|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث صـــ 150 الى صـــ 159 (61) [فصل ألوان ما تراه المرأة في أيام الحيض] (فصل ألوان ما تراه المرأة في أيام الحيض) ستة السواد والحمرة والصفرة والكدرة والخضرة والتربية أما السواد فغير مشكل أنه حيض لقوله - صلى الله عليه وسلم - «دم الحيض أسود عبيط» محتدم والحمرة كذلك، فهو اللون الأصلي للدم إلا أن عند غلبة السوداء يضرب إلى السواد وعند غلبة الصفراء يرق فيضرب إلى الصفرة ويتبين ذلك لمن افتصد والصفرة كذلك حيض؛ لأنها من ألوان الدم إذا رق وقيل هو كصفرة السن أو كصفرة التبن أو كصفرة القز، وأما الكدرة فلون كلون الماء الكدر، وهو حيض في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى سواء رأت في أول أيامها أو في آخر أيامها، وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - إن رأت الكدرة في أول أيامها لم يكن حيضا، وإن رأت في آخر أيامها يكون حيضا قال: لأن الكدرة من كل شيء تتبع صافيه فإذا تقدمه دم أمكن جعل الكدرة حيضا تبعا فأما إذا لم يتقدمها دم لو جعلناه حيضا كان مقصودا لا تبعا، وهما يقولان: ما يكون حيضا إذا رأته المرأة في آخر أيامها يكون حيضا إذا رأته في أول أيامها كالسواد والحمرة؛ لأن جميع مدة الحيض في حكم وقت واحد وما قاله أبو يوسف - رحمه الله تعالى - فيما إذا كان النقب من أعلى الظرف فأما إذا كان النقب من أسفله فالكدرة يسبق خروجها الصافي وهنا النقب من أسفل فجعلنا الكدرة حيضا، وإن رأته ابتداء، وأما الخضرة فقد أنكر بعض مشايخنا وجودها حتى قال أبو نصر بن سلام حين سئل عن الخضرة كأنها أكلت قصيلا على طريق الاستبعاد، وذكر أبو علي الدقاق أن الخضرة نوع من الكدرة والجواب فيها على الاختلاف الذي بينا، وأما التربية، فهو ما يكون لونه كلون التراب، وهو نوع من الكدرة؛ وقد روي «عن أم عطية وكانت غزت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثنتي عشرة غزوة قالت كنا نعد التربية حيضا» والأصل فيه قوله تعالى {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} [البقرة: 222] وجميع هذه الألوان في حكم الأذى سواء. وروي أن النساء كن يبعثن بالكرسف إلى عائشة - رضي الله عنها - لتنظر فكانت إذا رأت كدرة قالت لا حتى ترين القصة البيضاء يعني البياض الخالص والقصة الطين الذي يغسل به الرأس، وهو أبيض يضرب لونه إلى الصفرة فإنما أرادت أنها لا تخرج من الحيض حتى ترى البياض الخالص والله سبحانه وتعالى أعلم [فصل حكم الحيض والنفاس والاستحاضة لا يثبت إلا بظهور الدم وبروزه] (فصل)، وإن بأن حكم الحيض والنفاس والاستحاضة لا يثبت إلا بظهور الدم وبروزه وقد روي عن محمد - رحمه الله تعالى - في غير الأصول أن حكم الحيض والنفاس يثبت إذا أحست بالبروز، وإن لم يظهر وحكم الاستحاضة لا يثبت إلا بالظهور وفرق بينهما فقال للحيض والنفاس وقت معلوم فيمكن إثبات حكمهما باعتبار وقتهما إذا أحست بالبروز والاستحاضة حدث كسائر الأحداث ليس له وقت معلوم لإثبات حكمه فلا يثبت حكمه إلا بالظهور والفتوى على القول الأول لما روي أن امرأة قالت لعائشة - رضي الله عنها - إن فلانة تدعو بالمصباح ليلا لتنظر إلى نفسها فقالت: ما كانت إحدانا تتكلف لذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكنها تعرف ذلك، فهو بالمس، فهو إشارة منها إلى الظهور؛ ولأن ما لم يظهر، فهو في معدنه والشيء في معدنه لا يعطى له حكم الظهور وما لم يظهر إذا عرفنا هذا فنقول للمرأة فرجان داخل وخارج فالفرج الخارج بمنزلة الأليتين من الدبر فإذا وضعت الكرسف فإما أن تضعه في الفرج الداخل أو في الفرج الخارج فإذا وضعته في الفرج الخارج فابتل الجانب الداخل من الكرسف كان ذلك حيضا، وإن لم ينفذ إلى الجانب الخارج؛ لأنه صار ظاهرا بهذا القدر من الخروج، وإن وضعته في الفرج الداخل فابتل الجانب الداخل من الكرسف لم يكن حيضا فإن نفذت البلة إلى الجانب الخارج نظر فإن كانت القطنة عالية أو محاذية لحرف الفرج كان حيضا لظهور البلة، وإن كانت متسفلة لم يكن حيضا وعلى هذا لو حشى الرجل إحليله بقطنة فابتل الجانب الداخل من القطنة لم ينتقض وضوءه. وإن تعدت البلة إلى الجانب الخارج نظرنا فإن كانت القطنة عالية أو محاذية لرأس الإحليل انتقض وضوءه، وإن كانت متسفلة لم ينقض وضوءه، وهذا كله ما لم تسقط القطنة فإن سقطت، فهو حيض وحدث سواء ابتل الخارج أو الداخل لظهور البلة ولو أن حائضا وضعت الكرسف في أول الليل ونامت فلما أصبحت نظرت إلى الكرسف فوجدت البياض الخالص فعليها صلاة العشاء؛ لأنا تيقنا بطهرها من حين وضعت الكرسف فلو كانت طاهرة حين وضعت الكرسف ونامت ثم انتبهت بعد طلوع الفجر فوجدت البلة على الكرسف فإنه يجعل حيضا من أقرب الأوقات، وذلك بعد طلوع الفجر أخذا باليقين والاحتياط حتى يلزمها قضاء العشاء إن لم تكن صلت. [فصل الأحكام التي تتعلق بالحيض] (فصل): وأما الأحكام التي تتعلق بالحيض عشرة أو أكثر. منها أن الحائض لا تصوم ولا تصلي لقوله - صلى الله عليه وسلم - «تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي» يعني زمان الحيض. ومنها أنه يلزمها قضاء الصوم دون الصلاة لما روي أن امرأة قالت: لعائشة - رضي الله عنها - ما بال إحدانا تقضي صيام أيام الحيض ولا تقضي الصلاة فقالت: أحرورية أنت كنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقضي صيام أيام الحيض، ولا نقضي الصلاة أنكرت عليها السؤال لشهرة الحال ونسبتها إلى حروراء وهي قرية كان أهلها يسألون سؤال التعنت في الدين. ومنها أنه لا يأتيها زوجها لقوله تعالى {فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة: 222] الآية فذلك تنصيص على حرمة الغشيان في أول الحيض وآخره قال: - صلى الله عليه وسلم - «من أتى امرأته الحائض أو أتاها في غير مأتاها أو أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد - صلى الله عليه وسلم -» ومراده إذا استحل ذلك الفعل. ومنها أنها لا تمس المصحف ولا اللوح المكتوب عليه آية تامة من القرآن لقوله تعالى {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] ، وهذا، وإن قيل في تأويله لا ينزله إلا السفرة الكرام البررة فظاهره يفيد منع غير الطاهر من مسه «وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بعض القبائل لا يمس القرآن حائض ولا جنب». ومنها أنها لا تقرأ القرآن إلا على قول مالك - رحمه الله تعالى - فإنه كان يجوز للحائض قراءة القرآن دون الجنب قال: لأن الجنب قادر على تحصيل صفة الطهارة بالاغتسال فيلزمه تقديمه على القراءة والحائض عاجزة عن ذلك فكان لها أن تقرأ. (ولنا) حديث ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى الحائض والجنب عن قراءة القرآن» ثم عجزها عن تحصيل صفة الطهارة يدل على تغلظ ما بها من الحدث فلا يدل على إطلاق القراءة لها وذكر الطحاوي - رحمه الله تعالى - إنها إنما تمنع عن قراءة آية تامة ولا تمنع عن قراءة ما دون ذلك وقال الكرخي: - رحمه الله تعالى - تمنع عن قراءة ما دون الآية أيضا على قصد قراءة القرآن كما تمنع عن قراءة الآية التامة؛ لأن الكل قرآن، وجه قول الطحاوي - رحمه الله - أن المتعلق بالقرآن حكمان جواز الصلاة ومنع الحائض عن قراءته ثم في حق أحد الحكمين يفصل بين الآية وما دونها، وكذلك في الحكم الآخر. ومنها أنها لا تطوف بالبيت «لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - حين حاضت بسرف اصنعي جميع ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت». ومنها أن لا تدخل المسجد؛ لأن ما بها من الأذى أغلظ من الجنابة والجنب ممنوع من دخول المسجد فكذلك الحائض، وهذا؛ لأن المسجد مكان الصلاة فمن ليس من أهل أداء الصلاة ممنوع من دخوله. ومنها أنه يلزمها الاغتسال إذا انقطع عنها الدم لقوله تعالى {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] والاطهار بالاغتسال. ومنها أنه يتقرر به الاستبراء قال - صلى الله عليه وسلم - في سبايا أوطاس «ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحيالى حتى يستبرأن بحيضة». ومنها أن العدة تنقضي به لقوله تعالى {ثلاثة قروء} [البقرة: 228] والقرء الحيض بيانه قوله تعالى {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم} [الطلاق: 4] نقل الحكم إلى الأشهر عند عدم الحيض، وذلك دليل على أن أصل ما تنقضي به العدة الحيض، والنفاس كالحيض فيما ذكرنا من الأحكام إلا في حكم الاستبراء وانقضاء العدة حتى لو اشترى جارية بعد ما ولدت فإذا طهرت من نفسها لم يكن له أن يطأها حتى يستبرئها بحيضة وكذلك النفاس لم يعتبر من أقراء العدة. [فصل مراهقة رأت الدم فجاءت تستفتي قبل أن يتمادى بها الدم] (فصل): مراهقة رأت الدم فجاءت تستفتي قبل أن يتمادى بها الدم هل تؤمر بترك الصوم والصلاة؟ كان الشيخ الإمام أبو حفص ومحمد بن سلمة رحمهما الله تعالى يقولان: بأنها تؤمر بذلك. وقد روي عن محمد - رحمه الله تعالى - في غير رواية الأصول أنها لا تؤمر بذلك حتى يستمر بها الدم ثلاثة أيام، وهو اختيار بشر بن غياث ووجهه أنها على يقين من الطهارة، وفي شك من الحيض لجواز أن ينقطع فيما دون الثلاث فلا يكون حيضا، واليقين لا يزال بالشك فتؤمر بالصوم والصلاة فإن استمر بها الدم ثلاثة أيام علم بأنها كانت حائضا فعليها قضاء الصيام إذا طهرت والأصح هو الأول فإن الله تعالى وصف الحيض بأنه أذى وقد تيقنت به في وقته فيتعلق به حكمه وإنما يخرج المرئي من أن يكون حيضا إذا انقطع لما دون الثلاث وفي هذا الانقطاع شك فحكمنا بهذا الظاهر وتركنا المشكوك وجعلناها حائضا لا تصوم ولا تصلي فإذا انقطع دمها لتمام عشرة أيام، فهو حيض كله فإن جاوز العشرة واستمر بها الدم فحيضها عشرة أيام من أول ما رأت الدم وطهرها عشرون يوما؛ لأن أمر الحيض مبني على الإمكان لتأيده بسبب ظاهر، وهو رؤية الدم وإلى العشرة الإمكان موجود فجعلناها حيضا وإذا انقطع لتمام العشرة كان الكل حيضا فبزيادة السيلان لا ينتقص الحيض وإذا كانت العشرة حيضا فبقية الشهر وذلك عشرون يوما طهرها؛ لأن الشهر يشتمل على الحيض والطهر عادة. وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنها تأخذ بالاحتياط فتغتسل بعد ثلاثة أيام ثم تصوم وتصلي سبعة أيام بالشك ولا يقربها زوجها حتى تغتسل بعد تمام العشرة وتقضي صيام الأيام السبعة؛ لأن الاحتياط في باب العبادات واجب، ومن الجائز أن حيضها أقل الحيض فتحتاط لهذا، وهو ضعيف فإنا قد عرفناها حائضا، ودليل بقائها حائضا ظاهر، وهو سيلان الدم فلا معنى لهذا الاحتياط، وكان إبراهيم النخعي - رحمه الله تعالى - يقول ترد إلى عادة نسائها يعني نساء عشيرتها، وهذا ضعيف أيضا؛ لأن طباع النساء مختلفة حتى لا تجد أختين أو أما وابنة على طبع واحد وكذلك المرأة يختلف طبعها في كل فصل فكيف يستقيم اعتبار حال نسائها في معرفة مدة حيضها وللشافعي قولان: أحدهما: أن حيضها يوم وليلة أقل مدة الحيض أخذا باليقين. والثاني أن حيضها سبعة أيام بناء على العادة الظاهرة واليه أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله «تحيضي يعلم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر وتطهر»، وهذا ضعيف أيضا فإن اعتبار العادة عند عدم ظهور ما يخالفها وقد ظهر هنا ما يضاد الطهر، وهو سيلان الدم فكان الحكم له إلا إذا تعذر الإمكان هذا إذا كانت مبتدأة فأما صاحبة العادة إذا استمر بها الدم فحيضها أيام عادتها عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: يحكم لون الدم فما دام على لون واحد من السواد والحمرة، فهو حيض واستدل بالحديث الذي روينا «دم الحيض أسود عبيط محتدم» والمراد به البيان عند الاشتباه. (ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، وهذه مستحاضة» فترد إلى أيام أقرائها، وبهذا اللفظ تبين أن أقل مدة الحيض ثلاثة أيام؛ لأن الأيام اسم جمع، وأقله ثلاثة ومراده - صلى الله عليه وسلم - من الحديث الآخر بيان لون الدم في أصل الخلقة، وقد يختلف ذلك باختلاف الأغذية والطباع كما بينا وقال مالك: - رحمه الله تعالى - المستحاضة تستظهر بثلاثة أيام بعد أيامها للاختبار فإن طهرت وإلا اغتسلت وصلت وما روينا من الحديث حجة عليه فقد اعتبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيام أقرائها من غير زيادة «وقال لفاطمة بنت أبي حبيش: حين استحيضت انتظري الأيام التي كنت تحيضين فيها فإذا مضت فاغتسلي وصلي» ولم يأمرها بالاستظهار بعدها بشيء. [فصل الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من خمسة عشر يوما] (فصل هو دائرة الكتاب): الأصل عند أبي يوسف، وهو قول أبي حنيفة رحمهما الله تعالى الآخر أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من خمسة عشر يوما لا يصير فاصلا بل يجعل كالدم المتوالي ومن أصله أنه يجوز بداية الحيض بالطهر، ويجوز ختمه به بشرط أن يكون قبله وبعده دم فإن كان بعده دم، ولم يكن قبله دم يجوز ختم الحيض بالطهر ولا يجوز بدايته به، وإن كان قبله دم ولم يكن بعده دم يجوز بداية الحيض بالطهر ولا يجوز ختمه به ومن أصله أنه يجعل زمانا هو طهر كله حيضا بإحاطة الدمين به وحجته في ذلك أن الطهر الذي هو دون خمسة عشر يوما لا يصلح للفصل بين الحيضتين فكذلك للفصل بين الدمين وبيانه أن أقل مدة الطهر الصحيح خمسة عشر يوما فما دونه فاسد وبين صفة الصحة والفساد منافاة والفاسد لا تتعلق به أحكام الصحيح شرعا فكان كالدم المتوالي، وبيانه من المسائل: مبتدأة رأت يوما دما وأربعة عشر طهرا ويوما دما فالعشرة من أول ما رأت عنده حيض يحكم ببلوغها به، وكذلك إذا رأت يوما دما وتسعة طهرا ويوما دما واحتج محمد - رحمه الله تعالى - في الكتاب على أبي يوسف - رحمه الله تعالى - فقال: الدم المرئي في اليوم الحادي عشر لما كان استحاضة كان بمنزلة الرعاف فلو جاز أن تجعل أيام الطهر حيضا بالدم الذي ليس بحيض لجاز بالرعاف؛ ولأن ذلك الدم ليس بحيض بنفسه فكيف يجعل باعتباره زمان الطهر، والجواب لأبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه خارج من الفرج فلا يكون كالرعاف ألا ترى أن المرأة إذا كانت عادتها في الحيض خمسة فرأت ستة دما ثم أربعة طهرا ثم يوما دما فإنها تصير مستحاضة في اليوم السادس باعتبار المرئي في اليوم الحادي عشر ولو كان ذلك كالرعاف ما صارت به مستحاضة في اليوم السادس، وكذلك لو رأت بعد ستة دما أربعة عشر طهرا ثم ثلاثة دما فهذه الثلاثة تكون استحاضة فلو كان الدم المرئي في اليوم السادس الذي هو استحاضة بمنزلة الرعاف لكانت الثلاثة حيضا لتمام الطهر خمسة عشر قال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - يجوز أن يجعل الزمان الذي هو حيض كله صورة طهرا حكما فكذلك يجوز أن يجعل الزمان الذي هو طهر كله صورة حيضا بإحاطة الدمين به إذا ثبت جواز هذا في جميع المدة ثبت في أوله وآخره بطريق الأولى لكن إذا وجد شرطه، وهو أن يكون قبله دم وبعده دم ليكون الدم محيطا بالطهر. وبيان هذا الأصل من المسائل على قوله في امرأة عادتها في أول كل شهر خمسة فرأت قبل أيامها بيوم دما ثم طهرت خمستها ثم رأت يوما دما فعنده خمستها حيض إذا جاوز المرئي عشرة لإحاطة الدمين بزمان عادتها، وإن لم تر فيه شيئا وكذلك لو رأت قبل خمستها يوما دما ثم طهرت أول يوم من خمستها ثم رأت ثلاثة دما ثم طهرت آخر يوم من خمستها ثم استمر الدم فحيضها خمستها عنده، وإن كان ابتداء الخمسة وختمها بالطهر لوجود الدم قبله وبعده وروى محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى إن الشرط أن يكون الدم محيطا بطرفي العشرة فإن كان كذلك لم يكن الطهر المتخلل فاصلا بين الدمين وإلا كان فاصلا، وعلى هذه الرواية لا يجوز بداية الحيض ولا ختمه بالطهر قال: لأن الطهر ضد الحيض فلا يبدأ الشيء بما يضاده ولا يختم به ولكن المتخلل بين الطرفين يجعل تبعا لهما كما قلنا في الزكاة أن كمال النصاب في أول الحول وآخره شرط لوجوب الزكاة ونقصانه في خلال الحول لا يضر. وبيان هذا من المسائل لو رأت يوما دما وثمانية طهرا ويوما دما أو رأت ساعة دما وعشرة أيام غير ساعتين طهرا وساعة دما فالعشرة كلها حيض لإحاطة الدم بطرفي العشرة، ولو رأت يوما دما وسبعة طهرا ويوما دما لم يكن شيء منه حيضا على هذه الرواية بخلاف الرواية الأولى، وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى مع هذا شرطا آخر، وهو أن يكون المرئي في أكثر الحيض مثل أقله فإن وجد هذا الشرط فالطهر المتخلل لا يكون فاصلا، وإن لم يوجد كان فاصلا، ولم يكن شيء منه حيضا، وهو قول زفر - رحمه الله تعالى -، ووجهه أن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام، وهو اسم للدم فإذا بلغ المرئي هذا المقدار كان قويا في نفسه فجعل أصلا وما يتخلله من الطهر تبعا له، وإن كان الدم دون هذا كان ضعيفا في نفسه لا حكم له إذا انفرد فلا يمكن جعل زمان الطهر حيضا تبعا. وبيان هذا من المسائل لو رأت يوما دما وثمانية طهرا ويوما دما لم يكن شيء منه حيضا على هذه الرواية؛ لأن المرئي من الدم دون الثلاث، ولو رأت يومين دما وسبعة طهرا ويوما دما فالعشرة حيض؛ لأن المرئي بلغ أقل مدة الحيض وكذلك إن رأت يوما دما وأربعة طهرا ويوما دما وثلاثة طهرا ويوما دما فالعشرة حيض على ما بينا، والأصل عند محمد - رحمه الله تعالى - وهو الأصح وعليه الفتوى أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان دون ثلاثة أيام لا يصير فاصلا فإذا بلغ الطهر ثلاثة أيام أو أكثر نظر فإن استوى الدم بالطهر في أيام الحيض أو كان الدم غالبا لا يصير فاصلا، وإن كان الطهر غالبا يصير فاصلا فحينئذ ينظر إن لم يمكن أن يجعل واحد منهما بانفراده حيضا لا يكون شيء منه حيضا، وإن أمكن أن يجعل أحدهما بانفراده حيضا إما المتقدم أو المتأخر يجعل ذلك حيضا، وإن أمكن أن يجعل كل واحد منهما بانفراده حيضا يجعل الحيض أسرعهما إمكانا ولا يكون كلاهما حيضا إذا لم يتخللهما طهر تام، وهو لا يجوز بداية الحيض بالطهر، ولا ختمه به سواء كان قبله وبعده دم أو لم يكن ولا يجعل زمان الطهر زمان الحيض بإحاطة الدمين به، ووجهه أن الطهر معتبر بالحيض فكما تبني ما دون الثلاث من الحيض لا حكم له ويجعل كحال الطهر فكذلك ما دون الثلاث من الطهر لا حكم له فيجعل كالدم المتوالي وإذا بلغ ثلاثة أيام فصاعدا فإن كان الدم غالبا فالمغلوب لا يظهر في مقابلة الغالب، وإن كانا سواء فكذلك لوجهين أحدهما: قياس، وهو تبني اعتبار الدم يوجب حرمة الصوم والصلاة واعتبار الطهر يوجب حل ذلك فإذا استوى الحلال والحرام يغلب الحرام الحلال كما في التحري في الأواني إذا كانت الغلبة للنجاسة أو كانا سواء لا يجوز التحري فهذا مثله؛ والثاني: وهو الاستحسان أن المرأة لا ترى الدم على الولاء؛ لأن ذلك يضنيها فيقتلها فباعتبار هذه القاعدة لا بد أن يجعل بعض الزمان الذي لم يكن فيه الدم معتبرا بالحيض وعند ذلك يغلب الدم على الطهر عند التساوي فلهذا جعلناه كالدم المتوالي فأما إذا غلب الطهر الدم يصير فاصلا؛ لأن حكم الغالب ظاهر شرعا وإذا صار فاصلا بقي كل واحد من الدمين منفردا عن صاحبه فيعتبر فيه إمكان جعله حيضا كأنه ليس معه غيره، وإن وجد الإمكان فيهما جعل المتقدم حيضا؛ لأنه أسرعهما إمكانا، وأمر الحيض مبني على الإمكان ثم لا يجعل المتأخر حيضا؛ لأنه ليس بينهما طهر خمسة عشر يوما. ولا بد أن يتخلل بين الحيضتين طهر تام، وأقل الطهر التام خمسة عشر يوما، وبيان مذهبه من المسائل مبتدأة رأت يوما دما ويومين طهرا ويوما دما فالأربعة حيض؛ لأن الطهر المتخلل دون الثلاث ولو رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويوما دما لم يكن شيء منه حيضا؛ لأن الطهر بلغ ثلاثة أيام، وهو غالب على الدمين فصار فاصلا وكذلك إن زادت في الطهر فإن رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويومين دما فالستة كلها حيض؛ لأن الدم استوى بالطهر في طرفي الستة فصار غالبا ولو رأت يوما دما وأربعة طهرا ويوما دما لم يكن شيء منه حيضا؛ لأن الطهر غالب وكذلك لو رأت يومين دما وخمسة طهرا ويوما دما لم يكن شيء منه حيضا؛ لأن الطهر غالب ولو رأت ثلاثة دما وأربعة طهرا ويوما دما فالثمانية حيض لاستواء الدم بالطهر ولو رأت ثلاثة دما وخمسة طهرا ويوما دما فحيضها الثلاثة الأولى؛ لأن الطهر غالب فصار فاصلا والمتقدم يمكن أن يجعل بانفراده حيضا فجعلناه حيضا ولو رأت يوما دما وخمسة طهرا وثلاثة دما فحيضها الثلاثة الأخيرة لما بينا فإن رأت ثلاثة دما وستة طهرا وثلاثة دما فحيضها الثلاثة الأول؛ لأنه أسرعها إمكانا فإن قيل قد استوى الدم بالطهر هنا فلماذا لم يجعل كالدم المتوالي فلنا استواء الدم بالطهر إنما يعتبر في مدة الحيض وأكثر مدة الحيض عشرة والمرئي في العشرة ثلاثة دم وستة طهر ويوم دم فكان الطهر غالبا فلهذا صار فاصلا. والأصل عند الحسن بن زياد - رحمه الله تعالى - أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان دون ثلاثة أيام لا يصير فاصلا فإذا بلغ الطهر ثلاثة أيام كان فاصلا على كل حال ثم ينظر إن أمكن أن يجعل أحدهما بانفراده حيضا يجعل ذلك حيضا كما بينا قبل من مذهب محمد، وإنما خالفه في حرف واحد، وهو أنه لم يعتبر غلبة الدم ولا مساواة الدم بالطهر وبيانه من المسائل مبتدأة رأت يوما دما ويومين طهرا ويوما دما فالأربعة حيض وكذلك لو رأت ساعة دما وثلاثة أيام غير ساعة طهرا وساعة دما فالكل حيض فإن رأت يومين دما وثلاثة طهرا ويوما دما لم يكن شيء منه حيضا على قوله؛ لأن الطهر المتخلل بلغ ثلاثة أيام وواحد منهما بانفراده لا يمكن أن يجعل حيضا، وإن رأت يوما دما وثلاثة طهرا وثلاثة دما فعنده الثلاثة الأخيرة حيض، ولو كانت رأت أولا ثلاثة دما كان الحيض هذه الثلاثة، وإن رأت ثلاثة دما وثلاثة طهرا وثلاثة دما فالحيض عنده الثلاثة الأولى؛ لأنه أسرعهما إمكانا والله أعلم. [فصل مبتدأة رأت يومين دما وخمسة طهرا ويوما دما ويومين طهرا ويوما دما] (فصل) أشكل فيه مذهب محمد - رحمه الله تعالى - من هذه الجملة مبتدأة رأت يومين دما وخمسة طهرا ويوما دما ويومين طهرا ويوما دما فجواب محمد - رحمه الله تعالى - أنه يلغي اليومين والخمسة ويجعل الأربعة المتأخرة حيضها؛ لأنا لو اعتبرنا حيضها من أول اليومين كان ختم العشرة بالطهر، وذلك لا يجوز عنده وطعنوا عليه في هذا الجواب فقالوا: ينبغي أن يلغي أحد اليومين الأولين ويجعل العشرة بعده حيضا؛ لأن الطهر الثاني قاصر، فهو كالدم المتوالي فإذا جعلناه كالدم استوى الدم بالطهر في العشرة فيكون الكل حيضا؛ لأن ابتداءه وختمه بالدم قالوا: وليس لأحد أن يعيب علينا في إلغاء أحد اليومين؛ لأنكم ألغيتم اليومين والخمسة بعده وما قلناه أولى؛ لأن أمر الحيض مبني على الإمكان فإذا أمكن جعل العشرة حيضا بهذا الطريق ينبغي أن يجعل. والجواب عن هذا الطعن أن اليومين كشيء واحد لاتصال بعضهما ببعض فلا يجوز إلغاء أحدهما واعتبار الآخر مع أن جهات الإلغاء بهذا الطريق تكثر فإنك إذا ألغيت ربع اليوم الأول أو ثلثه أو نصفه يحصل به هذا المقصود وعند كثرة الجهات لا يترجح البعض على البعض من غير دليل فلم يبق إلا القول بإلغاء اليومين والخمسة وجعل الأربعة حيضا. [فصل اجتمع طهران معتبران وصار أحدهما حيضا مغلوبا كالدم المتوالي] (فصل): من هذه الجملة اختلف فيه المشايخ على قول محمد - رحمه الله تعالى -، وهو أنه إذا اجتمع طهران معتبران، وصار أحدهما حيضا مغلوبا كالدم المتوالي هل يتعدى حكمه إلى الطهر الآخر؟ قال أبو زيد الكبير يتعدى وقال أبو سهل الغزالي لا يتعدى، وبيان ذلك مبتدأة رأت يومين دما وثلاثة طهرا ويوما دما وثلاثة طهرا ويوما دما فعلى قول أبي زيد - رضي الله عنه - كلها حيض عند محمد - رحمه الله تعالى -؛ لأن في الثلاثة الأول الدم في طرفيه استوى بالطهر فيجعل كالدم المتوالي، فكأنها رأت ستة دما وثلاثة طهرا ويوما دما وعلى قول أبي سهل حيضها السنة الأولى؛ لأنه تخلل العشرة طهران كل واحد منهما تمام ثلاثة أيام فإذا لم يميز أحدهما عن الآخر كان الطهر غالبا فلم يمكن جعله حيضا فلهذا ميزنا وجعلنا الستة الأولى حيضا لاستواء الدم بالطهر فيها، وكذلك لو رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويومين دما وثلاثة طهرا ويوما دما على قول أبي زيد العشرة حيض وعلى قول أبي سهل حيضها الستة الأولى، وكذلك لو رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويوما دما وثلاثة طهرا ويومين دما فعلى قول أبي زيد العشرة حيض، وعلى قول أبي سهل حيضها الستة الأخيرة بعد اليوم والثلاثة فإن رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويوما دما وثلاثة طهرا ثم استمر بها الدم فعلى قول أبي زيد يضاف يومان من أول الاستمرار إلى ما سبق فتكون العشرة كلها حيضا وعلى قول أبي سهل حيضها عشرة بعد اليوم والثلاثة الأولى فمن أول الاستمرار ستة حيض على قوله ولو رأت يومين دما وثلاثة طهرا ويوما دما وثلاثة طهرا ثم استمر بها الدم فعلى قول أبي زيد حيضها من أول ما رأت عشرة فيكون أول يوم من الاستمرار من جملة حيضها، وبه تتم العشرة وعلى قول أبي سهل حيضها ستة أيام من أول ما رأت فلا يكون شيء من أول الاستمرار حيضا لها فيصل إلى موضع حيضها الثاني، وكذلك لو رأت يوما دما وثلاثة طهرا ويومين دما وثلاثة طهرا ثم استمر بها الدم والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب [فصل في بيان الأوقات والساعات وأجزاء النهار] (اعلم) بأن الوقت الواحد لا يتكرر في يوم واحد، وذلك كطلوع الفجر وطلوع الشمس فإن كان ابتداء الوقت من عند طلوع الشمس فتمام اليوم والليلة قبيل طلوع الشمس من الغد؛ لأن قبيل اسم لوقت يتصل به الوقت المذكور بخلاف قبل؛ بيانه: فيمن قال لامرأته وقت الضحوة أنت طالق قبيل غروب الشمس لم تطلق حتى تغرب الشمس إذا عرفنا هذا فنقول: إذا قيل امرأة رأت الدم عند طلوع الشمس ثم انقطع قبل طلوع الشمس من اليوم الرابع فالجواب أن الثلاثة كلها حيض لأن الكل ثلاثة أيام والطهر فيه قاصر، فهو كالدم المتوالي، وكذلك لو رأت في اليوم الرابع عند طلوع الشمس فالجملة ثلاثة أيام وساعة الطهر فيه قاصر عن الثلاثة فكان الكل حيضا، وإن رأت من اليوم الرابع بعد طلوع الشمس لم يكن شيء منه حيضا؛ لأن الطهر ثلاثة أيام فصار فاصلا بين الدمين فإن رأت عند طلوع الشمس ثم رأت من اليوم الرابع عند طلوع الشمس أيضا ثم رأت من اليوم السابع بعد طلوع الشمس فالكل حيض؛ لأن الطهر الأول لما كان دون الثلاث، فهو كالدم المتوالي فيصير الدم غالبا حكما فإن رأت عند طلوع الشمس ثم رأت من اليوم الرابع قبل طلوع الشمس ثم من اليوم السابع عند طلوع الشمس ثم من العاشر بعد طلوع الشمس فعلى قول أبي زيد - رحمه الله تعالى - الكل حيض؛ لأن الطهر الأول دون الثلاث، فهو كالدم المتوالي فصار الطهر الثاني مغلوبا به فيتعدى أثره إلى الطهر الثالث كما بينا، وعند أبي سهل - رحمه الله تعالى - الستة الأولى حيض، لأن الطهر الثاني كان ثلاثة أيام، وإن صار مغلوبا بالدم فلا يتعدى أثره إلى الطهر الثالث. ![]()
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث صـــ 160 الى صـــ 169 (62) وأما الساعة ففي لسان الفقهاء اسم لجزء من الزمان بخلاف ما يقوله المنجمون إنه وقت ممتد حتى يشتمل اليوم والليلة عندهم على أربعة وعشرين ساعة فتارة ينتقص الليل حتى يكون تسع ساعات ويزداد النهار حتى يكون خمس عشرة ساعة وتارة ينتقص النهار حتى يزداد الليل ويثبتون ذلك بطريقهم فأما في لسان الفقهاء الساعة عبارة عن جزء من الزمان فإذا قيل مبتدأة رأت ساعة دما وثلاثة أيام غير ساعتين طهرا وساعة دما فالكل حيض؛ لأن الكل ثلاثة أيام والطهر قاصر، وإن رأت ساعة دما وثلاثة أيام غير ثلاثة ساعات طهرا وساعة دما لم يكن شيء منه حيضا؛ لأن الكل دون ثلاثة أيام إلا على قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - فإنه يقول: الكل حيض؛ لأن الأكثر من اليوم الثالث بمنزلة كماله عنده، وإن رأت ساعة دما وثلاثة أيام غير ساعة طهرا وساعة دما فالكل حيض؛ لأن الكل ثلاثة أيام وساعة والطهر فيه قاصر، وإن رأت ساعة دما وثلاثة أيام طهرا وساعة دما لم يكن شيء من ذلك حيضا عند محمد - رحمه الله تعالى -؛ لأن الطهر لما بلغ ثلاثة أيام صار فاصلا فإن رأت ساعة دما وثلاثة أيام غير ساعتين طهرا وساعة دما وثلاثة أيام طهرا وساعة دما وثلاثة أيام طهرا وساعة دما فعلى قول أبي زيد الكل حيض؛ لأن الطهر الأول لقصوره عن الثلاث كالدم المتوالي فصار الطهر الثاني مغلوبا به ثم يتعدى أثره إلى الطهر الثالث وعلى قول أبي سهل حيضها ستة أيام وساعة؛ لأن الطهر الثاني كامل، وإن صار مغلوبا فلا يتعدى أثره إلى الطهر الثالث كما هو أصله. وأما أجزاء النهار فبحسب ما يذكر من ثلث أو ربع أو غيره فإذا قيل مبتدأة رأت ربع يوم دما ثم يومين وثلث يوم طهرا ثم ربع يوم دما لم يكن شيء منه حيضا لأن الكل قاصر عن الثلاث بسدس يوم، وإن قيل رأت يوما وربع يوم دما ويومين ونصف يوم طهرا وربع يوم دما فالكل حيض؛ لأنها بلغت ثلاثة أيام والطهر قاصر، وإن رأت ربع يوم دما وثلاثة أيام طهرا وربع يوم دما لم يكن شيء منه حيضا؛ لأن الطهر كامل فصار فاصلا بين الدمين، وعلى هذا فقس ما تسأل عنه من هذا النوع فإن هذا النوع لا يدخل في الواقعات إنما وضعوه لتشحيذ الخواطر وامتحان المتبحرين في العلم والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [باب نصب العادة للمبتدأة] (قال): - رضي الله عنه - اعلم بأن بلوغ المرأة قد يكون بالسن وقد يكون بالعلامة والعلامة إما الحيض وإما الحبل فنبتدئ بالحيض فنقول: إذا رأت المبتدأة دما صحيحا وطهرا صحيحا مرة واحدة ثم ابتليت بالاستمرار يصير ذلك عادة لها في زمان الاستمرار بخلاف ما يقوله أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى في صاحبة العادة أنها لا تنتقل عادتها برؤية المخالف مرة واحدة؛ لأن هنا الانتقال عن حالة الصغر، وذلك عادة في النساء فيحصل بالمرة فأما في صاحبة العادة الانتقال عن العادة الثابتة إلى ما ليس بعادة فلا يحصل بالمرة حتى يتأكد بالتكرار يوضح الفرق أن الحاجة هناك إلى نسخ العادة الأولى وإثبات الثانية فلا يحصل بالمرة فأما هنا الحاجة إلى إثبات العادة دون النسخ فيحصل بالمرة. وبيان هذا مبتدأة رأت خمسة دما وخمسة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فإنها تترك من أول الاستمرار خمسة وتصلي خمسة عشرة يوما، وذلك دأبها ثم تفسير الدم الصحيح أنه لا ينتقص عن ثلاثة أيام، ولا يزاد على عشرة أيام، ولا يصير مغلوبا بالطهر وتفسير الطهر الصحيح أن لا يكون دون خمسة عشر يوما ولا تصلي المرأة في شيء منه بدم من أوله أو وسطه أو آخره وكان بين الحيضتين. [الفصل الأول مبتدأة رأت أربعة عشر يوما دما وأربعة عشر يوما طهرا ثم استمر بها الدم] ثم بعد هذا أربعة فصول إما أن يفسد الدم والطهر جميعا أو يفسد الدم ويصح الطهر أو يصح الدم ويفسد الطهر أو يكون الدم صحيحا، والطهر صحيحا في الظاهر ولكنه يفسد بطريق الضرورة فلا يصلح لنصب العادة أما بيان الفصل الأول مبتدأة رأت أربعة عشر يوما دما وأربعة عشر يوما طهرا ثم استمر بها الدم فهنا الدم، والطهر فاسدان فكأنها ابتليت بالاستمرار ابتداء فكان حيضها من أول ما رأت عشرة وطهرها بقية الشهر عشرون ومعنا ثمانية وعشرون فمن أول الاستمرار تصلي يومين ثم تدع عشرة وتصلي عشرين فإن كان الدم خمسة عشر والطهر أربعة عشر فكذلك الجواب تصلي من أول الاستمرار يوما واحدا تمام عشرين، وإن كان الدم ستة عشر فأول الاستمرار يوافق ابتداء حيضها فتدع عشرة وتصلي عشرين ثم نسوق المسألة هكذا إلى أن يكون الدم ثلاثة وعشرين والطهر أربعة عشر ثم استمر بها الدم فالعشرة من أول ما رأت حيض وقد صلت ثلاثة عشر يوما بالدم ثم طهرت أربعة عشر ثم من أربعة عشر طهر سبعة تمام الطهر وسبعة من موضع حيضها الثاني لم تر فيه ثم جاء الاستمرار، وقد بقي من موضع حيضها الثاني ثلاثة فالثلاثة حيض كامل فتدع من أول الاستمرار ثلاثة ثم تصلي عشرين ثم تدع عشرة وتصلي عشرين، وذلك دأبها فإن كان الدم أربعة وعشرين، والمسألة بحالها فنقول: ستة من طهر أربعة عشر بقية طهرها بقي ثمانية أيام موضع حيضها الثاني لم تر فيه ثم جاء الاستمرار، وقد بقي من موضع حيضها يومان، ويومان لا يكون حيضا فهذه لم تر مرة فتصلي إلى موضع حيضها الثاني، وذلك اثنان وعشرون يوما من أول الاستمرار ثم تدع عشرة وتصلي عشرين، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فأما أبي يوسف - رحمه الله تعالى - بخلاف هذا فإنه ينقل العادة بعد الرؤية مرة، وكذلك قول محمد - رحمه الله تعالى - بخلاف هذا فإنه يرى الإبدال على ما نذكره في باب الانتقال. [الفصل الثاني مبتدأة رأت أحد عشر يوما دما وخمسة عشر يوما طهرا ثم استمر بها الدم] وبيان الفصل الثاني مبتدأة رأت أحد عشر يوما دما وخمسة عشر يوما طهرا ثم استمر بها الدم فنقول: الدم هنا فاسد؛ لأنه زاد على العشرة وبفساده يفسد الطهر؛ لأنها صلت في أول يوم منه بالدم فأما على قول محمد بن إبراهيم الميداني رحمهما الله تعالى حيضها عشرة أيام وطهرها عشرون فجاء الاستمرار، وقد بقي من طهرها أربعة فتصلي أربعة أيام ثم تدع عشرة، وتصلي عشرين، وعلى قول أبي علي الدقاق طهرها ستة عشر فتدع من أول الاستمرار عشرة وتصلي ستة عشر؛ لأن فساد الدم في اليوم الحادي عشر لما لم يؤثر في الدم حتى كانت العشرة حيضا فلأن يؤثر في الطهر أولى والأصح ما قاله محمد بن إبراهيم الميداني - رحمه الله تعالى -؛ لأن اليوم الحادي عشر من الطهر لا من الحيض فرؤية الدم الفاسد فيه تؤثر في الطهر. [الفصل الثالث مبتدأة رأت خمسة أيام دما وأربعة عشر طهرا ثم استمر بها الدم] وبيان الفصل الثالث، وهو أن يكون الدم صحيحا والطهر فاسدا بأن نقول: مبتدأة رأت خمسة أيام دما وأربعة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فحيضها خمسة وطهرها بقية الشهر وذلك خمسة وعشرون يوما فجاء الاستمرار وقد بقي من طهرها أحد عشر يوما فتصلي أحد عشر يوما ثم تدع خمسة وتصلي خمسة وعشرين وكذلك دأبها. [الفصل الرابع مبتدأة رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهرا ويوما دما ويومين طهرا ثم استمر بها الدم] وبيان الفصل الرابع مبتدأة رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهرا ويوما دما ويومين طهرا ثم استمر بها الدم فهنا الدم في الثلاثة صحيح، والطهر خمسة عشر صحيح في الظاهر، ولكنها لما رأت بعده يوما دما ويومين طهرا فهذه الثلاثة لا يمكن أن تجعل حيضا؛ لأن ختمها بالطهر ولا وجه إلى الإبدال فتصلي في هذه الأيام ضرورة فيفسد به ذلك الطهر ويخرج من أن يكون صالحا لنصب العادة فيكون حيضها ثلاثة وطهرها بقية الشهر سبعة وعشرون يوما، وقد مضى ثمانية عشر فتصلي تسعة من أول الاستمرار ثم تترك ثلاثة أيام وتصلي سبعة وعشرين يوما ولو رأت في الابتداء أربعة دما وخمسة عشر طهرا ثم يوما دما ويومين طهرا ثم استمر بها الدم فهنا الطهر صحيح صالح لنصب العادة؛ لأن بعده دم يوم وطهر يومين ثم يوم من أول الاستمرار تمام الأربعة فابتدأ الحيض الثاني وختمه بالدم فلهذا كان الطهر خمسة عشر خالصا فتدع من أول الاستمرار يوما، وتصلي خمسة عشر ثم تدع أربعة وتصلي خمسة عشر وذلك دأبها فإن رأت الدم عشرة والطهر خمسة عشر ثم الدم يوما والطهر ثلاثة أيام والدم يوما، والطهر ثلاثة ثم استمر الدم فعلى قول أبي زيد - رحمه الله تعالى - الطهر خالص هنا صالح لنصب العادة؛ لأنه يجر من أول الاستمرار يومين إلى ما رأت بعد خمسة عشر فتجعل العشرة كلها حيضا فكان الطهر خمسة عشر خالصا فأما على قول أبي سهل - رحمه الله تعالى - اليوم والثلاثة بعد الخمسة عشر لا يكون حيضا وإنما حيضها سبعة أيام بعد ذلك فيفسد طهر خمسة عشر؛ لأنها صلت في شيء منه بدم فكان حيضها عشرة وطهرها عشرون وقد مضى خمسة عشر يوما ثم يوم دم وثلاثة طهر قد صلت فيه فذلك تسعة عشر ثم يوم دم قد صلت فيه وذلك عشرون ثم ثلاثة أيام طهر ولا يبتدئ الحيض بالطهر فقد جاء الاستمرار، والباقي من أيام حيضها سبعة فتدع سبعة وتصلي عشرين وعلى هذا فقس ما يكون من هذا النوع من المسائل. [فصل في نصب العادة] أيضا إذا ابتليت المبتدأة بالاستمرار بعد ما يكون منها الصحاح من الدماء والأطهار، فهو على خمسة أوجه: أحدها: أن ترى دمين وطهرين متفقين على الولاء ثم الاستمرار، والثاني: أن يكونا مختلفين ثم الاستمرار والثالث: أن ترى ثلاثة دماء وثلاثة أطهار مختلفة ثم الاستمرار. والرابع: أن ترى متفقين بعدهما مخالف لهما ثم الاستمرار، والخامس: أن ترى متفقين بينهما ما يخالفهما ثم الاستمرار. فصورة الفصل الأول إذا رأت الدم ثلاثة والطهر خمسة عشر والدم ثلاثة والطهر خمسة عشر ثم استمر بها الدم فالجواب أنها تدع من أول الاستمرار ثلاثة وتصلي خمسة عشر؛ لأن ما رأت صار عادة قوية بالتكرار وقد بينا أنه لو رأته مرة صار عادة لها فإذا رأته مرتين أولى. وبيان الفصل الثاني مبتدأة رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهرا وأربعة دما وستة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فعلى قول محمد بن إبراهيم الميداني - رحمه الله تعالى - تبني ما رأت في المرة الثانية على ما رأته في المرة الأولى وعلى قول أبي عثمان سعيد بن مزاحم السمرقندي لا تبني ولكنها تستأنف من أول الاستمرار وتفسير قول محمد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى - أنها لما رأت أربعة دما فثلاثة منها مدة حيضها، واليوم الرابع من حساب طهرها، ولكنها تترك الصلاة فيه لرؤية الدم فلما طهرت ستة عشرة فأربعة عشر منها تمام طهرها ويومين من مدة حيضها ولكنها لم تر فيه فلا تترك الصوم والصلاة؛ لأن بداية الحيض لا يكون بالطهر ثم جاء الاستمرار وقد بقي من مدة حيضها يوم وذلك لا يكون حيضا فتصلي إلى موضع حيضها الثاني وذلك ستة عشر يوما، ووجهه أن ما رأت في المرة الأولى صار عادة لها بالمرة، والواحدة لما بينا وصاحبة العادة تبني ما ترى على عادتها ما لم يوجد ما ينقضها ألا ترى أنها لو رأت ذلك مرتين بنت عليه ما ترى بعدهما فكذلك إذا رأته مرة وجه قول أبي عثمان أن ما رأت ثانيا في صفة الصحة مثل ما رأته أولا وإنما تبني الفاسد على الصحيح فأما الصحيح لا يبنى على الصحيح؛ لأن البناء للحاجة والضرورة وإنما أثبتنا العادة للمبتدأة بالمرة الواحدة لأجل الضرورة فأما العادة في الأصل مشتقة من العود، وذلك لا يحصل بالمرة ولا ضرورة في بناء الصحيح على الصحيح لما بينهما من المعارضة والمساواة بخلاف إذا ما رأت أولا مرتين متفقتين؛ لأن ذلك تأكد بالتكرار، وترجح به ثم على قول أبي عثمان - رحمه الله تعالى - إذا استأنفت من أول الاستمرار تبني على أقل المدتين؛ لأنها عائدة إليها فالأقل موجود في الأكثر فتترك من أول الاستمرار ثلاثة وتصلي خمسة عشر وذلك دأبها وبيان الفصل الثالث مبتدأة رأت الدم ثلاثة والطهر خمسة عشر والدم أربعة والطهر ستة عشر، والدم خمسة والطهر سبعة عشر ثم استمر بها الدم فهنا لا خلاف بينهما أنه لا تبني بعض الصحاح على البعض ومحمد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى - يفرق بين هذا وبين ما سبق فيقول: هنا رأت مرتين خلاف ما رأت أولا والعادة تنتقل برؤية المخالف مرتين فلهذا تبني الثاني على الأول، وهناك إنما رأت خلاف العادة مرة واحدة فلا تنتقل به العادة فلهذا تبني الثاني على الأول؛ في هذه المسألة يقول محمد بن إبراهيم: تبني على أوسط الأعداد، وهو قول أبي حفص - رحمه الله تعالى - وعبد الله بن النجم - رحمه الله تعالى - فأما على قول أبي عثمان - رحمه الله تعالى - تبني على أقل المرتين الأخيرتين فلا يظهر هذا الخلاف فيما ذكرنا من الصورة فإن أوسط الأعداد أربعة وستة عشر وهكذا أقل المرتين الأخيرتين إنما يظهر الخلاف فيما إذا قلبت الصورة فقلت: رأت في الابتداء خمسة وسبعة عشر ثم أربعة وستة عشر ثم ثلاثة وخمسة عشر فعلى قول من يقول بأوسط الأعداد تدع من أول الاستمرار أربعة وتصلي ستة عشر يوما وذلك دأبها وعلى قول من يقول: بأقل المرتين الأخيرتين تدع من أول الاستمرار ثلاثة وتصلي خمسة عشر وذلك دأبها وجه قول محمد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى - أن عند التعارض العدل هو الوسط قال: - صلى الله عليه وسلم - «خير الأمور أوسطها» ولهذا قلنا إذا تزوج امرأة على عبد يلزمه عبد وسط وكذلك هنا عند التعارض تبني في زمان الاستمرار على أوسط الأزمان وجه قول أبي عثمان أن أقل المرتين الأخيرتين تأكد بالتكرار؛ لأن القليل موجود في الكثير فيصير ذلك عادة لها في زمان الاستمرار، والفتوى على قول أبي عثمان - رحمه الله تعالى -؛ لأنه أيسر على النساء فإن على ما قاله محمد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى - تحتاج إلى حفظ جميع ما ترى ليتبين الأوسط من ذلك، وعلى ما قاله أبو عثمان لا تحتاج إلى حفظ مرتين لتبني على أقلهما ولليسر أخذوا بهذا القول في الفتوى كما أن في مسائل الانتقال أفتوا بقول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في أن العادة تنتقل برؤية المخالف مرة؛ لأن ذلك أيسر على النساء وبيان الفصل الرابع مبتدأة رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهرا وثلاثة دما وخمسة عشر طهرا وأربعة دما وستة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى تصلي من أول الاستمرار ستة عشر؛ لأنهما يقولان: العادة لا تنتقل برؤية المخالف مرة فكان البناء باقيا فحين رأت أربعة فثلاثة من ذلك مدة حيضها ويوم من حساب طهرها ومن ستة عشر أربعة عشر تمام طهرها ويومان من حساب حيضها لم تر فيه فتصلي إلى موضع حيضها الثاني، وعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - العادة تنتقل برؤية المخالف مرة فتترك من أول الاستمرار أربعة وتصلي ستة عشر وذلك دأبها. وبيان الفصل الخامس مبتدأة رأت ثلاثة دما وخمسة عشر طهرا وأربعة دما وستة عشر طهرا وثلاثة دما وخمسة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فالجواب أنها تدع من أول الاستمرار ثلاثة وتصلي خمسة عشر، وذلك عادة جعلية لها فإنها لو رأت متفقين على الولاء كانت عادة أصلية لها فإذا كان بينهما مخالف صار ما رأت مرتين متفقتين عادة جعلية لها، ومعنى هذه التسمية أنا جعلنا ما رأته آخرا كالمضموم إلى ما رأته أولا لما بينهما من الموافقة في العدد فتأكد بالتكرار وصار عادة لها تبني عليه في زمان الاستمرار. [فصل مبتدأة بلغت بالحبل فولدت واستمر بها الدم] (فصل): مبتدأة بلغت بالحبل بأن حبلت من زوجها قبل أن تحيض فولدت واستمر بها الدم فنفاسها أربعون يوما. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - نفاسها ساعة، وهو بناء على ما بيناه في الحيض أن المعتبر هناك أكثر الحيض عند الإمكان فكذلك هنا المعتبر أكثر النفاس، وعنده هناك المعتبر أقل الحيض يوم وليلة فكذا نفاسها أقل النفاس، وذلك ساعة ثم بعد الأربعين يجعل طهرها عشرون؛ لأنه كما لا يتوالى حيضتان ليس بينهما طهر لا يتوالى حيض ونفاس ليس بينهما طهر وإنما قدرنا طهرها بعشرين يوما؛ لأن حيض المبتدأة إذا ابتليت بالاستمرار أكثر الحيض، وذلك عشرة وطهرها بقية الشهر وذلك عشرون فلا فرق بين أن تكون البداءة من الحيض أو من الطهر في مقدار العدد فلهذا جعلنا طهرها عشرين وحيضها بعد ذلك عشرة، وذلك دأبها، وكذلك لو طهرت بعد الأربعين أربعة عشر يوما فهذا طهر قاصر لا يصلح للفصل بين الحيض والنفاس فكان كالدم المتوالي فإن طهرت بعد الأربعين خمسة عشر يوما ثم استمر بها الدم فإنها تترك من أول الاستمرار عشرة؛ لأن طهرها خمسة عشر طهر صحيح فيصير عادة لها بالمرة الواحدة، ولا عادة لها في الحيض فيكون حيضها عشرة فلهذا تدع من أول الاستمرار عشرة، وتصلي خمسة عشر فدورها في كل خمسة وعشرين يوما ثم نسوق المسألة إلى أن نقول: طهرت بعد الأربعين أحدا وعشرين يوما ثم استمر بها الدم فعلى قول محمد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى - تدع من أول الاستمرار تسعة ثم تصلي أحدا وعشرين يوما ذلك دأبها؛ لأنها لما طهرت في الحادي والعشرين فلا يمكن جعل ذلك حيضا بل هو طهر صحيح وعادتها بالطهر والحيض يجتمع في الشهر فإذا صار أحدا وعشرين طهرا لها لم يبق لحيضها إلا تسعة فجعلنا حيضها تسعة ألا ترى أنها لو حاضت خمسة في الابتداء ثم طهرت أربعة عشر، واستمر بها الدم جعلنا حيضها خمسة وطهرها بقية الشهر وذلك خمسة وعشرون فهذا مثله. وقال أبو عثمان: - رحمه الله تعالى - تدع من أول الاستمرار عشرة وتصلي واحدا وعشرين، وذلك دأبها فيكون دورها في كل واحد وثلاثين يوما قال: لأنا إنما قدرنا الطهر بما بقي من الشهر؛ لأنه ليس لأكثره غاية معلومة، وذلك لا يوجد في الحيض فأكثره معلوم، وهو عشرة فكان طهرها أحدا وعشرين يوما كما رأت، وحيضها عشرة ثم نسوق هذه المسألة إلى أن نقول: طهرت سبعة وعشرين ثم استمر بها الدم فعلى قول محمد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى - حيضها من أول الاستمرار ثلاثة؛ لأنه هو الباقي من الشهر ويمكن أن يجعل حيضا وعلى قول أبي عثمان - رحمه الله تعالى - حيضها من أول الاستمرار عشرة ودورها في كل سبعة وثلاثين يوما فإن طهرت ثمانية وعشرين يوما ثم استمر بها الدم فهنا حيضها من أول الاستمرار عشرة بالاتفاق، ودورها في كل ثمانية وثلاثين يوما؛ لأنه لم يبق من الشهر ما يمكن أن يجعل حيضا لها فلأجل التعذر رجعنا إلى اعتبار أكثر الحيض وتركنا معنى اجتماع الحيض والطهر في شهر واحد فإن رأت أحدا وأربعين يوما دما كما ولدت ثم خمسة عشر طهرا ثم استمر بها الدم فعلى قول محمد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى - نفاسها أربعون وطهرها عشرون؛ لأنها صلت في اليوم الحادي والأربعين بالدم فيفسد به طهر خمسة عشر ولا يصلح لنصب العادة فلهذا كان طهرها عشرين فمن أول الاستمرار تصلي أربعة تمام طهرها ثم تدع عشرة، وعلى قول أبي علي الدقاق طهرها ستة عشر كما بينا فمن أول الاستمرار تدع عشرة، وتصلي ستة عشر يوما، وذلك دأبها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب [باب استمرار الحيض] (باب الاستمرار). (قال) : - رضي الله عنه - اعلم بأن الاستمرار نوعان: متصل ومنقطع، فالمتصل أن يستمر الدم بالمرأة في جميع الأوقات وحكم هذا ظاهر بها إن كانت مبتدأة فحيضها من أول ما رأت عشرة وطهرها عشرون إلى أن تموت أو تطهر، وإن كانت صاحبة عادة فأيام عادتها في الحيض تكون حيضا لها، وأيام عادتها في الطهر تكون مستحاضة فيها فأما الاستمرار المنقطع، وهو مقصود هذا الباب أن نقول: مبتدأة رأت يوما دما ويوما طهرا، واستمر بها كذلك أشهرا فعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - الجواب في جنس هذه المسائل ظاهر؛ لأنه يرى ختم الحيض بالطهر وبدايته بالطهر فحيضها عشرة من أول ما رأت، وطهرها عشرون، وهو والاستمرار المتصل سواء فأما على قول محمد - رحمه الله تعالى - فحيضها من أول ما رأت تسعة وطهرها أحد وعشرون؛ لأن اليوم العاشر كان طهرا، وهو لا يرى ختم الحيض بالطهر، ويحتاج على قوله إلى معرفة ختم العشرة وإلى معرفة ختم الشهر ليتبين به حكم بداية الحيض في الشهر الثاني وفي معرفته طريقان: أحدهما: أن الأوتار من أيامها حيض والشفوع طهر، واليوم العاشر من الشفوع فعرفنا أنه كان طهرا. وكذلك اليوم الثلاثين ختم الشهر من الشفوع فكان طهرا وتستقبلها في الشهر الثاني مثل ما كان في الشهر الأول والثاني طريق الحساب، وعليه تخرج المسائل؛ لأنه أقرب إلى الفهم فنقول: السبيل أن يأخذ يوما دما ويوما طهرا، وذلك اثنان فيضربه فيما يوافق العشرة، وذلك خمسة واثنان في خمسة يكون عشرة، وآخر المضروب طهر ومعرفة ختم الشهر أن يأخذ دما وطهرا وذلك اثنان ويضربه فيما يوافق الشهر وذلك خمسة عشر فيكون ثلاثين وآخر المضروب طهر ويستقبلها في الشهر الثاني مثل ما كان في الشهر الأول فكان دورها في كل شهر تسعة حيضا وواحدا وعشرين طهرا فإن رأت يومين دما ويوما طهرا واستمر كذلك فالعشرة من أوله حيض؛ لأن ختم العشرة بالدم وإذا أرادت معرفة ذلك فالسبيل أن تأخذ دما وطهرا، وذلك ثلاثة فتضربه فيما يقارب العشرة؛ لأنك لا تجد الموافق، وذلك ثلاثة وثلاثة في ثلاثة تسعة وآخر المضروب طهر ثم بعده يوم دم فعرفت أن ختم العشرة كان بالدم ومعرفة ختم الشهران تأخذ دما وطهرا وذلك ثلاثة فتضربه فيما يوافق الشهر، وذلك عشرة فيكون ثلاثين وآخر المضروب طهر ثم استقبلها في الشهر الثاني مثل ذلك فيكون دورها في كل شهر عشرة حيضا وعشرين طهرا، وكذلك إن رأت يوما دما ويومين طهرا، فهو على هذا التخريج. فإن رأت يومين دما ويومين طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت عشرة؛ لأن ختم العشرة بالدم، ومعرفة ذلك أن تأخذ دما وطهرا، وذلك أربعة فتضربه فيما يوافق العشرة، وذلك اثنان فيكون ثمانية وآخر المضروب طهر ثم بعده يومان دم تمام العشرة فعرفنا أن ختم العشرة كان بالدم إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك أربعة فتضربه فيما يقارب الشهر وذلك سبعة فيكون ثمانية وعشرين وآخر المضروب طهر ثم بعده يومان دم تمام الشهر واستقبلها في. الشهر الثاني يومان طهر ويومان دم فهذه الستة تكون حيضا لها في الشهر الثاني؛ لأن ختم العشرة في الشهر الثاني بيومين طهر ولا يختم الحيض بالطهر إلى أن ينظر أن ختم الشهر الثاني بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا، وذلك أربعة فيضربه فيما يوافق الشهرين وذلك خمسة عشر فيكون ستين وآخر المضروب طهر ثم استقبلها في الشهر الثالث يومان دم فاستقام أمرها فكان دورها في كل شهرين في الشهر الأول عشرة حيض ثم اثنان وعشرون طهر ثم ستة حيض ثم اثنان وعشرون طهر. فإن رأت ثلاثة دما ويومين طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت ثمانية؛ لأن ختم العشرة بالطهر إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا، وذلك خمسة فيضربه فيما يوافق الشهر، وذلك ستة فيكون ثلاثين وآخر المضروب طهر فكان دورها في كل شهر ثمانية حيضا واثنين وعشرين طهرا. وكذلك إن قلبت وقلت رأت يومين دما وثلاثة طهرا، فهو على هذا التخريج إلا أن حيضها هنا من أول كل شهر سبعة فإن رأت ثلاثة دما وثلاثة طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت تسعة إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك ستة فيضربه فيما يوافق الشهر، وذلك خمسة فيكون ثلاثين وآخر المضروب طهر فاستقام أمرها، وكان دورها في كل شهر الحيض تسعة والطهر واحد وعشرون فإن رأت أربعة دما وثلاثة طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت عشرة، لأن ختم العشرة بالدم إلى أن ينظر إلى ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك سبعة فيضربه فيما يقارب الشهر وذلك أربعة فيكون ثمانية وعشرين وآخر المضروب طهر ثم بعده دم أربعة يومان تمام الشهر الأول ويومان من أول الشهر الثاني فيكون حيضا، وفي الشهر الثاني حيضها تسعة؛ لأن اليوم العاشر كان طهرا إلى أن ينظر أن ختم الشهرين بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا، وذلك سبعة فيضربه فيما يقارب الشهرين، وذلك تسعة فيكون ثلاثة وستين وآخر المضروب طهر فقد مضى من أيام حيضها في الشهر الثالث ثلاثة كان طهرا وبداءة الحيض بالطهر لا يكون ثم بعده أربعة دم وثلاثة طهر فما وجدت في الشهر الثالث من أيام الحيض الأربعة فذلك حيضها إلى أن ينظر أن ختم الشهر الثالث بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك سبعة فيضربه فيما يقارب تسعين يوما وذلك ثلاثة عشر فيكون أحدا وتسعين وآخر المضروب طهر فقد مضى من الشهر الرابع يوم لم تر فيه ثم بعده أربعة دم وثلاثة طهر ويومان تمام العشرة دم فوجدت تسعة أيام في الشهر الرابع فذلك حيضها إلى أن ينظر أن ختم الشهر الرابع بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا. ![]()
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث صـــ 170 الى صـــ 179 (63) وذلك سبعة فيضربه فيما يقارب مائة وعشرين يوما، وذلك سبعة عشر فيكون مائة وتسعة عشر وآخر المضروب طهر ثم بعده يوم دم تمام الشهر الرابع وفي الشهر الخامس ثلاثة دم وثلاثة طهر وأربعة دم فهذه العشرة حيضها إلى أن ينظر أن ختم الشهر الخامس بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك سبعة فيضربه فيما يقارب مائة وخمسين يوما، وذلك أحد وعشرون فيكون مائة وسبعة وأربعين وآخر المضروب طهر ثم بعده أربعة دم ثلاثة من ذلك تمام الشهر الخامس تصلي فيه ثم في الشهر السادس رأت يوما دما وثلاثة طهرا وأربعة دما فهذه الثمانية تكون حيضا لها؛ لأن ختم العشرة في الشهر السادس كان بالطهر إلى أن ينظر أن ختم الشهر السادس بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك سبعة فيضربه فيما يقارب مائة وثمانين، وذلك ستة وعشرون فيكون مائة واثنين وثمانين وآخر المضروب طهر فقد مضى من الشهر السابع يومان من أيام حيضها لم تر فيه ثم بعده أربعة دم وثلاثة طهر وأربعة دم فختم العشرة في الشهر السابع كان بالدم فيكون حيضها ثمانية أيام بعد يومين مضت من الشهر السابع إلى أن ينظر أن ختم الشهر السابع بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا، وذلك سبعة فيضربه فيما يوافق سبعة أشهر وذلك ثلاثون فتكون مائتين وعشرة وآخر المضروب طهر فاستقام وكان دورها في كل سبعة أشهر حيضها وطهرها في كل شهر ما ذكرنا؛ لأنه استقبلها في الشهر الثامن مثل ما كان في الشهر الأول أربعة دم وثلاثة طهر. وكذلك إن قلبت فقلت رأت ثلاثة دما وأربعة طهرا، فهو في التخريج مثل ما سبق واستقام دورها في كل سبعة أشهر إلا أنه ربما يزداد وينقص في هذه المدة بعض أيام حيضها ويتبين ذلك إذا خرجت فإن رأت أربعة دما وأربعة طهرا واستمر كذلك أشهرا فحيضها من أول ما رأت عشرة؛ لأن ختمها بالدم والدم غالب على الطهر فيها إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا، وذلك ثمانية ويضربه فيما يقارب الشهر وذلك أربعة فيكون اثنين وثلاثين وآخر المضروب طهر فقد مضى من أيام حيضها في الشهر الثاني يومان لم تر فيهما ثم استقبلها أربعة دم وأربعة طهر فحيضها في هذا الشهر أربعة؛ لأنها لم تجد في العشرة إلا هذا إلى أن ينظر إن ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك ثمانية فيضربه فيما يقارب الشهرين وذلك ثمانية فيكون أربعة وستين يوما وآخره طهر فقد مضى من الشهر الثالث أربعة أيام لم تر فيها ثم استقبلها دم أربعة فهذه الأربعة حيضها في الشهر الثالث؛ لأن ختم العشرة بالطهر إلى أن ينظر أن ختم الشهر الثالث بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك ثمانية فيضربه فيما يقارب ثلاثة أشهر، وذلك أحد عشر فيكون ثمانية وثمانين وآخره طهر ثم استقبلها أربعة دم، يومان تمام الشهر الثالث تصلي فيهما وفي الشهر الرابع وجدت عشرة، يومان دم وأربعة طهر وأربعة دم فهذه العشرة حيضها إلى أن ينظر أن ختم الشهر الرابع بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك ثمانية فيضربه فيما يوافق أربعة أشهر وذلك خمسة عشر فيكون مائة وعشرين يوما وآخره طهر فاستقام أمرها واستقبلها في الشهر الخامس أربعة دم كما كان في الشهر الأول فيكون دورها في كل أربعة الشهر في الشهر الأول عشرة حيض وفي الشهر الثاني أربعة بعد يومين مضيا حيض وفي الشهر الثالث أربعة حيض بعد أربعة مضت منه. وفي الشهر الرابع عشرة حيض فإن رأت خمسة دما وأربعة طهرا واستمر كذلك فحيضها في الشهر الأول عشرة؛ لأن ختم العشرة بالدم إلى أن ينظر أن ختمه بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك تسعة فيضربه فيما يقارب الشهر وذلك ثلاثة فيكون أوله سبعة وعشرين وآخره طهر ثم بعده دم خمسة ثلاثة منها تمام الشهر وتصلي فيها ثم يومان من أول الشهر الثاني رأت فيهما وبعدهما طهر أربعة ودم خمسة فالعشرة من أول الشهر الثاني حيض إلى أن ينظر أن ختمه بماذا يكون فيضرب تسعة فيما يقارب الشهر وذلك سبعة فيكون ثلاثة وستين وآخره طهر فقد مضى من الشهر الثالث ثلاثة لم تر فيها ثم استقبلها دم خمسة فهذا حيض في الشهر الثالث؛ لأن ختم العشرة بالطهر إلى أن ينظر أن ختم الشهر الثالث بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك تسعة فيضربه فيما يوافق ثلاثة أشهر وذلك عشرة فيكون تسعين وآخره طهر فاستقام أمرها؛ لأنه استقبلها في الشهر الرابع مثل ما كان في الشهر الأول فعلمنا أن دورها في كل ثلاثة أشهر كما بينا. وكذلك إن قلبت فقلت: رأت أربعة دما وخمسة طهرا، فهو في التخريج كما بينا فإذا رأت خمسة دما وخمسة طهرا واستمر كذلك فحيضها خمسة من أول ما رأت؛ لأن ختم العشرة بالطهر إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك عشرة ويضربه فيما يوافق الشهر وذلك ثلاثة فيكون ثلاثين وآخره طهر فاستقام أمرها في كل شهر الحيض خمسة والطهر خمسة وعشرون فإن رأت خمسة دما وستة طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت خمسة؛ لأن ختم العشرة بالطهر وتصير هذه الخمسة عادة لها بالمرة الواحدة؛ لأنها مبتدأة إلى أن ينظر أن ختم الشهر الثاني بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك أحد عشر ويضربه فيما يقارب الشهر وذلك ثلاثة فيكون ثلاثة وثلاثين وآخر المضروب طهر فقد مضى في الشهر الثاني من أيام عادتها ثلاثة وبقي يومان ويومان لا يكون حيضا ومن أصل أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن العادة لا تنتقل بالمرة الواحدة وتخرج هذه المسألة على قولها دون قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - كما بينا في أول الكتاب فأما على قول من لا يرى البدل، وهو قول أبي حنيفة فإنها لا تترك الصلاة في شيء من الشهر الثاني إلى أن ينظر أنها هل ترى في الشهر الثالث في أيام عادتها فتأخذ دما وطهرا، وذلك أحد عشر فتضربه به فيما يقارب الشهرين وذلك ستة فيكون ستة وستين وآخره طهر فقد مضى من أيام عادتها في الشهر الثالث لم تر فيه شيئا. وصاحبة العادة إن لم تر مرتين على الولاء يستأنف لها موضع الرؤية؛ لأن العادة كما تنتقل برؤية المخالف مرتين تنتقل بعدم الرؤية في أيامها مرتين وإذا استأنف في موضع الرؤية كان حيضها خمسة واستقام أمرها على أن يكون دورها في كل ستة وستين يوما الحيض خمسة والطهر أحد وستون يوما، وأما على قول من يرى البدل، وهو قول محمد - رحمه الله تعالى - فإنه يقول: يبدل لها خمسة بعد ثلاثة مضت من الشهر الثاني لوجود شرط الإبدال؛ لأنه يبقى بعده طهر تام، وهو ثمانية وعشرون على ما نثبته في بابه فيترك هذه الخمسة إلى أن ينظر أن ختم الشهرين بماذا يكون فيأخذ أحد عشر ويضربه فيما يقارب الشهرين وذلك ستة فيكون ستة وستين فلم تر مرتين على الولاء فيستأنف لها من موضع الرؤية واستقام دورها في كل ستة وستين تدع خمسة وتصلي ثمانية وعشرين ثم تدع خمسة بحساب البدل ثم تصلي ثمانية وعشرين، وهذا دأبها، وإن استمر بها الدم بعد شهور استمرارا متصلا فكان محمد بن إبراهيم الميداني - رحمه الله تعالى - يقول: حيضها في أيام الاستمرار خمسة وطهرها بقية الشهر خمسة وعشرون؛ لأنها كانت تصلي في ثمانية وعشرين لأجل الضرورة لا؛ لأنه كان طهرا صحيحا يصلح لنصب العادة فإذا ارتفعت الضرورة باتصال الاستمرار عادت إلى ما هو الأصل، وهو أن يكون باقي الشهر بعد أيام عادتها في الحيض طهرا لها، وذلك خمسة وعشرون وكان أبو عثمان يقول: حيضها عشرة في زمان الاستمرار، وطهرها عشرون؛ لأن الطهر لما فسد فسد الدم أيضا، وإنما كنا لا نجعل العشرة حيضا؛ لأن ختمها بالطهر وقد زال ذلك المعنى فحيضها عشرة وطهرها عشرون كما لو ابتليت بالاستمرار ابتداء. وكان أبو سهل يقول حيضها خمسة وطهرها ثمانية وعشرون لأنها قد رأت كل واحد منهما مرات وحكمنا بأن الخمسة حيض وطهرها ثمانية وعشرون فعلى ذلك تبني في زمان الاستمرار؛ لأن المحكوم بصحته شرعا بمنزلة ما هو صحيح حقيقة فإن رأت ستة دما وخمسة طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت ستة، وباقي الشهر طهر إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك أحد عشر ويضربه فيما يقارب الشهر، وذلك ثلاثة فيكون ثلاثة وثلاثين وآخر المضروب طهر فقد مضى من أيامها في الشهر الثاني ثلاثة لم تر فيها ثم رأت ستة دما، وقد بقي من أيام حيضها ثلاثة، وذلك يكفيها فكان حيضها في الشهر الثاني هذه الثلاثة إلى أن ينظر أن ختمه بماذا يكون فيأخذ أحد عشر ويضرب فيما يقارب الشهرين وذلك ستة فيكون ستة وستين وآخره طهر فقد مضت أيامها في الشهر الثالث لم تر فيها فتصلي إلى موضع حيضها الآخر على قول من لا يرى البدل وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - يبدل لها ستة بعد ستة مضت من الشهر الثالث؛ لأنه يبقى بعدها من الشهر الثالث ثمانية عشر وذلك طهر تام إلى أن ينظر أن ختم الشهر الثالث بماذا يكون فيضرب أحد عشر فيما يقارب ثلاثة أشهر وذلك ثمانية فيكون ثمانية وثمانين يوما وآخره طهر ثم رأت ستة دما يومان تمام الشهر الثالث تصلي فيهما وأربعة وجدته في أيامها فذلك حيضها في الشهر الرابع إلى أن ينظر أن ختمه بماذا يكون فيأخذ أحد عشر ويضربه فيما يقارب أربعة أشهر وذلك أحد عشر فيكون مائة وأحدا وعشرين وآخره طهر ثم الدم بعده ستة وجدتها في أيامها فذلك حيضها في الشهر الخامس إلى أن ينظر أن ختمه بماذا يكون. فيضرب أحد عشر في أربعة عشر فيكون مائة وأربعة وخمسين وآخره طهر فقد مضى من أيامها في الشهر السادس أربعة بقي يومان، وذلك لا يكون حيضا فتصلي إلى موضع حيضها الآخر عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ويبدل لها عند محمد - رحمه الله تعالى - ستة بعد أربعة مضت من الشهر السادس إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فيضرب أحد عشر فيما يقارب ستة أشهر وذلك ستة عشر فيكون مائة وستة وسبعين وآخر المضروب طهر ثم بعده دم ستة أربعة تمام الشهر السادس تصلي فيه وإنما رأت في الشهر السابع يومين في أيامها وذلك لا يكون حيضا فتبين أنها لم تر مرتين على الولاء فيستأنف لها من وقت البدل وتجعل تلك الستة يعني الستة التي جعلت بدلا عند محمد - رحمه الله تعالى - حيضا لها بطريق انتقال العادة إليه حتى إذا كانت لم تصل فيها أخذا بقول محمد - رحمه الله تعالى - فليس عليها قضاء تلك الصلوات أيضا عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - واستقام أمرها على أن يكون دورها في ستة أشهر على ما بينا فتنتقل عادتها من حيث المكان والعدد على حاله فإن رأت ستة دما وستة طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت ستة إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا. وذلك اثنا عشر ويضربه فيما يقارب الشهر وذلك ثلاثة فيكون ستة وثلاثين وآخره طهر فقد مضت أيامها في الشهر الثاني لم تر فيها فتصلي إلى موضع حيضها الثاني عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ويبدل لها ستة مضت من الشهر الثاني عند محمد - رحمه الله تعالى - تترك فيها الصلاة إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فيضرب اثني عشر فيما يوافق الشهرين وذلك خمسة فيكون ستين وآخره طهر فاستقام أمرها واستقبلها في الشهر الثالث مثل ما كان في الشهر الأول فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - تترك ستة من أول كل شهرين وتصلي أربعة وخمسين وعند محمد - رحمه الله تعالى - تترك ستة من أول الشهر وتصلي ثلاثين ثم تترك ستة بحساب البدل ثم تصلي ثمانية عشر، وذلك دأبها، وعلى هذا الطريق يخرج ستة وسبعة وقلبها وثمانية وثمانية وتسعة وقلبها وتسعة وتسعة وتسعة وعشرة وقلبها إلى أن يقول: رأت في الابتداء عشرة دما وعشرة طهرا واستمر كذلك فحيضها من أول ما رأت عشرة إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك عشرون ويضربه فيما يقارب الشهر وذلك اثنان فيكون أربعين وآخره طهر فقد مضت أيامها في الشهر الثاني لم تر فيها شيئا، والإبدال غير ممكن إلا على قول من يقول بالجر أو الطرح على ما نبينه في بابه؛ لأن بعد الإبدال لا يبقى إلى موضع حيضها الثاني طهر تام فتصلي إلى موضع حيضها الثاني حتى ينظر إلى أن ختم الشهرين بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا وذلك عشرون ويضربه فيما يوافق الشهرين وذلك ثلاثة فيكون ستين وآخره طهر فاستقام أمرها واستقبلها في الشهر الثالث مثل ما كان في الشهر الأول فيكون دورها في كل شهرين تترك عشرة وتصلي خمسين يوما وذلك دأبها والله أعلم. [باب الانتقال في الحيض] (باب الانتقال) قال: - رحمه الله تعالى - الانتقال على ضربين: انتقال موضع، وانتقال عدد ولا يحصل الانتقال بالمرة الواحدة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ما لم تر مرتين، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - بالمرة الواحدة يحصل انتقال العادة قال: لأن ابتداء العادة يحصل بالمرة فيكون كذلك انتقالها؛ لأن المرأة صاحبة بلوى، وفي الانتقال بالمرة الواحدة تيسير عليها فكان القول به أولى لقوله تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] ؛ ولأن المرة الأخيرة متصلة بالاستمرار والبناء على العادة في زمان الاستمرار فترجح ما كان متصلا بالاستمرار على ما كان قبله؛ لأن هذه المرة لصحتها صارت فاصلة بين زمان الاستمرار، وما تقدم وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا: العادة مشتقة من العود ولن يحصل العود بدون التكرار؛ ولأن الشيء لا ينسخه إلا ما هو مثله أو فوقه قال الله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] والأول متأكد بالتكرار فلا ينسخه إلا ما هو مثله في التأكد وقد بينا الفرق بين ابتداء العادة وانتقالها ثم نبدأ ببيان انتقال الموضع فنقول: هو نوعان: تارة يكون بالرؤية في غير موضع عادتها مرتين وتارة يكون بعدم الرؤية مرتين وبيان ذلك امرأة حيضها عشرة وطهرها خمسة عشر طهرت مرة خمسة وعشرين يوما ثم رأت الدم عشرة فهذه العشرة حيض عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - وتنتقل عادتها في الحيض إلى موضع الرؤية، وفي الطهر إلى خمسة وعشرين وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لا تكون هذه العشرة حيضا لها، ولكن يتوقف أمرها على الرؤية في أيام عادتها في الثاني فإن رأت تبين أن ما سبق لم يكن حيضا، وإن لم تر بأن طهرت خمسة وعشرين بعد هذه العشرة ثم رأت الدم عشرة تبين أن العشرة الأولى كانت حيضا؛ لأنها رأت خلاف عادتها في الموضع مرتين والعدد بحاله فانتقلت عادتها إلى موضع الرؤية ولو كانت عادتها في الحيض ثلاثة وفي الطهر خمسة عشر فطهرت ستة عشر يوما فهذه لم تر مرة؛ لأنه لم يبق من أيام عادتها ما يمكن أن يجعل حيضا لها فتصلي إلى موضع حيضها، وموضع حيضها الأول من خمسة عشر إلى ثمانية عشر، وموضع حيضها الثاني من ثلاثة وثلاثين إلى ستة وثلاثين حتى إذا طهرت ثلاثة وثلاثين ثم استمر بها الدم فقد وافق الاستمرار ابتداء حيضها الثاني فيجعل ثلاثة حيضا وخمسة عشر طهرا. وإن طهرت أربعة وثلاثين فلم تر مرتين على الولاء؛ لأن الباقي من أيامها الثاني لا يمكن أن يجعل حيضا فانتقلت عادتها إلى أول الاستمرار لعدم الرؤية مرتين فتكون الثلاثة من أول الاستمرار حيضا لها ألا ترى أن امرأة عادتها في الحيض في أول كل شهر عشرة، وفي الطهر عشرين فحبلت ثم ولدت وقد بقي من الشهر عشرة، واستمر بها الدم فهذه العشرة والشهر الذي يليها نفاسها ثم بعده عشرون طهرها ثم عشرة حيضها فقد انتقلت عادتها في الحيض من أول الشهر إلى آخره لعدم الرؤية مرارا في زمان الحبل فعرفنا أن العادة تنتقل بعدم الرؤية مرتين والله أعلم بالصواب. [فصل رأت بعد أيامها ما يمكن أن يجعل حيضا] (فصل) في بيان البدل على قول محمد - رحمه الله تعالى - صاحبة العادة المعروفة إذا لم تر في أيامها ما يصلح أن يكون حيضا، ورأت بعد أيامها ما يصلح أن يكون حيضا فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يتوقف حكم ما رأت على ما ترى في المرة الثانية فإن رأت في موضع عادتها تبين أن ما سبق لم يكن حيضا، وإن رأت في الشهر الثاني مثل ما رأت في الشهر الأول تبين أن ما سبق كان حيضا وانتقلت عادتها، وكان لا يجوز الإبدال؛ لأن في الإبدال إبهام نقل العادة بالمرة الواحدة، وذلك لا يجوز فأما محمد قال: إذا رأت بعد أيامها ما يمكن أن يجعل حيضا جعل حيضا بدلا عن أيامها إذا أمكن الإبدال والإمكان بأن يبقى إلى موضع حيضها الثاني بعد الإبدال أقل مدة الطهر، وذلك خمسة عشر يوما أو أكثر سواء كان الطهر خالصا أو فيه استمرار فإن كان الباقي بعد الإبدال من طهرها دون خمسة عشر نظر. فإن أمكن أن يجر من موضع حيضها الثاني ما يضم إلى ما في الطهر فيكون ذلك خمسة عشر، ويبقى بعد الجر من موضع حيضها الثاني ما يمكن أن يجعل حيضا يبدل لها أيضا، وإن كان الباقي دون ذلك فحينئذ لا يبدل لها وتصلي إلى موضع حيضها الثاني؛ لأن الحيض مبني على الإمكان، والإمكان موجود إذا بقي بعد الإبدال مدة طهر تام أو أمكن تتميمه بالجر؛ لأن عادة المرأة لا تبقى على صفة واحدة ولكنها تتقدم تارة، وتتأخر أخرى وكان أبو حفص الكبير ومحمد بن مقاتل يقولان بالبدل على قول محمد - رحمه الله تعالى - بطريق الطرح لا بطريق الجر وبيانه إذا كان الباقي بعد الإبدال أقل من خمسة عشر يوما فإن أمكن أن يطرح من أيام البدل ما يضم إلى باقي الطهر فيتم خمسة عشر يوما ويبقى من موضع البدل ما يمكن أن يجعل حيضا يبدل لها، وإن كان الباقي دون ذلك لا يبدل لها وقالا: هذا الوجه أولى؛ لأن التغيير فيه في موضع واحد وفي الجر التغيير في موضعين وجواز التغيير لأجل الضرورة فإذا كان يرتفع ذلك بالمرة لا يجوز إثباته في موضعين وعدد البدل دون عدد الأصل وبيانه في التيمم مع الوضوء وكان أبو زيد الكبير وأبو يعقوب الغزالي يقولان بالبدل إذا كان يبقى بعد الإبدال إلى موضع حيضها الثاني خمسة عشر يوما فإن كان الباقي دون ذلك لا يبدل لها؛ لأن إثبات البدل ليكون الدم المرئي بين طهرين تامين فإذا وجد بهذه الصفة يبدل لها وإلا فلا. وبيانه من المسائل امرأة عادتها في الحيض خمسة وطهرها عشرون طهرت مرة اثنين وعشرين يوما ثم استمر بها الدم يجعل حيضها من أول الاستمرار ثلاثة؛ لأنها رأت في أيامها ما يمكن أن يجعل حيضا فإن طهرت ثلاثة وعشرين ثم استمر بها الدم فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - تصلي إلى موضع حيضها الثاني، وذلك اثنان وعشرون يوما وعند محمد - رحمه الله تعالى - يبدل لها خمسة من أول الاستمرار؛ لأن الباقي بعد الإبدال إلى موضع حيضها الثاني سبعة عشر يوما، وكذلك إن طهرت أربعة وعشرين يوما أو خمسة وعشرين ثم استمر بها الدم فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - تصلي إلى موضع حيضها الثاني، وذلك اثنان وعشرون يوما، وعند محمد - رحمه الله تعالى - يبدل لها خمسة من أول الاستمرار؛ لأن الباقي بعد الإبدال إلى موضع حيضها الثاني سبعة عشر يوما. وكذلك إن طهرت أربعة وعشرين يوما أو خمسة وعشرين واستمر بها الدم يبدل لها خمسة؛ لأن الباقي بعد خمسة عشر يوما فتدع خمسة وتصلي خمسة عشر ثم تدع خمسة وتصلي عشرين فإن طهرت ستة وعشرين يوما ثم استمر بها الدم فعلى قول أبي زيد وأبي يعقوب لا يبدل لها؛ لأن الباقي بعد الإبدال أربعة عشر يوما، ولكنها تصلي من أول الاستمرار تسعة عشر يوما ثم تدع خمسة وتصلي عشرين وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - يبدل لها خمسة؛ لأن الإبدال بطريق الجر ممكن فيجر من موضع حيضها الثاني يوما إلى بقية طهرها ليتم خمسة عشر فتدع من أول الاستمرار خمسة بطريق البدل ثم تصلي خمسة عشر ثم تدع أربعة ثم تصلي عشرين ثم تدع خمسة وتصلي عشرين، وعلى قول أبي حفص ومحمد بن مقاتل رحمهما الله تعالى يبدل لها بطريق الطرح فتدع من أول الاستمرار أربعة ثم تصلي خمسة عشر ثم تدع خمسة وتصلي عشرين وكذلك إن طهرت سبعة وعشرين ثم استمر بها الدم، فهو في التخريج كما بينا، وإن طهرت ثمانية وعشرين ثم استمر بها الدم لا يبدل لها بالاتفاق؛ لأن بعد الإبدال يبقى من الطهر اثنا عشر فإن جررت إليه ثلاثة لا يبقى من موضع حيضها الثاني ما يمكن أن يجعل حيضا. وإن ضممت من أيام البدل ثلاثة لا يبقى ما يمكن أن يجعل حيضا فلا يبدل لها ولكنها تصلي إلى موضع حيضها الثاني، وذلك سبعة عشر يوما ثم تدع خمسة وتصلي عشرين وكما يجوز الإبدال بعد أيامها عند محمد - رحمه الله تعالى - يجوز قبل أيامها بشرط أن يكون دما عقيب طهر صحيح لا استمرار فيه حتى إذا صلت في شيء من الطهر المتقدم بالدم لا يبدل لها قبل أيامها. بيانه: امرأة حيضها خمسة وطهرها عشرون طهرت خمسة عشر ثم رأت خمسة دما ثم طهرت أيامها فعند محمد - رحمه الله تعالى - تجعل الخمسة المتقدمة حيضها بدلا عن أيامها، ولو طهرت أربعة عشر ثم رأت ستة دما ثم طهرت أيامها لم يبدل لها شيء من المتقدم؛ لأنها صلت في يوم منه بالدم، وهو اليوم الخامس عشر، وعند محمد - رحمه الله تعالى - يبدل لها مثل أيامها أو أقل من أيامها بقدر الممكن، ولا يجوز أن يبدل لها أكثر من أيامها إلا بشرط أن يكون بين طهرين صحيحين لا استمرار فيها؛ لأن الحاجة إلى جعل الزيادة حيضا ابتداء فما لم يكن مرئيا بين طهرين صحيحين لا يمكن جعله حيضا ابتداء فإن أمكن الإبدال قبل أيامها، وبعد أيامها يبدل لها قبل أيامها؛ لأنه أسرعهما إمكانا وبيانه إذا كانت عادتها في الحيض ثلاثة، وفي الطهر سبعة وعشرون فطهرت خمسة عشر يوما ثم رأت الدم ثلاثة ثم طهرت اثني عشر يوما ثم رأت الدم فإنها لم تر في أيامها شيئا فتبدل لها الثلاثة التي رأتها بعد خمسة عشر؛ لأنها مرئية بعد طهر صحيح فكان إمكان البدل فيه قائما فلهذا يبدل لها تلك الثلاثة دون ما رأته بعد أيامها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب [باب الزيادة والنقصان في أيام الحيض] (قال): - رحمه الله تعالى - اعلم بأن صاحبة العادة المعروفة إذا رأت الدم زيادة على عادتها المعروفة تجعل ذلك حيضا ما لم يجاوز أكثر الحيض فإن جاوز ردت إلى أيام عادتها فيجعل ذلك حيضها وما سواه استحاضة؛ لأن طبع المرأة لا يكون على صفة واحدة في جميع الأوقات فيزداد حيضها تارة باعتبار قوة طبعها، وينقص أخرى بضعف طبعها، وأمر الحيض مبني على الإمكان فإذا لم تجاوز العشرة فالإمكان قائم في الكل، وإن جاوز العشرة فقد صارت مستحاضة لما رأت زيادة على العشرة قال: - صلى الله عليه وسلم - «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها»؛ ولأن ما رأته بعد معروفها تبع لمعروفها لم يجاوز العشرة وحكم التبع حكم المتبوع فأما بعد المجاوزة تجاذبه جانبان فإن اعتباره بأيامها يجعله حيضا واعتباره بما زاد على العشرة يجعله استحاضة فيترجح هذا الجانب؛ لأنه ما ظهر إلا عند ظهور هذه الاستحاضة فالظاهر أنه كان لداء في باطنها فإن جاءت المرأة تستفتي فقالت: كانت عادتي في الحيض خمسة، والآن أرى الدم في اليوم السادس فقد اختلف فيه مشايخنا قال أئمة بلخي أنها تؤمر بالاغتسال والصلاة؛ لأن حال الزيادة متردد بين الحيض والاستحاضة فلا تترك الصلاة مع التردد؛ ولأن هذه الزيادة لا تكون حيضا إلا بشرط، وهو الانقطاع قبل أن يجاوز العشرة، وذلك موهوم فلا تترك الصلاة باعتبار أمر موهوم وكان محمد بن إبراهيم الميداني - رحمه الله تعالى - يقول: لا تؤمر بالاغتسال والصلاة، وهو الأصح؛ لأنها عرفناها حائضا بيقين وفي خروجها من الحيض شك، ودليل بقائها حائضا ظاهر، وهو رؤية الدم، وهذه الزيادة لا تكون استحاضة إلا بشرط الاستمرار حتى تجاوز العشرة وذلك الشرط غير ثابت فتيقناها حائضا لا تؤمر بالاغتسال والصلاة حتى يتبين أمرها فإن جاوز العشرة فحينئذ تؤمر بقضاء ما تركت من الصلوات بعد أيام عادتها، واعتبر هذا بالمبتدأة لا تؤمر بالاغتسال والصلاة مع رؤية الدم ما لم تجاوز العشرة. ومما ذكر محمد - رحمه الله تعالى - في هذا الباب من المسائل امرأة عادتها في الحيض خمسة في أول كل شهر فرأت ثلاثة أيام دما في أيامها ثم انقطع سبعة أيام أو ستة أيام ثم رأته يوما أو أكثر فخمستها المعروفة هي الحيض في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - بناء على جواز ختم الحيض بالطهر، وإن طهر ما دون خمسة عشر كالدم المتوالي عنده، وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - الثلاثة الأولى هي الحيض؛ لأنه لا يرى ختم الحيض بالطهر، ولو أنها رأت في أول العشرة يومين دما وفي آخرها يومين دما فذكر الشيخ الإمام برهان الدين - رحمه الله تعالى - أن قوله خمستها حيض إذا كان اليومان الآخران هما اليوم العاشر والحادي عشر أما إذا كان اليومان التاسع والعاشر فالكل حيض عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - ولم يكن شيء من ذلك حيضا في قول محمد - رحمه الله تعالى -؛ لأن الطهر غالب فصار فاصلا بين الدمين وواحد منهما بانفراده لا يمكن أن يجعل حيضا فإن لم تر في أولها يومين دما لم يكن شيء من ذلك حيضا عندهم جميعا، وإن رأت في أولها يومين دما، ورأت اليوم العاشر والحادي عشر والثاني عشر دما كانت خمستها هي الحيض في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى -؛ لأن الطهر قاصر، فهو كالدم المتوالي. وعند محمد الثلاثة الأخيرة هي الحيض بطريق البدل فإن الإبدال ممكن؛ لأنه يبقى بعده إلى مدة حيضها الثاني مدة طهر كامل فإن رأت في أول خمستها يوما دما ويوما طهرا حتى جاوز العشرة كانت خمستها حيضا في قولهم جميعا؛ لأن ابتداء الخمسة وختمها كان بالدم، والطهر المتخلل قاصر فإن طهرت أول يوم من الشهر ثم رأت يوما دما ويوما طهرا حتى جاوز العشرة فاليوم جاوز العشرة فاليوم الأول ليس بحيض عندهم جميعا؛ لأنه لم يسبقه دم، وهو في نفسه طهر، وإنما جوز أبو يوسف - رحمه الله تعالى - ابتداء الحيض بالطهر بشرط أن يتقدمه دم الاستحاضة، والأربعة الباقية من أيامها حيض في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى -؛ لأنه لا يرى ختم الحيض بالطهر إلا إذا تعقب دما على قول محمد حيضها ثلاثة وهي الثاني والثالث والرابع من أيامها فإن الخامس كان طهرا، وهو لا يرى ختم الحيض بالطهر، وإن وقف على العشرة كان ما بعد اليوم الأول حيضا كله، وإن رأت يوما دما قبل رأس الشهر ومن أول الشهر يوما طهرا ويوما دما إلى تمام العشرة فاليوم الأول وجميع ذلك حيض إلى اليوم العاشر فإنها لم تر فيه دما، ولا بعده وما سوى ذلك وجد فيه شرط الإمكان فجعل حيضا، وإن جاوز العشرة فخمستها المعروفة هي الحيض في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - وقال محمد حيضها ثلاثة أيام، وهي الثاني والثالث والرابع من معروفها؛ لأنها طهرت في اليوم الأول والخامس، وهو لا يرى بداية الحيض ولا ختمه بالطهر وبعض هذه المسائل يأتي بيانه في فصل يفرد له ![]()
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث صـــ 180 الى صـــ 189 (64) [باب تقديم الحيض وتأخيره] (باب في تقديم الحيض وتأخيره) اعلم أن صاحبة العادة إذا رأت قبل عادتها دما، فهو على ثلاثة أوجه في وجه هو حيض بالاتفاق وفي وجه اختلفوا فيه وفي وجه روايتان عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أما الوجه الأول، وهو أنها إذا رأت قبل أيامها ما لا يمكن أن يجعل حيضا بانفراده، ورأت في أيامها ما يمكن أن يجعل حيضا بانفراده ولم يجاوز الكل عشرة فالكل حيض بالاتفاق؛ لأن ما رأته قبل أيامها غير مستقل بنفسه فيجعل تبعا لما رأته في أيامها وذكر في نوادر الصلاة عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - مطلقا أن المتقدم لا يكون حيضا ولكن تأويله إذا كان بحيث لا يمكن أن يجعل حيضا بانفراده وبعض أئمة بلخي أخذوا بالظاهر فقالوا: المتقدم عنده لا يكون حيضا على حال؛ لأنه مستنكر مرئي قبل وقته، وأما الوجه الذي اختلفوا فيه فثلاثة فصول. أحدها أن ترى قبل خمستها المعروفة خمسة أو ثلاثة أو لا ترى في خمستها شيئا أو رأت قبل خمستها يوما أو يومين، ومن أول خمستها يوما أو يومين بحيث لا يمكن جعل كل واحد منهما بانفراده حيضا ما لم يجتمعا ففي كتاب الصلاة قال: الكل حيض، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ولم يذكر قول أبي حنيفة، وقد نص على الخلاف في نوادر الصلاة أن عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لا يكون شيء من ذلك حيضا وجه قولهما أن الحيض مبني على الإمكان والمتقدم قياس المتأخر فكما جعل المتأخر عند الإمكان حيضا فكذلك المتقدم وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: المتقدم دم مستنكر مرئي قبل وقته فلا يكون حيضا كالصغيرة جدا إذا رأت الدم، وهذا؛ لأن الحاجة إلى إثبات الحيض لها ابتداء، ولا يحصل ذلك بما ليس بمعهود لها ما لم يتأكد بالتكرار؛ لأن الدلالة قامت على أن العادة لا تنتقل بالمرة الواحدة بخلاف المتأخر فإن الحاجة هناك إلى إبقاء ما ثبت من صفة الحيض والإبقاء لا يستدعي دليلا موجبا، والوجه الثالث إذا رأت قبل أيامها ما يكون حيضا بانفراده، ورأت أيامها مع ذلك فعلى قولهما لا يشكل أن الكل حيض إذا لم يجاوز العشرة اعتبارا للمتقدم بالمتأخر. وعن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - روايتان فيه روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أن الكل حيض وما رأت في أيامها يكون أصلا لكونه مستقلا بنفسه فيستتبع ما تقدم كما لو كان المتقدم يوما أو يومين وروى محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أن أيامها حيض فأما المتقدم فحكمه موقوف على ما ترى في الشهر الثاني فإن رأت ما رأته في الشهر الأول تبين أنه كان حيضا، وانتقلت عادتها بالتكرار، وإن رأت في الشهر الثاني في أيامها، ولم تر قبل أيامها تبين أن المتقدم لم يكن حيضا؛ لأنه مستنكر مرئي قبل وقته، وهو نفسه مستقل فلا يمكن جعله تبعا لأيامها بخلاف اليوم واليومين فإذا جاءت المرأة تستفتي أنها ترى الدم قبل أيامها فعندهما تؤمر بترك الصلاة إذا كان الباقي من أيام طهرها ما لو ضم إلى أيامها لم يجاوز العشرة؛ لأنها ترى الدم عقيب طهر صحيح فكان حيضا للإمكان وعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إن كان الباقي من طهرها ثلاثة أيام أو أكثر لم تؤمر بترك الصلاة؛ لأن هذا المتقدم ليس بحيض لكونه مستقلا في نفسه فلا تستتبعه أيام حيضها، وإن كان يوما أو يومين فعلى قول أئمة بلخي تؤمر بترك الصلاة، وعلى قول أئمة بخارى لا تؤمر به عند أبي حنيفة؛ لأن هذا المتقدم عنده لا يكون حيضا إلا بشرط أن ترى في أيامها ما يمكن أن يجعل حيضا بانفراده، ولم يثبت هذا الشرط بعد فلا تؤمر بترك الصلاة، وهو نظير الاختلاف الذي بيناه في الباب المتقدم فأما في المتأخر إن رأت أيامها ورأت بعد أيامها أيضا، ولم يجاوز العشرة فالكل حيض بالاتفاق؛ لأن ما بعد أيامها في حكم التبع لأيامها ويستقيم إثبات التبع بعد ثبوت الأصل بخلاف المتقدم عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -. وإن لم تر أيامها ورأت بعد أيامها ما يمكن أن يجعل حيضا أو رأت في أيامها يوما أو يومين وبعد أيامها مثل ذلك بحيث لا يمكن جعل كل واحد منهما بانفراده حيضا ويمكن جعل ذلك كله حيضا ففي ظاهر الرواية أن ذلك حيض عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - للإمكان وذكر أبو سهل الفرائضي - رحمه الله تعالى - رواية أخرى عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه موقوف على ما ترى في الشهر الثاني فإن رأت في الشهر الثاني في أيامها تبين أن ذلك لم يكن حيضا وانتقلت به عادتها، وإن رأت قبل أيامها وفي أيامها، وبعد أيامها فعلى أصل أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى حكم المتقدم والمتأخر سواء لا يفصل البعض عن البعض ولكن إن لم يجاوز الكل عشرة فالكل حيض، وإن جاوز كان حيضها أيام عادتها دون ما تقدم وما تأخر وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أن أيامها تصير فاصلة بين المتقدم والمتأخر ومعنى هذا أنه لا يعتبر المتقدم إنما تعتبر أيامها وما تأخر فإن لم يجاوز العشرة فالكل حيض، وإن جاوز فحيضها أيامها وظاهر المذهب عن أبي حنيفة إنه ينظر إلى قدر المتقدم فإن كان يوما أو يومين لا يفصل عن أيامها والجواب فيه كما قالا إن لم يجاوز الكل العشرة فالكل حيض، وإن كان المتقدم ثلاثة أيام أو أكثر يصير فاصلا فينظر إلى أيامها وما تأخر خاصة، وهذا بناء على أصله أن المتقدم إذا كان لا يستقل بنفسه يجعل حيضا تبعا لها بخلاف ما إذا استقل بنفسه وأما إذا رأت قبل أيامها ولم تر في أيامها شيئا، ورأت بعد أيامها فعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - إذا جاوز الكل العشرة فحيضها أيامها؛ لأنه يجعل زمان الطهر حيضا بإحاطة الدمين به وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - حيضها ما تقدم إن أمكن، وإن لم يمكن فحيضها ما تأخر، وعن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فيه روايتان في ظاهر الرواية يجعل المتأخر حيضا وعلى ما ذكر أبو سهل الفرائضي - رحمه الله تعالى - يكون موقوفا على ما ترى في الشهر الثاني. وعلى هذا بنى محمد - رحمه الله تعالى - أول الباب فقال: امرأة كان حيضها خمسة أيام من أول كل شهر فرأت قبلها خمسة دما وطهرت أيامها ثم رأت بعد ذلك يوما أو يومين أو ثلاثة فأيامها المعروفة هي الحيض في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - وقال محمد: - رحمه الله تعالى - المتقدم هو الحيض، وكذلك إن كانت رأت يومين دما من أول أيامها مع ذلك أو من آخر أيامها؛ لأن ما رأته في أول أيامها لا يمكن أن يجعل حيضا بانفراده، وإن رأت ثلاثة دما في أيامها مع ذلك من أولها أو من آخرها كانت هذه الثلاثة هي الحيض في قول محمد - رحمه الله تعالى -؛ لأنها رأت في أيامها ما يمكن أن يجعل حيضا بانفراده، وإن كان حيضها ثلاثة أيام من أول كل شهر فتقدم حيضها قبل ذلك أحد عشر يوما ثم طهرت أيامها فلم تر فيها ولا فيما بعدها دما فعلى قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن ذلك استحاضة إلا أن يعاودها الدم في مثل تلك الحالة أحد عشر يوما أخر فإن عاودها كانت ثلاثة أيام من الأيام الأول من أولها حيضا وثلاثة أيام من هذه الأحد عشر يوما الأخرى حيضا من أولها؛ لأنه لا يرى الإبدال فجعل حكم ذلك موقوفا فإن تأكد بالتكرار انتقلت به العادة لما بينا أن انتقال العادة يحصل بعدم الرؤية في أيامها مرتين فأما عند محمد - رحمه الله: ثلاثة أيام من أول الأحد عشر يوما الأول حيض بطريق البدل؛ لأنه مرئي عقيب طهر صحيح وحكم انتقال العادة به يكون موقوفا على ما ترى في الشهر الثاني كما قال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - فإن كان حيضها خمسة أيام من أول الشهر فحاضتها ثم استمر بها الدم إلى تمام الشهر ثم انقطع في خمستها ثم استمر بعدها ففي قول أبي يوسف - رحمه الله - حيضها خمستها لإحاطة الدم بجانبيها. وقال محمد - رحمه الله - حيضها خمسة أيام بعد أيامها؛ لأن شرط الإبدال في المتقدم أن يكون مرئيا عقيب طهر صحيح لا استمرار فيه، ولم يوجد فكان الإبدال بعد أيامها؛ لأنه يبقى بعد الإبدال إلى موضع حيضها الثاني مدة طهر تام، وإن كان فيه استمرار، وإن لم تر كذلك، ولكنها رأت خمسة قبل أيامها دما، وطهرت أيامها فتلك الخمسة هي الحيض في قول محمد - رحمه الله تعالى - لوجود شرط الإبدال في المتقدم فإن رأت في المرة الثانية تلك الخمسة وأيامها المعروفة وزيادة يوم دما فحيضها الخمسة المعروفة؛ لأن انتقال العادة لا يحصل بالمرة الواحدة فإن لم تر في المرة الثانية كذلك، ولكنها رأت الخمسة التي قبل أيامها، وطهرت أيامها وطهرت بعد أيامها ثم رأت في المرة الثالثة تلك الخمسة وخمستها وزيادة يوم فحيضها هي الخمسة الأولى؛ لأن انتقال العادة حصل بعدم الرؤية في أيامها مرتين وكذلك إن طهرت في أيامها مرتين ولم تر في غيرها دما ثم رأت الدم خمسة قبل أيامها وفي أيامها وزيادة يوم فحيضها خمسة من أول ما رأت لانتقال العادة في الموضع لعدم الرؤية مرتين. وإن كانت طهرت في أيامها مرة واحدة فحيضها هي الخمسة المعروفة؛ لأن الانتقال لا يحصل بعدم الرؤية مرة إلا في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - فإن كانت لم تر قبل أيامها، ولا في أيامها، ورأت بعدها خمسة دما ثم في المرة الثانية طهرت خمستها، وهذه الخمسة ثم استمر بها الدم فأيامها خمسة من حين استمر بها الدم لانتقال العادة إلى موضع الرؤية بعدم الرؤية أيامها مرتين. (قال): في الكتاب وما بعدها طهر إلى تمام الشهر من حين استمر بها الدم ثم تكون حائضا وأكثر مشايخنا رحمهم الله تعالى على أن هذا الجواب غلط، والصحيح أن بعد ما تترك خمسة من أول الاستمرار تصلي ثلاثين يوما؛ لأن عادتها في الطهر قد انتقلت إلى ثلاثين يوما برؤيته مرتين على الولاء ففي الشهر الأول طهرت خمستها بعد ما مضى من طهرها خمسة وعشرون فذلك ثلاثون يوما ثم رأت خمسة ثم طهرت بقية الشهر، وذلك عشرون يوما وطهرت خمستها وخمسة بعد خمستها في الشهر الثالث فذلك ثلاثون يوما فعلمنا أنها طهرت مرتين على الولاء ثلاثين فانتقلت عادتها في الطهر إلى هذا فعليه تبني في زمان الاستمرار. (قال) الحاكم - رحمه الله تعالى - ويحتمل أن يكون وجه جواب محمد - رحمه الله تعالى - أنها لما طهرت أيامها المعروفة مرتين كان حيضها منتقلا إلى حيث ترى الدم فلما رأته في الخمسة الثالثة من الشهر صار ذلك الموضع وقتها وكان حكمها كالتي تدرك فحيضها من أول الإدراك أو كالتي انتقلت عادتها بالحبل عن موضع عادتها فإذا استمر بها الدم حتى ينتهي إلى هذه الخمسة من الشهر الآخر فقد انتهت إلى معروفها، وهي ترى الدم فلا بد من أن يجعل ذلك حيضا ولم يحصل بين هذه الخمسة وبين الخمسة الأولى من حساب الطهر إلا خمسة وعشرون يوما فلذلك أجاب بما أجاب به، وهذا الذي قاله ضعيف؛ لأن في حق المبتدأة ليس لها في الطهر عادة تبني على تلك العادة، ولهذه في الطهر عادة متأكدة بالتكرار وذلك ثلاثون يوما فلا يجوز النقصان عنه في زمان الاستمرار، ومن أصحابنا من قال: مراده مما قال وما بعدها طهر إلى تمام الشهر خمسة عشر يوما؛ لأنه إنما استمر بها الدم بعد ما مضى عشرة أيام من الشهر فإن تركت خمسة بقي إلى تمام الشهر خمسة عشر يوما فتصلي فيها ثم تدع خمسة من أول الشهر، وهذا أيضا ضعيف فقد قال في الكتاب: وما بعدها طهر إلى تمام الشهر من حين استمر بها الدم فإنما الدم جعل أول الشهر في حقها من وقت الاستمرار، والأصح أنه غلط لما بينا [فصل في بيان أصول مسائل انتقال العدد] (فصل في بيان أصول مسائل انتقال العدد) اعلم بأن العادة نوعان: أصلية وجعلية فصورة العادة الأصلية أن ترى المرأة دمين وطهرين متفقين صحيحين على الولاء أو أكثر من ذلك وصورة العادة الجعلية أن ترى المرأة دمين وطهرين متفقين بينهما مخالف لهما أو ترى أطهارا مختلفة أو دماء مختلفة فينصب أوسط الأعداد لها عادة على قول من يقول بأوسط الأعداد وأقل المرتين على قول من يقول بأقل المرتين الأخيرتين فتكون هذه عادة جعلية لها في زمان الاستمرار سميت جعلية؛ لأنه جعل عادة لها للضرورة، ولم يوجد فيها دليل ثبوت العادة حقيقة فإن رأت العادة الجعلية بعد العادة الأصلية قال أئمة: بلخي رحمهم الله تعالى لا تنتقض به العادة الأصلية؛ لأنها دونها. والشيء لا ينقضه ما هو دونه إنما ينقضه ما هو مثله أو فوقه؛ ولأن ما ثبت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة وقد تحققت الضرورة في إثبات عادة لها، ولا ضرورة في نقض العادة التي كانت لها، ومشايخ بخارى رحمهم الله تعالى يقولون: تنقض العادة الأصلية بالعادة الجعلية؛ لأنه لا بد من التكرر في العادة الجعلية بخلاف ما كان في العادة الأصلية مثاله إذا كانت العادة الأصلية في الحيض خمسة لا تثبت الجعلية إلا برؤية ستة أو سبعة أو ثمانية فالتكرار فيها خلاف العادة الأصلية مرارا؛ لأن سبعة وثمانية يتكرر فيها ستة فبالتكرار بخلاف العادة الأصلية ننتقض تلك العادة ولكن لكونها متفاوتة في نفسها تكون العادة الثانية جعلية لا أصلية ثم قد بينا أن العادة الأصلية لا تنتقض برؤية المخالف مرة واحدة إلا على قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - حتى إذا كانت عادتها في الحيض خمسة، وفي الطهر عشرين فطهرت خمسة عشر ثم استمر بها الدم فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى تصلي من أول الاستمرار خمسة تمام عادتها في الطهر، وعلى قول أبي يوسف - رحمه الله - تدع من أول الاستمرار خمسة، وقد انتقلت عادتها في الطهر إلى خمسة عشر بالرؤية مرة واحدة فأما العادة الجعلية تنتقض برؤية المخالف مرة واحدة وبالاتفاق؛ لأنها أضعف من العادة الأصلية وثبوتها ما كان بسبب التكرار فكذلك انتقاضها لا يتوقف على وجود التكرار فيما يخالفها بخلاف العادة الأصلية ثم المبتدأة إذا رأت أطهارا مختلفة ودماء مختلفة فوقعت الحاجة إلى نصب العادة لها. فالبناء على أوسط الأعداد عند محمد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى -، وعلى أقل المرتين الأخيرتين عند أبي عثمان - رحمه الله تعالى - وصاحبة العادة والمبتدأة في هذا الحكم سواء، وقد تكون عادة المرأة في الحيض والطهر جميعا أصلية وقد تكون جعلية فيهما وقد تكون أصلية في أحدهما جعلية في الآخر بحسب ما يتفق، وذلك كله ينبني على معرفة الأطهار الصحيحة والدماء الصحيحة فالطهر الصحيح على الإطلاق أن لا ينتقص عن أدنى مدته، وأن لا تصلي المرأة في شيء منه بالدم فإن صلت في أول يوم منه بالدم ثم كان الطهر بعده خمسة عشر أو أكثر فهذا صالح لجعل ما بعده من الدم حيضا غير صالح لنصب العادة به، وإن صلت في شيء منه بالدم ثم كان الطهر بعده دون خمسة عشر، فهو غير صالح لنصب العادة، ولا يجعل ما بعده حيضا، والدم الصحيح أن لا ينتقص عن أدنى مدته، وأن يكون بين طهرين كاملين وبيان هذا أنه لو كانت عادتها في الحيض عشرة وفي الطهر عشرين فرأت الدم أحد عشر يوما ثم طهرت خمسة عشر يوما ثم استمر بها الدم. فنقول: عشرة من أول ما رأت حيضها واليوم الحادي عشر أول طهرها فتصلي فيه بالدم ثم الطهر خمسة عشر فقد جاء الاستمرار وقد بقي من زمان طهرها أربعة فتصلي هذه الأربعة ثم تترك عشرة وتصلي عشرين، وإن كان بعد طهر خمسة عشر رأت خمسة دما ثم طهرت خمسة عشر فهذه الخمسة تكون حيضا لها؛ لأنه مرئي عقيب طهر خمسة عشر فيمكن جعله حيضا، ولكن لا تنتقل عادتها في الطهر إلى خمسة عشر؛ لأن الطهر الأول قد صلت في أول يوم منه بالدم فلا يصلح لنصب العادة، ولو كانت رأت الدم أحد عشر ثم الطهر أربعة عشر ثم الدم خمسة ثم الطهر خمسة عشر ثم استمر فإن الخمسة لا تجعل حيضا لها؛ لأنها غير مرئية عقيب طهر كامل بل بتلك الخمسة يتم طهرها ثم طهرت خمسة عشر فعشرة من ذلك مدة حيضها لم تر فيه ثم جاء الاستمرار، وقد بقي من طهرها خمسة عشر فتصلي من أول الاستمرار خمسة عشر ثم تدع عشرة وتصلي عشرين. وأما بيان البناء على أوسط الأعداد أو على أقل المرتين الأخيرتين أن نقول: امرأة حيضها خمسة وطهرها عشرون رأت الدم سبعة والطهر خمسة عشر والدم ستة والطهر سبعة عشر ثم استمر بها الدم فعلى قول من يقول بأوسط الأعداد تبني على ستة في الحيض وعلى سبعة عشر في الطهر؛ لأن المعتبر أوسط الأعداد فيما رأت لا أوسط ما ترى، وأوسط الأعداد في الحيض ستة؛ لأن قبله كان خمسة، وبعده كان سبعة، وأوسط الأعداد في الحيض ستة؛ لأن الطهر سبعة عشر فإنه كانت عادتها في الطهر عشرين، وقد رأت مرة خمسة عشر فأوسط الأعداد سبعة عشر، وعلى قول من يقول: بأقل المرتين الأخيرتين إنما تبني على ستة في الحيض، وخمسة عشر في الطهر؛ لأنها أقل المرتين الأخيرتين فقد رأت مرة سبعة ومرة ستة وفي الطهر مرة سبعة عشر ومرة خمسة عشر فلهذا بنت في زمان الاستمرار على أقل المرتين الأخيرتين، وأصل آخر أنه متى كان لها عادة أصلية فوقعت الحاجة إلى نصب العادة لها برؤية أطهار مختلفة أو دماء مختلفة فينصب لها أوسط الأعداد على قول من يقول به، وأقل المرتين على قول من يقول به مما يوافق العادة الأصلية فإنه يطرح المأخوذ ثم ينظر إلى أوسط الأعداد من الباقي أو إلى أقل المرتين فإن كان يوافق العادة الأصلية عرفت أنها باقية فتبني عليها الفساد. وإن لم تكن موافقة للعادة الأصلية عرفت أن العادة الأصلية قد انتقضت، والمطروح يصير عادة جعلية لها فتبني على ذلك في زمان الاستمرار وبيانه: امرأة عادتها في الحيض عشرة وفي الطهر عشرون طهرت ثلاثين يوما ثم رأت الدم عشرة ثم الطهر أربعين ثم الدم عشرة ثم الطهر خمسة عشر ثم الدم عشرة ثم الطهر عشرين ثم استمر فنقول: أوسط الأعداد في الطهر عشرون؛ لأنها رأت مرة ثلاثين ومرة أربعين ومرة خمسة عشر فأوسط الأعداد عشرون، وهو موافق للعادة الأصلية فيطرح ذلك يبقى بعده خمسة عشر وثلاثون وأربعون فأوسط الأعداد ثلاثون فلم يكن موافقا للعادة الأصلية فعرفنا أن العادة الأصلية قد انتقضت به، وإنما تبني في زمان الاستمرار على ما هو المطروح، وهو دم عشرة وطهر عشرين، ولو رأت الدم عشرة والطهر ثلاثين والدم عشرة والطهر خمسة عشر والدم عشرة والطهر عشرين ثم استمر فأوسط الأعداد في الطهر عشرون فيطرح ذلك يبقى بعده خمسة عشر وثلاثون، وما كان في الأصل عادة لها وذلك عشرون فأوسط الأعداد من ذلك عشرون فلما وافق أوسط الأعداد من الباقي بعد الطرح، العادة الأصلية عرفنا أنها لم تنتقض فتبني عليها ما بعدها فحين طهرت ثلاثين فعشرون منها زمان طهرها وعشرة من حساب حيضها ثم رأت الدم عشرة، وهو ابتداء طهرها ثم الطهر خمسة عشر عشرة تمام مدة طهرها وخمسة من حساب حيضها ثم الدم عشرة خمسة بقية مدة حيضها وخمسة من حساب طهرها ثم الطهر عشرين خمسة عشر بقية مدة طهرها وخمسة من حساب حيضها فجاء الاستمرار، وقد بقي من مدة حيضها خمسة فتدع خمسة من أول الاستمرار ثم تصلي عشرين ثم تدع عشرة ثم تصلي عشرين، وذلك دأبها، والمسائل المخرجة على هذا الأصل كثيرة في السؤالات، ومن أحكم الأصول فهما ودراية تيسر عليه تخريجها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. [باب في التقدم والتأخر بالأفراد والشفوع في الحيض] باب في التقدم والتأخر بالأفراد والشفوع) (قال) : - رضي الله عنه - الأصل أن التقدم متى كان بفرد فإنها لا ترى في أيامها الأول، ولا في أيامها الثواني ومتى كان التقدم بشفع فإنها ترى في أيامها الأول والثواني، والتأخر متى كان بفرد فإنها لا ترى في أيامها الأول ولا الثواني، ومتى كان بشفع فإنها لا ترى في أيامها الأول، وترى في أيامها الثواني، وبيان هذا امرأة حيضها ثلاثة من أول الشهر وطهرها سبعة وعشرون فرأت من أول الشهر يوما دما ويوما طهرا واستمر كذلك فإنها من أول الشهر حيض؛ لأن ابتداءه وختمه كان بالدم إلى أن ينظر أن ختم هذا الشهر بماذا يكون فيأخذ دما وطهرا، وذلك اثنان فيضربه فيما يوافق الشهر، وذلك خمسة عشر فيكون ثلاثين، وآخر المضروب طهر فعرفنا أنها وجدت أيامها في الشهر الثاني كما وجدت في الشهر الأول وهكذا في كل مرة فإن تقدم بيوم بأن طهرت ستة وعشرين ثم رأت يوما دما ويوما طهرا فاليوم الأول تمام طهرها ثم كان أيامها ابتداؤه وختمه بالطهر فلم تجد أيامها في هذا الشهر فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يتوقف حكمها على ما ترى في الشهر الثاني. وعند محمد - رحمه الله تعالى - تجعل ثلاثة من أول ما رأت حيضا لها بدلا عن أيامها، وحكم انتقال العادة موقوف على ما ترى في المرة الثانية فانظر أن ختم الشهر الثاني بماذا يكون فخذ دما وطهرا وذلك اثنان فاضربه فيما يقارب أحدا وثلاثين وذلك خمسة عشر فيكون ثلاثين وآخره طهر ثم يوم دم تتم به مدة طهرها ثم استقبلها في المرة الثانية يوم طهر ويوم دم ويوم طهر فلم تجد في هذه المرة أيضا فانتقلت عادتها إلى موضع الإبدال لعدم الرؤية في أيامها مرتين فإن تقدم بشفع بأن طهرت خمسة وعشرين ثم رأت يوما دما ويوما طهرا، واستمر كذلك فقدم طهرها بيومين واستقبلها زمان الحيض يوم دم ويوم طهر ويوم دم فقد وجدت هذه المدة إلى أن ينظر أن ختم الشهر بماذا يكون فتأخذ دما وطهرا وذلك اثنان فيضرب فيما يوافق اثنين وثلثين، وذلك ستة عشر فيكون اثنين وثلاثين، وآخره طهر ثم استقبلها في أيامها في الشهر الثاني دم يوم وطهر يوم ودم يوم فقد وجدت أيامها وهكذا تجد في كل مرة ثم تسير المسألة في التقدم فردا أو شفعا إلى أن نقول: طهرت ستة عشر يوما ثم رأت يوما دما ويوما طهرا كذلك فقد بقي زمان طهرها أحد عشر فخذ دما وطهرا وذلك اثنان فاضربه فيما يقارب أحد عشر. وذلك خمسة فتكون عشرة وآخره طهر ثم دم يتم به طهرها ثم استقبلها في أيامها طهر يوم ودم يوم وطهر يوم فلم تجد في أيامها في هذه المرة أيضا، وانتقلت عادتها إلى موضع الإبدال لعدم الرؤية في أيامها مرتين ثم تجد ذلك في كل مرة فإن طهرت خمسة عشر ثم رأت يوما دما ويوما طهرا فقد بقي من طهرها اثنا عشر فخذ دما، وطهرا، وذلك اثنان فاضربه فيما يوافق اثني عشر، وذلك ستة فيكون اثني عشرة وآخر المضروب طهر فاستقبلها في أيامها يوم دم ويوم طهر ويوم دم فقد وجدت في أيامها إلى أن ينظر أنها هل تجد في المرة الثانية فخذ دما وطهرا واضربه فيما يوافق اثنين وأربعين، وذلك أحد وعشرون فيكون اثنين وأربعين وآخره طهر ثم استقبلها في أيامها دم يوم وطهر يوم ودم يوم فقد وجدت، وهكذا تجد في كل مرة فإن تأخر بيوم بأن طهرت ثمانية وعشرين ثم رأت يوما دما ويوما طهرا فنقول: أنها لم تجد في هذه المرة أيامها فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - تصلي إلى موضع حيضها الثاني وحكمها موقوف على ما ترى في المرة الثانية، وعند محمد - رحمه الله - تجعل الثلاثة من أول ما رأت حيضا لها بدلا وحكم انتقال العادة موقوف على ما ترى في الشهر الثاني فخذ دما وطهرا واضربه فيما يقارب تسعة وعشرين، وذلك أربعة عشر فيكون ثمانية وعشرين وآخره طهر ثم يوم دم به يتم طهرها فيستقبلها في الشهر الثاني طهر يوم ودم يوم وطهر يوم فلم تجد، وانتقلت عادتها لعدم الرؤية مرتين إلى موضع الإبدال فتجد بعد ذلك في كل مرة. فإن تأخر بيومين بأن طهرت تسعة وعشرين ثم رأت يوما دما ويوما طهرا فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - تصلي إلى موضع حيضها الثاني وعند محمد - رحمه الله تعالى - تدع من أول ما رأت ثلاثة بطريق البدل إلى أن ينظر أنها هل ترى في الشهر الثاني فيأخذ دما وطهرا، وذلك اثنان ويضربه فيما يوافق ثمانية وعشرين، وذلك أربعة عشر فيكون ثمانية وعشرين وآخره طهر ثم استقبلها في الشهر الثاني دم يوم وطهر يوم ودم يوم فقد وجدت في هذه المرة، وهكذا نجد في كل مرة فإن رأت بعد طهرها سبعة وعشرين يومين دما ويوما طهرا، واستمر كذلك فعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - حيضها من أول ما رأت ثلاثة؛ لأنه يرى ختم الحيض بالطهر، وعلى قول محمد - رحمه الله - حيضها من أول ما رأت خمسة وطهرها خمسة وعشرون. (قال): الحاكم - رحمه الله تعالى -، وهذا غير مطرد على أصل محمد - رحمه الله تعالى - غير أنه اضطر إلى هذا الجواب، ومعنى هذا أن الإبدال زيادة على أيام عادتها لا يجوز عنده إلا أن يكون بين طهرين صحيحين لا استمرار فيهما، ولم يوجد ذلك الشرط هنا ولكنه قال: إنها لم تجد أيامها في المرة الأولى؛ لأن ختم الثلاثة بالطهر، وهكذا لا تجد في كل مرة، وإذا أردت معرفة ذلك فخذ دما وطهرا، وذلك ثلاثة واضربه فيما يوافق الشهر وذلك عشرة فيكون ثلاثين وآخره طهر ثم استقبلها في الشهر الثاني يومان دم ويوم طهر فلم تجد. وهكذا لا تجد في كل مرة فلو لم نزد في أيامها أدى ذلك إلى أن لا تكون حائضا في شيء من عمرها مع رؤيتها الدم في أكثر عمرها، وذلك لا يجوز فلهذه الضرورة زدنا في أيامها فجعلناها خمسة من أول ما رأت يومان دم ويوم طهر ويومان دم فهذه الخمسة حيضها، وباقي الشهر طهرها خمسة وعشرون فتجد بعد ذلك في كل مرة وكان أبو سهل الفرائضي - رحمه الله تعالى - يقول: الأصح عندي أن يجعل حيضها أربعة؛ لأن الزيادة على أيامها لأجل الضرورة، وهذه الضرورة تندفع بزيادة يوم واحد ليكون ابتداء حيضها وختمه بالدم فلا يزاد أكثر من يوم واحد فكان حيضها أربعة. ![]()
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث صـــ 180 الى صـــ 199 (65) وكان أبو عبد الله الزعفراني - رحمه الله تعالى - يقول: الأصح عندي أن يجعل حيضها ثلاثة أيام وساعة فإن الزيادة للضرورة فتتقدر بقدر الضرورة، وترتفع هذه الضرورة بزيادة ساعة من أيام الدم فلا يزاد أكثر من ذلك فيكون حيضها ثلاثة أيام وساعة، ولم يعتبر محمد - رحمه الله تعالى - شيئا من هذا؛ لأن كل دور من الدم، وذلك يومان في حكم شيء واحد لاتصال بعضه بالبعض فإذا وجب زيادة شيء منه يزاد كله فيجعل حيضها خمسة أيام من أول كل شهر. فإن رأت يومين دما ويوما طهرا، واستمر بها الدم فثلاثة أيام من حين استمر بها الدم حيض، وما قبله استحاضة في قول محمد - رحمه الله تعالى -؛ لأنا لو اعتبرنا من أول الرؤية كان ختم أيامها بالطهر فلا يجد بدا من أن يزيد في أيامها حيضها وإذا اعتبرنا من أول الاستمرار أمكن جعل الثلاثة حيضا لها من غير حاجة إلى زيادة وإلغاء يومي دم ويوم طهر قبل الاستمرار أهون من الزيادة في أيامها فلهذا يلغى ذلك ويجعل حيضها من أول الاستمرار ثلاثة. وكان الزعفراني - رحمه الله تعالى - يقول: إنما يلغى من أول اليومين ساعة فيبقى يومان إلا ساعة دم ويوم طهر فيضم إليه ساعة من أول الاستمرار حتى تتم ثلاثة أيام ويمكن جعل هذه الثلاثة حيضا لأن ابتداءه وختمه بالدم والإلغاء لأجل الضرورة فإذا ارتفعت الضرورة بإلغاء ساعة لا يجوز إلغاء ثلاثة أيام فإن رأت بعد طهر سبعة وعشرين يوما دما ويومين طهرا واستمر كذلك فنقول: إنها لم تجد أيامها في المرة الأولى؛ لأن ختم الثلاثة كان بالطهر وهكذا لا تجد في كل مرة لما بينا أنه يستقبلها في الشهر الثاني مثل ما كان يستقبلها في الشهر الأول يوم دم ويومان طهر فلا بد من الزيادة في مدة حيضها فيجعل حيضها من أول ما رأت أربعة ليكون ابتداؤه وختمه بالدم، والطهر في خلاله قاصر ثم طهرها بقية الشهر وذلك ستة وعشرون، وعلى قول الزعفراني - رحمه الله تعالى - إنما يزداد ساعة واحدة من اليوم الرابع؛ لأن الضرورة به ترتفع كما بينا، والمسائل المخرجة على هذا الأصل كثيرة وفيما بيناه كفاية فإن كان حيضها عشرة أيام من أول الشهر وطهرها عشرين فطهرت ثلاثين يوما ثم استمر بها الدم فعشرة من أول الدم والمستمر حيض عند محمد - رحمه الله تعالى - بطريق البدل؛ لأنها لم تر في أيامها شيئا. والإبدال بطريق الجر ممكن فإنا إذا أبدلنا هذه العشرة يبقى من زمان طهرها عشرة فيجر خمسة من أيام الحيض إلى باقي الطهر ليتم خمسة عشر فلهذا أبدل لها وقال: تترك من أول الاستمرار عشرة ثم تصلي خمسة عشر ثم تترك خمسة ثم تصلي عشرين ثم تترك عشرة وتصلي عشرين، وكذلك إن طهرت اثنين وثلاثين يوما؛ لأنا إذا أبدلنا لها من أول الاستمرار عشرة يبقى من الطهر ثمانية فيجر من أيامها الثاني سبعة إليه ليتم خمسة عشر فإنه يبقى بعده ثلاثة أيام، وذلك حيض تام فأما إذا طهرت ثلاثة وثلاثين فالآن لا يبدل لها من أول الاستمرار؛ لأنا لو أبدلنا لها عشرة يبقى من زمان طهرها سبعة فلا يمكن أن يجر من الحيض الثاني إليه ما يتم به الطهر خمسة عشر؛ لأن ذلك ثمانية، والباقي بعدها يومان ويومان لا يمكن أن يجعل حيضا فلهذا لم يبدل لها، ولكنه قال: تصلي إلى موضع حيضها الثاني والله أعلم بالصواب. [فصل في بيان التاريخ للحيض] (فصل في بيان التاريخ) امرأة كان أيام حيضها عشرة وأيام طهرها عشرين ثم استمر بها الدم يوم الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وأربعمائة ثم جنت وبقيت كذلك مدة طويلة ثم أفاقت، والدم مستمر كذلك فجاء اليوم وهو يوم الخميس السابع والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وسبعين وأربعمائة إلى فقيه تستفتيه أنها حائض اليوم أم طاهر، فإن كانت حائضا فهذا أول حيضها أو آخره، وإن كانت طاهرا فكذلك فالسبيل لذلك الفقيه أن ينظر من تاريخ الاستمرار إلى يوم السؤال فيأخذ السنين الكوامل والشهور الكوامل والأيام التي لم تبلغ شهرا فيجعل السنين شهورا والشهور أياما ثم يطرح من الجملة العدد الناقص من الشهور فنقول من تاريخ الاستمرار إلى وقت السؤال ثلاث سنين وستة أشهر وثلاثة عشر يوما فاجعل السنين شهورا بأن تضرب ثلاثة في اثني عشر فيكون ستة وثلاثين. وتضم إليه ستة أشهر فيكون اثنين وأربعين يضرب ذلك في ثلاثين فيكون ألفا ومائتين وستين يضم إليه ثلاثة عشر يوما فيكون ألفا ومائتين وثلاثة وسبعين إلا أن في الأشهر كوامل ونواقص فاجعل النصف كوامل والنصف نواقص، واطرح بعدد نصف الشهور من الجملة، وذلك أحد وعشرون يوما يبقى ألف ومائتان واثنان وخمسون ثم انظر إلى ماله ثلث صحيح وعشر صحيح فاطرحه؛ لأن دورها في كل ثلاثين عشرة حيض وعشرون طهر فألف ومئتان وثلاثون تطرح من هذه الجملة يبقى اثنان وعشرون، وليس له ثلث صحيح ولا عشر صحيح فعرفت أن عشرة من أول هذا الباقي حيضها واثني عشر طهرها فيقال لها: قد بقي من مدة طهرك ثمانية فتصلي ثمانية إلا أنه يبقى فيه شبهة، وهو أنه من الجائز أن عدد الكوامل من الشهور كان أقل وعدد النواقص كان أكثر، فإن أردت إزالة هذه الشبهة فاحسبه بالأسابيع؛ لأن كل أسبوع سبعة أيام من غير زيادة، فإن وافق العدد بالأسابيع ما كان معك علمت أن النواقص والكوامل كانا سواء، فإن فضل يوم علمت أن النواقص كان أكثر بشهر، وإن انتقص يوم علمت أن الكوامل أكثر بشهر فانظر إلى ما له سبع صحيح فاطرحه من أصل الحساب ولألف ومائة وتسعين سبع صحيح يبقى اثنان وستون ولستة وخمسين سبع صحيح فاطرحه من الباقي بقي معك ستة فابتداء الاستمرار كان يوم الأحد ومنه إلى وقت السؤال خمسة أيام؛ لأنها سألت يوم الخميس وقد فضل يوم فعلمت أن النواقص كان أكثر بشهر فاطرح من الباقي معك، وذلك اثنان وعشرون واحدا بقي أحد وعشرون حيضها من ذلك عشرة، وطهرها أحد عشر فيقال لها: هذا يوم الحادي عشر من طهرك فصلي تسعة أيام تمام طهرك ثم اتركي عشرة وصلي عشرين وما كان من هذا الجنس تخرجه على هذا الوجه والله سبحانه وتعالى أعلم. [امرأة جاءت إلى فقيه فأخبرته عن طهر خمسة عشر يوما ولا تحفظ شيئا سوى ذلك] (فصل): امرأة جاءت إلى فقيه فأخبرته عن طهر خمسة عشر يوما ولا تحفظ شيئا سوى ذلك فهذا لا يكفيها لنصب العادة ولا الاستئناف لتوهم الاستحاضة قبلها أو بعدها فيقال لها تذكري، فإن لم تتذكر شيئا فحكمها حكم الضالة على ما يأتي بيانه في بابه، فإن أخبرته عن طهر صحيح ودم صحيح ولا تحفظ شيئا آخر فهذا أيضا لا يكفيها لنصب العادة لتوهم الاستحاضة قبلها أو بعدها، فإن قالت: أعلم أنى لم أكن مستحاضة فعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - يكفيها لنصب العادة؛ لأنه يرى انتقال العادة بالمرة الواحدة، وعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يكفيها لنصب العادة؛ لأن عندهما لا تنتقل العادة بالمرة الواحدة، فإن أخبرت عن دمين صحيحين وطهرين صحيحين متفقين، وعلمت أنها لم تكن مستحاضة قبلهما ولا بعدهما فهذا يكفيها لنصب العادة، ولا يكفيها للاستئناف؛ لأن العادة تنتقل برؤية المخالف مرتين ولكن لا يكفيها للاستئناف لتوهم الطهر الطويل قبلهما أو بعدهما، فإن أخبرت عن دمين صحيحين مختلفين في العدد وعن طهرين صحيحين مختلفين في العدد فعلى قول من يقول بأقل المرتين هذا يكفيها لنصب العادة، ولكن لا يكفيها للاستئناف لتوهم الطهر الطويل وعلى قول من يقول بأوسط الأعداد هذا لا يكفيها لنصب العادة فإن أخبرت عن ثلاثة أطهار ودماء مختلفة فإن لم تعلم أنها هل كانت مستحاضة قبلها أو بعدها فهذا لا يكفيها لنصب العادة على قول من يقول بأوسط الأعداد؛ لأن الخالص من هذه الثلاثة دمان وطهران، وإن علمت أنها لم تكن مستحاضة قبلها ولا بعدها فهذا يكفيها لنصب العادة بالبناء على أوسط الأعداد. ولا يكفيها للاستئناف لتوهم الطهر الطويل وعلى هذا القياس يخرج ما كان من هذا الوجه والله أعلم [باب الإضلال في الحيض] (باب الإضلال) (قال) : وإذا كانت امرأة تحيض في كل شهر حيضة فاستحيضت وطبقت بين الفريقين ونسيت عدد أيامها وموضعها فإنها تبني على أكبر رأيها؛ لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة كاستقبال القبلة فكما أن عند اشتباه أمر القبلة عليها تتحرى فكذا اشتباه حالها في الحيض والطهر عليها تتحرى فكل زمان يكون أكبر رأيها أنها حائض فيه تترك الصلاة وكل زمان أكثر رأيها على أنها فيه طاهرة تصلي فيه بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك وكل زمان لم يستقر رأيها فيه على شيء بل تردد بين الحيض والطهر والدخول في الحيض فإنها تصلي فيه بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك، وكل زمان لم يستقر رأيها على شيء بل تردد رأيها فيه بين الحيض والطهر والخروج عن الحيض فإنها تصلي فيه بالغسل لكل صلاة بالشك، والقياس فيما إذا لم يكن لها رأي أن تغتسل في كل ساعة؛ لأنه ما من ساعة إلا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض، ولكن لو أخذنا بهذا كان فيه حرج بين فإنها لا تتفرغ عن الاغتسال لشغل آخر ديني أو دنيوي فأمرناها بالاغتسال لكل صلاة لهذا وكان أبو علي الدقاق - رحمه الله تعالى - يقول: هذا قياس أيضا، والاستحسان أنها تغتسل لوقت كل صلاة، وزعم أن هذا هو قول محمد - رحمه الله تعالى -؛ لأن في أمرنا إياها بالاغتسال لكل صلاة من الحرج ما لا يخفى فكما أن في المستحاضة التي تعرف أيامها يقام الوقت مقام الصلاة حتى يكفيها في كل وقت وضوء واحد فكذلك في الاغتسال، ولكن الأصح ما ذكر في الكتاب أنها تغتسل لكل صلاة؛ لأن اعتبار الحرج فيما لا نص فيه بخلافه، والأثر جاء هنا بالاغتسال لكل صلاة. فإن «حمنة بنت جحش - رضي الله تعالى عنها - لما استحيضت سبع سنين أمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تغتسل لكل صلاة»، فإن كانت فيه قد نسيت أيامها فهو نص، وإن كانت تحفظ أيامها فلما أمرنا بالاغتسال لكل صلاة من حفظت أيامها فلمن نسيت أولى، وبه أمر حمنة بنت جحش وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - وبه أمر سلمة بنت سهيل وكانت تحت أبي حذيفة - رضي الله تعالى عنه - فشق عليها ذلك فأمرها أن تؤخر الصلاة إلى آخر الوقت ثم تصلي الظهر في آخر الوقت والعصر في أول الوقت بغسل واحد ثم تؤخر المغرب إلى آخر الوقت فتغتسل وتصلي المغرب في آخر الوقت والعشاء في أول الوقت بغسل واحد ثم تغتسل للفجر، وبه أخذ إبراهيم النخعي - رحمه الله تعالى - وتأويله عندنا أنها تذكرت أن خروجها من الحيض كان يكون في آخر هذه الأوقات. وقال سعيد بن جبير - رحمه الله تعالى: رفع فتوى إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - بعد ما كف بصره فدفعه إلي فقرأته عليه فإذا فيه إني امرأة من المسلمين ابتليت بالدم وقد سألت عليا - رضي الله تعالى عنه - فأمرني أن أغتسل لكل صلاة فقال: وأنا أرى لها مثل ما رأى علي - رضي الله تعالى عنه - فلهذه الآثار أمرناها بالاغتسال لكل صلاة، وكان أبو سهل - رضي الله تعالى عنه - يقول: تغتسل في وقت وتصلي ثم تغتسل في الوقت الثاني لأداء صلاة الوقت، وتعيد ما صلت قبل هذا الوقت لتتيقن أداء أحدهما بصفة الطهارة؛ لأن الاحتياط في باب العبادات واجب وإنما تصلي المكتوبات والسنن المشهورة؛ لأنها تبع للمكتوبات شرعت لجبر النقصان المتمكن فيها وكذلك تصلي الوتر؛ لأنها واجبة أو سنة مؤكدة، ولا تصلي شيئا من التطوعات سوى هذا؛ لأن أداء التطوع في حالة الطهر مباح، وفي حالة الحيض حرام وما تردد بين المباح والبدعة لا يؤتى به فإن التحرز عن البدعة واجب، وفيما تصلي تقرأ في كل ركعة آية واحدة عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وثلاث آيات عندهما قدر ما يتم به فرض القراءة ومن مشايخنا رحمهم الله تعالى من يقول: تقرأ الفاتحة في الأوليين من المكتوبة، وفي السنن في كل ركعة؛ لأن الفاتحة تعينت واجبة في حق العمل فلا تترك قراءتها، ولا تقرأ السورة معها كما لا تقرأ خارج الصلاة آية تامة من القرآن؛ لأن ما تردد بين السنة والبدعة لا يؤتى به، وكذلك لا تمس المصحف ولا تدخل المسجد؛ لأنها في كل وقت على احتمال أنها حائض، وليس للحائض مس المصحف ولا دخول المسجد ولا قراءة آية تامة من القرآن، فإن سمعت سجدة فسجدت كما سمعت سقطت عنها؛ لأنها إن كانت طاهرة فقد أدت ما لزمها، وإن كانت حائضا فلا تجب السجدة على الحائض بالسماع، وإن سجدت بعد ذلك يلزمها أن تعيدها بعد عشرة أيام لجواز أن سماعها كان في حالة الطهر فلزمتها السجدة ثم أدت في حالة الحيض فلا تسقط عنها فإذا أعادت بعد عشرة أيام تيقنت أن إحداهما كانت في حالة الطهر، وإن حجت فلا تأتي بطواف التحية أصلا؛ لأنه سنة وما تردد بين السنة والبدعة لا يؤتى به فأما طواف الزيارة فركن الحج لا بد أن تأتي به ثم تعيده بعد عشرة أيام لتتيقن أن أحدهما حصل في حالة الطهر فتتحلل به بيقين وتأتي بطواف الصدر ثم لا تعيده؛ لأن طواف الصدر واجب على الطاهر دون الحائض، فإن كانت حائضا فليس عليها ذلك، وإن كانت طاهرة فقد أتت به ولا يطؤها زوجها؛ لأن الوطء لا تتحقق فيه الضرورة ولكنه اقتضاء للشهوة، وهو حرام في حالة الحيض. وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى للزوج أن يتحرى ويطأها بالتحري؛ لأنه حقه في حالة الطهر، وزمان الطهر أكثر من زمان الحيض، وعند غلبة الحلال يجوز التحري كالمساليخ إذا اختلطت، والحلال غالب على الميتة ولكن هذا غير صحيح فإن التحري في باب الفروج لا يجوز نص عليه في كتاب التحري في الجواري، وإنما التحري فيما يحل تناوله بالإذن دون الملك، ولا تفطر في شيء من شهر رمضان ثم بعد مضي شهر رمضان يلزمها قضاء أيام الحيض وأكثر ما كان حيضها في الشهر عشرة أيام سواء كان الشهر كاملا أو ناقصا؛ لأن باقي الشهر بعد أيام الحيض طهر. فإن انتقص الشهر فظهور ذلك النقصان في الطهر لا في الحيض ثم المسألة على ثلاثة أوجه إما أن تعلم أن ابتداء حيضها كان يكون بالليل أو تعلم أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار أو لا تتذكر شيئا من ذلك، فإن علمت أن ابتداء حيضها كان يكون بالليل فعليها قضاء عشرين يوما؛ لأن أكثر ما فسد صومها فيه في الشهر عشرة، وربما وافق ابتداء حيضها ابتداء القضاء فلا يجزيها صومها في عشرة أيام ثم يجزيها في عشرة أخرى فإذا صامت عشرين يوما خرجت مما عليها من القضاء بيقين، وإن علمت أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار فعليها أن تصوم اثنين وعشرين يوما احتياطا؛ لأن أكثر ما فسد صومها فيه في الشهر أحد عشر يوما فإن ابتداء الحيض إذا كان من عند طلوع الشمس فتمام عشرة أيام في مثل هذا الوقت من اليوم الحادي عشر فيفسد صومها فيه ثم عليها قضاء ضعف ذلك لجواز أن ابتداء القضاء وافق أول يوم من حيضها فلا يجزيها الصوم في أحد عشر ثم يجزيها في أحد عشر أخرى، وإن كانت لا تدري أن ابتداء حيضها كان يكون بالليل أو بالنهار فأكثر مشايخنا رحمهم الله تعالى يقولون يلزمها قضاء عشرين يوما؛ لأن الحيض لا يكون أكثر من عشرة. وكان الفقيه أبو جعفر - رحمه الله تعالى - يقول تقضي اثنين وعشرين يوما لتوهم أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار والاحتياط في باب العبادات واجب ويستوي إن قضت موصولا بالشهر أو مفصولا عنه، وهذا كله إذا علمت أن دورها كان يكون في كل شهر، وإن لم تعرف ذلك أيضا فعليها الأخذ بالاحتياط فلا تفطر في شيء من الشهر وعليها إن كانت تعرف أن ابتداء حيضها كان يكون بالليل قضاء خمسة عشر يوما؛ لأن من الجائز أن حيضها كان عشرة وطهرها خمسة عشر يوما فإنما فسد صومها في خمسة عشر يوما إما عشرة من أول الشهر وخمسة من آخره أو خمسة من أول الشهر بقية حيضها وعشرة من آخر الشهر فإذا عرفنا أن عليها قضاء خمسة عشر يوما فإما أن تقضي موصولا بالشهر أو مفصولا عنه، فإن قضت موصولا فعليها أن تقضي خمسة وعشرين يوما؛ لأنه إن كان فسد صومها من أول الشهر عشرة ومن آخر الشهر خمسة فيوم الفطر هو السادس من حيضها لا تصوم فيه ثم تصوم بعده تسعة عشر يوما فلا يجزيها في أربعة أيام بقية حيضها ثم يجزيها في خمسة عشر. وإن كان إنما فسد من آخر الشهر عشرة فيوم الفطر أول يوم من طهرها لا تصوم فيه ثم يجزيها الصوم في أربعة عشر يوما ثم لا يجزيها في عشرة ثم يجزيها في يوم آخر فمن هذا الوجه عليها أن تصوم خمسة وعشرين يوما ومن الوجه الأول تسعة عشر فتحتاط وتصوم خمسة وعشرين وكذلك إن قضت مفصولا فإنما تقضي خمسة وعشرين يوما لتوهم أن ابتداء القضاء وافق أول يوم من حيضها فلا يجزيها الصوم في عشرة أيام ثم يجزيها في خمسة عشر يوما، وإن علمت أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار فأكثر ما فسد من صومها في الشهر ستة عشر يوما إما أحد عشر من أوله وخمسة من آخره أو خمسة من أول الشهر بقية الحيض وأحد عشر من آخره وإما أن تقضي ذلك موصلا برمضان أو مفصولا عنه، فإن قضت موصولا فعليها أن تصوم اثنين وثلاثين يوما؛ لأنه إن كان أول الشهر ابتداء حيضها فيوم الفطر هو السادس من حيضها لا تصوم فيه ثم لا يجزئها الصوم بعده في خمسة أيام، ويجزئها في أربعة عشر يوما ثم لا يجزئها في أحد عشر يوما ثم يجزئها في يومين فتكون الجملة اثنين وثلاثين، وإن كان ابتداء شوال أول طهرها بأن كان ختم حيضها في آخر رمضان فلا تصوم في يوم العيد ثم يجزئها الصوم بعده في ثلاثة عشر يوما ثم لا يجزئها في أحد عشر ثم يجزئها في ثلاثة فتكون الجملة سبعة وعشرين فمن هذا الوجه عليها قضاء سبعة وعشرين يوما ومن الوجه الأول عليها قضاء اثنين وثلاثين فتأخذ بالاحتياط وتصوم اثنين وثلاثين لتخرج مما عليها بيقين. وإن قضت مفصولا فعليها قضاء ثمانية وثلاثين؛ لأنه يتوهم أن يوافق ابتداء القضاء أول يوم من حيضها فلا يجزئها الصوم في أحد عشر يوما ثم يجزئها في أربعة عشر ثم لا يجزئها في أحد عشر ثم يجزئها في يومين فتكون الجملة ثمانية وثلاثين يوما فإذا صامت هذا المقدار تيقنت بجواز صومها في ستة عشر يوما، وذلك القدر كان واجبا عليها، وإن كانت لا تدري أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار أو بالليل فعلى قول عامة مشايخنا رحمهم الله تعالى تصوم خمسة وعشرين يوما وعلى قول الفقيه أبي جعفر - رحمه الله تعالى - تأخذ بأحوط الوجهين، فإن قضت موصولا بالشهر صامت اثنين وثلاثين يوما، وإن قضت مفصولا عن الشهر صامت ثمانية وثلاثين يوما. وهذا كله إذا كان شهر رمضان كاملا، فإن كان ناقصا فالواجب عليها قضاء خمسة عشر يوما؛ لأنا تيقنا بجواز صومها في أربعة عشر فيتعين للفساد خمسة عشر فإذا أرادت القضاء صامت سبعة وثلاثين يوما؛ لأن من الجائز أن يوافق ابتداء صومها ابتداء حيضها فلا يجزئها في أحد عشر يوما بأن كان حيضها بالنهار ويجزئها في أربعة عشر ثم لا يجزئها في أحد عشر ثم يجزئها في يوم فجملة ذلك سبعة وثلاثون يوما فلهذا صامت هذا القدر لتخرج مما عليها بيقين، ولو وجب على هذه المرأة صوم شهرين متتابعين في كفارة القتل أو في كفارة الفطر بأن كانت أفطرت قبل هذه الحالة إذ في هذه الحالة لا تلزمها الكفارة لتمكن الشبهة في كل يوم بالتردد بين الحيض والطهر ثم هذا على وجهين: إما إن كانت تعلم أن حيضها كان يكون في كل شهر أو لا تعلم ذلك وكل وجه على وجهين إما إن كانت تعلم أن ابتداء حيضها بالليل أو بالنهار أو لا تعلم ذلك فأما الفصل الأول، وهو ما إذا كان دورها في كل شهر، فإن علمت أن ابتداء حيضها كان يكون بالليل فعليها أن تصوم تسعين يوما؛ لأن الواجب عليها صوم ستين يوما متتابعة فمن كل ثلاثين يتيقن بجواز صومها في عشرين فإذا صامت تسعين يوما تيقنت بجواز صومها في ستين يوما فتسقط به الكفارة عنها، وإن علمت أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار فعليها أن تصوم مائة يوم وأربعة أيام لجواز أن يكون ابتداء صومها يوافق ابتداء حيضها فلا يجزئها في أحد عشر يوما ثم يجزئها في تسعة عشر يوما ثم لا يجزئها في أحد عشر ثم يجزئها في تسعة عشر ثم في الشهر الثالث كذلك فيبلغ العدد تسعين يوما. وإنما جاز صومها منه في سبعة وخمسين ثم لا يجزئها في أحد عشر ثم يجزئها في ثلاثة تتمة ستين فبلغ عدد الجملة مائة يوم وأربعة أيام فلهذا صامت هذا المقدار، وإن كانت لا تدري أن حيضها كان يكون بالليل أو بالنهار فعلى قول أكثر مشايخنا رحمهم الله تعالى تصوم تسعين يوما، وعلى ما ذكره الفقيه أبو جعفر - رحمه الله تعالى - تأخذ بأحوط الوجهين فتصوم مائة وأربعة أيام وأما الفصل الثاني، وهو ما إذا كانت لا تدري أن دورها في كم يكون، فإن علمت أن ابتداء حيضها كان يكون بالليل فعليها أن تصوم مائة يوم؛ لأن من كل خمسة وعشرين يتيقن بجواز صومها في خمسة عشر بأن كان حيضها عشرة وطهرها خمسة عشر فإذا صامت مائة يوم جاز صومها في ستين يوما بيقين فتسقط عنها الكفارة به. وإن كانت تعلم أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار فعليها أن تصوم مائة وخمسة عشر يوما؛ لأن من الجائز أن يوافق ابتداء الصوم ابتداء الحيض فلا يجزئها في أحد عشر ثم يجزئها في أربعة عشر ثم لا يجزئها في أحد عشر ثم يجزئها في أربعة عشر فيبلغ العدد مائة، وإنما جاز صومها في ستة وخمسين يوما ثم لا يجزئها في أحد عشر يوما ثم يجزئها في أربعة من أربعة عشر يوما تتمة ستين فبلغ مائة وخمسة وعشرين، وإنما جاز صومها فيه في ستين يوما، وإن كانت لا تدري كيف كان ابتداء حيضها فهو على الاختلاف الذي بينا ولو وجب عليها صوم ثلاثة أيام في كفارة يمين، فإن كانت تعلم أن ابتداء حيضها كان يكون بالليل فعليها أن تصوم خمسة عشر يوما؛ لأنه إن وافق ابتداء صومها ابتداء الحيض لم يجزئها في عشرة ثم يجزئها في ثلاثة بعدها، وذلك ثلاثة عشر. فإن كانت حين افتتحت الصوم بقي من طهرها يوم أو يومان جاز صومها فيهما ثم لم يجز في عشرة وانقطع به التتابع فإن صوم ثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابعة وعذر الحيض فيه لا يكون عفوا؛ لأنها تجد ثلاثة أيام خالية من الحيض بخلاف الشهرين وقد بينا هذا في كتاب الصوم فعليها أن تحتاط بصوم خمسة عشر يوما حتى إذا كان الباقي من طهرها يومين حين افتتحت الصوم لم يجزها صومها فيهما عن الكفارة لانقطاع التتابع في العشرة بعدهما لعذر الحيض وجاز صومها في ثلاثة بعدها فكانت الجملة خمسة عشر يوما، وإن شاءت صامت ثلاثة أيام ثم بعد عشرة أيام تصوم ثلاثة أيام أخرى فتيقن أن إحدى الثلاثتين وافقت زمان طهرها. وجاز صومها فيها عن الكفارة، وإن كانت تعلم أن ابتداء حيضها كان يكون بالنهار فعليها أن تصوم ستة عشر يوما؛ لأن من الجائز أن الباقي من طهرها حين افتتحت الصوم يومان فلا يجزيها الصوم فيهما عن الكفارة لانقطاع التتابع ثم لا يجزئها في أحد عشر يوما بسبب الحيض ثم يجزيها في ثلاثة أيام فتكون الجملة ستة عشر يوما صامت ثلاثة أيام ثم أفطرت أحد عشر ثم صامت ثلاثة أيام فتيقن أن إحدى الثلاثتين في زمان طهرها فيجزيها وعلى هذا قال في قضاء رمضان أيضا إذا كان الواجب عليها قضاء عشرة أيام بأن كان دورها في كل شهر، فإن شاءت صامت عشرين يوما كما بينا، وإن شاءت صامت عشرة أيام في شهر ثم في شهر آخر عشرة أخرى سوى العشرة الأولى لتتيقن أن إحدى العشرتين موافق زمان طهرها وكذلك إن كانت تعلم أن ابتداء حيضها كان يكون في كل شهر ثلاثة أو أربعة فعليها بعد مضي رمضان قضاء ضعف عدد أيامها، وإن شاءت صامت عدد أيامها في عشر من شهر ثم في شهر آخر صامت مثل ذلك في عشر آخر لتتيقن أن إحداهما موافق زمان طهرها فيجزيها من القضاء. إلا أنا لم نشتغل بهذا في قضاء رمضان؛ لأنه ليس فيه تخفيف عليها بنقصان العدد وبيناه في صوم كفارة اليمين؛ لأن التخفيف فيه يتحقق، ولو وجب عليها قضاء صلاة تركتها في زمان طهرها صلت تلك الصلاة بعد الاغتسال ثم أعادتها بعد عشرة أيام لتخرج مما عليها بيقين فإن أحد الوقتين زمان طهرها بيقين ولو أن هذه المرأة طلقها زوجها بعد الدخول بها فعلى قول أبي عصمة سعد بن معاذ - رضي الله عنه - لا تنقضي عدتها في حكم التزوج بزوج آخر أبدا لما بينا أنه لا يقدر أكثر الطهر بشيء فإن التقدير بالرأي لا يجوز، وعلى قول محمد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى - إذا مضى من وقت الطلاق تسعة عشر شهرا وعشرة أيام غير أربع ساعات يجوز لها أن تتزوج لأنه يقدر أكثر مدة الطهر بستة أشهر غير ساعة كما بينا ومن الجائز أن الطلاق كان بعد مضي ساعة من حيضها فلا تحتسب هذه الحيضة من العدة، وذلك عشرة أيام غير ساعة ثم بعد ثلاثة أطهار كل طهر ستة أشهر غير ساعة وثلاثة حيض، كل حيضة عشرة أيام فإذا جمعت الكل بلغ تسعة عشر شهرا وعشرة أيام غير أربع ساعات فيحكم بانقضاء عدتها بهذه المدة. ولها أن تتزوج بعدها وعلى قول من يقدر مدة الطهر في حقها بتسعة وعشرين يوما كما بينا تتزوج بعد أربعة أشهر ويوم واحد غير ساعة؛ لأن من الجائز أن الطلاق كان بعد مضي ساعة من حيضها فلا تحسب هذه الحيضة من العدة وهو عشرة أيام غير ساعة ثم بعد ثلاثة أطهار كل طهر سبعة وعشرين يوما وثلاث حيض كل حيضة عشرة فيبلغ عدد الجملة مائة وواحدا وعشرين يوما غير ساعة فلهذا كان لها أن تتزوج بعد هذه المدة، فأما في حكم انقطاع الرجعة فإذا مضى تسعة وثلاثون يوما من وقت الطلاق انقطعت الرجعة؛ لأن بابها مبني على الاحتياط، ومن الجائز أن حيضها كان ثلاثة وطهرها خمسة عشر، وكان وقوع الطلاق في آخر جزء من أجزاء طهرها فتنقضي عدتها بتسع وثلاثين يوما فلهذا حكمنا بانقطاع الرجعة بهذا القدر احتياطا، وهو نظير ما قلنا في امرأة تحفظ أيامها طهرت من الحيضة الثالثة، وأيامها دون العشرة فاغتسلت بسؤر الحمار انقطعت به الرجعة، ولا تحل للأزواج ما لم تتيمم معه أو تصلي بعد التيمم. ![]()
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث صـــ 190 الى صـــ 209 (66) ولو أن هذه المبتلاة كانت أمة فاشتراها إنسان فمدة استبرائها على قول أبي عصمة - رحمه الله تعالى - لا تقدر بشيء لما بينا وعلى قول محمد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى - تقدر بستة أشهر وعشرين يوما غير ساعتين لجواز أن الشراء كان بعد ما مضى من حيضها ساعة فلا تحسب هذه الحيضة من الاستبراء، وهو عشرة أيام إلا ساعة ثم بعده طهر ستة أشهر إلا ساعة ثم بعده الحيض عشرة أيام فتكون الجملة ستة أشهر وعشرين يوما غير ساعتين يستبرئها بها، وإنما هذا كالبناء على قول من يجوز وطأها بالتحري؛ لأن المقصود من الاستبراء استباحة الوطء فأما على قول من لا يبيح وطأها أصلا، وهو الأصح فلا حاجة إلى هذا التكلف، وما كان من أحكامها فعلى هذا الوجه تخريجه والله أعلم. [فصل في إضلال عدد في عدد في الحيض] (فصل في إضلال عدد في عدد)، فإن سأل سائل عن امرأة أضلت أيامها فيما هو دونها من العدد فهذا محال بأن قال أيامها عشرة فأضلت ذلك في أسبوع؛ لأن العشرة لا توجد في الأسبوع فكيف تضل فيه وكذلك لو قال: أضلت في مثلها من العدد فهو محال أيضا بأن قال: أيامها سبعة فأضلت ذلك في أيام الجمعة؛ لأنها واجدة عالمة بحالها، وإن قال: أضلت أيامها فيما هو فوقها من العدد فالسؤال مستقيم ثم الأصل فيه أن كل زمان يتيقن فيه بالحيض تترك الصلاة والصوم ولا يأتيها زوجها فيه بيقين، وكل زمان تيقنت فيه بالطهر تصلي فيه بالوضوء لوقت كل صلاة بيقين ولا يأتيها زوجها فيه، وكل زمان تردد بين الحيض والطهر تصلي فيه بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك ولا يأتيها زوجها فيه، وكل زمان تردد بين الحيض والطهر والخروج من الحيض تصلي فيه بالاغتسال لكل صلاة بالشك ولا يأتيها زوجها فيه. وأصل آخر أنها متى أضلت أيامها في ضعفها من العدد أو أكثر من الضعف فلا يتيقن بالحيض في شيء منه نحو ما إذا كانت أيامها ثلاثة فضلت ذلك في ستة أو ثمانية؛ لأنها لا تتيقن بالحيض في شيء من أوله وآخره، ومتى ضلت أيامها فيما دون ضعفه يتيقن بالحيض في بعضه نحو ما إذا كانت أيامها ثلاثة فضلت ذلك في خمسة فإنها تتيقن بالحيض في اليوم الثالث فإنه أول الحيض أو آخره أو الثاني منه بيقين فتترك الصلاة فيه لهذا إذا عرفنا هذا جئنا إلى بيان المسائل. فنقول: إن كانت تعلم أن أيامها كانت ثلاثة في العشر الآخر من الشهر ولا تدري في أي موضع من العشر كانت، ولا رأي لها في ذلك فهذه أضلت أيامها في أكثر من ضعفها فتصلي ثلاثة أيام من أول العشر بالوضوء لوقت كل صلاة؛ لأنه تردد حالها في هذه المسألة بين الحيض والطهر ثم بعد ذلك تغتسل لكل صلاة إلى آخر العشر؛ لأنه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض إلا أنها إن كانت تذكر أن خروجها من الحيض في أي وقت من اليوم كان يكون تغتسل في كل يوم في ذلك الوقت مرة، وإن كانت لا تعرف ذلك تغتسل لكل صلاة، فإن كانت أيامها أربعة فأضلت ذلك في العشرة فإنها تتوضأ أربعة أيام من أول العشرة لوقت كل صلاة؛ لأنه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم بعد ذلك تغتسل لكل صلاة إلى آخر العشرة؛ لأنه تردد حالها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض. وإن كانت أيامها خمسة فأضلت ذلك في عشرة فإنها تصلي خمسة أيام من أول العشرة بالوضوء لوقت كل صلاة؛ لأنه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم تصلي إلى آخر العشرة بالاغتسال لكل صلاة؛ لأنه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، فإن كانت أيامها ستة فأضلت ذلك في عشرة فإنها تصلي من أول العشرة أربعة أيام بالوضوء لوقت كل صلاة ثم تدع يومين ثم تصلي في أربعة أيام بالاغتسال لكل صلاة؛ لأن الأربعة الأولى ترددت بين الحيض والطهر، فأما اليوم الخامس والسادس فهو حيض بيقين؛ لأنه إن كانت أيامها من أول العشر فهذا آخر حيضها. وإن كانت من آخر العشر فهذا أول حيضها فلهذا تركت الصلاة فيهما بيقين ثم في الأربعة الأواخر تردد حالها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض فتصلي فيه بالاغتسال لكل صلاة. وإن كانت أيامها سبعة فأضلت ذلك في عشرة فإنها تصلي ثلاثة من أول العشرة بالوضوء لوقت كل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم تدع أربعة بيقين؛ لأن هذه الأربعة فيها يقين الحيض فإنها آخر الحيض إن كانت البداية من أول العشرة وأول الحيض إن كانت أيامها في آخر العشرة ثم تصلي ثلاثة أيام بالاغتسال لكل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، وإن كانت أيامها ثمانية فأضلت ذلك في عشرة فإنها تصلي في يومين من أول العشرة بالوضوء لوقت كل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم تدع الصلاة ستة؛ لأن فيها يقين الحيض ثم تصلي في اليومين الآخرين بالاغتسال لكل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض. فإن كانت أيامها تسعة فأضلتها في عشرة فإنها تصلي في يوم من أول العشرة بالوضوء لوقت كل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم تدع الصلاة ثمانية أيام؛ لأن فيها يقين الحيض ثم تصلي في اليوم الآخر بالاغتسال لكل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، فإن كانت أيامها عشرة فهي واجدة؛ لأن إضلال العشرة في العشرة لا يتحقق، فإن كانت تذكر أنها كانت تطهر في آخر الشهر ولا تدري كم كانت أيامها توضأت إلى تمام سبعة وعشرين يوما من الشهر ثم أمسكت عن الصلاة ثلاثة أيام ثم اغتسلت غسلا واحدا، وهذا الجواب صحيح لكن فيه بعض الإبهام فإنه لم يميز وقت التيقن بالطهر من وقت الشك، وتمام الجواب في أن نبين ذلك فنقول: إلى عشرين من الشهر لها يقين الطهر فتتوضأ فيها لوقت كل صلاة ويأتيها زوجها ثم في سبعة أيام بعد ذلك تردد حالها بين الحيض والطهر، فإن كان حيضها ثلاثة فهذه السبعة من جملة الطهر. وإن كان حيضها عشرة فهذه السبعة من جملة حيضها فتصلي فيها بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك ولا يأتيها زوجها ثم في ثلاثة أيام تتيقن بالحيض فتترك الصلاة فيها، ووقت الخروج من الحيض معلوم لها وهو عند انسلاخ الشهر فاغتسلت عند ذلك غسلا واحدا، فإن كانت تذكر أنها كانت ترى الدم إذا جاوزت عشرين يوما ولا تدري كم كانت أيامها فإنها تدع بعد العشرين الصلاة ثلاثة أيام بيقين؛ لأن الحيض لا يكون أقل منها ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الشهر لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، وتعيد صوم هذا العشر في عشر آخر من شهر آخر؛ لأن فيها يقين الطهر، وهذا الجواب مستقيم إذا كانت تعلم أن ابتداء رؤية الدم كان بعد مجاوزة العشرين فأما إذا كانت تعلم أنها كانت ترى الدم يوم الحادي والعشرين، ولا تتذكر سوى ذلك شيئا فالجواب أنها تتيقن بالطهر إلى الحادي والعشرين من الشهر فتصلي فيها بالوضوء لوقت كل صلاة بيقين، ويأتيها زوجها ثم تصلي في تسعة أيام بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك؛ لأنه تردد حالها فيه بين الحيض والطهر فمن الجائز أن اليوم الحادي والعشرين آخر حيضها وأيامها عشرة ولا يأتيها زوجها فيه لتردد حالها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض. وإن كانت تستيقن أنها كانت ترى الدم بعد ما مضى سبعة عشر من الشهر ولا تدري كم كانت أيامها فقد ذكر في بعض نسخ الحيض أنها تدع ثلاثة أيام بعد ستة عشر؛ لأن فيها يقين الحيض والطهر والخروج من الحيض ثم تصلي في سبعة أيام بالاغتسال لكل صلاة بالشك؛ لأن فيه تردد حالها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، ولكن تأويل هذا أنها كانت تذكر أن ابتداء حيضها كان يكون بعد سبعة عشر، وفي عامة النسخ قال: إنها تصلي بالوضوء ثلاثة أيام ثم بالاغتسال سبعة أيام، وهذا الذي ذكره الحاكم في المختصر وقال: إنما خالف بين الجواب في هذه والجواب في الأولى؛ لأنها لا تعلم أن حيضها كان متصلا بمضي سبعة عشر من الشهر، وإنما تعلم كونه في العشرة التي بعدها فإذا كان موضوع المسألة هذا فهذه امرأة أضلت أيامها في العشرة بعد سبعة عشر من الشهر، ولا تدري كم كانت أيامها فأقلها ثلاثة بيقين، وقد بينا فيمن أضلت ثلاثة في عشرة أنها تتوضأ لوقت كل صلاة، وإذا كان على المستحاضة صلوات فائتة ولا تذكر شيئا من أمرها فإنها تقضي ما عليها في يوم أن قدرت عليه. وإن لم تقدر ففي يومين بالاغتسال لكل صلاة ثم تعيدها بعد مضي عشرة أيام في اليوم الحادي عشر، والثاني عشر لتتيقن بالأداء في زمان الطهر في إحدى المرتين، فإن كانت تذكر أنها ترى الدم يوم الحادي عشر في الشهر ولا تذكر أوله وآخره فإنها تتوضأ إلى الحادي عشر بيقين الطهر ويأتيها زوجها فيه ثم تتوضأ لوقت كل صلاة في تسعة أيام بالشك لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم تدع اليوم الحادي والعشرين ثم تغتسل في تسعة أيام لكل صلاة بالشك لا يأتيها زوجها فيه لتردد حالها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، وإن كانت تعلم أنها كانت تحيض في كل شهر مرة في أوله أو في آخره ولا تدري كم كان حيضها ولا تدخل شهرا في شهر فإنها تتوضأ من أول الشهر ثلاثة أيام لوقت كل صلاة لتردد حالها في هذه الثلاثة بين الحيض والطهر، ولا يأتيها زوجها ثم تغتسل سبعة أيام لكل صلاة لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، ولا يأتيها زوجها أيضا ثم تتوضأ إلى آخر الشهر ولم يميز في هذا الجواب الزمان الذي فيه يقين الطهر ولا بد من ذلك فنقول في العشر الأوسط تتوضأ لوقت كل صلاة؛ لأنها تتيقن بالطهر فيها، ويأتيها زوجها، وفي العشر الأواخر تتوضأ لوقت كل صلاة بالشك، ولا يأتيها زوجها لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر، ولا يحتمل الخروج من الحيض في هذه العشرة إنما تردد حالها بين الحيض والطهر والدخول في الحيض؛ لأنه لو تصور الخروج من الحيض في هذه العشرة كان فيه إدخال شهر في شهر وقد نصت على أنها كانت لا تدخل شهرا في شهر فلهذا تتوضأ في العشرة لوقت كل صلاة ثم تغتسل مرة واحدة لاحتمال خروجها من الحيض لتمام الشهر إن كان حيضها في هذه العشرة الأخيرة، فإن كانت تعرف أنها كانت ترى الدم عشرة أيام من الشهر ولا تدري أوله وآخره فإنها تتوضأ من أول الشهر إلى تمام العشرة لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر ثم تغتسل مرة ثم تتوضأ وتصلي إلى آخر الشهر ولكن في العشر الأوسط يقين الطهر فتتوضأ لوقت كل صلاة بيقين، ويأتيها زوجها، وفي العشر الآخر تتوضأ لوقت كل صلاة بالشك ولا يأتيها زوجها لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر ثم تغتسل مرة واحدة لاحتمال خروجها من الحيض عند تمام الشهر إن كان حيضها العشر الآخر. فإن كانت تعلم أن أيامها خمسة، وأنها كانت ترى الدم في اليوم العشرين من الشهر ولا تحفظ شيئا سوى هذا فمن أول الشهر إلى تمام خمسة عشر تصلي بالوضوء لوقت كل صلاة باليقين ويأتيها زوجها؛ لأنها تتيقن بالطهر فيها ثم في أربعة أيام تتوضأ لوقت كل صلاة بالشك ولا يأتيها زوجها لتردد حالها بين الحيض والطهر وفي اليوم العشرين تترك بيقين، وتغتسل بعدها أربعة أيام بالشك؛ لأن كل ساعة من هذه الأربعة الأيام فيها توهم خروجها من الحيض (قال): وإذا كانت لها أيام معلومة من كل شهر فانقطع عنها الدم أشهرا ثم عاودها واستمر بها، وقد نسيت أيامها فإنها تمسك عن صلاة ثلاثة أيام من أول الاستمرار؛ لأنها يتيقن فيها بالحيض فإن عادتها في الموضع قد انتقلت بعدم الرؤية مرتين أو أكثر فأول عادتها من وقت الاستمرار وتتيقن بالحيض في ثلاثة أيام فتترك الصلاة فيها ثم تغتسل لكل صلاة في سبعة أيام لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض، وتتوضأ عشرين يوما لوقت كل صلاة؛ لأنها تتيقن فيها بالطهر، ويأتيها زوجها، وذلك دأبها، وتأويل هذه المسألة إذا كانت تعلم أن دورها في كل شهر، وأنها كانت لا تدخل شهرا في شهر، فإن كانت لا تعرف ذلك فلم يتعرض لهذا الفصل في الكتاب، ولا بد من بيانه. فنقول: هو على ثلاثة أوجه: إما أن كانت لا تدري كم كان حيضها وطهرها أو كانت تذكر مقدار طهرها ولا تذكر مقدار حيضها أو كانت تذكر مقدار حيضها، ولا تذكر مقدار طهرها فأما الفصل الأول فنقول: إنها تدع الصلاة من أول الاستمرار ثلاثة أيام بيقين ثم تصلي سبعة أيام بالاغتسال لكل صلاة بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض ولا يأتيها زوجها في هذه العشرة ثم تصلي ثمانية أيام بالوضوء لوقت كل صلاة بيقين، ويأتيها زوجها فيها؛ لأنها بيقين الطهر في هذه الثمانية فإنه إن كان حيضها ثلاثة أيام فهذا آخر طهرها، وإن كان حيضها عشرة فهذا أول طهرها ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر، ولا يأتيها زوجها فبلغ الحساب أحدا وعشرين ثم تصلي بعد ذلك بالاغتسال لكل صلاة بالشك؛ لأنه لم يبق لها يقين بالطهر ولا بالحيض بعد هذا فما من ساعة بعد هذا إلا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض إما بالزيادة في حيضها على الثلاثة أو في طهرها على خمسة عشر، وأما الفصل الثاني وهو إذا علمت أن طهرها خمسة عشر ولا تدري كم حيضها، فإنها تترك الصلاة من أول الاستمرار ثلاثة أيام ثم تغتسل سبعة أيام بالشك ثم تصلي ثمانية أيام بالوضوء بيقين ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك فبلغ الحساب أحدا وعشرين، ولو كان حيضها ثلاثة فابتداء طهرها بعد أحد وعشرين، وإن كان حيضها عشرة فابتداء طهرها الثاني بعد خمسة وثلاثين ففي هذه الأربعة عشرة تصلي بالاغتسال لكل صلاة بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر والخروج من الحيض ثم تصلي يوما واحدا بالوضوء لوقت كل صلاة بيقين، وذلك بعد ما تغتسل عند تمام خمسة وثلاثين يوما؛ لأن في هذا اليوم يقين الطهر ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر ثم تغتسل ذلك لكل صلاة أبدا؛ لأنه لم يبق لها يقين في شيء بعدها فما من ساعة إلا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض. وأما الفصل الثالث، وهو ما إذا كانت تعلم أن حيضها ثلاثة، ولا تدري كم كان طهرها فإنها تدع ثلاثة من أول الاستمرار بيقين ثم تصلي خمسة عشر يوما بالوضوء لوقت كل صلاة بيقين، ويأتيها زوجها ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر فإذا بلغ الحساب أحدا وعشرين ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلاة أبدا؛ لأنه لم يبق لها يقين في شيء وما من ساعة إلا ويتوهم أنه وقت خروجها من الحيض فتغتسل لكل صلاة ولا يأتيها زوجها، وإن كانت تذكر أن طهرها خمسة عشر، وتردد رأيها في الحيض بين الثلاثة والأربعة فإنها تترك من أول الاستمرار ثلاثة ثم تغتسل غسلا واحدا ثم تصلي في اليوم الرابع بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك ثم تغتسل عند مضي اليوم الرابع مرة أخرى ثم تصلي بالوضوء أربعة عشر يوما باليقين فبلغ الحساب ثمانية عشر ثم تصلي في اليوم التاسع عشر بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم تدع اليوم العشرين والحادي والعشرين بيقين ثم تغتسل وتصلي اليوم الثاني والعشرين بالوضوء بالشك، ولا تغتسل في اليوم الثالث والعشرين، وتغتسل عند تمام الثالث والعشرين؛ لأنه إن كان حيضها ثلاثة فأوان خروجها من الحيضة الثانية عند تمام الحادي والعشرين. وإن كان حيضها أربعة فأوان خروجها من الحيضة الثانية عند تمام الثالث والعشرين؛ فلهذا تغتسل عند ذلك ثم تصلي ثلاثة عشر يوما بالوضوء لوقت كل صلاة باليقين فبلغ الحساب ستة وثلاثين ثم تصلي في يومين بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك ثم تدع يوما واحدا؛ لأن هذا اليوم آخر حيضها إن كان حيضها ثلاثة، وأول حيضها إن كان حيضها أربعة، فتتيقن فيه بالحيض فبلغ الحساب تسعة وثلاثين ثم تغتسل لجواز أن هذا وقت خروجها من الحيض ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها بين الحيض والطهر فبلغ الحساب اثنين وأربعين ثم تغتسل؛ لأن هذا أوان خروجها من الحيض إذا كانت أيامها أربعة ثم تصلي اثني عشر يوما بالوضوء لوقت كل صلاة باليقين؛ لأنها تتيقن بالطهر فيها فبلغ الحساب أربعة وخمسين ثم تصلي بعد ذلك ثلاثة أيام بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك ثم تغتسل مرة أخرى، ولم يبق لها يقين الترك في شيء بعد أربعة وخمسين فنسوق المسألة هكذا ونأمرها بالاغتسال في كل وقت يتوهم أنه وقت خروجها من الحيض إلا أن لا يبقى لها يقين الطهر في شيء أيضا فحينئذ تغتسل لكل صلاة أبدا وعلى هذا النحو يخرج ما إذا علمت أن حيضها ثلاثة وتردد رأيها في الطهر بين خمسة عشر وستة عشر فمن فهم الفصل الأول تيسر عليه تخريج الثاني. (قال): وإذا كانت المستحاضة لا تذكر أيامها غير أنها تتيقن بالطهر يوم العاشر ويوم العشرين ويوم الثلاثين فإنها تتوضأ من أول الشهر ثلاثة أيام ثم تغتسل لكل صلاة ستة أيام لاحتمال خروجها من الحيض في كل ساعة منها، ثم تصلي اليوم العاشر بالوضوء بيقين الطهر ثم تصلي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك ثم تغتسل ستة أيام إلى تمام تسعة عشر ثم تتوضأ وتصلي يوم العشرين بيقين ثم ثلاثة أيام بعده تصلي فيها بالوضوء بالشك ثم تغتسل ستة أيام إلى تمام تسعة وعشرين يوما لكل صلاة ثم تصلي اليوم الثلاثين بالوضوء بيقين الطهر ولا يجزيها صومها في تسعة أيام من شهر رمضان فلتصم ضعفها ثمانية عشر يوما لما بينا قال الحاكم - رحمه الله تعالى: فإن قضت الصوم في هذه الأيام الثلاثة العاشر والعشرين والثلاثين كفاها تسعة أيام، وهو صحيح؛ لأنها تتيقن بالطهر في هذه الأيام فيصح صومها فيها عن القضاء، والتتابع في صوم القضاء ليس بشرط، وما قضت من الفوائت في غير هذه الأيام الثلاثة أعادتها في هذه الأيام الثلاثة، ولا يقربها زوجها إلا في هذه الأيام؛ لأنها تتيقن فيها بالطهر. وإن كانت تعلم أن أيام حيضها كانت ثلاثة في العشر الآخر من الشهر ولا تدري إذا مضى عشرون من الشهر أو إذا بقي ثلاثة من الشهر فإنها إلى تمام العشرين تصلي بالوضوء بيقين ثم تصلي ثلاثة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر ثم تغتسل غسلا واحدا ثم تتوضأ إلى آخر الشهر ولكن في أربعة أيام لها يقين الطهر فيأتيها زوجها فيها، وفي الثلاثة تردد حالها بين الحيض والطهر فتتوضأ فيها بالشك، ولا يأتيها زوجها ثم تغتسل غسلا واحدا، وإن كانت أيامها ثلاثة في وسط العشر الآخر، ولا تدري غير ذلك فإنها تصلي بالوضوء إلى تمام ثلاثة وعشرين بيقين الطهر ثم تصلي في اليوم الرابع والعشرين بالوضوء بالشك لتردد حالها فيه بين الحيض والطهر ثم تدع الصلاة يوم الخامس والعشرين والسادس والعشرين؛ لأنها تتيقن بالحيض وتغتسل يوم السابع والعشرين لكل صلاة لتوهم خروجها من الحيض فيه، وفي الحقيقة هذه المرأة أضلت أيامها الثلاثة في أربعة أيام وقد بينا حكمها فيما سبق والله سبحانه وتعالى أعلم [باب حل الوطء بانقطاع الدم قبل وقته] (باب حل الوطء بانقطاع الدم قبل وقته) (قال) : - رضي الله عنه - إذا انقطع دم المرأة دون عادتها المعروفة في حيض أو نفاس اغتسلت حين تخاف فوت الصلاة، وصلت وتجنبها زوجها احتياطا حتى تأتي على عادتها؛ لأن حيض المرأة لا يبقى على صفة واحدة في جميع عمرها بل يزداد تارة وينقص أخرى فالانقطاع قبل تمام عادتها طهر ظاهر على احتمال أن لا يكون طهرا بأن يعاودها الدم فإن الدم لا يسيل في زمان الحيض على الولاء فينبغي لها أن تأخذ بالاحتياط فتنتظر آخر الوقت؛ لأنها لا يفوتها بهذا القدر من التأخير شيء فإذا خافت فوت الوقت اغتسلت وصلت احتياطا؛ لأن الانقطاع طهر ظاهرا ومضي الوقت على الطاهر يجعل الصلاة دينا في ذمتها، وذلك لا يكون إلا بتفويت منها بترك الأداء في الوقت فعليها أن لا تفوت ولأنه يفحش أن يمضي عليها وقت صلاة. وليس فيها مانع من أداء الصلاة ظاهرا ولا تصلي فيه، ويجتنبها زوجها احتياطا لاحتمال أنها حائض بعد بأن يعاودها الدم، وتأثير هذا الاحتمال بعادتها المعروفة، ولكن لا تتزوج بزوج آخر إن كان هذا آخر عدتها احتياطا لتوهم أنها حائض بعد، وكذلك إن كانت مستبرأة لا يطؤها المولى حتى تمضي أيام عادتها احتياطا، وإن كانت استكملت عادتها في الدم ثم انقطع اغتسلت في آخر الوقت وصلت، وهذا أظهر من الأول؛ لأن الاعتبار بما سبق يدل على أن هذا الانقطاع طهر؛ لأنها تنتظر آخر الوقت إذا كانت أيامها دون العشرة لاحتمال أن يعاودها الدم، وليس في هذا التأخير تفويت شيء، وإنما تؤخر إلى آخر الوقت المستحب دون المكروه نص عليه محمد - رحمه الله تعالى - في آخر الكتاب فقال: إذا انقطع الدم عنها في وقت العشاء فإنها تؤخر الصلاة إلى وقت يمكنها أن تغتسل فيه، وتصلي قبل انتصاف الليل، ووقت العشاء يبقى إلى طلوع الفجر، ولكن التأخير إلى ما بعد نصف الليل مكروه. وكذلك لو انقطع عنها الدم في وقت العصر فإنها تؤخر إلى وقت يمكنها أن تغتسل فيه وتصلي قبل تغير الشمس؛ لأن تأخير الصلاة إلى ما بعد تغير الشمس مكروه وبالتوهم لا يحل لها ارتكاب المكروه ولا بأس لزوجها أن يطأها هنا؛ لأن انقطاع الدم طهر من حيث الظاهر، والاستدلال بما قبله واحتمال توهم العود لم يتأيد بدليل هنا فلا يمنعه من الوطء، وكذلك لها أن تتزوج إن كان هذا آخر عدتها؛ لأنها قد طهرت ظاهرا، والمعلوم الظاهر لا يترك العمل به بالمحتمل. وهذا إذا كانت أيامها دون العشرة، فإن كانت أيامها عشرة فكما تمت العشرة اغتسلت وصلت، ولا تؤخر سواء انقطع عنها الدم أو لم ينقطع؛ لأنا تيقنا بخروجها من الحيض فإن الحيض لا يكون أكثر من عشرة، وإن لم يكن لها قبل ذلك عادة، وكانت مبتدأة، وانقطع دمها على الخمس أو في النفاس وانقطع دمها على العشرين وسعها أن تمكن زوجها من نفسها، وأن تتزوج؛ لأن في حق المبتدأة العادة تحصل بالمرة الواحدة فالتحقت بصاحبة العادة غير أن قوله: وأن تتزوج إن لم يكن لها زوج كلام مختل؛ لأنها إن لم تكن معتدة فقد كان لها أن تتزوج في حالة الحيض والنفاس، وإن كانت معتدة فلا يتصور انقضاء عدتها بالحيضة الأولى؛ لأن الصغيرة إذا اعتدت شهرين ثم حاضت يلزمها استئناف العدة لقدرتها على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل فدل أنه كلام مختل ذكره بالقياس على ما سبق من غير تأمل فيه. ولو كانت نصرانية تحت مسلم فانقطع عنها الدم فيما دون العشرة وسع الزوج أن يطأها ووسعها أن تتزوج؛ لأنه لا اغتسال عليها فإنها لا تخاطب قبل الإسلام بأحكام الشرع وكذلك لو كانت مطلقة رجعية فانقطع عنها الدم قبل تمام العشرة في الحيضة الثالثة، فإنه لا اغتسال عليها، فإن أسلمت بعد انقطاع الدم فليس للزوج أن يراجعها أيضا، ولها أن تتزوج؛ لأنا حكمنا بطهارتها بنفس انقطاع الدم فلا تعود فيه بالإسلام بخلاف ما إذا عاودها الدم فرؤية الدم مؤثر في إثبات الحيض به ابتداء فكذلك يكون مؤثرا في البقاء بخلاف الإسلام، وإن كانت أيامها عشرة فكما انقطع الدم عند تمام العشرة انقطعت الرجعة، ولها أن تتزوج؛ لأنها خرجت من الحيض بيقين ولكنها لا تقرأ القرآن ما لم تغتسل، وهي بمنزلة الجنب في وجوب الاغتسال عليها، وللجنابة تأثير في المنع من قراءة القرآن دون بقاء العدة. (قال): عجوز كبيرة حكم بإياسها ثم رأت الدم بعد ذلك فقد ذكر الزعفراني - رحمه الله تعالى - في كتاب الحيض أنها لا تكون حائضا، ولو كانت اعتدت بالشهور، وتزوجت لم يبطل نكاحها؛ لأن الظاهر أن الدم في هذه الحالة من فساد الرحم أو الغذاء فلا يبطل به ما تقدم من الحكم بإياسها، وكان محمد بن إبراهيم الميداني - رحمه الله تعالى - يقول: إن رأت حمرة وتمادى بها إلى مدة الحيض كان حيضا استدلالا بما ذكر محمد - رحمه الله تعالى - في نوادر أبي سليمان - رحمه الله تعالى - فإنه قال: بنت ثمانين أو تسعين إذا رأت الدم فهو حيض، فإن كانت كدرة لم يكن حيضا؛ لأن الظاهر أنه من فساد الرحم أو الغذاء ثم المعتبر في اللون في حقها عند رفع الخرقة فإن الرطوبة على الخرقة قد تتغير من الحمرة إلى الكدرة أو من الكدرة إلى الخضرة قبل الرفع أو بعد الرفع، ولا معتبر بواحد من الحالين إنما المعتبر عند الرفع؛ لأن الظهور عند ذلك يحصل، وكذلك في حق الحائض إذا تغير اللون من الحمرة إلى البياض أو من البياض إلى الحمرة فالعبرة بحالة الرفع، فإن رأت البياض عند الرفع ثم تغير إلى الحمرة بعد ذلك أو إلى الخضرة أو إلى الصفرة فهذا انقطاع، وإن كانت كدرة عند الرفع ثم تغيرت إلى البياض فهي حائض بعد؛ لأن الخروج عند رفع الخرقة يكون فيعتبر اللون في تلك الحالة، وإن كان حيضها مرة ستا ومرة خمسا فانقطع عنها الدم لتمام الخمسة فإنها تغتسل وتصلي احتياطا، ولا يأتيها زوجها حتى يمضي اليوم السادس لتوهم معاودة الدم، وقد تأيد هذا التوهم بدليل معتبر كان قبل هذا ولو كانت معتدة انقطعت الرجعة بمضي خمسة أيام من الحيضة الثالثة وليس لها أن تتزوج حتى يمضي اليوم السادس، وعند مضيه يلزمها أن تغتسل فتأخذ بالاحتياط في كل حكم، وإنما يتصور لزوم الاغتسال عند مضي اليوم السادس فأما إذا انقطع دمها لتمام الخمسة، ولم تبتل بالاستمرار فإنها تغتسل لتمام الخمسة، ولا يلزمها أن تغتسل لتمام الستة إذا لم يعاودها الدم هذا في حق من ليست لها عادة معروفة، ولكنها ابتليت بالاستمرار، وتردد رأيها في الحيض بين الخمس والست، وقد بينا هذا فيما سبق والله أعلم بالصواب ![]()
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث صـــ 210 الى صـــ 219 (67) [باب النفاس] (باب النفاس) (قال) - رحمه الله تعالى - النفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة قيل أنه مشتق من تنفس الرحم به وقيل هو من النفس الذي هو عبارة عن الدم، وقيل هو من النفس التي هي الولد فخروجه لا ينفك عن دم يتعقبه. وأكثر مدته أربعون يوما عندنا، وقد بينا اختلاف العلماء فيه، واعتمادنا فيه على السنة فقد روي «عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: كانت النفساء يقعدن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يوما، وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف» وفي حديث أبي الدرداء وأبي هريرة - رضي الله عنهما - قالا: «وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للنفساء أربعين صباحا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك» ولا غاية لأقله لعموم قوله «إلا أن ترى الطهر قبل ذلك» حتى إذا رأت الدم يوما ثم طهرت فذلك اليوم نفاس لها بخلاف الحيض فإن أقله مقدر؛ لأن دم الحيض والنفاس ما يكون من الرحم ولدم النفاس دليل يستدل به على أنه من الرحم، وهو تقدم خروج الولد فلا حاجة إلى الاستدلال عليه بالامتداد بخلاف دم الحيض، والذي ذكره أبو موسى - رحمه الله تعالى - في مختصره أن أقل النفاس عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - خمسة وعشرون يوما، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أحد عشر يوما ليس المراد به أنه إذا انقطع فيما دون ذلك لا يكون نفاسا، ولكن المراد به إذا وقعت الحاجة إلى نصب العادة لها في النفاس لا ينقص ذلك من خمسة وعشرين يوما عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إذا كانت عادتها في الطهر خمسة عشر؛ لأنه لو نصب لها دون هذا القدر أدى إلى نقض العادة فمن أصل أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن الدم إذا كان محيطا بطرفي الأربعين فالطهر المتخلل لا يكون فاصلا طال أو قصر فلو قدر نفاسها بأقل من خمسة وعشرين يوما فعاودها الدم قبل تمام الأربعين كان الكل نفاسا فلهذا قدر بخمسة وعشرين، وفي الإخبار بانقضاء العدة قدر مدة نفاسها بخمسة وعشرين على ما سنبينه، وكذلك أبو يوسف - رحمه الله تعالى - إنما قدر بأحد عشر يوما في الإخبار بانقضاء العدة فأما إذا انقطع الدم دون ذلك فلا خلاف في أنه نفاس ثم أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - مر على أصله فقال: الأربعون للنفاس كالعشرة للحيض ثم الطهر المتخلل في العشرة عنده لا يكون فاصلا، وإذا كان الدم محيطا بطرفي العشرة يجعل الكل كالدم المتوالي فكذلك في النفاس إذا أحاط الدم بطرفي الأربعين وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - مر على أصله أن الطهر المتخلل إذا كان أقل من خمسة عشر لا يصير فاصلا، ويجعل كالدم المتوالي فإذا بلغ خمسة عشر يوما صار فاصلا بين الدمين، فهذا مثله. ومحمد - رحمه الله تعالى - فرق بين النفاس، وبين ما تقدم في الحيض فقال: هناك إذا كانت الغلبة للطهر يصير فاصلا بين الدمين، وإن كان دون الخمسة عشر وهنا لا يصير فاصلا؛ لأنه لا يتصور هنا في مدة الأربعين طهر ما دون خمسة عشر، وهو غالب على الدم إنما يتصور ذلك في مدة الحيض ثم هناك الدم قد يتقدم، وقد يتأخر فلو لم يعتبر غلبة أحدهما على الآخر أدى إلى القول بجعل زمان هو طهر كله حيضا، وذلك لا يجوز بخلاف النفاس، وإنما قال: إن الطهر خمسة عشر هنا يصير بين الدمين؛ لأن طهر خمسة عشر صالح للفصل بين الحيضتين، فكذلك للفصل بين الحيض والنفاس، فكان المتقدم نفاسا والمتأخر حيضا. وبيان هذا إذا رأت الدم يوما بعد الولادة ثم طهرت ثمانية وثلاثين يوما ثم رأت الدم يوما فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - الأربعون كلها نفاس وعندهما النفاس هو اليوم الأول فقط ثم يخرج على هذا الأصل المسائل إلى أن يقول: رأت الدم خمسة بعد الولادة والطهر خمسة عشر يوما، والدم خمسة والطهر خمسة عشر ثم استمر بها الدم فعندهما نفاسها الخمسة الأولى، وعادتها في الطهر خمسة عشر؛ لأنها رأت مرتين، وحيضها الخمسة التي بعد العشرين، وصار ذلك عادة لها بالمرة الواحدة؛ لأنها مبتدأة، وعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - نفاسها خمسة وعشرون، والطهر الأول غير معتبر لإحاطة الدم بطرفيه في مدة الأربعين، فأما الطهر الثاني فهو صحيح معتبر؛ لأن به تتم الأربعون فيصير ذلك عادة لها في الطهر بالمرة الواحدة ولا عادة لها في الحيض فيجعل أول الاستمرار حيضها عشرة وطهرها خمسة وعندهما يجعل حيضها من أول الاستمرار خمسة وطهرها خمسة عشر وعادتها في النفاس عندهما تكون خمسة وعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - خمسة وعشرون؛ لأن العادة في النفاس في حق المبتدأة تثبت بالمرة الواحدة كالعادة في الحيض [أول وقت النفاس] ويختلفون في أول وقت النفاس فقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى وقت الولادة أول وقت النفاس وقال محمد وزفر رحمهما الله تعالى وقت فراغ رحمها أول وقت النفاس، وإنما يتبين ذلك فيما إذا ولدت ولدا، وفي بطنها ولد آخر فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى تصير نفساء وعند محمد وزفر رحمهما الله تعالى لا تصير نفساء ما لم تضع الولد الثاني قالا: لأنها حامل بعد والحامل كما لا تحيض فكذلك لا تصير نفساء؛ لأن النفاس أخو الحيض واستدلا بحكم انقضاء العدة فإنه لا يثبت إلا بوضع آخر الولدين فكذلك حكم النفاس وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى قال: النفاس هو الدم الخارج عقب الولادة، وقد تحقق ذلك وإنما لا يجعل لما تراه المرأة الحامل من الدم حكم الحيض؛ لأنه ليس من الرحم فإن الله تعالى أجرى العادة أن المرأة إذا حبلت انسد فم رحمها، وهذا المعنى غير موجود هنا؛ لأن فم الرحم قد انفتح بوضع أحد الولدين فالدم المرئي من الرحم كان نفاسا، وهذا بخلاف حكم انقضاء العدة؛ لأنه متعلق بفراغ الرحم ولا فراغ مع بقاء شيء من الشغل، وهنا حكم النفاس للدم الخارج من الرحم بعد الولادة، وقد تحقق ذلك، فإن كان بين الولدين عشرة أيام، واستمر بها الدم، وهي مبتدأة في النفاس فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى تترك الصوم والصلاة بعد ولادة الولد الأول ونفاسها بعد وضع الولد الثاني ثلاثون يوما، وعند محمد وزفر رحمهما الله تعالى لا تترك الصوم والصلاة ما لم تضع الولد الثاني ونفاسها بعد ذلك أربعون يوما. وحكي أن أبا يوسف قال: لأبي حنيفة رحمهما الله تعالى أرأيت لو كان بين الولدين أربعون يوما قال: هذا لا يكون قال: فإن كان قال: لا نفاس لها من الولد الثاني، وإن رغم أنف أبي يوسف ولكنها تغتسل كما تضع الولد الثاني، وهذا صحيح؛ لأنه لا يتوالى نفاسان ليس بينهما طهر كما لا تتوالى حيضتان ليس بينهما طهر (قال): فإن خرج بعض الولد ثم رأت الدم فروى خلف بن أيوب عن أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة رحمهم الله تعالى أنه إن خرج الأكثر منه فهي نفساء؛ لأن بقاء الأقل لا يمنع خروج الدم من الرحم وكذلك لو انقطع الولد فيها فإذا خرج الأكثر كانت نفساء؛ لأن للأكثر حكم الكمال، فأما إذا أسقطت سقطا، فإن كان قد استبان شيء من خلقه فهي نفساء فيما ترى من الدم بعد ذلك، وإن لم يستبن شيء من خلقه فلا نفاس لها، ولكن إن أمكن جعل المرئي من الدم حيضا يجعل حيضا، وإن لم يمكن بأن لم يتقدمه طهر تام فهو استحاضة وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - يمتحن السقط بالماء الحار، فإن ذاب فيه فليس بولد فلا نفاس لها، وإن لم يذب فهو ولد وتصير به نفساء، وهذا من باب الطب ليس من الفقه في شيء فلم نقل به لهذا، ولكن حكمنا السيما والعلامة، فإن ظهر فيه شيء من آثار النفوس فهو ولد والنفاس هو الدم الخارج بعقب خروج الولد، وإن لم يستبن فيه شيء من الآثار فهذه علقة أو مضغة فلم يكن للدم المرئي بعدها حكم النفاس ثم المسألة على وجهين: إما أن ترى الدم قبل إسقاط السقط أو لا تراه، فإن رأت الدم قبل إسقاط السقط، فإن كان السقط مستبين الخلق لا تترك الصلاة والصوم بالدم المرئي قبله، وإن كانت تركت الصلاة فعليها قضاؤها؛ لأنه تبين أنها كانت حاملا حين رأت الدم، وليس لدم الحامل حكم الحيض، وهي نفساء فيما تراه بعد السقط، وإن لم يكن السقط مستبين الخلق فما رأته قبل السقط حيض إن أمكن أن يجعل حيضا بأن وافق أيام عادتها، وكان مرئيا عقيب طهر صحيح؛ لأنه تبين أنها لم تكن حاملا ثم إن كان ما رأت قبل السقط مدة تامة فما رأت بعد السقط استحاضة. وإن لم تكن مدة تامة تكمل مدتها مما رأت بعد السقط ثم هي مستحاضة بعد ذلك. فإن كانت أيامها ثلاثة فرأت قبل السقط ثلاثة دما ثم استمر بها الدم بعد السقط فحيضها الثلاثة التي رأتها قبل السقط، وهي مستحاضة فيما رأت بعد السقط. وإن كان ما رأت قبل السقط يوما أو يومين تكمل مدتها ثلاثة أيام مما تراه بعد السقط ثم هي مستحاضة بعد ذلك، وإن لم ترد ما قبل السقط، ورأته بعده، فإن كان السقط مستبين الخلق فهي نفساء، وإن لم يكن مستبين الخلق، فإن أمكن جعل ما تراه بعد السقط حيضا يجعل حيضا لها بعدل أيام عادتها، وإن لم يمكن جعله حيضا فهي مستحاضة في ذلك، فإن أسقطت في بئر المخرج سقطا لا تدري أنه كان مستبين الخلق، أو لم يكن فهذا أيضا على وجهين: إما أن ترى الدم قبل السقط أو لا تراه إلا بعد السقط، فإن لم تر الدم إلا بعد السقط وأيامها في الحيض عشرة، وفي الطهر عشرون فنقول: إذا كان السقط مستبين الخلق فلها نفاس أربعين؛ لأنها مبتدأة في النفاس، وقد استمر بها الدم فيكون نفاسها أكثر النفاس كالمبتدأة بالحيض إذا استمر بها الدم، وإن لم يكن السقط مستبين الخلق فحيضها عشرة فتترك الصلاة عقيب السقط عشرة أيام بيقين؛ لأنها في هذه العشرة إما حائض وإما نفساء ثم تغتسل وتصلي عشرين يوما بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك؛ لأنه تردد حالها فيها بين الطهر والنفاس ثم تترك عشرة بيقين؛ لأنها في هذه العشرة إما حائض أو نفساء ثم تغتسل لتمام مدة النفاس والحيض ثم بعده طهرها عشرون وحيضها عشرة، وهكذا دأبها أن تغتسل في كل وقت تتوهم أنه وقت خروجها من الحيض والنفاس، فإن كانت قد رأت قبل إسقاط السقط دما، فإن كان ما رأت قبل الإسقاط مستقلا لا تترك الصلاة بعد الإسقاط، وإن لم يكن مستقلا تركت بعد الإسقاط قدر ما تتم به مدة حيضها ولا تترك الصلاة فيما رأت قبل الإسقاط على كل حال ولو تركت فعليها قضاؤها؛ لأنه إن كان السقط مستبين الخلق لم يكن ما رأت قبله حيضها، وإن لم يكن مستبين الخلق كان ذلك حيضا فتردد حالها فيما رأت قبل السقط بين الحيض والطهر فلا تترك الصلاة بالشك ثم إن كان حيضها عشرة وطهرها عشرون، فإن رأت قبل الإسقاط عشرة ثم أسقطت اغتسلت وصلت عشرين يوما بعد السقط؛ لأنه تردد حالها فيه بين الطهر والنفاس ثم تترك عشرة بيقين؛ لأنها فيه نفساء أو حائض ثم تغتسل وتصلي عشرين يوما عشرة بالشك؛ لأنه تردد حالها فيها بين النفاس والطهر ثم تغتسل وتصلي عشرة أخرى بيقين الطهر ثم تصلي عشرة بالشك لتردد حالها فيها بين الحيض والطهر ثم تغتسل، وهكذا دأبها. وإن كانت رأت قبل السقط خمسة أيام دما ثم أسقطت كما بينا فإنها تترك الصلاة خمسة أيام بعد السقط؛ لأن السقط إن لم يكن مستبين الخلق فهذه الخمسة تتمة مدة حيضها، وإن كان مستبين الخلق فهذا أول نفاسها فتترك الصلاة في هذه الخمسة بيقين ثم تغتسل وتصلي عشرين يوما بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك لتردد حالها فيه بين النفاس والطهر ثم تترك عشرة بيقين؛ لأنها في هذه العشرة إما حائض أو نفساء فبلغ الحساب خمسة وثلاثين ثم تغتسل وتصلي خمسة أيام بالوضوء بالشك ثم تغتسل لتمام الأربعين؛ لأنه وقت خروجها من النفاس إن كان السقط مستبين الخلق ثم تصلي خمسة عشر يوما بالوضوء بيقين؛ لأنه طهرها فبلغ الحساب خمسة وخمسين ثم تصلي خمسة أيام بالوضوء بالشك لتردد حالها فيها بين أول الحيض إن لم يكن السقط مستبين الخلق وبين آخر الطهر إن كان السقط مستبين الخلق فبلغ الحساب ستين ثم تترك خمسة؛ لأنها تتيقن بأن هذه الخمسة إما أول حيضها أو آخر حيضها ثم تغتسل وتصلي خمسة أيام بالوضوء بالشك ثم تغتسل مرة أخرى؛ لأن هذا آخر حيضها إن كان السقط مستبين الخلق ثم تصلي خمسة عشر يوما بالوضوء بيقين، وهكذا دأبها أن تترك في كل مرة الصلاة في كل خمسة فيها يقين الحيض وأن تغتسل في كل وقت تتوهم أنه وقت خروجها من الحيض. وإن ولدت ولدا أو أسقطت سقطا مستبين الخلق واستمر بها الدم وشكت في حيضها أو طهرها فهذه المسألة على ثلاثة أوجه إما أن شكت في حيضها أنه خمسة أو عشرة وتيقنت بأن طهرها عشرون أو شكت في طهرها أنه خمسة عشر أو عشرون وعلمت أن حيضها عشرة أو شكت فيهما جميعا، فإن شكت في الحيض أنه خمسة أو عشرة ولم تشك في الطهر فإنها بعد الأربعين التي هي نفاسها تغتسل وتصلي عشرين يوما باليقين؛ لأنها عالمة بمدة طهرها ثم تدع خمسة بيقين؛ لأنها حائض فيها ثم تغتسل فبلغ الحساب خمسة وعشرين، ولها حسابان الأقصر والأطول ففي الحساب الأقصر استقبلها طهر عشرين. وفي الحساب الأطول بقي من حيضها خمسة فتصلي خمسة أيام بالوضوء بالشك ثم تغتسل وتصلي خمسة عشر بالوضوء بيقين الطهر فبلغ الحساب خمسة وأربعين، وفي الحساب الأقصر استقبلها الحيض خمسة، وفي الأطول بقي من طهرها خمسة فتصلي خمسة بالوضوء بالشك فبلغ الحساب خمسين ثم تغتسل، وفي الحساب الأقصر استقبلها الطهر عشرون، وفي الأطول الحيض عشرة فتصلي عشرة بالوضوء بالشك ثم تغتسل فبلغ الحساب ستين ثم في الحساب الأقصر بقي من طهرها عشرة، وفي الأطول استقبلها طهر عشرين فتصلي عشرة بيقين فبلغ الحساب سبعين ثم في الحساب الأقصر استقبلها الحيض خمسة، وفي الأطول بقي من طهرها عشرة فتصلي خمسة بالوضوء بالشك فبلغ الحساب خمسة وسبعين فتغتسل ثم في الحساب الأقصر استقبلها طهر عشرين، وفي الأطول بقي من طهرها خمسة فتصلي خمسة بالوضوء بيقين فبلغ الحساب ثمانين ثم في الحساب الأقصر بقي من طهرها خمسة عشر، وفي الأطول استقبلها الحيض عشرة فتصلي عشرة بالوضوء بالشك فبلغ الحساب تسعين فتغتسل ثم في الحساب الأقصر بقي من طهرها خمسة، وفي الأطول استقبلها طهر عشرين فتصلي بالوضوء بيقين خمسة فبلغ خمسة وتسعين ثم في الأقصر استقبلها الحيض خمسة وفي الأطول بقي من طهرها خمسة عشر فتصلي خمسة بالوضوء بالشك ثم تغتسل فبلغ الحساب مائة في الأقصر استقبلها طهر عشرين، وفي الأطول بقي من طهرها عشرة فتصلي عشرة بيقين فبلغ الحساب مائة وعشرة ثم في الأقصر بقي من طهرها عشرة، وفي الأطول استقبلها الحيض عشرة فتصلي عشرة بالشك ثم تغتسل فبلغ الحساب مائة وعشرين ثم في الأقصر استقبلها الحيض خمسة، وفي الأطول استقبلها طهر عشرين فتصلي خمسة بالوضوء بالشك فبلغ الحساب مائة وخمسة وعشرين ثم في الأقصر استقبلها الطهر عشرين، وفي الأطول بقي من طهرها خمسة عشر فتصلي خمسة عشر بالوضوء بيقين فبلغ الحساب مائة وأربعين ثم في الأقصر بقي من طهرها خمسة، وفي الأطول استقبلها الحيض عشرة فتصلي خمسة بالوضوء بالشك بلغ الحساب مائة وخمسة وأربعين ثم في الأطول بقي من حيضها خمسة، وفي الأقصر استقبلها الحيض خمسة فتترك هذه الخمسة بيقين ثم تغتسل فبلغ الحساب مائة وخمسين واستقام دورها في ذلك، وعلى هذا النحو يخرج ما إذا كان الشك في الطهر أنه خمسة عشر أو عشرون واستقام دورها فيه أيضا في مائة وخمسين ثم تخرج على هذا النحو ما إذا شكت فيهما في الحيض أنه خمسة أو عشرة، وفي الطهر أنه خمسة عشرة أو عشرون، وإنما يستقيم دورها في هذا الفصل في ثلثمائة يوم (قال): امرأة ولدت وانقطع دمها بعد يوم أو يومين أو ثلاثة انتظرت إلى آخر الوقت ثم اغتسلت وصلت فالانتظار لتوهم أن يعاودها الدم، والاغتسال في آخر الوقت؛ لأنها طاهرة ظاهرا وقد بينا نظيره في الحيض، فإن كانت طلقت حين ولدت صدقت على انقضاء العدة في أربعة وخمسين يوما وزيادة ما في قول محمد - رحمه الله تعالى - وفي قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - لا تصدق في أقل من خمسة وستين يوما وفي قول أبي حنيفة في رواية محمد رحمهما الله تعالى لا تصدق في أقل من خمسة وثمانين يوما وفي رواية الحسن - رحمه الله تعالى - لا تصدق في أقل من مائة يوم، وذكر أبو سهل الفرائضي - رحمه الله تعالى - في كتاب الحيض رواية عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنها لا تصدق في أقل من مائة وخمسة عشر يوما. وهذه المسألة تنبني على فصلين: أحدهما: ما بينا أن عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إذا كان الدم محيطا بطرفي الأربعين فالطهر المتخلل لا يكون فاصلا، وإن طال والثاني أن المطلقة إذا كانت تعتد بالأقراء في كم تصدق إذا أخبرت بانقضاء العدة فقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى: لا تصدق في أقل من ستين يوما. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تصدق في تسعة وثلاثين يوما وتخريج قولهما أنه يجعل كأنه طلقها في آخر جزء من أجزاء الحيض، وحيضها أقل الحيض ثلاثة، وطهرها أقل الطهر خمسة عشر فثلاث مرات ثلاثة يكون تسعة وطهران كل واحد منهما خمسة عشر يكون ثلاثين فلهذا صدقت في تسعة وثلاثين يوما؛ لأنها أمينة فإذا أخبرت بما هو محتمل يجب قبول خبرها، وقيل على قول أبي يوسف - رضي الله تعالى عنه - ينبغي أن تصدق في سبعة وثلاثين يوما ونصف وأربع ساعات؛ لأنا قد بينا أن أقل الحيض عنده يومان، والأكثر من اليوم الثالث فيجعل كل حيضة يومان ونصف وساعة فذلك سبعة وثلاث ساعات وساعة الإخبار والاغتسال فتصدق في سبعة وثلاثين يوما ونصف وأربع ساعات للاحتمال. فأما تخريج قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فعلى ما ذكره محمد - رحمه الله تعالى - يجعل كأنه طلقها من أول الطهر تحرزا عن إيقاع الطلاق في الطهر بعد الجماع وطهرها خمسة عشر؛ لأنه لا غاية لأكثر الطهر فيقدر بأقله وحيضها خمسة؛ لأن من النادر أن يكون حيضها أقل أو يمتد إلى أكثر الحيض فيعتبر الوسط من ذلك، وذلك خمسة فثلاثة أطهار كل طهر خمسة عشرة يكون خمسة وأربعين وثلاث حيض كل حيضة خمسة يكون خمسة عشر فذلك ستون يوما وعلى ما رواه الحسن - رحمه الله تعالى - يجعل كأنه طلقها في آخر جزء من الطهر؛ لأن التحرز عن تطويل العدة واجب وإيقاع الطلاق في آخر الطهر أقرب إلى التحرز عن تطويل العدة ثم الحيض لها عشرة؛ لأنا لما قدرنا طهرها بأقل المدة نظرا إليها: يقدر حيضها بأكثر الحيض نظرا للزوج فثلاث حيض كل حيضة عشرة يكون ثلاثين وطهران كل طهر خمسة عشر يوما يكون ثلاثين فذلك ستون قال: ولا معنى لما قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لأنه لا احتمال لتصديقها في تلك المدة إلا بعد أمور كلها نادرة منها أن يكون الإيقاع في آخر جزء من أجزاء الطهر، ومنها أن يكون حيضها أقل مدة الحيض، ومنها أن يكون طهرها أقل مدة الطهر، ومنها أن لا تؤخر الإخبار عن ساعة الانقضاء والأمين إذا أخبر بما لا يمكن تصديقه فيه إلا بأمور هي نادرة لا يصدق كالوصي إذا قال: أنفقت على الصبي في يوم مائة درهم لا يصدق وما قاله محتمل بأن يشتري له نفقة فتسرق ثم مثلها فتحرق ثم مثلها فتتلف فلا يصدق لكون هذه الأمور نادرة فكذلك هنا، فإن كانت المطلقة أمة فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تصدق في أحد وعشرين يوما؛ لأن حيضها ثلاثة وطهرها خمسة عشر فحيضتان تكون ستة وطهرها بينهما يكون خمسة عشر فذلك أحد وعشرون يوما وعند أبي حنيفة في رواية محمد رحمهما الله تعالى تصدق في أربعين يوما، ويجعل كأنه طلقها في أول الطهر فطهران كل واحد منهما خمسة عشر يكون ثلاثين وحيضتان كل واحدة منهما خمسة يكون عشرة فذلك أربعون، وعلى رواية الحسن - رحمه الله تعالى - تصدق في خمسة وثلاثين يوما، ويجعل كأنه طلقها في آخر الطهر فحيضتان كل واحدة منهما عشرة، وطهرها خمسة عشر بينهما يكون خمسة وثلاثين يوما إذا عرفنا هذا جئنا إلى بيان مسألة الكتاب. إذا قال لامرأته الحامل: إذا ولدت فأنت طالق فأما تخريج قول أبي حنيفة على رواية محمد رحمهما الله تعالى أن يجعل نفاسها خمسة وعشرين يوما تحرزا عن معاودة الدم بعد الطهر قبل كمال الأربعين وطهرها خمسة عشر فذلك أربعون ثم حيضها خمسة وطهرها خمسة عشر فثلاث حيض كل حيضة خمسة وطهران بينها كل واحد منهما خمسة عشر يكون خمسة وأربعين فإذا ضممته إلى الأربعين يكون خمسة وثمانين فتصدق في هذا القدر، وعلى رواية الحسن - رحمه الله تعالى - التخريج هكذا إلا أن حيضها بعد الأربعين عشرة فثلاث حيض كل حيضة عشرة وطهران بينها يكون ستين يوما إذا ضممتها إلى الأربعين يكون مائة يوم وعلى رواية أبي سهل الفرائضي - رحمه الله تعالى - قال: يجعل نفاسها أربعين يوما؛ لأن أكثر مدة النفاس معلوم كأكثر مدة الحيض وكما قدرنا حيضها بأكثر المدة كذلك قدرنا نفاسها بأكثر المدة ثم بعد النفاس طهر خمسة عشر فذلك خمسة وخمسون إذا ضممت إليه ستين يوما كما بينا كان مائة يوم وخمسة عشر يوما فلهذا لا تصدق فيما دون هذا القدر فأما على قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - يجعل نفاسها أحد عشر يوما؛ لأن أدنى مدة النفاس هذا، وذلك؛ لأن العادة أن مدة النفاس تزيد على مدة الحيض والساعات لا يمكن ضبطها وكذلك الأيام لا غاية لأكثرها فقدرنا الزيادة بيوم واحد فكان نفاسها أحد عشر يوما وعابه محمد - رحمه الله تعالى - في ذلك فقال: هو يقول إذا انقطع عن النفساء دمها في أقل من أحد عشر يوما اغتسلت وصلت فهذا ينقض قوله في المعتدة، ولكن أبو يوسف - رحمه الله تعالى - في هذا الحرف اعتبر العادة دون الاحتمال ثم طهرها خمسة عشر فذلك ستة وعشرون ثم بعده تسعة وثلاثون يوما لثلاث حيض كما بينا فذلك خمسة وستون يوما؛ فلهذا صدقها في هذا القدر، وعلى قول محمد - رضي الله تعالى عنه - تصدق في أربعة وخمسين يوما وزيادة؛ لأنه لا غاية لأقل النفاس فإذا قالت: كان ساعة وجب تصديقها للاحتمال، والطهر بعده خمسة عشر ثم تسعة وثلاثون يوما لثلاث حيض فذلك أربعة وخمسون يوما فصدقت في هذا المقدار للاحتمال. فإن كانت المرأة أمة، والمسألة بحالها فعلى تخريج محمد لقول أبي حنيفة رحمهما الله تعالى تصدق في خمسة وستين يوما نفاسها خمسة وعشرون، وطهرها خمسة عشر وحيضها خمسة فحيضتان بعد الأربعين، وطهر بينهما يكون خمسة وعشرين إذا ضممته إلى الأربعين يكون خمسة وستين يوما، وعلى رواية الحسن - رضي الله تعالى عنه - تصدق في خمسة وسبعين؛ لأنه يجعل حيضها عشرة فحيضتان بعد الأربعين، وطهر بينهما يكون خمسة وثلاثين يوما إذا ضممتها إلى الأربعين يكون خمسة وسبعين وعلى رواية أبي سهل الفرائضي - رضي الله تعالى عنه - تصدق في تسعين يوما نفاسها أربعون وحيضها عشرة فطهران وحيضتان يكون خمسين يوما إذا ضممته إلى الأربعين يكون تسعين، وعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - تصدق في سبعة وأربعين يوما نفاسها أحد عشر، والطهر بعده خمسة عشر فذلك ستة وعشرون إذا ضممته إلى أحد وعشرين كما بينا يكون سبعة وأربعين، وعلى قول محمد - رضي الله تعالى عنه - تصدق في ستة وثلاثين يوما وساعة؛ لأنه يجعل نفاسها ساعة وطهرها خمسة عشر ثم بعد ذلك أحد وعشرون كما بينا من قوله فذلك ستة وثلاثون يوما وساعة تصدق في هذا المقدار إذا أخبرت بانقضاء العدة للاحتمال والله أعلم بالصواب ![]()
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع صـــ 2 الى صـــ 14 (68) [كتاب المناسك] (قال) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمه الله تعالى - اعلم أن الحج في اللغة: القصد، ومنه قول القائل وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا أي يقصدون له معظمين إياه، وفي الشريعة: عبارة عن زيارة البيت على وجه التعظيم لأداء ركن من أركان الدين عظيم، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بقصد، وعزيمة، وقطع مسافة بعيدة. فالاسم شرعي فيه معنى اللغة. والمناسك جمع النسك، والنسك اسم لكل ما يتقرب به إلى الله عز وجل، ومنه سمي العابد ناسكا، ولكنه في لسان الشرع عبارة عن أركان الحج قال الله تعالى {فإذا قضيتم مناسككم} [البقرة: 200] وفرضية الحج ثابتة بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] وآكد ما يكون من ألفاظ الإلزام كلمة على. وأما السنة فقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من وجد زادا وراحلة يبلغانه بيت الله تعالى ولم يحج حتى مات فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا». وفي رواية «فليمت على أي ملة شاء سوى ملة الإسلام، وتلا قوله تعالى {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] » وسبب وجوب الحج ما أشار الله تعالى إليه في قوله {حج البيت} [آل عمران: 97] فالواجبات تضاف إلى أسبابها، ولهذا لا يجب في العمر إلا مرة واحدة لأن سببه، وهو البيت غير متكرر، والأصل فيه حديث «الأقرع بن حابس - رضي الله تعالى عنه - حيث قال يا رسول الله الحج في كل عام أم مرة فقال - صلى الله عليه وسلم - بل مرة فما زاد فتطوع» والوقت فيه شرط الأداء، وليس بسبب، ولهذا لا يتكرر بتكرار الوقت إلا أن أركان هذه العبادة متفرقة على الأمكنة، والأزمنة فلا يجوز إلا بمراعاة الترتيب فيها، ولهذا لا يتأدى طواف الزيارة قبل الوقوف كما لا يتأدى السجود في فصل الصلاة قبل الركوع، والمال شرط يتوصل به إلى الأداء، ولهذا لا يتحقق الأداء من فقير لا مال له فرضا. وأركان هذه العبادة الأفعال، والمال ليس بسبب فيه، ولكنه معتبر ليتيسر به الوصول إلى مواضع أداء أركانه. ثم بدأ الكتاب فقال إذا أردت أن تحرم بالحج إن شاء الله اقتد بكتاب الله تعالى في ذكر الاستثناء في قوله تعالى {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله} [الفتح: 27] وقيل: إن أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - خاطب أبا يوسف - رحمه الله تعالى -، والواحد يشك في حالة أنه يحج أو لا يحج فقيد بالاستثناء، وتفرس فيه أنه يحج فما أخطأت فراسته (قال) فاغتسل أو توضأ، والغسل فيه أفضل. هكذا روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تجرد لإهلاله فاغتسل» رواه خارجة بن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -. وهذا الاغتسال ليس بواجب لما روي «أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أسماء قد نفست قال مرها فلتغتسل، ولتحرم بالحج»، ومعلوم أن الاغتسال الواجب مع النفاس والحيض لا يتأدى فعرفنا أن هذا الاغتسال لمعنى النظافة، وما كان لهذا المقصود فالوضوء يقوم مقامه كما في العيدين والجمعة، ولكن الغسل أفضل لأن معنى النظافة فيه أكمل ثم البس ثوبين إزارا ورداء جديدين أو غسيلين هكذا ذكر جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ائتزر وارتدى عند إحرامه»، ولأن المحرم ممنوع من لبس المخيط، ولا بد له من ستر العورة فتعين للستر الارتداء والائتزار. والجديد والغسيل في هذا المقصود سواء غير أن الجديد أفضل «لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر - رضي الله عنه - تزين لعبادة ربك» (قال) وادهن بأي دهن شئت، وهو الظاهر من المذهب عندنا أنه لا بأس بأن يتطيب، ويدهن قبل إحرامه بما شاء. وروي عن محمد - رحمه الله تعالى - قال: كنت لا أرى بذاك بأسا حتى رأيت أقواما يحضرون طيبا كثيرا، ويصنعون شيئا شنعا فكرهت ذلك، وهو قول مالك - رحمه الله تعالى - وقد نقل عن عمر وعثمان - رضي الله عنه - كراهة ذلك، وحجة هذا القول حديث «الأعرابي حيث جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه جبة متضمخة أي متلطخة بالخلوق فسأله عن العمرة فلم يجبه حتى نزل عليه الوحي فلما سري عنه قال: أين السائل عن العمرة فقال الأعرابي: ها أنا ذا يا رسول الله فقال - صلى الله عليه وسلم - أما جبتك فانزعها، وأما الخلوق فاغسله، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك» فقد أمره بإزالة الطيب عن نفسه عند الإحرام، ولنا حديث «عائشة - رضي الله عنها - قالت كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يزور البيت». وفي رواية «كنت أرى وبيص المسك في مفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد إحرامه فتطيبوا». وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كنا نخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متضمخا جباهنا بالمسك ثم نحرم فنعرق فيسيل على وجوهنا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى، ولا يكرهه». وتأويل حديث الأعرابي أنه كره الخلوق له لكونه بمنزلة الثوب المورس، والمزعفر. ومعنى كراهة محمد - رحمه الله تعالى - لاستعمال الطيب الكثير أنه بعد الإحرام ربما ينتقل على بدنه من موضع إلى موضع فيكون ذلك بمنزلة التطيب ابتداء بعد الإحرام في الموضع الثاني، ولكن هذا ليس بقوي فإنه لا تلزمه الكفارة بهذا، ولو كان بهذه المنزلة لوجب عليه الكفارة، واختلف مشايخنا رحمهم الله تعالى فيما إذا تطيب بعد إحرامه، وكفر ثم تحول الطيب مع عرقه من موضع إلى موضع فمنهم من يقول لا تلزمه كفارة جديدة لأن أصل فعله قد انقطع بالتكفير فلا معتبر بأثره كما لو فعله قبل الإحرام، ومنهم من قال تلزمه كفارة أخرى هنا؛ لأن أصل فعله كان محظورا فتحوله من موضع إلى موضع يكون جناية أيضا في حكم الكفارة بخلاف ما قبل الإحرام فإن أصل فعله لم يكن محظورا، ثم لا معتبر ببقاء الأثر بعد الإحرام إذا كان أصل فعله قبل الإحرام كالحلق، ثم قال: وصلى ركعتين لحديث عمر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أتاني آت من ربي، وأنا بالعقيق فقال: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين، وقل لبيك بحجة وعمرة معا»، وفيما ذكر جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بذي الحليفة ركعتين عند إحرامه، ثم قال: وقل اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني»؛ لأنه محتاج في أداء أركانه إلى تحمل المشقة، ويبقى في ذلك أياما فيطلب التيسير من الله تعالى إذ لا يتيسر للعبد إلا ما يسره الله تعالى، ويسأل القبول كما فعله الخليل، وإسماعيل صلوات الله عليهما في قولهما: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ولم يأمر بمثل هذا الدعاء لمن يريد افتتاح الصلاة؛ لأن أداءها يسير عادة، ولا تطول في أدائها المدة فأما أركان الحج فمتفرقة على الأمكنة والأزمنة، ولا يؤمن فيها اعتراض الموانع عادة فلهذا أمر بتقديم سؤال التيسير. (قال) ثم لب في دبر صلواتك تلك فإن شئت بعدما يستوي بك بعيرك. والكلام فيه في فصول أحدها في اشتقاق التلبية لغة فقيل: هو مشتق من قولهم ألب الرجل إذا أقام في مكان فمعنى قول القائل لبيك أنا مقيم على طاعتك، وقيل: هو مشتق من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها فمعنى قوله لبيك اتجاهي لك يا رب، وقيل: هو مشتق من قولهم امرأة لبة أي محبة لزوجها فمعناه محبتي لك يا رب. والثاني أن المختار عندنا أن يلبي من دبر صلواته، وهذا قول ابن عباس - رضي الله عنه -، وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يقول يلبي حين تستوي به راحلته، وذكر جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبى حين علا البيداء» إلا أن ابن عمر - رضي الله عنه - رد هذا فقال: «إن بيداءكم هذه تكذبون فيها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما لبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استوت به راحلته». وعن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - قال قلت لابن عباس - رضي الله عنه - «كيف اختلف الناس في وقت تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما حج إلا مرة واحدة قال: لبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دبر صلواته فسمع ذلك قوم من أصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - فنقلوه، وكانوا القوم يأتونه أرسالا فلبى حين استوت فسمع تلبيته قوم فظنوا أنه أول تلبيته فنقلوا ذلك، ثم لبى حين علا البيداء فسمعه آخرون فظنوا أنه أول تلبيته فنقلوا ذلك، وايم الله ما أوجبها إلا في مصلاه». والثالث أنه لا خلاف أن التلبية جواب الدعاء، والكلام في أن الداعي من هو فقيل: الداعي هو الله تعالى كما قال الله تعالى {فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم} [إبراهيم: 10] . وقيل: الداعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال صلوات الله عليه: إن سيدا بنى دارا واتخذ فيها مأدبة، وبعث داعيا. وأراد بالداعي نفسه، والأظهر أن الداعي هو الخليل صلوات الله عليه على ما روي أنه لما فرغ من بناء البيت أمر بأن يدعو الناس إلى الحج فصعد بأبي قبيس، وقال: ألا إن الله تعالى أمر ببناء بيت له، وقد بني ألا فحجوه فبلغ الله صوته الناس في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم فمنهم من أجاب مرة، ومنهم من أجاب مرتين، وأكثر من ذلك، وعلى حسب جوابهم يحجون، وبيان هذا في قوله تعالى {وأذن في الناس بالحج} [الحج: 27] الآية. فالتلبيبة إجابة لدعاء الخليل صلوات الله عليه وسلامه، ثم صفة التلبية أن يقول لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، هكذا رواه ابن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - في صفة تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن أهل اللغة من اختار نصب الألف في قوله إن الحمد، ومعناه لأن الحمد أو بأن الحمد فأما المختار عندنا: الكسر، وهو المروي عن محمد - رحمه الله تعالى -، ووافقه الفراء؛ لأن بكسر الألف يكون ابتداء الثناء، وبنصب الألف يكون وصفا لما تقدم، وابتداء الثناء أولى، ولا بأس عندنا في الزيادة على هذه التلبية بين العلماء اختلاف يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى فظاهر المذهب عندنا أن غير هذا اللفظ من الثناء والتسبيح يقوم مقامه في حق من يحسن التلبية أو لا يحسن، وكذلك لو أتى به بالفارسية فهو والعربية سواء أما على قول أبي حنيفة فظاهر؛ لأنا قد بينا مذهبه في التكبير عند افتتاح الصلوات أن المعتبر ذكر الله تعالى على سبيل التعظيم، وإن لفظ الفارسية والعربية فيه سواء فكذلك هنا ومحمد - رحمه الله تعالى - هناك يقول: لا يتأدى بالفارسية ممن يحسن العربية، وهنا يتأدى؛ لأن غير الذكر هنا يقوم مقام الذكر، وهو تقليد الهدي فكذلك غير العربية يقوم مقام العربية بخلاف الصلوات، وبهذا يفرق أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى بين التلبية والتكبير عند افتتاح الصلوات. وقد روى الحسن عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى أن غير التلبية من الأذكار لا يقوم مقام التلبية هنا كما في الصلوات على قوله، ولا يصير محرما بمجرد النية ما لم يأت بالتلبية أو ما يقوم مقامها خلافا للشافعي - رحمه الله تعالى -، وبيانه يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. (قال) والمستحب رفع الصوت بالتلبية هكذا روى خلاد بن السائب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرني جبريل - عليه السلام - أن آمر أمتي أو من معي بأن يرفعوا أصواتهم بالتلبية»، وقال - صلى الله عليه وسلم - «أفضل الحج العج والثج» فالعج رفع الصوت بالتلبية، والثج إراقة الدم، والمستحب عندنا في الأذكار والدعاء الخفية إلا فيما تعلق بإعلانه مقصود كالأذان للإعلام، والخطبة للوعظ، وتكبيرات الصلوات لإعلام التحرم والانتقال والقراءة لإسماع المؤتم فالتلبية للشروع فيما هو من إعلام الدين فلهذا كان المستحب رفع الصوت به (قال) فإذا لبيت فقد أحرمت يعني إذا نويت ولبيت إلا أنه لم يذكر النية لتقديم الإشارة إليها في قوله اللهم إني أريد الحج قال: فاتق ما نهى الله عنه من قتل الصيد، والرفث، والفسوق، والجدال. أما قتل الصيد فالمحرم منهي عنه في قوله تعالى {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] والصيد محرم عليه ما دام محرما لقوله تعالى {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] وأما الرفث والفسوق والجدال فالنهي عنها في قوله تعالى {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة: 197] فهو نهي بصيغة النفي، وهذا آكد ما يكون من النهي، وفي تفسير الرفث قولان أحدهما الجماع بيانه في قوله تعالى {أحل لكم ليلة الصيام الرفث} [البقرة: 187] والثاني الكلام الفاحش. إلا أن ابن عباس - رضي الله عنه - كان يقول إنما يكون الكلام الفاحش رفثا بحضرة النساء حتى روي أنه كان ينشد في إحرامه: وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا لميس اسم جاريته) فقيل: له أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث بحضرة النساء، وقال أبو هريرة - رضي الله عنه: كنا ننشد الأشعار في حالة الإحرام. فقيل له: مثل ماذا؟ فقال: مثل قول القائل قامت تريك رهبة إن تصرما ... ساقا بحناء وكعبا أدرما ذكر في كفاية المتحفظ. وأما الفسوق فهو اسم للمعاصي، وذلك منهي عنه في الإحرام وغير الإحرام إلا أن الحظر في الإحرام أشد لحرمة العبادة، وفي تفسير الجدال قولان أحدهما أن يجادل رفيقه في الطريق. والثاني أن المراد مجادلة المشركين في تقديم وقت الحج وتأخيره، وذلك هو النسيء الذي قال الله تعالى {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] الآية، وذلك منفي بعد الإسلام (قال)، ولا يشير إلى صيد، ولا يدل عليه لحديث أبي قتادة - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه - رضوان الله عليهم - وكانوا محرمين: هل أشرتم هل أعنتم هل دللتم فقالوا: لا، فقال: إذن فكلوا»، ولأن المحرم على المحرم التعرض للصيد بما يزيل الأمن عنه، وذلك يحصل بالدلالة، والإشارة، وربما يتطرق به إلى القتل، وما يكون محرم العين فهو محرم بدواعيه كالزنا. (قال) ولا تغط رأسك، ولا وجهك، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - لا بأس للرجل أن يغطي وجهه، ولا يغطي رأسه، والمرأة تغطي رأسها لا وجهها، واستدل بقوله - صلى الله عليه وسلم - «إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها». (ولنا) حديث «الأعرابي حين وقصت به ناقته في أخافيق جرزان، وهو محرم فقال - صلى الله عليه وسلم - لا تخمروا رأسه ووجهه»، وفي هذا تنصيص على أن المحرم لا يغطي رأسه ووجهه «، ورخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعثمان - رضي الله عنه - حين اشتكت عينه في حال الإحرام أن يغطي وجهه» فتخصيصه حالة الضرورة بالرخصة دليل على أن المحرم منهي عن تغطية الوجه، ولأن المرأة لا تغطي وجهها بالإجماع مع أنها عورة مستورة فإن في كشف الوجه منها خوف الفتنة فلأن لا يغطي الرجل وجهه لأجل الإحرام أولى، وتأويل الحديث بيان الفرق بين الرجل والمرأة في تغطية الرأس. (قال) ولا تلبس قباء، ولا قميصا، ولا سراويل، ولا قلنسوة لحديث ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يلبس المحرم القباء ولا القميص، ولا السراويل، ولا القلنسوة، ولا الخفين إلا أن يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تتنقب المرأة الحرام.» (قال) ولا تلبس ثوبا مصبوغا بالعصفر، ولا بالزعفران، ولا بالورس لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يلبس المحرم ثوبا مسه زعفران أو ورس»، وإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا بعد إحرامه علاه بالدرة فقال لا تعجل يا أمير المؤمنين فإنما هو بمشق فقال نعم، ولكن من ينظر إليك من بعد لا يعرف ذلك فيرجع إلى قبيلته، ويقول رأيت على طلحة في إحرامه ثوبا مصبوغا فيعيرك الناس بذلك فإن كان قد غسل حتى لا ينفض فلا بأس بلبسه؛ لأن المنهي نفس الطيب لا لونه، وبعد الغسل بهذه الصفة لا يبقى من عين الطيب فيه شيء (قال)، ولا تمس طيبا بعد إحرامك، ولا تدهن لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الحاج: الشعث التفل. واستعمال الدهن والطيب يزيل هذه الصفة فيكون محرما بعد الإحرام.» (قال) واذا حككت رأسك فارفق بحكه حتى لا يتناثر الشعر فإن إزالة ما ينمو من البدن حرام على المحرم؛ لأن أوان قضاء التفث عند التحلل من الإحرام كما قال الله تعالى بعد ذبح الهدي {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] (قال) ولا تغسل رأسك، ولحيتك بالخطمي لأن الخطمي تقتل هوام الرأس، وتزيل الشعث الذي جعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفة الحاج، وهو نوع من قضاء التفث أيضا. (قال) لا تقص أظفارك؛ لأنه إزالة ما ينمو من البدن فكان من نوع قضاء التفث (قال) وأكثر من التلبية في دبر كل صلاة، وكلما لقيت ركبا، وكلما علوت شرفا، وكلما هبطت واديا بالأسحار هكذا نقل أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم كانوا يلبون في هذه الأحوال، ثم تلبية المحرم في أدبار الصلوات كتكبير غير المحرم في أيام الحج في أدبار الصلوات فكما يؤتى بالتكبير بعد السلام فكذلك بالتلبية، وكما أن المصلي يكبر عند الانتقال من ركن إلى ركن فكذلك لمحرم يلبي عند الانتقال من حال إلى حال. وروى الأعمش عن خثعمة قال: كانوا يستحبون التلبية عند ست: في أدبار الصلوات، واذا استعطف الرجل براحلته، وإذا صعد شرفا وإذا هبط واديا وإذا لقي بعضهم بعضا، وبالأسحار. (قال) وإذا قدمت مكة فلا يضر ليلا دخلتها أو نهارا؛ لأن هذا دخول بلدة فيستوي فيه الليل والنهار كسائر البلدان، والرواة اختلفوا في وقت دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة فروى جابر - رضي الله عنه - «أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى العشاء بذي طوى، ثم هجع هجعة ثم دخل مكة فطاف ليلا». وروى ابن عمر - رضي الله عنه - «أنه بات بذي طوى فلما أصبح دخل مكة نهارا». والذي روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان ينهى الناس عن دخول مكة ليلا كان ذلك للإشفاق مخافة السرق ليرى الإنسان أين ينزل، ويضع رحله. وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه حين قدم مكة معتمرا في رمضان وجد الناس يصلون التراويح فصلى معهم. وعن عائشة والحسن والحسين - رضوان الله عليهم - أنهم كانوا يدخلون مكة ليلا (قال) فادخل المسجد؛ لأنه قصد زيارة البيت، والبيت في المسجد. وروى جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل مكة دخل المسجد فلما وقع بصره على البيت قال: اللهم زد بيتك تشريفا وتعظيما وتكريما وبرا ومهابة». ولم يذكر في الكتاب تعيين شيء من الأدعية في مشاهد الحج لما قال محمد - رحمه الله تعالى - التوقيت في الدعاء يذهب رقة القلب فاستحبوا أن يدعو كل واحد بما يحضره ليكون أقرب إلى الخشوع، وإن تبرك بما نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو حسن، وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يقول إذا لقي البيت بسم الله والله أكبر. وعن عطاء - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان إذا لقي البيت يقول أعوذ برب البيت من الدين والفقر ومن ضيق الصدر وعذاب القبر». (قال) ثم ابدأ بالحجر الأسود فاستلمه هكذا روى جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالحجر الأسود فاستلمه». وعن عمر - رضي الله عنه - «أنه استلم الحجر الأسود، وقال رأيت أبا القاسم بك حفيا». وعن ابن عمر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الحجر، ووضع شفتيه عليه، وبكى طويلا، ثم نظر فإذا هو بعمر - رضي الله عنه - فقال يا عمر هنا تسكب العبرات». وأن عمر - رضي الله عنه - في خلافته لما أتى الحجر الأسود وقف فقال: أما إني أعلم إنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استلمك ما استلمتك فبلغت مقالته عليا - رضي الله عنه - فقال: أما إن الحجر ينفع، فقال له عمر - رضي الله عنه - وما منفعته يا ختن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إن الله تعالى لما أخذ الذرية من ظهر آدم - عليه السلام - وقررهم بقوله ألست بربكم قالوا: بلى، أودع إقرارهم الحجر فمن يستلم الحجر فهو يجدد العهد بذلك الإقرار، والحجر يشهد له يوم القيامة» واستلام الحجر للطواف بمنزلة التكبير للصلوات فيبدأ به طوافه. (قال) إن استطعت من غير أن تؤذي مسلما لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر - رضي الله عنه - إنك رجل أيد تؤذي الضعيف فلا تزاحم الناس على الحجر، ولكن إن وجدت فرجة فاستلمه، وإلا فاستقبله وكبر وهلل»؛ ولأن استلام الحجر سنة، والتحرز عن أذى المسلم واجب فلا ينبغي له أن يؤذي مسلما لإقامة السنة، ولكن إن استطاع تقبيله وإلا مس الحجر بيده وقبل يده، وإن لم يستطع ذلك أمس الحجر شيئا من عرجون أو غيره، ثم قبل ذلك الشيء جاء في الحديث «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف على راحلته، واستلم الأركان بمحجنه، وإن لم يستطع شيئا من ذلك استقبله وكبر وهلل وحمد الله تعالى، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم -» وهذا استقبال مستحب غير واجب؛ لأن استقبال البيت عند الطواف لو كان واجبا كان في جميعه كاستقبال القبلة في الصلوات، ولكنه مستحب لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال «إن الحجر يبعث يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به فيشهد بالحق لمن استلمه أو استقبله.» (قال) ثم خذ عن يمينك على باب البيت فطف سبعة أشواط هكذا رواه جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ على يمينه من باب الكعبة فطاف سبعة أشواط»، ومقادير العبادة تعرف بالتوقيف لا بالرأي (قال) يرمل في الثلاثة الأول في كل شوط منها من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود فالحاصل أن كل طواف بعده سعي فالرمل في الثلاثة الأول منها سنة، وكل طواف ليس بعده سعي فلا رمل فيه، والرمل هو الاضطباع، وهز الكتفين، وهو أن يدخل أحد جانبي ردائه تحت إبطه، ويلقيه على المنكب الآخر، ويهز الكتفين في مشيه كالمبارز الذي يتبختر بين الصفين، وكان ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: لا رمل في الطواف، وإنما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إظهارا للجلادة للمشركين على ما روي «أن في عمرة القضاء لما أخلوا له البيت ثلاثة أيام وصعدوا الجبل طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه فسمع بعض المشركين يقول لبعض: أضناهم حمى يثرب، فاضطبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رداءه فرمل فقال لأصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين: رحم الله امرأ أرى من نفسه قوة وجلدا» فإذا كان ذلك لإظهار الجلادة يومئذ، وقد انعدم ذلك المعنى الآن فلا معنى للرمل، والمذهب عندنا أن الرمل سنة لحديث جابر، وابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «طاف يوم النحر في حجة الوداع فرمل في الثلاثة الأول، ولم يبق المشركون بمكة عام حجة الوداع». وروي «أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما أراد الرمل في طوافه فقال: علام أهز كتفي، وليس هنا أحد أرائيه، ولكنني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله فأفعله اتباعا له». وأكثر ما فيه أن سببه ما ذكر ابن عباس - رضي الله عنه - ولكنه صار سنة بذلك السبب فيبقى بعد زواله كرمي الجمار سببه رمي الخليل صلوات الله عليه الشيطان، ثم بقي بعد زوال ذلك السبب، والرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود عندنا. وقال سعيد بن جبير - رضي الله عنه - لا رمل بين الركن اليماني والحجر وإنما الرمل من الحجر إلى الركن اليماني وروي في بعض الآثار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يرمل من الحجر الأسود إلى الركن اليماني؛ لأن المشركين كانوا يطلعون عليه فإذا تحول إلى الجانب الآخر حال البيت بينه وبينهم فكان لا يرمل». وبهذا أخذ سعيد بن جبير وعطاء رحمهما الله تعالى، ولكنا نأخذ بحديث جابر وابن عمر - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر» (قال) وإن زحمك الناس في رملك فقم فإذا وجدت مسلكا فارمل؛ لأنه تعذر عليه إقامة السنة في الطواف للزحام فليصبر حتى يتمكن من إقامة السنة كالمزحوم يوم الجمعة يصبر حتى يتمكن من السجود، وتطوف الأربعة الأشواط الأخر مشيا على هينتك على هذا اتفق رواة نسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكلما مررت بالحجر الأسود في طوافك هذا فاستلمه إن استطعت من غير أن تؤذي مسلما فإن لم تستطع فاستقبله وكبر وهلل؛ لأن أشواط الطواف كركعات الصلوات فكما تفتتح كل ركعة تقوم إليها بالتكبير فكذلك تفتتح كل شوط باستلام الحجر، وإن افتتحت به الطواف، وختمته به أجزأك كما في الصلوات فترك تكبيرات الانتقال لا يمنع الجواز فكذلك لا بأس بترك استلام الحجر عند افتتاح كل شوط فإذا كان افتتاحه للطواف باستلام الحجر، وختمه بذلك ففيما بين ذلك يجعل كالمستلم حكما. (قال) وليكن طوافك في كل شوط وراء الحطيم. والحطيم: اسم لموضع بينه وبين البيت فرجة يسمى الموضع حطيما، وحجرا فتسميته بالحجر على معنى أنه حجر من البيت أي منع منه، وتسميته بالحطيم على معنى أنه محطوم من البيت أي مكسور منه فعيل بمعنى مفعول كالقتيل بمعنى مقتول، وقيل: بل فعيل بمعنى فاعل أي حاطم كالعليم بمعنى عالم، وبيانه فيما جاء في الحديث «من دعا على من ظلمه فيه حطمه الله تعالى» فينبغي لمن يطوف أن لا يدخل في تلك الفرجة في طوافه، ولكنه يطوف وراء الحطيم كما يطوف وراء البيت؛ لأن الحطيم من البيت، وهكذا روي أن عائشة - رضي الله عنها - «نذرت إن فتح الله مكة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تصلي في البيت ركعتين فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدها، وأدخلها الحطيم، وقال صلي هنا فإن الحطيم من البيت إلا أن قومك قصرت بهم النفقة فأخرجوه من البيت، ولولا حدثان عهد قومك بالجاهلية لنقضت بناء الكعبة، وأظهرت قواعد الخليل صلوات الله عليه، وأدخلت الحطيم في البيت وألصقت العتبة بالأرض، وجعلت لها بابين بابا شرقيا، وبابا غربيا، ولئن عشت إلى قابل لا فعلن ذلك فلم يعش - صلى الله عليه وسلم -»، ولم يتفرغ لذلك أحد من الخلفاء الراشدين - رضوان الله عليهم - حتى كان زمن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه -، وكان سمع الحديث فيها ففعل ذلك، وأظهر قواعد الخليل صلوات الله عليه، وبنى البيت على قواعد الخليل صلوات الله عليه بمحضر من الناس، وأدخل الحطيم في البيت فلما قتل كره الحجاج أن يكون بناء البيت على ما فعله ابن الزبير فنقض بناء الكعبة، وأعاده على ما كان عليه في الجاهلية فإذا ثبت أن الحطيم من البيت فالطواف بالبيت كما قال الله تعالى {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] ينبغي له أن يطوف من وراء الحطيم ولا يقال لو استقبل الحطيم في الصلاة لا تجوز صلاته، ولو كان الحطيم من البيت لجازت؛ لأن كون الحطيم من البيت إنما يثبت بخبر الواحد، وفرضية استقبال القبلة بالنص فلا يتأدى بما ثبت بخبر الواحد، والحاصل أنه يحتاط في الطواف والصلاة جميعا؛ لأن خبر الواحد يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين. (قال) ثم ائت المقام فصل عنده ركعتين أو حيثما تيسر عليك من المسجد هكذا روى جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من طوافه أتى المقام وصلى ركعتين». وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال «يا رسول الله لو صليت في مقام إبراهيم فأنزل الله تعالى {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند المقام ركعتين»، وهاتان الركعتان عند الفراغ من الطواف واجب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «، وليصل الطائف لكل أسبوع ركعتين»، والأمر للوجوب، ولأن عمر - رضي الله عنه - نسي ركعتي الطواف حين خرج من مكة فلما كان بذي طوى صلاهما، وقال ركعتان مكان ركعتين، وقال أو حيث تيسر عليك من المسجد، ومراده أن الزحام يكثر عند المقام فلا ينبغي أن يتحمل المشقة لذلك، ولكن المسجد كله موضع الصلاة فيصلي حيث تيسر عليه. (قال) فإذا فرغت منها فعد إلى الحجر فاستلمه فإن لم تستطع فاستقبل وهلل وكبر والأصل إن كان كل طواف بعده سعي يعود إلى استلام الحجر فيه بعد الفراغ من الصلاة، وكل طواف ليس بعده سعي لا يعود إلى استلام الحجر فيه بعد الصلاة؛ لأن الطواف الذي ليس بعده سعي عبادة قد تم فراغه منها حين فرغ من الركعتين فلا معنى للعود إلى ما به بدء الطواف فأما الطواف الذي بعده سعي فكما يفتتح طوافه باستلام الحجر فكذلك السعي يفتتح باستلام الحجر فلهذا يعود إلى الحجر فيستلمه (قال) ثم اخرج إلى الصفا فمن أي باب شاء خرج إلا أن جابرا - رضي الله عنه - روى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من باب بني مخزوم، وليس ذلك بسنة» بل إنما فعله؛ لأنه كان أقرب الأبواب إلى الصفا فهو الذي يسمى الآن باب الصفا فإذا خرج بدأ بالصفا لما روي «أن الصحابة - رضي الله عنهم - قالوا يا رسول الله بأيهما نبدأ قال ابدءوا بما بدأ الله تعالى به» يريد قوله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله.} [البقرة: 158] (قال) وقم عليها مستقبل الكعبة فتحمد الله تعالى وتثني عليه، وتكبر وتهلل وتلبي وتصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتدعو الله تعالى بحاجتك لما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صعد الصفا حتى إذا نظر إلى البيت قام مستقبل البيت يدعو». وروى جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صعد الصفا استقبل البيت، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم قرأ مقدار خمسة وعشرين آية من سورة البقرة، ثم نزل وجعل يمشي نحو المروة فلما انتصبت قدماه في بطن الوادي حتى التوى إزاره بساقيه، وهو يقول رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم حتى إذا خرج من بطن الوادي مشى حتى صعد المروة، وطاف بينهما سبعة أشواط، ثم الصعود على الصفا ليصير البيت بمرأى العين منه» فإنما يصعد بقدر ما يحصل به هذا المقصود، وهذا المقصود كان ليستقبل البيت فينبغي أن يستقبله فيأتي بالتحميد والثناء والتكبير والتهليل والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن قصده أن يسأل حاجته من الله تعالى فيجعل الثناء مقدمة دعائه، وبعد الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يفعله الداعي عند ختم القرآن وغير ذلك، ثم ذكر الدعاء هنا، ولم يذكره عند استلام الحجر؛ لأن تلك الحالة حال ابتداء العبادة، وهذا حال ختم العبادة فإن ختم الطواف بالسعي يكون والدعاء عند الفراغ من العبادة لا عند ابتدائها كما في فصل الصلاة. (قال) ثم اهبط منها نحو المروة وامش على هينتك مشيا حتى تأتي بطن الوادي فاسع في بطن الوادي سعيا فإذا خرجت منه تمشي على هينتك مشيا حتى تأتي المروة فتصعد عليها، وتقوم مستقبل الكعبة فتحمد الله تعالى، وتثني عليه وتهلل وتكبر وتلبي وتصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم تدعو الله تعالى بحاجتك. وللناس في أصل السعي في بطن الوادي كلام فقد قيل: بأن أصله من فعل أم إسماعيل هاجر حين كانت في طلب الماء كلما صار الجبل حائلا بينها، وبين النظر إلى ولدها كانت تسعى حتى تنظر إلى ولدها شفقة منها على الولد فصار سنة، والأصح أن يقال فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نسكه، وأمر أصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - أن يفعلوا ذلك فنفعله اتباعا له، ولا نشتغل بطلب المعنى فيه كما لا نشتغل بطلب المعنى في تقدير الطواف، والسعي سبعة أشواط. (قال) فطف بينهما هكذا سبعة أشواط تبدأ بالصفا، وتختم بالمروة، وتسعى في بطن الوادي في كل شوط، وظاهر ما قاله في الكتاب أن ذهابه من الصفا إلى المروة شوط ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، واليه أشار في قوله يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، وذكر الطحاوي - رحمه الله تعالى - أنه يطوف بينهما سبعة أشواط من الصفا إلى الصفا، وهو لا يعتبر رجوعه، ولا يجعل ذلك شوطا آخر. والأصح ما ذكر في الكتاب؛ لأن رواة نسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتفقوا على أنه طاف بينهما سبعة أشواط، وعلى ما قاله الطحاوي - رحمه الله تعالى - يصير أربعة عشر شوطا. (قال) ثم تقيم بمكة حراما لا تحل منه بشيء، وهذا لأنه أحرم بالحج فلا يتحلل ما لم يأت بأفعال الحج. (قال) وتطوف بالبيت كلما بدا لك، وتصلي لكل أسبوع ركعتين فإن الطواف بالبيت مشبه بالصلوات قال - صلى الله عليه وسلم - «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أحل فيه المنطق فمن نطق فلا ينطق إلا بخير، والصلاة خير موضوع فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر». وكذلك الطواف، ولكنه لا يسعى عقيب سائر الأطوفة في هذه المدة؛ لأن السعي الواحد من الواجبات للحج، وقد أتى به فلو سعى بعد ذلك كان متنفلا، والتنفل بالسعي غير مشروع (قال) حتى تروح مع الناس إلى منى يوم التروية فتبيت بها ليلة عرفة وتصلي بها الغداة يوم عرفة. هكذا روى جابر، وابن عمر - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الفجر يوم التروية بمكة فلما طلعت الشمس راح إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر يوم عرفة، ثم راح إلى عرفات». (قال) ثم تغدو إلى عرفات لحديث ابن عمر - رضي الله عنه - إن جبرائيل صلوات الله عليه أتى إبراهيم يوم التروية فأمره فراح إلى منى، وبات بها، ثم غدا إلى عرفات. (قال) وتنزل بها مع الناس؛ لأنه من الناس فينزل حيث ينزلون، ومراده أنه لا ينزل على الطريق كي لا يضيق على المارة، ولا يتأذى هو بهم (قال) فإن صليت الظهر والعصر مع الإمام فحسن، والحاصل أنه كما زالت الشمس يوم عرفة يصلي الإمام بالناس الظهر، والعصر بعرفات هكذا روى جابر - رضي الله عنه - في حديثه قال: «لما زالت الشمس صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس الظهر، والعصر بأذان وإقامتين» ![]()
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع صـــ 15 الى صـــ 26 (69) ، وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر - رضي الله عنه - في شيء من أمر المناسك فلما زالت الشمس أتى ابن عمر - رضي الله عنه - سرادقه فقال أين هذا؟ فخرج الحجاج فقال إن أردت السنة فالساعة، فقال: انتظرني حتى أغتسل، فانتظره فاغتسل وراح إلى المصلى. والاغتسال في هذا الوقت بعرفات سنة فإن اكتفي بالوضوء أجزأه، وإن اغتسل فهو أفضل كما عند الإحرام، وكما في العيدين والجمعة، ثم يخطب قبل الصلاة خطبتين بينهما جلسة كما في الجمعة والعيدين هكذا فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا لأن المقصود تعليم الناس المناسك، والجمع بين الصلاتين من المناسك فيقدم الخطبة عليه لتعليم الناس. ولأنهم بعد الفراغ من الصلاة يتفرقون في الموقف ولا يجتمعون لاستماع الخطبة. وفي ظاهر المذهب إذا صعد الإمام المنبر فجلس أذن المؤذن كما في الجمعة. وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه يؤذن قبل خروج الإمام؛ لأن هذا الأذان لأداء الظهر كما في سائر الأيام، وهذا قوله الأول فإذا فرغ من الخطبة أقام المؤذن، وصلى الإمام بالناس الظهر ركعتين إذا كان مسافرا، ثم يقوم المؤذن فيقوم ثانية فيصلي بهم العصر من غير أن يتنفل بين الصلاتين هكذا رواه جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - في صفة نسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا لأن تقديم العصر على وقته ليتوصل إلى الوقوف المقصود، ولئلا ينقطع وقوفه فلأن لا يشتغل بالنافلة بين الصلاتين ليحصل هذا المقصود أولى، وإنما يعيد الإقامة للعصر؛ لأنه معجل على وقته المعهود فيعيد الإقامة له إعلاما للناس، وإن اشتغل بالتطوع بين الصلاتين أعاد الأذان للعصر إلا في رواية ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى أنه قال: مادام في وقت الظهر لا يعيد الأذان للعصر فأما في ظاهر الرواية فاشتغاله بالنفل أو بعمل آخر يقطع فور الأذان الأول فيعيد الأذان للعصر. (قال) وإن لم يدرك الجمع مع الإمام، وأراد أن يصلي وحده صلى كل صلاة لوقتها في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وعلى قول أبي يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله تعالى يجمع بينهما كما يفعل مع الإمام قال في الكتاب بلغنا ذلك عن عائشة وابن عمر - رضي الله عنهما -، وعلل فقال؛ لأن العصر إنما قدمت لأجل الوقت. ومعنى هذا الكلام أن الجمع بين الصلاتين إنما جاز لحاجته إلى امتداد الوقوف فإن الموقف هبوط وصعود لا يمكن تسوية الصفوف فيها فيحتاجون إلى الخروج منها والاجتماع لصلاة العصر فينقطع وقوفهم، وامتداد الوقوف إلى غروب الشمس واجب فللحاجة إلى ذلك جوز له الجمع بين الصلاتين، وفي هذا المنفرد والذي يصلي مع الإمام سواء، وقاس هذا الجمع بالجمع الثاني بالمزدلفة فإن الإمام فيه ليس بشرط بالاتفاق، وهذا النسك معتبر بسائر المناسك في أنه لا يشترط فيه الإمام وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - استدل بقوله تعالى {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103] أي فرضا مؤقتا فالمحافظة على الوقت في الصلاة فرض بيقين فلا يجوز تركه إلا بيقين، وهو الموضوع الذي ورد النص به، وإنما ورد النص بجمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الصلاتين، والخلفاء من بعده فلا يجوز الجمع إلا بتلك الصفة، وكأن المعنى فيه أن هذا الجمع مختص بمكان وزمان، ومثله لا يجوز إلا بإمام كإقامة الخطبة مقام ركعتين في الجمعة لما كان مختصا بمكان وزمان كان الإمام شرطا فيه بخلاف الجمع الثاني فإنه أداء المغرب في وقت العشاء، وذلك غير مختص بمكان وزمان فأما هذا تعجيل العصر على وقته، وذلك لا يجوز إلا في هذا المكان، وهذا الزمان، ثم يسلم أن هذا الجمع لأجل الوقوف، ولكن الحاجة إلى الجمع للجماعة لا للمنفرد؛ لأن المنفرد يمكن أن يصلي العصر في وقته في موضع وقوفه فإن المصلي واقف فلا ينقطع وقوفه بالاشتغال بالصلاة، وإنما يحتاجون إلى الخروج لتسوية الصفوف إذا أدوها بالجماعة، ولأنه يشق عليهم الاجتماع فإنهم بعد الفراغ من الصلاة يتفرقون في الموقف فيختار كل واحد منهم موضوعا خاليا يناجي فيه ربه عز وجل، وهذا المعنى ينعدم في حق المنفرد؛ لأنه يمكنه أداء العصر في وقته في موضع خلوته، وحديث عائشة وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - محمول على الإمام الأجل، وهو الخليفة، أنه ليس بشرط، ثم يعارضه قول ابن مسعود - رضي الله عنه - يصلي المنفرد كل صلاة لوقتها (قال) ولو فاته الظهر مع الإمام، وأدرك العصر معه عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لم يجمع بينهما أيضا، وعند زفر - رحمه الله تعالى - يجمع بينهما؛ لأن التغيير إنما وقع في العصر فإنها معجلة على وقتها، واشتراط الإمام لوقوع التغيير فيقتصر على ما وقع فيه التغيير. وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن العصر في هذا اليوم كالتبع للظهر؛ لأنهما صلاتان أديتا في وقت واحد، الثانية منهما مرتبة على الأولى فكان بمنزلة العشاء مع الوتر فكما أن الوتر تبع للعشاء فكذلك العصر تبع للظهر هنا، ولما جعل الإمام شرطا في التبع كان شرطا في الأصل بطريق الأولى، ودليل التبعية أنه لا يجوز العصر في هذا اليوم إلا بعد صحة أداء الظهر، حتى لو تبين في يوم الغيم أنهم صلوا الظهر قبل الزوال، والعصر بعده لزمهم إعادة الصلاتين، وكذلك لو جدد الوضوء بين الصلاتين، ثم تبين أنه صلى الظهر بغير وضوء لزمه إعادة الصلاتين بخلاف سائر الأيام. وعلى هذا الإحرام بالحج شرط لأداء هاتين الصلاتين حتى إن الحلال إذا صلى الظهر مع الإمام، ثم أحرم بالحج فصلى العصر، والمحرم بالعمرة صلى الظهر مع الإمام، ثم أحرم بالحج فصلى العصر معه لم يجزه العصر إلا في وقتها، وعند زفر - رحمه الله تعالى - يجزيه، وفي إحدى الروايتين يشترط لهذا الجمع أن يكون محرما بالحج قبل زوال الشمس؛ لأن بزوال الشمس يدخل وقت الجمع، ويختص بهذا الجمع المحرم بالحج فيشترط تقديم الإحرام بالحج على الزوال وفي الرواية الأخرى وإن أحرم بالحج بعد الزوال فله أن يجمع بين الصلاتين؛ لأن اشتراط الإحرام بالحج لأجل الصلاة لا لأجل الوقت فإذا صلى العصر راح إلى الموقف فوقف به، ويحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويهلل، ويكبر، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويلبي، ويدعو الله تعالى بحاجته. والحاصل فيه أنه يقف في أي موضع شاء من الموقف، الأفضل أن يقف بالقرب من الإمام؛ لأن الإمام يعلم الناس ما يحتاجون إليه، ويدعو فمن كان أقرب إليه كان أقرب إلى الاستماع، والتأمين على دعائه فيكون أفضل (قال)، وينبغي أن يقف مستقبل القبلة إن شاء راكبا، وإن شاء على قدميه، وقد ذكر جابر - رضي الله عنه - في حديثه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف على راحلته، وجعل نحرها إلى بطن المحراب فوقف عليها مستقبل القبلة يدعو»، وفي الحديث «خير المواقف ما استقبلت به القبلة»، وإن اختار بوقوفه موضعا آخر بالبعد من الإمام جاز لحديث عطاء - رحمه الله تعالى - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «عرفة كلها موقف، وفجاج مكة كلها منحر». وفي حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن، وادي محسر، وفي وقوفه يدعو هكذا» رواه علي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفضل دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفات لا إله إلا الله وحده لا شريك له. . . إلى آخره، اللهم اجعل لي في قلبي نورا، وفي سمعي نورا وفي بصري نورا، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري». حديث فيه طول، وقد بينا أنه يختار من الدعاء ما يشاء واجتهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدعاء في هذا الموقف لأمته فاستجيب له إلا في الدماء والمظالم. (قال) ويلبي في هذا الموقف عندنا. وقال مالك - رحمه الله تعالى - الحاج يقطع التلبية كما يقف بعرفة؛ لأن إجابته باللسان إلى أن يحضر، وقد تم حضوره فإن معظم أركان الحج الوقوف بعرفة قال - صلى الله عليه وسلم - «الحج عرفة». ولكنا نستدل بحديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - «أنه لبى عشية عرفة فقال له رجل: يا شيخ ليس هذا موضع التلبية فقال ابن مسعود - رضي الله عنه - أجهل الناس أم طال بهم العهد لبيك عدد التراب لبيك حججت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة»، ولأن التلبية في هذه العبادة كالتكبير في الصلوات، وكما يأتي بالتكبير إلى آخر الصلاة فكذلك يأتي بالتلبية هنا إلى وقت الخروج من الإحرام، وذلك عند الرمي يكون (قال) وإذا غربت الشمس دفع على هينته على هذا اتفق رواة نسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه وقف بعرفة حتى إذا غربت الشمس دفع منها». وروي «أنه خطب عشية عرفة فقال: أيها الناس إن أهل الجاهلية والأوثان يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس إذا تعممت بها رءوس الجبال كعمائم الرجال في وجوههم، وإن هدينا ليس كهديهم فادفعوا بعد غروب الشمس» فقد باشر ذلك، وأمر به إظهارا لمخالفة المشركين فليس لأحد أن يخالف ذلك إلا أنه إن خاف الزحام فتعجل قبل الإمام فلا بأس به إذا لم يخرج من حدود عرفة قبل غروب الشمس، وكذلك إن مكث قليلا بعد غروب الشمس، وذهاب الإمام مع الناس لخوف الزحام فلا بأس به بعد أن لا يطوله لحديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها بعد إفاضة الإمام دعت بشراب فأفطرت، ثم أفاضت. (قال) ويمشي على هينته في الطريق هكذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أيها الناس ليس البر في إيجاف الخيل، ولا في إيضاع الإبل، عليكم بالسكينة والوقار». وروى جابر - رضي الله تعالى عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمشي على راحلته في الطريق على هينته حتى إذا كان في بطن الوادي أوضع راحلته وجعل يقول: إليك تعدو قلقا وضينها ... مفارقا دين النصارى دينها معترضا في بطنها جنينها » فزعم بعض الناس أن الإيضاع في هذا الموضع سنة، ولسنا نقول به، وتأويله أن راحلته كلت في هذا الموضع فبعثها فانبعثت كما هو عادة الدواب لا أن يكون قصده الإيضاع (قال)، ولا يصلي المغرب حتى يأتي المزدلفة لما روي «أن أسامة بن زيد - رحمه الله تعالى - كان رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطريق من المزدلفة فقال: الصلاة يا رسول الله فقال - عليه الصلاة والسلام - الصلاة أمامك»، ومراده من هذا اللفظ إما الوقت أو المكان، ولم يصل حتى انتهى إلى المزدلفة فكان ذلك دليلا ظاهرا على أنه لا يشتغل بالصلاة قبل الإتيان إلى المزدلفة فإذا أتى المزدلفة نزل بها مع الناس، وإنما ينزل عن يمين الطريق أو عن يساره، ويتحرز عن النزول على الطريق كي لا يضيق على المارة، ولا يتأذى هو بهم «فيصلي المغرب والعشاء بأذان، وإقامة واحدة»، وقال زفر - رحمه الله تعالى - بأذان وإقامتين. هكذا رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأما جابر - رضي الله عنه - فيروي «أنه جمع بينهما بأذان وإقامة واحدة». والمراد بحديث ابن عمر - رضي الله عنه - هذا أيضا إلا أنه سمى الأذان إقامة، وكل واحدة منهما يسمى باسم صاحبه قال - صلى الله عليه وسلم - «بين كل أذانين صلاة لمن شاء». يريد بين الأذان والإقامة، ثم العشاء هنا مؤداة في وقتها المعهود فلا تقع الحاجة إلى إفراد الإقامة لها بخلاف العصر بعرفات فإنها معجلة على وقتها. وإن صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرد الإقامة فتأويله أنه اشتغل بين الصلاتين بنفل أو شغل آخر، وعندنا في مثل هذا الموضع تفرد الإقامة للعشاء، وقد ذكر في بعض روايات ابن عمر - رضي الله عنه - أنه تعشى بعد المغرب، ثم أفرد الإقامة للعشاء. (قال) ثم يبيت بها فإذا انشق الفجر صلى الفجر بغلس. هكذا رواه جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى العشاء بالمزدلفة بسط له شيء فبات عليه فلما طلع الفجر صلى الفجر». «وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة قبل ميقاتها إلا صلاة الفجر صبيحة الجمع فإنه صلاها يومئذ بغلس»، ولأن الإسفار بالفجر وإن كان أفضل في سائر المواضع ففي هذا الموضع التغليس أفضل لحاجته إلى الوقوف بعده، وفي الإسفار بعض التأخير في الوقوف فإذا كان يجوز تعجيل العصر على وقتها للحاجة إلى الوقوف بعدها فلأن يجوز التغليس كان أولى (قال) ثم يقف بالمشعر الحرام مع الناس يحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويهلل، ويكبر، ويلبي، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويدعو الله تعالى بحاجته، وهذا الوقوف منصوص عليه في القرآن، والوقوف بعرفات مشار إليه في قوله تعالى {فإذا أفضتم من عرفات} [البقرة: 198] الآية، وقد «وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموضع يدعو حتى قال ابن عباس - رضي الله عنه - رأيت يديه عند نحره بالمشعر الحرام، وهو يدعو كالمستطعم المسكين»، وإنما تم مراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الموقف فإنه دعا لأمته فاستجيب له في الدماء والمظالم أيضا، والناس في الجاهلية كانوا متفقين على هذا الموقف مختلفين في الوقوف بعرفة فإن الحمس كانوا لا يقفون بعرفة، ويقولون لا يعظم غير الحرم حتى «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وقف بعرفة جعل الناس يتعجبون، ويقولون فيما بينهم هذا من الحمس فما باله خرج من الحرم» فعرفنا أنه ينبغي أن لا يترك الوقوف بالمشعر الحرام حتى إذا أسفر جدا دفع قبل أن تطلع الشمس. هكذا رواه جابر، وابن عمر - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف بالمشعر الحرام حتى إذا كادت الشمس أن تطلع دفع إلى منى. وإن أهل الجاهلية كانوا لا يدفعون من هذا الموقف حتى تطلع الشمس فإذا طلعت، وصارت كعمائم الرجال على رءوس الجبال دفعوا، وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير. فخالفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودفع قبل طلوع الشمس» فيجب الأخذ بفعله لما فيه من إظهار مخالفة المشركين كما في الدفع من عرفات فإذا أتى منى يأتي جمرة العقبة، ويرميها من بطن الوادي بسبع حصيات مثل حصى الخذف لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أتى منى يوم النحر لم يعرج على شيء حتى رمى جمرة العقبة، وقال: أول نسكنا هنا بمنى أن نرمي، ثم نذبح، ثم نحلق ويرميها من بطن الوادي» لما روي «أن ابن مسعود - رضي الله عنه - وقف في بطن الوادي فرمى سبع حصيات فقيل له: إن ناسا يرمونها من فوقها فقال: أجهل الناس أم نسوا هذا والله الذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة»، وهكذا نقل عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه رمى جمرة العقبة من بطن الوادي، وقال هكذا فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يرمي مثل حصى الخذف لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ابن عباس - رضي الله عنهما - أن يناوله سبع حصيات فأخذهن بيده، وجعل يقول للناس: بمثل هذا فارموا». وفي رواية «عليكم بحصى الخذف لا يؤذي بعضكم بعضا». والمقصود اتباع سنة الخليل - عليه السلام -، وبهذا القدر يحصل المقصود فلو رمى بأكبر من حصى الخذف ربما يصيب إنسانا فيؤذيه ويكبر مع كل حصاة، ويقطع التلبية عند أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة أما قطع التلبية عند الرمي فقد رواه ابن مسعود - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهكذا رواه جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة». أما التكبير عند كل حصاة فقد رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وعن سالم بن عبد الله «أنه لما أراد الرمي وقف في بطن الوادي وجعل يقول عند رمي كل حصاة: بسم الله والله أكبر اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا»، ثم قال: هكذا حدثني أبي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال عند كل حصاة مثل ما قلت (قال) وابتداء وقت الرمي عندنا من وقت طلوع الفجر من يوم النحر، وعلى قول سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - من وقت طلوع الشمس، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - يجوز الرمي بعد النصف الأول من ليلة النحر، واستدل الثوري - رحمه الله تعالى - بحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم ضعفة أهله من المزدلفة، وجعل يلطح أفخاذهم ويقول أغيلمة بني عبد المطلب لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس». وحجتنا في ذلك ما روي «أنه لما قدم ضعفة أهله قال أي بني لا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحين» فنعمل بالحديثين جميعا فنقول بعد الصبح يجوز، وتأخيره إلى ما بعد طلوع الشمس أولى، واستدل الشافعي - رحمه الله تعالى - بما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص للرعاة أن يرموا ليلا»، وتأويل ذلك عندنا في الليلة الثانية والثالثة دون الأولى، والمعنى فيه أن دخول وقت الرمي بخروج وقت الوقوف إذ لا يجتمع الرمي والوقوف في وقت واحد ووقت الوقوف يمتد إلى طلوع الفجر، فوقت الرمي يكون بعده أو وقت الرمي هو وقت التضحية، وإنما يدخل وقت التضحية بطلوع الفجر الثاني فكذلك وقت الرمي. (قال) ولا يرمي يومئذ من الجمار غيرها لحديث جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرم في اليوم الأول إلا جمرة العقبة (قال) ولا يقوم عندها؛ لأنه قد بقي عليه أعمال يحتاج إلى أدائها في هذا اليوم، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقم عند جمرة العقبة، ولكنه يأتي منزله فيحلق أو يقصر، والحلق أفضل؛ لأنه جاء أوان التحلل عن الإحرام، والتحلل بالحلق أو بالتقصير كما أشار الله عز وجل إليه في قوله {، ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] وقضاء التفث بالحلق يكون. وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذبح هداياه دعا بالحلاق فأهوى إليه الشق الأيمن من رأسه فحلقه، وقسم شعره على أصحابه - رضي الله عنهم -، ثم حلق الشق الأيسر وأعطى شعره أم سليم - رضي الله عنها -»، ولم يذكر الذبح هنا؛ لأنه من حكم المفرد بالحج، وليس عليه هدي وهو مسافر أيضا لا تلزمه التضحية، ولكنه لو تطوع بذبح الهدي فهو حسن يذبحه بعد الرمي قبل الحلق لما روينا أن أول نسكنا أن نرمي، ثم نذبح، ثم نحلق والحلق أفضل من التقصير؛ لأن الله تعالى بدأ به في كتابه في قوله {محلقين رءوسكم ومقصرين} [الفتح: 27] وقال {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] فهذا بيان أنه ينبغي أن يتحلل بالحلق. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «رحم الله المحلقين فقيل: والمقصرين فقال: رحم الله المحلقين حتى قال في الرابعة: والمقصرين» فقد ظاهر في هذا الدعاء ثلاث مرات للمحلقين فدل أنه أفضل. (قال) ثم قد حل له كل شيء إلا النساء فالحاصل أن في الحج إحلالين: أحدهما بالحلق، والثاني بالطواف. فبالحلق يحل له كل شيء كان حراما على المحرم إلا النساء، وقال مالك - رحمه الله تعالى - إلا النساء والطيب. وقال الليث - رحمه الله تعالى - إلا النساء وقتل الصيد؛ لأنهما محرمان بنص القرآن فلا ترتفع حرمتهما إلا بتمام الإحلال، ولكنا نقول قتل الصيد ليس نظير الجماع ألا يرى أن الإحرام يفسد بالجماع، وقتل الصيد لا يفسده فكان هو نظير سائر المحظورات يرتفع بالحلق ومالك - رحمه الله تعالى - يقول استعمال الطيب من دواعي الجماع فلا يحل إلا بالطواف كنفس الجماع، وحجتنا حديث عائشة - رضي الله عنها - «كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت» واستعمال الطيب لا يفسد الإحرام بحال بخلاف النساء فكان قياس سائر المحظورات. ولهذا الأصل قال الشافعي - رحمه الله تعالى - حرمة الجماع فيما دون الفرج ترتفع بالحلق أيضا؛ لأنه لا يفسد الإحرام بحال. ولكنا نقول ما يقصد منه قضاء الشهوة بالنساء فحله مؤخر أيضا إلى تمام الإحلال بالطواف شرعا، وفي ذلك الجماع في الفرج، وفيما بعد الفرج سواء (قال) ثم يزور من يومه ذلك البيت إن استطاع أو من الغد أو من بعد الغد، ولا يؤخره إلى ما بعد ذلك فيطوف به أسبوعا، ويصلي ركعتين لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حلق أفاض إلى مكة فطاف بالبيت، ثم عاد إلى منى، وصلى الظهر بمنى»، وفي بعض الروايات «أنه أتى بمكة ليلا فطاف»، ووجه التوفيق «أنه في أيام منى كان يأتي مكة بالليل مستترا فيطوف، فمن رأى ذلك منه ظن أن طوافه ذلك للزيارة» فنقل كما وقع عنده، وإنما طاف للزيارة قبل الظهر، وطواف الزيارة ركن الحج، وهو الحج الأكبر في تأويل قوله تعالى {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} [التوبة: 3] ووقته أيام النحر فلا ينبغي أن يؤخره عن أيام النحر، والأفضل أداؤه في أول أيام النحر كالتضحية لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أيام النحر ثلاثة أفضلها أولها، ثم لم يذكر السعي» عقيب هذا الطواف؛ لأنه قد سعى عقيب طواف التحية، وليس عليه في الحج إلا سعي واحد فإن قيل: السعي واجب أو ركن وطواف التحية سنة فكيف يترتب ما هو واجب على ما هو سنة؟ قلنا: نعم لكن الشرع جوز له أداء هذا الواجب عقيب طواف هو سنة للتيسير فإن الطواف الذي هو ركن لا يجوز قبل يوم النحر، وفي يوم النحر على الحاج أعمال كثيرة، ولو وجب عليه أداء السعي في هذا اليوم لحقته المشقة فللتيسير جوز له أداء السعي عقيب طواف التحية فلا يعيده يوم النحر، وكذلك لا يرمل في طوافه يوم النحر؛ لأن الرمل سنة أول طواف يأتي به في الحج فقد أتى به في طواف التحية فلا يعيده في طواف الزيارة لكنه يصلي ركعتين عقيب الطواف؛ لأن ختم كل طواف يكون بركعتين واجبا كان الطواف أو نفلا، ثم قد حل له النساء؛ لأنه تم إحلاله، ثم يرجع إلى منى فإذا كان الغد يوم النحر رمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس يبدأ بالتي تلي المسجد فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم يأتي المقام الذي يقوم فيه الناس فيقوم فيه فيحمد الله جلت قدرته، ويثني عليه، ويهلل، ويكبر، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويدعو بحاجته، ثم يأتي الجمرة الوسطى فيرميها بسبع حصيات كذلك، ثم يقوم حيث يقوم الناس فيصنع في قيامه كما صنع في الأول، ثم يأتي جمرة العقبة فيرميها من بطن الوادي بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة، ولا يقيم عندها. هكذا رواه جابر - رضي الله عنه - مفسرا فيما نقل من نسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والحديث المشهور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: عند افتتاح الصلاة، وعند القنوت في الوتر، وفي العيدين، وعند استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة وبعرفات»، وبجمع عند المقامين عند الجمرتين، وهذا دليل على أنه إنما يقيم عند الجمرتين الأولى، والوسطى، ولا يقيم عند جمرة العقبة، والمراد من رفع اليدين الرفع للدعاء دل على أن الدعاء عند المقامين، وينبغي للحاج أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في دعائه في هذا الموقف قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج»، والحاصل أن كل رمي بعده رمي فحال الفراغ منه حال وسط العبادة فيأتي بالدعاء فيه، وكل رمي ليس بعده رمي فبالفراغ منه قد فرغ من العبادة فلا يقيم بعده للدعاء، ولم يذكر الكتاب أن الرمي ماشيا أفضل أم راكبا، وحكي عن إبراهيم الجراح قال دخلت على أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في مرضه الذي مات فيه ففتح عينيه وقال: الرمي راكبا أفضل أم ماشيا؟ فقلت: ماشيا فقال: أخطأت فقلت: راكبا فقال: أخطأت، ثم قال: كل رمي كان بعده وقوف فالرمي فيه ماشيا أفضل، وما ليس بعده وقوف فالرمي راكبا أفضل، فقمت من عنده فما انتهيت إلى باب الدار حتى سمعت الصراخ لموته فتعجبت من حرصه على العلم في مثل تلك الحالة. والذي رواه جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى الجمار كلها راكبا» إنما فعله ليكون أشهر للناس حتى يقتدوا به فيما يشاهدون منه، ألا ترى أنه قال: «خذوا عني مناسككم فلا أدري لعلي لا أحج بعد هذا العام فإذا كان من الغد رمى الجمار الثلاث حين تزول الشمس كذلك، ثم ينفر إن أحب من يومه فإن أقام إلى الغد، وهو آخر أيام التشريق، فعل كما فعل بالأمس» لقوله تعالى {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] . (قال) وقد كان يكره له أن ينفر قبل أن يقدم ثقله لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يمنع الناس منه، ويؤدب عليه، ولأنه شغل قلبه بهم إذ قدمهم قبله وربما يمنعه شغل القلب من إتمام سنة الرمي، ولا يأمن أن يضيع شيء من أمتعتهم، فلهذا كره له أن يقدم ثقله. (قال) ثم يأتي الأبطح فينزل به ساعة، وهذا اسم موضع «قد نزله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين انصرف من منى إلى مكة يسمى المحصب والأبطح، وكان ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: ليس النزول فيه بسنة ولكنه موضع نزله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» اتفاقا، والأصح عندنا أنه سنة، وإنما نزله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قصدا على ما روى أنه «قال لأصحابه - رضي الله عنهم - بمنى إنا نازلون غدا بالخيف خيف بني كنانة حيث تقاسم المشركون فيه على شركهم يريد به الإشارة إلى عهد المشركين في ذلك الموضع هجران بني هاشم» فعرفنا أنه نزوله إراءة للمشركين لطيف صنع الله تعالى به فيكون النزول فيه سنة بمنزلة الرمل في الطواف (قال) ثم يطوف طواف الصدر، ويصلي ركعتين لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف» ورخص للنساء الحيض، ويسمى هذا الطواف طواف الوداع، وطواف الصدر؛ لأنه يودع به البيت، ويصدر به عن البيت. (قال) ثم يرجع إلى أهله، وقد قال شيخنا الإمام - رحمه الله تعالى: يستحب له أن يأتي الباب ويقبل العتبة، ويأتي الملتزم فيلتزمه ساعة يبكي، ويتشبث بأستار الكعبة ويلصق جسده بالجدار إن تمكن، ثم يأتي زمزم فيشرب من مائه ثم يصب منه على بدنه، ثم ينصرف، وهو يمشي وراءه ووجهه إلى البيت متباكيا متحسرا على فوات البيت حتى يخرج من المسجد. فهذا بيان تمام الحج الذي أراده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، وقال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (قال) وإن كان الذي أتى مكة لطواف الزيارة بات بها فنام متعمدا أو في الطريق فقد أساء، وليس عليه شيء إلا الإساءة لما روي أن عمر - رضي الله عنه - كان يؤدب الناس على ترك المقام بمنى في ليالي الرمي، ولكن ليس عليه شيء عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - إن ترك البيتوتة ليلة فعليه مد، وإن ترك ليلتين فعليه مدان، وإن ترك ثلاث ليال فعليه دم، وقاس ترك البيتوتة في وجوب الجزاء به بترك الرمي، ولكنا نستدل بحديث العباس - رضي الله عنه - «أنه استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البيتوتة بمكة في ليالي الرمي لأجل السقاية فأذن له في ذلك»، ولو كان ذلك واجبا ما رخص له في تركه لأجل السقاية، ولأن هذه البيتوتة غير مقصودة بل هي تبع للرمي في هذه الأيام فتركها لا يوجب إلا الإساءة كالبيتوتة بمزدلفة ليلة يوم النحر، والله أعلم. [باب القران] (باب القران) (قال) - رضي الله عنه - ومن أراد القران فعل مثل ذلك (والكلام هنا في فصول) أحدها في تفسير القران والتمتع والإفراد: فالقران هو الجمع بين الحج والعمرة بأن يحرم بهما أو يحرم بالحج بعد إحرام العمرة قبل أداء الأعمال من قولهم قرن الشيء إذا جمع بينهما، والتمتع هو الترفق بأداء النسكين في سفر واحد من غير أن يلم بينهما بأهله إلماما صحيحا، والإفراد بالحج أن يحج أولا، ثم يعتمر بعد الفراغ من الحج أو يؤدي كل نسك في السفر على حدة أو يكون أداء العمرة في غير أشهر الحج [فصل الأفضل من أنواع الحج] (والفصل الثاني) في بيان الأفضل فعندنا الأفضل هو القران، ثم بعده التمتع، وعلى رواية ابن شجاع عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى الإفراد أفضل من التمتع. وعن محمد - رحمه الله تعالى - قال حجة كوفية، وعمرة كوفية أفضل عندي من القران، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - الإفراد أفضل من القران، وعلى قول مالك - رحمه الله تعالى - التمتع أفضل من القران فالشافعي استدل بحديث جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مفردا بالحج، وأنا ممن كنت أفرد»، وهكذا روت عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مفردا بالحج، وإنما حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة مرة فما كان يترك ما هو الأفضل فيما يؤديه مرة واحدة»، ولأن القران رخصة كما «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - إنما أجرك على قدر تعبك ونصبك»، وإنما القران رخصة، والإفراد عزيمة، والتمسك بالعزيمة خير من التمسك بالرخصة، ولأن في الإفراد زيادة الإحرام، والسعي والحلق فإن القارن يؤدي النسكين بسفر واحد، ويلبي لهما تلبية واحدة، ويحلق لهما حلقا واحدا، ولأجل هذا النقصان يجب عليه الدم جبرا، والمفرد يؤدي كل نسك بصفة الكمال، وأداء النسك بصفة الكمال يكون أفضل من إدخال النقصان والجبر فيها ومالك - رحمه الله تعالى - استدل بحديث عثمان - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمتع بالعمرة إلى الحج»، وعلماؤنا رحمهم الله تعالى استدلوا بحديث علي، وابن مسعود، وعمران بن الحصين - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى سعيين». وعن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: «كنت آخذ بزمام ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي تقصع بجرتها، ولعابها يسيل على كتفي، وهو يقول لبيك بحجة وعمرة معا»، وأهل الحديث جمعوا رواة نسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانوا ثلاثين نفرا فعشرة منهم تروي أنه كان قارنا، وعشرة أنه كان مفردا، وعشرة أنه كان متمتعا فنوفق بين هذه الروايات فنقول «لبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولا بالعمرة فسمعه بعض الناس، ثم رأوه بعد ذلك حج فظنوا أنه كان متمتعا فنقلوا كما وقع عندهم، ثم لبى بعد ذلك بالحج فسمعه قوم آخرون فظنوا أنه كان مفردا بالحج، ثم لبى بهما فسمعه قوم آخرون فعلموا أنه كان قارنا»، وكل نقل ما وقع عنده، وهو نظير ما روينا من توفيق ابن عباس - رضي الله عنه - في اختلاف الروايات في وقت تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم لما وقع الاختلاف في فعله نصير إلى قوله، وقد «قال - صلى الله عليه وسلم: وأتاني آت من ربي، وأنا بالعقيق فقال: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين، وقل لبيك بحجة وعمرة معا، وقال - صلى الله عليه وسلم - يا آل محمد أهلوا بحجة وعمرة معا»، ولأن في القران معنى الوصل والتتابع في العبادة. ومعنى الجمع بين العبادتين، وهو أفضل من إفراد كل واحد منهما كالجمع بين الصوم والاعتكاف والجمع بين الحراسة في سبيل الله تعالى مع صلوات الليل، ولأن في القران زيادة نسك، وهو إراقة دم الهدي، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - «أفضل الحج العج والثج» والثج إراقة الدم. والكلام في الحقيقة ينبني على هذا الحرف فإن دم القران عنده دم جبر حتى لا يباح التناول منه، وعندنا هو دم نسك يباح التناول منه، والدليل على أنه دم نسك أنه يتوقف بأيام النحر كالأضحية، ودم الجبر لا يتوقت به، وإن سببه مباح محض، ودم الجبر يستدعي سببا محظورا؛ لأن النقصان إنما يتمكن بارتكاب ما لا يحل، وقد تناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هداياه على ما روي «أنه ساق مائة بدنة فنحر نيفا وستين بنفسه، وولى الباقي عليا - رضي الله عنه -، ثم أمر أن يؤخذ من كل واحدة قطعة فتطبخ له فأكل من لحمها، وحسا من مرقها»، وقد صح عندنا أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا فدل أن دم القران يباح التناول منه وإذا ثبت أنه دم نسك فما يكون فيه زيادة نسك فهو أفضل، ولهذا جعل التمتع أفضل من الإفراد في ظاهر الرواية؛ لأن فيه زيادة نسك إلا أن القران أفضل منه لما فيه من زيادة التعجيل بالإحرام بالحج، واستدامة إحرامهما من الميقات إلى أن يفرغ منهما، وفي حق التمتع العمرة ميقاتية، والحجة مكية، وعلى رواية ابن شجاع - رحمه الله تعالى - الإفراد أفضل من التمتع لهذا المعنى أن حجة المتمتع مكية يحرم بها من الحرم، والمفرد يحرم بكل واحد منهما من الحل، ولهذا جعل محمد - رحمه الله تعالى - الإفراد بكل واحد منهما من الكوفة أفضل؛ لأنه ينشئ سفرا مقصودا لكل واحد منهما، وقد صح أن عمر - رضي الله عنه - نهى الناس عن المتعة فقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنا أنهى الناس عنهما متعة النساء ومتعة الحج، وتأويله أنه كره أن يخلو البيت عن الزوار في غير أشهر الحج فأمرهم أن يعتمروا بسفر مقصود في غير أشهر الحج كي لا يخلو البيت من الزوار في شيء من الأوقات لا أن يكون التمتع مكروها عنده بدليل حديث الصبي بن معبد قال: كنت امرأ نصرانيا فأسلمت فوجدت الحج والعمرة واجبتين علي فقرنت بينهما فلقيت نفرا من الصحابة فيهم زيد بن صوحان، وسلمان بن ربيعة - رضي الله عنهما - فقال أحدهما لصاحبه: هو أضل من بعيره فلقيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فأخبرته بذلك فقال: ما قالا ليس بشيء هديت لسنة نبيك - صلى الله عليه وسلم -. ![]()
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع صـــ 27 الى صـــ 39 (70) إذا عرفنا هذا فنقول من أراد القران فتأهبه للإحرام كتأهب المفرد على ما بينا إلا أنه في دعائه بعد الفراغ من الركعتين يقول: اللهم إني أريد العمرة والحج. وكذلك يلبي بهما ويقول: لبيك بعمرة وحجة معا، وإنما يقدم ذكر العمرة؛ لأن الله تعالى قدمها في قوله تعالى {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} [البقرة: 196] ولأنه في أداء الأفعال يبدأ بالعمرة فكذلك في الإحرام يبدأ في التلبية بذكر العمرة، وإن اكتفى بالنية، ولم يذكرهما في التلبية أجزأه على قياس الصلاة إذا نوى بقلبه الصلاة وكبر (قال) ثم يبدأ إذا دخل مكة بطواف العمرة بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة على نحو ما وصفنا في الحج ثم يطوف للحج بالبيت، ويسعى له بين الصفا، والمروة، وهذا عندنا أن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - يطوف طوافا واحدا، ويسعى سعيا واحدا، واحتج بحديث عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي صلى الله عليه وسلم - طاف لحجته، وعمرته طوافا واحدا، وسعى سعيا واحدا» هكذا رواه الشافعي، وهو منه تناقض بين فإنه روى عن عائشة - رضي الله عنها - في المسألة الأولى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مفردا، ثم روى في هذه المسألة أنه كان قارنا، وطاف لهما طوافا واحدا. وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة - رضي الله عنها - طوافك بالبيت يكفيك لحجك ولعمرتك» «، وقال - صلى الله عليه وسلم - دخلت العمرة في الحجة إلى يوم القيامة». والمعنى فيه أن مبنى القران على التداخل، ألا ترى أنه يكتفي لهما بتلبية واحدة، وسفر واحد، وحلق واحد فكذلك يثبت التداخل في الأركان، ولأن العمرة تبع للحج فهي من الحج بمنزلة الوضوء مع الاغتسال فكما يدخل الوضوء في الاغتسال فكذلك العمرة في الحج، وحجتنا حديث علي - رضي الله عنه -، وابن مسعود، وعمران بن الحصين - رضي الله عنهم - «أن النبي قرن وطاف لهما طوافين، وسعى سعيين»، وحديث الصبي بن معبد أنه قرن، وطاف طوافين، وسعى سعيين فقال له عمر - رضي الله عنه - هديت لسنة نبيك - صلى الله عليه وسلم -. وفي الكتاب ذكر عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: يطوف القارن طوافين، ويسعى سعيين، والمعنى فيه أن القران ضم الشيء إلى الشيء، وإنما يتحقق ذلك لأداء عمل كل نسك بكماله، ولأن كل واحد منهما عبادة محضة، ولا تداخل في أعمال العبادات إنما التداخل فيما يندرئ بالشبهات ألا ترى أنه لا يتداخل أشواط طواف واحد وسعي واحد. ومعنى الدخول المذكور في الحديث الوقت أي دخل وقت العمرة في وقت الحج على معنى أنه يؤديهما في وقت واحد، والسفر والتلبية والحلق غير مقصودة إنما السفر للتوصل إلى أداء النسك، والتلبية للتحرم، والحلق للتحلل فلا تكون مقصودة، وإنما المقصود أركان العبادة ألا ترى أن أداء شفعين من التطوع بتكبيرة واحدة وتسليمة واحدة يجوز، ولا يدخل أحد الشفعين في الآخر، والوضوء مع الاغتسال غير مقصود بل المقصود تطهير البدن ليقوم إلى المناجاة طاهرا، وقد حصل ذلك بالاغتسال، وهنا كل نسك مقصود فيلزمه أداء أعمال كل واحد منهما، والحديث الذي رواه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة - رضي الله تعالى عنها - طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك» لا يكاد يصح فإنها قد رفضت العمرة بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حاضت بسرف على ما نبينه من بعد إن شاء الله تعالى (قال) ثم يأتي بالأعمال حتى إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر ذبح هدي القران، وتجزئه الشاة لقوله تعالى {فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - ما استيسر من الهدي شاة. وفي حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: «اشتركنا حين كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البقرة سبعة، وفي البدنة سبعة، وفي الشاة واحد»، والبقرة أفضل من الشاة، والجزور أفضل من البقرة لقوله تعالى {ومن يعظم شعائر الله} [الحج: 32] فما كان أقرب في التعظيم فذلك أفضل، وقد «نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة بدنة في حجة الوداع»، ولو كان ساق هداياه مع نفسه كان أفضل من ذلك كله؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساق الهدايا مع نفسه وقلدها، وهكذا قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها: «كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلدها بيده» «، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أما إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أحل منهما جميعا». وفي رواية «فلا أحل حتى أنحر»، ولهذه الرواية قال الشافعي - رحمه الله تعالى - تحلل القارن بالذبح لا بالحلق، ولكنا نقول التحلل يحصل بالحلق كما في حق المفرد، وتأويل الحديث حتى أنحر، ثم أحلق بعده على ما روينا أنه حلق رأسه بعد ذبح الهدايا، ولأن التحلل من العبادة بما لا يحل في أثنائها كالسلام في الصلاة، وذلك بالحلق أو التقصير دون الذبح (قال) وإذا طاف الرجل بعد طواف الزيارة طوافا ينوي به التطوع أو طواف الصدر، وذلك بعدما حل النفر فهو طواف الصدر؛ لأنه أتى به في وقته فيكون عنه، وإن نوى غيره كمن نوى بطواف الزيارة يوم النحر التطوع يكون للزيارة بل أولى؛ لأن ذلك ركن، وهذا واجب. (قال) ولا بأس بأن يقيم بعد ذلك ما شاء، ثم يخرج ولكن الأفضل أن يكون طوافه حين يخرج. وعن أبي يوسف والحسن رحمهما الله تعالى قالا إذا اشتغل بعمل مكة بعد طواف الصدر يعيد طواف الصدر؛ لأنه كاسمه يكون للصدر فإنما يحتسب به إذا أداه حين يصدر، وظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - «وليكن آخر عهده الطواف بالبيت» يشهد لهذا، ولكنا نقول ما قدم مكة إلا لأداء النسك فعندما تم فراغه منها جاء أوان الصدر فطوافه بعد ذلك يكون للصدر، وتأويل الحديث أن آخر نسكه طواف الصدر لا آخر عمله بمكة، وأما العمرة المفردة إذا أرادها يتأهب لها مثل ما وصفناه في الحج إذا أراد الإحرام بها عند الميقات، وكذلك إن كان بمكة، وأراد أن يعتمر خرج من الحرم إلى الحل من أي جانب شاء، وأقرب الجوانب التنعيم وعنده مسجد عائشة - رضي الله عنها -، وسبب ذلك أنها قالت: يا رسول الله أو كل نسائك ينصرفن بنسكين، وأنا بنسك واحد؟ فأمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم مكان عمرتها يعني مكان العمرة التي رفضتها على ما نبينه إن شاء الله تعالى. فمن ذلك الوقت عرف الناس موضع إحرام العمرة فيخرجون إليه إذا أرادوا الإحرام بالعمرة، وهو من جملة ما قيل ما نزل بعائشة - رضي الله عنها - أمر تكرهه إلا كان للمسلمين فيه فرج. ثم بعد إحرامه يتقي ما يتقيه في إحرام الحج على ما ذكرنا «حتى يقدم مكة، ويدخل المسجد فيبدأ بالحجر فيستلمه ويطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يحلق أو يقصر، وقد فرغ من عمرته، وحل له كل شيء هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عمرة القضاء حين اعتمر من الجعرانة». والاختلاف في فصول أحدها أن عندنا يقطع التلبية في العمرة حين يستلم الحجر الأسود عند أول شوط من الطواف بالبيت، وعند مالك - رحمه الله تعالى - كما وقع بصره على البيت يقطع التلبية؛ لأن العمرة زيارة البيت، وقد تم حضوره بوقوع بصره على البيت، ولأن هذا الطواف هو الركن في العمرة بمنزلة طواف الزيارة في الحج فكما يقدم قطع التلبية هناك على الاشتغال بالطواف فهنا يقدم قطع التلبية على الاشتغال بالطواف، ولكنا نستدل بحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمرة القضاء قطع التلبية حين استلم الحجر الأسود»، والمعنى فيه أن قطع التلبية هنا الطواف بالاتفاق؛ لأن مالكا - رحمه الله تعالى - اعتبر وقوع بصره على البيت ورؤية البيت غير مقصودة إنما المقصود الطواف فينبغي أن يكون القطع مع افتتاح الطواف، وذلك عند استلام الحجر كما قلنا في الحج أن قطع التلبية عند الرمي، وذلك مع أول حصاة يرمي بها (والثاني) أن في العمرة بعد الطواف، والسعي يحلق عندنا، وعلى قول مالك - رحمه الله تعالى - لا حلق عليه إنما العمرة الطواف والسعي فقط، وحجتنا قوله تعالى {محلقين رءوسكم ومقصرين} [الفتح: 27] وهو بشرى لهم بما عاينوه في عمرة القضاء، وقد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بالحلق وحلق رأسه في عمرة القضاء ولأن التحرم للإحرام بالتلبية والتحلل بالحلق فكما سوى بين إحرام العمرة، وإحرام الحج في التحرم فكذلك في التحلل ألا ترى أن في باب الصلاة سوى بين المكتوبة والنافلة في التحرم بالتكبير والتحلل بالتسليم فكذلك هذا [أراد التمتع، ولم يسق هديا] (قال) وكذا إن أراد التمتع، ولم يسق هديا، ويقيم بمكة بعد الفراغ من العمرة حلالا، وقد بينا صورة التمتع، وهو أن يعتمر في أشهر الحج، ويحج من عامه ذلك من غير أن يلم بأهله بين النسكين إلماما صحيحا، وكان مالك - رحمه الله تعالى - يقول إن أتى بالعمرة قبل أشهر الحج، ولم يتحلل من إحرام العمرة حتى دخلت أشهر الحج فهو متمتع. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - إذا أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج لم يكن متمتعا، وإن كان أداء أعمال العمرة في أشهر الحج فعنده المعتبر وقت الإحرام بالعمرة، وعند مالك - رحمه الله تعالى - وقت التحلل من الإحرام، ونحن نقول إن كان أداء الأعمال قبل أشهر الحج لم يكن متمتعا؛ لأن إحرامه في غير أشهر الحج صار بحيث لا يفسد بالجماع فهو بمنزلة ما لو لم يحل منه، وإن لم يأت بالأعمال حتى دخلت أشهر الحج فإحرامه للعمرة في أشهر الحج بحيث يفسد بالجماع فهو كما لو أحرم بها في أشهر الحج؛ لأنه مترفق بأداء النسكين في أشهر الحج، ثم هو على ثلاثة أوجه إما أن يصبر بمكة بعد الفراغ من العمرة حتى يؤدي الحج فيكون متمتعا بالاتفاق، وإما أن يعود إلى أهله بعدما حل من عمرته، ثم حج من عامه ذلك فلا يكون متمتعا بإجماع بين أصحابنا، وفي أحد قولي الشافعي - رحمه الله تعالى - يكون متمتعا، ويقول لا أعرف ذلك الإلمام ماذا يكون فهو بناء على أصله في أن المكي له المتعة والقران، ويأتي بيان هذا في موضعه إن شاء الله تعالى، واعتمادنا فيه على حديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال إذا ألم بأهله بين النسكين إلماما صحيحا فهو متمتع. وهكذا روي عن عمر وابن عمر - رضي الله عنهما - وكان المعنى فيه، وهو أنه أنشأ لكل نسك سفرا من أهله، والتمتع من يترفق بأداء النسكين في سفر واحد، فأما إذا جاوز الميقات بعد الفراغ من العمرة فأتى بلدة أخرى غير بلدته بأن يكون كوفيا فأتى البصرة ثم عاد وحج من عامه ذلك كان متمتعا في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، ولم يكن متمتعا في قولهما ذكره الطحاوي - رحمه الله تعالى - في كتابه وجه قولهما أن صورة المتمتع أن تكون عمرته ميقاتية، وحجته مكية، وهذا حجته وعمرته ميقاتيتان؛ لأنه بعدما جاوز الميقات حلالا إذا عاد يلزمه الإحرام من الميقات فهو والذي ألم بأهله سواء وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - استدل بحديث ابن عباس - رضي الله عنه - فإن قوما سألوه فقالوا: اعتمرنا في أشهر الحج، ثم زرنا القبر، ثم حججنا فقال: أنتم متمتعون، ولأنه مترفق بأداء النسكين في سفر واحد؛ لأنه ماض على سفره ما لم يعد إلى أهله فهو بمنزلة ما لو لم يخرج من الميقات حتى حج، وعاد فيكون متمتعا (قال) وإذا كان يوم التروية، وهو بمكة فأراد الرواح إلى منى لبس الإزار والرداء ولبى بالحج إن شاء من المسجد أو من الأبطح أو من أي موضع من الحرم شاء؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أمر أصحابه الذين فسخوا إحرام الحج بالعمرة أن يحرموا بالحج يوم التروية من المسجد الحرام»، وفي حديث جابر - رضي الله عنه - قال: فخرجنا من مكة فلما جعلناها بظهر أحرمنا بالحج والحاصل أن من بمكة حلال إذا أراد الإحرام بالحج يحرم من الحرم، وإذا أراد الإحرام بالعمرة يحرم من الحل؛ لأن موضع أداء الأفعال غير موضع الإحرام وركن العمرة الطواف، وهو مؤدى في الحرم فالإحرام بها يكون في الحل، ومعظم الركن في الحج الوقوف، وهو في الحل فالإحرام به يكون في الحرم. (قال) وإن شاء أحرم بالحج قبل يوم التروية وما قدم إحرامه بالحج فهو أفضل؛ لأن فيه إظهار المسارعة والرغبة في العبادة، ولأنه أشق على البدن «، وقال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - إنما أجرك على قدر نصبك»، ولما «سئل عن أفضل الأعمال قال: أحمزها». (قال) ويروح مع الناس إلى منى فيبيت بها ليلة عرفة، ويعمل على ما وصفناه في الحج في حق المفرد غير أن عليه دم المتعة يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة لقوله تعالى {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] ، ثم يحلق بعد الذبح، ويزور البيت فيطوف به أسبوعا يرمل في الثلاثة الأول، ويمشي في الأربعة الأواخر على هينته هو ويصلي ركعتين، ويسعى بين الصفا، والمروة على قياس ما بيناه في الحج؛ لأن هذا أول طواف يأتي به في الحج، وقد بينا أن الرمل في أول طواف الحج سنة، والسعي عقيب أول طواف في الحج، وهذا بخلاف المفرد؛ لأنه طاف للقدوم في الحج هناك، وسعى بعده فلهذا لا يرمل في طواف يوم النحر، ولا يسعى بعده، ولو كان هذا المتمتع بعدما أحرم بالحج طاف وسعى قبل أن يروح إلى منى لم يرمل في طواف الزيارة يوم النحر، ولم يطف بين الصفا والمروة أيضا؛ لأنه قد أتى بذلك في الحج مرة، وإن كان حين اعتمر في أشهر الحج ساق هديا للمتعة فينبغي له أن يقلد هديه لقوله تعالى {لا تحلوا شعائر الله} [المائدة: 2] إلى قوله {ولا القلائد} [المائدة: 2] ولكن السنة أن يقلد الهدي بعدما يحرم بالعمرة؛ لأنه لو قلد الهدي قبل الإحرام، وساقه بنية الإحرام صار محرما هكذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وفي سياق الآية ما يدل عليه؛ لأنه بعد ذكر القلائد قال {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] فدلل أنه بالتقليد يصير محرما، والأولى أن يحرم بالتلبية فلهذا كان الأفضل أن يلبي أولا، ثم يقلد هديه فإذا طاف للعمرة وسعى أقام حراما؛ لأن سوق هدي المتعة يمنعه من التحلل بين النسكين على ما قال - صلى الله عليه وسلم - «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وتحللت منها». وقال في حديث آخر «أما إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أنحر». فإذا كانت عشية التروية أحرم بالحج، وإن أحب أن يقدم الإحرام ويطوف بالبيت والصفا والمروة لحجته فعل كما بينا في المتمتع الذي لم يسق الهدي إلا أنه إن لم يطف بعد الإحرام بالحج وسعى رمل في طواف يوم النحر، وإن كان طاف بعد الإحرام بالحج وسعى لم يرمل في طواف يوم النحر، ولم يطف بين الصفا والمروة. (قال) ولا يدع الحلق في جميع ذلك ملبدا أو مضفرا أو عاقصا، والتلبيد أن يجمع شعر رأسه على هامته، ويشده بصمغ أو غيره حتى يصير كاللبد، والتضفير أن يجعل شعره ضفائر، والعقص هو الإحكام، وهو أن يشد شعره حول رأسه، وقد بينا أن الحلق أفضل، ولا يدع ما هو الأفضل بشيء من هذه الأسباب، وقد «لبد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه» كما روينا من قوله، ولبدت رأسي، ومع ذلك حلق (قال) والمرأة بمنزلة الرجل في جميع ما وصفناه؛ لأنها مخاطبة كالرجل ألا ترى «أن أم سلمة - رضي الله عنها - لما سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الاغتسال من الجنابة، وصف لها حال نفسه في الاغتسال فدل أن حال الرجل والمرأة سواء غير أنها تلبس ما بدا لها من الدروع والقمصان والخمار والخف والقفازين؛ لأنها عورة» كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «المرأة عورة مستورة»، وفي لبس الإزار، والرداء ينكشف بعض البدن عادة، وهي مأمورة بأداء العبادة على أستر الوجوه كما بينا في الصلاة فلهذا تلبس المخيط والخفين وتغطي رأسها، ولا تغطي وجهها؛ لأن الرأس منها عورة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها» فعرفنا أنها لا تغطي وجهها إلا أن لها أن تسدل على وجهها إذا أرادت ذلك على وجه تجافي عن وجهها هكذا روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كنا في الإحرام مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكشف وجوهنا فإذا استقبلنا قوم أسدلنا من غير أن نصيب وجوهنا»، ولا تلبس المصبوغ بورس، ولا زعفران، ولا عصفر إلا أن يكون قد غسل؛ لأن ما حل في حقها من اللبس كان للضرورة، ولا ضروة في لبس المصبوغ، وهي في ذلك بمنزلة الرجل، ولأن هذا تزين، وهي من دواعي الجماع، وهي ممنوعة من ذلك في الإحرام كالرجل، ولا حلق عليها إنما عليها التقصير هكذا روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى النساء عن الحلق وأمرهن بالتقصير عند الخروج من الإحرام، ولأن الحلق في حقها مثلة، والمثلة حرام، وشعر الرأس زينة لها كاللحية للرجل فكما لا يحلق الرجل لحيته عند الخروج من الإحرام لا تحلق هي رأسها، ولا رمل عليها في الطواف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة؛ لأن الرمل لإظهار التجلد والقوة، والمرأة ليست من أهل القتال لتظهر الجلادة من نفسها، ولا يؤمن أن يبدو شيء من عورتها في رملها، وسعيها أو تسقط لضعف بنيتها فلهذا تمنع من ذلك، وتؤمر بأن تمشي مشيا فهذا القدر ذكره في الكتاب في الفرق، وقد قال مشايخنا إنها لا ترفع صوتها بالتلبية أيضا لما في رفع صوتها من الفتنة، وكذلك لا تستلم الحجر إذا كان هناك جمع؛ لأنها ممنوعة من مماسة الرجال والزحمة معهم فلا تستلم الحجر إلا إذا وجدت ذلك الموضع خاليا عن الرجال، والله سبحانه، وتعالى أعلم [باب الطواف] (باب الطواف) اعلم بأن الطواف أربعة ثلاثة في الحج وواحد في العمرة: أما أحد الأطوفة في الحج فهو طواف التحية، ويسمى طواف القدوم وطواف اللقاء، وذلك عند ابتداء وصوله إلى البيت، وهو سنة عندنا، وقال مالك - رحمه الله تعالى - هو واجب لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى به ثم قال لأصحابه - رضي الله عنهم - خذوا عني مناسككم» فهذا أمر، والأمر على الوجوب، ولأن المقصود زيارة البيت للتعظيم فالنسك الذي يكون عند ابتداء الزيارة يكون واجبا بمنزلة الذكر عند افتتاح الصلاة، وهو التكبير، وحجتنا في ذلك أن الله عز وجل أمر بالطواف، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، وبالإجماع طواف يوم النحر واجب فعرفنا أن ما تقدم ليس بواجب، ولأنه ثبت بالإجماع أن الطواف الذي هو ركن في الحج مؤقت بيوم النحر حتى لا يجوز قبله فما يؤتى به قبل يوم النحر لا يكون واجبا لأنه يؤتى به في الإحرام، ولا يتكرر ركن واحد في الإحرام واجبا كالوقوف بعرفة فجعلناه سنة لهذا بخلاف طواف الصدر فإنه يؤتى به بعد تمام التحلل فلو جعلناه واجبا لا يؤدي إلى تكرار الطواف واجبا في الإحرام، والطواف في الحج بمنزلة ثناء الافتتاح في الصلاة لأن التلبية عند الإحرام هنا كالتكبير هناك، وكما أن ثناء الافتتاح الذي يؤتى به عقيب التكبير سنة فكذلك الطواف الذي يؤتى به عقيب الإحرام سنة. ومما يحتج به مالك - رحمه الله تعالى - أن السعي الذي بعد هذا الطواف واجب، ولا يكون الواجب بناء على ما ليس بواجب، وقد بينا العذر عن هذا فيما مضى. والطواف الثاني طواف الزيارة، وهو ركن الحج ثبت بقوله تعالى {، وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] ، وبقوله تعالى {يوم الحج الأكبر} [التوبة: 3] ، والمراد به طواف الزيارة. والطواف الثالث طواف الصدر، وهو واجب عندنا سنة عند الشافعي - رحمه الله تعالى - قال لأنه بمنزلة طواف القدوم ألا ترى أن كل واحد منهما يأتي به الآفاقي دون المكي، وما يكون من واجبات الحج فالآفاقي والمكي فيه سواء. (ولنا) في ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف»، ورخص للنساء الحيض، والأمر دليل الوجوب، وتخصيص الحائض برخصة الترك دليل على الوجوب أيضا، وكما أن طواف الزيارة لتمام التحلل عن إحرام الحج فطواف الصدر لانتهاء المقام بمكة فيكون واجبا على من ينتهي مقامه بها، وهو الآفاقي أيضا الذي يرجع إلى أهله دون المكي الذي لا يرجع إلى موضع آخر، ويسمى هذا طواف الوداع فإنما يجب على من يودع البيت دون من لا يودعه فأما الطواف الرابع فهو طواف العمرة، وهو الركن في العمرة، وليس في العمرة طواف الصدر، ولا طواف القدوم أما طواف القدوم فلأنه كما وصل إلى البيت يتمكن من أداء الطواف الذي هو ركن في هذا النسك فلا يشتغل بغيره بخلاف الحج فإنه عند القدوم لا يتمكن من الطواف الذي هو ركن الحج فيأتي بالطواف المسنون إلى أن يجيء وقت الطواف الذي هو ركن، وأما طواف الصدر فقد قال الحسن - رحمه الله تعالى - في العمرة طواف الصدر أيضا في حق من قدم معتمرا إذا أراد الرجوع إلى أهله كما في الحج، ولكنا نقول إن معظم الركن في العمرة الطواف، وما هو معظم الركن في النسك لا يتكرر عند الصدر كالوقوف في الحج لأن الشيء الواحد لا يجوز أن يكون معظم الركن في نسك، وهو بعينه غير ركن في ذلك النسك، ولأن ما هو معظم الركن مقصود، وطواف الصدر تبع يجب لقصد توديع البيت، والشيء الواحد لا يكون مقصودا وتبعا (قال) وإذا قدم القارن مكة فلم يطف حتى وقف بعرفات كان رافضا لعمرته عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يكون رافضا لعمرته، وهو بناء على ما سبق فإن عنده طواف العمرة يدخل في طواف الحج فلا يلزمه طواف مقصود للعمرة، وعندنا لا يدخل طواف الحج بل عليه أن يأتي بطواف كل واحد منهما، ويقدم العمرة في الأداء على الحج، وهذا يفوته بالوقوف لأن معظم أركان الحج الوقوف، ويصير به مؤديا للحج على وجه يأمن الفوت فلو بقيت عمرته لكان يأتي بأعمالها فيصير بانيا أعمال العمرة على الحج، وهذا ليس بصفة القران فجعلناه رافضا للعمرة لهذا، والأصل فيه حديث عائشة - رضي الله عنها - فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - «دخل عليها بسرف، وهي تبكي قال ما يبكيك لعلك نفست فقالت نعم فقال هذا شيء كتبه الله تعالى على بنات آدم فدعي عنك العمرة أو قال ارفضي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي واصنعي جميع ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» فقد أمرها برفض العمرة لما تعذر عليها الطواف فلولا أنها بالوقوف تصير رافضة لعمرتها لما أمرها برفض العمرة فإن توجه إلى عرفات بعدما دخل وقت الوقوف فعن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - روايتان في ذلك الكتاب يقول لا يصير رافضا حتى إذا عاد من الطريق إلى مكة، وطاف للعمرة فهو قارن، والحسن يروي عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه يصير رافضا للعمرة بالتوجه إلى عرفات، وهذا هو القياس على مذهبه كما جعل التوجه إلى الجمعة قبل فراغ الإمام بمنزلة الشروع في الجمعة في ارتفاض الظهر، والذي ذكره في الكتاب استحسان، والفرق بينه، وبين تلك المسألة أنه هناك مأمور بالسعي إلى الجمعة فيتقوى السعي بمشيه، وهنا هو منهي عن التوجه إلى عرفات قبل طواف العمرة، ولأن الموجب هنا للارتفاض صيرورة ركن الحج مؤدى حتى يكون ما بعده بناء العمرة على الحج. وهذا بنفس التوجه لا يحصل، وهناك الموجب لرفض الظهر المنافاة بينه، وبين الجمعة، والسعي من خصائص الجمعة فأقيم مقام الشروع في ارتفاض الظهر به فلو طاف للعمرة ثلاثة أشواط ثم ذهب فوقف بعرفات فهو رافض للعمرة أيضا لأن ركن العمرة الطواف فإذا بقي أكثره غير مؤدى جعل كأنه لم يؤد منه شيئا، ولو كان طاف أربعة أشواط ثم وقف بعرفات لم يكن رافضا للعمرة لأنه قد أدى أكثر الطواف فيكون ذلك كأداء الكل، ولهذا قلنا إن بعد أداء أربعة أشواط من طواف العمرة يأمن فسادها بالجماع، وبعد أداء ثلاثة أشواط لا يأمن من ذلك، وهذا لأن المؤدى إذا كان أكثر فالأقل في مقابلته كالعدم فكان جانب الأداء راجحا فإذا ترجح جانب الأداء فهو بالوقوف بعد ذلك، وإن صار مؤديا للحج فإنما يصير مؤديا بعد أداء العمرة، وإذا كان طاف ثلاثة أشواط فلم يصر رافضا بالوقوف كان مؤديا للعمرة بأداء الأشواط الأربعة بعد الوقوف فيكون بانيا للعمرة على الحج، وكما يأمن الفساد في العمرة بطواف أربعة أشواط يأمن ارتفاضها بالوقوف، وبعدما طاف ثلاثة أشواط لا يأمن فسادها بالجماع فلا يأمن ارتفاضها بالوقوف، وفي الموضع الذي صار رافضا لها عليه دم لرفضها لأنه خرج منها بعد صحة الشروع قبل أداء الأعمال فيلزمه دم اعتبارا بالمحصر، وعليه قضاء العمرة لخروجه منها بعد صحة الشروع فيها، والأصل فيه حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - «حين أمر رسول - صلى الله عليه وسلم - أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم مكان عمرتها التي فاتتها، ويسقط عنه دم القران» لأنه وجب بالجمع بين النسكين في الأداء، وقد انعدم، وفي الموضع الذي لم يصر رافضا للعمرة يتم بقية طوافها وسعيها يوم النحر، وعليه دم القران لأنه تحقق الجمع بينهما أداء، وإن لم يطف لعمرته حين قدم مكة، ولكنه طاف وسعى لحجته ثم وقف بعرفة لم يكن رافضا لعمرته، وكان طوافه، وسعيه للعمرة دون الحج لأن المستحق عليه البداية بطواف العمرة فلا تعتبر نيته بخلاف ذلك لأن الأصل أن كل طواف مستحق عليه في وقت بجهة فأداؤه يقع عن تلك الجهة. وإن نوى جهة أخرى كطواف الزيارة يوم النحر، وهذا لاعتبار الطواف بالوقوف فإنه لو وجد منه الوقوف في وقته، ونوى شيئا آخر سوى الوقوف للحج يتأدى به ركن الحج، ولا تعتبر نيته بخلاف ذلك فكذلك في الطواف إلا أن في الطواف أصل النية شرط حتى لو عدا خلف غريم له حول البيت لا يتأدى به طوافه بخلاف الوقوف فإنه يتأدى بغير النية لأن الوقوف ركن عبادة، وليس بعبادة مقصودة، ولهذا لا يتنفل به فوجود النية في أصل تلك العبادة يغني عن اشتراط النية في ركنها والطواف عبادة مقصودة ولهذا يتنفل به فلا بد من اشتراط النية فيه، ويسقط اعتبار نية الجهة لتعينه كما قلنا في صوم رمضان، ولأن الوقوف يؤدى في إحرام مطلق فأما طواف الزيارة فإنه يؤدى بعد التحلل من الإحرام بالحلق فوجود النية في الإحرام لا يغني عن النية في الطواف، ولكن هذا الفرق الثاني يتأتى في طواف الزيارة دون طواف العمرة، والفرق الأول يعم الفصلين فإذا ثبت أن طوافه، وسعيه للعمرة فهذا رجل لم يطف لحجته، وترك طواف التحية لا يضره فعليه أن يرمل في طواف يوم النحر، ويسعى بين الصفا والمروة. وإن كان طاف للحج وسعى أولا ثم طاف للعمرة وسعى فليس عليه شيء، وطوافه الأول للعمرة كما هو المستحق عليه ونيته بخلاف ذلك لغو فلا يلزمه به شيء، وإن طاف طوافين لهما ثم سعى سعيين فقد أساء بتقديمه طواف التحية على سعي العمرة، ولا شيء عليه. أما عندهما فظاهر لأن من أصل أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى أنه لا يجب بتقديم النسك، وتأخيره شيء سوى الإساءة، وعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - تقديم نسك على نسك يوجب الدم عليه على ما نبينه إن شاء الله تعالى، ولكن في هذا الموضع لا يلزمه دم؛ لأن تقديم طواف التحية على سعي العمرة لا يكون أعلى من طواف التحية أصلا، واشتغاله بطواف التحية قبل سعي العمرة لا يكون أكثر تأثيرا من اشتغاله بأكل أو نوم، ولو أنه بين طواف العمرة وسعيها اشتغل بنوم أو أكل لم يلزمه دم فكذا إذا اشتغل بطواف التحية (قال) وإن طاف لعمرته على غير وضوء، وللتحية كذلك ثم سعى يوم النحر فعليه دم من أجل طواف العمرة من غير وضوء، والحاصل أنه يبني المسائل بعد هذا على أصل، وهو أن طواف المحدث معتد به عندنا، ولكن الأفضل أن يعيده، وإن لم يعده فعليه دم. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يعتد بطواف المحدث؛ لأن الطواف بالبيت بمنزلة الصلاة من حيث إنها عبادة متعلقة بالبيت، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شبه الطواف بالصلاة فقال «الطواف بالبيت صلاة فأقلوا فيه الكلام» ثم الطهارة في الصلاة شرط الاعتداد به فكذلك الطهارة في الطواف، وحجتنا في ذلك أن المأمور به بالنص هو الطواف قال الله تعالى وليطوفوا وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر فاشتراط الطهارة فيه يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد ولا بالقياس؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بالنص فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل ولا يوجب علم اليقين، والركنية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين فأصل الطواف ركن ثابت بالنص، والطهارة فيه تثبت بخبر الواحد فيكون موجب العمل دون العلم فلم تصر الطهارة ركنا، ولكنها واجبة، والدم يقوم مقام الواجبات في باب الحج، وهو الصحيح من المذهب أن الطهارة في الطواف واجبة، وكان ابن شجاع - رحمه الله تعالى - يقول إنه سنة، وفي إيجاب الدم عند تركه دليل على وجوبه ثم المراد تشبيه الطواف بالصلاة في حق التواب دون الحكم ألا ترى أن الكلام الذي هو مفسد للصلاة غير مؤثر في الطواف، وأن الطواف يتأدى بالمشي، والمشي مفسد للصلاة، ولأن الطواف من حيث إنه ركن الحج لا يستدعي الطهارة كسائر الأركان، ومن حيث إنه متعلق بالبيت يستدعي الطهارة كالصلاة، وما يتردد بين أصلين فيوفر حظه عليهما فلشبهه بالصلاة تكون الطهارة فيه واجبة، ولكونه ركنا من أركان الحج يعتد به إذا حصل بغير طهارة. والأفضل فيه الإعادة ليحصل الجبر بما هو من جنسه. وإن لم يعد فعليه دم للنقصان المتمكن فيه بترك الواجب فإن نقائص الحج تجبر بالدم، وعلى هذا لو طاف للزيارة جنبا يعتد بهذا الطواف في حكم التحلل عن الإحرام، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يعتد به ثم عليه الإعادة عندنا، وإن لم يعد حتى رجع إلى أهله فعليه بدنة؛ لأن النقصان بسبب الجنابة أعظم من النقصان بسبب الحدث. ألا ترى أن المحدث لا يمنع من قراة القرآن، والجنب يمنع من ذلك، ولأن المنع من الجنابة من وجهين من حيث الطواف، ومن حيث دخول المسجد ومنع المحدث من وجه واحد فلتفاحش النقصان هنا قلنا يلزمه الجبر بالبدنة، وهو مروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال البدنة في الحج تجب في شيئين على من طاف جنبا، وعلى من جامع بعد الوقوف، وإن أعاد طوافه سقطت عنه البدنة، واختلف مشايخنا رحمهم الله تعالى أن المعتبر طوافه الثاني أم الأول كان الكرخي - رحمه الله تعالى - يقول المعتبر هو الأول، والثاني جبر للأول، وكان يستدل على هذا بما قال في الكتاب إنه لو طاف لعمرته جنبا في رمضان ثم أعاد طوافه في أشهر الحج، وحج من عامه ذلك لا يكون متمتعا فلو كان المعتبر هو الطواف الثاني كان متمتعا ووجه هذا القول أن المعتد به ما يتحلل به من الإحرام، والتحلل حصل بالطواف الأول فهو المعتد به، والثاني جبر للنقصان المتمكن فيه كالبدنة، وكما لو كان محدثا في الطواف الأول كان هو المعتد به، والثاني جبرا للنقصان، والأصح أن المعتد به هو الثاني، وأن الأول ينفسخ بالثاني ألا ترى أنه قال في الكتاب لو طاف للزيارة جنبا في أيام النحر ثم أعاد طوافه بعد أيام التشريق فعليه الدم عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لتأخير طواف الزيارة عن وقته، ولو كان المعتد به هو الأول لم يلزمه دم التأخير؛ لأن الأول مؤدى في وقته. وأما مسألة التمتع فلأنه بما أدى من الطواف في رمضان، وقع له الأمن عن فساد العمرة فإذا أمن فسادها قبل دخول وقت الحج لا يكون بها متمتعا، وهذا لأن الأول كان حكمه مراعى لتفاحش النقصان فإن أعاده انفسخ الأول، وصار المعتد به هو الثاني، وإن لم يعد كان معتدا به في التحلل كمن قام في صلاته ولم يقرأ حتى ركع كان قيامه وركوعه مراعى على سبيل التوقف فإن عاد فقرأ ثم ركع انفسخ الأول حتى أن من أدرك معه الركوع الثاني كان مدركا للركعة، وإن لم يعد، وقرأ في الركعتين الأخريين كان الأول معتدا به، وهذا بخلاف المحدث؛ لأن النقصان هناك يسير فلا يتوقف به حكم الطواف الأول بل بقي معتدا به على الإطلاق فكان الثاني جابرا للنقصان المتمكن فيه، وعلى هذا لو طافت المرأة للزيارة حائضا فهذا، والطواف جنبا سواء، ولو طاف للزيارة، وفي ثوبه نجاسة كان مسيئا، ولا يلزمه شيء؛ لأن حكم النجاسة في الثوب أخف ألا ترى أن الصلاة مع قليل من النجاسة في الثوب تجوز، وكذلك مع النجاسة الكثيرة في حالة الضرورة فلا يتمكن بنجاسة الثوب نقصان في طوافه، وهذا بخلاف ما إذا طاف عريانا فإنه يؤمر بالإعادة. وإن لم يعد فعليه دم؛ لأن ستر العورة من واجبات الطواف، والكشف محرم لأجل الطواف على ما قال - صلى الله عليه وسلم - «ألا لا يطوفن بالبيت بعد العام مشرك ولا عريان» فبسبب الكشف يتمكن نقصان في الطواف، فأما اشتراط طهارة الثوب ليس لأجل الطواف على الخصوص فلا يتمكن بتركه نقصان في الطواف، ولو كان طاف للعمرة جنبا ففي القياس عليه بدنة أيضا كما في طواف الزيارة؛ لأن كل واحد منهما ركن، ولكنه ترك القياس هنا، وقال عليه الدم فقط؛ لأنه لا مدخل للبدنة في العمرة ألا ترى أن بالجماع لا تجب البدنة في إحرام العمرة بخلاف الحج، ولأن الدم يقوم مقام العمرة فإن فات الحج يتحلل بأفعال العمرة ثم الدم في حق المحصر يقوم مقام أفعال العمرة للتحلل فلأن يقوم الدم مقام النقصان المتمكن في طواف العمرة بسبب الجنابة كان أولى فأما الدم لا يقوم مقام طواف الزيارة، والبدنة قد تقوم مقامه حتى إذا مات بعد الوقوف، وأوصى بالإتمام عنه تجب بدنة لطواف الزيارة فكذلك البدنة تقوم مقام النقصان المتمكن بسبب الجنابة في طواف الزيارة إذا عرفنا هذا فنقول القارن إذا طاف حين قدم من مكة طوافين محدثا ثم وقف بعرفات فعليه دم للنقصان المتمكن بسبب الحدث في طواف العمرة، ولا شيء عليه بطواف التحية مع الحدث؛ لأن ذلك لا يكون أعلى من ترك طواف التحية أصلا، ولكنه يرمل في طواف الحج في يوم النحر، ويسعى بين الصفا والمروة استحسانا، وإن لم يفعل لم يضره، ولا شيء عليه؛ لأن طوافه الأول للتحية معتد به مع الحدث فالسعي بعده معتد به أيضا، والطهارة في السعي ليست بشرط، ولكن المستحب إعادة ذلك الطواف فكذلك يستحب إعادة ذلك الرمل، والسعي يوم النحر، وإن لم يفعل لم يضره، ولا شيء عليه. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |