ج)، (ف) وفي «اليونينية» ١/ ٢٥: حلماء، وفي هامشها أنه وقع في بعض النسخ حكماء. (٦) في (ف): نا. حاجب بن أحمد الطوسي، (ثنا) (١) عبد الرحيم بن منيب، (نا) (٢) الفضيل بن عياض، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عنه (٣). ورواه ابن أبي عاصم في كتاب «العلم» عن المقدمي، (ثنا) (٤) أبو داود عن معاذ، عن سماك، عن عكرمة، عنه. الحادي عشر: الرباني: المتأله العارف بالله تعالى، قاله الجوهري وغيره (٥)، وربيت القوم: سستهم أي: كنت فوقهم. وقال أبو نصر: من الربوبية أي: معرفتها، كما قاله صاحب «العين» (٦). وقال الإسماعيلي: منسوب إلى الرب كأنه الذي يقصد قصد ما أمره الرب، وقال أحمد بن يحيى: إنما قيل للعلماء: الربانيون؛ لأنهم يربون العلم، أي: يقومون به، وقيل: لأنهم أصحاب العلم وأربابه، وزيدت الألف والنون للمبالغة. وقيل: أصله من رب الشيء إِذَا ساسه وقام به ثمَّ زيد ياءً. وقيل: من معنى التربية، كانوا يربون المتعلمين بصغار العلم قبل كباره وهو ما حكاه البخاري، وقال ابن الأعرابي: لا يقال للعالم رباني حتَّى يكون عاملًا معلمًا (٧). وفي موضع آخر: هو العالي الدرجة في العلم. وقال مجاهد فيما ---------------------- (١) في (ف): نا. (٢) في (ج): ثنا. (٣) «الفقيه والمتفقه» ١/ ١٨٥ (١٧٨)، وفيه اأنتهى السند إلى سعيد بن جبير ولم يذكر ابن عباس، ولفظه: حكماء فقهاء. وهي إحدى نسخ البخاري. (٤) في (ف): نا. (٥) «الصحاح» ١/ ١٣٠. (٦) «العين» ٨/ ٢٥٦. (٧) «الفقيه والمتفقه» ١/ ١٨٥ (١٨٠). حكاه الخطيب في كتاب «الفقيه والمتفقه»: الربانيون: الفقهاء وهم فوق الأحبار (١). وقال أبو عبيد: أحسب الكلمة ليست بعربية وذلك أن أبا عبيدة زعم أن العرب لا تعرف الربانيين، سمعت وجلًا عالمًا بالكتب يقول: الربانيون: العلماء بالحلال والحرام. وفي «جامع القزاز» الرِّبي: والجمع الربيون هم: العباد الذين يصحبون الأنبياء ويصبرون معهم، وهم الربانيون، نسبوا إلى عبادة الرب -سبحانه وتعالى-. وقيل: هم العلماء الصُبَّر. وقال القزاز: وأنا أرى أن يكون عربيًا. الثاني عشر: مقصود البخاري -رحمه الله- فيما ترجمه أن العمل لا يكون إلا مقصودًا به معنى متئقدمًا وهو العلم بما يفعله وما يترتب عليه من الثواب، فعند ذَلِكَ يخلص فيه ويقصد به الثواب، ومتى خلى العمل عن ذلكَ فليس بعمل. ------------------------ (١) «الفقيه والمتفقة» ١/ ١٨٤ (١٧٧). ١١ - باب مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَىْ لَا يَنْفِرُوا ٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوعِظَةِ في الأيًّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا. [٧٠، ٦٤١١ - مسلم: ٢٨٢١ - فتح: ١/ ١٦٢] ٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تنفِّرُوا». [٦١٢٥ - مسلم: ١٧٣٤ - فتح: ١/ ١٦٣] ذكر فيه حديث ابن مسعود وحديث أنس. أما حديث ابن مسعود فقال في سياقته: نَا مُحَمَّدُ بْن يُوسُفَ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه (إثر) (١) الباب الذي بعده، عن عثمان بن أبي شيبة، (نا) (٢) جرير، عن منصور، عن أبي وائل (٣). وأخرجه في الدعوات عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش به (٤). -------------------------- (١) من (ج). (٢) في (ج): ثنا. (٣) سيأتي برقم (٧٠) كتاب: العلم، باب: من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة. (٤) سيأتي برقم (٦٤١١) كتاب: الدعوات، باب: الموعظة ساعة بعد ساعة. وأخرجه مسلم في التوبة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع وأبي معاوية وعلي بن نمير، عن أبي معاوية، وعن الأشج، عن (ابن) (١) إدريس، وعن منجاب، عن علي بن مسهر، وعن إسحاق بن إبراهيم، وابن خشرم، عن (يونس) (٢)، وعن ابن أبي عمر، عن سفيان، (كلهم) (٣) عن الأعمش، زاد الأعمش (٤) في رواية ابن مسهر: وحَدَّثَنِي عمر بن مرة، عن (شقيق) (٥)، عن عبد الله مثله (٦). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلفوا غير محمد بن يوسف، وهو الإمام الثقة أبو عبد الله محمد (ع) بن يوسف بن واقد الفريابي (الضبي) (٧)، مولاهم سكن قيسارية من ساحل الشام (٨). أدرك الأعمش وروى عنه، وعن السفيانين وغيرهم، وعنه: أحمد والذهلي وغيرهما، أكثر عنه البخاري، وروى في الصداق عن إسحاق غير منسوب عنه، وروى مسلم والأربعة عن رجل عنه. ------------------------ (١) في (ج)، (ف): أبي، وهو خطأ فهو عبد الله بن إدريس. (٢) كذا في (ج)، (ف) والصواب: عيسى بن يونس كما عند مسلم (٢٨٢١/ ٨٢) انظر ترجمته في «التهذيب» ٢٣/ ١٦ (٤٦٧٣). (٣) من (ج). (٤) وقع في «صحيح مسلم»: وزاد منجاب في روايته عن ابن مسهر: قال الأعمش .. (٥) في (ف): سفيان. (٦) «صحيح مسلم» (٢٨٢١) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: الاقتصار في الموعظة. (٧) من (ج). (٨) قيسارية: بالفتح ثم السكون، وسين مهملة وبعد الألف راء ثم ياء مشددة: بلد على ساحل بحر الشام تعد من أعمال فلسطين، قديمًا كانت من أعيان أمهات المدن واسعة الرقعة طيبة البقعة كثيرة الخير والأهل، أما الآن فهي ليست كذلك. انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ١١٠٦. «معجم البلدان» ٤/ ٤٢١. وقال البخاري: كان من أفضل أهل زمانه. وقال أحمد: كان رجلًا صالحًا. ووثقه النسائي وغيره. مات في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين (١). ثالثها: معنى (يتخولنا) -بالخاء المعجمة-: يصلحنا ويقوم علينا، يقال: خال المال يخول خولًا إِذَا ساسه وأحسن القيام عليه. والخائل المتعاهد للشيء المصلح له. وقال الخطابي: يتخولنا: يتعهدنا ويراعي الأوقات في وعظنا ويتحرى منها ما كان مظنة القبول، ولا يفعله كل يوم لئلا نسأم، ومثله: التخون بالنون (٢). وقال أبو عمرو الشيباني فيما حكاه صاحب «الغريبين»: الصواب يتحولنا -بالحاء المهملة- أي: يطلب أحوالهم التي ينشطون فيها للموعظة فيعظهم ولا يكثر عليهم فيملوا. وكان الأصمعي يرويه يتخوننا -بالنون والخاء المعجمة- أي: يتعهدنا. وحكاه صاحب «مجمع الغرائب» وابن الأثير (٣). رابعها: السآمة: الملل، يقال: سئمت أسأم سأمًا وسآمًا وسآمة إِذَا مللته، ورجل سئوم. ------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٨٩، «الجرح والتعديل» ٨/ ١١٩ - ١٢٠ (٥٣٣)، «التاريخ الكبير» ١/ ٣٣ - ٣٤ (٨٤٤)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٥٧ (٢١٦٣)، «المعرفة والتاريخ» ١/ ١٩٧ - ١٩٨. «الثقات» ٩/ ٥٧، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٥٢ - ٦١ (٥٧١٦). (٢) «أعلام الحديث» ١/ ١٩٤. (٣) «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٨٨. خامسها: أراد النبي - ﷺ - الرفق بأمته؛ ليأخذوا الأعمال بنشاطٍ (وحرص) (١) عليها، وقد وصفه تبارك تعالى بذلك حيث قَالَ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] الآية. وأما الحديث الثاني فقال في سياقته: نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سعِيدٍ، نَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاح، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا». الكلام عليه من وجوه: أولها: هذا الحديث أخرجه هنا كما ترى، وفي الأدب، عن آدم، عن شعبة به، وفيه: «وسكنوا» بدل: «ويسروا» (٢)، وكذا جاء في مسلم فإنه أخرجه في المغازي، عن عبد الله بن معاذ، عن أبيه وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبيد بن سعيد، وعن محمد بن الوليد، عن غندر، كلهم عن شعبة به (٣). فوقع للبخاري عاليا رباعيًا من طريق آدم، وآدم مما انفرد به عن مسلم. ثانيها: في التعريف برواته غير ما سلف: فأبو التياح (ع) اسمه: يزيد بن حميد الضبعي، من أنفسهم، سمع أنسًا وعمران بن حصين وخلقًا من التابعين، ومن بعدهم، قَالَ أحمد: -------------------- (١) في (ف): وحرض. (٢) سيأتي برقم (٦١٢٥) كتاب: الأدب، باب: قول النبي - ﷺ -: «بشروا ولا تنفروا ..». (٣) (١٧٣٤) كثاب: الجهاد والسير، باب: في الأمر بالتيسير وترك التنفير. هو ثبت ثقة. وقال ابن المديني: معروف ثقة. مات سنة ثمان وعشرين ومائة (١). ومحمد بن بشار: هو الإمام أبو بكر محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري بندار، لقب بذلك لأنه كان بندار الحديث، جمع حديث بلده، والبندار الحافظ البارع، الثقة، ولا عبرة بمن لينه. قَالَ أبو داود: كتبت عنه نحوًا من خمسين ألف حديث. روى عنه البخاري ومسلم والأربعة وخلق منهم: الرازيان وابن خزيمة، وعنه قَالَ: (كتبت عن) (٢) خمسة قرون، وسألوني الحديث وأنا ابن ثمان عشرة سنة، وولدت سنة سبع وستين ومائة. قَالَ البخاري: ومات في رجب سنة اثنتين وخمسين. يعني: ومائتين (٣). ------------------ (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٣٨، «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٢٦ (٣١٨٨)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٦٢ (٢٠١٢)، «الثقات» ٥/ ٢٣٤، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ١٠٩ - ١١٢ (٦٩٧٨). (٢) في (ج): كتب عني. (٣) قال ابن حجر: أحد الثقات المشهورين، روى عنه الأئمة الستة وضعفه عمرو بن علي الفلاس، ولم يذكر سبب ذلك ذلك فما عرجوا على تجريحه. وقال القواريري: كان يحيى بن معين يستضعفه. وقال أبو داود: لولا سلامة فيه لترك حديثه، يعني: أنه كانت فيه سلامة فكان إذا سها أو غلط يحمل علي أنه لم يتعمد، وقد احتجَّ به الجماعة ولم يكثر البخاري من تخريج حديثه؛ لأنه من صغار شيوخه، وكان بندار يفتخر بأخذ البخاري عنه. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٤٩ (٩٨)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٣٣ (١٥٧٣)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٢١٤ (١١٨٧)، «الثقات» ٩/ ١١١، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٥١١ - ٥١٨ (٥٠٨٦)، «مقدمة فتح الباري» ص ٤٣٧. ثالثها: إنما جمع بين هذِه الألفاظ وهي: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا». فذكر الشيء وضده؛ لأنه قد يفعلها في وقتين، فلو اقتصر عَلَى يسروا صدق ذَلِكَ عَلَى من يسر مرة أو مرات وعسر في معظم الحالات، فلما قَالَ: «ولا تعسروا» انتفي التعسير من كل وجه، وهذا هو المطلوب، وكذا يقال في: «بشروا ولا تنفروا»، ثمَّ إن المحل قابل للإسهاب وكثرة الألفاظ؛ لشبهه بالوعظ. والبشارة بكسر الباء وضمها: الخبر الذي يغير البشرة، وهي عند الإطلاق للخير. رابعها: فيه الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف، وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، فيتألف التائب ويتلطف به، ويدرج في أنواع الطاعة قليلًا قليلًا، وقد كانت أمور الإسلام في التلطف عَلَى التدريج، ومتى يسر عَلَى المريد للطاعة سهلت عليه وتزايد فيها، ومتى عسرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك عدم دوامه عليها. ١٢ - باب مَنْ جَعَلَ لأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً ٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُل خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أنَكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أتَخَوَّلُكُمْ بِالَمْوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. [انظر: ٢٨٢١ - فتح: ١/ ١٦٣] نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمِ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. الكلام عليه من وجوه: أحدها: قدمت لك في الباب الماضي تعداد البخاري لَهُ في مواضع منها هذا. ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بأبي وائل وعبد الله، وأما منصور (ع) فهو بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، ويقال: ابن المعتمر بن عتاب بن عبد الله بن ربيعة -بضم الراء- أبو عتاب السلمي من أئمة الكوفة. روى عن أبي وائل وزيد بن وهب، وعنه: السفيانان وخلق. وهو (ثبت) (١) ثقة أريد عَلَى القضاء فامتنع، قيل: صام أربعين سنة وقام ليلها. وقيل: ستين سنة. وعمش من البكاء. مات سنة ثلاث، وقيل: ----------------------- (١) من (ج). اثنتين وثلاثين ومائة (١). وأما جرير (ع) فهو: ابن عبد الحميد الضبي القاضي محالم أهل الري ذو التصانيف، روى عن منصور وحصين وغيرهما. وعنه: أحمد وابن معين وغيرهما. وهو ثقة كثير العلم يرحل إليه، ولد سنة مات الحسن سنة عشر ومائة، ومات سنة ثمان أو سبع وثمانين ومائة، ونسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ (٢). وأما عثمان بن أبي شيبة: فهو الحافظ أبو الحسن عثمان بن محمد بن إبراهيم بن أبي شيبة بن عثمان بن خواستي -بضم الخاء المعجمة وبسين مهملة (ثمَّ مثناة) (٣) فوق- العبسي الكوفي. أخو أبي بكر وقاسم، وهو أكبر من أبي بكر بثلاث سنين، وأبو بكر أجل منه، والقاسم ضعيف، رحل وكتب. وعنه: الذهلي والبخاري، ----------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٣٧، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٤٧ (١٤٩١)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٩٩ (١٧٩٥)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٧٧ - ١٧٨ (٨٧٨)، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥٤٦ - ٥٥٥ (٦٢٠١). (٢) قال علي بن المديني: كان جرير صاحب ليل. وقال أبو خيثمة: لم يكن يدلس. وقال النسائي: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال أبو القاسم اللالكائي: مجمع على ثقته. وقال ابن حجر: وقال أبو خيثمة: لم يكن يدلس، وروى الشاذكوني عنه ما يدل على التدليس، لكن الشاذكوني فيه مقال. وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بالذكي، وقال البيهقي: نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، ولم أر ذلك لغيره بل احتجَّ به الجماعة. انظر: ترجمته في «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٨١، «معرفة الثقات» ١/ ٢٦٧ (٢١٥)، «التاريخ الكبير» ٢/ ٢١٤ (٢٢٣٥)، «الثقات» لابن حبان ٦/ ١٤٥، «تهذيب الكمال» ٤/ ٥٤٠ - ٥٥١ (٩١٨)، «مقدمة فتح الباري» ص ٣٩٥. (٣) من (ج). ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة، وروى النسائي في «اليوم والليلة» عن رجل، عنه. وهو ثقة. قَالَ أحمد: ما علمت إلا خيرًا. وأثنى عليه، وكان ينكر عليه أحاديث حدث بها، منها: حديث جرير، عن الثوري، عن ابن عقيل، عن جابر قَالَ: شهد النبي - ﷺ - عيدًا للمشركين (١). مات سنة تسع وثلاثين ومائتين (٢). --------------------- (١) قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: عرضت على أبي حديثًا حدثنا عثمان، عن جرير، عن شيبة بن نعامة، عن فاطمة بنت حسين، عن فاطمة الكبرى، عن النبي - ﷺ - في العصبة، وحديث جرير، عن الثوري، عن ابن عقيل، عن جابر أن النبي - ﷺ - شهد عيدًا للمشركين. فأنكرها جدًّا، وعدة أحاديث من هذا النحو فأنكرها جدًا. وقال: هذِه أحاديث موضوعة، أو كأنها موضوعة: وقال: ما كان أخوه -يعني عبد الله بن أبي شيبة- تَطيب نفسه لشيء من هذِه الأحاديث؛ ثم قال: نسأل الله السلامة في الدين والدنيا. وقال: نراه يتوهم هذِه الأحاديث نسأل الله السلامة اللهم سلِّم سلِّم. انظر: «العلل ومعرفة الرجال» ١/ ٥٥٩ (١٣٣٣). (٢) وثقة يحيى بن معين وابن نمير والعجلي وجماعة. وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» ٦/ ١٦٧: كان أكبر من أخيه أبي بكر إلا أن أبا بكر ضعيف وعثمان صدوق. وتتبع الخطيب الأحاديث التي أنكرها أحمد على عثمان وبيَّن عذره فيها. وذكر له الدارقطني في كتاب: التصحيف أشياء كثيرة صحفها من القرآن في «تفسيره». وأورد له ابن الجوزي في «آفة أصحاب الحديث» بعض تصحيفاته، والراجح أن أكثرها كان من جهة الدعابة والمزاح، وقال ابن حجر: أحد الحفاظ الكبار .. روى له الجماعة سوى الترمذي. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٥٠ (٢٣٠٨)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٣٠ (١٢١٨)، «الجرح والتعديل» ٦/ (٩١٣)، «الثقات» ٨/ ٤٥٤، «تاريخ بغداد» ١١/ ٢٨٣ - ٢٨٨ (٦٠٥٤). «تهذيب الكمال» ١٩/ ٤٧٨ - ٤٨٧ (٣٨٥٧)، «مقدمة فتح الباري» ص ٤٢٤. ثالثها: في ضبط لفظه وفوائده، وقد سلفت في الباب قبله. وفيه: بيان ما كانت الصحابة عليه من الاقتداء بفعله، والمحافظة عَلَى استعمال (سننه) (١)، وتجنب مخالفته لعلمهم بما في موافقته من عظيم الأجر وما في مخالفته من الوعيد والزجر، أعاننا الله عَلَى ذَلِكَ. ---------------------- (١) في (ج): سنته. ١٣ - باب مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ ٧١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابِ قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ مُعَاوَيةَ خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ والله يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هذِه الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأتِيَ أَمْرُ اللهِ». [٣١١٦، ٣٦٤١، ٧٣١٢، ٧٤٦٠ - مسلم: ١٠٣٧ - فتح: ١/ ١٦٤] نَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، نَا ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَاب قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ والله يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هذِه الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن سعيد كما ترى، وأخرجه في الاعتصام عن إسماعيل بن أبي أويس (١) كلاهما عن ابن وهب، وفي الخمس عن حبان بن موسى، عن ابن المبارك (٢). وأخرج مسلم في الزكاة الفصلين الأولين، عن حرملة، عن ابن وهب (٣) ----------------------- (١) سيأتي برقم (٧٣١٢) كتاب: الاعتصام، باب، قول النبي - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين». (٢) سيأتي برقم (٣١١٦) كتاب: فرض الخمس، باب: قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. (٣) رواه مسلم برقم (١٠٣٧/ ١٠٠) كتاب: الزكاة، باب: النهي عن المسألة. كلاهما (١) عن يونس، عن الزهري، عن حميد. والفصل الثالث وهو قوله: «ولن تزال» إلى آخره عن عمير بن هانئ عن معاوية بألفاظ (٢). وفي البخاري فقال معاذ: بالشام (٣). ولمسلم أيضًا: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين عَلَى الحق حتَّى يأتي أمر الله» (٤). ورواه غير معاوية من الصحابة ستة: عمر وابنه عبد الله وابن مسعود، وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس، ذكرهم الخطيب في كتاب «الفقيه والمتفقه» (٥). رواه عن معاوية جماعة عدَّدهم هو وابن عبد البر في «جامع بيان العلم»، منهم معبد الجهني بزيادة: «ويزهده في الدنيا ويبصره بعيوبه» (٦). ثانيها: قوله: (عن ابن شهاب قَالَ حميد بن عبد الرحمن) كذا وقع هنا في جميع النسخ بلفظ (قَالَ) لم يذكر فيه لفظ السماع، وجاء في «صحيح مسلم» فيه عن ابن شهاب، حَدَّثَنِي حميد بلفظ التحديث (وأثبت الدمياطي) (٧). -------------------- (١) يعني ابن وهب، وابن المبارك. (٢) مسلم (١٠٣٧/ ١٧٤) كتاب: الإمارة، باب: قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ..». (٣) سيأتي برقم (٧٤٦٠) كتاب: التوحيد، باب: قول الله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾. (٤) (١٩٢٥) كتاب: الإمارة، باب: قوله - ﷺ - «لا تزال طائفة من أمتي ..». (٥) انظر: «الفقيه والمتفقه» ١/ ٧٢ - ٨٥ (١ - ٢٥). (٦) انظر: «الفقيه والمتفقه» ١/ ٧٧ - ٨٤ (٩ - ٢٣)، «جامع بيان العلم» ١/ ٩٥ - ٩٨ (٨٣ - ٨٩). (٧) من (ف). وقد اتفق أصحاب الأطراف وغيرهم عَلَى أنه من حديث ابن شهاب، عن حميد فتنبه لذلك، وقد وقع للبخاري مثل هذا في كتاب التوحيد في باب: قوله -عليه السلام-: «رجل آتاه الله القرآن» فقال فيه: (حدثنا) (١) علي بن عبد الله، (ثنا) (٢) سفيان، قَالَ الزهري. وذكر الحديث، ثمَّ قَالَ (٣): سمعت من سفيان مرارًا لم أسمعه يذكر الخبر وهو من صحيح حديثه (٤). لكن يمكن أن يقال: سفيان مدلس. فنبه عليه البخاري لأجل ذَلِكَ. ثالثها: في التعريف برواته غير من سلف: أما معاوية (ع) فهو خال المؤمنين، أبو عبد الرحمن بن أبي سفيان صخر بن حرب الخليفة الأموي كاتب الوحي، أسلم عام الفتح، وعاش ثمانيًا وسبعين سنة، ومات سنة ستين في رجب (٥). ومناقبه جمة، وليس في الصحابة معاوية بن صخر غيره، وفيهم: معاوية فوق العشرين (٦). ---------------------- (١) في (ف): نا. (٢) في (ف): نا. (٣) القائل هو: على بن المديني وهو الراوي عن سفيان بن عيينة. (٤) سيأتي برقم (٧٥٢٩) كتاب: التوحيد، باب: قول النبي - ﷺ -: «رجل آتاه الله القرآن ..». (٥) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٥/ ٣٦٣ - ٣٧٨، «معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ٧٢ (١٠٢٦)، «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٤٩٦ - ٢٤٩٩ (٢٦٥٤)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٧٠ - ٤٧٥ (٢٤٦٤)، «أسد الغابة» ٥/ ٢٠٩ - ٢١٢ (٤٩٧٧)، «الإصابة» ٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤ (٨٠٦٨). (٦) منهم معاوية بن ثعلبة، معاوية بن ثور، معاوية بن جاهمة، معاوية بن خديج، معاوبة بن الحكم، معاوية بن حيدة، معاوية بن سويد، معاوية بن صعصعة، معاوية بن عبد الله بن أبي أحمد، معاوية بن عبد الله، معاوية بن عياض، معاوية بن قرمل، معاوية الليثي، معاوية بن محصن، معاوية بن معاوية، معاوية بن نفيع، معاوية بن نوفل، معاوية الهذلي، معاوية بن أنس السلمي، معاوية بن الحارث بن = وأما حميد فقد سلف. وأما ابن وهب: فهو الإمام أبو محمد عبد الله (ع) بن وهب الفهري مولاهم المصري، أحد الأعلام طلب للقضاء فختن نفسه وانقطع، وهو أفقه من ابن القاسم، روى عن: يونس وابن جريج وغيرهما، وعنه: أحمد بن صالح والربيع وخلق، مات سنة سبع وتسعين ومائة، وولد سنة خمس وعشرين، وقيل: سنة أربع وفيها مات الزهري، ولم يكتب مالك الفقيه لأحد إلا إليه. وقال ابن أبي حاتم: نظرت في نحو ثمانين ألف حديث من حديثه فلا أعلم أني رأيت حديثًا لا أصل له، وقال أحمد بن صالح: حدث بمائة ألف حديث، قَالَ الخليلي: و«موطؤه» يزيد عَلَى كل من روى عن مالك، وعنده الفقه الكثير، ونظر الشافعي في كتبه ونسخ منها (١). --------------------- = المطلب، معاوية بن حزن القشيري، معاوية بن أبي ربيعة الجرمي، معاوية بن سفيان بن عفيف المزني، معاوية بن عمرو الكلَّاع، معاوية بن مرداس، معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، معاوية بن مقرن المزني، معاوية الثقفي، معاوية العذري، معاوية الهذلي. انظر ترجمتهم في: «معجم الصحابة» للبغوي ٥/ ٣٧٩ - ٣٩٦، «معرفة الصحابة» لابن قانع ٣/ ٧٠ - ٧٧ (١٠٢٥ - ١٠٣١)، «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٥/ ٢٥٠٠ - ٢٥٠٩ (٢٦٥٥ - ٢٦٦٦)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٦٨ - ٤٧٧ (٢٤٥٩ - ٢٤٦٩)، «أسد الغابة» ٥/ ٢٠٥ - ٢١٦ (٤٩٧٠ - ٤٩٨٨)، «الإصابة» ٣/ ٤٣٠ - ٤٣٨ (٨٠٥٨ - ٨٠٨٨). (١) انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» ٧/ ٥١٨، «التاريخ الكبير» ٥/ ٢١٨ (٧١٠)، «معرفة الثقات» ٢/ ٦٥ (٩٩٠)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٨٩ - ١٩٠ (٨٧٩)، «الثقات» ٨/ ٣٤٦، «تهذيب الكمال» ١٦/ ٢٧٧ - ٢٨٧. فائدة: ليس في الصحيحين عبد الله بن وهب غيره فهو من أفرادهما، وفي الترمذي وابن ماجه عبد الله بن وهب الأسدي تابعي، وفي (النسائي) (١) عبد الله بن وهب، عن تميم الداري وصوابه ابن موهب، وفي الصحابة عبد الله بن وهب خمسة فاعلم ذَلِكَ (٢). وأما سعيد بن عفير فهو الحافظ أبو عثمان سعيد بن كثير بن عفير -بالعين المهملة المضمومة ثمَّ فاء- الأنصاري المصري يروي عن مالك والليث، وعنه البخاري، وروى مسلم والنسائي عن رجل عنه، قَالَ أبو حاتم: صدوق ليس بالثبت، كان يُقرئ من كتب الناس (٣)، عاش ثمانين سنة ومات سنة ست وعشرين ومائتين (٤). ------------------ (١) في (ف): الثاني. (٢) عبد الله بن وهب الدوسي، عبد الله الأكبر بن وهب بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن الأسد بن عبد العزى، عبد الله بن وهب الأسلمي، عبد الله بن وهب الزهري، عبد الله بن وهب أبو سنان الأسدي. انظر ترجمتهم في: «أسد الغابة» ٣/ ٤١٣ - ٤١٥ (٣٢٣٩ - ٣٢٤١)، «الإصابة» ٢/ ٣٨١ - ٣٨٢ (٥٠٢٥ - ٥٠٣٠). (٣) «الجرح والتعديل» ٤/ ٥٦ - ٥٧ (٢٤٨). (٤) ذكره ابن حبان في «الثقات». وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ثقة لا بأس به. وقال النسائي: سعيد بن عفير صالح، وابن أبي مريم أحبُّ إليَّ منه. وقال الحاكم: يقال: إن مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه، وقال ابن عدي: سمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: سعيد بن عفير فيه غير لون من البدع، وكان مخلطًا غير ثقة، وهذا الذي قاله السعدي لا معنى له ولم أسمع أحدًا ولا بلغني عن أحدٍ من الناس كلام في سعيد بن كثير بن عفير، وهو عند الناس صدوق ثقة، وقد حدث عنه الأئمة من الناس إلا أن يكون السعدي أراد به سعيد بن عفير غير هذا. وقال ابن حجر: لم يكثر عنه البخاري، وروى له مسلم والنسائي. انظر ترجمته في: «الثقات» ٨/ ٢٦٦، «الكامل» ٤/ ٤٧١ - ٤٧٣ (٨٣٩)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٩. «مقدمة ابن حجر» ص ٤٠٦. رابعها: (الفقه) (١) الفهم، يقال فقه -بفتح القاف- إِذَا سبق غيره إلى الفهم، وبكسرها إِذَا فهم، وبضمها إِذَا صار له سجية، ومنه فقيه فعيل بمعنى: فاعل، وقوله: («من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين») هو شرط وجزاؤه، وهما مجزومان، ومن لا يريد به خيرًا فلا يفقهه فيه وأتى بالخير منكرًا؛ لأنه أبلغ، فكأنه قَالَ: عَلَى النفي لا يريد به خيرًا من الخير، والمراد (بالدين): الإسلام، ومنهم من فسر الفقه في الدين بالفقه في القواعد الخمس ويتصل بها الفروع. خامسها: معنى قوله -عليه السلام-: («وإنما أنا قاسم»): لم أستأثر بشيء من مال الله، وهو كقوله في الحديث الآخر: «ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود عليكم» (٢)، وإنما قَالَ ذَلِكَ؛ تطييبًا لقلوبهم لمفاضلته بالعطاء، فالمال لله، والعباد لله وأنا قاسم بإذنه ماله بينكم وهو معنى قوله بعده: «والله يعطي فمن قسمت لَهُ قليلًا أو كثيرًا فبقضاء الله» وفيه إيماء كما قَالَ الداودي إلى أنه يعطي بالوحي، ويجوز أن يكون باجتهاده ولا يخطَّأ اجتهاده. سادسها: قوله: («وَلَنْ تَزَالَ هذِه الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ») يريد أن هذِه الأمة آخر الأمم وأن عليها تقوم الساعة، وإن ظهرت أشراطها، وضعف الدين فلابد أن يبقى من -------------------- (١) في (ج): الفَقِيه. (٢) هذِه الرواية سلف تخريجها. ![]()
__________________
|
|
#68
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 346 الى صـــ 365 الحلقة (68) أمته من يقوم به، لقوله: «ولا يضرهم من خالفهم»، والمراد بامر الله: قيل: إنه الريح إذ في «الصحيح» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنَ اليَمَنِ أَلْيَنَ مِنَ الحَرِيرِ فَلَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ مثقال حبة إيمان» (١). وأما الحديث الآخر: «لا تقوم الساعة حتَّى لا يقال في الأرض: الله، الله» (٢)، وحديث: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق» (٣) فالمراد حتَّى يقرب قيامها، وهو خروج الريح، وجوز الطبري أن نضمر في هذين الحديثين بموضع كذا، فالموصوفون بأنهم شرار الخلق غير الموصوفين بأنهم عَلَى الحق، ويؤيده أنه جاء في بعض طرق الحديث قيل: من هم يا رسول الله؟ قَالَ: «ببيت المقدس أو أكناف بيت المقدس» (٤). ----------------------- (١) رواه مسلم (١١٧) كتاب: الإيمان، باب: في الريح التي تكون قرب القيامة. (٢) رواه مسلم (١٤٨) كتاب: الإيمان، باب: ذهاب الإيمان آخر الزمان من حديث أنس. (٣) رواه مسلم (٢٩٤٩) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قرب الساعة. (٤) روي من حديث أبي أمامة الباهلي. رواه عبد الله بن أحمد في «المسند» ٥/ ٢٦٩، وجادة بخط أبيه، والطبراني ٢٠/ ١٤٥ (٧٦٤٣)، من طريقين عن ضمرة بن رببعة، عن يحيى بن أبي عمرو، عن عمرو بن عبد الحضرمي، عن أبي أمامة به. قال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٢٨٨: رواه عبد الله وجادة عن خط أبيه، والطبراني ورجاله ثقات. وقال الألباني في «الصحيحة» ٤/ ٥٩٩: وهذا سند ضعيف لجهالة عمرو بن عبد الله الحضرمي، ثم ذكر كلام الهيثمي متعجبًا. روري نحوه من حديث مرة البهزي. رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٢٩٨، والطبراني ٢٠/ ٣١٧ - ٣١٨ (٧٥٤)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١/ ٢١٠. قال الهيثمي في «المجمع» ٧/ = وقد سلف قول معاذ في البخاري أنهم بالشام، وقال مطرف: كانوا يرون أنهم أهل الشام، ورواية مسلم السالفة: «لا يزال أهل الغرب» قَالَ ابن المديني: المراد بهم: العرب؛ لأنهم من أهل الغرب. وهو: الدلو، وقيل: المراد: الغرب من الأرض، وقيل المراد بهم أهل الشدة والجلد، وغرب كل شيءٍ: حده. وفي «الصحيح» أيضًا: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين عَلَى الحق»، قَالَ البخاري: هم أهل العلم (١). وقال أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فما أدري من هم (٢)؟ قَالَ عياض: وأراد أحمد بأهل الحديث أهلَ السنة والجماعة ومن يعتقد مذهبهم (٣). ------------------- = ٢٨٨ - ٢٨٩: رواه الطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم، فقال الألباني في «الصحيحة» ٤/ ٦٠٠ - تعليقًا على قول الهيثمي-: كذا قال ومن لم يعرفهم مترجمون في «تاريخ البخاري» و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم .. فالصواب أن يقال: وفيه من لم يوثق إلا من ابن حبان، فإنه وثق أحدهم -والله أعلم-. وروي أيضًا نحوه من حديث أبي هريرة. رواه أبو يعلى في «مسنده» ١١/ ٣٠٢ (٦٤٠٧)، والطبراني في «الأوسط» ١/ ١٩ - ٢٠ (٤٧)، وابن عدي في «الكامل» ٨/ ٣٦٨ في ترجمة الوليد بن عباد (٢٠٠٨)، وتمام في «الفوائد» ٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠ (١٧٧٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١/ ٢٥٤ وعزاه المتقي في «الكنز» لـ«تاريخ داريا» لعبد الجبار، ولابن عساكر أيضًا. قال ابن عدي: وهذا الحديث بهذا اللفظ ليس يرويه غير ابن عياش، عن الوليد بن عياد، وقال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٢٨٨: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه: الوليد بن عباد، وهو مجهول. (١) سيأتي برقم (١٩٢٠) كتاب: الإمارة، قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم»، من حديث ثوبان. (٢) رواه الخطيب البغدادي في: «شرف أصحاب الحديث» ص ٦١ (٤٣). (٣) «إكمال المعلم» ٦/ ٣٥٠. قَالَ النووي: ويحتمل أن تكون هذِه الطائفة متفرقة من أنواع المؤمنين فمنهم: شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، ومنهم آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع من الخير، ولا يلزم اجتماعهم بل يكونوا متفرقين (١). ويؤيد ما ذكره ما جاء في بعض الروايات: «لا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون» (٢) وشبهه. وقيل: معنى قوله: «ولن تزال هذِه الأمة ..» إلى آخره أن الله يحمي إجماعها عن الخطأ حتَّى يأتي أمر الله، ولا يسمى أمة إلا من يعتد بإجماعه. سابعها: في فوائده: الأولى: فضل العلماء عَلَى سائر الناس، وفضل الفقه عَلَى سائر العلوم؛ لأنهم الذين يخشونه تعالى من عباده فيتجنبون معاصيه، ويديمون طاعته؛ لمعرفتهم بالوعد والوعيد وعظم النعمة، وقَالَ ابن عمر للذي قَالَ له فقيه: إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة (٣). الثانية: أن الإسلام لا يذل وإن كثر مطالبوه. -------------------- (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٣/ ٦٧. (٢) سلف تخريج هذِه الرواية. (٣) لم أقف عليه من كلام ابن عمر، ولكن وجدته من كلام الحسن البصري رواه عنه الدارمي في «مسنده» ١/ ٣٣٧ (٣٠٢)، ونعيم بن حماد في «زوائده» على كتاب «الزهد» لابن المبارك ١/ ٨ (٣٠)، وأحمد في «الزهد» ص ٣٢٧، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ١٤٧. الثالثة: أن الإجماع حجة، وحديث: «لا تجتمع أُمَّتي عَلَى ضلالة» ضعيف (١) ------------------- (١) قلت: في إطلاق المصنف لفظة (ضعيف) نظر، فقد جاءت هذِه القطعة في عدة أحاديث مرفوعة إلى النبي - ﷺ - عن ابن عمر وأنس وأبي بصرة الغفاري وأبي مالك الأشعري وكعب بن عاصم وابن عباس ورواية موقوفة على أبي مسعود. ١ - أما حديث ابن عمر فرواه الترمذي في «سننه» (٢١٦٦) وفي «علله» ٢/ ٨١٧، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٠)، والطبراني ١٢/ ٤٤٧ (١٣٢٣، ٣٢٢٤)، والحاكم ١/ ١١٥ - ١١٦، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» ١/ ١١٨ (١٥٤)، وأبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٣٧، وأبو عمرو المقرئ في «السنن الواردة في الفتن» ٣/ ٧٤٧ (٣٦٨)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ٢/ ٣٣ (٧٠١) أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة ..» ومداره على معتمر بن سليمان وقد اختلف عليه في إسناده، فمرة يُروى عنه، عن أبيه كما عند اللالكائي، والحاكم وأبي نعيم- عن عبد الله بن دينار عنه. قال الحاكم: خالد بن يزيد القرني- يقصد الراوي عن معتمر- هذا شيخ قديم للبغداديين ولو حفظ هذا الحديث لحكمنا له بالصحة. ومرة يُروى عنه، عن أبي سفيان -أو أبو عبد الله- سليمان بن سفيان المدني- كما عند الترمذي وابن أبي عاصم والطبراني والحاكم وأبي عمرو المقرئ والبيهقي- عن عبد الله بن دينار عنه. قال الترمذي في «العلل»: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: سليمان المدني هذا منكر الحديث. وقال الحاكم: قال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق: لست أعرف سفيان وأبا سفيان هذا. ومرة يُروى عنه، عن سلم بن أبي الذيال -كما عند الحاكم- عن عبد الله بن دينار عنه. قال الحاكم: وهذا ولو كان محفوظًا من الراوي لكان من شرط «الصحيح». ومرة يُروى عنه، عن مرزوق مولى آل طلحة -كما عند الطبراني- عن عمرو ابن دينار، عن ابن عمر به. قال الهيثمي في «المجمع» ٥/ ٢١٨: رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= ثقات رجال «الصحيح» خلا مرزوق مولى آل طلحة وهو ثقة. وقال الألباني في «تخريج السنة» ص ٤٠: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات. ٢ - وأما حديث أنس فرواه ابن ماجه (٣٩٥٠)، وعبد بن حميد في «المنتخب» ٣/ ١١٢ (١٢١٨)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٣، ٨٤)، وابن عدي في «الكامل» ٨/ ٣٨، والحاكم ٦/ ١١١ - ١١٧، والضياء في «المختارة» ٧/ ١٢٨ - ١٢٩ (٢٥٥٩)، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ..»، روي عن أنس من ثلاث طرق: الأولى عند ابن ماجه وعبد بن حميد وابن أبي عاصم وابن عدي من طريق معان بن رفاعة، عن أبي خلف الأعمى عنه. قال ابن عدي: ومعان بن رفاعة عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال البوصيري في «الزوائد» ص ٥١٠: وهذا إسناد ضعيف لضعف خلف الأعمى. الطريق الثانية عند الحاكم من طريق مبارك بن سحيم مولى عبد العزيز بن صهيب، عن عبد العزيز بن صهيب، عنه. قال الحاكم: أما مبارك بن سحيم فإنه ممن لا يمشي في مثل هذا الكتاب ولكني ذكرته اضطرارًا. الطريق الثالثة: عند ابن أبي عاصم والضياء من طريق مصعب بن إبراهيم، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عنه. قال الألباني في «تخريج السنة» ص ٤١: إسناده ضعيف، مصعب بن إبراهيم منكر الحديث. ٣ - وأما حديث أبي بصرة الغفاري فرواه أحمد ٦/ ٣٩٦، والطبراني ٢/ ٢٨٠ (٢١٧١) عن أبي هانئ الخولاني عن رجل عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: «سألت ربي .. وأن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها ..» قال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٢٢١ - ٢٢٢: رواه أحمد والطبراني وفيه راو لم يسم. ٤ - وأما حديث أبي مالك الأشعري فرواه أبو داود (٤٢٥٣)، والطبراني ٣/ ٢٩٢ (٣٤٤٠) من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي عياش، عن أبيه، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عنه. أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله أجاركم من ثلاث .. وأن لا تجتمعوا على ضلالة». قال الحافظ في «التلخيص» ٣/ ١٤١: في إسناده انقطاع .. = الرابعة: فيه إخباره -عليه السلام- بالمغيبات، وقد وقع ما أخبر به، ولله الحمد، فلم تزل هذِه الطائفة من زمنه وهلم جرا، ولا تزول حتَّى يأتي أمر الله تعالى. --------------------- = ٥ - وأما حديث كعب بن عاصم رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (٨٢)، (٩٢) من طريقين عنه. أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «إن الله قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة». الطريق الأول عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن زربي، عن الحسن، عنه. قال الألباني في «تخريج السنة» ص ٤١: إسناده ضعيف: سعيد بن زربي منكر الحديث، والحسن مدلس وقد عنعنه. الطريق الثانية: هي نفس طريق حديث أبي مالك الأشعري السابق، وقد قيل: إن كعب بن عاصم وأبا مالك الأشعري صحابي واحد، ولكن المزي قال في «التهذيب» ٢٤/ ١٧٧: الصحيح أنه غير أبي مالك الأشعري. ومال إليه الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٣/ ٤٦٩. ٦ - وأما حديث ابن عباس فرواه الحاكم ١/ ١١٦، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ٢/ ١٣٦ (٧٠٢) من طريق حسان بن محمد الفقيه، عن محمد بن سليمان، عن سلمة بن شبيب، عن عبد الرزاق، عن إبراهيم بن ميمون، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عنه. أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدًا ..». قال الحاكم: فإبراهيم بن ميمون العدني هذا قد عدَّله عبد الرزاق وأثنى عليه، وعبد الرزاق إمام أهل اليمن وتعديله حجة. ٧ - وأما الموقوف عن أبي مسعود فرواه ابن أبي عاصم في «السنة» (٨٥) أنه قال: عليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمة محمد على ضلالة. قال الحافظ في «التلخيص» ٣/ ١٤١: إسناده صحيح، ومثله لا يقال من قبل الرأي. قلت: تحصل مما سبق أنها رويت بأسانيد كثيرة بعضها رجالها ثقات، كرواية ابن عمر عند الطبراني ورواية ابن عباس عند الحاكم والموقوف على أبي مسعود. وقد قال العجلوني في «الكشف» ٢/ ٣٥٠: وبالجملة فالحديث مشهور المتن، وله أسانيد كثيرة. اهـ وأورده الألباني في «الصحيحة» (١٣٣١)، فعُلِمَ ما في إطلاق المصنف لكلمة ضعيف. ١٤ - باب الْفَهْمِ فِى الْعِلْمِ ٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابن أَبِي نَجِيحٍ: عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابن عُمَرَ إِلَى الَمدِينَةِ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسْلِمِ». فَأَرَدْتُ أَنْ أقولَ هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هِيَ النَّخْلَةُ». [انظر: ٦١ - مسلم: ٢٨١١ - فتح: ١/ ١٦٥] الفَهْم: الفِقه، ولا يتمُّ العلمُ إلا بالفَهْمِ. ولذلك قال علي - رضي الله عنه -: أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُؤْمِن. (١) وقال مالك: ليس العلم بكثرةِ الرواية، إنما هو نورٌ يضعه الله في القلوب. (٢) يعني بذلك فهم معانيه واستنْباطه، وقد نفى - ﷺ - العلمَ عمَّن لا فهم له حيثُ قال: «رُبَّ حامِل فقهٍ ليس بفقيه» (٣). نا عَلِيٌّ -هو ابن عبد الله- نَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابن أَبِي نَجِيحٍ: عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابن عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إلا حَدِيثًا وَاحِدًا: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسْلِمِ». فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هِيَ النَّخْلَةُ». ---------------------- (١) سيأتي برقم (١١١) باب: كتابة العلم. (٢) ذكره البغوي في «شرح السنة» ١/ ٢٨٤. (٣) رواه أبو داود (٣٦٦٠) والترمذي (٢٦٥٦) وأحمد ٥/ ١٨٣ من حديث زيد بن ثابت. قال الترمذي: حديث حسن. قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٠٤): وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات. الكلام عليه من وجوه: أحدها: في تعداد طرقه وقد سلف قريبًا. ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف: أما مجاهد (ع): فهو الإمام المتفق عَلَى جلالته، وبراعته، وإمامته، وثقته، وتفننه في الفقه والتفسير، والقراءات، والحديث، أبو الحجاج، مجاهد بن جبر -بفتح الجيم، وإسكان الباء- وقيل: جبير المخزومي مولى عبد الله بن السائب من الطبقة الثانية من تابعي أهل مكة. روى عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وأخرج لَهُ البخاري في باب: إثم من قتل معاهدًا بغير جُرم، عن الحسن بن عمرو، عنه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «مَنْ قَتَلَ معاهِدًا لم يَرَح رائحةَ الجنَّة» (١) وهو مرسل كما قَالَ الدارقطني، فمجاهد لم يسمع من عبد الله بن عمرو وإنما سمعه من جنادة بن أبي أمية، عن ابن عمرو، كذلك رواه مروان عن الحسن بن عمرو عنه به (٢). وأنكر شعبة وابن أبي حاتم سماعه من عائشة، وكذا ابن معين (٣) لكن حديثه عنها في الصحيحين. وقال مجاهد: قَالَ لي ابن عمر: وددت أن نافعًا يحفظ كحفظك، وقال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إليَّ من مرسلات عطاء. وقال مجاهد: عرضتُ القرآن عَلَى ابن عباس ثلاثين مرة. ----------------- (١) سيأتي برقم (٣١٦٦) كتاب: الجزية والموادعة. (٢) «الإلزامات والتتبع» ص ١٥٣ - ١٥٤. (٣) «الجرح والتعديل» ٨/ ٣١٩، «المراسيل» لابن أبي حاتم (٢٠٣)، «نصب الراية» ٣/ ٩٤، «تحفة التحصيل» (٢٩٤). مات سنة مائة، وقيل: واثنين، وقيل: وثلاث، وقيل: وأربع عن ثلاث وثمانين (سنة) (١)، وقد رأى هاروت وماروت وكاد يتلف (٢). فائدة: ليس في الكتب الستة مجاهد بن جبر غير هذا، وفي مسلم والأربعة: مجاهد بن موسى الخوارزمي شيخ ابن عيينة (٣) وفي الأربعة: مجاهد بن وردان عن عروة (٤). -------------------- (١) من (ج). (٢) قلت: أما قول المصنف رأى هاروت وماروت، فاعتمادهُ على ما رواه أبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٢٨٨، وعلقه الذهبي في «السير» ٤/ ٤٥٦ لكنه من طريق محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» ٤/ ٤٥٠ (٧٤٥٣): هو ضعيف، قال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير. وقال البخاري: فيه نظر. وكذبه أبو زرعة، وقال ابن خراش حدثنا ابن حميد -وكان والله يكذب. وجاء عن غير واحد أن ابن حميد كان يسرق الحديث. وقال صالح جزرة: ما رأيت أحذق بالكذب من ابن حميد ومن ابن الشاذكوني. اهـ. وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٤١١ (١٨٠٥). «الجرح والتعديل» ٨/ ٣١٩ (١٤٦٩) «حلية الأولياء» ٣/ ٢٧٩ - ٣١٠ (٢٤٣). «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٢٢٨ - ٢٣٦ (٥٧٨٣)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٤٤٩ - ٤٥٧ (١٧٥)، «تهذيب التهذيب» ٤/ ٢٥ - ٢٦، «شذرات الذهب» ١/ ١٢٥. (٣) مجاهد بن موسى بن فروخ الإمام الزاهد، أبو علي الخوارزمي نزيل بغداد، حدَّث عن هشيم، وأبي بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة والوليد بن مسلم، وحدث عنه الجماعة، سوى البخاري. وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم، وإبراهيم الحربي، وموسى بن هارون، وثقه ابن معين، مات في شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين ومائتين، فعاش ستًّا وثمانين سنة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٤١٣ (١٨١٣)، «التاريخ الصغير» ٢/ ٣٨٠، «الجرح والتعديل» ٨/ ٣١٢، «تاريخ بغداد» ١٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦، «سير أعلام النبلاء» ١١/ ٤٩٥، ٤٩٦ (١٣٣). (٤) مجاهد بن وردان المدني، عن عروة، عن عائشة في الفرائض. = (وأما ابن أبي نجيح فهو: عبد الله بن أبي نجيح، واسمه يسار الثقفي أبو يسار المكي مولى الأخنس بن شريق، روى عن مجاهد وطاوس وغيرهما، وعنه شعبة وغيره وهو ثقة، رمي بالقدر، وقال علي: سمعت يحيى يقول: إنه من رؤساء الدعاة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل: سنة اثنتين) (١). وأما علي: فهو الإمام الحافظ علي بن عبد الله بن جعفر بن المديني، روى عن أبيه وحماد وخلق، وعنه: أبو داود والبخاري والبغوي وخلق، وأخرج مسلم والنسائي عن رجل عنه. قَالَ البخاري: ما استصغرت نفسي قط عند أحد إلا عنده، وقال ابن أبي حاتم: كان أبو زرعة ترك الرواية عنه؛ من أجل ما كان منه في المحنة، وكان أبي يروي عنه؛ لنزوعه عما كان عليه، ولد سنة إحدى وستين ومائة بسامراء ومات بالعسكر سنة أربع وثلاثين ومائتين، حدث هو وأبوه وجده (٢). ------------------------ = قال الذهبي: ردَّ ابن حزم خبره وهو جيد حسن. قال الكوسج، عن ابن معين: لا أعرفه. وقال أبو حاتم: ثقة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٤١٢ (١٨٠٨)، «الثقات» ٧/ ٤٩٩، «ميزان الاعتدال» ٤/ ٣٦٠ (٧٠٧٤). (١) من (ف). وعبد الله بن أبي نجيح، قال إسحاق بن منصور وعباس الدوري عن يحيى بن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة. وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٨٣. «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٦٤ (٩٨٣). «تهذيب الكمال» ١٦/ ٢١٥ (٣٦١٢)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ١٢٥، ١٢٦ (٣٨)، و«تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥، «شذرات الذهب» ١/ ١٨٢. (٢) انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٨٤ (٢٤١٤)، «التاريخ الصغير» ٢/ ٣٦٣، «الثقات» ٨/ ٤٦٩، «تاريخ بغداد» ١١/ ٤٥٨ - ٤٧٣، «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ٣٥٠، ٣٥١ (٤٣١)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٥ - ٣٥ (٤٠٩٦)، "سير أعلام = فائدة: المديني -بإثبات الياء؛ لأن أصله من المدينة ونزل البصرة، والأصل فيمن ينسب إلى المدينة النبوية مدني بحذف الياء، وإلى غيرها مديني بإثباتها، واستثنوا هذا فقالوا: المديني بإثباتها (١). ثالثها: في فقهه: وقد سلف قريبًا في موضعين، وفهم ابن عمر - رضي الله عنه - من بساط القصة أنها النخلة لسؤاله -عليه السلام- عنها حين أتي بالجمار، وقوي ذَلِكَ عنده بقوله: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وأنها النخلة كما سلف. رابعها: إنما لم يحدث ابن عمر مجاهدًا في مسيره معه إلا حديثًا واحدًا؛ لعدم سؤاله له، أو لعدم النشاط؛ للاشتغال بأعباء السفر، وقال ابن بطال: إنما ذَلِكَ والله أعلم؛ لأنه كان متوقيًا للحديث، وقد كان علم قول أبيه: أقلوا الحديث عن رسول الله - ﷺ - وأنا شريككم (٢). وفيما ذكره نظر، فإنه كان مكثرًا فيه. ----------------------- = النبلاء«١١/ ٤١ - ٦٠،»تقريب التهذيب«(٤٧٦٠)،»شذرات الذهب«٢/ ٨١. قال الحافظ ابن حجر في»التقريب«(٤٧٦٠): علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم، أبو الحسن بن المديني، بصري، ثقة ثبت إمام أعلم أهل عصره بالحديث وعلله، حتى قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني، وقال فيه شيخه ابن عيينة: كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني، وقال النسائي: كان الله خلقه للحديث، عابوا عليه إجابته في المحنة، لكنه تنصل وتاب، واعتذر بأنه خَاف على نفسه. اهـ. (١)»اللباب«٣/ ١٨٤، ١٨٥،»تهذيب الأسماء واللغات«٣/ ١٣٥. (٢)»شرح ابن بطال" ١/ ١٥٧ - ١٥٨. ١٥ - باب الاغْتِبَاطِ فيِ العِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا. ٧٣ - حَدَّثَنَا الُحمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ - عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ- قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُل آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ، فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». [١٤٠٩، ٧١٤١، ٧٣١٦ - مسلم: ٨١٦ - فتح: ١/ ١٦٥] حَدَّثنَا الحُمَيْدِيُّ، نا سُفْيَانُ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ -عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثنَاهُ الزُّهْرِيُّ- قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُل آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُل آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ، فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم أجمع. ثانيها: هذا الحديث ترجم عليه البخاري هنا كما ترى، وفي الزكاة، باب إِنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ (١)، وفي الأحكام، باب أَجْرِ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ (٢)، وفي الاعتصام، مَا جَاءَ فِي اجْتِهَادِ القُضَاةِ (٣)، أخرجه في الزكاة عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد (٤)، وفي البابين عن شهاب بن --------------------- (١) سيأتي برقم (١٤٠٩). (٢) سيأتي برقم (٧١٤١). (٣) سيأتي برقم (٧٣١٦). (٤) سيأتي برقم (١٤٠٩) باب: إنفاق المال في حقه. عباد، عن إبراهيم بن حميد، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر، ووكيع، وعن ابن نمير، عن أبيه، وعن محمد بن بشر كلهم عن إسماعيل، عن قيس به (١). ثالثها: أثر عمر رواه ابن عون، عن ابن سيرين، عن الأحنف، عنه أخرجه البيهقي في «مدخله» عن الروذباري، عن الصفار، عن سعدان بن نصر، ثنا وكيع، عن ابن عون به (٢). وابن عبد البر، عن أحمد بن محمد، ثنا محمد بن عيسى، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو عبيد، أنا ابن علية ومعاذ، عن ابن عون به (٣). ورواه الجوزي (٤) عن إسحاق بن الفيض، ثنا بشر بن أبي الأزهر، ثنا خارجة بن مصعب، عن ابن عون به. ورواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن عون به (٥). (ثالثها) (٦) واعلم أن في بعض النسخ بعد قول عمر: (تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تسَوَّدُوا)، قَالَ أبو عبد الله: وبعد أن تُسوَّدوا، وقد تعلَّم أصحابُ النبي - ﷺ - في كِبر سنهم (٧). ------------------------ (١) مسلم رقم (٨١٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل من يقوم بالقرآن. (٢) «المدخل إلى السنن الكبرى» ص ٢٦٥ (٢٧٣)، وفي «الشعب» ٢/ ٢٥٥ (١٦٦٩) قال الحافظ في «الفتح» ١/ ١٦٦: إسناده صحيح. (٣) «جامع بيان العلم» ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧ (٥٠٨ - ٥٠٩). (٤) كذا بالنسخة، ولعل الصواب (الجورجيري) وهو المحدث أبو جعفر محمد بن عمر بن حفص الأصبهاني الجورجيري ت ٣٣٠، سمع إسحاق بن الفيض، ومحمد بن عاصم الثقفي، انظر «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٣٧٥. (٥) «المصنف» ٥/ ٢٨٥ (٢٦١٠٧). قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١/ ١٦٦: إسناده صحيح. (٦) من (ف). (٧) انظر: «اليونينية» ١/ ٢٥. ومطابقة هذا الأثر للتبويب أنه جعل السيادة من ثمرات العلم فأوصى الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة، فإنه إِذَا كان العلم سببًا للسيادة فهو جدير أن يغتبط به صاحبه؛ لأنه سبب لسيادته. رابعها: معنى: (قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا): تعظموا، يقال: ساد قومه يسودهم سيادة وسؤددا فهو سيدهم، وسوده قومه فهو أسود من فلان، أي: أعظم منه، والمعنى: تعلموا العلم مادمتم صغارًا قبل أن تصيروا سادة رؤساء ينظر إليكم، فإن لم تتعلموا قبل ذَلِكَ استحييتم أن تتعلموا بعد الكبر فبقيتم جهالًا. قَالَ مالك: من عيب القاضي أنه إِذَا عُزل لم يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه. قَالَ: وكان الرجل إِذَا قام من مجلس ربيعة إلى خطة أو حكم لم يرجع إليه بعدها. وقال يحيى بن معين: من عاجل الرئاسة فاته علم كثير. وقال الشافعي: إِذَا تصدر الحدث فاته علم كثير (١)، وقال أيضًا: تفقه قبل أن ترأس فإذا ترأست فلا سبيل إلى التفقه، وفيه قول ثان: أن معنى قول عمر (لا تأخذوا) (٢) عن الأصاغر فيزرى بكم ذَلِكَ، ويؤيده حديث عبد الله: «لن يزال الناس بخيرٍ ما أَخَذوا العلمَ عن أكابرهم» (٣). ----------------- (١) أورده الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١/ ١٦٦. (٢) في (ف): لا تأخذونه. (٣) رواه ابن المبارك في «الزهد» (٨١٥) باب: ما جاء في قبض العلم. وعبد الرزاق ١١/ ٢٤٦، ٢٥٧ (٢٠٤٤٦، (٢٠٤٨٣). والطبرانى ٩/ ١١٤ - ١١٥ (٨٥٨٩ - ٨٥٩٢). وفي «الأوسط» ٧/ ٣١١ (٧٥٩٠) وقال: لم يرو هذِه الأحاديث عن = وفيه قول ثالث أن معناه: قبل أن تزوجوا فتصيروا سادة بالحكم عَلَى الأزواج، والاشتغال بهن لهوًا ثمَّ تمحلًا للتفقه، ومنه الاستياد وهو طلب السيد من القوم، حكاه صاحب «مجمع الغرائب» احتمالًا وهو متجه، وجزم به البيهقي في «مدخله» ولم يذكر غيره فقال: معناه: قبل أن تتزوجوا فتصيروا أربابا، قَالَه شمر (١). خامسها: قوله: (عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثنَاهُ الزُّهْرِيُّ) القائل هو: سفيان بن عُيينة، يقول سفيان: هو عَلَى خلاف حديثي عن الزُّهْرِي وقد أخرجه البخاري في كتاب التوحيد (٢) نبَّهَ عليه القاضي عِياض. سادسها: معنى قوله: (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ)، أي: خصلتين أو طريقتين، ويجوز في رجل ثلاثة أوجه: البدل، وإضمار أعني، والرفع عَلَى تقدير خصلتين إحداهما خصلة رجل. سابعها: أصل الحسد: تمني الرجل أن تتحول إليه نعمة الآخر ويسلبها هو، يقال: حسده يحسُده ويحسَده حسدًا، ورجل حاسِدٌ من قوم حُسَّدٍ، والأنثى بغير هاء وهم يتحاسدون، وحَسَدَه عَلَى الشيء وحَسَدَه إياه، ----------------------- = حمزة الزيات إلا زياد أبو حمزة، تفرد بها عامر بن إبراهيم. واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» ١/ ٩٤ (١٠٠). وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» ١/ ٦١٦ - ٦١٧ (١٠٥٧ - ١٦٠٦٠). وأورده الهيثمي في «مجمع الزاوئد» ١/ ١٣٥ (٥٦٩) وقال: رواه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط» ورجاله موثقون. (١) «المدخل إلى السنن الكبرى» ص ٢٦٥ (٣٧٤). (٢) سيأتي برقم (٧٥٢٩)، باب: قول النبي - ﷺ -: «رجل آتاه الله القرآن». وقال ابن الأعرابي: هو مأخوذ من الحسدل وهو القراد فهو يقشر القلب كما يقشر القراد الجلد فيمص الدم. ومعنى الحسد هنا: شدة الحرص والرغبة من غير تمني زوالها عن صاحبها وهو المنافسة، وأطلق الحسد عليه؛ لأنهما سببه (١)، وسماه البخاري اغتباطًا؛ لأن من أوتي مثل هذا ينبغي أن يغبط به وينافس فيه، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]. ثمَّ قَالَ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقد جاء في بعض طرق الحديث ما يبين ذَلِكَ فقال فيه: «فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل» ذكلره البخاري في فضائل القرآن في باب: اغْتِبَاطِ صَاحِبِ القُرْآنِ من حديث أبي هريرة (٢)، فلم يتمنَّ السلب، وإنما تمنى أن يكون مثله، وقد تمنى ذَلِكَ الصالحون والأخيار. وفيه قول ثان: أنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد وإخراج له عن جملة ما حظر منه، كما رخص في نوع من الكذب، وإن كانت جملته محظورة فالمعنى لا إباحة لشيء من الحسد إلا فيما كان هذا سبيله، أي: لا حسد محمود إلا هذا، وقيل: إنه استثناء منقطع بمعنى لكن في اثنتين. ثامنها:. قوله: (عَلَى هَلَكَتِهِ) أي: (إهلاكه) (٣)، أي: إنفاقه في الطاعات كما سيأتي، والحكمة المراد بها القرآن والله أعلم، كما جاء في حديث ---------------------- (١) «تهذيب اللغة» ١/ ٨١٢، «لسان العرب» ٢/ ٨٦٨، مادة: [حسد]. (٢) سيأتي برقم (٥٠٢٦). (٣) في (ف) هلاكه. أبي هريرة السالف: «لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ علمه اللهُ القُرْآنَ فَهْوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ والنَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهْوَ يهلكه»، وفي رواية «ينفقه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل» (١). وفي مسلم نحوه من حديث ابن عمر (٢). تاسعها: في أحكامه: أولها: حرمة الحسد وهو إجماع وهو المذموم، وأما المباح وهو الاغتباط كما سلف فمحمود، فإذا أنعم الله عَلَى أخيك نعمة فكرهتها وأحببت زوالها فحرام. قَالَ بعضهم: إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر أو من يستعين بها عَلَى فتنة وإفساد. ثانيها: أن الغني إِذَا قام بشرط المال وفعل فيه ما يرضي الله كان أفضل من الفقير. ثالثها: تمني الطاعات. ------------------ (١) سيأتي برقم (٧٥٢٨) في التوحيد، باب: قول النبي - ﷺ -: «رجلٌ آتاه الله القرآن». (٢) مسلم برقم (٨١٥) باب: فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه. ١٦ - باب مَا ذُكِرَ فِى ذَهَابِ مُوسَى - ﷺ - فِى الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ (١) وقوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]. [فتح: ١/ ١٦٧] ٧٤ - حَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ حَدَّثَ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارى هُوَ وَالُحرُّ بْنُ قَيسٍ بْنِ حِصْنِ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى قَالَ ابن عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابن عَبَّاسِ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيتُ أَنَا وَصَاحِبِي هذا فِي صَاحِبِ مُوسَى الذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا. فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ. فَسَأَل مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبعُ أثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الذِي قَصَّ اللهُ -عز وجل- فِي كِتَابِهِ». [٧٨، ١٢٢، ٢٢٦٧، ٢٧٢٨، ٣٢٧٨، ٣٤٠٠، ٣٤٠١، ٤٧٢٦، ٤٧٢٧، ٦٦٧٢، ٧٤٧٨ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح: ١/ ١٦٨] --------------------- (١) من هنا بدأت نُسخة سبط والتي نُسخت من خط المؤلف وراجع منها قسما كبيرا، وعلَّق عليها سبط، وجعلناها الأصل، وقد لا نثبت كل الفروق الغير هامة بينها وبين غيرها من النسخ التي تصرف فيها النساخ، وبخاصة في مقدمة الأبواب وعرض الأحاديث؛ حيث اختصر بعضها طريقة المصنف في عرض أحاديث الباب. حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ حَدَّثَ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فقَالَ ابن عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَاَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابن عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هذا فِي صَاحِبِ مُوسَى الذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا. فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ. فَسَأَل مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبعُ أثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الذِي قَصَّ اللهُ -عز وجل- فِي كِتَابِهِ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع فوق العشرة، أخرجه هنا كما ترى، وفي أحاديث الأنبياء عن عمرو بن محمد (١)، وفي العلم أيضًا عن خالد بن خَلِيّ، عن محمد بن حرب (٢)، وفي التوحيد عن عبد الله بن محمد، عن أبي عمرو كلاهما عن الأوزاعي، عن الزهري به (٣). --------------------- (١) سيأتي برقم (٣٤٠٠) باب: حديث الخضر مع موسى. (٢) سيأتي برقم (٧٨) باب: الخروج في طلب العلم. (٣) سيأتي برقم (٧٤٧٨) باب: في المشيئة والإرادة. وفي أحاديث الأنبياء أيضًا، عن علي بن المديني (١)، وفي النذور، والتفسير عن الحميدي (٢)، وفي التفسير أيضًا عن قُتيبة (٣)، وفي العلم أيضًا عن عبد الله بن محمد، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد (بن جبير) (٤) عن ابن عباس مختصرًا (٥)، وفي التفسير، والإجارة، والشروط عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، وعمرو بن دينار عن سعيد به (٦). وأخرجه مسلم في أحاديث الأنبياء عن حرملة، عن ابن وهب عن يونس، عن الزهري به (٧)، وعن عمرو الناقد وابن راهويه، وعبيد الله بن (سعيد) (٨) وابن أبي عمر عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن جبير (٩)، وعن الناقد أيضًا، وعن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن أبيه، عن رقبة، عن أبي إسحاق، عن ابن جبير به (١٠). ---------------------- (١) سيأتي برقم (٣٤٠١) باب: حديث الخضر مع موسى -عليه السلام-. (٢) سيأتي برقم (٦٦٧٢) باب: إذا حنث ناسيًا. و(٤٧٢٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ﴾. (٣) سيأتي برقم (٤٧٢٧) باب قول الله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾. (٤) ساقطة من (ج). (٥) سيأتي برقم (١٢٢) باب: ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله. (٦) سيأتي برقم (٤٧٢٦) باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾. و(٢٢٦٧) باب: إذا استأجر أجيرًا على أن يقيم حائطًا. و(٢٧٢٨) باب: الشروط مع الناس بالقول. وورد بهامش الأصل، (ف): أخرجه في «المناقب» أيضًا. (٧) مسلم رقم (٢٣٨٠/ ١٧٤) باب: فضائل الخضر. (٨) في (ج): سعد. (٩) مسلم برقم (٢٣٨٠/ ١٧٠) كتاب: الفضائل، باب: فضائل الخضر. (١٠) المصدر السابق رقم (٢٣٨٠/ ١٧١) كتاب: الفضائل، باب: فضائل الخضر. ![]()
__________________
|
|
#69
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 366 الى صـــ 385 الحلقة (69) الوجه الثاني: في التعريف برواته غير ما سلف: فاما يعقوب بن إبراهيم فهو: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري الورع الحجة، روى عن أبيه وشعبة، وعنه أحمد وغيره، مات سنة ثمانٍ ومائتين بفم الصِّلْح (١). وأما محمد بن غرير فوالده -بغين معجمة ثمَّ راء مهملة مكررة بينهما ياء مثناة تحت- وهو أبو عبد الله محمد بن غرير بن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني يعرف بالغريري. قَالَ البخاري: هو مدني، وقال غيره. هو من أهل سمرقند، روى عن يعقوب بن إبراهيم الزهري، ومطرف بن عبد الله، وعنه: البخاري وغيره. قَالَ الكلاباذي: أخرج لَهُ البخاري في ثلاثة مواضع: هنا، وفي الزكاة، وفي بني إسرائيل ولم يخرج لَهُ باقي الكتب الستة (شيئًا) (٢) فهو من الأفراد (٣). -------------------- (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٩٦ (٣٤٥٩). «الثقات» لابن حبان ٩/ ٢٨٤. «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٣٠٨ (٧٠٨٢)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٤٩١ - ٤٩٣ (١٨٤)، «شذرات الذهب» ٢/ ٢٢. وفم الصلح: وهو نهر كبير فوق واسط بينها وبين جبُّل، عليه عدة قرى. انظر: «معجم البلدان» ٤/ ٢٧٦. وورد بهامش الأصل: نهر ميسان، وميسان موضع من أرض البصرة، قاله البكري. (٢) من (ج). (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٠٧ (٦٥١). «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٢٦٨ (٥٥٣٩)، «الكاشف» ٢/ ٢١٠ (٥١٠٨)، «التقريب» (٦٢٢٦). الوجه الثالث: في الأسماء الواقعة في أثنائه: أما موسى -صلوات الله وسلامه عليه- فهو: موسى بن عمران ابن يصهر بن قاهث بن لاوي، وقيل: عمران، وهو: عمرم بن قاهث ابن يصهر بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - صلى الله عليهم - وموسى مفعل فهو مصروف في النكرة، قاله أبو عمرو ابن العلاء. وقال الكسائي: هو فعلى والنسبة إليه موسوي وموسي فيمن قَالَ: يمني. وكان عمر عمران حين توفي مائة وسبعة وثلاثين سنة قَالَ أهل التاريخ: لما ماتَ الريان بن الوليد فِرعون مصر الأول صاحب يوسف الذي ولاه الخزائن، وأسلم عَلَى يده ومَلَكَ قالوس صاحب يوسف الثاني، دعاه يوسف -عليه السلام- فلم يسلم. ثمَّ هلك فمَلَكَ بعده أخوه الوليد بن مصعب، وكان أَعْتَى من أخيه، وكثر أولاد بني إسرائيل بعد يوسف، وأقاموا بمصر تحت أيدي العمالقة وهم عَلَى بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوه لهم متمسكين به، حتَّى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه، ولم يكن في الفراعنة أعتى منه ولا أطول عمرًا في الملك منه، عاش فيهم أربعمائة سنة. ومر - ﷺ - ليلة أسري به عَلَى موسى في السماء السادسة، ووصفه فقال: «هو آدَم طُوَال جَعْد، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ» كما هو ثابت في الصحيحين (١)، وشنوءة: من الأزد سموا به؛ لأنهم تشانئوا أي: ------------------ (١) سيأتي برقم (٣٢٣٩) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين، ورواه مسلم (١٦٥) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات. تباعدوا وتباغضوا، وفي «الصحيح» أيضًا في صفته أنه ضرب من الرجال أي: جسمه ليس بالضخم ولا بالضئيل (١). والجعد المراد به جعودة الجسم لا الشعر، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] أي: لقاء موسى ليلة الإسراء، قاله قتاده (٢)، والهاء عَلَى هذا عائدة عَلَى موسى. وقال الحسن: المعنى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [السجدة: ٢٣] فأوذي وكذب ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ إنك ستلقى مثل ما لقيه من ذَلِكَ (٣). وفي الصحيحين: «يرَحِم اللهُ أخي مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَر» (٤)، والآيات التسع المذكورة في القرآن هي العصا واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، وفلق البحر، يجمعها: عَصا يدٍ وجراد قُمَّل ودَم … طُوفان ضفدع جدبُ نَقْص تثمير قَالَ الثعلبي (٥): وكان عمر موسى -عليه السلام- حين توفي مائة وعشرين -------------------- (١) سيأتي برقم (٣٣٩٤) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾. (٢) انظر «تفسير الطبري» ١٥/ ٢٤٩. «زاد المسير» ٦/ ٣٤٣. (٣) انظر «زاد المسير» ٦/ ٣٤٣. (٤) سيأتي برقم (٣١٥٠) كتاب: فرض الخمس، باب: ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، ورواه مسلم برقم (١٠٦٢) كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام. (٥) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، أبو إسحاق مفسر، مقرئ، واعظ، أديب، حدث عنه أبو الحسن الواحدي وجماعة، كان صادقا موثقا، بصيرا بالعربية. من تصانيفه: «الكشف والبيان عن تفسير القرآن»، «العرائس في قصص الأنبياء» وفيه كثير من الإسرائيليات والأخبار الواهيات والغرائب. قال ابن كثير: وكان كثير الحديث، واسع السماع، ولهذا يوجد في كتبه من الغرائب شيء كثير. انظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٤٣٦، «البداية والنهاية» ٦/ ٤٨٥. سنة، ولما كبر موسى قتل القبطي، ثمَّ خرج خائفًا فلما ورد ماء مدين جرى لَهُ ما قص الله في كتابه. قَالَ بعضهم: ولم يقرب امرأة للاستمتاع من حين سمع كلام الرب -ﷻ- ومكث بعد أن كلم أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من النور. وأما الخضر فالكلام عليه في مواضع: أحدها: في ضبطه وهو: بفتح أوله وكسر ثانيه، ويجوز كسر أوله، وإسكان ثانيه كما في (كبد) (١). ثانيها: في سبب تسميته بذلك وسيأتي في «صحيح البخاري» من حديث همامِ بن منبه عن أبي هريرة مرفوعًا: «إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرُ؛ لأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فرْوَةٍ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ» (٢). والفروة: الأرض اليابسة أو الحشيش اليابس، قَالَ ابن فارس: الفروة: كل نبات مجتمع إذا يبس (٣). وقال الخطابي: الفروة: وجه الأرض أنبتت واخضرت بعد أن كانت جرداء (٤). وفيه قول آخر؛ لأنه إِذَا جلس اخضر ما حوله قاله عكرمة، وقول آخر: أنه إِذَا صلى اخضر ما حوله (٥). ثالثها: في اسمه وفيه خمسة أقوال: ---------------------- (١) انظر: «لسان العرب» ٢/ ١١٨٥، مادة: [خضر]. (٢) سيأتي برقم (٣٤٠٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام. (٣) «مجمل اللغة» ٣/ ٧١٩. (٤) «أعلام الحديث» ٣/ ١٥٥٣. (٥) ذكره ابن الجوزي في «زاد المسير» ٥/ ١٦٨. أحدها: بليا (١) -بباء موحدة مفتوحة ثمَّ لام ساكنة ثم مثناة تحت- بن ملكان -بفتح الميم وسكون اللام- بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح -عليه السلام-، حكاه ابن قتيبة عن وهب بن منبه (٢). وحكاه ابن الجوزي عن وهب: إيليا بدل بليا، فهذا قول آخر، وكان أبوه من الملوك. ثانيها: الخضر بن عاميل، قَالَه كعب الأحبار (٣). ثالثها: أرميا (٤) بن خلقيا، قاله ابن إسحاق ووهاه الطبري بأن أرميا كان في زمن بختنصر وبين عهد موسى وبختنصر زمن طويل (٥). رابعها: إلياس، قاله يحيى بن سلام، ووهاه ابن الجوزي (٦). خامسها: اليسع، قاله مقاتل وسمي بذلك؛ لأن علمه وسع ست سموات وست أرضين ووهاه ابن الجوزي أيضًا (٧)، واليسع: اسم أعجمي ليس بمشتق. وفيه قول سادس: أن اسمه أحمد حكاه القشيري ووهاه ابن دحية، بأنه لم يتسمَّ أحد قبل نبينا - ﷺ - بذلك. ------------------ (١) ورد بهامش الأصل: قال المصنف: بخط الدمياطي يليا، بياءين من تحت بينهما لام. (٢) «المعارف» ص ٤٢. (٣) «الإصابة» ١/ ٤٣٠. (٤) ورد بهامش (س): قال المصنف في الهامش بخط الدمياطي: أروميا، من ولد عيص بن إسحاق. (٥) «تاريخ الطبري» ١/ ٢٢٠. (٦) أورده القرطبي في «التفسير» ٦/ ١٦. (٧) ذكره الحافظ ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٢٩ وقال: هو بعيد أيضًا. وسابع: أن اسمه عامر حكاه ابن دحية في كتابه: «مرج البحرين». وثامن: أنه (حضرون) (١) بن قابيل بن آدم حكاه هو أيضًا (٢)، وقيل: إنه أبو العباس (٣). رابعها: في أي وقت كان؟ روى الضحاك عن ابن عباس قَالَ: الخضر بن آدم لصلبه (٤)، وقال الطبري: (قيل) (٥) إنه الرابع من أولاده (٦). وقيل: إنه من ولد عيص، حكاه ابن دحية (٧). وروى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه من سبط هارون، وكذا قَالَ ابن إسحاق (٨). وروى محمد بن أيوب، عن ابن لهيعة أنه ابن فرعون موسى وهذا بعيد، ابن لهيعة، وابن أيوب مطعون فيهما (٩). وقال عبد الله بن شوذب: إنه من ولد فارس (١٠). ----------------- (١) في (ف) خصرون. (٢) ذكره ابن كثير في «قصص الأنبياء» ٢/ ٦٥٨، وابن حجر «الإصابة» ١/ ٤٢٩ وقال: هذا مفصل. (٣) ذكره الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» ١/ ٣٦٥. (٤) رواه الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٦/ ٣٩٩. وقال الحافظ ابن كثير في «قصص الأنبياء» ٢/ ٦٥٨: وهذا منقطع وغريب. وقال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٢٩: فيه رواد ضعيف ومقاتل متروك. (٥) من (ف). (٦) «تاريخ الطبري» ١/ ٢٢٠. (٧) ذكره الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٦/ ٣٩٩. (٨) ذكره الحافظ ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٢٩ وقال: هو بعيد وأعجب. (٩) ذكره الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» ١/ ٣٦٤. (١٠) رواه الحافظ ابن جرير الطبري في «تاريخه» ١/ ٢٢٠. قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٢٩: أخرجه الطبري بسندٍ جيد. وقال الطبري: كان في أيام أفريدون، قَالَ: وقيل: كان عَلَى مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان أيام إبراهيم الخليل -عليه السلام- (١). وذو القرنين عند قوم هو أفريدون. وقال بعض أهل الكتاب: إنه ابن خالة ذي القرنين ووزيره، وأنه شرب من ماء الحياة، وذكر الثعلبي أيضًا اختلافًا هل كان في زمن إبراهيم الخليل أم بعده بقليل أو بكثير؟ وذكر بعضهم أنه كان (في) (٢) زمن سليمان، وأنه المراد بقوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠] حكاه الداودي. خامسها: اختلف هل كان وليًّا أو نبيًّا؟ عَلَى قولين: وبالأول جزم القشيري. واختلف أيضًا هل كان مرسلًا أم لا؟ عَلَى قولين، وأغرب ما قيل: إنه من الملائكة، والصحيح أنه نبي، وجزم به جماعة. وقال الثعلبي: هو نبي عَلَى جميع الأقوال معمر محجوب عن الأبصار وصححه ابن الجوزي أيضًا في كتابه فيه (٣)، لقوله تعالى حكاية عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] فدل عَلَى أنه نبي أوحي إليه، ولأنه أعلم من موسى -أي: في علم مخصوص- ويبعد أن يكون ولي أعلم من نبي، وإن كان يحتمل أن يكون أوحي إلى نبي في ذَلِكَ العصر (يأمر) (٤) الخضر بذلك. سادسها: في حياته وقد أنكرها جماعة منهم: البخاري وإبراهيم الحربي وابن المنادى، وأفردها ابن الجوزي بالتأليف، والمختار بقاؤها. --------------------- (١) ذكره الطبري في «التاريخ» ١/ ٢٢٠. (٢) من (ف). (٣) يقصد المؤلف بكتاب ابن الجوزي «عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر» كما قال الحافظ ابن كثير في «قصص الأنبياء» ٢/ ٦٨٣ ولم نقف على هذا الكتاب. (٤) في (ف): فأمر. قَالَ ابن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم في ذَلِكَ، وإنما شذ بإنكارها بعض المحدثين (١). --------------------- (١) ومن هؤلاء المحدثين البخاري وإبراهيم الحربي وأبو الحسين بن المناوي والشيخ أبو الفرج بن الجوزي، وقد انتصر لذلك وألفَّ فيه كتابًا اسماه «عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر»؛ فيحتج لهم بأشياء كثيرة: منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] فالخضر إن كان بشرًا؛ فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز تخصيصه إلا بدليل صحيح، والأصل عدمه حتى يثبت، ولم يذكر فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله. ومنها: أن الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١]. قال ابن عباس: ما بعث الله نبيًّا، إلا أخذ عليه الميثاق؛ لئن بعث محمد وهم أحياء؛ ليؤمنن به ولينصرنه. فالخضر إن كان نبيًّا أو وليًّا؛ فقد دخل في هذا الميثاق؛ فلو كان حيًّا في زمن رسول الله - ﷺ - لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه، ويؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحدٌ من الأعداء إليه؛ لأنه إن كان وليًا، فالصديق أفضل منه، وإن كان نبيًّا، فموسى أفضل منه. روى الإمام أحمد بإسناده عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله - ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده؛ لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني» قال الحافظ ابن كثير في «القصص» ١/ ٣٥٩: إسناد صحيح. وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة، فإذا علم هذا -وهو معلوم عند كل مؤمن-؛ علم أنه لو كان الخضر حيًّا، لكان من جملة أمة محمد - ﷺ - وممن يقتدي بشرعه، لا يسعه إلا ذلك. ومن ذلك ما ثبت في الصحيح وغيرهما عن عبد الله: أن رسول الله - ﷺ - صلى ليلة العشاء، ثم قال: «أرأيتم ليلتكم هذِه؟ فإنه إلى مائة سنة لا يبقى ممن هو على وجه الأرض اليوم أحد». فهذا الحديث يقطع دابر دعوى حياة الخضر. اهـ. انظر: «قصص الأنبياء» ٢/ ٦٨٣ - ٦٨٨ لابن كثير. ونقله النووي عن الأكثرين (١)، وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن، وفي «صحيح مسلم» في حديث الدجال أنه يقتل رجلًا ثمَّ يحييه. قَالَ إبراهيم بن سفيان راوي كتاب مسلم: يقال: إنه الخضر (٢). وكذلك قَالَ معمر في «مسنده» (٣). وأما الحر بن قيس فهو: -بحاء مهملة- بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري ابن أخي عيينة، لَهُ وفادة وكان من جلساء عمر، واستأذن لعمه (٤). وأما أبي بن كعب بن قيس، فهو أبو المنذر، أقرأ الأمة (٥). الوجه الرابع: فتى موسى هو: يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف كذا ذكره القتبي، وقال مقاتل: يوشع بن نون بن اليشامع بن عيهود بن عيزار بن شوتلخ بن أفرايم بن يوسف (٦). ------------------- (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٥/ ١٣٥ - ١٣٦. (٢) مسلم (٢٩٣٨) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: صفة الدجال وتحريم المدينة عليه وقتله المؤمن وإحيائه. (٣) «مصنف عبد الرزاق» ١١/ ٣٩٣ (٢٠٨٢٤). وانظر قصة الخضر في: «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٥/ ١٣٥ - ١٣٦. و«قصص الأنبياء» لابن كثير ٢/ ٦٥٧ - ٦٨٩. (٤) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٢/ ٨٩٦ (٧٧٣). و«الاستيعاب» ١/ ٤٥١ - ٤٥٢ (٥٨٦). و«أسد الغابة» ١/ ٤٧١ - ٤٧٢ (١١١٨). و«الإصابة» ١/ ٣٢٤ (١٦٩٢). (٥) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ٣ - ١٥ (١). «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ٣ - ٤ (١). «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ١/ ٢١٤ - ٢١٩ (٧٩). و«الاستيعاب» ١/ ١٦١ - ١٦٤ (٦). «أسد الغابة» ١/ ٦١ - ٦٣ (٣٤). «الإصابة» ١/ ١٩ - ٢٠ (٣٢). (٦) انظر قصته في: «قصص الأنبياء» لابن كثير ٢/ ٦٣٩ - ٦٥٧. والصخرة: هي التي دون نهر الرين بالمغرب. الوجه الخامس: مراد البخاري بالتبويب الرحلة والسفر في طلب العلم برَّا وبحرًا، فإن موسى - ﷺ - اتبع الخضر للتعلم منه حال ركوب السفينة ودونها. السادس: في ألفاظه ومعانيه: المماراة: المجادلة، يقال: ماريت الرجل أماريه مراء، وهي هنا: الاختلاف، يقال: تماريا إذا اختلفا. وقوله: (فَدَعَاهُ ابن عَبَّاسٍ) فسره بعضهم بأنه قام إليه، ويحتمل أن يكون المراد به النداء. وقوله: (فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، قَالَ القاضي: أي: في جماعتهم (١). وقال غيره: الملأ: الأشراف ومعناهما صحيح. وقوله: (هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا). وجاء في كتاب التفسير وغيره: «فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا» فعتب الله عليه إِذ لم يردَّ العلم إلية (٢). وكذا جاء في مسلم، وفيه أيضًا: «بينا موسى في قومه يذكرهم بأيام الله -أي: (نعمائه) (٣) وبلائه- إذ قَالَ: ما أعلم في الأرض رجلًا خيرًا وأعلم مني؟ فأوحى الله إليه أن في الأرض رجلًا هو أعلم منك» (٤). ---------------------- (١) «مشارق الأنوار» ١/ ٣٧٩. (٢) سيأتي برقم (٤٧٢٥) باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾. (٣) في (ج): بإنعامه. (٤) برقم (٢٣٨٠/ ١٧٢) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر -عليه السلام-. أما عَلَى رواية: «هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ: لَا» (١). فلا عتب عليه إذ أخبر عما يعلم، وأما عَلَى رواية: «أيّ الناسِ أَعْلم؟ فقال: أنا» (٢) فهو راجع إلى ما اقتضاه شهادة الحال، ودلالة النبوة، وكان منها بالمكان الأرفع والمرتبة العليا من العلم. فالعتب إذًا إنما وقع لأجل الإطلاق وإن كان الأولى إطلاق: الله أعلم، وقد قالت الملائكة: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] وقد قَالَ - ﷺ - لما سُئِلَ عن الروح وغيره: «لا أدري حتَّى أسأل الله» (٣)، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وقيل: المراد بقوله: (أنا) أي: بوظائف النبوة، وأمور الشريعة، وسياسة الأمة، والخضر أعلم منه بأمور أخر من علوم غيبية كما ذكر من خبره، وكان موسى أعلم عَلَى الجملة والعموم مما لا يمكن جهل الأنبياء بشيء منه، والخضر أعلم عَلَى الخصوص بما أُعْلِمَ من الغيوب وحوادث القدر مما لا يعلم الأنبياء منه إلا ما أُعلموا من غيبه. ولهذا قَالَ لَهُ الخضر: «إنك عَلَى علم من علم الله (علمكه الله) (٤) لا أعلمه، وأنا عَلَى علم من علم الله علمنيه لا تعلمه». ألا تراه لم يعرف موسى بني إسرائيل حتَّى عرفه بنفسه إذ لم يعرفه الله به، وهذا مثل قول نبينا - ﷺ -: «إني لا أعلم إلا ما علمني ربي» (٥). ------------------- (١) وهي رواية الباب وسيأتي برقم (٣٤٠٠) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام. (٢) سيأتي برقم (١٢٢) كتاب: العلم، باب: ما يستحب للعالم إذا سُئِلَ: أيُّ الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله. (٣) لم نقف على هذه الرواية فيما بين أيدينا من كتب السنة المعتبرة. (٤) ساقطة من (ج). (٥) رواه الطبري في «تاريخه» ٢/ ١٨٤. ومعنى قوله فيما أوردناه: «فعَتب الله عليه وآخَذَه به» وأصل العتب المؤاخذة، يقال فيه: عتب عليه، إذا واخذه وذكره لَهُ والمؤاخذة والعتب في حق الله تعالى محال، فالعتب هنا عدم رضا قوله شرعًا ودينًا (١)، وقد عتب الله عليه إذ لم يرد رد الملائكة ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]. -------------------- (١) مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته يتضمن إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه وما أثبته له نبيه الكريم محمد - ﷺ - في سنته الصحيحة على الوجه اللائق به سبحانه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي؛ بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه؛ لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف، والدلالة والإرشاد. وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء، لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة فكذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا فإن الله منزه عنه حقيقة، إنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم؛ ولافتقار المحدث إلى محدِث، ولوجب وجوده بنفسه -سبحانه وتعالى-. ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله؛ فيعطلوا أسماءه الحسنى، وصفاته العليا، ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته. انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٦/ ٥ - ٢٧. وقيل جاء هذا؛ تنبيهًا لموسى وتعليمًا لمن بعده ودليلًا يقتدي به غيره في تزكية نفسه والعجب بحاله فيهلك، وإنما ألجئ موسى للخضر للتأديب لا للتعليم. قَالَ أُبي: أعجب موسى بعلمه فعاقبه الله بما لقي من الخضر. السابع: في فوائده: الأولى: الرحلة والسفر لطلب العلم برًّا وبحرًا وهو المراد بالتبويب كما سلف، وسيأتي أيضًا رحلة جابر، والمراد: التنبيه عَلَى شرف العلم حتَّى جازت المخاطرة في طلبه بركوب البحر، وركبه الأنبياء في طلبه، بخلاف ركوبه في طلب الدنيا فهو مكروه عند بعضهم واستثفله الكل. الثانية: الازدياد في العلم وقصد طلبه، ومعرفة حق من عنده زيادة علم. الثالثة: جواز التماري في العلم، إِذَا كان كل واحد يطلب الحقيقة غير متعنت. الرابعة: الرجوع إلى أهل العلم عند التنازع. الخامسة: لزوم التواضع في العلم وكل الأحوال. السادسة: حمل الزاد وإعداده في السفر خلافًا لمن منعه، وستكون لنا عودة إلى هذا الحديث في موضع آخر من المواضع التي كرره فيها البخاري إن شاء الله تعالى ذَلِكَ وقدره (١). --------------- (١) ورد بهامش الأصل: آخر الجزء الأول من الجزء الثاني من تجزئة المصنف. ١٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ» ٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ». [١٤٣، ٣٧٥٦، ٧٢٧٠ - مسلم ٢٤٧٧ - فتح: ١/ ١٦٩] حَدَّثنَا أَبُو مَعْمَرٍ، ثنَا عَبْدُ الوَارِثِ، ثنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي فضائل الصحابة عن أبي معمر، ومسدد عن عبد الوارث، وعن موسى عن وهيب كلاهما عن خالد بلفظ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكْمة» (١) قَالَ أبو مسعود الدمشقي: هو عند القواريري عن عبد الوارث. وأخرجه في الطهارة عن عبد الله بن محمد، ثنا هاشم بن القاسم، عن ورقاء، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس أنه - ﷺ - دخل الخلاء فوضع لَهُ وضوءًا فقال: «اللهمَّ فقهه في الدين» (٢). وأخرجه مسلم في (فضل) (٣) ابن عباس: ثنا زهير وأبو بكر بن أبي النضر، ثنا هاشم به، ولفظه: «اللهمَّ فقهه» (٤). ------------------- (١) سيأتي برقم (٣٧٥٦) باب: ذكر ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) سيأتي برقم (١٤٣) باب: وضع الماء عند الخلاء. (٣) في (ج): فضائل. (٤) مسلم (٢٤٧٧) كتاب: فضائل الصحابة. ثانيها: في التعريف برجاله: أما ابن عباس فقد سلف. وأما عكرمة فهو: أبو عبد الله المدني مولى ابن عباس أصله من البربر من أهل المغرب، سمع مولاه، وابن عمر، وخلفا من الصحابة، وكان من العلماء في زمانه بالعلم والقرآن، وعنه: أيوب وخالد الحذاء وخلق، وتكلم فيه لرأيه، وأطلق نافع وغيره عليه الكذب. وروى لَهُ مسلم مقرونًا بطاوس وسعيد بن جبير، واعتمده البخاري في أكثر ما يصح عنه من الروايات، وربما عيب عليه إخراج حديثه، ومات ابن عباس وعكرمة مملوك، فباعه علي ابنه من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة: بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار فاستقاله فأقاله وأعتقه، وكان جوالًا في (البلاد) (١). ومات بالمدينة ودفن بها سنة خمس أو ست أو سبع ومائة، ومات معه في ذَلِكَ اليوم كثير الشاعر، فقيل: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس. وقيل: مات عكرمة سنة خمس عشرة ومائة، وقيل: بلغ ثمانين. واجتمع حفاظ ابن عباس عَلَى عكرمة فيهم: عطاء وطاوس، وسعيد بن جبير، فجعلوا يسألون عكرمة عن حديث ابن عباس، فجعل يحدثهم وسعيد كلما حدث بحديث وضع إصبعيه الإبهام عَلَى السبابة أي سواء، حتَّى سألوه عن الحوت وقصة موسى فقال عكرمة: كان يسايرهما في ضحضاح من الماء. فقال سعيد: أشهد عَلَى ابن عباس أنه قَالَ: كان يحملانه في مكتل -يعني: الزنبيل- فقال أيوب: --------------------- 0(١) في (ف): المدينة. وأرى -والله أعلم- أن ابن عباس حدث بالخبرين جميعًا (١). وأما الراوي عنه فهو خالد بن مهران الحذاء (ع) أبو المنازل -بضم الميم- البصري التابعي مولى آل عبد الله بن عامر القرشي. قَالَ عبد الغني: ما كان من منازل فهو بضم الميم، إلا يوسف بن منازل (خ) (فإنه) (٢) بفتحها، وحكى غيره فيه الفتح -أعني في خالد- وكذا في سائر الباب، والضم أظهر، ولم يكن بحذاء للنعال إنما كان يجلس إليهم أو إلى صديق له حذاء، وقيل: كان يقول: أحذ عَلَى هذا النحو، فلقب به. رأى أنسًا، ووثقه أحمد، ويحيى بن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. مات سنة إحدى وأربعين ومائة في خلافة المنصور (٣). وأما الراوي عنه فهو أبو عبيدة عبد الوارث (ع) بن سعيد بن ذكوان التميمي البصري الحافظ المقرئ الثبت الصالح، روى عن أيوب وغيره، وعنه مسدد وغيره. ورمي بالقدر، ونفاه عنه ولده عبد الصمد فيما حكاه عنه البخاري، مات سنة ثمانين ومائة (٤). -------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦، ٥/ ٢٨٧ - ٢٩٣. «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٩ (٢١٨). «تهذيب الكمال» ٢٠/ ٢٦٤ - ٢٩٢ (٤٠٠٩)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ١٢ - ٣٦ (٩)، «شذرات الذهب» ١/ ١٣٠. (٢) في (ف): فهو. (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ١٧٣ (٥٩٢). «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٥٢ (١٥٩٣). «تهذيب الكمال» ١٨/ ١٧٧ (١٦٥٥)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ١٩٠ - ١٩٣، «شذرات الذهب» ١/ ٢١٠. (٤) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١١٨ (١٨٩١). «الجرح والتعديل» ٦/ ٧٥ = وأما شيخ البخاري فهو أبو معمر (ع) عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ميسرة البصري المقعد المنقري الحافظ الحجة، روى عن عبد الوارث وغيره، وعنه البخاري وأبو داود، وهو والباقون عن رجل عنه، ورمي بالقدر أيضًا، مات سنة أربع وعشرين ومائتين (١). فائدة: هذا الإسناد عَلَى شرط الأئمة الستة وكلهم بصريون خلا ابن عباس وعكرمة، وفيه رواية تابعي عن تابعي أيضًا. الوجه الثالث: في فوائده: الأولى: المراد بالكتاب هنا: القرآن وكذا كل موضع ذكر الله تعالى فيه الكتاب، والمراد بالحكمة أيضًا: القرآن كما في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وأما قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] فالمراد بها السنة وكذا قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فالقرآن أحكمت آياته بين حلالها وحرامها وأوامرها ونهيها، والسنة بينت المجمل وغيره، والرواية الأخرى: «اللهم فقهه» أي: فهمه الكتاب والسنة، ودعا لَهُ أيضًا أن يعلمه التأويل أي: تفسير القرآن؛ فكان فيه من الراسخين حتَّى كان يُدعى ترجمان القرآن. --------------------- = (٣٨٦)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ١٤٠، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٤٧٨ (٣٥٩٥). «مقدمة فتح الباري» ص ٤٢٢، «شذرات الذهب» ١/ ٢٩٣. (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٥٥ (٤٧٥). «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٤٢٨ (٢٢٥٨). «الجرح والتعديل» ٥/ ١١٩ (٥٤٩). «الثقات» ٨/ ٣٥٣ - ٣٥٤ «تهذيب الكمال» ١٥/ ٣٥٣ (٣٤٤٩). الثانية: بركة دعائه - ﷺ - وإجابته. الثالثة: فضل العلم والحض عَلَى تعلمه، وعلى حفظ القرآن والدعاء بذلك. الرابعة: استحباب الضم وهو إجماع للطفل والقادم من سفر، ولغيرهما مكروه عند البغوي، والمختار (جوازه) (١) ومحل ذَلِكَ إِذَا لم يؤد إلى تحريك شهوة. فائدة: معنى اللَّهُمَّ: يا الله، والميم المشددة عوض من حرف النداء، قَالَه الخليل وسيبويه، وقال الفراء: كان الأصل يا الله أمنا بخير فهي مضمنة ما يسأل بها، ونظيره قول العرلب: هلم، والأصل: هل، فضمت الميم إليها، ولو كانت الميم بدلًا عنها لما اجتمعا وقد قَالَ الشاعر: وما عليك أن تقولي كلما … سبحت أو هللت يا اللَّهُمَا اردد علينا شيخنا مسلما وقد استدل الأول بهذا على أنها عوض ولا يُجمع بينهما إلا في الشعر (٢). -------------------- (١) في (ف): جوازها. (٢) «تفسير الطبري» ٣/ ٢٢٠، «زاد المسير» ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩. ١٨ - باب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟ ٧٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَؤمَئِذٍ قَدْ نَاهَزتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ. [٤٩٣، ٨٦١، ١٨٥٧، ٤٤١٢ - مسلم ٥٠٤ - فتح: ١/ ١٧١] ٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي- وَأَنَا ابن خمسِ سِنِينَ- مِنْ دَلْوٍ. [١٨٩، ٨٣٩، ١١٨٥، ٦٣٥٤، ٦٤٢٢ - مسلم: ٣٣ سيأتي ٦٥٧ - فتح: ١/ ١٧٢] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُويْسٍ، ثنا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ. حدثنا محَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، ثنا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - مجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي- وَأَنَا ابن خَمْسِ سِنِينَ- مِنْ دَلْوٍ. ذكر البخاري رحمه الله في الباب حديث ابن عباس وحديث محمود ابن الربيع. أما حديث ابن عباس: فالكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي الصلاة في باب: سترة الإمام سترة لمن خلفه: عن ابن يوسف، والقعنبي عن مالك (١)، وفي الحج في باب: حج الصبيان، عن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أخي الزهري (٢)، وفي المغازي، وحجة الوداع، وقال الليث: حَدَّثَني يونس (٣). كلهم عن ابن شهاب. وأخرجه مسلم في الصلاة: عن يحيى بن يحيى، عن مالك، وعن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، وعن يحيى بن يحيى، والناقد، وإسحاق، عن ابن عيينة، وعن إسحاق وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر (٤)، خمستهم (٥) عن الزهري به. وزاد البخاري في الحَج فيه: أقبلت أسير عَلَى أتان لي حتَّى سرت بين يدي بعض الصف، ثمَّ نزلت عنها. ولمسلم: فسار الحمار بين يدي بعض الصف. الوجه الثاني: في التعريف برواته، وقد سلف. -------------------- (١) سيأتي برقم (٤٩٣) عن ابن يوسف، وبرقم (٨٦١) عن القعنبي، باب: وضوء الصبيان. (٢) سيأتي برقم (١٨٥٧). (٣) سيأتي برقم (٤٤١٢). (٤) رواه مسلم عنهم (٥٠٤/ ٢٥٤ - ٢٥٧) باب: سترة المصلي. (٥) المراد جملة من رواه عن الزهري عند البخاري ومسلم معًا وهم: مالك، وابن أخي الزهري -وهو محمد بن عبد الله بن مسلم- ويونس، وابن عيينة، ومعمر. ![]()
__________________
|
|
#70
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 386 الى صـــ 405 الحلقة (70) الثالث: في ألفاظه: الأول: قوله: (عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ)، الحمار: اسم جنس للذكر والأنثى، كلفظ الشاة والإنسان، وربما قالوا للأتان: حمارة. حكاه الجوهري (١). والأَتَان -بفتح الهمز- الأنثى من جنس الحمر، ولا تقل: أتانة. وحكي عن يونس وغيره: أتانة، وحمار أتان بتنوينهما إما عَلَى البدل أو عَلَى الوصف، وقال بعضهم: هو وصف لحمار عَلَى معنى صلب قوي مأخوذ من الأتان وهي الحجارة الصلبة. والمراد بالبدل: بدل الغلط أو بدل البعض من الكل، إذ الحمار اسم جنس (يشمل) (٢) الذكر والأنثى كما قالوا: بعير. وضبط بالإضافة أيضًا أي: حمار أنثى. وقال ابن الأثير: إنما قَالَ: حمار أتان؛ ليعلم أن الأنثى من الحمر لا تقطع الصلاة فكذا لا تقطعها المرأة (٣). الثاني: معنى (نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ): قاربته ودانيته، يقال: ناهز الصبي البلوغ. أي: داناه، ويقال: يتناهزان إمارة كذا. أي: يتبادران إلى طلبها، قَالَ صاحب «الأفعال»: ناهز الصبي الفطام: دنا منه، ونهز الرجل: ضربه، ونهز الشيء: دفعه، ونهزت إليه: نهضت إليه. (٤) الثالث: الاحتلام معروف وهو البلوغ، وحدُّه عندنا بالسن خمس عشرة سنة كاملة، وهو رواية عن مالك، وثانية: سبع عشرة (سنة) (٥) ---------------- (١) «الصحاح» ٢/ ٦٣٦. (٢) في (ف): يشتمل. (٣) «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٢١. (٤) «الأفعال» ص ٢٥٩. (٥) من (ج). وأشهرها: ثماني عشرة، وأما الإنبات عندنا فهو علامة عَلَى البلوغ في حق الكافر دون المسلم (١)، وفي مذهب مالك ثلاثة أقوال. ثالثها: يعتبر في الجهاد ولا يعتبر في غيره (٢). الرابع: قوله: (قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ) يصحح قول الواقدي وغيره أن ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وأنه ابن ثلاث عشرة عند موته - ﷺ -، ويرد قول من قَالَ: إنه ابن عشر سنين إذ ذاك، وصوب الإمام أحمد أن عمره إذ ذاك خمس عشرة سنة (٣). الخامس: معنى (ترتع): ترعى، يقال: رتعت الإبل: إِذَا رعت. السادس: (منى) الأجود صرفها، وكتابتها بالألف وتذكيرها، سميت بذلك لما يمنى بها من الدماء، أي: يراق، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ [القيامة: ٣٧]. السابع: في هذِه الرواية: أنه رآه يصلي بمنى، وفي رواية في «الصحيح»: بعرفة (٤). وهو محمول عَلَى أنهما (قضيتان) (٥). ----------------- (١) «الأوسط» ٤/ ٣٨٨ - ٣٨٩. (٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠. (٣) روى الخطيب في «تاريخه» من كلام ابن عباس عن نفسه قال: ولدت قبل الهجرة بثلاث سنين ونحن في الشعب، وتوفي رسول الله - ﷺ - وأنا ابن ثلاث عشرة. وقال غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: توفي النبي - ﷺ - وأنا ابن عشر سنين. وقيل عن سعيد بن جبير عنه: قبض النبي - ﷺ - وأنا ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل عن ابن عباس: قبض النبي - ﷺ - وأنا ختين. وعنه: توفي رسول الله - ﷺ - وانا ابن خمس عشرة سنة. انظر: «الطبقات الكبري» ٢/ ٣٦٥ - ٣٧٢. «تاريخ بغداد» ١/ ١٧٣ - ١٧٤. «تهذيب الكمال» ١٥/ ١٦١. (٤) رواه مسلم (٥٠٤/ ٢٥٦) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي. (٥) في (ف): قصتان. الوجه الرابع: في فوائده: الأولى: جواز ركوب المميز الحمار، وما في معناه وأن الولي لا يمنعه من ذَلِكَ. الثانية: صحة صلاة الصبي. ثالثها: جواز صلاة الإمام إلى غير سترة، وهو دال عَلَى أن الصلاة لا يقطعها شيء، كذا ذكره ابن بطال في «شرحه» (١)، لكن البخاري بوب عليه: سترة الإمام سترة لمن خلفه. كما سلف، وحكى ابن عبد البر وغيره فيه الإجماع (٢). قَالَ: وقد قيل: إن الإمام نفسه سترة لمن خلفه؛ وقد قَالَ: (فلم ينكر ذَلِكَ عَلَيّ أحدٌ) (٣)، نعم البيهقي ترجم عليه باب: من صلى إلى غير سترة، ثمَّ ذكر عن الربيع، عن الشافعي أن قول ابن عباس: إلى غير جدار يعني: -والله أعلم- إلى غير سترة (٤) - قُلْتُ: ويؤيد هذا رواية البزار في حديث ابن عباس: وهو يصلي المكتوبة ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه (٥). ورجاله رجال الصحيح -ثمَّ قَالَ البيهقي: وهذا يدل عَلَى خطأ من زعم أنه - ﷺ - صلى إلى سترة، وأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وأيده بما روى ابن أبي وداعة قَالَ: رأيت النبي - ﷺ - يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه ليس ------------------ (١) «شرح ابن بطال» ١/ ١٦١ - ١٦٢. (٢) «التمهيد» ٤/ ١٩٧. (٣) «الاستذكار» ٦/ ١٦٢ - ١٦٣. (٤) «معرفة السنن والآثار» ٣/ ١٩٤ (٤٢٣٧، ٤٢٣٨، ٤٢٣٩). (٥) رواه البزار في «مسنده» ١١/ ٢٠١ - ٢٠٢ (٤٩٥١)، وابن خزيمة ٢/ ٢٥، ٢٦ (٨٣٨، ٨٣٩). بينه وبين الطواف سترة (١). رابعها: أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، وعليه بوب أبو داود في «سننه» (٢)، وما ورد من قطعه محمول عَلَى قطع الخشوع، وقوله: (قد نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ)، فيه ما يقتضي تاكيد عدم البطلان بمروره؛ لأنه استدل عَلَى ذَلِكَ بعدم الإنكار، وعدمه عَلَى من هو في مثل هذِه السن أدلَّ عَلَى هذا الحكم، وأنه لو كان في سن عدم التمييز لاحتمل أن يكون عدم الإنكار عليه لعدم مؤاخذته؛ لصغر سنه، فعدم الإنكار دليل عَلَى جواز المرور، والجواز دليل عَلَى عدم إفساد الصلاة. خامسها: جواز إرسال الدابة من غير حافظ، أو مع حافظ غير مكلف. سادسها: احتمال بعض المفاسد لمصلحة أرجح منها، فإن المرور أمام المصلين مفسدة، والدخول في الصلاة وفي الصف مصلحة راجحة، فاغتفرت المفسدة للمصلحة الراجحة من غير إنكار. ----------------- (١) رواه أبو داود (٢٠١٦)، والنسائي ٢/ ٦٧، ٥/ ٢٣٥، وابن ماجه (٢٩٥٨)، وأحمد ٦/ ٣٩٩، وأبو يعلى ١٣/ ١١٩ (٧١٧٣)، وابن خزيمة ٢/ ١٥ (٨١٥)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٦١، وفي «شرح مشكل الآثار» «تحفة» ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٧ (٩٤٨ - ٩٥٠)، وابن حبان ٦/ ١٢٧ - ١٢٩ (٢٣٦٣، ٢٣٦٤)، والبيهقي ٢/ ٢٧٣. قال الحافظ المنذري في «مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٤٣٤: في إسناده مجهول. قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٥٧٦: رجاله موثقون إلا أنه معلول ثم أخذ في بيانها، وضعفه كذلك الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٤٤)، و«السلسلة الضعيفة» (٩٢٨). (٢) «سنن أبي داود» (٧١٥) حيث قال: باب: من قال: الحمار لا يقطع الصلاة. سابعها: أن عدم الإنكار حجة عَلَى الجواز؛ لكنه مشروط بانتفاء الموانع من الإنكار، وبالعلم بالاطلاع عَلَى الفعل. ثامنها: إجازة من علم الشيء صغيرًا وأداه كبيرًا ولا خلاف فيه كما قَالَ ابن عبد البر (١) -ومن منع فقد أخطأه، وكذا العبد والفاسق إِذَا أديا في حال الكمال. تاسعها: جواز الركوب إلى صلاة الجماعة، قَالَ المهلب: وفيه أن التقدم إلى القعود لسماع الخطبة إِذَا لم يضر أحدًا والخطيب يخطب جائز، بخلاف إِذَا تخطى رقابهم. ثمَّ اعلم أن حديث ابن عباس هذا خصه ابن عبد البر بالمأموم (٢)، وحديث أبي سعيد (الخدري) (٣) الآتي في بابه: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَئءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ» (٤) الحديث عام في الإمام والمنفرد، وسيأتي لنا عودة إلى ذَلِكَ والكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى. واختلف أصحاب مالك فيما إِذَا صلئ إلى غير سترة في فضاء يأمن أن يمر أحد بين يديه. فقال ابن القاسم: يجوز ولا حرج عليه. وقال ابن الماجشون ومطرف: السنة أن يصلي إلى سترة مطلقًا (٥). والأول قول عطاء وسالم والقاسم وعروة والشعبي والحسن.(١) «التمهيد» ٩/ ٢١. (٢) «التمهيد» ٩/ ٢٠. (٣) من (ف). (٤) سيأتي برقم (٥٠٩) كتاب: الصلاة، باب: يرد المصلي من مرّ بين يديه. (٥) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١٥٥. وأما حديث محمود بن الربيع: فالكلام عليه من وجوهٍ: أحدها: هذا الحديث من أفراده (١)، أخرجه هنا، وفي الوضوء والدعوات (٢). ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف: أما محمود (ع) فهو ابن الربيع بن سراقة بن عمرو بن زيد بن عبدة بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري ------------------- (١) هكذا قال المصنف رحمه الله، وكأنه تبع في ذلك الحميدي حيث جعله في «الجمع بين الصحيحين» ٣/ ٤٧٨ من أفراد البخاري، وكذا المزي في «الأطراف» (١١٢٣٥) حيث أوهم أن البخاري انفرد بالتخريج لمحمود بن الربيع، ولم ينبه على أن مسلمًا أخرجه، وأيضًا ابن كثير فلما ذكر سند محمود بن الربيع في «جامع المسانيد» ٥/ ٤٢٨ (٩٢٧٩) وساق الحديث لم يعزه أيضًا لمسلم، وفي «الأطراف بأوهام الأطراف» للعراقي لم أجده كذلك، وقد نحا هذا النحو غير واحد إلا أن الحافظ ابن حجر تَنَبَّه لذلك -ومن قبله ابن القيسراني في «الجمع بين رجال الصحيحين» (١٩٦٣) - وبَيَّن أنه وهم فقد أخرجه مسلم في «صحيحه» (٣٣/ ٢٦٥) بعد حديث (٦٥٧) فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، عن محمود بن الربيع قال: إني لأعقل مجة مجها رسول الله - ﷺ - من دلو في دارنا. قال محمود: فحدثني عتبان بن مالك قال: قلت: يا رسول الله إن بصري قد ساء .. وساق قصة أخرى. ينظر كلام الحافظ في «النكت الظراف» ٨/ ٣٦٣ (١١٢٣٥)، و«الفتح» ١١/ ١٥١ - ١٥٢. فائدة: قال الحافظ -مبينًا سبب ذلك الوهم-: قد أورد مسلم حديث عتبان بن مالك من طرق عن الزهري منها للأوزاعي عنه قصة محمود في المجة، ولم يتنبه لذلك الحميدي في جمعه فترجم لمحمود بن الربيع في الصحابة الذين انفرد البخاري بتخريج حديثهم، وساق له حديث المجة المذكورة، وكأنه لما رأى البخاري أفراده ولم يفرده مسلم ظن أنه حديث مستقل. اهـ «الفتح» ١١/ ١٥٢. (٢) سيأتي برقم (١٨٩)، باب: استعمال فضل وضوء الناس. و(٦٣٥٤) باب: الدعاء للصبيان بالبركة. الخزرجي، أبو نعيم وقيل: أبو محمد مدني، مات سنة تسع وتسعين عن ثلاث وتسعين سنة (١). وأما الزبيدي (خ، م، د، س، ق) فهو: أبو الهذيل محمد بن الوليد الحمصي قاضيها الثقة الحجة المفتي الكبير، روى عن مكحول، والزهري، وغيرهما، وعنه محمد بن حرب، ويحيى بن حمزة، وهو أثبت أصحاب الزهري. مات سنة سبع، وقيل: ثمان وأربعين ومائة وهو شاب. قاله أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي، وقال ابن سعد: ابن سبعين سنة، روى لَهُ الجماعة سوى الترمذي (٢). ولم يستثن شيخنا قطب الدين في «شرحه» الترمذي، واستثناؤه هو الصواب. فائدة: الزبيدي -بضم الزاي- نسبة إلى زبيد، قبيلة من مذحج -بفتح الميم وسكون الذال المعجمة- ذكر الحازمي فيها اختلافًا، وإنما قيل لَهُ زبيد؛ لأنه قَالَ: من يزبدني فأجيب. يقال: زبدت الرجل. أي: أرضخته بمال (٣)، وفي الحديث: «إنا لا نقبل زبد المشركين» (٤). --------------------- (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٠٢ (١٧٦١). «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٨٩ (١٣٢٨). «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٣٠١ - ٣٠٢ (٥٨١٥)، «سير أعلام النبلاء» ٣/ ٥١٩، ٥٢٠ (١٢٦)، «شذرات الذهب» ١/ ١١٦. (٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٦٥. «التاريخ الكبير» ١/ ٢٥٤ (٨١١). «الجرح والتعديل» ٨/ ١١ - ١٢ (٤٩٤). «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٥٨٦ - ٥٩١ (٥٦٧٣)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٢٨١ - ٢٨٤ (١٢٢). (٣) «لسان العرب» ٣/ ١٨٠٣، ١٨٠٤، مادة: [زبد]. (٤) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١٠/ ٤٤٧ (١٩٦٥٩). وأبو عبيد في «الأموال» ص ١١١ (٦٣٠)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ٦/ ٥٢٠ (٣٣٤٣٤)، وابن زنجويه = وأما محمد بن حرب (ع) فهو الأبرش الخولاني الحمصي، سمع الأوزاعي وغيره، وتقضى دمشق، وهو ثقة، مات سنة أربع (وتسعين) (١) ومائة، روى لَهُ الجماعة إلا مسلمًا، (كذا استثناه في «الكمال» (٢) والمزي أثبته (٣). الوجه الثالث: المج: إرسال الماء من الفم مع نفخ، وقيل: لا يكون مجًّا حتَّى يباعد به. وفعل - ﷺ - ذلك؛ لأجل البركة منه - ﷺ -. والدلو -بفتح الدال- وفيه لغتان التذكير والتأنيث. وفيه: جواز سماع الصغير وضبطه بالسن وهو مقصود الباب، وحديث محمود ظاهر فيه دون حديث ابن عباس، فإن من ناهز الاحتلام لا يسمى صغيرًا عرفًا. وقد اختلف العلماء في أول سن يصح فيه سماع الصغير، فقال ------------------- = في «الأموال» ٢/ ٥٨٧ - ٥٨٨ (٩٦٣ - ٩٦٥)، والطحاوي في «مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٦/ ١٩٤ - ١٩٥ (٤١٢٥ - ٤١٢٦)، والطبراني في «الكبير» ١٧/ ٣٦٤ (٩٩٨)، كلهم من طريق الحسن عن عياض بن حمار. ورواه: أبو داود (٣٠٥٧). والترمذي (١٥٧٧). والطيالسي ٨/ ٤٠٩ (١١٧٨)، ٢/ ٤١٠ (١١٧٩). والبزار ٨/ ٤٢٤ (٣٤٩٤). والطبراني في «الكبير» ١٧/ ٣٦٤ (٩٩٩). والبيهقي ٩/ ٢١٦. وابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ١١ - ١٢. كلهم من طريق يزيد بن عبد الله الشخير عن عياض بن حمار، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (١٢٨١). (١) في (ف): وسبعين. (٢) من (ف). (٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٧٠. «التاريخ الكبير» ١/ ٦٩ (١٦١). «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٣٧ (١٢٩٩). «تهذيب الكمال» ٤٤/ ٢٥ (٥١٣٨)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٥٧، ٥٨ (١٧)، «شذرات الذهب» ١/ ٣٤١. موسى بن هارون الحافظ: إِذَا فرق بين البقرة والدابة. وقال أحمد بن حنبل: إِذَا عقل وضبط. فذكر لَهُ عن رجل أنه قَالَ: لا يجوز سماعه حتَّى يكون لَهُ خمس عشرة سنة فأنكر قوله وقال: بئس القول. وقال القاضي عياض: حدد أهل الصنعة ذَلِكَ أن أقله سن محمود بن الربيع ابن خمس، كما ذكره البخاري في رواية أخرى، أنه كان ابن أربع. قَالَ ابن الصلاح: والتحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث من المتأخرين، فيكتبون لابن خمس سنين فصاعدا: سمع، وَلِدُونَ خمس: حضر أو أُحْضر، والذي ينبغي في ذلك اعتبار التمييز، فإن فهم الخطاب ورد الجواب كان مميزًا صحيح السماع، وإن كان دون خمس، وإن لم يكن كذلك لم يصح سماعه، وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين. قُلْتُ: وهذا نحو قول أحمد وموسى، وقد بلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قَالَ: رأيت صبيًّا ابن أربع سنين قد حمل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الرأي، غير أنه إِذَا جاع بكى (١)، وحفظ القرآن أبو محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني وله خمس سنين، فامتحنه فيه أبو بكر بن المقرئ، وكتب له بالسماع، وهو ابن أربع سنين. وحديث محمود لا يدل عَلَى التحديد بمثل سنه، وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة: أخرج البخاري في هذا الباب حديث ابن عباس ومحمود بن -------------- (١) ورد بهامش (س): روى هذِه الحكاية الخطيب في «الكفاية» بإسناده، وفي سندها أحمد بن كامل القاضي، وكان يعتمد على حفظه فيهم أهـ. وقال الدارقطني: كان متساهلًا، نقله عنه الذهبي في «المغني». الربيع، وأصغر في السن منهما عبد الله بن الزبير -ولم يخرجه- يوم رأى أباه يختلف إلى بني قريظة في غزوة الخندق، قَالَ لأبيه: يا أبتاه، رأيتك تختلف إلى بني قريظة فقال: يا بني إن رسول الله - ﷺ - أمرني أن آتيه بخبرهم، والخندق عَلَى أربع سنين من الهجرة، وعبد الله أول مولود وُلد في الهجرة (١). قُلْتُ: حديث عبد الله هذا أخرجه البخاري كما سيأتي، وكذا مسلم (٢). وعبد الله ولد في السنة الأولى، وقيل: عَلَى رأس عشرين شهرًا من الهجرة. واختلف في غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب؛ فقال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة خمس، وكذا قَالَ ابن سعد وابن عبد البر (٣)، وقال موسى بن عقبة: في شوال سنة أربع، ذكره البخاري كما سيأتي في موضعه. وقال النووي: إنه الأصح (٤)؛ لحديث ابن عمر: عرضت عَلَى النبي - ﷺ - يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم ----------------- (١) انظر في هذا: «المحدث الفاصل» ١٨٥ - ٢٠٠، «الكفاية في علم الرواية» ١٠٣ - ١١٨، «مقدمة ابن الصلاح» ١٢٨ - ١٣١، «المقنع» ١/ ٢٨٨ - ٢٩٢، و«فتح المغيث» ٢/ ٣ - ١٧. (٢) سيأتي برقم (٣٧٢٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب الزبير بن العوام - رضي الله عنه -. ورواه مسلم (٢٤١٦) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل طلحة والزبير رضي الله عنهما. (٣) «سيرة ابن هشام» ٣/ ٢٢٩، «الطبقات الكبرى» ٢/ ٦٥، «الدرر في اختصار المغازي والسير» ص ١٧٩. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٨/ ١٧٧. الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني (١)، ولا خلاف أن أحدًا في الثالثة، فيكون عُمر عبدِ الله بن الزبير أربعَ سنين عَلَى القول بأنه ولد في السنة الأولى من الهجرة، وأن الخندق كانت سنة خمس عَلَى القول الآخر، وهو المشهور في مولده، وأن الخندق في شوال سنة أربع، فيكون عمره سنتين وشهرًا، وهو دال لمن اعتبر التمييز ولم يقيده بالسنين. --------------- (١) سيأتي برقم (٢٦٦٤) كتاب: الشهادات، باب: بلوغ الصبيان وشهادتهم، ورواه مسلم (١٨٦٨) كتاب: الإمارة، باب: بيان صن البلوغ، وأبو داود (٢٩٥٧)، والترمذي (١٣٦١)، والنسائي (٣٤٣١)، وابن ماجه (٢٥٤٣)، وأحمد ٢/ ١٧، وأبو عوانة (٦٤٧٥) واللفظ له. ١٩ - باب الْخُرُوجِ فِى طَلَبِ الْعِلْمِ وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ. ٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَليٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْب قَالَ: قَالَ الأوزَاعِيُّ: أَخبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ، أَنَّهُ تَمَارى هُوَ وَالُحرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابن عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّى تَمَارَيتُ أَنَا وَصَاحِبِي هذا فِي صَاحِبِ مُوسَى الذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَذكُرُ شَأنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيُّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَذْكُرُ شَأنَهُ يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى. لَا. فَأَوْحَى اللهُ -عز وجل- إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ. فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الُحوتَ آيَةً، وَقيلَ لَهُ اِذَا فَقَدْتَ الُحوتَ فَارْجِعْ، فَإنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى - ﷺ - يَتَبعُ أثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ. فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ». [انظر: ٧٤ - مسلم ٢٣٨٠ - فتح: ١/ ١٧٣] حدثنا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قاضي حمص، ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، ثنا الأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَني الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى .. الحديث، كما سلف قريبا سواء، وأراد به الرحلة في طلب العلم برًّا وبحرًا، وترجم عليه فيما تقدم الذهاب في البحر (١). ---------------- (١) سبق برقم (٧٤). وفيه من الأسماء مما لم يسبق: عبد الله بن أنيس، والأوزاعي، وخالد بن خَلِيّ. فأما عبد الله بن أنيس (م، ٤) فهو: جهني، أنصاري حليفهم، عقبي، روى عنه أولاده: عطية، وعمرو، وضمرة، وغيرهم، شهد أُحدًا وما بعدها، واختلف في شهوده بدرًا، وهو الذي رحل إليه جابر فسمع منه حديث القصاص، وهو الذي بعثه النبي - ﷺ - إلى خالد بن (نُبيح) (١) العنزي فقتله. لَهُ خمسة وعشرون حديثًا، روى له مسلم حديثًا واحدًا في ليلة القدر، وأخرج لَهُ أصحاب السنن الأربعة، ولم يذكره الكلاباذي وغيره فيمن روى لَهُ البخاري، وقد ذكر البخاري في كتاب: الرد عَلَى الجهمية فقال: ويذكر عن جابر بن عبد الله، عن عبد الله بن أنيس فذكره (٢). مات سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية (٣). فائدة: في أبي داود والترمذي عبد الله بن أنيس الأنصاري عنه ابنه عيسى، ولعله الأول، وفي الصحابة عبد الله بن أنيس، أو أنس، قيل: هو الذي رمى ماعزًا لما رجموه فقتله، وعبد الله بن أنيس قتل يوم اليمامة، وعبد الله بن أنيس العامري له وِفادة، وهو من رواية يعلى بن ---------------------- (١) في (ج): فليح. (٢) سيأتي بعد رقمِ (٧٤٨١) كتاب التوحيد والرد على الجهمية، باب قول الله ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾. (٣) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٤/ ٦٦، «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ١٣٥ - ١٣٦ (٦٠٣). «الاستيعاب» ٣/ ٧ (١٤٨٥). «أسد الغابة» ٣/ ١٧٩ (٢٨٢٢)، «الإصابة» ٢/ ٢٧٨ (٤٥٥٠). الأشدق، وعبد الله بن أبي أنيسة قَالَ الوليد بن مسلم: حَدَّثَنَا داود بن عبد الرحمن المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قَالَ: سمعت حديثًا في القصاص لم يبق أحد يحفظه إلا رجل بمصر يقال له: عبد الله بن أبي أنيسة (١). وأما الأوزاعي: فهو أحد الأعلام، أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، وقيل: كان اسمه عبد العزيز، فسمى نفسه عبد الرحمن، أحد أتباع التابعين، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس، ثمَّ تحول إلى بيروت فسكنها مرابطًا إلى أن مات، وقيل: إن الأوزاع قرية بقرب دمشق، سميت بذلك؛ لأنه سكنها في صدر الإسلام قبائل شتى، وقيل: الأوزاع: بطن من حمير، وقيل: من أوزاع. أي: فرق وبقايا مجتمعة من قبائل شتى، وقيل: كان ينزل الأوزاع فغلب ذلك عليه، وقال ابن سعد: الأوزاع بطن من هَمْدان (٢)، والأوزاعي من أنفسهم. روى عن عطاء ومكحول وغيرهما، ورأى ابن سيرين. وعنه قتادة ويحيى بن أبي كثير، وهما من شيوخه وأمم، وكان رأسًا في العلم والعبادة، وكان أهل الشام والمغرب عَلَى مذهبه قبل انتقالهم إلى مذهب مالك، وسئل عن الفقه -يعني: استفتي- وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: إنه أفتى في ثمانين ألف مسألة، مات بالحمام سنة سبع وخمسين ومائة في آخر خلافة أبي جعفر، وولد سنة ثمان وثمانين (٣). ------------------- (١) انظر ترجمتهم جميعًا في: «أسد الغابة» ٣/ ١٧٨ - ١٨١ (٢٨٢١ - ٢٨٢٥)، «الإصابة» ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩ (٤٥٤٧ - ٤٥٥١). (٢) «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٨٨. (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٢٦ (١٠٣٤)، «معرفة الثقات» ٢/ ٨٣ = وأما خالد بن خَلي: فهو: أبو القاسم الحمصي الكلاعي، انفرد به البخاري (عن مسلم) (١) وهو قاضي حمص، صدوق، أخرج له هنا، وفي التعبير، روى عن بقية وطبقته، وعنه ابنه محمد، وأبو زرعة الدمشقي، وأخرج لَهُ من أهل السنن النسائي فقط (٢). وأما الحديث الذي رحل إليه جابر فهو في القصاص كما تقدم، وتد ذكره البخاري في كتاب: الرد عَلَى الجهمية (٣) آخر الكتاب، فقال: ويذكر عن جابر بن عبد الله، عن عبد الله بن أنيس: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «يحشر (الله) (٤) العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كلما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان» (٥) لم يزد البخاري عَلَى هذا، وقد ذكره كما ترى غير مجزوم به، وذكره هنا مجزومًا به، فكأنه جزم بالرحلة دون الحديث (وألا) (٦) يشكل عَلَى ما تقرر من تعليفات البخاري كما سلف في الفصول أول الكتاب، وقد رواه عبد الله بن عقيل عن جابر، وفيه أنه سمعه من عبد الله بن أنيس بالشام ولفظه: «يُحْشَرُ العِبَادُ -أو النَّاسُ- عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا فيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَن بَعُدَ كما يَسْمعه مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ، --------------- = (١٠٦٣)،»الجرح والتعديل«٥/ ٢٢٦ (١٢٥٧)،»تهذيب الكمال«١٧/ ٣٠٧ - ٣٠٨ (٣٩١٨)،»سير أعلام النبلاء«٧/ ١٠٧ - ١٣٤ (٤٨). (١) ساقطة من (ج). (٢) انظر ترجمته في»التاريخ الكبير«٣/ ١٤٦ (٤٩٨)،»الجرح والتعديل«٣/ ٣٢٧ (١٤٦٩)،»الثقات«لابن حبان ٨/ ٢٢٥،»تهذيب الكمال«٨/ ٥٠ - ٥٣ (١٦٠٣)،»سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٦٤٠ - ٦٤١ (٢٢٤). (٣) سيأتي معك في ثنايا الكتاب (الرد على الجهمية) ويراد به (كتاب التوحيد) آخر الصحيح، وقوله (الرد على الجهمية) رواية صحيحة للمستلمي وأبي ذر. (٤) ساقطة من (ف). (٥) سبق تخريجه. (٦) في (خ): ولا. لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى يقْتصه مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ» قَالَ: وكَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي عُرَاةً غُرْلًا؟ قَالَ: «بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (١). ومعنى: «فيناديهم» يأمر ملكا ينادي، أو يخلق صوتًا يسمعه الناس، وإلا فكلامه ليس بحرف ولا صوت (٢). وفي رواية أبي ذر: «فينادى» عَلَى ما لم يسم فاعله (٣). -------------------- (١) رواه أحمد ٣/ ٤٩٥، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ ١٦٩ - ١٧٠ (٧٦١)، وفي «الأدب المفرد» (٩٧٠)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٥١٤)، وفي «الآحاد والمثاني» ٤/ ٧٩ - ٨٠ (٢٠٣٤)، والطبراني في «الأوسط» ٨/ ٢٦٥، ٢٦٦ (٨٥٩٣)، والحاكم ٢/ ٤٣٧ وصحح إسناده، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ١/ ١٩٦ - ١٩٧ (١٣١)، ٢/ ٢٩ (٦٠٠)، والخطيب في «الرحلة في طلب الحديث» ص ١٠٩ - ١١٨ (٣١ - ٣٣)، وفي «الجامع لأخلاق الراوي» ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦ (١٦٨٦)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠ (٥٦٥)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٣٩٣، ٣٩٤، قال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٣٣: عبد الله بن محمد ضعيف -يعني: ابن عقيل. قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١/ ١٧٤: إسناده صالح. وحسنه الألباني في «الأدب المفرد» (٩٧٠). (٢) قلت: هذا الكلام من مذهب الأشاعرة المخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة في الصفات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الرسالة البعلبكية» ص ١٧٤ قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم: ٥٢] وقوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)﴾ [طه: ١١ - ١٣]. الآيات دليلٌ على تكليم سمعهُ موسى والمعنى المجرد لا يُسمع بالضرورة، ومن قال إنه يسمع فهو مكابر. ودليل على أنه ناداه، والنداء لا يكون إلا صوتًا مسموعًا، لا يعقل في لغة العرب لفظ النداء لغير صوت مسموع لا حقيقة ولا مجازًا. اهـ. (٣) هكذا ذكر المصنف، ولم تُذْكر هذه الرواية في «اليونينية» ٩/ ١٤١. (ومعنى: «غُرلا» غير مختونين و«بهما»: أصحاء) (١). وهذا الطريق الذي سقناه أخرجه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (٢) وغيره. ورواه الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب «الرحلة» (٣) من (حديثه) (٤) عنه قَالَ: قدمت عَلَى أنيس مصر، ورواه كذلك من طريق أبي جارود العبسي عن جابر وهي ضعيفة (٥). وذكر ابن يونس أيضًا قدومه إلى مصر في حديث القصاص، لكن لعقبة بن عامر، فيحتمل تعدد الواقعة، ووقع في كتاب ابن بطال أن الحديث الذي رحل بسببه جابر إلى عبد الله بن أنيس هو حديث الستر عَلَى المسلم (٦)، وليس كذلك، فذاك رحل فيه أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر. أخرجه الحاكم بإسناده، وأنه لما أتى إلى عقبة قَالَ: ما جاء بك؟ قَالَ: حديث لم يبق أحد سمعه من رسول الله - ﷺ - غيري وغيرك، في ستر المؤمن؛ فقال عقبة: نعم، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ سَتَر مُؤمنًا في الدُّنيا عَلَى خزية سَتَرَهُ الله يومَ القِيامة» فقال أبو أيوب: صدقتَ، ثمَّ انصرف أبو أيوب إلى راحلته، فركبها راجعًا إلى المدينة (٧). ------------------- (١) ساقطة من (ج). (٢) كما في «بغية الباحث» ص ٣٢ (٣٩) باب: الرحلة في طلب العلم. قلت: إسناده ضعيف جدًّا: فيه الواقدي شيخ الحارث قال عنه الحافظ ابن حجر في «التقريب» (٦١٧٥): متروك مع سعة علمه. (٣) في هامش (س): رحلة جابر إلى الشام، أخرجها الإمام أحمد في «المسند» وقال: حدثنا يزيد بن هارون، أنا عمار بن يحيى … [باقي الكلام غير واضح بالأصل]. (٤) في (ف): حديث. (٥) «الرحلة في طلب الحديث» ص ١٠٩ - ١١٨ (٣١ - ٣٣). (٦) «شرح ابن بطال» ١/ ١٥٩. (٧) «معرفة علوم الحديث» للحاكم ص ٧ - ٨. فائدة: رحل جماعات إلى حديث واحد من أماكن شاسعة. قَالَ عمرو بن أبي سلمة للأوزاعي: أنا ألزمك منذ أربعة أيام ولم أسمع منك إلا ثلاثين حديثًا. فقال: وتستقل ثلاثين حديثًا في أربعة أيام؟! لقد سار جابر إلى مصر واشترى راحلة يركبها حتَّى سأل عقبة عن حديث واحد وانصرف، وهذا قَدْ قدمناه. وعن مالك أن رجلًا خرج إلى مسلمة بن مخلد بمصر في حديث سمعه (١). وعن ابن بريدة، أن رجلًا من الصحابة رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر في حديث سمعه. وعن سعيد بن المسيب: لقد كنت أسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد. ورحل عُبيد الله بن عدي بن الخيار إلى عليّ بن أبي طالب بالعراق لحديثٍ واحدٍ، وأبو عثمان النهدي من العراق إلى المدينة في حديثٍ واحدٍ عن أبي هريرة، وابن الديلمي رَحَلَ من فلسطين إلى عبد الله بن عمرو بالطائف لحديثٍ واحدٍ، وأبو معشر من الكوفة إلى البصرة لحديث واحد بَلَغَه عن أبان بن أبي عياش، وشُعبة من البصرة إلى مكة -شرَّفها الله تعالى- ولم يرد الحج لحديث واحد، وعلي بن المبارك من مَرو إلى هارون بن المغيرة بالبصرة لحديث واحد، -------------- (١) رواه أحمد ٤/ ١٠٤، والطبراني في «الكبير» ١٩/ (١٠٦٧)، وفي «الأوسط» ٦/ ٧٢ (٥٨٢٧)، وفي «مسند الشاميين» ٤/ ٣٤١ (٣٥٠٢)، قال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٣٤ رجال «الكبير» رجال الصحيح. تنبيه: والرجل الذي رحل إلى مسلمة بن مخلد كما ذكر في الحديث هو: عقبة بن عامر. وزيد بن الحباب رحل من البصرة إلى المدينة في حديث واحد، ومن المدينة إلى موسى بن علي بمصر، وصالح بن محمد جزرة رحل إلى خراسان بسبب حديث عن الأعمش (١). فائدة أخرى: ذكر البخاري قريبًا الرحلة في المسألة النازلة وذكر فيه حديث المرضعة (٢) ومن الدليل على الرحلة أيضًا قوله - ﷺ -: «من سلك طريقًا يطلب به علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» (٣) الحديث بطوله. وقوله - ﷺ -: «إنَّ الناسَ لكم تبعٌ وإنَّ رجالًا يأتونَكم مِنْ أقطارِ الأرضِ يَتَفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاسْتوصو ابهم خيرًا» أخرجه الترمذي، وفيه: «رجال مِنْ قِبل المشرق يتعلمون، فإذا جاءوكم فاسْتَوصوا بهم خَيْرا» قَالَ: وكان أبو سعيد إِذَا رآنا يقول: مرحبًا بوصيةِ رسول الله - ﷺ - (٤). وقال الشعبي: لو أن رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقْصَى اليمن، فحفظ كلمةً تنفعه فيما بقي من عمره، لم أر سفره يضيع (٥). وقيل في قوله تعالى حكاية عن موسى - ﷺ -: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] جمع حقب وهو ثمانون سنة. ----------------- (١) انظر في ذلك: «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» ص ٢٢٩ - ٢٣٣. «الرحلة في طلب الحديث» ص ١٠٩ - ١٦٥ (٣١ - ٦٦). «جامع بيان العلم» ١/ ٣٨٨ - ٤٠٠ (٥٦٣ - ٥٧٨). (٢) سيأتي برقم (٨٨). (٣) سبق تخريجه. (٤) رواه الترمذي (٢٦٥٠)، وابن ماجه (٢٤٩)؛ وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٥٠). (٥) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٤/ ٣١٣. ٢٠ - باب فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ ٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمُّدُ بْنُ العَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ وَالْعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدى اللهِ الذِي أُرْسِلْتُ بِهِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ إِسْحَاق: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَة قَيَّلَتِ الَماءَ. قَاعٌ: يَعْلُوهُ الَماءُ، وَالصَّفْصَفُ: الُمسْتَوِي مِنَ الأرْضِ. [مسلم: ٢٢٨٢ - فتح: ١/ ١٧٥] حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ ثنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَني اللهُ بِهِ مِنَ الهُدى وَالْعِلْم كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ وَالْعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَني اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَع بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدى اللهِ الذِي أُرْسِلْتُ بهِ». قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَان مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ. قَاعٌ: يَعْلُوهُ المَاءُ، وَالمُصطَفُّ: (١) المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ. ------------------- (١) في الأصل: وَالصَّفْصَفُ. وكذا باليونينية، وصوبها في الهامش إلى المصطف، وسيأتي تعليق المصنف على هذا الاختلاف. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |