|
|||||||
| ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: في البَيتُوتة ليالي منى بمكة لأهل السّقاية
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عبدالْمُطَّلِبِ - رضي الله عنه - اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى؛ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. وعَنْ بَكْرِ بْنِ عبداللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَا لِي أَرَى بَنِي عَمِّكُمْ؛ يَسْقُونَ العَسَلَ واللَّبَنَ، وأَنْتُمْ تَسْقُونَ النَّبِيذَ؟ أَمِنْ حَاجَةٍ بِكُمْ أَمْ مِنْ بُخْلٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ، مَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ وَلَا بُخْلٍ، قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَاحِلَتِهِ وخَلْفَهُ أُسَامَةُ، فَاسْتَسْقَى؛ فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ، فَشَرِبَ وسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ، وقَالَ: «أَحْسَنْتُمْ وأَجْمَلْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا». فَلَا نُرِيدُ تَغْيِيرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. في الباب حديثان: الحديث الحديثان أخرجهما مسلم في الحج (2/953) باب: وجُوب المَبيت بمِنى ليالي أيام التّشريق، والتّرْخيص في تَرْكه لأهلِ السّقاية، وأخرجه البخاري في الحج (1634)، فهو متفق عليه. الحديث الأول في هذا الحَديثِ يَروي عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّ العبَّاسَ - رضي الله عنه - استأذَنَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَبيتَ بمَكَّةَ لَياليَ مِنًى، وهي: لَيلةُ الحاديَ عَشَرَ، والثَّانيَ عَشَرَ، والثَّالثَ عَشَرَ مِن ذي الحِجَّةِ؛ لأنَّ السُّنَّةَ أنْ يَبيتَ الحُجَّاجُ في تلك اللَّيالي بمِنًى، وهو مَوقِعُ رَميِ الجَمَراتِ. سَبَبُ بَياتِ العبَّاسِ بمَكَّةَ وسَبَبُ بَياتِ العبَّاسِ بمَكَّةَ هو السِّقايةُ، أي: حتى يَقومَ بسِقايةِ الحَجيجِ؛ لِأنَّهم كانوا يَستسْقونَ الماءَ مِن زَمزَمَ، فيُخرِجونَه مِنَ البِئرِ، ويَجعَلونَه في الحِياضِ مُسَبَّلًا للحُجَّاجُ يشربون منه، فأذِنَ له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وكانتْ السّقاية لِلعبَّاسِ في الجاهليَّةِ، وأقَرَّها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - له، فهي لآلِ العبَّاسِ أبداً، فخدمة الحُجاج والبيت كانت مقسمة بين قريش، فيَسقُطُ المَبيتُ بمِنًى عن أصحابِ سِقايةِ الحَجيجِ ومَن في حُكمِهم مِن أهلِ الأعذارِ، وذلك مِن يُسرِ الشَّريعةِ. المبيت بمِنى ليالي التشريق والمبيت بمِنى ليالي التشريق، هو أحدُ واجبات الحج التي فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالإقامة بـ»منى» تلك الليالي والأيام؛ هو من الطاعة لله تعالى، ومن شعائر الحج. ولما كانت سِقاية الحجيج من القُرَبِ المفضّلة، لأنّها خدمة لحجاج بيته وأضيافه، رخّص - صلى الله عليه وسلم - لعمّه العباس في ترك المَبيت بـمِنى؛ لكونه قائماً على السقاية، فيقوم بِسَقْي الحجاج، وهي مصلحة عامة، ممّا دلَّ على أن غيره، ممن لا يعمل مثل عمله وليس له عذر ليس له هذه الرخصة. فوائد الحديث الأول
الحديث الثاني في هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابِعيُّ بَكرُ بنُ عبداللهِ المُزَنِيُّ: أنَّه كان جالسًا معَ ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- عندَ الكَعبةِ، فجاءَه أعْرابيٌّ، والأعرابي هو الَّذي يسكُنُ الصَّحْراءَ والبادية، فقال: «ما لي أرَى بَنِي عمِّكم» أرادَ غيرَ بَني العبَّاسِ من سائرِ قُرَيشٍ، «يَسقُونَ العَسَلَ واللَّبَنَ، وأنتُم تَسقُونَ النَّبِيذَ؟!» ومرادُ الأعْرابيِّ: سِقايةُ الحاجِّ، فكان بَنو العبَّاسِ يَسقونَ النَّاسَ النَّبيذَ، وهو تَمرٌ أو زَبِيبٌ يُنقَعُ في الماءِ حتَّى يَحلُوَ طَعمُه، وليس بِمُسكِرٍ، وقدْ كانتِ المِياهُ بِمَكَّةَ مُتغيِّرةً، فكانوا يُطيِّبونَها بهذا. فيقول لابن عباس: هلْ تَرْكُكم لسِقايةِ العسَلِ واللَّبنِ، لأجْلِ فَقرٍ، أمْ لبُخلٍ؟ فقال له ابنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: «الحمدُ للهِ، مَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ وَلَا بُخْلٍ» فأخبَرَه أنَّهم ليس بهم فَقْرٌ، ولا بُخلٌ، وإنَّما يَفعَلونَ هذا؛ تَمسُّكًا بما تلَقَّوْه منَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان قدْ قَدِمَ إلى مكَّةَ وهو راكبٌ على راحِلَتِه، أي: ناقَتِه، وكان أُسامةُ بنُ زيدٍ -رضي الله عنهما- يركَبُ خَلفَه، فطلَبَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُسْقى، فجاؤوه بإناءٍ فيه نَبِيذٌ، فشَرِبَ، وسَقَى أُسامةَ بقيَّةَ شَرابِه، وقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لهم: «أَحْسَنْتُم وأَجْمَلْتُم، كذا فاصْنَعُوا» أي: صَنَعْتُم فِعلًا حَسَناً وجَميلاً، بِتَطْيِيبِكمُ الماءَ بالنَّبِيذِ مِنَ التَّمرِ أوِ الزَّبِيبِ، وحثّهم على الاستمرار. وفي هذا دَليلٌ على أنَّ هذا الشَّرابَ غيرُ مَنهيٍّ عنه، وإلَّا لَمَا شَرِبَه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولَكانَ نَهَى عنه. ثمَّ أوْضَحَ ابنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- سَببَ ذلك بقولِه: «فلا نُرِيدُ تَغييرَ ما أمَرَ به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -» أي: مِن تَطيِيبِ الماءِ بالنَّبِيذِ، وذلك بقولِه: «كذا فاصْنَعُوا» أي: أمرَهم - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَثبُتوا على سَقيِ النَّبيذِ، فامْتَثَلوا أمرَه، والمَعنى: أنَّنا لا نُغيِّرُ سِقاءَ النَّبيذِ إلى سِقاءٍ غَيرِه منَ العسَلِ واللَّبنِ، وإنْ كان ذلك أوْلى عندَ النَّاسِ؛ لأنَّنا لا نُغيِّرُ شيئاً أعجَبَ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ أمرَنا به؛ إذ هو الأوْلى لنا، واللَّائقُ بنا. فوائد الحديث الثاني
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: إقامةُ المُهاجر بمكّة بعد قضاء الحَجّ والعُمْرة
عَنْ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ قَال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عبدالْعَزِيزِ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: مَا سَمِعْتُمْ فِي سُكْنَى مَكَّةَ؟ فَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ أَوْ قَالَ العَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يُقِيمُ المُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ، ثَلَاثًا»(1352/441)، الحديث رواه مسلم في الحج (2/985) باب: جواز الإقامة بمكة للمُهاجر منْها بعد فراغ الحجّ والعمرة ثلاثة أيام بلا زيادة. عبدالرَّحمنِ بنُ حُمَيدٍ هو ابن عبدالرحمن بن عوف الزُّهْريُّ، تابعي ثقة. يقول: إنَّ أميرَ المؤمِنينَ عُمَرُ بنُ عبدالعَزيزِ سَأَلَ السَّائبَ بنَ يَزيدَ رضي الله عنه - وكان مِن أصْحابِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عمَّا سَمِع في سُكْنى مكَّةَ لمَن هاجَرَ منها قبْلَ الفَتحِ، فأجابَه أنَّه قدْ سَمِع العَلاءَ بنَ الحَضْرَميِّ - رضي الله عنه - يُخبِر: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قدْ رخَّص للمُهاجِرينَ في الإقامةِ بمكَّةَ بعْدَ الصَّدَرِ، ثَلاثةَ أيَّامٍ، والمُرادُ بالصَّدَرِ، أي: بعْدَ أنْ يَعودَ مِنْ مِنًى، ويَطوفَ بالبَيتِ طَوافَ الإفاضة، وبعد الانْتِهاءُ مِن أعْمالِ الحجِّ ومَناسِكِه، فلا يَصِحُّ للمُهاجِرِ أنْ يظَلَّ في مكَّةَ أكثَرَ مِن ثَلاثةِ أيَّامٍ، لأنَّ الانتِظارَ أكثَرَ مِن ذلك يُشبِهُ الإقامةَ فيها دونَ عُذرٍ شَرعيٍّ، والمُهاجِرُ مَأْمورٌ ألَّا يُقيمَ في البلَدِ الَّتي هاجَرَ منها، وهي مكَّةُ، قيلَ: ذلك لأنَّ المُحافَظةَ على الهِجرةِ وفَضْلِها، أفضَلُ مِن الإقامةِ في مكَّةَ. قال الحافظ ابن حجر: «ويستنبط من ذلك أنَّ إقامة ثلاثة أيام، لا تُخْرج صاحبها عن حكم المسافر، وفي كلام الداودي اختصاص ذلك بالمُهاجرين الأولين، ولا معنى لتقييده بالأولين. معنى الحديث قال النووي: «معنى هذا الحديث أنّ الذين هاجروا، يَحْرُم عليهم اسْتيطان مكة. حكى عياض أنّه قول الجُمهور، قال: وأجازه لهم جماعة، يعني بعد الفتح، فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه، قال: واتفق الجميع على أنّ الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأنَّ سُكنى المدينة كان واجباً لنُصْرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومواساته بالنّفس، وأمّا غير المُهاجرين، فيَجوزُ له سُكنى أي بلدٍ أراد، سواء مكة وغيرها بالاتفاق، انتهى كلام القاضي. قال الحافظ: ويستثنى من ذلك: مَنْ أَذِنَ له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإقامة في غير المدينة، واستدل بهذا الحديث على أن طواف الوداع عبادة مستقلة ليست من مناسك الحج، وهو أصح الوجهين في المذهب، لقوله في هذا الحديث» بعد قضاء نُسُكه»؛ لأنَّ طواف الوَدَاع لا إقامة بعده، ومتى أقام بعده، خرج عن كونه طواف الوداع، وقد سمّاه قبله قاضياً لمُناسكه فخرج طواف الوداع عن أنْ يكون من مناسك الحج، والله أعلم. المراد بالحديث وقال القرطبي: المراد بهذا الحديث: مَنْ هَاجَرَ مِنْ مكّة إلى المدِينة لنَصْر النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ولا يعني به مَنْ هَاجر مِنْ غيرها؛ لأنّه خَرَج جواباً عن سؤالهم لما تحَرّجُوا من الإقامة بمكة؛ إذْ كانوا قد تركوها لله -تعالى-، فأجابهم بذلك، وأعلَمَهم أنَّ إقامة الثلاث ليس بإقامة، قال: والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى، وهل ينبني عليه خلاف فيمن فرّ بدينه من موضعٍ يَخافُ أنْ يُفْتن فيه في دينه، فهل له أنْ يَرجع إليه بعد انقضاء تلك الفتنة؟ يمكن أنْ يقال: إنْ كان تَرَكها لله كما فعله المُهاجر. فوائد الحديث
باب: لَا يَنْفِر أَحَدٌ حَتَّى يَطوف بِالْبَيْتِ للوداع عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْت»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/963) باب: وجُوب طواف الوَدَاع، وسُقُوطه عن الحائض، ورواه البخاري ومسلم أيضا بلفظ: «أمِرَ النّاسُ أنْ يكونَ آخرُ عَهْدهمْ بالبَيت، إلا أنّه خُفّفَ عن الحائض». يقولُ عبدالله بنُ عَبَّاس -رَضِي اللهُ عنهُما-: «كان النَّاسُ» أي: الحُجّاج بعدَ قَضاءِ حَجِّهم، وقبلَ أن يَطُوفُوا بالبيتِ طوافَ الوَداعِ، قوله: «يَنصرِفون في كلِّ وَجهٍ» أي: في كُلِّ طريقٍ مِن طُرُقِ مَكَّةَ. قوله: «فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: لا يَنفِرَنَّ أَحَدٌ» أي: لا يَخرُجَنَّ أحدُكم مِن مَكَّةَ «حتَّى يكونَ آخِرُ عهدِه»، أي: حتَّى يكونَ آخِرُ مَناسِكِه «الطَّوافَ بالبَيتِ»، أي: طوافَ الوَداعِ. طوافُ الوَدَاع واجبٌ قال النووي: طوافُ الوَدَاع واجبٌ يلزَمُ بتركه دَمٌ على الصحيح عندنا، وهو قول أكثر العلماء، وقال مالك، وداود، وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه. انتهى. قال الحافظ: والذي رأيته في «الأوسط» لابن المنذر، أنّه وَاجبٌ للأمر به، إلا أنّه لا يجبُ بتركه شيء. وقوله في الرواية الأخرى: «أمرَ الناسُ» كذا في رواية عبدالله بن طاووس عن أبيه، على البناء لما لمْ يُسمّ فاعله، والمُراد به النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذا قوله «خُفّف» وقد رواه طاووس فصَرّح فيه بالرّفع، ولفظه عن ابنِ عباس قال: كان الناسُ يَنْصرُفُون في كلّ وجه، فقال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَنفرَنّ أحدٌ، حتّى يكونَ آخرَ عَهْدِه بالبَيت». وفيه دليلٌ: على وجُوب طَواف الوَدَاع للأمْر المُؤكّد به، وللتّعبير في حقّ الحائض بالتخفيف كما تقدم، والتَّخفيف لا يكون إلا مِنْ أمرٍ مُؤكّد. واستدلّ به على أنّ الطّهارة شرطٌ لصِحّة الطّواف. فوائد الحديث
حقيقة البر والتقوى آية من كتاب الله -تعالى- اشتملت على مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، وفيما بينَهم وبينَ ربِّهم؛ فهي جديرة بإدامة النظر في معانيها، وفَهْم مراميها، وكمال الحرص على العمل بما جاء فيها؛ إنها قوله -عز اسمه-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الْمَائِدَةِ:2)؛ فإن كل عبد -كما قال ابن القيم -رحمه الله- لا ينفك عن هاتين الحالين، وهذين الواجبين، وهما: واجب بينه وبين الله، وواجب بينه وبين الخلق. أمَّا الواجب الذي بين العبد وبين الخَلْق من المعاشَرة والمعاوَنة، والصحبة؛ أن يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونًا على مرضاة الله، وطاعته، التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه، ولا سعادة له إلا بها، وهي البر والتقوى، اللذان هما جماع الدين كله. وإنَّ حقيقةَ البِرِّ أنَّه الكمال المطلوب من الشيء، والمنافع التي فيه؛ فالبر كلمة جامعة لأنواع الخير والكمال المطلوب من العبد، وفي مقابله الإثم، وهي كلمة جامعة للشرور والعيب، التي يذم العبد عليها؛ فيدخل في مُسمَّى البر، الإيمانُ وأجزاؤه الظاهرة والباطنة. ولا ريب أن التقوى جزء من هذا المعنى، وأكثر ما يعبر به عن بر القلب، وهو وجود طعم الإيمان فيه وحلاوته، وما يلزم من ذلك من طمأنينته وسلامته وانشراحه، وقوته وفرحه بالإيمان؛ فإن للإيمان لذة وفرحة في القلب، فمن لم يجدها فهو ناقص الإيمان أو فاقده. وإنَّ حقيقةَ التقوى هي العمل بطاعة الله؛ إيمانًا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا؛ فهي تَحمِل العبدَ على أن يفعل ما أمَر اللهُ به، إيمانًا بالأمر، وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنها إيمانًا بالنهي، وخوفًا من وعيده، كما قال طلق بن حبيب: «إذا وقعت الفتنة فأطفِئوها بالتقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بالطاعة على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقابَ الله»، وهذا من أحسن ما قيل في تعريف التقوى وبيان حقيقتها. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. المَرْأةُ تَحِيضُ قبلَ أنْ تُودِّع
عن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَذَكَرْتُ حِيضَتَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟»، قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَفَاضَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلْتَنْفِر»، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ». الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/963-964) باب: وجُوب طواف الوداع وسُقوطه عن الحائض، ورواهما البخاري في الحج (3/586) بابك إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت. تَروي أمُّ المؤمنِينَ عائِشةُ -رضي الله عنها- أنَّه لَمَّا حَجُّوا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَجَّةَ الوداعِ، طافوا طوافَ الإفاضةِ يومَ النَّحرِ، وهو اليومُ العاشرُ مِن ذي الحجَّةِ، حاضتْ أُمُّ المؤمنينَ صَفيَّةُ بنتُ حُيَيٍّ -رضي الله عنها- بعدَ أداءِ طَوافِ الإفاضةِ، وذلك بعْدَ أنِ استَأذَنَتْ نِساؤُه في طَوافِ الإفاضةِ، وأذِنَ لهنَّ. قولها: «أنَّ صفيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ زوجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حاضتْ بعدما أفاضت» في حَجَّةِ الوَدَاع، أي: ليلة النَّفْر، قال ابن حجر -رحمه الله-: حاضت صفية، أي: في أيام مِنى، وسيأتي في أبواب الإدلاج من المحصَّب؛ أنَّ حيضها كان ليلة النَّفْر، زاد الحاكم: لمّا أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أنْ ينفر، إذا صفية على باب خبائها كئيبةً حزينة، فقال: عَقْرَى.. الحديث. وهذا يُشعر بأنَّ الوقت الذي أراد منها ما يريد الرجل من أهله؛ كان بالقُرْب من وقت النَّفْر منْ منى. «أَحابِسَتُنَا هي؟» قوله: «فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَحابِسَتُنَا هي؟» أي: قال النّبي - صلى الله عليه وسلم - مُسْتفهماً مِنْ عائشة: «أحابستنا هي؟» أي: عن الرُّجوع إلى المدينة؛ لأنّه ظنَّ أنَّها لم تطُفْ طواف الإفاضة. «أحَابِسَتُنَا هي؟» الهمزة هنا ليست للاستفهام المَحض، ولكنها على معنى الإنكار والإشفاق مِنْ شيءٍ يُتوقَّع، ويدلّ عليه قوله في الحديث الآخر: «لعلها تَحْبِسُنَا؟» فهذا توقُّع بيِّن وإشفاق. وقلنا: إنَّه بمعنى الإنكار؛ لأنّه خَرَج مخرج التبرُّم والغضب، وتوضيحه: أنَّ بعضهم روى هذا الحديث فقال: «عَقْرَى حَلْقَى» أي: عقرهَا الله، وحلقها إذا أَصَابَهَا الوجع في حلقها، ما أراها إلا حابستنا...، وهذا من الدعاء الذي لا يُراد به وقوع المكروه؛ وإنَّما هو كلامٌ تستعمله العرب على معنيين: أحدهما: عند التبرُّم والضّجر، ومنه الحديث، وتقدم في قوله: «أفٍّ لك». والآخر: في معنى استعظام الشيء، والإفْراط في إحْسانه، كما يقال: أخْزَاه الله ما أشْعره! وقاتله الله ما أفصحه! «هذا شيء كتَبَه الله على بنات آدم» وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- مُقارِنًا بين قول النبي لعائشة وصفية: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «هذا شيء كتَبَه الله على بنات آدم» يعني: الحيض، وكتبه عليهن، أي: جَبَلَهُنَّ عليه، وثبَّته عليهن، وهو تأنيسٌ لها وتسلية، وهو دليلٌ على ميله لها، وحُنُوهِ عليها، وكم بين مَن يؤنَّس ويُستَرضَى وبين مَن يُقال له: عَقْرَى حَلْقَى»؟! والصواب: ليس فيه دليل على اتِّضَاع قدر صفية عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام، فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفًا على ما فاتها من النُّسُك، فسلَّاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرَّجُل من أهله، فأبدت المانع، فناسب كلًّا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة. وقال ابن جماعة -رحمه الله-: استنبط (أي: البخاري) اعتبار قولها (أي: المرأة) في الحيض والحمل، بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَحَابِسَتُنَا هي؟» فرتَّب حبْس الحاج على مجرد قولها، فدلَّ على أنَّه مُعتبَر في العِدَّة والحَمل والحيض. وقال ابن حجر -رحمه الله-: في رواية الأعرج عن أبي سلمة عن عائشة التي مضت في باب الزيارة يوم النحر: «حَجَجْنَا فأَفَضْنَا يوم النَّحر، فحاضت صفية، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ما يريد الرَّجل من أهله، فقلتُ: يا رسول الله، إنها حائض...» الحديث. وهذا مشكلٌ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنْ كان عَلِمَ أنها طافت طواف الإفاضة، فكيف يقول: «أَحَابِسَتُنا هي؟» وإنْ كان ما عَلِمَ؛ فكيف يريد وقاعها قبل التحلل الثاني؟! ويُجاب عنه: بأنه - صلى الله عليه وسلم - ما أراد ذلك منها إلا بعد أنْ استأذنه نساؤه في طواف الإفاضة، فأَذِنَ لهنَّ، فكان بانيًا على أنها قد حلَّت، فلما قيل له: إنها حائض، جوَّز أنْ يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها منْ طواف الإفاضة، فاستفْهَم عن ذلك، فأَعْلَمَتْهُ عائشة أنها طافت معهن، فزال عنه ما خشيه من ذلك، والله أعلم. وقال الصنعاني -رحمه الله-: قوله: «أحَابِسَتُنَا هي؟» أي: أَمَانِعَتُنَا عن التوجُّه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه ظنًا منه - صلى الله عليه وسلم - بأنها ما طافت طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان لا يتركها ويتوجَّه، ولا يأمرها بالتوجّه معه، وهي باقيةٌ على إحْرامها، فيحتاج إلى أنْ يُقيم حتى تطْهر وتطوف، وتحل الحِلَّ الثاني. طواف الإفاضة يَحبس الحائض بمكة وقال ابن بطال -رحمه الله-: في قوله: «أحَابِسَتُنَا هي؟» دليل أنَّ طواف الإفاضة يَحبس الحائض بمكة، لا تَبْرح حتّى تَطوف للإفاضة؛ لأنّه الطواف المُفْترض على كلّ مَنْ حج، وعلى هذا أئمة أهل العلم. وقال النووي -رحمه الله-: إذا حاضت المرأةُ قبل طواف الإفاضة، وأراد الحُجَّاج النَّفْر بعد قضاء مناسكهم، فالأَولى للمرأة أنْ تُقيم حتى تطهُر فتطوف، إلا أنْ يكون عليها ضرر ظاهر في هذا، فإن أرادت النَّفْر مع الناس قبل طواف الإفاضة جاز، وتبقى مُحْرِمَة حتى تعود إلى مكة، فتطوف متى ما كان، ولو طال سنين... وقال القاضي عياض -رحمه الله-: ويُستفاد من قوله: «أحَابِسَتُنَا هي؟» أنَّ الكَرِي (أي: المكاري) تُحبس عليها إذا لم تَطُف طواف الإفاضة، كما قال مالك، حتى تَطْهُر أو يمضي أيامها، أو أقصى ما يمسك النساء الدم والاسْتطهار، على اختلاف قوله في هذا الأصل. قضاء الحائض للمناسك وقال ابن تيمية -رحمه الله-: الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فإنها تجتهد ألا تطوف بالبيت إلا طاهرة، فإن عجزت عن ذلك ولم يمكنها التخلُّف عن الرَّكب حتّى تطهر وتطوف، فإنّها إذا طافت طواف الزيارة وهي حائض أجزأها في أحد قولي العلماء، ثم قال أبو حنيفة وغيره: يجزئها لو لم يكنْ لها عُذر، لكن أوجب عليها بَدَنة، وأما أحمد فأوجب على من ترك الطهارة ناسياً دماً، وهي شاة، وأما هذه العاجزة عن الطواف وهي طاهرة، فإن أخرجت دمًا فهو أحوط، وإلا فلا يتبين أن عليها شيئًا؛ فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. قال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: وهو قول قوي، ولا سيما لأهل أمريكا وأندونيسيا. قوله: «فلتنفر» قوله: «فلتنفر» أي: فلتُسْرع الخروج من مكة راجعة إلى المدينة؛ لتمام حجِّها، وعدم بقاء شيء عليها، وتخرج إلى المدينة من غير طواف الوداع، فإنه سقط لعذر الحيض، وقال ابن عبدالبر -رحمه الله-: إنْ كانت الحائض قد طافَت قبل أنْ تحيض، جاز لها بالسُّنة أن تخرج ولا تودِّع البيت، ورخص ذلك للحائض وحدها دون غيرها، وهذا كله أمر مجتمع عليه من فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء عليه لا خلاف بينهم فيه، وقد كان ابن عمر -]- يفتي بأن الحائض لا تنفِر حتى تودِّع البيت، ثم رجع عنه. وقال الترمذي -رحمه الله-: والعمل على هذا عند أهل العلم: أنَّ المَرأة إذا طافت طَوافَ الزيارة، ثمّ حَاضت، فإنها تنفِر، وليس عليها شيءٌ، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. قال ابن المنذر: قال عامّة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنّهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع، وكأنّهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة؛ إذْ لو حاضت قبله لم يسقط عنها. ثم أسند عن عمر بإسناد صحيح: إلى نافع عن ابن عمر قال: «طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت، فأمَرَ عُمر بحبسها بمكة بعد أنْ ينفر الناس، حتى تطهر وتطوف بالبيت» قال: وقد ثَبتَ رُجُوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر فخالفناه؛ لثبوت حديث عائشة. يشير بذلك إلى ما تضمَّنته أحاديث هذا الباب. أحكام الحديث وفوائده
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في إباحة العُمْرة في شُهور الحَجّ
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ! ويَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَراً، ويَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وعَفَا الْأَثَرْ، وانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ؟ فَقَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً؛ فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: «الحِلُّ كُلُّه»، الحديث رواه مسلم في الحج ومسلم (2/909) باب: جواز العمرة في أشهر الحج، وأخرجه البخاري في الحج (1564) باب: التمتع والقران والإفراد بالحجّ. يقول عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: إنَّ العربَ في الجاهِليَّةِ، كانوا يَرَون أنَّ الإحرامَ بالعُمرةِ في أشهُر الحَجِّ مِن أفجَر الفُجورِ! أي: مِن أعظَمِ المَعاصي والذنوب، ويُحرِّمون العُمرةَ إلى نِهايةِ مُحَرَّمٍ، ويَجعَلون المُحَرَّمَ صَفَراً، ويَتلاعَبون بالأشهُرِ الحُرُمِ على حَسَبِ أهوائِهِم، فيُؤَخِّرون تَحريمَ المُحَرَّمِ إلى صَفَرٍ، أي يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر، لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر مُحرّمة، فتضيق عليهم أمُورهم بترك الغارة وغيرها، وهو النَّسِيءُ الَّذي ذمَّه اللهُ -تعالى-، وضلّلهم به في قولِه: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} (التوبة: 37). فكانوا يسمون المحرم: صفرًا، ويُحلّونه وينسئون المحرم، ويَقولون: إذا بَرا الدَّبَرُ، وهو الجُروحُ الَّتي تكونُ في ظَهْرِ الإبِلِ بعد الحجّ، فإذا شُفِيَت الجِراحاتُ الَّتي في ظَهْرِ الإبِلِ، الَّتي تَحدُث بسَببِ الحَمْلِ عليها، وكَثرةِ احتِكاكِها في أسفارِها الطَّويلةِ. وعَفا الأثَرُ: أي دَرَس وأمحي، أي اخْتَفَت آثارُ أقدامِ الإبلِ الَّتي تُحدِثُها في سَيرِها، وانسلخ صفر: أي انْتَهى شَهْرُ صَفَرٍ الَّذي هو في الحَقيقةِ شَهْرُ مُحَرَّمٍ بِسَبَبِ النَّسيءِ، حلَّت العُمرةُ لمَن اعتَمَرَ، فعِندَ ذَلكَ تَجوزُ العُمرةُ لمَن أرادَها، وهذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر، ويُوقف عليها، لأنّ مُرادهم السّجع. دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة فلمَّا قَدِمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه ودَخَلوا مَكَّةَ صَبيحةَ اليومِ الرَّابعِ مِن ذي الحِجَّةِ، مُهلِّين بالحَجِّ في حَجَّةِ الوَداعِ، أمَرَهُم أنْ يَجعَلوها عُمرةً، أي: يَفسَخوا الحَجَّ إلى العُمرةِ، ويَتحلَّلوا بالطَّوافِ والسَّعيِ، فتَعاظَمَ عندَهم مُخالَفةُ العادةِ الَّتي كانوا عليها مِن تَأخيرِ العُمرةِ عن أشهُرِ الحَجِّ، فاستَفسَروا مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن نَوعيَّة هذا الحِلِّ، هل هو تَحلُّل خاصٌّ ببَعضِ الأشياءِ، أو هو عامٌّ في جَميعِها؟ قوله: «فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: «الحِلُّ كُلُّه» فأخبَرَهم - صلى الله عليه وسلم - بأنَّه تَحلُّلٌ عامٌّ، فيَحِلُّ لكُم كُلُّ شَيءٍ مِن الأشياءِ الَّتي كانَت مُحَرَّمةً عليكُم أثناءَ العُمرةِ، بما في ذلك المُعاشَرةُ والجِماعُ للنِّساءِ، فأبْطَلَ بذلك عاداتِ الجاهليَّةِ، مِن النَّسيءِ وتَحريمِ العُمرةِ في أشهُرِ الحجِّ، وأقرَّ شَريعةَ الإسلامِ. من فوائد الحديث
باب: فَضل العُمْرَة فِي رَمَضَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهَا أُمُّ سِنَانٍ: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟» قَالَتْ: نَاضِحَانِ كَانَا لِأَبِي فُلَانٍ- زَوْجِهَا- حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وكَانَ الْآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا. قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ، تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/917) وبوب عليه بمثل تبويب المنذري، ورواه البخاري في كتاب العمرة (1863) باب: حجّ النساء. في هذا الحديث يَرْوي ابنُ عباسٍ -رضي الله عنهما- أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَأَلَ أمَّ سِنانٍ الأنصاريَّةَ -رَضيَ اللهُ عنها- بعْدَ عَودتِه مِن حَجَّةِ الوَداعِ، عن سَببِ عدَمِ حَجِّها، فأخْبرَتْه -رَضيَ اللهُ عنها- أنَّ الَّذي منَعها، هو أنَّها وزَوجَها أبا سِنانٍ - رضي الله عنه - كانا لا يَملِكانِ سِوى ناضحَينِ، والنَّاضحُ: هو البعيرُ الَّذي يُحمَلُ عليه الماءُ للسُّقْيَا، وقال ابن بطال: الناضح البعير أو الثور أو الحمار، الذي يستقى عليه، لكن المراد به هنا البعير، لتصريحه به، فحجَّ زَوجُها على أحدِ النَّاضحَينِ، وترَكَ الآخَرَ لسُقْيَا الأرضِ الَّتي لهما. عمَل يعدِلُ في ثوابِه عمَلَ الحجِّ فأرْشَدَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُسلِّياً لها، ومُخْبرًا عن عمَلٍ يعدِلُ في ثوابِه عمَلَ الحجِّ، وهو أنْ تَعتمِرَ في شهر رَمضانَ؛ فإنَّ عُمرةً في رَمضانَ تَعدِلُ في ثَوابِها ثَوابَ الحجِّ، أو ثَوابَ حَجَّةٍ معه - صلى الله عليه وسلم -، شَكَّ الرَّاوي في ذلك. وليس المرادُ منه: أنَّ العُمرةَ تَقْضي بها فرْضَ الحجِّ، أو تقومُ مَقامَه في إسقاطِ الفَرْضِ، وإنْ كان ظاهِرُه يُشعِرُ بذلك، بلْ هو مِن بابِ المُبالَغةِ، وإلْحاقِ الناقصِ بالكاملِ، للتَّرغيبِ فيه، وهذا نظيرُ ما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الإخلاص: 1)، تعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ، أي: تعدِلُ ثوابَ ثُلثِ القُرآنِ، ولكنَّها لا تُجزئُ عن قِراءة ثُلُثِ القُرآنِ فِعليًّا؛ كما نقله الترمذي عن إسْحاق بن راهويه. قال ابن خزيمة: في هذا الحديث: أنّ الشّيء يُشْبه الشيء، ويُجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها، لأنّ العُمْرة لا يُقْضى بها فرضُ الحَجّ ولا النّذْر. وقال ابن العربي: حديث العُمرة هذا صحيح، وهو فضلُ من الله ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحج، بانضمام رمضان إليها. وقال ابن الجوزي: فيه أنّ ثوابَ العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحُضُور القلب، وبخُلُوص القَصْد. اعتمار النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الحافظ ابن حجر: «فصل: لمْ يَعْتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا في أشهر الحج كما تقدّم، وقد ثَبتَ فضل العمرة في رمضان بحديث الباب، فأيّهُما أفضل؟ الذي يظهر أن العُمْرة في رمضان لغير النّبي - صلى الله عليه وسلم - أفْضل، وأمّا في حَقّه فما صَنَعه هو أفضل؛ لأنّ فعله لبيان جَواز ما كان أهلُ الجاهلية يَمنعُونه، فأرادَ الردّ عليهم بالقول والفِعل، وهو لو كان مَكرُوهاً لغيره، لكان في حقّه أفضل، والله أعلم». (الفتح). وقال ابن القيّم في (الهدي): «يحتمل أنّه - صلى الله عليه وسلم - كان يشتغل في رمضان مِنَ العبادة، بما هو أهمّ مِنَ العُمْرة، وخَشِي مِنَ المَشقة على أمّته؛ إذْ لو اعْتَمر في رمضان لبادروا إلى ذلك مع ما هم عليه مِنَ المشقة في الجَمع بين العُمْرة والصّوم، وقد كان يترك العمل وهو يحبُّ أنْ يعمله خشية أنْ يُفرضَ على أمّته، وخوفاً من المشقة عليهم». من فوائد الحديث
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: في التّقصِير في العُمْرة
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ -رضي الله عنهما- أَخْبَرَهُ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمِشْقَصٍ، وهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ، أَوْ رَأَيْتُهُ يُقَصَّرُ عَنْهُ بِمِشْقَصٍ، وهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ. الحديث أخرجه مسلم في الحج (2/913) باب: التقصير في العمرة، وأخرجه البخاري في كتاب الحج حديث (1730)، باب: التقصير عند الإحْلال. في هذا الحَديثِ يُخبِرُ الصّحابي الجليل مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ -رضي الله عنهما- أنَّه قَصَّر شَعْرَ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولعلَّ ذلك كان عندَ تَحلُّلِه مِن عُمْرةِ الجِعْرانةِ، وقد اعتَمَرَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا فتَحَ مكَّةَ، وسُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دخَلَ مكَّةَ ليلًا، وأدَّى مَناسكَ العمرةِ، ثمَّ خرَجَ منها لَيلًا، فباتَ بالجِعِرَّانَةِ حتَّى أصبَحَ وزالَتِ الشَّمسُ مِن اليومِ التَّالي، توجَّهَ إلى المدينةِ، وكان ذلك في السَّنةِ الثَّامنة مِن الهِجرةِ. وقيل: كان ذلك في عمرة القَضَاء؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمْ يَسْتَصحب معه أحداً إلا بعض المهاجرين، ولمْ يُعد معاوية - رضي الله عنه - معهم، وخَفيت عُمْرتُه على كثيرٍ مِنَ النّاس، ومعاوية - رضي الله عنه - في عُمْرة القضاء، كان مسلماً، لكنّه كان يُخْفي إسلامه خوفاً مِنْ أبويه، ولمْ يظهره إلا يوم الفتح سنة ثمان، واختاره الحافظ ابن حجر -رحمه الله-، كما في الفتح. مشروعية الاقتصارِ على تَقصيرِ الشَّعرِ قال: «بِمِشْقَصٍ» والمِشقَصُ: ما طالَ وعرُضَ مِن النِّصالِ والسِّهامِ، وفيه: مَشروعيَّةُ الاقتصارِ على تَقصيرِ الشَّعرِ، وإنْ كان الحلْقُ أفضَلَ، وسواءٌ في ذلك الحاجُّ والمعتمِرُ، إلَّا أنَّ الأفضَلَ للمُتمتِّعِ أنْ يُقصِّرَ في العُمرةِ ويَحلِقَ في الحجِّ؛ لِيَقَعَ الحلْقُ في أكمَلِ العِبادتينِ. والحلْقُ والتَّقصير: شَعيرةٌ مِنْ شَعائرِ الحجِّ والعُمْرة، وبه يَتحلَّلُ المُحرِمُ مِنْ إحْرامِه، ويكونُ بعْدَ رمْيِ جَمرةِ العقَبةِ، وبعْدَ ذَبْحِ الهدْيِ إنْ كان معه، وقبْلَ طَوافِ الإفاضةِ. وفي العُمرةِ يكونُ بعْدَ السَّعيِ بيْن الصَّفا والمَروةِ. فوائد الحديث في الحديث مشروعية التقصير عند التحلل من مناسك الحج والعمرة، وإنْ كان الحَلْق أفضل، وسيأتي بيان فضل المُحلّقين بدُعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم ثلاثًا، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. باب: قضاءُ الحَائض العُمْرة عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عائشة -رضي الله عنها- قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ، وأَصْدُرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: «انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهَرْتِ؛ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي مِنْهُ، ثُمَّ الْقَيْنَا عِنْدَ كَذَا وكَذَا» قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: «غَدًا، ولَكِنَّها عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ، أَوْ قَالَ: نَفَقَتِكِ». الحديث رواه مسلم في الحج (2/876) باب: بيان وجُوه الإحْرام. في هذا الحَديثِ تَرْوي أمُّ المؤمنينَ وهي عائشةُ -رَضيَ اللهُ عنها-، بَعضَ ما حَدَثَ في حَجَّةِ الوداعِ، وهذا المتْنُ جُزءٌ مِن رِوايةٍ طويلَة، أخْبَرَت فيها أنَّهم خرَجوا مع رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لا غرَضَ لهم إلَّا الحجُّ، فلمَّا قَدِموا مكَّةَ، أمَرَ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ لمْ يَسق الهدْيَ، أي: مِن خارجِ مكَّةَ، أنْ يُحِلُّوا مِنْ إحْرامِهم بعْدَ الطَّوافِ بالبيتِ، والسَّعْيِ بيْن الصَّفا والمَروةِ، والحَلْقِ أو التَّقصِيرِ، ويَتمتَّعوا إلى يومِ الثامنِ مِن ذي الحِجَّةِ يومِ التَّرويةِ، فيُحرِموا بالحجِّ. أمَّا عائِشةُ -رَضيَ اللهُ عنها- فقدْ مَنَعَها مِن التَّحلُّلِ؛ كَونُها حاضَت لَيلةَ دُخولِها مَكَّةَ بِسَرِفَ، وهو موضع على عَشَرةِ أميالٍ مِن مَكَّةَ، وكانَت مُحْرِمةً بِعُمرةٍ، وأدْخَلَت عليها الحَجَّ، فصارَت قارِنةً، فلَمْ تَطُفْ بالبَيتِ طَوافَ العُمرةِ لِمانِع الحَيضِ، وأمَّا طَوافُ الإفاضةِ فقدْ طافَتْه في يومِ النَّحر، فاشْتَكَت لرَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأظْهَرَت حُزنَها؛ بسَببِ أنَّ النَّاسَ يَرجِعُون بِنُسُكينِ مُسْتقلَّينِ -وهما الحجُّ والعُمرة- وتَرجِعُ هي بِنُسُكٍ واحدٍ في الظَّاهِرِ، وحَزنتْ على ذلِك -رَضيَ اللهُ عنها-؛ لِرغبتها في تكثيرِ الطاعات، ولتحصل على ما حَصَلَ لِسائِرِ أُمَّهاتِ المُؤمنينَ وغيرِهنَّ من الصَّحابةِ. فقال لها النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «انْتظرِي، حتَّى إذا طهُرْتِ مِنَ الحيضِ، فاخرُجي إلى التَّنعيمِ» وهو مَوضعٌ على ثَلاثةِ أميالٍ أو أربعةٍ مِنْ مكَّةَ، وهو أَقْرَبُ أطرافِ الحِلِّ إلى البَيْتِ، وسُمِّي به لأنَّ على يَمِينِه جبلَ نُعَيْمٍ، وعلى يَسارِهِ جَبَلَ نَاعِمٍ، والوادِيَ اسمُه نَعْمَان. «فَأهِلِّي بِالعُمرةِ» ثُمَّ قال لها: «فَأهِلِّي بِالعُمرةِ» يعني أحْرِمِي بها وأدِّيها، وأرْسَلَها مع أخِيها عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بكرٍ - رضي الله عنه -. وقال لها: «ثُمَّ ائْتِينا بِمكانِ كذا» يَقصِدُ الأَبطَحَ، وهو المكانُ الذي نزَلَ فيه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بعْدَما انْصَرَفَ مِن مِنًى، وانْطَلَقَ منه قافلًا إلى المدينةِ، ويُسمَّى المُحَصَّبَ، وهو مكانٌ متَّسِعٌ بيْن مكَّةَ ومِنًى بيْنَ الجبلَيْنِ إلى المقابرِ، سُمِّيَ به لاجتماعِ الحَصْباءِ فيه بِحَمْلِ السَّيلِ إليه، ويُسمَّى الآنَ الجَعفريَّةَ، وهي تابعةٌ لمَنطقةِ الجُمّيزةِ. ثُمَّ قال لها - صلى الله عليه وسلم -: «ولكنَّها على قدْرِ نَفَقَتِك، أو نَصَبَكِ» أي: أنَّ الأجرَ فيها على قدْرِ النَّصَبِ والتَّعبِ والجهْدِ، وكذلك المالِ، فكُلَّما زادَ المالُ المُنفَقُ، والجهدُ المبذولُ زادَ الأجرُ مِنَ اللهِ تعالى. ميقات من كان بمكة قال النووي -رحمه الله-: «فيه دليل لما قاله العلماء: أنَّ مَن كان بمكة وأرادَ العمرة، فميقاته لها أدنى الْحِل، ولا يجوز أنْ يُحْرِمَ بها مِنَ الحَرَم، فإنْ خالفَ وأحْرمَ بها مِنَ الحَرَم، وخرج إلى الْحِل قبل الطواف أجزأه، ولا دم عليه، وإنْ لمْ يَخرج وطاف وسَعَى وحَلَق، ففيه قولان:
الثوابُ على قَدْر المشقة وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «قول بعض الناس: الثوابُ على قَدْر المشقة، ليس بمستقيم على الإطْلاق، كما قد يستدِلّ به طوائف على أنواع من الرهبانيات والعبادات المُبْتدعة، التي لمْ يشرعها الله ورسوله، منْ جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحلّ الله مِنَ الطّيبات، ومثل التّعمّق والتنطُّع الذي ذمَّهُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، مثل الجُوع أو العطش المُفْرط الذي يضر العقل والجسم، ويمنع أداء واجبات أو مستحبات أنفع منه، وكذلك الاحتفاء والتَّعَرِّي والمشي الذي يضرّ الإنسان بلا فائدة...، وهذا بابٌ واسع. الأجر على قدر الطاعة وأما الأجر على قدر الطاعة، فقد تكون الطاعة لله ورسوله في عمل ميسَّرٍ، كما يسَّرَ الله على أهل الإسلام الكلمتين، وهما أفضل الأعمال، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». أخرجاه في الصحيحين. الأجرُ على قَدْر مَنْفعة العمل وفائدته ولو قيل: الأجرُ على قَدْر مَنْفعة العمل وفائدته، لكان صحيحًا، اتصاف الأول باعتبار تعلُّقه بالأمر، والثاني باعتبار صفته في نفسِه، والعمل تكون منفعته وفائدته تارة من جهة الأمر فقط، وتارة من جهة صفته في نفسه، وتارة من كلا الأمرين، فأما كونه مُشِقًّا، فليس هو سبباً لفضل العمل ورُجْحانه، ولكنْ قد يكون العمل الفاضل مُشِقًّا ففضله لمعنى غير مَشَقَّتِهِ، والصّبر عليه مع المشقة، يزيد ثوابه وأجره، فيزداد الثواب بالمَشقّة، كما أنَّ مَنْ كان بُعْده عن البيت في الحج والعمرة أكثر، يكونُ أجرُه أعظم مِنَ القَريب، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة في العمرة: «أجركِ على قدر نصبكِ»؛ لأنّ الأجرَ على قَدْر العمل في بُعْدِ المسافة، وبالبُعْدِ يكثُرُ النّصب، فيكثر الأجر، وكذلك الجهاد؛ فكثيراً ما يكثر الثواب على قَدْر المَشقّة والتّعب، ليس لأنَّ التَعبَ والمَشقّة مقصودٌ مِنَ العمل، ولكنْ لأنّ العمل مُسْتلزم للمشقَّة والتَّعب، هذا في شَرْعنا الذي رُفِعَتْ عنَّا فيه الآصَارُ والأغْلال، ولمْ يُجعل علينا فيه حَرج، ولا أُرِيْدَ بنا فيه العُسْر، وأمّا في شَرْع مَنْ قبلنا، فقد تكونُ المشقّةُ مطلوبةً منهم، وكثيرٌ مِنَ العُبّاد يَرى جِنْس المشَقّة والألم والتعبِ مطلوباً مُقَرِّباً إلى الله؛ لما فيه مِنْ نُفْرَة النّفْس عن اللّذات، والرُّكون إلى الدنيا، وانقطاع القلب عن علاقة الجَسد، وهذا مِنْ جنس زهد الصابئة والهند وغيرهم، ولهذا تجد هؤلاء مع مَنْ شابههم مِنَ الرُّهبان يُعالجون الأعمال الشَّاقَّة الشديدة الْمُتْعِبَة من أنواع العبادات والزَّهادات، مع أنّه لا فائدةَ فيها، ولا ثَمرةَ لها ولا مَنفعة، إلا أنْ يكون شيئاً يسيراً، لا يقاوم العذاب الأليم الذي يجدونه». (مجموع الفتاوى)(10/620-623). تنبيه لمسألة مهمة لمْ يُنْقل أنَّ أحداً مِنَ الصّحابة في عهد النّبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بَعده، خَرَج من مكة إلى الحِلّ؛ ليُحْرم بالعُمرة، غير عائشة -رضي الله عنها-، للسّبب المذكور في الحديث؛ ولذا فلا يُشْرع ذلك على الصحيح، وإنّما المشروع: كثْرةُ الطّواف بالبيت. - قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية -رحمه الله-: «وكذا الخُرُوج مِنْ مكة لعُمْرة تطوُّعٍ بِدْعة، لمْ يفعله النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا أصحابه على عهده، لا في رمضان، ولا في غيره، ولمْ يأمر عائشة بها، بل أَذِنَ لها بعد المُرَاجعة، تطييباً لقلبها، وطوافه بالبيت أفْضل مِنَ الخُرُوج اتّفاقًا، وخُرُوجه عند مَنْ لمْ يَكرهه، على سبيل الجواز». (الفتاوى الكبرى) (5/ 384). - وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «فالعُمْرةُ التي فَعلها رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وشرعها، هي عُمرة الداخل إلى مكة، لا عُمرة مَنْ كان بها، فيخرُج إلى الحلّ ليعتمر! ولمْ يَفعلْ هذا على عهده أحدٌ قَطّ، إلا عائشةُ وحدها بين سائر مَنْ كان معه؛ لأنّها كانت قد أهلَّت بالعُمْرة فحاضت، فأمَرها، فأدخلت الحجّ على العُمْرة، وصارت قارنة، وأخْبَرها أنَّ طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة، قد وَقَع عن حجتها وعُمْرتها، فوَجَدت في نفسها أنْ يرجع صواحباتها بحجٍّ وعُمْرة مستقلين، فإنّهنّ كنّ مُتَمتّعات، ولمْ يَحِضنَّ، ولمْ يقرِنَّ، وتَرْجع هي بعمرةٍ في ضِمْن حجتها، فأمَرَ أخاها أنْ يُعمّرها مِنَ التّنْعيم، تطييباً لقلبها، ولمْ يَعْتمر هو مِنَ التّنْعيم في تلك الحَجّة، ولا أحدٌ ممّن كان معه». (زاد المعاد) (2/ 89-90). فوائد الحديث
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: ما يقول إذا قَفَلَ من سفر الحج وغيره
من فوائد الحَديثِ:
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: التّعْريسُ والصّلاة بذِي الحُلَيفة إذا صَدَر مِنَ الحَجّ والعُمْرة
عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا. وكَانَ عَبْدِاللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدِاللَّهِ بْنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: كَانَ إِذَا صَدَرَ مِنْ الحَجِّ أَوْ العُمْرَةِ، أَنَاخَ بِالبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الحُلَيْفَةِ، الَّتِي كَانَ يُنِيخُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وعَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ وهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. قَالَ مُوسَى: وقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ مِنْ الْمَسْجِدِ، الَّذِي كَانَ عَبْدِاللَّهِ يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهُوَ أَسْفَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ، الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ. الأحاديث رواها مسلم في الحج (2/981) وبوّب عليها النووي بمثل تبويب المصنف. فيَرْوي عَبْدِاللهِ بنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أناخَ، أي: جَعَلَ راحِلَتَه تَبرُكُ على الأرضِ، فنزَلَ بالبَطْحاءِ التي بِذي الحُلَيْفةِ، وهي الَّتي يَعرِفُها أهلُ المدينةِ: بِالمُعَرَّسِ، وهي مَنطقةُ مَسيلِ الماءِ، وذاتُ حَصًى صِغارٍ. وذو الحُليفةِ: قَريةٌ بيْنها وبيْن المدينةِ سِتَّةُ أميالٍ أو سَبعَةٌ (10 كم)، وتقَع أسفَلَ مَسجِدِ ذي الحُلَيفةِ، وهي مِيقاتُ أهلِ المدينةِ، ومَن يمُرُّ بها مِن غيرِ أهْلِها. أصل المُعَرّس
نزول النبي - صلى الله عليه وسلم - في بطحاء ذي الحُليفة وقد اخْتُلف في نُزُوله - صلى الله عليه وسلم - ببطحاء ذي الحُليفة، على أقوال:
صلاته - صلى الله عليه وسلم - في المعرس ويدلّ له أيضًا: صلاته - صلى الله عليه وسلم - به، وما فهم من لفظ الحديث مِنْ مُواظبته على النُّزُول به، لكنّه ليسَ منْ مناسك الحج، بل هو سُنّةٌ مُسْتقلة، وبهذا قال الجُمهور، قال مالك في الموطأ: لا ينبغي لأحدٍ أنْ يُجاوز المُعرّس إذا قفلَ حتّى يُصلّي فيه، وأنّه مَنْ مَرّ به في غير وقتِ صلاةٍ؛ فليُقمْ حتّى تحلّ الصّلاة ثمّ يُصلّي ما بَدَا له، لأنّه بلغني أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَرّسَ به، وأنّ عبدالله بن عمر أناخ به. قال ابن عبدالبر: واستحبّه الشافعي ولم يأمر به. وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: ليس نزوله- صلى الله عليه وسلم - بالمعرّس؛ كسائر منازل طريق مكة، لأنّه كان يُصلّي الفريضة حيثُ أمْكنه، والمُعرّس إنّما كان يصلي فيه نافلة.
فوائد الحديث
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: في تَحْريم مَكّة وصَيْدها وشَجْرها ولقطتها
عن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، ولَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، ولَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، ومَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ». فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِلَّا الْإِذْخِرَ». فَقَامَ أَبُو شَاهٍ- رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ». قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ «اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» قَالَ: هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. وعَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ». الحديث الأول رواه مسلم في الحج (2/988) باب: تحْريمُ مكّة وصَيْدها وخَلاها وشَجَرها ولقطتها؛ إلا لمُنْشد على الدوام، وفي هذا الحديثِ يَحكي أبو هُرَيرةَ - رضي الله عنه - أنَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، خطَبَ النَّاسَ يوم فتح مكة، ووضَّح لهم أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد حبَسَ الفِيلَ عن مكَّةَ، يومَ أنْ حاوَلَ أبرهةُ الحَبشيُّ هدَمَ الكَعبةَ، وذلك قبْلَ بَعثةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بأربعينَ سَنةً، والذي جاء ذِكرُه في قولِ اللهِ تعالَى: }أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ{ (الفيل: 1) فأرسَلَ اللهُ -تعالَى- على أصْحابِه جَماعاتٍ مِنَ الطَّيرِ؛ تَرمِيهم بحِجارةٍ منْ سجيل، وذلك حِين وَصَلوا إلى بطْنِ الوادي بالقُربِ مِن مكَّةَ فأهلَكَتْهم، وإنَّما ذكَّرَ النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه -رَضيَ اللهُ عنهم- والناس بحادثِ الفِيلِ؛ في مَعرضِ خُطبتِه فيهم؛ لبَيانِ حُرْمةِ القتْلِ في مكَّةَ، فمعَ كَونِ أهلِ مكَّةَ وَقتئذٍ كُفاراً؛ فقد دافَعَ اللهُ عنها، فحُرمةُ أهْلِها بعدَ الإسلامِ آكَدُ وأعظم. قوله: «وسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ والْمُؤْمِنِينَ» أي: ولكنَّ اللهَ سلَّطَ على أهلِ مكَّةَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وصَحابتَه -رَضيَ اللهُ عنهم-، ولم يَحِلَّ في مكَّةَ القِتالُ إلَّا وَقتَ دُخولِه - صلى الله عليه وسلم - إيَّاها فَاتِحاً مع أصْحابِه، ثُمَّ عادَتْ حُرْمَتُها كما كانتْ، وأنَّها لمْ تَحِلَّ لأحدٍ قبْلَه من خلق الله، ولنْ تَحِلَّ لأحدٍ بعدَه؛ لأنَّ تَحريمَ مكَّةَ أمْرٌ قَديمٌ، وشَريعةٌ سالفةٌ ومُستمِرَّةٌ، ليس ممَّا أحْدَثهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، أو اختُصَّ بشَرْعِه، وقد عادَتْ إليها حُرمتُها بعْدَ الفتْحِ كما كانت. قوله: «فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» أي: فلا يُصَطاد، أولا يهيج من مكانه. وقد ذكر البخاري عن عكرمة قال: هل تدري: ما لا ينفر صيدها؟ هو أنْ ينحيه من الظل، ينزل مكانه. اهـ، وإذا كان التنفير مُحرّماً، فالاصْطياد والإتلاف مِنْ بابِ أولى، وهذا إذا لمْ يَحْصلْ مِنَ الصيد ضررٌ أو أذى، فإنْ حَصلَ منه ضرر، دُفع بأخفّ الضّررين. قوله: «ولا يُخْتَلى شَوكها» أي: ولا يُقطع ولا يُؤخذ. وقد جاء في لفظ: «ولا يُخْتلى شوكها، ولا يُعْضَد شَجرها». وهو يفيد تحريم قطع شجر الحَرَم، سَواءً كان ذا شوك أو لا شوك فيه، إلا ما كان أذى أو ضرر على الناس، فيَجوزُ قطْعُه، قِياساً على حلِّ قتْلِ الفواسقِ الخَمْسِ في الحرَمِ بجامعِ الإيذاءِ، وجاء في لفظ البخاري عن ابن عباس: «لا يُخْتلي خَلاها» أي: حَشِيشها الرّطب، قال ابن قدامة: وأجْمعُوا على إباحة أخْذ ما اسْتَنبته الناسُ في الحَرَم، منْ بَقلٍ وزَرعٍ ومَشْمُوم، فلا بأس برعيه واخْتلائه اهـ. قوله: «ولا تَحلُّ سَاقطتها إلا لمُنْشد» السّاقطة هنا: هي اللُّقَطة، والمُنْشد: هو المُعَرّف، أي: ولا يَحلُّ ولا يجُوزُ التقاطُ لُقَطة مكة؛ إلا لمُعرّفٍ لها، لا لتَملّكها، بل للعَملِ على إرْجَاعها إلى أهلها. فلا يُؤخَذُ شَيءٌ سَقَطَ مِنْ صاحبِه في مكَّةَ، بلْ يُترَكُ مكانَه حتَّى إذا رَجَعَ صاحبُه وجَدَه، ولا يَأخُذه إلَّا مَن نَوى أنْ يُعرِّفَه ويَحفَظَه حتَّى يَأتِيَ صاحبُه. قوله: «ومَنْ قُتِلَ لَهُ قتيلٌ فهو بِخَير النَّظَرين» أي: ولي القَتيل له أفضلُ الأمْرَين عنده، «إمّا أنْ يُفْدَى، وإمّا أنْ يُقْتل» أي: إمّا أنْ يأخذَ دِيّة القَتيل، وإمّا أنْ يَقتلَ القاتل، بعد حُكم وليّ الأمْر عليه، وفي لفظ للبخاري: «إمّا أنْ يَعْقل، وإمّا أنْ يُقادَ أهلُ القتيل» وسُمِّيَت عقْلًا؛ لأنَّهم كانوا يَعقِلون الإبلَ ويَربِطونها بفِناءِ دارِ المُستحِقِّ للعقْلِ. أو أنْ يُمكّنوا مِنَ القَوَد، وهو قتلُ القَاتل. قوله: «فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «إِلَّا الْإِذْخِرَ» والإذخر نَباتٌ عُشبيٌّ مَعرُوف عند أهل مكة، عَريضُ الأوراقِ، له رائحةٌ لَيمونيَّةٌ عَطِرةٌ، أزهارُه تُستَعملُ مَنقوعةً كالشَّايِ، وكان يُستعمل أيضاً بَدَلًا مِنَ الحَطَبِ، ويَجعَلونَه في أسقُفِ بُيوتِهم، وكذا لِسُقُفِ قُبورِهم، فاستَثناهُ النبيُّ [ مِنَ النَّهيِ عن قَطْعِه. وقال ابن البيطار: والذي بمكة أجْوده، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب، ويسدون به الخَلَل بين اللبنات في القُبُور، ويَسْتعملونه بدلَ الحلفاء في الوقود. اهـ من الفتح. فالذي طَلَبَ استثناءَ الإذخرِ هو العبَّاسُ - رضي الله عنه -، كما جاء في الصَّحيحينِ، وسُؤالُه كان على سَبيلِ الضَّراعةِ، وتَرخيصُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان تَبليغاً عن اللهِ -تعالَى-؛ إمَّا بطَريقِ الإلهامِ، أو بطَريقِ الوحْيِ. اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ
أحاديثَ الأمْرِ بالكِتابةِ فقال أكثرُ أهلِ العِلمِ: إنَّ أحاديثَ الأمْرِ بالكِتابةِ؛ ناسِخةٌ لأحاديثِ النَّهيِ عنها؛ فقد كان النَّهيُ لعِلَّةٍ؛ وهي إنَّه ربَّما اختلَطَ حَديثُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالقُرآنِ، فلمَّا زالتِ العِلَّةُ؛ أُذِنَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الكِتابةِ؛ لزَوالِ المَحذُورِ مِنَ الكِتابةِ، ونُسخَ المَنعُ مِنَ الكتابة. ويُؤيِّدُ هذا: عُمومُ ألفاظِ الأمرِ بالكِتابةِ، وأنَّها مُتأخِّرةٌ في الزَّمنِ. وبعضُ الصَّحابةِ داوَمَ على كِتابةِ الحديث، مِن بابِ الحِرصِ على السُّنَّةِ، أو خَشيةَ أنْ ينسى. فروى الإمام أحمد وأبو داود: عن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: كنتُ أكتبُ كلَّ شَيءٍ أسْمعه مِنْ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أرِيدُ حِفظه، فنَهتْني قُريش عن ذلك، وقالوا: تكتبُ كلَّ شَيءٍ تَسْمعه مِنْ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم ؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم - بَشَرٌ يتكلمُ في الغَضَب والرّضا؟ فأمسكْتُ عن الكتابة، حتّى ذَكرتُ ذلك لرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأَوْمأ بإصْعَبه إلى فِيه- أي: فَمَه- فقال: «اكتُبْ؛ فوالذي نفْسِي بيدِه، ما يَخرجُ منْه إلا حَقٌّ»، وذلك بعدَ أنْ رسَخَتْ مَعرفةُ الصَّحابةِ بالقُرآنِ؛ فلمْ يُخشَ خَلطُهم له بغَيرِه مِن حَديثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وبهذا يتبين بُطلان قول من قال: إنّ السّنّة لمْ تُدوّن في عصر الرسالة؟ والحقّ أنّها دُونت لكن ليس بالصُّورة التي تمّت فيما بعد في عصور التدوين، ولكن مِنَ المُجْمع عليه أنّها كانت مَحفُوظةً في الصّدُور، وفي بعض الصحائف والسطور في عصر الصّحابة، وتلقاها عنهم التابعون، ثم بدأ التدوين في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز -رضي الله عن الجميع-. قوله: قال الوليد بن مسلم: قلت للأوزاعي، وهو عبدالرحمن بن عمرو الإمام: «ما قوله- أي أبي شاه- اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة» يعني التي سمعها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فوائد الحديث 1- تَذكيرُ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ نِعمةَ اللهِ في حبْسِ الفيلِ عن مكَّةَ؛ والانتقام ممّن أراد بالكعبة سُوءاً، فإنَّها كانت آيةً شهِدَ بها كلُّ مُحِقٍّ ومُبطِلٍ. 2- وفيه: أنَّ الإنسانَ إذا سَمِعَ الكلامَ الجَزْلَ والمفيد، الَّذي لا يُمكِنُه ضبْطُه حِفظًا؛ فإنَّه يَنْبغي له أنْ يَطلُبَ كِتابتَه، كما فعَلَ أبو شَاهٍ. 3- وفيه: جَوازُ مُراجَعةِ العالِمِ في المصالحِ الشَّرعيةِ، والمُبادرَةُ إلى ذلك في المَجامِعِ والمَشاهِدِ. 4- وفيه: الأمْرُ بكِتابةِ حَديثِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وسُنَّتِه. 5- تحريم الإسلام كلَّ أنواعِ الظُّلمِ، والتشدَّدَ في سَفْكِ الدِّماءِ بغيرِ وجْهِ حقٍّ، خلافاً لما كان عليه الناسُ في الجاهليَّةِ، منَ أنواع مِن الظُّلمِ وسَفْكِ الدِّماءِ. الحديث الثاني عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ»، في هَذا الحَديثِ نَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَن حَملِ السِّلاحِ بمكَّةَ، حتَّى لا يَكونَ سَببًا لرُعبِ مُسلمٍ أو أَذى أَحدٍ؛ فَلا يَخفَى ما في ذلِك مِن زِيادةِ الأَمنِ في مَكانٍ به شَعائرُ الإسلامِ كَمكَّةَ، والنَّهيُ مَحمولٌ لغيرِ الضَّرورةِ، أمَّا لو كان هناك ضَرورةٌ -كمُحارَبةِ كفَّارٍ ونحوِهم- فيُشرَعُ حمْلُ السِّلاحِ، كما في عامِ الفتْحِ حِين دخَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مكَّةَ بجُيوشِه حامِلِين أسْلِحتَهم؛ إذْ أذِنَ اللهُ له بذلك لنشْرِ دِينِه، وإعلاءِ كَلِمتِه، وأحلَّ له هذا الحرَمَ جُزءًا مِن نَهارٍ، مِن طُلوعِ الشَّمسِ إلى صلاةِ العصرِ، ثمَّ أعلَنَ للنَّاسِ عَودةَ حُرمتِه إلى ما كانت علي، كما في الحديث السابق. ومن فوائد الحديث: أنّ مكَّةُ بلَدٌ له حُرمتُه؛ إذ يُوجَدُ به البيتُ الحرامُ، والمشاعرُ المُقدَّسةُ؛ ولذا شرَعَ الشَّرعُ أحكامًا خاصَّةً به تُؤكِّدُ هذه المعاني؛ فشَرَع فيه مِن وَسائلِ الأمنِ والأمان؛ ما لم يَشرَعْ في غيرِه مِن بِقاعِ الأرضِ. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: دُخُول النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- مكة غير مُحْرِم يومَ الفََتح
عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- دَخَلَ مَكَّةَ- وقَالَ قُتَيْبَةُ: دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ- وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. (1358/451)، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ؛ وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/990) باب: جواز دخول مكة بغير إحرام. في الحَديثِ الأول يُخبِرُ الصَّحابيُّ الجَليلُ جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- دَخلَ مَكَّةَ يومَ الفَتحِ، الَّذي وقَعَ في العامِ الثَّامنِ مِن الهجرةِ، وَكان يَلبَسَ في ذلكَ اليومِ على رأسِه عِمامةً سَوداءً، فلَم يَكُنْ حينئِذٍ مُحرِماً بمَلابسَ الإحرامِ في هَذا اليومِ؛ لأنَّه لم يُرِدْ نُسكًا، بلْ أراد فتْحَ مكَّةَ. وفي الحديث الثاني: عن أنسِ بنِ مالكٍ - رضي الله عنه -: «أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- دخَلَ عامَ الفتحِ وعلى رأسِه المِغفَرُ». فيَحتمِلُ أنْ يكونَ المِغفَرُ فوقَ العِمامةِ؛ وِقايةً لرَأْسِه المكرَّمِ مِن صَدَأِ الحديدِ، أو كانت العِمامةُ فوقَ المِغفَرِ، أو كان أوَّلَ دُخولِه على رَأسِه المِغفَرُ، ثمَّ أزالَهُ ولَبِسَ العِمامةَ بعْدَ ذلك، فحَكى كلٌّ منهما ما رآهُ. قال القاضي عياض -رحمه الله-: قوله: «بغير إحْرام» والأظهر أنّه دَخل عليه السلام مكة غير مُحْرِم، وقد جاء في حديث يحيى وقتيبة: «ولم يكن مُحْرِماً». انتهى. قوله: «بغير إحرام» فقوله: «بغير إحرام» هذا صريح في كون النّبي - صلى الله عليه وسلم- دخل مكة يوم الفتح هو وأصحابه غير مُحْرِمين، فدلَّ على جواز دُخولها بغير إحْرام لمن لا يريد حجًّا، ولا عُمْرة، قال أبو الوليد الباجي -رحمه الله-: «دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه الْمِغفر» يقتضي أحد أمرين: إما أنْ يكونَ غير مُحْرِم، فلذلك غطَّى رأسه بالمغفر، وهو الأظهر؛ لأنّه لم يروِ أحدٌ أنّه تَحلّلَ مِنْ إحْرام. وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: «وإنّما أُحِلّتْ لي سَاعة مِنْ نَهار»، فعلى أنّ دُخُول مكة على غير إحْرام؛ خاصٌّ بالنّبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ولهذا قال مالك: ولمْ يكنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يومئذٍ مُحْرماً، وقد كان يحتمل أنْ يكون غَطّى رأسه لأذى اضْطرّه إلى ذلك، وافتدى، لو ثَبتَ أنّه دَخلَ مكة مُحْرماً، ودخول مكة على ثلاثة أضرب:
قوله: «دخلَ مكة بغير إحْرام» وقال النووي -رحمه الله-: قوله: «دخلَ مكة بغير إحْرام» هذا دليلٌ لمن يقول بجواز دُخُول مكة بغير إحْرام لمنْ لمْ يُردْ نُسكاً، سواء كان دُخُوله لحاجةٍ تكَرَّر، كالحطّاب والحشّاش والسقّاء والصيّاد وغيرهم، أمْ لمْ تتكرّر كالتاجر والزائر وغيرهما، سواء كان آمناً أو خائفاً، وهذا أصحّ القولين للشافعي، وبه يفتي أصْحابه، والقول الثاني: لا يجوز دخولها بغير إحْرام؛ إنْ كانت حاجته لا تكرّر، إلا أنْ يكون مقاتلًا أو خائفًا مِنْ قتال، أو خائفًا مِنْ ظالمٍ لو ظهر. وقال ابن بطال -رحمه الله-: قال ابن القصّار: اختلف قول مالك والشافعي في جواز دخول مكة بغير إحرام، لمَن لمْ يُرِدْ الحج والعُمرة؛ فقالا مرَّةً: لا يجوز دخولها إلا بإحْرَام؛ لاختصاصها ومباينتها جميع البلدان، إلا الحطَّابين، ومَنْ قَرُب منْها مثل جدة والطائف وعسفان؛ لكثرة تَردّدهم عليها، وبه قال أبو حنيفة والليث، وقالا مَرَّةً أخرى: دُخُولها بإحْرام استحباب لا واجب. انتهى. وإلى هذا القول ذهب البخاري، وله احتج بقوله -عليه السلام-: «ولكلّ آتٍ أتى عليهنّ، ممّنْ أرادَ الحَجّ والعُمرة» فدلّ هذا أنّ مَن لمْ يُرد الحج والعمرة؛ فليست ميقاتًا له، واستدل أيضًا: بدخوله - صلى الله عليه وسلم- عام الفتح وعلى رأسه المغفر، وهو غير مُحرم، وبهذا احتجّ ابن شهاب، ولم يره خصوصًا للرسول - صلى الله عليه وسلم-، وأجاز دخول مكة بغير إحرام، وهو قول أهل الظاهر. وقال المازري -رحمه الله-: قال بعض أصحابنا: لا يدخل مكة إلا بإحْرام؛ إلا لمثل إمامٍ في جيشه للضرورة، وقائل هذا اتبع هذا الحديث على وجهه، واختلف قول مالك: هل دُخول مكة بإحرامٍ واجبٍ أو مُسْتحب؟ وأسقط ذلك مالك عمَّن يكثر تردُّده إليها، كالحطَّابين وأصحاب الفواكه. وقال ابن حجر -رحمه الله-: أمّا مَنْ قال مِنَ الشافعية كابن القاص: دخول مكة بغير إحْرام منْ خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ففيه نظر؛ لأنّ الخُصُوصيّة لا تثبت إلا بدليل. جواز دُخُول مكة للقتال وقال ابن القيم -رحمه الله-: وفيها- أي الأحاديث-: جواز دُخُول مكة للقتال المُباح بغير إحْرام، كما دخل رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - والمُسْلمون، وهذا لا خلافَ فيه، ولا خلافَ أنّه لا يدخلها مَنْ أرادَ الحج أو العمرة إلا بإحْرام، واختلف فيما سِوى ذلك، إذا لمْ يكنْ الدُّخول لحاجةٍ متكررة، كالحشَّاش والحطاب على ثلاثة أقوال:
فقه الحديث وقال ابن عبدالبر -رحمه الله-: في هذا الحديث من الفقه: دخول مكة بغير إحرام، وبالسلاح، وإظهار السلاح فيها، ولكن هذا عند جميع العلماء منسوخ ومخصوص بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله حرّم مكة يوم خلق السّماوات والأرض، لمْ تحلَّ لأحدٍ قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّت لي ساعةً منْ نهار» يعني: يوم الفتح. التمهيد (4/ 147). وقال أيضًا: ليس هذا عندي- يعني حديث: «دخل مكة وعلى رأسه عمامة سوداء»- بمعارض لحديث ابن شهاب «يعني حديث: «دخل مكة وعلى رأسه المغْفر»؛ لأنه قد يمكن أن يكون على رأسه عمامة سوداء وعليها المغفر، فلا يتعارض الحديثان. التمهيد (4/ 157). وقال القاضي عياض -رحمه الله-: فيحتمل أنّ العمامة كانت تحت المِغْفر؛ صيانةً لرأسه منْ برد المِغْفر وخُشُونته، فلما نزع المِغفر ظهرت العمامة التي ذكر مَن ذكر أنّه دخل مكة وهي على رأسه، على ما ذكرناه. وقال أيضًا: ووجه الجمع بينهما: أنَّ أول دخوله كان وعلى رأسه المغفر، وبعد ذلك كانت عليه العمامة؛ بدليل حديث عمر وابن حريث عن أبيه، وذكره مسلم: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم- خطب الناس، وعليه عمامة سوداء»؛ ولأنَّ خطبته عليه السلام إنما كانت بعد غلبته على مكة، وعند باب الكعبة، ويحتمل أنَّ جابرًا الذي ذكر أنه دخل مكة وعليه عمامة، ولم يتعرض الذي دعته إليه ضرورة الحرب، فلا يستدلّ به على أنه دخلها حلالًا، ويعرض لما رآه عليه بعد نزعه المغْفر من العمامة بعد زوال عذر الخوف، ووضع أوزار الحرب. «إكمال المعلم» (4/476). وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-: قول جابر: إنّه - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء؛ ليس مناقضاً لقوله: إنّه دخل ذلك اليوم وعليه المغفر؛ لإمكان أنْ تكون العمامة تحت المغفر؛ وقايةً مِن صدأ الحديد وشعثه، أو يكون نزع المغفر عند انقياد أهل مكة، ولبس العمامة، والله تعالى أعلم. جواز لباس الأسود في الخطبة وأيضًا قال النووي -رحمه الله-: فيه: جواز لباس الثّياب السُّود، وفي الرواية الأخرى: «خطبَ النّاسَ وعليه عِمامةٌ سَوداء». فيه: جواز لباس الأسود في الخطبة، وإن كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت في الحديث الصحيح: «خير ثيابكم البياض»، وأمّا لباس الخطباء السواد في حال الخطبة فجائز، ولكن الأفضل البياض كما ذكرنا، وإنما لبس العمامة السّوداء في هذا الحديث بيانًا للجواز، والله أعلم. «شرح صحيح مسلم» (9/ 133). وقال الغزالي -رحمه الله-: ومَنْ قال: إنّه مكروه وبدعة -أي: لبس السواد للخطيب- أراد به أنه لمْ يكن معهوداً في العصر الأول، ولكن إذا لمْ يَرد فيه نَهي؛ فلا ينبغي أن يُسمّى بدعة ومكروهاً، ولكنه تركٌ للأَحَبِّ». «إحياء علوم الدين» (2/ 336). وقال المُلاّ علي القاري -رحمه الله-: هذا وفي الجملة جاز لبس السواد في العمامة وغيرها، وأنَّ الأفضل البياض؛ نظراً إلى أكثر أحواله - صلى الله عليه وسلم - فعلاً وأمراً، وأغرب الشافعية في قولهم: لبس الخطيب السواد بدعة فليتركه، ويلبس الأبيض، إلا إنْ أُكرِه بخصوصه، كما كان يفعله العباسيون. وفي الحديث: أنّ الصَّحابةُ -رضي الله عنهم- كانوا يَرقُبون أحوالَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم- ليَتعلَّموا منه، ولا سيما في المُلِمَّاتِ، كالحربِ والغزْوِ، ونَقَلوا كل ذلك لمَن بعْدَهم، ووَصَفوا هيْئتَه ومَلابسَه وجميعَ أحوالِه. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم … باب: في جَدْر الكَعْبة وبابها
عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ الجَدْرِ: أَمِنْ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ». قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعاً؟ قَالَ: «فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ؛ لِيُدْخِلُوا مَنْ شاؤوا، ويَمْنَعُوا مَنْ شاؤوا، ولَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ؛ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ». الحديث رواه مسلم في الحج (2/973) باب: جَدْر الكعْبة وبابها. ورواه البخاري في الحج (1584) باب: فضل مكة وبُنيانها. في هذا الحَديثِ تُخبِرُ عائِشةُ -رضي الله عنها- أنَّها سَأَلَت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن الكَعبةِ، وهل الجَدْرُ- وفي رواية المُسْتملي: الجِدار- أي: الحِجْر، جُزءٌ منها؟ والحِجرُ هو المُسمّى بحِجْر إسماعيلَ، وهو البِناءُ الدَّائريُّ الذي حَولَ الكَعبةِ مِنَ النَّاحيةِ المُقابِلةِ للحجَرِ الأسوَدِ والرُّكنِ اليَمانيِ، وهو على شَكلِ نِصفِ دائرةٍ يُلاصِقُ الرُّكنينِ الشاميَّ والعِراقيَّ، وهذا الحِجرُ جُزءٌ مِن الكعبةِ، ولكِن لَمَّا هُدِمَت الكعبةُ وبنَتْها قُريشٌ لم تَسَعْهمُ النَّفقةُ فاقتَصَروا على هذا البناءِ. الحِجْر مِنَ الكعبة فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أخبَرَها أنَّ الحِجْر مِنَ الكعبة؛ لِمَا فيه مِن أُصُولِ حائِطِه، ولكنْ لِقِلَّةِ ذاتِ يَدِ قُرَيْشٍ، وقِلَّةِ النَّفقةِ الطَّيِّبةِ التي جَمَعُوها، لم يَستَطيعوا إتمامَ كلِّ الكَعبةِ على قَواعدِ إبراهيمَ -عليه السَّلامُ-، فلمْ يُدخِلوه في البَيتِ، وهو قَوْله: «قَصَّرَت بهم النَّفَقَة» بِفَتْح الصَّاد الْمُشَدّدَة، أَي: النَّفَقَة الطّيبَة الَّتِي أخْرجُوها، ويروى: قَصُرَت، بِضَم الصَّاد المخففة. وروى ابن إِسْحَاق فِي السِّيرَة: أَنّ وهب بن عَائِد بن عمرَان بن مَخْزُوم المَخْزُومِي، قَالَ لقريش: لَا تدْخلُوا فِيهِ مِنْ كَسْبكم إلاَّ طيّباً، ولَا تدْخلُوا فِيهِ مَهر بَغيّ، وَلَا بيع رَبّاً، ولَا مظْلمَة منْ أحدٍ مِنَ النَّاس. وهَذَا يدل على أَنّ الحِجْر كُله مِنَ الْبَيْت، وبِذَلِك كَانَ يُفْتِي عبد الله بن عَبَّاس - رضي الله عنه -، كَمَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق: عن أَبِيه عن مرْثَد بن شُرَحْبِيل قَالَ: سمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: لَو وليتُ من الْبَيْت مَا ولي ابْنُ الزُّبير؛ لأدْخلتُ الحِجْر كُله فِي الْبَيْت، فلِمَ يُطاف بِهِ إِنْ لم يكنْ مِنَ الْبَيْت؟! وروى التِّرْمِذِيّ: عَن عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمَة عَن أمه عَن عَائِشَة -رَضِي الله عنْهُما- قَالَت: كنتُ أحبُّ أَنْ أَدْخلَ البَيْتَ فأُصلي فِيهِ، فَأخذ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، بيَدي فَأَدْخلنِي الحِجْر، فَقَالَ: صلّي فِي الحِجْر؛ إِنْ أردْت دُخُول البَيْت، فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَة من الْبَيْت، ولَكِن قَوْمك اسْتَقصرُوه حِين بَنَوا الْكَعْبَة، فأخْرجُوه من الْبَيْت»، ثمّ أخْبَرَها - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لولا قُربُ عَهدِهِم بالكُفرِ، ومَخافةُ إنكارِ قُلوبِهم؛ لَأدخَلَ - صلى الله عليه وسلم - الحِجرَ في البَيت، وأعادَ بِناءَ الكعبة على قَواعِدِ إبراهيمَ -عليه السَّلامُ-، ولَألْصَقَ البابَ بالأرضِ؛ لأنَّهم قدْ رَفَعوه عن الأرضِ؛ حتَّى يُدخِلوا مَنْ شاؤوا، ويَمنَعوا مَنْ شاؤوا. قال: فجعَلْتُ لها بابين وفي الصَّحيحَين: قال: «فجعَلْتُ لها بابين: بابٌ يَدخُلُ الناسُ، وبابٌ يَخرُجُون»، وفي مسلم: «وهلْ تَدْرِينَ لِمَ كانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بابَها؟» قالَتْ: قُلتُ: لا، قالَ: «تَعَزُّزًا ألا يَدْخُلَها إلَّا مَن أرادُوا، فَكانَ الرَّجُلُ إذا هو أرادَ أنْ يَدْخُلَها يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي، حتَّى إذا كادَ أنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ». وهذا التَّغييرُ فعَلَه عبد الله بنُ الزُّبير -رَضيَ اللهُ عنهما-، فقد بَنى الكَعبةَ على ما أرادَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فروى البخاري ومسلم واللفظ له: لمَّا احْتَرَقَ البَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ، فكانَ مِن أَمْرِهِ ما كانَ؛ تَرَكَهُ ابنُ الزُّبَيْرِ حتَّى قَدِمَ النَّاسُ المَوْسِمَ يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ -أَوْ يُحَرِّبَهُمْ- علَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ، قالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ في الكَعْبَةِ، أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بنَاءَهَا، أَوْ أُصْلِحُ ما وَهَى منها؟ قال ابنُ عَبَّاسٍ: فإنِّي قدْ فُرِقَ لي رَأْيٌ فِيها؛ أَرَى أَنْ تُصْلِحَ ما وَهَى منها، وتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عليه، وأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وبُعِثَ علَيها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقالَ ابنُ الزُّبَيْرِ: لوْ كانَ أَحَدُكُمُ احْتَرَقَ بَيْتُهُ، ما رَضِيَ حتَّى يُجِدَّهُ، فَكيفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ إنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ عَازِمٌ علَى أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ أَجْمع رَأْيَهُ علَى أَنْ يَنْقُضَها، فَتَحَامَاهُ النَّاسُ، أَنْ يَنْزِلَ بأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فيه أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ، حتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فألْقَى منه حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيءٌ، تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ حتَّى بَلَغُوا به الأرْضَ، فَجَعَلَ ابنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ عَلَيها السُّتُورَ حتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ. قالَ: «لَوْلَا أنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بكُفْرٍ»
كم مرة بني البيت؟
مسألة: هل يجوزُ الطّواف داخل الحِجْر؟
فوائد الحديث (1) في الحديث دَليلٌ على ارتِكابِ أيسرِ الضَّررَين دَفْعاً لأَكبرِهما؛ لأنَّ تَرْكَ بِناءِ الكَعبةِ على ما هو عليه أيسرُ مِن افتِتانِ طائفةٍ مِنَ المسلِمينَ ورُجوعِهِم عن دينِهِم، قال النووي: وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام منها: إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحةٌ ومفسدة، وتعذّر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة؛ بُدِئ بالأهمّ؛ لأنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنَّ نَقضَ الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم - عليه السلام - مَصْلحة، ولكن تُعارضه مفسدةٌ أعظم منه، وهي خوفُ فتنة بعض مَنْ أسلمَ قريباً، وذلك لما كانوا يعتقدونه مِنْ فَضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيماً، فتركها - صلى الله عليه وسلم -. (2) ومنها: فكر وليّ الأمر في مصالح رعيته، واجتنابه ما يخاف منه تولد ضرر عليهم، في دِينٍ أو دنيا، إلا الأمور الشّرعيّة كأخذ الزكاة، وإقامة الحُدُود، ونحو ذلك. (3) ومنها: تألف قلوب الرعية وحسن حياطتهم، وألا يُنفّرُوا، ولا يُتعرّض لما يخاف تنفيرهم بسببه، ما لم يكنْ فيه تركُ أمْرٍ شرعي كما سبق. (شرح مسلم). (4) وفيه: أنَّ النَّاسَ كلّهم غَيرُ مَحْجوبينَ عن البَيتِ. (5) وفيه: أنّ الكَعبة هي بَيتُ اللهِ في الأرضِ، وقِبلةُ المسلمينَ، وقد عظَّمَ اللهُ قَدْرَها بيْن الناسِ، حيثُ جَعَلَها مَهوَى القُلوبِ ومَقصداً للحجِّ. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |