|
|||||||
| الملتقى العلمي والثقافي قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
الشرق والغرب منطلقات العلاقات ومحدداتها أ. د. علي بن إبراهيم النملة المسلمات تنطلق المسلمات الآتية من خلال عدد من النقاط التي يمكن أن ينظر إليها على أنها كذلك، أو على أقل تقدير ينبغي أن ينظر إليها على أنها الأرضية التي تمهد لهذه المسلمات، على ألا ينظر إليها على أنها موجهات بقدر ما هي تحديد للهوية التي تنطلق منها،ويمكن النظر إلى هذه المسلمات من خلال الآتي: أولًا: أن الحديث عن الإسلام وعلاقته بالثقافات الأخرى السابقة والقائمة واللاحقة حديث طويل ومتفرع، ويخضع للرأي في كثير من الأحوال، إلا أن ضابطه دائمًا، من وجهة نظرنا نحن المسلمين، مبدأ الولاء والبراء من جهة[1]، والتعامل المطلوب والتفاعل المتوقع القائم على السماحة والحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن، دون الذل والتهاون من جهة ثانية. ثانيًا: لم تعد كلمة الغرب توحي بالجهة المقابلة للشرق، ولكنها أضحت مدلولًا اصطلاحيًّا يعني ثقافةً غربية، بغض النظر عن الجهة،وأمست هذه الثقافة الغربية تفضي إلى مناقضة الإسلام، مما يدعو إلى اتخاذ موقف من هذه الثقافة،ومما يدعو أيضًا إلى تصحيح هذا المفهوم القائم على التناقض. ثالثًا: أن الموقف المتخذ تجاه الغرب قد يكون على أنواع ثلاثة: فالنوع الأول: هو الذي يلفظ الغربَ، بكل ما توحيه الكلمة من ثقافة مستعلية، بل وأعراق تزعم الفوقية، إلى درجة القول: إن الغربيين أنصاف آلهة، وغيرهم من الملونين أنصاف بشر! والنوع الثاني: هو ذلك الموقف الذي يتقرب إلى الغرب، ويحاول تطويع الإسلام له، لا تطويعَه للإسلام، ويعتذر للغرب إذا كان في الإسلام ما لا يتفق مع الثقافة الغربية. والنوع الثالث: هو ذلك الموقف الذي يرى أن الغرب ساحةٌ مفتوحة، متعطشة إلى الاستقرار الروحي والذهني والاجتماعي، وأن الفرصة مؤاتية لتقديم هذا الاستقرار بأنواعه من خلال الإسلام. رابعًا: أن الغرب ينظر إلى الإسلام على أنه القوة الكامنة، أو العدو القادم، أو الخطر القائم[2]،وهو على ما يبدو يخشى هذه القوة القادمة؛ لِما يعتقد من أنها ستؤثر مباشرة في معطيات الحضارة الغربية، وسترجع الشعوب والحضارات إلى الوراء، وما يتبع ذلك من خسران للتجربة الديمقراطية الغربية في المنزل والمكتب والمدينة والمقاطعة والولاية والدولة. خامسًا: أن الغرب بعلاقته بالشرق، وهو الإسلام هنا، يقوم على فكرة استشراقية قديمة تتجدد، بُنِيت على تشويه الإسلام، ذلك التشويه الذي أججته مواقف المسلمين من الحروب الصليبية، وعدم سماحهم للحملات بالنجاح على حساب المسلمين. سادسًا: أن الغرب بعلاقته بالشرق، وهم المسلمون هنا، يقوم أيضًا على فكرة التنصير، وأن الشرق ينبغي أن يكون غربًا في المفهوم الديني كذلك، وأنه في سبيل إنقاذ الشرق من أي شر لا بد أن يتحول الشرق إلى عالم نصراني. سابعًا: أن الغرب بعلاقته بالشرق، وهي البلاد الإسلامية هنا، يقوم كذلك على خلفية احتلالية "استعمارية"، كانت في يوم من الأيام هي المسيطرة على الشرق، حينما كان الشرق نائمًا لا يملك قدرات بشرية تفكر وتقود وتعمل. ثامنًا: أن الغرب بعلاقته بالشرق، وهي البلاد الأخرى هنا، يقوم أيضًا على نظرة عرقية، مُفادها تفوُّق الأعراق الأوروبية من آرية وغيرها على الأعراق الأخرى، بل والأجناس الأخرى؛ كالسامية، فيما يتعلق بالعرب من المسلمين،وهذه النظرة وما قبلها أَمْلَتْ على الغرب الشعور بالفوقية والسمو على الأجناس الأخرى. تاسعًا: أن الشرق الآن، والعالم الإسلامي منه بخاصة، يعيش حالةً من النهوض نسميها بالصحوة، أو بالعودة إلى الدين، مما يجعل نوع العلاقة مع الغرب يأخذ شكلًا آخر هو أقرب إلى الأشكال التي قامت عليها العلاقة قبل الحملات الصليبية التسع، وأثناءها، وبعدها قليلًا. عاشرًا: أننا لا نزال حقيقةً في حوار ذاتي داخلي حول العلاقة مع الغرب، من منطلق الأنواع الثلاثة التي ذكرت من قبل في "ثالثًا"،ويعتمد الأمر عندنا على فهم الشرق وفهم الغرب في آنٍ واحد، مما يوحي بالتخصصية هنا. من هذه النقاط العشر السابقة ينطلق النقاش حول المحددات، في معالجة العلاقة بين الشرق والغرب من وجهة نظر فريدة سوف تسعى إلى أن تقف عند كل فقرة من الفقرات أو النقاط أو المحددات، وتناقشها مناقشة تعبر عن ذاتية المناقش المبنية على قاعدة علمية موضوعية، مما يجعلها نفسها قابلة للنقاش، ومن باب أَوْلى قابلة للأخذ والرد. [1] الولاء والبراء مفهوم شرعي، ذو صلةٍ بعقيدة المسلم في علاقته مع الغير،وهناك جدلٌ قائمٌ حول معناه ومبناه،كما أن هناك تفسيرات قد يظهر عليها التشدد، وأخرى قد يظهر عليها التسامح في التعامل مع الآخر، لا سيما مع أولئك الذين هم ليسوا في حالة حرب مع المسلمين،وهذا ما يأخذ به هذا الكتاب،انظر: محمد بن سعيد بن سالم القحطاني،الولاء والبراء في الإسلام من مفاهيم عقيدة السلف - الرياض: دار طيبة، 1405هـ/ 1985م - ص 476، [2] انظر: فنسان جيسير،الإسلاموفوبيا/ ترجمة محمد صالح ناجي الغامدي وقسم السيد آدم بله - الرياض: المجلة العربية، 1430هـ/ 2009م - ص192.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
الشرق والغرب منطلقات العلاقات ومحدداتها أ. د. علي بن إبراهيم النملة منطلقات العلاقات ومحدداتها (الجغرافيا) انطلق الاهتمام بالبعد الجهوي الجغرافي منذ القدم، حيث العلاقات بين الفرس والروم من جهة، والعلاقات بين الهنود والروم من جهة أخرى،وهي وإن لم تكن علاقات ظاهرة وقوية إلا أنها تعد الانطلاقة التي روعيت فيها الجهوية بين الشرق والغرب، وكتب يوهان فلفجانج جوته (1749 - 1832) ديوان الشرق والغرب، وكتب فريدريش عن لغة الهند وحكمتها[1]،ثم زاد المفهوم الجهوي بوضوح أكثر في القرون الأولى لظهور الإسلام، عندما بدأ الاهتمام بصياغة علاقة جهوية بين الشرق والغرب، وكتب نورمان دانييل كتابًا أعطاه هذا العنوان: الإسلام والغرب[2]. ولقد كُتِب الكثير عن الشرق والغرب من كتب ومقالات ومحاضرات،ولا يزال الموضوع يزداد حيوية بازدياد الحوار بين الشرق والغرب، أو بين المسلمين والغرب على وجه التحديد، مهما أخذ الحوار من أشكال كان من آخرها ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية (نيويورك وواشنطن)، في الثلث الأخير من السنة الميلادية 2001م، (الثلاثاء 11/ 9/ 2001م)، الموافق 22/ 6/ 1422هـ. وسعيًا إلى استبعاد البعد الجغرافي في هذا النقاش، نجد أنه يعيش الآن في الغرب ما يزيد على سبعة وخمسين مليونًا وستمائة وخمسين ألف (57،650،000) مسلم ومسلمة، لهم أماكنهم التي يؤدون فيها عباداتهم، وأوجه نشاطهم الأخرى، ومنها آلاف المساجد التي تقدر في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها بأكثر من ستة آلاف (6000) مسجد[3]، وفي فرنسا حوالي ثلاثة آلاف وخمسمائة (3،500) مسجد، منها مائة وعشرة (110) مساجد في باريس الكبرى، هذا عدا عن المدارس الرسمية والخاصة، والمقابر والمجازر والمحلات التجارية والنوادي والمكتبات. واعترفت بعض الدول الغربية بالدين الإسلامي، وكونِه في دول أخرى يكون الدين الثاني في الدولة؛ كما في بلجيكا،ودخل المسلمون المعترك السياسي في الحكومات المحلية والمجالس البلدية؛ كما في فرنسا وبريطانيا، مما يوحي ذلك كله أن هناك تأثيرًا للمسلمين في الغرب يفوق حادثة عارضة حسبت على المسلمين، مهما كانت آثارها السلبية التي خلفتها،وهذا يدل على مزيد من التنامي للإسلام في الغرب. وفي ضوء هذا التنامي المستمر للإسلام بفعل التأثير الطيب والحكمة والممارسة الجادة للإسلام من قبل أهله وترسيخ مفهوم القدوة في السلوكيات، ينتشر الإسلام في الغرب، كما انتشر من قبل في الشرق، وفي جنوب العالم القديم. ومما يطرح الآن في الإعلام أن حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2001م، قد كان لها أثرها السلبي على انتشار الإسلام في الغرب،وهذا هو التوجه السائد عند طرح هذا الموضوع، والتوجه غير السائد هو أن الحادثة مهما كانت قوتها ومهما كان وقعها ومهما ألصقت بالمسلمين، إلا أنه لا ينتظر لها أن تؤثر سلبًا. ومما ذكر في هذا المجال ما ذهب إليه الأستاذ الدكتور جعفر شيخ إدريس، وكان يؤدي عملًا علميًّا في الولايات المتحدة الأمريكية، في خطبة له في المركز الإسلامي بواشنطن العاصمة؛ إذ ألقى في أحد أيام الجمعة خطبةً مؤداها ومنطلقها قوله تبارك وتعالى في حديث الإفك: ﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [النور: 11]،وليس هذا تقليلًا من آثار ما حدث، ولكنه حدث على أي الأحوال، ولا تزال ظروفه التي حدث بها موضع غموض وجدل وحوار[4]. ويظهر أن هذا الغموض والجدل والحوار سيدوم طويلًا، وسينتج عنه تعضيدٌ لحركة الاستشراق السياسي، التي مر عليها حين من الدهر كانت فيه راكدة، فجاءت الأحداث لتعيد لهذه الظاهرة شيئًا من حيويتها وبريقها الذي كانت عليه، بما في ذلك تركيزها على الظاهرات الاجتماعية، واتخاذ الأنثروبولوجيا مرتعًا خصبًا لها[5]، بدلًا من الاهتمام بشؤون الإسلام الأخرى التي سبقت تغطيتها من قِبل المستشرقين الأوائل، الذين لم يكونوا جميعًا بالضرورة إيجابيين مع القضايا الإسلامية[6]، وستثري المكتبة العالمية، ومنها العربية والإسلامية، بالمزيد من الكتب والدراسات والبحوث التي ستتحدث عن الإسلام والمسلمين، وبيان الموقف الإسلامي من الأحداث القائمة التي تلت حادث يوم الثلاثاء 22/ 6/ 1422هـ الموافق 11/ 9/ 2009م، وبيان الموقف الإسلامي المؤصل من العنف والتخريب، والتخويف والإرهاب. وسيكون هناك طرح من المدرسة اليهودية/ الصهيونية في الاستشراق في محاولة لبيان أن هذا هو الإسلام، وستكون هناك ردود فعل من المتلقين من غير اليهود، وربما من بعض اليهود الذين سبروا اليهودية/ الصهيونية، وقد تعرفوا على موقفهم من العرب والمسلمين. [1] انظر: إدوارد سعيد،الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق/ ترجمة محمد عناني - القاهرة: رؤية، 2006م - ص 76. [2]لا بد من التفكير في وضع قائمة وراقية (ببليوجرافية) تحليلية حول ما كتب عن موضوع الشرق والغرب، عن طريق مراكز البحث العلمية؛ إذ إن مثل هذا الجهد العلمي يحتاج إلى عمل مؤسسي، ولا يتصور أن يضطلع به شخص بعينه، حتى مع هذا التطور الهائل في تقانة المعلومات ونقلها إلكترونيًّا. [3] انظر: نشرة أصفار،أوسع دراسة عن الوجود الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية: صيرورة المستقبل من "أمة الإسلام" إلى مرحلة "الإخوان المسلمين" إلى عصر المؤسسات والجامعات - أصفار - ع 68 (تموز 2004م) - ص 5. [4]انظر على سبيل المثال: تيري ميسان،11 أيلول 2001: الخديعة المرعبة/ ترجمة سوزان قازان ومايا سلمان - دمشق: دار كنعان، 2002م - ص218،وانظر كذلك التقرير الرسمي عن هذا الحدث الذي صدر عن الكونجرس الأمريكي لسنة 2004م في 600 صفحة. [5]أعدت مجلة الاجتهاد، التي تصدر من بيروت، ويرأس تحريرها كلٌّ من الأستاذ الدكتور الفضل شلق والأستاذ الدكتور رضوان السيد: ملفًّا موسعًا عن الاستشراق والأنثروبولوجيا، غطى خمسة أعداد 47 و48 و49 و50 و51 للسنتين صيف وخريف 1421 إلى ربيع وصيف 1422هـ، الموافق 2000 - 2001م،والمؤلم علميًّا وفكريًّا أن تتوقف هذه المطبوعة عن الصدور. [6] انظر: علي بن إبراهيم الحمد النملة،ظاهرة الاستشراق: دراسة في المفهوم والارتباطات - الرياض: مكتبة التوبة، 1424هـ/ 2003م - ص 210.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
الشرق والغرب منطلقات العلاقات ومحدداتها أ. د. علي بن إبراهيم النملة المحدد الأول – الجهوية (1) الالتقاء جرى التوكيد في القسم الأول من هذه المقالات عند مناقشة منطلقات العلاقة بين الشرق والغرب على إغفال الجغرافيا أو الجهة؛ ذلك أن نعت الطرفين بصورة قابلة للمقارنة يؤيد هذا الإغفال، وهما طرفان في ظاهرهما غير متقابلين، فالغرب، جهة، والشرق في هذا الاستخدام الاصطلاحي يمثل دينًا لا يعترف بالجهات من حيث التأثير،ولعل من أسباب التوكيد على استخدام كلمة الإسلام في مقابل الغرب الإيعاز الفعلي بأن الغرب ثقافة، وبالتالي الابتعاد عن المقابل الجغرافي، وهو الشرق،والحديث لا ينصب على الغرب في مقابل الشرق، بل على الإسلام الدين في مقابل الغرب الثقافة والتوَجُّه. والابتعاد عن الشرق الجهة والثقافة الشرقية مقصود أيضًا بالتوكيد على الإسلام؛ لأن مدار الحديث هو المقابلة بين الإسلام؛ لكونه اليوم متركزًا أكثر في الشرق بالنسبة للغرب، ولكون الشرق أيضًا مليئًا بالثقافات والملل والنحل الأخرى غير الإسلام. ويؤيد هذا التوزيع زعم بعض مفكري الغرب، وهو الشاعر روديارد كيبلنج (1865 - 1936م)، بمقولته المشهورة: إن الشرق شرق، والغرب غرب، ولا يلتقيان،وهو يعني بهذا أنهما سيظلان مختلفين، فسيظل الشرق شرقًا بمعطياته الثقافية والحضارية والآثارية والتراثية، وسيظل الغرب غربًا بمعطياته الثقافية والحضارية والتقانة والنظام[1]. ويزعم هذا الادعاء أن الشرق قد أدى دوره في الحياة، ثم تنازل للغرب الذي يقود اليوم مسيرة الحضارة،وبقي الشرق على ما هو عليه في ماضيه وتاريخه مجالًا للدراسة والسياحة، والهروب من الغرب ومادياته في رحلات استجمام، وتعرف على التراث، واطلاع على الآثار، ثم يعود الغرب ليواصل البناء بعد أن قضى مدة من الراحة والاستجمام. ثم ينهل الشرق من الغرب عندما يهاجر الشرقيون هجراتٍ دائمةً أو موقتة إلى الغرب، فينصهرون فيه ويتمثلون معطياته متنازلين عن ماضيهم وعراقتهم، إلا في مجالات العروض في مناسبات شعبية يكون فيها لباسٌ شعبي أو أكلات أو رقصات شعبية وغناء شعبي، وكأن الشرق لم يكن يجيد سوى هذه المظاهر التي لا تعبر عنه، وإن كانت قد أضحت جزءًا من تراثه،وهذا التوجه هو جزء من حملة التغريب[2] التي هي محدد آتٍ من هذه المحددات[3]. ثم يأتي التوكيد على عدم الخوض في الشرق في مقابل الغرب؛ ذلك أن الحديث عن الشرق/ الإسلام والغرب أثبت النزوع إلى المقارنة دون النظر إلى الجهة، فالإسلام اليوم قد سرى في الغرب، وأمسى هناك في الغرب مسلمون كثيرون في عددهم، مهمون في تأثيرهم، فانتشرت المساجد والمراكز الإسلامية والمدارس والمؤسسات الأخرى التجارية والثقافية. ولا تزال المساجد تقام في عواصم الغرب ومدنه الأخرى على شكل قوي، مدعوم من بعض الدول الإسلامية بحكم المسؤولية، ومن بعض الدول الغربية بحكم القانون، ومن الجاليات بحكم الحاجة، ولا يزال المغتربون المسلمون في الغرب يحرصون على إقامة مؤسساتهم الدينية والعلمية بدعم من المسلمين في الشرق، ومن دون دعم منهم كذلك في حالات لا يستهان بها. ثم قامت المؤسسات السياسية للجاليات المسلمة المغتربة، وخاضت غمار التأثير السياسي من خلال قيام مفهوم الدهلزة العربية والإسلامية[4]، وأضحى هناك نوابٌ مسلمون، وعمد مسلمون للمدن الصغيرة والكبيرة، وافتتحت بعض البرلمانات دوراتها بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، وحصلت حالات اعتذار من جهات تجارية أو ثقافية عند حدوث إهانة ضد الإسلام والمسلمين، في دعاية أو إعلان أو منتج ثقافي، وذلك بفضل تأثير الدهلزة العربية الإسلامية. ولم تلاقِ هذه الأساليب ترحيبًا من بعض المسلمين أنفسهم، في البدء لأسباب مختلفة[5]،وعندما ظهر تأثيرها الإيجابي بدأ الاعتراف بها على استحياء،وهي على أي حال تسير الآن سيرًا حسنًا، تؤيدها وتدعمها في تلك الجهود بعض البعثات الدبلوماسية العربية والإسلامية في البلاد الغربية التي لا يخفى تأثيرها كلما وفقت إلى رجال واعين مدركين، يتمتعون بمصداقية وبثقة عالية بمبادئهم ومُثُلهم وسلوكياتهم. والحق أن البعثات الدبلوماسية قد سبقت مفهوم الدهلزة المنظمة، باتباع هذا الأسلوب من قبل، فكأنها هي التي مهدت الطريق إلى القبول، ولا يلتفت إلى تلك الممارسات غير المسؤولة من بعض رجال البعثات الذين أرادوا التنصل من هويتهم والالتصاق بالغرب، أولئك التغريبيون الذين لم ينالوا الاحترام والتقدير من الأوساط السياسية والثقافية والاجتماعية في الغرب؛ لأنهم أخلوا بمهماتهم التي جاؤوا من أجلها. ودخول المسلمين في الوسط الغربي إنما هو امتداد لانتشار الإسلام في العالم،وإبراز المسلمين الإسلام إبرازًا موضوعيًّا إنما هو شكل من أشكال الدعوة، يسهم في التقليص من المحددات السلبية في العلاقة بين الشرق والغرب، ويبرز الإسلام للغرب بالصورة التي لم يعتد الغرب عليها، مما كان سببًا في نفوره من الإسلام، الذي صوره له الآخرون بصور بشعة غير حضارية متخلفة، إلى آخر هذه الأوصاف التي لا يراها الغربيون في المسلمين المقيمين بينهم، بل إنهم يرون أن الإسلام أضحى خطرًا يهدد العلمانية والديموقراطية، مما أظهر مصطلحًا جديدًا متداولًا في الإعلام الغربي اليوم هو "الخوف من الإسلام"[6]. وقد أثبت الإسلام، في الزمان الماضي وفي الوقت الحاضر، بطلان نظرية الشاعر روديارد كيبلنج في أن الشرق شرق والغرب غرب، فأمكن للمسلمين أن يعيشوا في الغرب ويتعايشوا مع أهله، مع احتفاظهم الكامل بهويتهم وتأثيرهم إيجابًا على أهل الغرب، الأمر الذي فرض احترام الغربيين للمسلمين، ومراعاة مشاعرهم في المناسبات الدينية؛ كالصلاة والصيام والعيدين والزواج ونحوها،ولا اعتبار لبعض الحركات التي اتسمت بالتضايق من الوجود الإسلامي بالغرب[7]. يثبت هذا موضوعيًّا أن الغرب ليس كله متحاملًا على الإسلام والمسلمين، وأن الخير باقٍ في الناس، حتى لو قام بينهم اختلاف في المنطلقات، هذا مع عدم إغفال النصوص الشرعية الصريحة "المحكمة" التي تؤكد على عدم الاتفاق مع الخلفية الثقافية الغربية، القائمة على مرتكزات نصرانية ويهودية؛ من مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [البقرة: 120]، وقوله تعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [المائدة: 82]. ولا تأتي هذه المناقشات لتتجاهل، في سبيل التقريب بين الشرق والغرب، هذه الآيات ومدلولاتها، بل إنها تحذر من ذلك، حتى لو كان الزمان زمانَ معايشة وتطبيع وحوار، إلا أن هذا كله لا يأتي على حساب ما نؤمن به ونعتقده جازمين من استمرار هذه المواقف المبدئية من اليهود والنصارى على تباينٍ في درجات الاختلاف. من هنا، ومن واقع هذا التأثير الإيجابي داخل الغرب نفسه، ندرك حكمةً من حكَم الله تعالى في إغفال الجهوية لهذا الدين، وبالتالي تستمر مسؤولية المسلمين في كل مكان من هذا الكون في نشر الإسلام لمصلحة الكون، بصورته الناصعة البعيدة عن التحزبات التي يحكمها الهوى، وتتنازعها الميول الحزبية التي ربما غلَّبت البُعد السياسي على الأبعاد الأخرى لهذا الدين،ويتم نشر الإسلام بالوسائل المناسبة والمقبولة والمؤثرة، وقبل ذلك تمثُّل المسلمين إسلامهم في أنفسهم وفي مجتمعهم، وذلك ليبدؤوا بالوسيلة التي أثبتت جدارتها وجدواها عندما يكونون قدوة للآخرين في سلوكياتهم وتعاملهم فيما بينهم ومع غيرهم. [1] انظر: إدوارد سعيد،الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق - مرجع سابق - ص،103، 349، 351، 353. [2] انظر: محمد محمد حسين، الإسلام والحضارة الغربية - ط 5 - بيروت: مؤسسة الرسالة، 1402هـ/ 1982م - ص278،حيث يركز الكتاب على التغريب. [3] انظر: محمد عبدالحليم مرسي،التغريب في التعليم في العالم الإسلامي - الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1409هـ/ 1988م - ص 92 - (سلسلة من ينابيع الثقافة: 19). [4] يعبر عنها بكلمة "Lobbying"،أو جماعات الضغط والتأثير. [5] هناك فئة من المسلمين المقيمين في الغرب ترفض التعايش معه، وترى أنه سبب المصائب التي حلت ببلاد المسلمين، ومن ثم هجرة هذه الفئة، فتحجم عن المشاركات الاجتماعية والسياسية. [6] انظر: فنسان جيسير،الإسلاموفوبيا - مرجع سابق - ص192. [7] انظر: علي بن إبراهيم النملة،مجالات التأثر والتأثير بين الثقافات: المثاقفة بين شرق وغرب - الرياض: المؤلف، 1431هـ/ 2010م - ص 179.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
الشرق والغرب منطلقات العلاقات ومحدداتها أ. د. علي بن إبراهيم النملة المحدد الثاني الإرهاب (1) المصطلح من محددات العلاقة بين الشرق والغرب هذه الظاهرة العالمية التي تعارف الناس عليها واختاروا لها مصطلح "الإرهاب"، المقابل السريع للمصطلح الأجنبي Terrorism، الذي كان الأولى أن ينظر إليه على أنه أقرب إلى العنف منه إلى الإرهاب،ويمكن الادعاء أن الذين تصدوا للمصطلح الأجنبي وأعطوه المقابل العربي "الإرهاب" لم يكونوا دقيقين في الترجمة، لا سيما وأن إشاعة هذا المصطلح العربي قامت على أكتاف الإعلام، الذي روج لهذا المصطلح من دون النظر إلى الدقة في النقل عن المقابل الأجنبي[1]. ولم يتفق دوليًّا على تعريف الإرهاب، رغم محاولات البعض الوصول إلى صيغة مشتركة تجمع شتات الأفكار التي تتضمنها التعريفات الكثيرة، التي فاقت المائة وعشرة (110) تعريفات، بحيث قيل: إن وصف ظاهرة الإرهاب أسهل من تعريفها[2]. وهذا الاعتراض نابعٌ من أن المفهوم الإسلامي للإرهاب يختلف تمامًا، في المؤدى، عن المفهوم الشائع الآن؛ ذلك أن المسلمين مطالَبون بإعداد ما استطاعوا من قوة وعتاد ليرهبوا به عدو الله وعدوهم: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ [الأنفال: 60]، والمعلوم لدى علماء الأمة المعتبرين أنه ليس المقصود هنا أن هذا الدين يدعو إلى الإرهاب بهذا المفهوم المتداول إعلاميًّا؛ ذلك أن الإسلام لا يقر هذا الإرهاب بحال من الأحوال،وقد فهم الناس الإرهاب على أنه استخدام العنف في التدمير والهدم والترويع والتعرض للأبرياء، من دون التفريق بين المستهدف وغير المستهدف، بما في ذلك النساء والأطفال والشيوخ والشجر والبِيَع والكنائس والمنشآت المدنية والمنازل. ويكفي لإثبات أصالة هذا المنهج العودة إلى وصايا أبي بكر الصديق، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما سنَّه لقُوَّاده في الغزوات التي انطلقت من المدينة المنورة، وما يسنه وإخوته من الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم هو من سنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم ((...فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعليكم بالطاعة، وإنْ عبدًا حبشيًّا، عَضُّوا عليها بالنواجذ؛ فإنما المؤمن كالجمل الأَنِفِ حيثما انقيد انقاد))[3]، وكذا وصيةُ خليفةِ خليفةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه إلى الفاتحين من القيادات العسكرية الإسلامية، فلا إرهاب في ذلك بالمفهوم الجديد المتداول حاليًّا للإرهاب، فلا عنف ولا ترويع ولا هدم ولا تعذيب ولا اغتصاب ولا اجتياح، ولا إهانة للمعابد ومؤسسات المجتمع المدني كافة. هذا في حال المواجهة الحربية التي تكون في أوج الرغبة في النصر واختصار الطريق إليه، ولكن ليس على حساب كرامة الإنسان والمساس بالضرورات الخمس التي أمر الله بحفظها له في كل الأحوال: النفس والمال والدين والنسل والعقل،وهي التي كما يقول الشاطبي: "لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقدت لم تجرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة،وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين"[4]،وهي التي، كما يقول أبو حامد الغزالي: "تتضمن حفظَ مقصودٍ من المقاصد الخمسة، وهي حفظ النفس والمال والنسب والدين والعقل، التي جاءت الشرائع بالمحافظة عليها"[5]. أما في حال السلم، فالوضع أدق وأوضح منه في حال الحرب، فليس هناك ما يسوغ الترويع والعنف في أي حال[6]. ومنذ أن وقعت أحداث الحادي عشر من شهر أيلول/ سبتمبر من سنة 2001م (22/ 6/ 1422هـ) والأطروحات تترى حول موضوع لم يتفق عليه بعد، من حيث المفهوم، وإن اتفق عليه - تقريبًا - من حيث اللفظ لمصطلح "الإرهاب"، مع أن بعض الكتاب المسلمين لا يزالون مترددين في قبول المصطلح، كما مر بيانه في الوقفة السابقة؛ ذلك لأنه مصطلح أخف وطأة من المفهوم الذي يحمله، فهو اسم لم يوافق مسماه، ولفظ لم يطابق معناه، كما أنه ورد في القرآن الكريم المنزَّل من خالق عظيم، مما يعني أن له معنًى ومفهومًا غير المفهوم الذي يطلق المصطلح عليه، فإرعاب الناس وقتل الأبرياء وترويع الآمنين، كلُّ هذا أكثر من مجرد إرهاب. وعلى أي حال، يبدو أن المصطلح قد طغى على هذا المفهوم، بحيث أصبح أي نشاط غير عادي داخلًا في هذا المفهوم[7]. وإذا ما سلمنا جدلًا بالمصطلح المفهوم الحديث لهذه الكلمة "الإرهاب"، فإن علينا أن نتخلى عن المصطلح الشرعي للإرهاب؛ ولذا كان لزامًا علينا دائمًا أن تُحدَّد هذه الكلمة بمحدِّدات تنقلها عن المفهوم الشرعي،وكان الأولى أن نبحث عن المصطلح العربي المقابل للمصطلح الأجنبي، الذي لن يكون بحال "الإرهاب"، بل ربما "العنف" أو "التخريب"، أو أي مصطلح عربي ذي دلالة تخريبية ترويعية عنيفة، مع أنه حين ينقل إلى لغات أخرى يخشى ألا يُلتفَتَ إلى ذلك السعي للتفريق بين المفهوم الشرعي والمفهوم الإعلامي. [1] انظر: علي بن إبراهيم النملة،إشكالية المصطلح في الفكر العربي: الاضطراب في النقل المعاصر للمفهومات - الرياض: المؤلف، 1431هـ/ 2010م،ص 250. [2] انظر: أمل يازجي ومحمد عزيز شكري،الإرهاب الدولي والنظام العالمي الراهن - دمشق: دار الفكر، 1423هـ/ 2002م - ص 93. [3] الحديث رواه ابن ماجه في باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين حديث رقم: 34، بتحقيق محمد مصطفى الأعظمي. [4] إبراهيم اللخمي الشاطبي،الموافقات في أصول الأحكام/ تعليق محمد خضر حسين، تصحيح محمد منير - القاهرة: المطبعة السلفية، 1341هـ - 2: 4. [5] انظر: محمد بن محمد الغزالي، أبو حامد،المستصفى من علم الأصول - 1: 287. [6] انظر: كمال مجيد،العنف: دراسة لأثر العولمة على الشعوب المقهورة - لندن: دار الحكمة، 2001م - ص 217. [7] انظر: جلبير الأشقر،صدام الهمجيات: الإرهاب، الإرهاب المقابل والفوضى العالمية قبل 11 أيلول وبعده - نقله إلى العربية: كميل داغر - بيروت: دار الطليعة، 2002م - ص 157.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |