|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة .. التوسّط والاعتدال
التوسّط في كل شيء هو عينُ الاعتدال، وهو العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، وهو المنهج الذي ارتضاه الله لعباده في شؤون دينهم ودنياهم؛ ولذا جاءت الشريعة الإسلامية قائمةً على هذا الأصل العظيم، لا غلوَّ فيها ولا تفريط، ولا تشديدَ يُفضي إلى العنت، ولا تسيُّبَ يُفضي إلى الضياع، وقد قرر القرآن الكريم هذا المبدأ تقريرًا واضحًا، فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (البقرة: 143)، فكانت وسطية الأمة سِمَةً جامعة، تشمل الاعتقاد، والعبادة، والسلوك، والمعاملة. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُجسِّد هذا المعنى عمليًا في سنته، ويغرسه في نفوس أصحابه، حتى في أبواب العبادة والطاعة؛ فعندما رأى حبلًا ممدودًا في المسجد، فقيل له: إنه لزينب -رضي الله عنها-، إذا فترت أو كسلت تعلقت به، قال -صلى الله عليه وسلم -: «حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ»، فدلّ ذلك على أن العبادة ليست تعذيبًا للجسد، ولا تحميلًا للنفس ما لا تطيق، وإنما هي قربٌ من الله يُؤدَّى بحضور قلب وخشوع. العِبرة ليست بكثرة العمل وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»؛ فالعبرة ليست بكثرة العمل ولا بالمغالاة فيه، وإنما بالإخلاص والاستمرار والاعتدال؛ فالصلاة القليلة مع النشاط والخشوع، أزكى وأقرب إلى القبول من صلاةٍ طويلةٍ مع التكلف وغلبة النعاس، ومن رحمته -صلى الله عليه وسلم - أنه راعى أحوال الناس وقدراتهم، فجاءه عمران بن حصين - رضي الله عنه - يشكو المرض، فقال له: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»؛ فالمقصود إقامة أمر الله على الوجه الذي يقدر عليه العبد، دون مشقةٍ خارجة عن الطاقة، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة مع غلبة النعاس، فقال: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ، فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ»؛ وذلك لأن العبادة بغير وعي قد تفضي إلى الخطأ، وتُفقد مقصودها الأعظم. الأخلاق والمشاعر ولا يقف مبدأ التوسّط والاعتدال عند حدود العبادة، بل يمتد ليشمل الأخلاق والمشاعر والعلاقات الإنسانية؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا»، حتى في المشاعر، يدعونا الإسلام إلى الاتزان؛ فلا إفراط في الحب يُورث التعلّق المُهلِك، ولا مبالغة في الكُره تُغلق أبواب العدل والإنصاف؛ فالمغالاة في التعلّق بالأشخاص -ولو كانوا أقرب الناس- قد تجعل الفقد سببًا لانهيار النفس وتوقف الحياة، مع إن الإنسان خُلق لغاية أعظم، قال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، وكذلك في الإنفاق والمعاش، جاءت الشريعة وسطًا بين الإسراف والتقتير، قال -تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (الفرقان: 67)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ»، وقال الله -سبحانه-: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} (الإسراء: 29)، فالله -تعالى- يحب الاعتدال حتى في الصدقة، فلا يُطلب من المسلم أن يُضيّع نفسه أو أهله، بل جعل النفقة على الأهل من أعظم أبواب الأجر. دينُ الوسطيةٍ والعدل وخلاصة الأمر: أن الإسلام في باب المعاملات، والسلوك، والأخلاق، والعبادات، دينُ وسطيةٍ وعدل، يُعلِّمنا أن نسلك طريق الاتزان، فلا إفراط يُهلك، ولا تفريط يُضيع، وإنما نلتزم بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، قال -تعالى-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ} (الحشر: 7)؛ فالاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في وسطِيَّته واعتداله هو السبيل إلى حياةٍ مطمئنة، وعبادةٍ صحيحة، وسلوكٍ قويم. ![]() الآثار الحسنة للوسطية بما أنَّ الوسطية منهج ربَّاني، فلا ريب في تكامله واتِّزانه وشموله لجميع النواحي: العقائدية، والعبادية، والأخلاقية في حياة الفرد المسلم، وسيكون له آثاره الحميدة والحسنة، التي تعود على المسلم بنفع عظيم في الدنيا والآخرة، ومن أهم هذه الآثار ما يلي:
اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة – الحجاب.. هويةٌ راسخة وصراعٌ متجدد
إذا رجعنا إلى التاريخ قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وجدنا أن كثيرًا من المجتمعات كانت تعيش أنواعا من الانحلال في شأن ستر المرأة وعفافها، تدرج فيه الشيطان مع بني آدم؛ إذ لم يدعهم إلى الانحراف دفعة واحدة، وإنما سار بهم خطوةً بعد خطوة، حتى هان عليهم ترك الحياء، ومن ثم فرطوا في الحجاب، ثم أظهروا الزينة والسفور. فلما أشرق نور الإسلام أعاد للمرأة كرامتها، وصان عفافها، وأنزل الله -تعالى- آية الحجاب، فقال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الأحزاب: 59)، فكان الحجاب تشريعًا ربانيًا يحفظ المرأة، ويصون المجتمع، ويجعل العفة عنوانًا للهوية الإسلامية. الكويت مجتمعٌ عُرف بالستر وتُعد الكويت مثالًا واضحًا للمجتمعات الخليجية التي اشتهرت بالاحتشام والمحافظة، فستر المرأة جزءٌ أصيلٌ من حياة المجتمع، فقد كانت المرأة الكويتية تعرف بلباسها المحتشم، ومن أشهره (البوشية) والعباءة، وهما من المظاهر الاجتماعية التي جسدت قيمة الحياء والستر في المجتمع الكويتي. ومع بدايات الانفتاح على العالم، بدأت بعض المؤثرات الفكرية والثقافية الوافدة تجد طريقها إلى المجتمع، كما أسهمت بعض وسائل الإعلام منذ خمسينيات القرن الماضي في إثارة قضايا تتعلق بالحجاب وما سُمِّي آنذاك بالحريات الشخصية، متأثرةً بالأفكار الوافدة من بعض البلدان العربية التي كانت قد تأثرت بالتيارات التغريبية. دعوات السفور ومقاومة الهوية ومع مرور الوقت ظهرت دعوات تدعو إلى التخلي عن البوشية والعباءة، وبرزت بعض الأصوات المطالبة بتغيير أنماط اللباس، كما نشأت المنتديات نسائية تبنت عددًا من الأفكار المتأثرة بالاتجاهات الغربية، وتزامن ذلك مع حملات إعلامية وثقافية استهدفت إعادة تشكيل الهوية الاجتماعية، وقد انعكس أثر هذه الدعوات في سبعينيات القرن الماضي، حتى أصبح الحجاب في بعض البيئات الجامعية أقل انتشارًا مما كان عليه في السابق، وهو ما أثار قلق العلماء والدعاة وعموم الغيورين على هوية المجتمع. جهود العلماء والدعاة وفي مقابل هذه الموجة التغريبية، نهض العلماء والدعاة بواجبهم في البيان والدعوة، فبدأت جهود الدعوة إلى الحجاب منذ أواخر الخمسينيات، وطُبعت مؤلفات تُبين حكم الحجاب وأدلته الشرعية، وإن كان انتشارها في بداياتها محدودًا. ثم تعاظمت هذه الجهود في السبعينيات، ولا سيما من خلال الصحافة والإعلام؛ حيث برز عدد من الدعاة الذين تصدوا للشبهات المثارة حول الحجاب، ومنهم الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله-، الذي أسهم في نشر الأدلة الشرعية، وبيان مكانة الحجاب، والتنبيه إلى أن ظاهرة السفور ليست من أصالة المجتمع الكويتي ولا من أعرافه، وإنما هي ثقافة وافدة، وأن المحافظة على الحجاب هي محافظة على الدين والهوية والقيم. واستطاعت هذه الجهود العلمية والدعوية -بفضل الله -تعالى- أن تواجه المد العلماني والاشتراكي وسائر التيارات المخالفة للشريعة، حتى عاد الحجاب بقوة إلى المجتمع الكويتي في ثمانينيات القرن الماضي، وأصبح مظهرًا بارزًا من مظاهر الالتزام والاعتزاز بالدين. ![]() مسؤولية الحاضر واستمرار الرسالة واليوم، ونحن نعيش موجة جديدة من الدعوات التي تستهدف قيم العفة والاحتشام بوسائل إعلامية وثقافية أكثر تأثيرًا وانتشارًا، فإن الواجب يقتضي ألا نغفل عن دروس التاريخ؛ وأهمية مواصلة الجهود الدعوية والتربوية والإعلامية في ترسيخ قيمة الحجاب، وتعزيز هوية بناتنا ونسائنا، وربط الأجيال بأحكام الشريعة ومحاسنها، مع تقديم القدوة الحسنة والخطاب الحكيم الذي يجمع بين العلم والرحمة والإقناع. عبادة يُتقرب بها إلى الله -تعالى- فالحجاب ليس مجرد مظهر أو عادة اجتماعية، بل هو عبادة يتقرب بها إلى الله -تعالى-، وهو عنوان للعفة والحياء، وسياج يحفظ الأسرة والمجتمع، ويحمي الهوية الإسلامية من الذوبان في موجات التغريب. وإذا حافظ المجتمع على قيمه وثوابته بقي متماسكًا قويًّا، معتزًا بدينه، مستمسكًا بشريعته، سائرًا على هدي ربه، {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}، والحمد لله رب العالمين. فضائل الحجاب
اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة.. عودة الذكر إلى هدي النبوة
جاء الإسلام لتعبيد الناس لرب العالمين وفق مراد الله -تعالى- وهدي نبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ قال الله -تعالى- مخاطبًا نبيه - صلى الله عليه وسلم -: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} (الشورى: 52)، قد كان الناس قبل الإسلام يعيشون في ظلمات الجهل، ومن أعظم مظاهر ذلك الجهل ما يتعلق بالعقائد والعبادات؛ إذ لا يجوز لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه -سبحانه-، فلا تُفتح أبواب العبادات بالرأي أو الذوق أو العاطفة، وإنما بالدليل من الكتاب والسنة. ولهذا كانت مهمة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعلِّم الناس كيف يعبدون ربهم، فبيَّن لهم كل ما يحبه الله ويرضاه، ولم يترك بابًا من أبواب الخير إلا دل الأمة عليه، ومن ذلك باب الذكر، فقد قال -سبحانه-: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الأحزاب: 35)، وبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الذكر منه المطلق، ومنه المقيد، فهناك أذكار الصلاة، وأذكار ما بعد الصلاة، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار الأحوال والمناسبات، وكلها جاءت بكيفيات وهيئات وأوقات محددة، فلا يزاد فيها ولا ينقص منها. وقد مات النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما ترك أمته على المحجة البيضاء، كما قال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك». عبدالله بن مسعود- رضي الله عنه- والذكر الجماعي ولننتقل الآن إلى ما بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحو أربعٍ وعشرين سنة، فقد خرج عبدالله بن مسعود - رضي لله عنه - يومًا من بيته بالكوفة، فوجد أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - ينتظره، فقال له: «إني رأيت في المسجد أمرًا أنكرته، ولم أرَ إلا خيرًا»، فلما دخلا المسجد، وجدا حِلقًا يجلس فيها الناس، وعلى رأس كل حلقة رجل يقول لهم: سبحوا الله مائة، احمدوا الله مائة، كبِّروا الله مائة، فيُردِّد الجميع الذكر بصوت واحد وبكيفية جماعية؛ فلما رأى ابن مسعود - رضي الله عنه - ذلك، قال لهم: «عدُّوا سيئاتكم، فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء». فقالوا: «والله يا أبا عبدالرحمن، ما أردنا إلا الخير»، فقال كلمته العظيمة التي أصبحت قاعدة في باب الاتباع: «وكم من مريدٍ للخير لن يصيبه!»، ثم قال: «أأنتم أهدى من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -؟!»، وبيَّن لهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلِّمهم هذه الهيئة، مع أنهم شاهدوه يذكر الله، وعرفوا ألفاظ الذكر وكيفيته وهيئته وأوقاته، ثم ختم نصيحته بقوله: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم». العبادة لا تكون مقبولة إلا بالاتباع قد تبدو بعض الأعمال في ظاهرها خيرًا، لكن العبرة ليست بحسن المقصد وحده، وإنما بموافقة السنة، فلو كانت هذه الكيفية في الذكر مما يحبه الله، لشرعها -سبحانه-، ولو شرعها الله لبيَّنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو بيَّنها النبي - صلى الله عليه وسلم - لنقلها الصحابة -رضوان الله عليهم- للأمة، وهذه هي السلسلة الذهبية في تلقي الدين: الله -سبحانه- يشرع، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبلِّغ، والصحابة ينقلون، ثم تتلقاها الأمة بالقبول، فما جاء بعد ذلك فهو إما اتباعٌ للسنة، وإما ابتداعٌ في الدين. النهاية الخطيرة ولم يكن إنكار ابن مسعود - رضي الله عنه - مجرد اعتراض على طريقة من طرائق الذكر، بل كان نظره إلى مآلات الأمور، ولهذا قال الراوي عن أولئك القوم بعد سنوات: «رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج». فتأملوا! بدأ الأمر بحلقة ذكر مبتدعة، ثم انتهى بأصحابها إلى الخروج على جماعة المسلمين. ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في وصف الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، ثم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». فكثرة العبادة وحدها لا تكفي إذا لم تكن مبنية على السنة. ![]() كيف انتشرت هذه البدع؟ قام عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - بواجبه، فأنكر البدعة وأقام الحجة، فانفضَّت تلك المجالس. لكن الشيطان لا يمل من إحياء البدع، فما إن تمضي سنوات حتى يعيد بثها في أماكن أخرى. وكان موسم الحج من أبرز المواطن التي تنتقل فيها بعض الممارسات المخالفة؛ إذ يجتمع المسلمون من بلدان متعددة، فيرى بعض العامة أعمالًا لا أصل لها، فيظنونها من الدين، ثم يعود كل واحد إلى بلده ناشرًا ما رآه، وهكذا انتقلت كثير من البدع إلى أقطار مختلفة، ولا سيما مع ضعف العلم وقلة من يبين السنة. إحياء السنة في الكويت وصلت بعض تلك المظاهر إلى الكويت في عقودٍ سابقة، فكان الذكر الجماعي يُرى في بعض المساجد، ولا سيما في المناطق الساحلية حتى أوائل السبعينيات، وتأثر بذلك بعض الأئمة الذين حملوا معهم ما اعتادوه في بلدانهم. ثم جاءت الدعوة العلمية المباركة، وانتشر تعليم العقيدة والسنة؛ فعرف الناس أن للذكر ضوابط شرعية في ألفاظه، وكيفياته، وأوقاته، وهيئاته، وأن العبادة توقيفية لا مجال للرأي فيها. وفي بدايات الأمر وقعت بعض المناقشات والمواقف بين الشباب الحريصين على السنة وبعض الأئمة، لكن الدعوة استمرت بالحكمة والتعليم والصبر، حتى ظهرت ثمارها. وبحلول منتصف الثمانينيات، وبعد سنوات من الدعوة المتواصلة إلى الكتاب والسنة، اختفت هذه المظاهر من غالب مساجد الكويت، ولم يبق منها إلا ما يقتصر على بعض التجمعات الخاصة لبعض الطرق الصوفية، أما المساجد فقد عادت -بفضل الله- إلى هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب. ولا شك أن هذا من نعم الله على البلاد، ثم من ثمار جهود العلماء والدعاة الذين جعلوا شعارهم: قال الله، وقال رسوله - صلى الله عليه وسلم -. الطريق إلى القضاء على البدع إن القضاء على البدع لا يكون بالشعارات، ولا بالصمت، ولا بالمجاملة، وإنما يتحقق بثلاثة أمور: العلم الشرعي الصحيح، والعمل بالسنة، والدعوة إليها بالحكمة والصبر. أما إذا سكت أهل العلم، وتقاعس الدعاة، وقال كل واحد: «ليس هذا من شأني»، فإن البدع لا تلبث أن تعود للظهور والانتشار، ولهذا قال أهل العلم: إذا أُحييت السنة ماتت البدعة، وإذا أميتت السنة عاشت البدعة. إن أعظم ما تحتاجه الأمة في كل زمان هو إحياء سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وربط الناس بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة؛ فكلما ازداد العلم الصحيح، انحسر الجهل، وضعفت البدع، وقويت معالم الهداية. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة.. من آثار دعاة التوحيد: إحياء سُنّة السلام
جلستُ يومًا إلى رجلٍ جاوز الثمانين من عمره، بعد حديثٍ دار بيننا حول سلسلة الإنجازات والآثار المباركة التي تحققت على أيدي دعاة التوحيد، فإذا به يفاجئني بكلمةٍ تستحق أن تُكتب بماء الذهب، فقال: «أضف هذه إلى ما تذكره من إنجازاتهم؛ فأنا ممن عاصر تلك المرحلة، وأعرف يقينًا من خلال ما سمعته من جدي، وما شهدته مجالس الدواوين قديمًا، أن هناك أمرًا لم يكن شائعًا في المجتمع كما هو اليوم، ثم أحياه الله -تعالى- على أيدي دعاة التوحيد»؛ قلت له: وما هو؟ قال: «السّلام عند دخول المجالس، والسلام عند الخروج منها». وأوضح الرجل أن الداخل إلى المجلس في الأزمنة الماضية لم يكن يحرص دائمًا على افتتاح مجلسه بالسلام الشرعي، بل كانت تتنوع التحيات والعبارات، وربما دخل بعض الناس دون تحية أصلًا، حتى قيّض الله دعاة التوحيد الذين أعادوا للناس هذه السنة العظيمة، فنشروها بين الخاصة والعامة، وربطوا الناس بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب. ومع مرور الزمن أصبح السّلام شعارًا ظاهرًا في المجتمع، حتى إن كثيرًا ممن لا يُعرفون بالالتزام الديني صاروا يبدؤون لقاءاتهم بقولهم: «السلام عليكم»، تأثرًا بما استقر في المجتمع من هذه السنة المباركة. ويقول الرجل: «إنك اليوم ترى أصحاب الاتجاهات الفكرية المختلفة، من علمانيين وليبراليين وغيرهم، يدخلون المجالس بالسّلام؛ وهذا من آثار انتشار هذه السّنة التي أسهم دعاة التوحيد في إحيائها وترسيخها». سُنّة أخرى أعيد إحياؤها ثم أضاف: «أما السُّنة الثانية التي جاءت متأخرة في الانتشار فهي السلام عند الانصراف من المجلس»، فكما اعتاد الناس أن يسلّموا عند الدخول، أصبح كثير منهم يسلّمون عند المغادرة أيضًا، امتثالًا لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، بعد أن كانت هذه السنة تكاد تغيب عن واقع الناس. وقد كان لدعاة التوحيد دورٌ بارز في نشر هذا المعنى، من خلال دروسهم ومحاضراتهم ومؤلفاتهم التي تناولت فضائل السلام وأحكامه وآدابه، حتى صار الناس يسمعون الحديث عنها في مجالس العلم، ويقرؤونها في الكتب والرسائل. جهود علمية في نشر أحكام السلام ومن الكتب التي عُنيت بهذا الباب كتاب «عقد الزبرجد في تحية أمة محمد»، ويُعد من أوائل الكتب التي جمعت أحكام السلام وآدابه وفضائله بطريقة شاملة ومنهجية واضحة، وقد لقي رواجًا واسعًا في زمانه، ثم تبعته مؤلفات أخرى أكملت الطريق، وخدمت هذا الباب خدمة جليلة. من التحّيات الدّخيلة إلى التحية الشرعية لقد علّم النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته السّلام قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، غير أن السنن قد تضعف في بعض الأزمنة، ويثقل تطبيقها على بعض الناس، فتظهر بدائل وعادات جديدة تحاول أن تحلّ محلها. ولهذا انتشرت في فتراتٍ من الزمن عبارات مثل: «مرحبًا»، و«صباح الخير»، و«مساء الخير»، حتى أصبح بعض المعلمين يدخلون الفصول الدراسية فيستقبلون الطلاب بهذه العبارات دون أن يبدؤوا بالسلام الشرعي؛ لكن بفضل الله -تعالى-، ثم بجهود العلماء والدعاة والمربين، عاد السلام ليكون التحية الأبرز في المدارس والتجمعات والمنتديات والنوادي وسائر المناسبات، حتى نشأ جيلٌ كامل يعرف فضل السلام وعظم شأنه، ويستشعر ما يحمله من معاني الإيمان والألفة والمحبة. ![]() السلام اسم من أسماء الله والسلام ليس مجرد كلمة تُقال، بل هو عبادة وشعيرة ومعنى إيماني عظيم؛ فهو مرتبط باسم الله -سبحانه- السلام. وقد جاء في الحديث: «إن الله هو السّلام»، والسّلام يتضمن الدعاء بالسلامة والأمان والحفظ والرعاية، فكأن المسلم حين يقول لأخيه: «السلام عليكم» يدعو له أن يناله من الله الأمن والوقاية والهداية والكفاية، وما أعظمها من تحية تجمع بين الذكر والدعاء والمحبة والأخوة! هدي نبوي مهجور عاد للحياة وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى استحباب السلام عند الدخول والخروج من المجلس فقال: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلِّم؛ فإن بدا له أن يجلس فليجلس، فإذا أراد أن يقوم فليسلِّم، فليست الأولى بأحق من الآخرة». رواه الترمذي وصححه أهل العلم. ذلك توجيه نبوي كريم ظل قائمًا في نصوص الشريعة، لكنه ضعف في بعض البيئات والأزمنة، حتى أعاد الله إحياءه على أيدي المصلحين والدعاة. بصمة مُباركة إن المتأمل في واقع الناس اليوم يدرك حجم هذا التغيير؛ فكم نسمع السلام يتردد في الأسواق، والمدارس، والدوائر الحكومية، والمجالس العامة، وعلى ألسنة الصغار والكبار، بل وحتى ممن لا يُعرفون بالتدين الظاهر! إنها سُنة نبوية عادت إلى الحياة، وبصمة مباركة تركها دعاة التوحيد في المجتمع، فأحيوا بها شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وأسهموا في نشر معاني الألفة والمحبة والأمان بين الناس، فجزى الله كل من دعا إلى هذه السنة، وعلّمها، ونشرها، وأحياها في نفوس المسلمين. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة.. الأصل في العبادات التوقيف
ما زلنا نتحدث عن انتصارات دعاة التوحيد في بيان قضايا العقيدة والعبادة والمعاملة وفق ما دلَّ عليه كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بفهم السلف الصالح، وهذه الأصول الثلاثة: الكتاب، والسُنّة، وفهم السلف الصالح، هي الأساس الذي يقوم عليه منهج أهل السُنّة والجماعة، أهل الحديث، أما كثير من الفرق الأخرى فإنها قد تعتني بالكتاب والسُنّة، لكنها لا تعطي لفهم السلف الصالح منزلته اللائقة، ومنهم من يعتمد على الأحاديث الضعيفة، ومنهم من يقتصر على القرآن الكريم ويعرض عن السنة، كالقرآنيين وأصحاب المدرسة العقلية. الأصل في العبادات التوقيف من القواعد العظيمة عند أهل السنة أن الأصل في العبادات التوقيف؛ أي إنه لا يجوز للعبد أن يتقرب إلى الله -تعالى- بعبادة إلا بدليل شرعي صحيح يدل على مشروعيتها. فالعبادات أمور غيبية لا تُعرف بالعقول والآراء، وإنما تُعرف بالوحي. والله -سبحانه- بيَّن ما يحبه ويرضاه لعباده عن طريق القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم نقل الصحابة -رضي الله عنهم- ذلك إلى الأمة؛ ولذلك فإن أي عبادة لا يدل عليها نص صحيح بفهم السلف الصالح لا يجوز إحداثها أو التقرب بها إلى الله -تعالى-؛ لأنها تدخل في دائرة البدع المحدثة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كل بدعة ضلالة». من البدع المحدثة ومن المسائل التي انتشرت في بعض البلاد خلال فترات سابقة: قيام بعض الناس لصلاة ركعتين بعد الأذان الأول للجمعة، بل وربما بعد الأذان الثاني، أو أثناء جلوس الإمام بين الخطبتين. وقد كان بعض المصلين يأتي مبكرًا إلى المسجد، فيصلي تحية المسجد وما شاء الله له من النوافل، ثم إذا أُذِّن الأذان الأول قام يصلي ركعتين مخصوصتين لذلك الأذان، ثم يعيد الأمر بعد الأذان الثاني، وربما أثناء الخطبة، مع عدم وجود دليل شرعي يثبت هذه الصلاة المخصوصة. هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أكمل الهدي لقد تركنا النبي - صلى الله عليه وسلم - على المحجة البيضاء، فقال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»، وقال أيضًا: «ما من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد دللتكم عليه». والصلاة من أعظم القربات إلى الله -تعالى-، وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنواعها وأوقاتها وأعدادها، فشرع السنن الرواتب، وصلاة الضحى، وقيام الليل، والنوافل المطلقة. ومع ذلك لم يُنقل عنه - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه أنهم خصصوا ركعتين بعد أذان الجمعة. كما إن الأذان الأول للجمعة لم يكن موجودًا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما أمر به الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - لتنبيه الناس واستعدادهم للصلاة بسبب اتساع المدينة وكثرة أهلها، ولم يشرع معه صلاة مخصوصة. جهود دعاة التوحيد في إحياء السُنّة ومن فضل الله -تعالى- أن هذه الظاهرة قد انحسرت كثيرًا في زماننا، واختفت بنسبة كبيرة، وكان لدعاة التوحيد والدعوة السلفية دور بارز في ذلك من خلال نشر السنة وبيان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - والتحذير من البدع بالحكمة والموعظة الحسنة. فقد بذلوا جهودًا كبيرة في تعليم الناس السنن الصحيحة، وتصحيح المفاهيم الخطأ، وإحياء ما اندرس من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى أصبح كثير من المصلين يعرفون هذه المسائل ويحرصون على موافقة السنة فيها. الدعوة إلى السنة بالحكمة والموعظة الحسنة ومن الوسائل النافعة في محاربة البدع بيان الحق للناس بلطف وأدب. وأذكر أني كنت في مسجد سعد بن أبي وقاص، فلما انتهى الأذان قام أحد المصلين ليصلي، فنصحته بلطف وقلت له: «لو سمحت اجلس، فليس هناك سنة مخصوصة بعد هذا الأذان». ومثل هذه المواقف الهادئة أمام الناس تترك أثرًا كبيرًا في نشر السنة وإماتة البدعة؛ لأن عامة المسلمين يعظمون سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحرصون على اتباعها متى تبين لهم الدليل، وما على الدعاة إلا البلاغ بالحكمة والرفق وحسن البيان. محبة الصحابة -رضي الله عنهم- من أصول عقيدة أهل السُنَّة والجماعة محبة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والترضي عنهم، وذكرهم بالخير والثناء، والكف عما شجر بينهم من خلافات، اعتقادًا بأنهم خير هذه الأمة بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم -، وقد دلَّ على ذلك القرآن الكريم والسُنَّة النبوية، قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، فأمر الله المؤمنين بالدعاء للصحابة وسلامة الصدور تجاههم، وجعل ذلك من صفات أهل الإيمان، كما جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - محبة الأنصار علامة على صدق الإيمان، فقال: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق»، وقال: «آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار»، وهذا الحكم لا يختص بالأنصار وحدهم، بل يشمل سائر الصحابة؛ لما لهم من فضل السبق إلى الإسلام، والهجرة والجهاد، ونصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبذل الأموال والأنفس في سبيل إعلاء كلمة الله، وقد أجمع علماء أهل السُنَّة على وجوب محبتهم والترضي عنهم، ونشر فضائلهم ومحاسنهم، والاقتداء بهديهم، فهم الذين نقلوا إلينا القرآن الكريم والسُنَّة النبوية، وحملوا أمانة هذا الدين إلى من بعدهم؛ فكانوا خير القرون بشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن تمام محبتهم الإمساك عما وقع بينهم من اجتهادات وخلافات، واعتقاد أنهم مجتهدون مأجورون، مع حفظ ألسنتنا وقلوبنا من الوقوع في أحد منهم؛ ولهذا كان حب الصحابة من الإيمان، وبغضهم أو الانتقاص منهم من علامات الانحراف عن منهج أهل السُنَّة والجماعة، فنسأل الله -تعالى- أن يملأ قلوبنا بمحبتهم، وأن يحشرنا في زمرتهم، وأن يرضى عنهم أجمعين. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة – الإخلاص قضية العمر
كلمة جليلة ذكرها الإمام ابن قدامة المقدسي -عليه رحمة الله- في كتابه منهاج القاصدين، وهذا الكتاب القيم ذكر فيه ابن قدامة خلاصة ما وصل إليه في مسائل متفرقة في علوم مختلفة، وذكر في هذا الكتاب سبب هلاك كثير من الناس، حتى قال في نهاية عبارته «وهذا الذي أهلكهم فوجب معالجتة». فما هذا المرض الذي اهتم أن يلفت الأنظار إليه ابن قدامة حتى قال فيه إنه وجب معالجته؟، يقول -رحمه الله-: «اعلم أن أكثر الناس إنما هلكوا: لخوف مذمة الناس، وحب مدحهم؛ فصارت حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس؛ رجاء المدح، وخوفًا من الذم، وذلك من المهلكات فوجبت معالجته»، فمثل هذا سعى إلى مرضاة الناس ومدحهم والهروب من ذمهم؛ فأصبحت حركاته وسكناته على منظور مدح الناس وذمهم وقال: «وهذا من المهلكات التي أخبر عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، «فوجب معالجته». هل هذا يرضى الله -عز وجل؟ القضية يا إخواني عندما تريد فعل أي شيء فقط ضع أمامك: هل هذا يرضى الله -عز وجل- أم لا؟ فقط نقطة وأوقف تفكيرك على هذا، هل هذا يُسخط الله -عز وجل- أم لا؟ نقطة وأوقف تفكيرك على هذا، لأنك إذا تطالع مدح الناس وذم الناس فالناس أهواء، هذا يمدح على شيء وذاك يذم على الشيء نفسه بالظبط، فإرضاء الناس غاية لا تدرك، أما إرضاء الله -عز وجل- غاية تدرك. كيف تُدرك محبة الله -عز وجل؟ بأن أتعلم محاب الله -عز وجل- التي ذكرها في كتابه الكريم، وذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - في سنته، وأعمل بها وأجتهد عليها، ستصل إلى محاب الله -عز وجل-، فرضا الله -عز وجل- الوصول إليه سهل وليس صعبا، يبتدئ بالإسلام وأركانه، والإيمان بأركانه، والإحسان والعمل فيه وتمشي على طريق محمد - صلى الله عليه وسلم - الموصل في النهاية الى محاب الله -عز وجل-، وجعل الله -عز وجل- في النهاية الجزاء هو الجنة، قال -تعالى-: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. ذلك الله رب العالمين جاء رجل الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يا محمد إن مدحي زينٌ، وإن ذمي شينٌ» فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ذلك الله رب العالمين» يعني ليس أنت، ليس كلامك هو الذي يرفع ويخفض، قال ابن القيم تعليقا على تلك الواقعه: «فعليك بمدح من كل الخير بمدحه، واحذر من كل الشر في ذمه» وأجمل منه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من التمس رِضا اللهِ بسخَطِ الناسِ، رضِيَ اللهُ عنه، وأرْضى عنه الناسَ، ومن التَمس رضا الناسِ بسخَطِ اللهِ، سخِط اللهُ عليه، وأسخَط عليه الناسَ» فمن أراد الناس خسر الناس وخسر الله -تعالى-، ومن أراد وجه الله -تعالى- وقدم رضاه على غيره رضي عنه وأرضى عنه الناس، فهو الذي إذا مدحك ورضى عنك سخر القلوب لك، وإذا ذمك والله ما ينفعك أحد، كم من جنازة لم يعلم بها أحد أو مشى معها قليل من الناس، ولكن الله أرسل لها جموع أهل السماوات السبع ليشيعوها، وكم من جنازة رجل في هذه الدنيا مشت وراءه جموع من الناس وما مشى معه إلا ملائكة العذاب. احذر أن تكون من هؤلاء! لذا فاحذر من أن تكون أعمالك لتحصيل مرضاة الناس أو للهروب من ذمهم، لكن دع تلك الأمور كلها خلفك فهي لن تنفعك أبدًا، عليك أن تنسى هذه الأمور وضع في هدفك وبوصلتك رضا رب العالمين، وهذا هو معنى الإخلاص الذي ندرسه في كتب العقيدة والتوحيد، واعلم أن تلك القضية هي القضية الأولى في حياتك ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيَّ عن بينة، وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء. الزهد في الثناء والمدح وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين، ويضر ذمه ويشين إلا الله وحده»، واستدل بحديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا محمد أعطني فإن مدحي زين وذمي شين، قال: «ذاك الله -عز وجل»، يعني هو الذي مدحه ينفع وذمه يضر، ومع الأسف أننا نغفل عن مثل هذه الأمور ونتشبث بالدنيا ومظاهرها وأهلها، فمَن منا يستحضر حديث: «فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم؟». ذكر الله -تعالى وعلى هذا فعلى الإنسان أن يلهج بذكر الله -جل وعلا- سواء كان خاليًا، أم في ملأ يُذَكِّرُهم بهذا الذكر ويكون له مثل أجورهم، فيذكره الله -جل وعلا- في نفسه إن ذكره في نفسه، ويذكره في ملأ من الملائكة وهم خير من الملأ الذين ذكره فيهم هذا العبد. بعض الناس لو قيل له: إن فلانًا من الوجهاء أو من الأعيان أو من الوزراء أو من الأمراء ذكرك البارحة وأثنى عليك، تجده لا يكاد يَقر له قرار من الفرح! وهذا العبد مثله لا يملك له ضرًا ولا نفعًا ولا يستطيع أن ينفعه بشيء إلا وقد كتبه الله له، ولا يستطيع أن يضره بشيء إلا بشيء قد كتبه الله عليه، فينتبه المسلم لمثل هذه الأمور، ويتعاهد نيته، والنية -كما يقول أهل العلم- شرود. الاهتمام بأعمال القلوب وتبعًا لهذا ينبغي للمسلم أن يهتم بأعمال القلوب، وأن يعتني بها غاية العناية، ولا شك أن القلب عليه المدار، فإذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، كما في الحديث الصحيح: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»، فعلينا أن نُعنى ونهتم بهذا الأمر، ونسعى في إصلاح قلوبنا بما جاء عن الله وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أدوية وعلاجات لأمراض القلوب، ونستفيد ونستعين بما كتبه أهل التحقيق من أهل العلم في هذا الباب، كابن القيم وابن رجب -رحمهما الله-، وعلينا أن نتعاهد هذه القلوب، ونقطع الطرق المؤدية إلى فسادها، فالشيطان هو قاطع الطريق في هذا المجال. كيف نحقق الإخلاص لله -تعالى؟ الإخلاص شرط من شرائط قبول العمل الصالح الذي يبتغى به وجه الله، فإذا لم يكن العمل خالصًا له فإنه حينئذٍ لا يقبل، وإذا لم يكن صوابًا على سنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- فإنه لا يقبل، وعلى هذا فعلى كل مسلم أن يسعى جاهدًا في تصحيح نيته، وأن يخلص عمله لله -جل وعلا-، وألّا ينظر في عمله قبله ولا بعده ولا في أثنائه إلى المخلوق، وإنما ينظر إلى الخالق الذي كلفه بهذا العمل. ابن القيم -رحمه الله- في الفوائد يقول: «إذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص، فإن قلتَ: وما الذي يسهل علي ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟ قلتُ: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينًا أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره، ولا يؤتي العبد منها شيئًا سواه.اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة – طلب العلم من الجهاد في سبيل الله بعض الناس يرون الجهاد في سبيل الله هو موضع القتال فقط ولكن الله عز وجل جعل سعي الإنسان في طلب العلم من الجهاد في سبيله أيضا عندما نسمع كلمة «في سبيل الله» تنصرف أذهاننا إلى شيء عظيم وهو فعلا عظيم ألا وهو: (الجهاد في سبيل الله -سبحانه وتعالى-)، فالله -جل وعلا- قد فضل المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما، وأعد الله -عز وجل- لمن جاهد في سبيله الأجور الكثيرة العظيمة والفضائل الجليلة التي جعلها الله لهم في مستقر رحمته وجنته، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوحي إليه أن يبين للناس أن كلمة «في سبيل الله» أيضا لها معان واسعة لأعمال يحبها الله -عز وجل-، فلا تقتصر هذه الكلمة على صنف واحد من الأعمال وهو الجهاد في سبيل الله، ولكن أي عمل تستطيع من خلاله أن تحارب أعداء الدين، عده الشارع -سبحانه و-تعالى-- من الجهاد في سبيل الله. وإذا أردنا أن نعرف فضل الجهاد في سبيل الله فلنقرأ هذا الحديث: مرَّ رجلٌ منْ أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بشِعبٍ فيهِ عُيَيْنةٌ من ماءٍ عذبةٌ فأعجبتْهُ لطِيبها، فقال: لو اعتزلْت الناسَ فأقمتُ في هذا الشِّعبِ ولن أفعل حتى أستأذنَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فذكَر ذلكَ لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لا تفعلْ فإنَّ مقامَ أحدِكم في سبيل اللهِ أفضلُ منْ صلاتِهِ في بيتهِ سبعينَ عامًا، ألا تحبُّون أن يغفرَ اللهُ لكمْ، ويدخلُكم الجنةَ؟ اغزُوا في سبيلِ اللهِ، منْ قاتلَ في سبيلِ اللهِ فُواقَ ناقةٍ وجبتْ لهُ الجنةُ». من أفضل الأعمال عند الله -تعالى إن من أفضل الأعمال عند الله -عز وجل- الصلاة بالليل والناس نيام، وهي من أول الأعمال التي وصى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - أول ما دخل المدينة «أيُّها الناسُ أفشوا السلامَ وأطعِموا الطعامَ وصِلُوا الأرحامَ وصَلُّوا بالليلِ والناسُ نيامٌ تدخلوا الجنةَ بسلامٍ». أعمال يتهاون فيها الناس ومن الأعمال الجليلة التي يتهاون فيها بعض الناس: مقام الجلوس لطلب العلم، مثل: حضور حلقة من حلقات العلم، وتفسير كتاب الله، وسماع أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، وغيرها من العلوم الشرعية، يقول الشيخ عبدالرحمن السعدي -رحمه الله-: «مجلس علم تجلسه، خير لك من الدنيا وما فيها، وفائدة تستفيدها وتنتفع بها لا شيء يزنها ويساويها»، فضلا عن أن هذا المجلس يعد من الجهاد في سبيل الله، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من خارجٍ خرج من بيتِه في طلبِ العلمِ، إلا وَضعت له الملائكةُ أجنحتَها رضًا بما يصنعُ، حتى يَرجعَ». سعي الإنسان في طلب العلم بعض الناس يرون الجهاد في سبيل الله هو موضع القتال فقط، ولكن الله -عز وجل- جعل سعي الإنسان في طلب العلم من الجهاد في سبيله، فمجرد خاطرة أو كلمة إذا احتسبناها فهي في سبيل الله، فبهذا الوعي نحن نجاهد المشركين والمنافقين والمعرضين والمبتدعين وأصحاب الأهواء، فنرد على شبهاتهم فإذا لم نطلب العلم لا يوجد معنا سلاح، ولذلك الله -عز وجل- أول ما أوحى إلى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - (اقرأ) قال أهل العلم: تعلَّم حتى تكون متحصنا بالسلاح، وقال -تعالى-: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وقال الله -تعالى-:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِي نَ وَالْمُؤْمِنَات ِ}، فجعل العلم قبل القول والعمل وهكذا بوب هذا الباب الإمام البخاري، فمجالس العلم ولو كانت قليلة أو بسيطة لا تستهن بشيء ولو كان بسيطا. قصة واقعية أذكر أنه كان في يوم من الأيام عندنا لقاء مع الشيخ عثمان الخميس منذ سنوات عدة، وكان الموضوع عن الصلاة، وأحكامها وما إلى ذلك، فقلت لشاب أن يحضر معي اللقاء ودعوته إليه، فسأل عن الموضوع، فقلت له الموضوع عن «الصلاة» فقال نحن طلبة شريعة وما إلى ذلك واستبسط الموضوع، فقلت تعال تحفنا الملائكة ونأخذ أجر مجلس علم فرفض وقال: إنه يريد أن يتابع بعض أعماله. ومرت السنون وقدر الله أن أقابله في مسجدي بعد خطبة الجمعة وبعد الصلاة جاء سلم علي، وجلس وجاء أحد الإخوة المصلين وقال والله يا شيخ عندي سؤال في الصلاة، فقلت له أبشر عندنا هنا متخصص وهو خريج كلية الشريعة، تفضل فوالله يا إخوة سأل سؤالا بسيطا لا أذكر السؤال ولكن أذكر أنه سؤال بسيط، فقلت يجاوبك الشيخ فقال: تفضل يا شيخ أنت جاوبه فجاوبت الرجل وذهب فسألته لم لم تجاوب الرجل؟ السؤال سهل! فقال والله نسيت، فقلت له أنت تدري لماذا نسيت؟ لأنك لم تدرك أن العلم ينسى إن لم تتعهده بالمدارسة ومجالس العلم، وإلا فالمعلومة صيد تقيد بالكتابة والقراءة والمراجعة، وذكرته بالموقف السابق مع درس الشيخ عثمان الخميس عن الصلاة، فلا تحتقر المعلومة أيا ما كانت فيتحقق لك مقام طالب العلم في سبيل الله أفضل عند الله من صلاة رجل ستين عاما خاليا. فضل طلب العلم يكفي شرفًا لأهل العلم أن الله -عز وجل- استشْهَدهم على ما شَهِدَ به هو -تبارك و-تعالى--، قال -عز وجل-: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة ُ وَأُولُو الْعِلْمِ} (آل عمران: 18)، الملائكة شهدوا وأولو العلم أيضًا شهدوا ألا إله إلا الله.العلماء هم ورثة الأنبياء، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وإن العُلَماءَ ورثةُ الأنبياءِ، إن الأنبياءَ لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثوا العلمَ، فمَن أخذَهُ أخذَ بحظٍّ وافرٍ»، الأنبياء لم يتركوا لنا مالًا أو جواهرَ، أو ذهبًا أو فضة، وإنما تركوا لنا العلم، الذي عنده العلم قد أخذ أوفر الحظوظ، فلا شيء في الدنيا أشرف من العلم، لذلك أمر الله -عز وجل- نبيَّه أن يستزيدَه من العلم، قال -تعالى-: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه: 114)، قال العلماء: لو كان شيء أشرف من العلم، لأمرَ اللهُ نبيَّه أن يستزيده منه كما أمره أن يستزيده من العلم. العلم نور يهدي الله به من يشاء في هذه الدنيا، قال -تعالى-: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} (الرعد: 19)، «الناس في الدنيا صنفان، إما شخص لديه علم ونور يهتدي به، وإما أعمى لا يرى. رفع الله -عز وجل- قدر أهل العلم لا لحسبٍ ولا لجاه ولا لمال، وإنما بسبب العلم: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11)، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن سلَكَ طريقًا يلتَمِسُ فيهِ علمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ»، وسلوك الطريق المقصود به الطريق الحسي الطريق الذي يسير عليه الإنسان، الطريق الحسي الذي تقرعه الأقدام، ويسير فيه الإنسان، لكي يتعلم، ويذهب إلى مكان العلم، ومنه أيضًا الرحلة لطلب العلم، فجابر بن عبدالله - رضي الله عنه - أحد صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار سافر شهرًا كاملًا في طلب حديث واحد. أجر العلم لا ينقطع حتى بعد موت الإنسان، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ أو علمٍ ينتفعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له». يكفي في فضل العلم أنه علامة على إرادة الله -عز وجل- الخير، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا، يُفقِّهْه في الدِّينِ»، يعني كما أن الله -عز وجل- يشرح صدر الإنسان لطلب العلم ويصبره على الطلب، ويأتي ويبذل ويذاكر ويجتهد، هذا من علامة إرادة الله -عز وجل- الخير بهذا العبد، لا يمر عليه يوم في حياته إلا ويتعلم مسألة ويفهم مسألة، ويزداد علمًا، لذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقولُ إذا صلَّى الصُّبحَ حينَ يسلِّمُ: «اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ عِلمًا نافعًا، ورزقًا طيِّبًا، وعملًا متقبَّلًا»، وقوله: «من يرد الله به خيرًا، يفقهه في الدين»، هذا يدخل فيه جانبان، فقه العقائد: العقيدة التوحيد، أصول الإيمان، وفقه الأحكام والشرائع: تعلُّم الحلال والحرام، وأمور الدين، يتعلم ذلك من الكتاب والسنة. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة {فَـلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَـا}
قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}، قال العلامة السعدي -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: يقول -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ} بالبعث والجزاء على الأعمال، {حَقٌّ} أي: لا شك فيه، ولا مرية، ولا تردد، وقد دلت على ذلك الأدلة السمعية والبراهين العقلية، فإذا كان وعده حقا، فتهيئوا له، وبادروا أوقاتكم الشريفة بالأعمال الصالحة، ولا يقطعكم عن ذلك قاطع، {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} بلذاتها وشهواتها ومطالبها النفسية، فتلهيكم عما خلقتم له، {وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}. وكما أنَّ الله -عزوجل- وعد وعودًا دنيوية تحققت، فهناك أيضًا وعود أخروية ستتحقق، وهي ما جاءت به الإخبار عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله -تعالى-، ولقد وصف النبي -صلى الله عليه وسلم - الدنيا فقال: «الدُّنيا حُلوةٌ خضِرةٌ، وإنَّ اللهَ مُستخلِفَكم فيها؛ فناظرٌ كيف تعملون»، فالدنيا تأخذ القلب بزينتها وشهواتها من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا، فكل هذه النعم قد يتعلق بها الإنسان تعلقا يفوق تعلقه بالآخرة؛ لذا يقول الله -عزوجل- {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}.الحياة لا تدوم لأحد إنَّ طبيعة الحياة الدنيا أنها لا تدوم على حال، ولا تصفو لأحد تمام الصفاء، وقد ركبت على التقلب والتغير، ما بين قبض وبسط، ولقاء وفراق، وسعة وضيق، وفرح وحزن، وضحك وبكاء، وعافية وبلاء؛ لذلك قال الله -تعالى-: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}، ثم قال الله -عزوجل- {لا يغرنكم بالله الغرور} أي لايمنيك أصحاب الأماني فيصدونك عن حقيقة هذه الحياة «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون».{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} ثم قال الله -تعالى-: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (فاطر: 6)، قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: الشيطان الذي هو عدوكم في الحقيقة لتكن منكم عداوته على بال، ولا تهملوا محاربته كل وقت؛ فإنه يراكم وأنتم لا ترونه، وهو دائمًا لكم بالمرصاد.{إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، هذا غايته ومقصوده ممن تبعه، أن يهان غاية الإهانة بالعذاب الشديد، إن شئت فانظر الى السابقين من الأمم السابقة بل من أجدادنا وأهلينا أين ذهبوا؟ بل كل يوم نحن نودع من يرحلون عنا إلى أين يذهبون؟ وكثير من الناس الذين يرحلون عنا؟! لذا فالوعد حق، والموت حق، والرحيل للدار الآخرة حق، فلا ننسى ذلك الوعد، كن مغتربا؛ لذلك يعجبني حال كثير من المغتربين، تراهم يتبسطون في أمورهم؛ لأنهم يوقنون بالعودة إلى بلادهم، فكذلك نحتاج أن نكون مع الآخرة أن نوقن بعودتنا لها وأن نعمل لذلك. {ولا تنس نصيبك من الدنيا} نحن لا ندعو إلى ترك الدنيا بالكلية فليس هذا أمر الله ، قال -سبحانه-: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}، قال الشيخ السعدي -رحمه الله- : أي قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغ بها ما عند اللّه، وتصدق ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات، وتحصيل اللذات، {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}، أي: لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعًا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعًا لا يثلم دينك، ولا يضر بآخرتك، {وَأَحْسَنُ} إلى عباد اللّه {كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} بهذه الأموال.كن في الدنيا كأنك غريب عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أخذ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بمنكِبي، فقال: «كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو كعابرِ سبيلٍ»، وكان ابنُ عمرَ - رضي الله عنه - يقولُ: إذا أصبحتَ فلا تنتظِرِ المساءَ، وإذا أمسيْتَ فلا تنتظِرِ الصَّباحَ، وخُذْ من صِحَّتِك لمرضِك، وفي حياتِك لموتِك.وكان عبدالله ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول: «اللَّهُمّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لاَ يَرْتَدُّ، وَنَعِيمًا لاَ يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم - فِي أَعْلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ»، هذا الدعاء من الأدعية. العظيمة؛ لاشتماله على أعظم المقاصد، وأرجى المطالب، وأعلى الأماني في الدنيا والآخرة، في مرافقة سيد الأولين والآخرين في أعلى جنات النعيم، ولا شك أن هذا أعظم وأعلى المنازل؛ ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - يلازم هذا الدعاء في خير الأعمال، وأفضلها، ألا وهي الصلاة، فقد كان -صلى الله عليه وسلم - يقول: «قد صليت منذ كذا وكذا، ما صليت فريضة ولا تطوعًا إلا دعوت اللَّه به في دبر كل صلاة»، ويقول -صلى الله عليه وسلم -: «إنه من دعائي الذي لا أكاد أن أدع»، أي هذا الدعاء، وهذا يدل على كمال همّته، وشدّة حرصه لمطلوبه، وسبب هذا الدعاء، أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد وهو مع أبي بكر وعمر، وإذا ابن مسعود يصلي، وإذا هو يقرأ (النساء)، فانتهى إلى رأس المائة، فجعل ابن مسعود يدعو وهو قائم يصلي، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم - «اسأل تعطه، اسأل تعطه». حقيقة الحياة الدنيا قال الله -تعالى-: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (الأنعام: 32)، قال ابن كثير: «أي إنما غالبها كذلك»، وقال -تعالى-: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (العنكبوت: 64)، قال ابن كثير: «يقول -تعالى- مخبراً عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام لها، وغاية ما فيها لهو ولعب {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} أي الحياة الدائمة الحق التي لا زوال لها ولا انقضاء بل هي مستمرة أبد الآباد»، وقال -تعالى-: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} (الرعد: 26)، وقال -تعالى-: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (طه:131)، قال ابن كثير: «يقول -تعالى- لنبيه محمد -[-: لا تنظر إلى ما هؤلاء المترفون وأشباههم ونظراؤهم فيه من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة لنختبرهم بذلك وقليل من عبادي الشكور، وقال مجاهد (أزواجاً منهم) يعني الأغنياء، فقد آتاك خيراً مما آتاهم، وعن جابر - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرّ بالسوق داخلاً من بعض العالية والناس كنفته فمرَّ بجدي أسكَّ ميِّتٍ، فتناوله بأذنه ثم قال: «أيّكم يحب أن هذا له بدرهم؟»، فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: «أتحبون أنه لكم؟»، قالوا: والله لو كان حيَّاً لكان عيباً فيه، لأنه أسكَّ، فكيف وهو ميِّتٍ؟! فقال: «والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم».اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة .. فضل ذكر الله -عزوجل-
إخواني، لو قيل لأحد من الناس: هل يعجبك أن يذكر اسمك عند علية القوم وأكابر الناس؟ بالتأكيد كلنا يحب ذلك، لكن هناك أمر أعظم في نفوس المؤمنين، فعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ مما تذكرون من جلالِ الله: التَّسبيحَ والتهليلَ والتحميدَ، ينعطِفْنَ حولَ العرشِ، لهن دويٍّ كدويِّ النحلِ، تُذَكِّرُ بصاحبها، أما يحبُّ أحدُكم أن يكونَ له -أو لا يزالُ له- من يُذكِّرُ به». في هذا الحديث يخبر النعمان بن بشير -رضي الله عنهما-، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن مما تذكرون من جلال الله»، أي: تعظيمه «التسبيح»، وهو قول: «سبحان الله»، وما شابه ذلك، «والتهليل» وهو قول: «لا إله إلا الله»، «والتحميد» وهو قول: «الحمد لله»، «ينعطفن حول العرش»، أي: هؤلاء الكلمات والجمل الأربع يمِلن ويدرن حوله، والمراد طوافهن حول العرش، «ولهن دويّ كدويّ النحل»، أي: صوت يشبه صوت النحل؛ من كثرة تكرار هذه الكلمات وترديدها، «تذكر بصاحبها»، أي: تذكر أن قائلها فلان، في المقام الأعلى، وفي هذا أعظم حض على الذكر بهذه الألفاظ، «أما يحب أحدكم أن يكون له - أو لا يزال له - من يذكر به»، أي: عند الله وحول عرشه.وهذا من الحث على الإكثار من هذا الذكر؛ فالتسبيح: تنزيه لله عن كل ما لا يليق به، والتحميد: إثبات لأنواع الكمال لله في أسمائه وصفاته وأفعاله، والتهليل: إخلاص وتوحيد لله وبراءة من الشرك، والتكبير: إثبات لعظمة الله، وأنه لا شيء أكبر منه؛ فاشتملت هذه الجمل على جملة أنواع الذكر من التنزيه والتحميد والتوحيد والتمجيد، ودلالتها على جميع المطالب الإلهية إجمالًا. ولهذه الكلمات فضائل عظيمة أخرى، ومن ذلك: أنهن مكفرات للذنوب، وأنهن غرس الجنة تُغرس لقائلها. قال -تعالى-: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} (البقرة:152) قال ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: «فاذكروني أذكركم»، إن الله ذاكرُ من ذكره، وزَائدُ من شكره، ومعذِّبُ من كفَره، وقال السدّي: « اذكروني أذكركم» قال: ليس من عبد يَذكر الله إلا ذكره الله. وسئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: كيف يكون ذكر الله للعبد؟ فقال: يثني عليه -سبحانه وتعالى-في الملأ الأعلى، «من ذكرني في ملأٍ ذكرتهُ في ملأٍ خير منهم» فالله - جلّ وعلا- يذكر من ذكرهُ في عبادتهِ؛ لأن ذكر الله يكون في الثناء على الله وبالتسبيحِ والتهليلِ والتكبيرِ وغير ذلك، ويكون أيضاً بسائر الطاعات من صلاةٍ وصيامٍ وغير ذلك من العبادات؛ فهي ذكرٌ لله -سبحانه وتعالى -فمن ذكر الله ذكرهُ الله؛ لأن الجزاء من جنس العمل {هَل جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة .. من مظاهر الشرك القولية: الحلف بغير الله
أُمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بدعوة الناس إلى توحيد الله -عزوجل-، وبإنكار الكفر والشرك وسائر أنواع الانحراف اعتقادًا وقولًا وعملًا؛ إذ التوحيد أصل الدين وميزان القبول، وبه تستقيم العقائد والسلوكيات، ومن المنكرات القولية التي حاربها -صلى الله عليه وسلم -، وكانت شائعة في زمنه ومتجددة عبر العصور، الحلف بغير الله، وهو مظهر من مظاهر الخلل في باب التعظيم، يتجدد حيثما غاب بيان التوحيد وتصحيح المعتقد. جاء في السنة النبوية إنكار هذا المسلك إنكارًا شديدًا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، وقد بيّن أهل العلم معنى هذا الحديث، وقرروا أن الحلف بغير الله لا يخرج عن حالين:- إما أن يكون كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وذلك إذا عظّم الحالفُ المحلوفَ به تعظيمًا يساوي أو يفوق تعظيم الله -عز وجل والعياذ بالله - معتقدًا فيه ما لا يكون إلا لله. - وإما أن يكون شركًا أصغر لا يخرج من الملة، لكنه من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر؛ لما فيه من صرف نوع من التعظيم لغير الله، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن باز، والإمام الألباني -رحمهم الله تعالى- في شروحهم لهذه النصوص. ولذلك شدد النبي - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن هذا الباب، فكان -صلى الله عليه وسلم - مأمورًا من ربه أن يصحح هذا المعتقد، وأن يقرر في النفوس أنه لا يجوز تعظيم أحد - كائنًا من كان - تعظيمًا يضاهي تعظيم الله -عز وجل-؛ لأن هذا المسلك خطر على أصل الإيمان، وقد يكون سببًا في خروج العبد من دائرة الإسلام. وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر، رأينا من انتصارات دعوة التوحيد بفضل الله -عزوجل- ما يُثلج الصدر، فقد كان شائعًا في فترات سابقة في مجتمعنا ألفاظ من صيغ الحلف بغير الله؛ حيث كان الناس يؤكدون صدق كلامهم بهذه الألفاظ دون استشعار لخطورتها العقدية، حتى قيّض الله -عزوجل- دعاةً للتوحيد، حملوا لواء السلفية الصافية، وتعلموا العقيدة الصحيحة، ووقفوا على خطورة هذه الظاهرة؛ لما فيها من تعظيم المخلوق بما لا يليق إلا بالخالق. فانتشر دعاة التوحيد في المساجد، والمنابر، والدروس، والخطب، والدواوين، والبيوت، وربّوا أبناءهم على العقيدة الصحيحة، فصار هؤلاء الأبناء دعاةً في مدارسهم وكلياتهم ومجتمعاتهم، يقومون بواجب البيان والإنكار، حتى أخذت هذه الظاهرة في التلاشي شيئًا فشيئًا - ولله الحمد - ولم يبق منها إلا ما يَرِد أحيانًا من خارج المجتمع، فيُنبَّه عليه ويُصحَّح في حينه، بل بلغ الأمر أن صار عامة الناس يُنكر بعضهم على بعض، ويصححون هذه الأخطاء العقدية فيما بينهم، وهي مرحلة مباركة لم تأتِ من فراغ، وإنما كانت ثمرة جهد دؤوب لدعاة مخلصين، حملوا همَّ تصحيح عقيدة المسلمين، اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومن هنا، فإن قضايا التوحيد والعقيدة ليست قضايا ثانوية أو هامشية، بل هي من أعظم أبواب الدعوة، وأولى ما تُبذل فيه الجهود، وتُفنى فيه الأعمار، وقد أحسنت وزارة الأوقاف الكويتية - جزاهم الله خيرًا - حين ركزت في خطبها الأخيرة على تعظيم مقام التوحيد، وبيان مكانته عند الله -عزوجل-، فهذا الباب لا يضيّق الدعوة، بل هو الذي تتسع به الدعوات، وتُبارك به الجهود، ويُحفظ به دين الناس وعقائدهم. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |