|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
- التتار من البداية إلى عين جالوت أسباب قعود الشعوب المسلمة عن نصرة المسلمين المحاصرين في ميافارقين (61) راغب السرجاني أنا لا أتعجب كثيراً من فعل الأمراء المسلمين؛ لكونهم خونة مطلقاً، ولكني أتعجب من رد فعل الشعوب، فأين كانت الشعوب في هذه البلاد المسلمة؟ فأين كان شعب الموصل وتركيا؟ فقد كان هناك من تربطه صلات رحم بأولئك الذين يعيشون في ميافارقين، فحتى الفطرة تقضي عليهم أن يساعدوهم، وأن يمدوهم بالطعام والسلاح والدواء، وإذا كان الحكام على هذه الصورة الوضيعة من الأخلاق، فلماذا سكتت الشعوب، ولم تتحرك لنجدة إخوانهم في الدين والعقيدة، بل وإخوانهم في الدم والنسب كما ذكرنا؟ لقد سكتت الشعوب، وسكوتها مرده إلى أمور خطيرة: أولاً: لم تكن الشعوب تختلف كثيراً عن حكامها، فقد كانت تحب الحياة، أي حياة وبأي صورة. ثانياً: كانت هناك عمليات غسيل مخ مستمرة لكل شعوب المنطقة، فالحكام والوزراء وعلماء الحكام، كانوا يقنعون الناس بحسن سياسة الحكام وحكمة إدارتهم، ولا شك أن هؤلاء الحكام أيضاً كانوا يلومون الكامل محمد على تهوره ودفاعه عن كرامته ودينه وكرامة شعبه، بل وعن كرامة المسلمين جميعاً، ولا شك أنهم كانوا يقولون مثلاً: أما آن للكامل محمد أن يتنحى ليجنب شعبه ويلات الحروب ودمارها؟ ومنهم من يقول: لو سلم الكامل محمد أسلحته لانتهت المشكلة، ولكنه يخفي أسلحته عن عيون الدولة الأولى في الأرض التتار، وهذا خطأ يستحق إبادة شعب ميافارقين بكامله. ولا شك أن هولاكو كان يرسل برسائل يقول فيها: إنه ما جاء إلى هذه المدينة المسالمة ميافارقين إلا لإزاحة الكامل محمد عن الحكم، وأما شعب ميافارقين فليس بينه وبينهم عداء، ونريد أن نتعايش سلمياً إلى جوار بعضنا البعض، وعمليات غسيل المخ المستمرة تهدئ من حماسة الشعوب، وتقتل المروءة والنخوة. ثالثاً: من لم تقنعه الكلمات والخطب والحجج والبراهين، فالإقناع له يكون بالسيف، وقد تعودت الشعوب في هذه المناطق على القهر والبطش والظلم من الولاة، وتعودوا على الكراهية المتبادلة بين الحكام والمحكومين، وعلى الظلم. في ظل هذه الملابسات المخزية والأوضاع المقلوبة نستطيع أن نفهم كيف تم حصار إمارة ميافارقين، وتعرض شعبها المسلم للموت أحياء، ولم يتحرك لها حاكم ولا شعب من الإمارات الإسلامية المجاورة جداً لها. ولا حولة ولا قوة إلا بالله
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
- التتار من البداية إلى عين جالوت لمحة سريعة عن الدولة الأيوبية (71) راغب السرجاني أسس الدولة الأيوبية البطل الإسلامي العظيم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله في سنة (569) من الهجرة، وهذه الأرقام في غاية الأهمية، فهي أرقام محورية في تاريخ المسلمين وأتمنى أن نحفظها، وظل صلاح الدين الأيوبي يحكم هذه الدولة (20) سنة، حتى مات سنة (589هـ)، ووحد في هذه الفترة مصر والشام، وتزعم الجهاد ضد الممالك الصليبية باقتدار كبير جداً، وحقق انتصارات هائلة، ومن أشهر انتصاراته حطين، وكانت في ربيع الثاني سنة (583) هجرية، وهذا التاريخ من المفروض ألا ينساه أحد من المسلمين أبداً، ثم فتح بيت المقدس بعد حطين بثلاثة أشهر فقط، في رجب من نفس السنة. ترك صلاح الدين الأيوبي رحمه الله دولة قوية عظيمة، تبسط سيطرتها على مصر والشام والحجاز واليمن وأعالي العراق، وأجزاء من تركيا، وأجزاء من ليبيا والنوبة، وكون دولة في منتهى القوة, وحاصر الصليبيين في ساحل ضيق جداً على البحر الأبيض المتوسط في الشام، فـ صلاح الدين الأيوبي رحمه الله لم يستطع فتح كل الإمارات الصليبية الموجودة في الشام، ولكنه حرر جزءاً كبيراً جداً من الشام ومن فلسطين بقدر ما يستطيع. ثم بوفاة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تقلص دور الجهاد جداً ضد الصليبيين، فقد فتن أبناء صلاح الدين الأيوبي بالدولة الكبيرة، فقد كثرت الأموال، وانفتحت الدنيا، واتسعت البلاد، وكان من جراء هذه العوامل وغيرها أن حدثت انقسامات شديدة في الدولة الأيوبية، حتى إنها تفككت تماماً بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله. وليس لدينا الوقت الكافي، كي نتكلم عن هذه الصراعات والخلافات التي نشأت بعد صلاح الدين الأيوبي، وإن شاء الله سنتكلم عنها بالتفصيل في مجموعة الحروب الصليبية. وهذا الصراع ظل (59) سنة متصلة، منذ وفاة صلاح الدين الأيوبي في سنة (589) من الهجرة إلى سنة (648) من الهجرة، ولم يكن هذا الصراع صراع كلام وسباب وشقاق فقط، بل كان يصل إلى حد التقاتل بالسيوف وإراقة الدماء المسلمة، وهذا أدى إلى فرقة شديدة في العالم الإسلامي، وكل هذا كان أمراً متوقعاً وليس غريباً، فليس غريب أن يترك صلاح الدين الأيوبي دولة قوية، ثم تتفكك بسبب الدنيا، فالدنيا مرض قاتل، أدى إلى انهيار الكثير والكثير من الدول الإسلامية في كل مراحل التاريخ، واسمع إلى هذا الحديث، روى ابن ماجه والطبراني وابن حبان بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». فلما جعل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله الجهاد نصب عينيه، وجعل له هدفاً واحداً، وهو قتال الصليبيين، وإعلاء كلمة الدين، جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا فعلاً وهي راغمة، وأما معظم السلاطين الذين جاءوا من بعده فقد جعلوا الدنيا أكبر همهم، ومبلغ علمهم، فتفرق عليهم الأمر تماماً، حتى أصبحوا لا يدركون الصواب من الخطأ، ولا الحق من الباطل، فهم تارة مع المسلمين، وتارة مع الصليبيين، وتارة مع التتار، فجعل الله عز وجل فقرهم بين أعينهم، فمنهم من مات ذليلاً، ومنهم من مات فقيراً، ومنهم من مات طريداً، ومنهم من مات حبيساً، وكان هذا هو واقع المسلمين في تلك الفترة التي تلت حكم البطل الإسلامي العظيم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
- التتار من البداية إلى عين جالوت الحملة الصليبية السابعة على مصر (77) راغب السرجاني في سنة (647) من الهجرة مرض الملك الصالح أيوب رحمه الله مرضاً شديداً بمرض السل، وكان قد كبر سنه جداً، مما جعله طريح الفراش في القاهرة، وفي هذه الأثناء وقبلها أراد ملك فرنسا لويس التاسع أن يستغل فرصة الاجتياح التتري لشرق العالم الإسلامي، فيقوم هو باجتياح العالم الإسلامي من ناحية مصر والشام. وذكرنا من قبل أنه حاول الاستعانة بخاقان التتار آنذاك كيوك بن أوكيتاي، ولكن فشلت هذه المحاولة، ومع ذلك أصر لويس التاسع على المضي في حملته. ووقع اختياره على مدينة دمياط المصرية، من أجل أن يبدأ منها الحملة التي يغزو منها مصر والشام، وكانت في ذلك الوقت أهم ميناء في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وهذه الحملة التي قادها لويس التاسع ملك فرنسا تعرف في التاريخ باسم الحملة الصليبية السابعة. وهناك تفصيلات كثيرة جداً مهمة في هذه الحملة، وسنعرض لها إن شاء الله بالتفصيل عند الحديث عن الحروب الصليبية في سلسلة أخرى.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
- التتار من البداية إلى عين جالوت المماليك وحكم مصر (81) راغب السرجاني لقد حدث فراغ سياسي كبير جداً بقتل توران شاه، فليس هناك أيوبي في مصر مؤهل لقيادة الدولة، ومن ناحية أخرى فإن الأيوبيين في الشام مازالوا يطمعون في مصر، والشام ومصر كانتا دولة واحدة في زمن الملك الصالح أيوب رحمه الله، فقد وحد الدولتين بعد حربه مع الأيوبيين والصليبيين في الشام، والآن سيحاول الأيوبيون في الشام ضم مصر إلى الشام لصالحهم، ولا شك أنه قد داخل الأيوبيين في الشام حنق كبير على المماليك؛ لأنهم تجرءوا وقتلوا أيوبياً، وكان المماليك يعلمون أن الأيوبيين سيحرصون على أخذ الثأر منهم، لكنهم كانوا يدركون أن قيمتهم في الجيش المصري كبيرة جداً، وهم يعرفون أن المماليك هم القوة الفعلية في مصر، وأنهم قد ظُلموا بعد موقعة المنصورة وفارسكور؛ فقد كانوا السبب الرئيسي في الانتصار، ومع ذلك همش دورهم، كل هذه الخلفيات جعلت المماليك ولأول مرة في تاريخ مصر يفكرون في أن يمسكوا هم بمقاليد الأمور مباشرة، فهم القادرون على أن يغلبوا، فلماذا لا يكون الحكم لهم؟ ولأول مرة طرح هذا السؤال على أذهان المماليك، وقد استخدموا في مصر من أيام الطولونيين، يعني: من سنة (254) من الهجرة، ثم بعدها استخدموا أيضاً في أيام الدولة الإخشيدية، ثم في أيام الدولة الفاطمية، ثم في أيام الدولة الأيوبية، وفي كل هذه الفترات كان الجيش يعتمد تقريباً اعتماداً كاملاً على المماليك، ومع ذلك لم يفكروا مطلقاً في حكم ولا سياسة، فقد كانوا دائماً أعوان الملوك، وما كانت تخطر على أذهانهم فكرة الملك أبداً؛ لكونهم من المماليك الذين يباعون ويشترون، فلم تكن لهم عائلات معروفة أصلاً ينتمون إليها، وهذا يشعرهم بالغربة في البلاد الجديدة التي يعيشون فيها، والخطر لم يكن يمسهم ألبتة، وإنما كان دائماً يمس السلطة، وهم تبع للسلطة الجديدة، وينتقلون من سيد إلى آخر وهكذا. وأما الآن فالمؤامرات ستدبر لهم مباشرة، والدائرة ستدور عليهم هم، والملوك ضعفاء، والقوة كلها بيدهم، فلماذا لا يجربون حظهم في الحكم، ولكن صعودهم مباشرة إلى الحكم سيكون مستهجناً جداً في مصر، فالناس لا تنسى أن المماليك في الأساس عبيد يباعون ويشترون، وحتى لو أعتقوا، فتقبل الناس لحكمهم سيكون أمراً صعباً، وحتى لو كثرت الأموال في أيدي المماليك، وتعددت الكفاءات، وحكموا الأقاليم والإقطاعات فهم في النهاية مماليك، وصعودهم إلى الحكم يحتاج إلى حجة مقنعة للشعب الذي لم يألفهم أبداً إلا في كنف السلاطين. كل هذا دفع المماليك البحرية الصالحية إلى أن يرغبوا بعد مقتل توران شاه في فترة انتقالية تمهد الطريق لحكم المماليك، وفي ذات الوقت لا تقلب عليهم الأمور في مصر أو في العالم الإسلامي، فهم يريدون الحكم بعد توران شاه، ولكنهم يريدون فترة انتقالية، بحيث يستوعب الناس جلوسهم على الكرسي بعد ذلك. إذاً: كانت هذه هي حسابات المماليك الصالحية البحرية، فهم يريدون أن يحكموا؛ لأنهم هم أصحاب القوة الحقيقية، ويخافون على أنفسهم من أن يقصوا من الحكم بسبب أنهم من المماليك، وهذه مشكلة لا يستطيعون حلها.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
- التتار من البداية إلى عين جالوت شجرة الدر وحكم مصر (82) راغب السرجاني كانت شجرة الدر امرأة ذات طابع خاص جداً، لا تتكرر كثيراً في التاريخ، فهي امرأة قوية جداً، وشجاعة وجريئة ولها عقل مدبر، وتتمتع بحكمة شديدة، ولها القدرة على القيادة والإدارة، وكانت شجرة الدر تعرف كل هذه الأشياء عن نفسها، فقد كانت شديدة الإعجاب بإمكانياتها وبنفسها، وهذا كله دفعها إلى تفكير جديد تماماً على الفكر الإسلامي وبالذات في هذه الفترة من تاريخ الأمة، ففكرت في الصعود إلى كرسي الحكم في مصر، وهذا أمر هائل فعلاً، وسباحة عنيفة جداً ضد التيار، ولكن شجرة الدر وجدت في نفسها الملكة التي تسمح لها بتطبيق هذه الفكرة الجريئة، وقالت لنفسها: إنني حكمت البلاد سراً أيام المنصورة، فلماذا لا أحكمها الآن جهراً؟ ولما تباحثت شجرة الدر مع المماليك البحرية في أمر البلاد بعد مقتل توران شاه وجد المماليك فيها الفترة الانتقالية التي يريدون، فهي زوجة الأستاذ الملك الصالح نجم الدين أيوب رحمه الله، والجميع يكن له كامل الحب والاحترام والوفاء، سواء من المماليك أو من الشعب المصري نفسه، فالشعب المصري كان يحب الملك الصالح جداً، وهي في نفس الوقت تعتبر من المماليك، وإن كانت أعتقت إلا أنها كانت مملوكة قبل ذلك، كما أنها في النهاية امرأة ويستطيع المماليك من خلالها أن يحكموا مصر، ويوفروا الأمان لأرواحهم، يعني: أنهم سيضعون شجرة الدر في الصورة بأنها حاكمة مصر، والشعب في اعتقاد المماليك سيسكت؛ لأنها زوجة الملك الحبيب لهم الملك الصالح رحمه الله الذي مات منذ أشهر قليلة، وفي نفس الوقت يستطيعون أن يسيطروا على الحكم من خلال هذه المرأة التي مهما كانت قدرتها فستظل امرأة ضعيفة، وبالتالي يستطيعون الصعود بعد ذلك إلى الحكم صراحة، فما دام أنه قد صعد إلى الحكم امرأة مملوكية، فسيستطيع أن يصعد بعد ذلك رجل مملوك.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
- التتار من البداية إلى عين جالوت قتل الملك المعز لفارس الدين أقطاي (85) راغب السرجاني في سنة (652) من الهجرة بعد أربع سنوات من تولي الملك المعز عز الدين أيبك للحكم في مصر فكر أقطاي الذي كان كبير قواد الجيش المصري بالتزوج من إحدى الأميرات الأيوبيات، وكان الملك المعز عز الدين أيبك يراقب الموقف، وأدرك فوراً أن أقطاي يحاول أن يضفي على نفسه صورة جميلة أمام الشعب، وأن يجعل له انتماء واضحاً للأسرة الأيوبية التي حكمت مصر قرابة الثمانين سنة، وإذا كانت شجرة الدر حكمت مصر لكونها زوجة الصالح أيوب، فلماذا لا يحكم أقطاي مصر؛ لكونه زوجاً لأميرة أيوبية، فضلاً عن قوته وبأسه وتاريخه، وهو الذي قاد الجيش المصري في موقعة المنصورة، وله ذكريات وأمجاد كبيرة في مصر، فشعر الملك المعز عز الدين أيبك بالخطر الشديد، وأن هذه بوادر للانقلاب عليه، والانقلاب عادة ما يكون بالسيف، فاعتبر أن ما فعله أقطاي سابقاً من إهانة واحتقار، وما يفعله الآن من زواج بالأميرة الأيوبية ما هو إلا مؤامرة لتنحية أيبك عن الحكم، ومن ثم أصدر أيبك أوامره بقتل زعيم المماليك البحرية فارس الدين أقطاي؛ لأنه ينوي الانقلاب، فتم قتل فارس الدين أقطاي بأوامر الملك المعز وذلك في (3) شعبان سنة (652) من الهجرة، وبقتل فارس الدين أقطاي خلت الساحة لـ عز الدين أيبك , وبدأ يظهر قوته بوضوح ويبرز كلمته، وبدأ دور الزوجة شجرة الدر يقل ويضمحل.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
- التتار من البداية إلى عين جالوت عزل السلطان عز الدين علي وتولي قطز الحكم (91) راغب السرجاني قطز رحمه الله وإن كان يدير الأمور فعلياً في مصر، إلا أن الذي يجلس على الكرسي سلطان طفل، ولا شك أن هذا كان يضعف من هيبة الحكم في مصر، ويزعزع من ثقة الناس بملكهم، ويقوي كذلك من عزيمة الأعداء عندما يرون الحاكم طفلاً. في ضوء الخطر التتري الرهيب، والمشاكل الداخلية الطاحنة، والاضطرابات وثورات المماليك البحرية، وأطماع الأمراء الأيوبيين الشاميين لم يجد قطز رحمه الله أي معنى لأن يبقى السلطان الطفل نور الدين علي على كرسي أهم دولة في المنطقة وهي مصر، والتي لم يعد هناك أي أمل في صد التتار إلا فيها، وهنا أخذ قطز رحمه الله القرار الجريء، وهو عزل السلطان الطفل نور الدين علي، وصعود قطز بنفسه على عرش مصر، ولم يكن هذا القرار غريباً، فـ قطز كان هو الحاكم الفعلي للبلاد، والجميع بما فيهم السلطان الطفل نفسه نور الدين علي يدركون ذلك تمام الإدراك، ولكن قطز لم يكن يتحرك إلا من خلف هذه الصورة الهزلية المضحكة، وهي صورة السلطان الطفل، فما كان من قطز إلا أن أخذ هذا القرار الجاد في (24) ذي القعدة سنة (657) من الهجرة؛ ليظهر من ورائها الأسد الهصور قطز رحمه الله الذي على يديه ستتغير معالم الأرض وجغرافية العالم، وتتغير كثير من صفحات التاريخ. وقبل وصول هولاكو إلى حلب بأيام، ومنذ أن صعد قطز رحمه الله إلى كرسي الحكم، بدأ يعد العدة للقاء التتار، وحدثت أحداث جسام على أرض مصر، فقد انتهج نهجاً جديداً على ذلك الزمن، ورفع رايات جديدة ما رفعت منذ أمد، وجهز جيوشاً ما جهزت منذ أزمان بعيدة، وفي عهده كان اليوم الذي لا يشبهه من أيام الزمان إلا قليل، وأما كيف حدث كل ذلك، فتعالوا نرى وننظر إلى قطز رحمه الله كيف عمل؟ وكيف استلم البلاد؟ وكيف وصل بها إلى ما وصل إليه رحمه الله؟!
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
- التتار من البداية إلى عين جالوت إعداد العدة لمواجهة التتار والعفو عن المماليك البحرية (95) راغب السرجاني لما استقر الوضع نسبياً في مصر انتقل قطز رحمه الله إلى الخطوة الثانية: وهي إعداد العدة لمواجهة التتار، وكانت خطوة في منتهى الروعة والحكمة، وأبرزت الأخلاق الرفيعة جداً لـ قطز رحمه الله، فقد أصدر قراراً بالعفو العام الحقيقي عن كل المماليك البحرية، ولم يكن هذا العفو خدعة سياسية لأجل معين، كما يفعل بعض الزعماء والقواد، ولم يكن شهر عسل مؤقت إلى أن تهدأ الأمور، وإنما كان أمراً يهدف فعلاً إلى المصالحة الحقيقية، ويرمي بصدق إلى إصلاح الأوضاع ولم الشمل ودرء المفاسد. على عكس ما يفعله بعض الزعماء السياسيين الذين لم يتفقهوا بعد في السياسة، ولا يدركون موازين القوى في بلادهم، فهؤلاء يتعاملون تعاملاً غبياً مع الأحداث، فهم إما أن يقصوا هذه القوى تماماً عن كل شيء، بل وأحياناً يقيدون حرياتها، وأحياناً يخرجونها من البلد تماماً، وإما أن يتجاهلوها تماماً وكأنها لا وجود لها، فيضعون رءوسها في الرمال، ولا يعترفون بوجودها، وينكرون طاقتها، ويهملون كيانها وهكذا، وكل هذا لا شك أنه لا يصب أبداً في مصلحة البلد أو الشعب. أما قطز رحمه الله فكان رجلاً مخلصاً متجرداً لله وواقعياً جداً، فلم ينكر قوة المماليك البحرية، فمن الغباء أن ينكر وجود قوة كقوتهم، بل إنه من حبه لوطنه ولأمته وإخلاصه لله عز وجل حاول أن يستميل هذه القوة لصالح البلاد والشعب، ولذلك اتخذ هذا القرار على رغم خطورته على كرسيه رحمه الله، وكان قراراً في منتهى الروعة. وقد مر بنا كيف حدثت الفتنة بين المماليك البحرية وبين المماليك المعزية، ووصلت هذه الفتنة إلى الذروة بعد مقتل الملك المعز عز الدين أيبك ثم شجرة الدر، ووصل الأمر إلى أن معظم قادة المماليك البحرية وعلى رأسهم القائد الكبير ركن الدين بيبرس فروا من مصر إلى مختلف إمارات الشام، ومنهم من شجع أمراء الشام على غزو مصر، ووصل الأمر إلى حد خطير، فلما اعتلى قطز رحمه الله عرش مصر أصدر القرار الحكيم جداً بالعفو عن المماليك البحرية، وبدعوتهم إلى العودة إلى مصر، وهذا القرار أبرز أخلاق قطز الرفيعة رحمه الله، ونسيانه لكل الضغائن السابقة، مع كون القوة في يديه، وهذه من أرفع الأخلاق، العفو عند المقدرة، كما أبرز كذلك النظرة السياسية العميقة لـ قطز رحمه الله، فقواد المصريين في ذلك الوقت من المماليك المعزية وغيرهم قد لا تكفي لحرب التتار، ولا شك أن المماليك البحرية قوة عظيمة وقوية جداً، ولها خبرات واسعة في الحروب، فقد اشترك الكثير منهم في حروب الصليبيين السابقة، ومن أشهرها موقعة المنصورة العظيمة، وموقعة فارسكور، اللتان كانتا قبل عشر سنوات، وركن الدين بيبرس ممن اشترك في هاتين الموقعتين، فضم قوة المماليك البحرية إلى قوة المماليك المعزية سينشئ جيشاً قوياً أقدر على مهاجمة التتار، وهذا مما لا يشك فيه أحد، ومن المعلوم أن الوحدة طريق من أهم الطرق إلى النصر، كما أن التنازع والتصارع والفرقة طريق الفشل والهزيمة. كان قطز رحمه الله يعلم أن أوضاع المماليك البحرية في بلاد الشام غير مستقرة، وما هربوا إلى هناك إلا مضطرين، وأملاكهم وحياتهم وقوتهم في مصر، وهو بهذا الإعلان النبيل الذي قام به سيستقدم عدداً لا بأس به منهم، وبمجرد أن أعلن هذا القرار جاءت المماليك البحرية من كل مكان تتوافد على مصر، فجاءوا من بلاد سلاجقة الروم، التي هي تركيا الآن، ومن الكرك بالأردن، ودمشق، وحلب وغيرها، وهكذا عاد المماليك من جديد قوة واحدة، واستقبلهم قطز رحمه الله استقبالاً لائقاً، ولم يتكبر عليهم تكبر المتمكن، بل عاملهم كواحد منهم؛ لأن أصله من المماليك، واستقدم قائد المماليك البحرية ركن الدين بيبرس وزعيمهم، وهو أخطر رجل في المماليك البحرية مطلقاً، ولو كان قطز في داخله غدر أو خيانة أو مصالح سياسية متجردة من الأخلاق ما استقدم بيبرس إلى مصر أبداً وعندما فر بيبرس من مصر ذهب إلى الناصر يوسف الأيوبي في دمشق، وقد كان الناصر خائناً موالياً للتتار في فترات كثيرة، ثم ادعى الجهاد ضدهم في فترات أخرى، فعندما ذهب إليه بيبرس أنكر عليه خضوعه أمام التتار وعزمه على عدم القتال، ولكن الناصر يوسف لم يسمع كلامه، وعندما قدم التتار في اتجاه دمشق فر الناصر يوسف ومن معه إلى الجنوب، واضطر بيبرس وقد وجد نفسه منفرداً -وكان يود أن يجاهد في سبيل الله- أن يهرب كذلك إلى الجنوب باتجاه فلسطين، ثم لما وصل جيش التتار إلى فلسطين ترك الناصر يوسف جيشه وهرب إلى الكرك، ثم إلى الصحراء، فوجد بيبرس نفسه وحيداً في غزة، فلم يستطع أن يعمل شيئاً، وقد كان يود أن يجاهد في سبيل الله.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |