|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#641
|
||||
|
||||
|
حكم أخذ القيمة في النفقة وقوله: [لا قيمتها] أي: لا قيمة النفقة، يعني: لو جاء بالطعام والشراب ووضعه في البيت ومكنها منه، وأخذت قدر ما تريد من طعامها وشرابها بالمعروف هي وأولادها فلا إشكال، فلو قالت: أنا أريد المال، وأنا أشتري بنفسي، وأفعل بنفسي، فليس لها ذلك، إنما لها حق أن تطعم وتكتسي من ماله بالمعروف، فإذا أصرت على أن تأخذ النقد، فمن حقه أن يمنعها ويقول: لك طعامك وشرابك بالمعروف. وهكذا لو كانت النفقة شهرية، فقالت: أريد النقد نفسه، فإن من حقه أن يقول: لك حق الطعام والشراب، وهذا لك وللأولاد بالمعروف، وليس لك حق عين المال، أي: لا تستحقين عين المال، إنما فقط تستحق أن تطعم وتكسى بالمعروف. قال رحمه الله: [ولا عليها أخذها] أي: لا يجب عليها إذا أعطاها قيمة النفقة نقدا أن تأخذه، إذ الأصل الإطعام والقيام بالحقوق المعتبرة في النفقة، وأما بالنسبة للقيمة والنقد فلا يجب عليه أن يعطيها إياه إذا طالبت، ولا يجب عليها أن تأخذه إذا فرضه عليها، فإذا قال: أعطيك النقود وعليك أن تشتري ما شئت، فلا يجب عليها هذا. لكن إذا تراضيا فيما بينهما بالمعروف، واتفق الزوج مع الزوجة على تحقيق الأمور الزوجية، كأن يتفق الزوج مع زوجته أن يعطيها ألف ريال كل شهر، أو يعطيها ألفين أو يعطيها ثلاثة أو أربعة على حسب ما يتفقا ويتراضيا مع بعضهما بالمعروف، فهذا كله لا إشكال فيه، إنما الإشكال في الحكم الشرعي من حيث الأصل، فالذي للمرأة أن تطعم وتكتسي بالمعروف، وللزوج أن يقوم بذلك، ويشتري لها ما يعد عرفا نفقة لمثلها كما بينا، ويقدر بمثله غنى وفقرا كما تقدم معنا، فالنفقة تتقيد بحال الزوج، ثم ما بعد ذلك ليس بواجب عليه. حكم الاتفاق على تأخير النفقة أو تعجيلها قال رحمه الله: [فإن اتفقا عليه أو على تأخيرها أو تعجيلها مدة قريبة أو طويلة جاز] كأن اتفقا على أن تكون النفقة في آخر الشهر، أو على أنها تأخذ النفقة كل شهرين، أو على أنها تأخذ النفقة كل أسبوع، أو على أخذ النفقة كل ثلاثة أيام، فلا جناح عليهما فيما تراضيا بينهما بالمعروف، وهذا هو الأصل في بيوت المسلمين؛ أنها تقوم على المحبة والمودة والتفاهم والرضا والقناعة، وإنما يذكر العلماء هذا إذا وقعت مشاحة وأصرت المرأة على شيء أو أصر الرجل على شيء، فحينئذ يفصل بينهما بمقاطع الحق، أن الذي تستحقه المرأة على زوجها ينفقه عليها. وقت لزوم الكسوة للزوجة على زوجها قال رحمه الله: [ولها الكسوة كل عام مرة في أوله] أي: للزوجة، وللمطلقة الرجعية، وللمطلقة البائنة الحامل، والمتوفى عنها زوجها حاملا: كسوتها مرة في العام. والكسوة في الحقيقة فيها خلاف بين العلماء رحمهم الله، لكن الأوجه أن الكسوة تختلف بالصيف والشتاء، فيكسوها كسوة الصيف ويكسوها كسوة الشتاء، والزائد على ذلك لا يجب عليه، وكون المرأة كلما حدثت مناسبة فرضت على الزوج أن يكسوها؛ كل هذا من الإسراف والبذخ والمجاوزة للحدود الشرعية. نصيحة للنساء في عدم الإسراف في الملابس ولذلك محق الله بركة الأموال، وأصبح كثير من النساء يجدن الضيق والعنت بسبب أنهن ضيقن على أنفسهن، ولربما أدخلن أزواجهن في الديون وأرهقن كاهل الزوج فيما لا طائل تحته، فالمرأة تتقي الله عز وجل، وتعلم أن حقها عند زوجها كسوة صيفها وشتائها، وأنه إذا كساها على هذا الوجه بالمعروف فقد أدى ما أوجب الله عليه. وأما ما وراء ذلك من شراء الملبوسات والمبالغة فيها، حتى إن المرأة كلما جدت لها مناسبة اشترت ثوبا، حتى بلغ ببعضهن أن تقسم أنها لن تلبس فستانا مرتين، وتقول: كيف أحضر زواج فلانة بما لبسته في زواج فلانة؟!! وكم من أمور يراها الناس أدق وأقل من الخردلة في أعينهم، وهي عند الله عظيمة كأمثال الجبال. وإن العبد ليصنع الأمر اليسير فيوجب مقت الله له وهو لا يدري، ولذلك أخبر الله عن شؤم عاقبة هذا الأمر وهو الإنفاق بالإسراف والبذخ، وتوعد الله سبحانه وتعالى أهله بوعيد شديد، حيث قال: {إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام:141] فمن أعظم البلاء وأعظم الشؤم على المرأة التي لا تتقي الله عز وجل -حتى ولو كان عندها راتب ولو كان عندها مال- كلما حضرت مناسبة اشترت ذهبا وفستانا ولباسا، وأخذت تتباهى بما تلبسه في كل مناسبة وكل سبب، ولا تلبس لباسها مرتين بل تحاول أن تجدد لباسها، وهذا كله عواقبه وخيمة، وإذا كانت امرأة صالحة وقدوة للغير فالأمر فيه أشد وأعظم. وينبغي على الصالحات أن يكن قدوة لغيرهن، فإذا كان غيرهن يسرف فعليهن أن يتقين الله عز وجل، وكم من أمور في المجتمعات تصلح بصلاح الصالحات حينما تتمسك الصالحة بشرع الله عز وجل، وترى أن هذا المال بدل أن تنفقه فيذهب في كسوة ربما تأتي من أعداء الله ورسوله، ويذهب المال لهم بالملايين، ترى أنها لو أنفقته وكست به عارية، أو أطعمت به جائعة، واقتحمت العقبة، ونالت مرضاة الله عز وجل بإطعام ذي المسغبة، لفازت فوزا عظيما. وكم من امرأة لم تبال بهذه الأمور والترهات جعل الله لها من المحبة والقبول والعزة والكرامة، فلم يتق عبد ولم تتق أمة ربها إلا جعل الله لها من أمرها يسرا وجعل العاقبة لها؛ لأن الله يقول: {والعاقبة للمتقين} [الأعراف:128] ، خصوصا إذا كانت ملتزمة، وخصوصا إذا كانت طالبة علم، فإذا كانت تشهد كل درس وكل محاضرة وكل مناسبة بلباس جديد، وتبالغ في ملبسها وتبالغ في هيئتها، فلتعلم أنها تكون قدوة للغير، وكم من امرأة تجر بلاء على غيرها من حيث لا تشعر، فقد تكون جارة لامرأة ضعيفة أو زوجها فقير، فإذا أخذت تفعل هذه الأفعال ربما دعت الزوجة أن تتنكب على زوجها، وأن تحمله ما لا يطيق، أو تفسد عليه فراشه. ولذلك كان على النساء المؤمنات أن يتقين الله عز وجل، وأن يخفن الله سبحانه وتعالى، خاصة في أمور الكسوة والمبالغة فيها؛ لأن كثيرا من عائداتها تذهب إلى من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولو أن المرأة علمت أن الدرهم بل الريال الواحد قد يكف الله به نار جهنم عن عبده، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) فشق تمرة يحجب العبد عن نار الله عز وجل؛ فما بالك إذا كان المال الغزير! هذا عثمان رضي الله عنه لما صب الذهب والفضة في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلب عليه الصلاة والسلام ماله وقال: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم) ، فما بالك بالمرأة الصالحة الدينة، التي تشح بمالها ومال زوجها أن تنفقه فيما لا طائل له ولا نفع، والله إن الناس لا ينظرون إلى الجمال، ولو نظروا إليه فإنه متاع حائل وظل زائل، ولكن إذا سمت المرأة المؤمنة بأخلاقها وآدابها وسلوكها، واستقامت على طاعة ربها، وكان بينها وبين الله سريرة صالحة نقية تقية، زكاها الله عز وجل، وأبقى في النساء محبتها وإجلالها. وكم من امرأة تراها النساء ويجتمعن بها وهي تملأ قلوبهن محبة وإجلالا لم ينظرن يوما من الأيام ماذا لبست وماذا تركت؛ لأن المحبة في القلوب، والمحبة محبة المبادئ والأخلاق والقيم، وأنت ترى الرجل ربما تراه أشل، وربما تراه دميم الخلقة، ولربما تراه بحالة بائسة، ومع ذلك قد تحبه أكثر من أخيك، بسبب أخلاقه وتصرفاته وأدبه واحترامه للناس وإلفه في تواضعه وما يكون من شمائله وخلاله، فليس السمو والكرامة والعلو بهذه الملبوسات، ولتسأل المرأة نفسها: كم وقفت؟ وكم أخذت؟ وكم أعطت؟ وما زادها هذا اللباس؟! وكم من كاس في الدنيا عار في الآخرة كما قال صلى الله عليه وسلم: (رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة) . فعلى المرأة أن تتقي الله عز وجل، وأن تعلم أن هذا قد جر على الأمة بلاء عظيما، حينما أصبحت المرأة تتبرج من سوق إلى سوق، ومن مكان إلى مكان، بحجة أنها محتاجة إلى الكسوة، وكلما طرأت مناسبة تذهب لكي تشتري لها كسوة، وخير للمرأة أن لا ترى الرجال ولا يراها الرجال، خير للرجال أن لا يروا المرأة، وأن لا يحتكوا بالمرأة، واليوم أصبحت المرأة خراجة ولاجة كل يوم، وفي كل مناسبة تجدد ملابسها وتعد إلى أن تتعب من المناسبات واللقاءات، وكلما جاءت مناسبة أخذت تفكر ماذا تلبس لهذه المناسبة، ولكنها لو اتقت ربها وخافت من الله سبحانه وتعالى، خاصة إذا كانت طالبة علم، وخاصة إذا كانت قدوة داعية فعليها أن تتقي الله عز وجل، وأن تترسم المنهج السوي. وليس المراد أن تتبذل وتذهب جمال الإسلام وجلاله، ولكن المراد العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، فتتطيب وتتزين في الحدود الشرعية، وتتجمل لأخواتها، والإسلام لا يمنع من هذا، ولكن يمنع من الغلو والإسراف المبالغ فيه، وكم من أشياء تجدها في أوقاتها جميلة جليلة، ولكن بمجرد أن تزول يذهب وقتها تزول بزواله، ولذلك يذهب عقل المرأة وراء هذه الأشياء التي لا تجني منها خيرا، ولربما تجني منها سخط الله وغضبه، فتجدها اليوم تصيح على هذا اللباس أنه أفضل الموجودات، وأنها محتاجة إليه، حتى تقنع زوجها بشرائه. فإذا لبست وذهبت به في المناسبة، ومضى يوم أو يومان، فإذا بها في اليوم الثالث تأتي وتقول له: هذا لا يصلح. سبحان الله! بالأمس كان أفضل اللباس، وبالأمس كان أطيب اللباس، وبالأمس كان هو الذي لا يمكن أن يستغنى عنه، لكن بمجرد أن يمضي اليوم واليومان كأنه لا شيء!! وهذا ليس في اللباس فحسب، بل حتى في متاع البيت، إذا جاء العيد، أو جاءت المناسبة، أقامت الدنيا وأقعدتها من أجل أشياء معينة، ومظاهر معينة، وأنفقت الألوف، وذهبت أموال المسلمين ومحقت بركتها، لكن لو أن أمة الله عز وجل اتقت الله عز وجل زال كل هذا، فأكثر هذا البلاء جاء من المرأة، ونحن لا نتهجم على المرأة ولكن نقيم الأمر في نصابه، فالمرأة هي التي تحكم زوجها وتستطيع أن تقول: لا أريد، وهذا شيء طيب! وكم من امرأة صالحة منعت زوجها من الإسراف في البذخ، وكم من امرأة حفظت مالها فبارك الله لها ولزوجها ولأولادها، فهذه أمور ينبغي للمرأة أن تنتبه لها، وبالأخص طالبات العلم، وبالأخص النساء الصالحات؛ لأنهن قدوة لغيرهن، فعليها أن تحمد الله عز وجل على العافية، ولذلك يقول تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف:31] خاطب الله عز وجل عباده قال: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف:31] ما حرم الطيبات ولا منع منها {وكلوا واشربوا} [الأعراف:31] فجمع جميع أصول النفقة: الكسوة والأكل والشرب، ثم قال بعد ذلك: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف:31] ثم انظر التأكيد بـ (إن) وقوله: (لا يحب) نفي للمحبة، والعبد يصوم نهاره ويقوم ليله، وهذا كله من أجل أنه يبحث عن محبة الله عز وجل، في صلاته وزكاته، وإذا بهذه المحبة تزول عند الإسراف، نسأل الله السلامة والعافية. ولذلك ينبغي على المرأة أن تحاسب نفسها في هذا الأمر، وأن تتقي الله عز وجل في نفسها، فليس لها من نفقة الكسوة إلا كسوة الصيف وكسوة الشتاء، كما هو مقرر عند أئمة الإسلام رحمهم الله. إلزام الزوج بما أنفقته زوجته في حال غيابه قال رحمه الله: [وإذا غاب ولم ينفق لزمته نفقة ما مضى] أي: إذا غاب الزوج ولم ينفق بأن سافر عن المرأة سفرا مفاجئا، فأنفقت المرأة بنية الرجوع أخذ بذلك، ولزمه أن يدفع لها تلك النفقة التي أنفقتها على نفسها وعلى ولدها. حكم ما تنفقه الزوجة من مال الزوج بعد موته قال رحمه الله: [وإن أنفقت في غيبته من ماله فبان ميتا غرمها الوارث ما أنفقته بعد موته] كأن أعطاها النفقة، ثم سافر عنها وتوفي في السفر، ولم يتبين أنه ميت إلا بعد شهرين، وكان قد أعطاها نفقة ثلاثة أشهر، فشهر قبل وفاته وشهران بعد الوفاة، رجع عليها الوارث بالشهرين، لأنها لا تستحق هذا، إذ قد انتهى حقها في النفقة بموته. الأسئلة حكم استئذان الزوجة من الزوج في أداء التطوع السؤال إذا أرادت الزوجة أن تكثر من الطاعات غير الصوم، ككثرة الصلاة والعكوف على قراءة القرآن، فهل يجب أن تستأذن زوجها أيضا؟ الجواب لا حرج على المرأة أن تستكثر من الخير، ولكن إذا طرأ شيء في البيت أو احتاجها زوجها أو احتاجها أولادها فلتعلم أن ذلك أفضل من الطاعات النوافل، من صلاتها وذكرها؛ لأنه أمر واجب فتقوم عليه وتقوم به على وجهه. فعلى كل حال تطيع الله عز وجل، ولا تحتاج إلى استئذان أثناء وجودها في البيت، لكن إذا طرأت حاجة تقوم بها وتسدها بها سواء للزوج أو للأولاد، والله تعالى أعلم. حكم أخذ المال بدل الطعام في النفقة كما في حديث هند السؤال هل يكون إذن النبي صلى الله عليه وسلم لـ هند زوجة أبي سفيان رضي الله عنهما، دليلا على إعطاء المال في النفقة بدل الطعام والشراب والكسوة؟ الجواب هذه المسألة في البدل وليست في الأصل، لأن هند رضي الله عنها، قالت: (إن أبا سفيان رجل شحيح مسيك، أفآخذ من ماله؟) أي: هي لا تستطيع أن تأخذ طعاما ولا شرابا ولا كسوة، وليس لها إلا البدل وهو النفقة، فأمرها أن تضمن بالبدل؛ لأن الأصل ليس بموجود، ولذلك تقدر وتأخذ بقدره، أي: تأخذ بقدر قيمة الطعام والنفقة، وهذا لا ينقض الأصل الذي ذكرناه، ولذلك أرسل زوج فاطمة بنت قيس رضي الله عنه لها بالشعير، وهو نفقتها من الطعام، وهذا يدل على أن المعروف عند الصحابة والسلف إنما هو الإطعام والقيام بالنفقة الأصلية، فإذا تعذر وجود الأصلية أعطاها البدل، كما لو أنفقت هي وقامت على البيت وهو غائب ثم رجع، فإنها تحتسب النفقة بالنقد، أي: يعطيها نقدا. على كل حال: الأصل هو الإطعام والكسوة والنفقة العينية، ثم بعد ذلك يكون عوضها بالتقدير، وهو القيمة، والله تعالى أعلم. حكم الاقتداء من خارج المسجد مع عدم رؤية من بالداخل السؤال ما هو حكم صلاة المأمومين خارج المسجد إذا كانوا لا يرون الإمام ولا المأمومين؟ الجواب لا يصح الاقتداء خارج المسجد إلا برؤية الإمام أو رؤية من يأتم بالإمام، وأما بالنسبة للبلاغ فمذهب جمهور العلماء أنه لا يكفي، وجمهور الأئمة على أنه لا بد من رؤية الإمام، أو من يقتدي بالإمام، ولذلك لو تعطلت الكهرباء لم يعلموا ماذا يصنعون، ولو أن الإمام كان يصلي -مثلا- الظهر وسها ولم يجلس التشهد الأول ووقف، فإن الذين هم خارج المسجد سيجلسون؛ لأنهم لا يرون الإمام ولا يرون من يقتدي بالإمام، فلا يرون سهو الإمام، فسيجلسون، فإذا كبر للركوع ستختل صلاتهم، وهذا قد وقع، فإذا كانوا لا يرون الإمام ولا من يقتدي بالإمام، ففي هذه الحالة كيف يصلون مع انقطاع الكهرباء؟ ولذلك اشترط العلماء والأئمة رؤية الإمام، أو من يقتدي بالإمام، ولو كان شخصا واحدا فقط، لأن هذا الشخص يرى غيره، ولو خرج شخص واحد من الباب ورئي من ورائه صح الاقتداء؛ لأن هذا الشخص مبلغ، فبمجرد أن يحدث سهو للإمام يرى، وبمجرد ما ينتقل الإمام من ركن إلى ركن يرى، وإذا تعذر السماع أمكنت الرؤية، ولذلك كان المقرر عند الجمهور رحمهم الله أنه لا بد من رؤية الإمام أو من يقتدي بالإمام على الصحيح. هناك من العلماء من أجاز الاقتداء بسماع الصوت، وقاس بعض المعاصرين عليه الأجهزة، واستدلوا لهم بحديث أسماء في الحجرات، حينما ائتم أقوام بصلاته عليه الصلاة والسلام، وكذلك في قبته في الاعتكاف، وهذا لا يخلو من نظر؛ لأنه قد يكون باب القبة مفتوحا ويرون النبي صلى الله عليه وسلم أمامهم. أما اقتداء أسماء فكان في الحجرة وهي تسمع الصوت، وحجرات النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن بذلك البناء والشموخ، فهي تراه في بعض الأركان دون بعضها، فلا يصح الاستدلال به من كل وجه. ثم أيضا أسماء تسمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم، وتسمع تكبيراته عليه الصلاة والسلام. ومن يعرف المسجد النبوي يعرف أن حجراته بجوار روضته عليه الصلاة والسلام، ما بين حجرة عائشة التي كانت تجلس فيها أسماء وبين الروضة إلا الجدار، وهذا شيء بسيط جدا بجواره، ولذلك كانت عائشة رضي الله عنها تسمع خطبه، وميمونة رضي الله عنها كانت تقول: (ما حفظت سورة ق إلا من فم النبي صلى الله عليه وسلم من كثرة ما يرددها في الجمعة) وحجرة ميمونة كانت في آخر الحجرات فإذا كانت في آخر الحجرات تسمع الخطبة فما بالك بالتي في أول الحجرات. وهذا أمر مهم وهو أن النصوص لا بد من ضبطها ولا بد أن يكون طالب العلم عند الاستدلال بها يعرف الحال الذي كان عليه عليه الصلاة والسلام، حتى يستقيم الاستدلال بها على هذا الوجه. وبناء على ذلك: فالذي نراه أحوط للصلاة والعبادة ولشرع الله عز وجل، أن المأموم رجلا كان أو امرأة لا بد أن يرى الإمام أو من يقتدي بالإمام، ولو شخصا واحدا، حتى يحصل به البلاغ، ويكون الاقتداء على وجهه، لأنه يبني صلاته على صلاة الإمام، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) فكيف يتابعه إذا كان لا يراه، وإنما يسمعه بواسطة، وأسماء رضي الله عنها كانت تسمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يخشى انقطاع تيار كهربائي، ولا يخشى وجود فاصل ولا حائل، ولكن الآن في زماننا بوجود هذه الأجهزة لا يؤمن انقطاعها، ولا يؤمن أيضا اختلال صلاة المأمومين فيها، والله تعالى أعلم.
__________________
|
|
#642
|
||||
|
||||
|
حكم زكاة الدين السؤال يقول السائل: لي مبالغ مالية عند بعض الناس استدانوها مني وفيهم الموسر وفيهم المعسر، وفيهم من لا أعلم حاله، فما حكم زكاة بهذه الأموال؟ الجواب إذا كان لك دين على أحد، فإن كان غنيا ويمكنه السداد، أو كان عنده قدرة أن يسددك وجبت عليك الزكاة؛ لأنك إذا طالبته كأن المال في يدك، وفي بعض الأحيان يكون هذا الغني صديقا لك، أو يكون أخا لك، فتستحي أن تقول: أعطني المال، لكن في الحقيقة ما دام أن الأجل حل، وهو قادر أن يسدده، فكأن المال في يده إذا كان غنيا قادرا على السداد، فتجب زكاته، وأما إذا استدان منك فقير، أو استدان منك شخص، ولما جاء وقت السداد قال: أنا عاجز ولا أستطيع أن أسددك، فإنه لا زكاة عليك؛ لأن المال غير موجود. ومن هنا تنتظر حتى يسددك وتزكي لسنة واحدة، فلو مكث خمس سنوات أو عشر سنوات، وأعطاك المال بعد عشر سنوات، فلا تزكي إلا لسنة واحدة، والله تعالى أعلم. حكم إدخال العقيقة تحت الأضحية في النية السؤال هل يصح إدراج العقيقة تحت الأضحية؟ الجواب لا يصح إدراج العقيقة تحت الأضحية؛ لأن الأصل عند العلماء في مسائل الإدراج أن يتحقق مقصود الشرع، فالعقيقة مقصود الشرع أن تكون في يوم السابع للولد والولد مرهون بها، قال صلى الله عليه وسلم في حديث الحسن عن سمرة: (كل غلام مرهون بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه) فهذا حق واجب مقصود لسبب. وأما الأضحية فإنه على القول بوجوبها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من ذبح قبل الصلاة فليذبح أخرى مكانها) تكون مقصودة، ولا يجزئ أن يعق بنية الأضحية، ولا أن يضحي بنية العقيقة، لا يجزئ أحد الأمرين عن الآخر، فواجب عليه أن يذبح لكل منهما ذبيحته المعتبرة، والله تعالى أعلم. حكم المماطلة في أداء الحقوق للناس السؤال من استدان مالا وماطل في السداد، وتساهل، هل يعتبر غاصبا وآكلا للمال بغير حق؟ الجواب منع الناس حقوقهم والتساهل في رد الحقوق إلى أصحابها كبيرة من كبائر الذنوب، عواقبها وخيمة، ونهايتها موجعة أليمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف هذه الحالة بأنها ظلم، والمظلوم إذا دعا على من ظلمه فإن دعوته مستجابة ولو بعد حين، وقد حرم الله الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرما، قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (مطل الغني ظلم يبيح لومه وعرضه) . حتى لو أنه أخر راتبه أو منعه إياه مدة خمسة أشهر أو ستة أشهر فهذا ظلم، ويحاسب بين يدي الله ويسأل بين يدي الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) وقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (يقول الله تبارك وتعالى: ثلاثة أنا خصمهم ومن أكن خصمه فقد خصمته، رجل أستأجر أجيرا فلم يوفه حقه) قال العلماء: ممكن أن يعطيه راتبه ولكن بعد شهر، فلم يوفه؛ لأنه قال: (لم يوفه) وهذا يدل على أنه ينبغي الوفاء؛ فإذا قال: أعطيك في نهاية الشهر، فإنه يعطيه في نهاية الشهر. كذلك أيضا إذا استدان وقال: أعطيك في نهاية الشهر، أو أعطيك بعد سنة، فإنه يجب عليه أن يفي إذا كان قادرا، أما إذا كان عاجزا فإن الله تعالى يقول: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة:280] والتأخير والتوسعة على المديون من أحب الأعمال إلى الله عز وجل، وبها تفرج الكربات، وبها تكون النفحات والرحمات من الله عز وجل، فالشخص إذا أعطيته دينا، ووجدت أموره معسرة، وأنه محتاج إلى هذا المال، وأنه يحتاج أن تأخره وأن تنظره، فهذا مكياله أوفى عند الله عز وجل، بل قال بعض العلماء: الصدقة على المستدين أعظم من الصدقة على المحتاج. فعندما ترى إنسانا مديونا مكروبا في دينك، قد ضاقت عليه الأرض، وتأتيه في ظلمة الليل أو ضياء النهار وتقول: يا فلان مالي ومالك كالشيء الواحد، قد عفوت عنك، فهذا من أعظم الأعمال الصالحة عند الله عز وجل. كان رجل يدين الناس ويقول لغلمانه: إذا وجدتم معسرا فتجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عني، فلقي الله عز وجل، يقول صلى الله عليه وسلم: (فقال الله: يا ملائكتي نحن أحق أن نتجاوز عن عبدنا، قد غفرت لعبدي) فغفر الله له وتجاوز عنه لما تجاوز عن عباده وخلقه؛ لأن الله رحيم ويحب من عباده الرحماء، ويرحم من عباده الرحماء. والمشكلة اليوم دخول شياطين الإنس والجن، تأتي إلى شخص لك عليه دين، ويتأخر في السداد، فتجدهم يأتون ويقولون: لماذا لا تأخذ حقك؟ هذا يتلاعب بحقك، هذا كذا هذا كذا نزعت الرحمة من المسلمين إلا من رحم الله، لكن لو أنزل الإنسان نفسه منزلة هذا المديون ونظر في حاله وقدر ظروفه وقال: قد سامحتك، قد أسقطت عنك نصف الدين، قد أسقطت عنك بعض الدين؛ يرجو رحمة الله عز وجل، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، : {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} [الكهف:30] فهذا من الإحسان، والنفوس مجبولة على محبة الأموال. فالتوسعة على المديونين وعدم التضييق عليهم أمر مطلوب. أما أن يكون قادرا على السداد ويمنعك حقك ويماطل، فبعضهم يقول: إنها شطارة في التجارة، وبعضهم يقول: إنها شطارة في الأموال أن يتأخر عن حقوقك، وأن يماطلك في حقوقك حتى يستفيد من المال، ولا يريد أن يدفع المال مباشرة! فهذا من الظلم، ولو دعا صاحب المال على هذا الشخص فإنها تستجاب دعوته؛ لأن الله يقول: (وعزتي وجلالي لأنصرك ولو بعد حين) ودعوة المظلوم على الظالم مستجابة، ولذلك نجد بعض الناس الذين أعطاهم الله الأموال ويؤخرون الناس في السداد، تكون أمورهم منكدة منغصة، لا يأتون إلى باب إلا أقفله الله في وجوههم، ولا يسلكون طريقا إلا عسر الله عليهم؛ لأن الله مكنهم من الخير فضيقوا على العباد مع قدرتهم أن يوسعوا على العباد. وتجد الشخص الآخر إذا استدان من الناس يوفي لهم ويعطيهم، حتى إنه في بعض الأحيان يذهب ويتسلف من أجل أن يفي بوعده، وهذا ما عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الصحيح: (رحم الله امرأ سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا قضى، سمحا إذا اقتضى) والسمح إذا قضى: كما إذا قلت لك: أسددك في نهاية الشهر، فوجدت المال قبل نهاية الشهر، فآتي لأسددك وأقول لك: جزاك الله كل خير. ولا أنتظر إلى نهاية الشهر، مع أن الذي بيني وبينك نهاية الشهر، فآتي وأقدر أن بيني وبينك التزاما، لكني مع ذلك أقدم السداد، هذه من السماحة. ومن السماحة أنه إذا استدان -مثلا- ألفا يزيد ويعطي عليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم أحسنكم قضاء) فينبغي على المستدين أن يقدر المعروف، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان، فلا يماطل ولا يؤخر، وإذا ماطل وأخر وظن أن ذلك يكثر ماله، فإن الله ينقص ماله، ويذهب البركة من ذلك المال، ومن أراد أن يجرب ذلك فليفعل. فتأخير حقوق الناس مضرته عظيمة، يمنع خشوع الصلاة ويمنع رقة القلب، ويمنع بركة الرزق، ويوجب على الإنسان ويجلب عليه العواقب الوخيمة، وربما يكون المال الذي جمعه وأخره يريده لشيء فيمحق الله بركة ذلك الشيء، ولذلك ينبغي إنصاف الناس، وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة:1] والعقود: الالتزامات التي بين المسلمين، قال عمر رضي الله عنه: (مقاطع الحقوق عند الشروط) فإذا اشترط عليك الوفاء في نهاية الشهر فعليك أن توفي له، خاصة الخدم والضعفاء والغرباء، فهؤلاء أمرهم أعظم، فإذا كان الإنسان يستغل ضعف صاحب الدين، أو ضعف الخادم، فيؤخر حقوقه، إذا قال له: في نهاية الشهر أعطيك المال، فإن نفسه مرهونة بالدين، هذا الراتب أو هذا الحق الذي للأجير أو الدائن إذا جاء الأجل ولم توفه، فإنه يصير دينا عليك، وحتى ولو كان راتبا، فيصبح هذا الضعيف أو هذا الخادم أو هذه الخادمة أو هذا الأجير دائنا لك. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (نفس المؤمنة مرهونة بدينه) ولذلك تجد طالب علم بمجرد ما يدخل في الديون تتنكد حياته، وإذا كان أعبد الناس بمجرد ما يدخل في الديون يتنغص عيشه، الدين هم الليل ذل النهار، فيحرص الإنسان على أن لا يدخل في الدين، خاصة إذا كان قادرا، وخاصة إذا جاءه الأجير وقال: عندي ظروف فأريد راتبي وأريد حقي. والأعظم أن يجمع بين السيئتين، تأخير الحقوق، وإذا طلب منه أن يقضيها أقام الدنيا وأقعدها وظن أن هذا من سوء الأدب، ويقول: كيف يقول: أعطني مالي؟! وكيف يقول: أعطني حقي؟! فإن رسول الأمة صلى الله عليه وسلم لما جذبه اليهودي بردائه حتى أثر في عنقه، وقال: (أعطني يا محمد فإني ما عهدتكم آل هاشم إلا مطلا) أراد عمر أن يبطش به، فقال عليه الصلاة والسلام: (دعه، فإن لصاحب الحق مقالة) فكانت سببا في إسلام اليهودي، فهذه أمور ينبغي للمسلم أن يلتزم بها: وفاء الناس، وأداء حقوقهم وسدادها. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يسلمنا وأن يسلم منا، وأن يخلصنا من حقوق عباده، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم. نصائح في الإخلاص للدعاة السؤال ترد على الداعية والمتقلد للإمامة والخطابة وغيرها من أمور الدعوة بعض الموارد من الرياء والعجب، فكيف يدفع هذه الأمور ويحصل الإخلاص في عمله؟ الجواب إن الله يبارك للداعية وللخطيب وللإمام ولكل متكلم بشرائع الإسلام متى ما أراد وجه الله جل جلاله، وابتغى ما عند الله، وتوجه بكليته إلى الله، ومن كان لله كان الله له، ومن عامل الله فتجارته رابحة، وأموره مستقيمة، وأحواله صالحة، ومن هذا الذي كان مع الله، فخذله ربه؟ ومن هذا الذي استقام لله، فضيعه ربه؟ وقد قال الله: {إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة} [المائدة:12] . فالعبد إذا أقام لله أمره، وأخلص لله قلبا وقالبا، وأراد ما عند الله، وابتغى الدار الآخرة، وسعى لها سعيها وهو مؤمن، كان سعيه مشكورا، وإذا شكر الله السعي باركه، ووضع الخير فيه، فقليله كثير، ويسيره عظيم، وكم من عمل عظمته النية، فمن وطن نفسه على إرادة وجه الله جل جلاله، وابتغاء ما عند الله، فإنه سعيد بحق، سعيد في الدنيا وسعيد في الآخرة، ففي الدنيا جنة للمخلصين الذين يريدون وجه الله رب العالمين، لا يمكن لأحد أن يحقق شرطها وأصلها إلا نال سعادتها وخيرها وبرها. وإذا دخل هذه الجنة في الدنيا أدخله الله جنة الآخرة، يعيش فقيرا مرقع الثوب بالي الحال، ولكنه بالإخلاص عزيز كريم غني بالله سبحانه وتعالى، هذا هو الأساس الذي ينبغي أن يبني عليه العبد أموره كلها فضلا عن طالب العلم، فضلا عن الداعية، فضلا عن غيره. وماذا يريد الإنسان بالناس، هل أحيوا ميتا؟ هل شفوا مريضا؟ هل أطعموا بدون إذن الله جائعا أو كسوا عاريا؟ {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} [الأعراف:196] فالذي يكون لله، فالله هو الولي وحده، والذي يكون لغير الله فلن يجد من دون الله وليا ولن يجد له من دون الله نصيرا، طاب عيش المخلصين بإرادة وجه رب العالمين. فماذا يريد الإنسان من الرياء؟ وهب أن أهل الأرض كلهم رضوا عنك ولم يرض عنك الله جل جلاله -لا قدر الله- فماذا يقدمون مما أخر الله منك؟ وماذا يؤخرون مما قدم الله لك؟ العبد الصالح يتوجه إلى الله جل جلاله؛ لأنه يعلم أنه لا صلاح إلا بإرادة وجه الله، ولا يمكن لشيء في هذا العلم وهذا الدين أن ينظر لصاحبه في جزائه وحسن عاقبته، إلا بعد أن ينظر في قلبه، وإرادة ربه. وينتبه الإنسان إلى من يعامل، فإنه يعامل ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، ويعامل من بيده خزائن السماوات والأرض، الذي بيده الخزائن التي لا تنفد، الرب الكريم الحليم العظيم جل جلاله وتقدست أسماؤه، ومن أراد أن يعرف المعاملة مع الله، فليعرف من هو الله، فيتعرف على الله بأسمائه وصفاته؛ لكي يرى عظيم الكرم والجود والإحسان والمنن والفضل والرعاية والعناية والكفاية، وكل ما تريد من خير الدين والدنيا والآخرة: {قل من بيده ملكوت كل شيء} [المؤمنون:88] من الذي بيده ملكوت كل شيء؟ سبحانه لا إله إلا هو، فما الذي يريد الإنسان من الناس؟ هب أن الناس كلهم مجدوك، وهب أن الناس كلهم مدحوك، وهب أن الناس كلهم رفعوك، وهب أن الناس كلهم رفعوا وأخذوا وأعطوا، فماذا يغنون عنك من الله سبحانه وتعالى؟ تأمل كم من كلمات قلتها وأنت تريد رؤية الناظرين، وسماع المستمعين، فماذا أغنوا عنك من رب العالمين؟ لما مرضت التفت يمينا وشمالا فما وجدت إلا الله جل جلاله، الذي أحاطك برحمته وبلطفه وبمنه وكرمه في ظلمة الليل، ولو كان الإنسان أعز من في الأرض غنى وقوة ويسارا، فربما يأتيه المرض في ظلمة الليل، فلا يسمع صوته إلا الله وحده لا شريك له. فليعامل الإنسان الله سبحانه وتعالى ويذهب عنه الرياء، ويبعد عنه السمعة، فإذا قام خطيبا فليعلم أن مفاتيح قلوب الناس لا يمكن أن يعطيها الله إلا للمخلصين، وأن التأثير في قلوب العباد لا يمكن أن يكون بحلاوة الكلام، ولا بتنميق العبارات، ولا بتحسين الجمل، ولا بتكلف في الشكل ولا في الملبس، ولا بالهيئة، ولكنها أسرار بين العبد وبين الله المطلع على الضمائر، المطلع على السرائر، الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا. تستحي من الله حينما يرفعك على رءوس الناس لكي تخطب أو تعظ أو تحاضر، تستحي من الله أن ينظر في قلبك أن فيه غير الله جل جلاله، فمن الذي بوأك هذا المبوأ؟ ومن الذي أعطاك هذه النعمة؟ ومن الذي أحسن عليك بهذا الإحسان فصرت تتقدم تصلي بالناس؟ فتتذكر أن الله قدمك عليهم، وأن الله فضلك عليهم، وأن الله جعلهم يسمعون لقولك، وأن الله جعلهم يركعون بركعوك، ويسجدون بسجودك، فتستحي من الله جل جلاله. أخطر شيء في هذا الوجود الإخلاص، والمسألة العظيمة التي من أجلها قامت السماوات والأرض هي الإخلاص، حتى إن أهل الخير لا يمكن أن يتنافسوا أو ينالوا خيرا إلا بقضية الإخلاص، هي المحك الخطير في الدين والدنيا والآخرة، فلا تتكلم ولا تعمل ولا تقدم ولا تؤخر إلا وأنت تريد ما عند الله سبحانه وتعالى، وإذا كنت لله كان الله لك، ولا يخذل الله عبدا أخلص لوجهه وابتغى ما عنده، واعلم أن مدح الناس وثناء الناس وتعظيم الناس لا يغني عنك من الله شيئا، ولا يغني عن الحقائق. وقف رجل على الحسن البصري رحمه الله، وقال له: (عجز الزمان أن يأتي بمثلك، فقال: ويحك، ويحك ماذا تقول؟ أوعلمت ماذا أفعل حينما أغلق باب داري؟) يعني: تزكيني أني صالح وأنت لا تعرف سري وغيبي، هذا لا يعلمه إلا الله جل جلاله، فلا يعامل العبد إلا ربه، ولا يبتغي إلا ما عند الله سبحانه وتعالى، فإن مدح الناس وثناء الناس لا يغير في الحقائق. والعبد المخلص أكره ما عنده مدح الناس، فليكن أكره ما عندك أن يأتي واحد ويقول لك: والله خطبتك نافعة، خطبتك مؤثرة، خف من هذا، فإن هذا لا يغني عنك من الله شيئا، وأشفق على نفسك وقل له: يا أخي اتق الله، إذا كنت وعظتك وذكرتك بالله، فلا تقع بيني وبين آخرتي، ولا تأت تمدحني وتقطع لي عنقي: {فلا تزكوا أنفسكم هو} [النجم:32] وحده لا إله غيره، ولا رب سواه {هو أعلم بمن اتقى} [النجم:32] بل يعرف العبد مقدار نفسه، ويشفق طلاب العلم على بعضهم. تزكية العلماء والخطباء والأئمة ومدحهم وتمجيدهم وتضخيم أمورهم لا تغني عن العبد من الله شيئا، ولنشفق على أهل الخير وأهل الصلاح فلا نقطع رقابهم، وليستح العبد من ربه، أن يأتي ينمق الخطب وينمق المحاضرات والدروس والمواعظ وهو يريد مدح الناس وثناءهم، فعليه أن يستحي من الله جل جلاله، إذا كان يريد الدنيا فسوق الدنيا واضحة، وإذا كان يريد الآخرة فليجعل نصب عينيه الموت ولقاء الله سبحانه وتعالى، وليجعل بين عينيه قوله تعالى: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات} [المائدة:119] هذا اليوم يوم لقاء الله سبحانه وتعالى. والله ما استشعر عبد موقفه بين يدي الله إلا هانت عليه الدنيا وما فيها وأراد ما عند الله، وبالأخص الدعاة والهداة للناس، فتحضر الخطبة ولربما تقوم فتأتي تسأل الرجل بعد أن يخرج من المسجد: عن أي شيء كانت الخطبة؟ وإذا به لا يدري عن ماذا كانت، نسأل الله السلامة العافية. وقد يكون هذا بسبب من الخطيب، وقد يكون بسبب من الناس، وقد يكون بسبب منهما، فإن الشهوات والمنكرات والمعاصي إذا كثرت عم بلاؤها: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال:25] وقد يأتي الرجل كأخشع ما يكون ويحال بينه وبين التأثير بسبب ذنوب الناس. لكن ليس هناك شيء يؤثر مثل نية الخطيب ونية طالب العلم، ونية الإمام ونية الواعظ؛ فلا تغتر بالناس، وليكن أكره ما عندك أن يمدحك أحد، وربما مدحك عن حسن نية فتأتي بالتي هي أحسن وتقول له: يا أخي! والله إني مشفق على نفسي، إني كثير الذنوب وعندي خطايا، فخف الله جل جلاله في، ولا تمدحني ولا تمجدني. ثم إن هذا المدح شهادة، فأي شخص تقول عنه: فلان أعلم الموجودين، فلان أفقه الموجودين، فلان أحسن الدعاة، فلان أحسن الخطباء، فلان أحسن القراء، تقف بين يدي الله عز وجل وتسأل: {ستكتب شهادتهم} [الزخرف:19] يخطها ملائكة حافظون لا يغشون ولا يزيدون ولا ينقصون لتراها أمام عينيك، ويقول لك ربك: هذا الذي قلته لم قلته؟ من الذي نصبنا حكاما على الناس نزكي من نزكي، فعلى العبد أن يتقي الله في نفسه ويخاف من الله سبحانه وتعالى. وعلى أهل الخير والدعوة والصلاح والبر أن يعاملوا الله سبحانه وتعالى، وأن يعلموا أن تجارة الله لا تبور، وأن العبد إذا كان لله حفظه الله في نفسه، وحفظه الله في أهله وولده، وحفظه الله في طلابه، وحفظه الله في من يصلي معه، حتى إن بعض الأئمة إذا كان على صلاح وخير ترتاح للصلاة وراءه، وتجد من البركة التي يضعها الله في قراءته، ومن البركة التي يضعها الله في خطبه، ومن البركة التي يضعها الله عز وجل في مواعظه، وكل هذا بفضل الله، ثم بالسر الذي بين العبد وبين ربه. وينبغي إذا كان يوم الجمعة وجئت تخطب أن تشفق على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا تحرم الأمة خير كلماتك ومواعظك بسبب الرياء، أو بسبب محبة المدح والثناء، ولنكف عن تمجيد الناس، ولنكف عن الغلو، ولنتق الله في أنفسنا، وليدع بعضنا لبعض، ونطرح بين يدي الله عز وجل، ونسأل الله لنا التوفيق والسداد، والرعاية والعناية. فإذا وجدت داعية أو خطيبا أو عالما أو فقيها أو غيره ممن يشتغل بالدعوة، قلت: اللهم وفقه، اللهم سدده، اللهم خذ بيده لما يرضيك عنه، اللهم اجزه عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الجزاء، فتدعو له بالخير، وهكذا كان السلف وهكذا كان الأئمة. وتشفق عليه أيضا، وتسأل له المعونة وتقول: اللهم وطنه للإخلاص، اللهم ثبته على الحق، فهذا هو الذي تواصى به الصالحون وتواصى به الأئمة واهتدى به المهتدون: إرادة وجه الله جل جلاله، ولذلك قال تعالى: ألا
__________________
|
|
#643
|
||||
|
||||
|
شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع (كتاب النفقات) شرح فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي الحلقة (480) صـــــ(1) إلى صــ(22) شرح زاد المستقنع - كتاب النفقات [4] تستحق المرأة نفقة زوجها من حين أن تسلم نفسها له، والتسليم إما حقيقي وإما حكمي، والزوج إما أن يسلم النفقة كاملة، أو يعجز عنها كاملة، أو عن بعضها، ولكل حالة حكمها وتفصيلاتها. وهي أحكام مهمة قد يترتب على بعضها فسخ النكاح. وقت استحقاق المرأة للنفقة تسليمها نفسها للزوج الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: يقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ومن تسلم زوجته أو بذلت نفسها ومثلها يوطأ، وجبت نفقتها ولو مع صغر زوج ومرضه وجبه وعنته] . بعد أن بين المصنف رحمه الله وجوب النفقة على الزوجة وبين ما تقدر به النفقة، والأحكام والمسائل المتعلقة بهذا الأصل، شرع في بيان متى تستحق المرأة النفقة. فهناك أصل ينبغي اعتباره: وهو أن الزوج إذا سلمت إليه الزوجة ومكن منها فقد وجبت عليه نفقتها، وهذا الأصل نبه عليه رحمه الله في بداية هذا الفصل؛ لأن الله سبحانه وتعالى رتب النفقة على الاستمتاع وعلى قيام الزوجة بحقوق زوجها، وبينا ذلك في مسائل النشوز، وإذا ثبت هذا فإنه إذا تسلم الزوجة ومكن من الاستمتاع منها فإنه حينئذ تجب عليه نفقتها، لكنه لو عقد على الزوجة ولم يتسلمها ولم يمكن منها فإنه لا تجب عليه نفقتها، وتبقى نفقتها على أبيها أو على إخوانها وقرابتها أو على نفسها إن كانت مستطيعة أن تنفق على نفسها، حتى يمكن الزوج منها وتسلم إليه. التسليم الحقيقي للمرأة وهناك ضربان من التسليم: التسليم الحقيقي والتسليم الحكمي. التسليم الحقيقي: مثل أن يكون له منزل ويؤتى بالزوجة وتسلم له بالمعروف وبالعرف، فحينئذ قد تسلمها وتمكن منها حقيقة، وتجب نفقتها عليه بإجماع العلماء رحمهم الله، لكن لو أنها بقيت في بيت أبيها، وقال أبوها: لا أمكنك من الدخول عليها إلا بعد شهر، أو بعد أن تجد عملا، أو بعد أن تتخرج، أو بعد كذا وكذا من الزمان أو من الشروط، فإنه في هذه الفترة لا يجب عليه أن ينفق عليها، وتبقى على نفقتها في الأصل، فإن كانت تحت رعاية أبيها وجبت نفقتها على أبيها، وإن كانت تحت رعاية قريب وجبت نفقتها على ذلك القريب حتى تسلم إلى الزوج. التسليم الحكمي للمرأة قوله رحمه الله: [أو بذلت نفسها ومثلها يوطأ] وهذا التسليم الحكمي: بألا يكون عندها مانع، ولا عند أهلها مانع، وقالوا له: في أي وقت تريد أن تأخذها فخذها، فحينئذ يكونون قد مكنوه منها، وقالوا له: أي وقت تشاء أن تدخل بها فنحن على استعداد، والأمر يسير بالنسبة لنا، فلم يمنعوه من شيء، فأصبح التأخير منه لا منها، ففي هذه الحالة قد مكنوه، وهو لم يتسلمها حقيقة لكنه تسلمها حكما؛ لأنهم لم يمنعوه منها، ولم يحولوا بينه وبين الدخول بها، وفي هذه الحالة تجب عليه نفقتها. إذا: هناك التسليم الحقيقي وهناك التسليم الحكمي، فإذا بذلت نفسها له أن يستمتع بها، فحتى ولو كانت في بيت أبيها، فحينئذ تجب نفقتها عليه، ولا يشترط أن تنتقل إلى البيت، بل لو استمتع بها في بيتها، أو مكنته من نفسها في بيت والديها ولا يوجد مانع ولا حائل شرعي يحول دون ذلك؛ فإنه يكون في حكم من تسلم زوجته حقيقة. وقد تقدم أن الشريعة الإسلامية تجعل التسليم الحكمي منزلا منزلة التسليم الحقيقي، ومن أظهر ذلك ما ذكرنا في الأجير، أن الأجير أو العامل -مثلا- لو استأجره شخص يوما كاملا على أن يعمل عنده فجاء العامل ومكن صاحب العمل من نفسه، ولكن صاحب العمل لم يعمل أو لم يطالبه بشيء، فإنه قد مكنه من نفسه، ويكون حينئذ رب العمل ملزما بدفع أجرة العامل، فكذلك المرأة إذا مكنت نفسها ولم يمنعه أولياؤها منها، صار ذلك موجبا لثبوت حقها في النفقة عليها. لزوم نفقة المرأة بتسليمها لزوجها ولو كان صغيرا قال رحمه الله: [وجبت نفقتها ولو مع صغر زوج] . [وجبت نفقتها] أي: على الزوج، هنا (وجبت) بمعنى: لزمت أو ثبتت نفقتها؛ لأن الواجب يطلق بمعنى: الثابت والمستقر، كقوله تعالى: (( فإذا وجبت جنوبها )) [الحج:36] أي: ثبتت على الأرض واستقرت، ومنه قوله: (والمغرب إذا وجبت) أي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب إذا سقط قرص الشمس وغاب، ويطلق الواجب بمعنى اللازم الذي هو الحكم الشرعي. فمعنى (وجبت) أي: أصبحت النفقة واجبة على الزوج ولازمة، وفي الأول لم تكن واجبة عليه، لكن إذا تسلم الزوجة أو مكنته من نفسها فإنه في هذه الحالة يجب عليه أن ينفق عليها. [ولو مع صغر زوج] من أهل العلم من قال: إن الزوج إذا سلمته الزوجة نفسها أو مكن الزوج منها، وجبت نفقتها بغض النظر عن كون الزوج صغيرا أو كبيرا، ومن أهل العلم من قال: إذا كان صغيرا لم تجب نفقتها عليه، وإذا كان كبيرا وجبت النفقة. فالمصنف رحمه الله قال: (ولو مع صغر) إشارة إلى القول المخالف؛ لأننا قلنا: (لو) يؤتى بها إشارة إلى خلاف في المذهب، فيستعملها المصنف رحمه الله في المتن إشارة إلى القول المخالف في المذهب، فإذا قلنا: إن الصغير إذا مكنته الزوجة من نفسها أو تسلمها وجبت النفقة فإن الذي يدفع النفقة هو وليه؛ لأن الصغير لا يتولى القيام على ماله كما قال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} [النساء:5] وبالإجماع فإن الصبي لا يتصرف بماله، وإنما يتصرف وليه، فيجب على وليه أن ينفق على تلك المرأة. لزوم نفقة المرأة على زوجها ولو كان مريضا أو معيبا قوله: [ومرضه] أي: ولو مع مرض الزوج، فإذا كان الزوج مريضا، لا يمكن أن يطأ، أو كان صغيرا فالوطء منه ليس كما إذا كان كبيرا، فبين رحمه الله أننا لا نلتفت إلى العذر، بل نلتفت إلى أن المرأة لها حق النفقة متى مكنته من نفسها وسلمتها إلى هذا الزوج، مالمانع منه لا يعنيها، كما أن الأجير إذا مكن نفسه ممن يستأجره فإنه يجب عليه أن يدفع له أجره. قوله: [وجبه] قد تقدم أنه من العيوب، فلو كان مقطوع الذكر لا يتأتى منه أن يجامع ففي هذه الحالة تلزمه النفقة؛ لأن النفقة ليست قضيتها قضية الجماع فقط، بل ولأن المرأة أسيرة عند الزوج، كما قال صلى الله عليه وسلم: (فإنهن عندكم عوان) وهو يقتضي ثبوت حق النفقة، ولذلك قد تكون المرأة عند زوج لا يأتيها ككبير السن ونحو ذلك، فلا يشترط أن يكون قادرا على الجماع، فالعبرة بكون المرأة مكنت من نفسها، وسلمت نفسها إلى الزوج. قوله: [وعنته] هذا أيضا من العيوب، ومراده أن يقول: إذا كان العيب موجودا في الزوج وقالت الزوجة: مكنتك من نفسي، أو سلمها أولياؤها إليه، ففي هذه الحالة لا يعنينا وجود العيب فيه أو العذر، والذي يهمنا هو أن للمرأة حقا، وهو أنه متى مكنت الزوج من نفسها بغض النظر عن كونه يقدر كالكبير الصحيح القادر على الوطئ، أو لا يقدر كالصغير أو المجبوب أو من به عنة -وهو من لا ينتشر عضوه- وقد بينا هذا في عيوب النكاح، فهؤلاء كلهم فيهم عيوب تمنع الوطء. ونحن بينا أن العلة ليست أن يجامع أو لا يجامع، فإذا مكنت من نفسها وسلمت إلى زوجها وجب حقها في النفقة، ووجب عليه أن ينفق عليها بالمعروف، وبينا أن هذا مبني على الأصل، وليس الجماع هو المعول عليه من كل وجه؛ إنما العبرة بكون المرأة سلمت ومكنت الزوج من نفسها. حكم امتناع المرأة عن تسليم نفسها حتى تقبض صداقها الحال قال رحمه الله: [ولها منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال] إذا تزوج الرجل من امرأة، وعقد عليها وسمى لها صداقها حالا أي: نقدا، فقال: مهرك -مثلا- ثلاثون ألفا أدفعها نقدا، أو قال: ثلاثون وسكت، فإذا سكت وجب دفعها نقدا؛ لأن المؤجل خلاف الأصل؛ فإذا اتفقوا على الثلاثين ألفا ولكنه لم يحضرها، فمن حقها أن تمتنع من تمكينه من نفسها، ومن حق أوليائها أن يمنعوه حتى يدفع المهر؛ لأن مقاطع الحقوق عند الشروط. فإذا سكتوا على كون المهر مسمى بدون تأجيل وجب تعجيله، وهذا أشبه بالشرط؛ لأن العقد أصلا يتضمن التزامات من الزوج والزوجة، فواجب على الزوج أن يؤدي ما التزم به وواجب على الزوجة أن تؤدي ما التزمت به، فمما فرض الله عز وجل أن يعطيها مهرها، ولذلك قال تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} [النساء:24] فمن حقها أن تمنع زوجها أو يمتنع أولياؤها من تسليمها حتى يدفع الزوج المهر كاملا، وهذا قد يكون له سبب؛ فإن المرأة في زواجها قد تتحمل أمورا في لباسها، ويتحمل أولياؤها أمورا في تهيئتها لزوجها، وتهيئة بيتها لها، وهذا يحتاج أن يكون عندها المال أو يكون عندها المهر، فإذا قالت: أنا لا أمكنك من نفسي حتى تدفع لي صداقي، فهذا من حقها، وكذلك من حق والدها ومن حق وليها أن يمنعها منه حتى يؤدي صداقها الحال. ولما قال رحمه الله: (الحال) مفهومه أن المؤجل ليس من حقها أن تمتنع بسببه، فلو قال: أدفع لك عشرة آلاف الآن وعشرين بعد سنة أو سنتين أو ثلاث، فإنه ليس من حقها أن تمتنع حتى يدفع لها المؤجل؛ لأن المؤجل إلى أجل، وبناء على ذلك لا تمتنع إلا إذا اشترطت وقالت له: أنا لا أمكنك من نفسي حتى تدفع لي الصداق كاملا، فقال: إذا: أدفع لك عشرة هذه السنة، والعشرة الثانية في السنة القادمة، والعشرة الثالثة في السنة الثالثة، فمعناه أنه سيكون الدخول بعد السنة الثالثة. وهذا على حسب ما يتفق عليه الزوجان؛ لأنهم إذا تراضوا على شيء وتم العقد على اشتراط شرط لا يعارض الشرع ولا يناقضه، وجب الوفاء به. حكم امتناع المرأة بعد تسليمها نفسها قال رحمه الله: [فإن سلمت نفسها طوعا ثم أرادت المنع لم تملك] أي: (فإن سلمت نفسها) في هذه الحالة، وهي أن يكون لها استحقاق في المهر المعجل، فقال لها: مهرك ثلاثون، فاتفقا على ذلك، فقيل له: ادفع المهر، قال: ليس عندي إلا عشرون، فسلمت نفسها له على أساس أنه دفع ثلثي المهر، فلما سلمت نفسها أو مكنته من نفسها أرادت أن ترجع، فهنا سقط حقها في الرجوع، ووجب عليها أن تبقى في بيت الزوجية، وفائدة إسقاط حقها: أنها لو امتنعت تكون ناشزا ويسقط حقها في النفقة. فإذا مكنت زوجها من نفسها مع أن من حقها أن تؤخر، فقد دل هذا الفعل على الرضا بالتأخير والرضا بإسقاط حقها، فإذا أسقطت الحق فليس من حقها أن ترجع عن هذا الإسقاط؛ لأن حقوق المقابلة لا يملك الإنسان الرجوع فيها. إعسار الزوج بالنفقة قال رحمه الله: [وإذا أعسر بنفقة القوت أو الكسوة أو ببعضها أو المسكن، فلها فسخ النكاح] العسر ضد اليسر، وعسر النفقة أن لا تتيسر للإنسان، ويكون عسر النفقة على صورتين: الصورة الأولى: أن لا يجد شيئا، وهو حال الفقير، فلا يجد شيئا له ولا لزوجته. والحالة الثانية: أن يجد بعض النفقات، ويجد بعض القوت الذي لا يسد الكفاية. خيار الفسخ للمرأة في حال إعسار الزوج بالنفقة فإذا أعسر ولم يقم بواجب النفقة على الزوجة فإنه اختلف العلماء رحمهم الله فيه، من أهل العلم من يقول: الإعسار في النفقات يوجب الخيار للزوجات، فالزوجة إذا حبسها زوجها ولم ينفق عليها ولو كان فقيرا -أي: لم ينفق عليها لعذر - فإن من حقها أن تطلب فسخ النكاح، ومعنى الخيار: أنها تخير بين أن تستمر وتصبر حتى يأتي الله بالفرج، وبين أن تفارق الزوج، وحينئذ يفسخ النكاح بينهما. ومن أهل العلم من قال: لا خيار في الإعسار بالنفقة. والذين قالوا: إن الخيار ثابت في الإعسار في النفقة قالوا: إن أصول الشريعة دالة على دفع الضرر، ولا يمكن للحياة الزوجية أن تكون حياة زوجية والمرأة معذبة في عصمة الرجل، ولا يمكن أن تقوم المرأة بحقوق الرجل والرجل لا يقوم بحقوقها في النفقات، وهذا تكليف بما لا يطاق؛ لما فيه من الحرج والمشقة، ومعلوم أن المرأة إذا أعسرت ولم تجد طعاما -خاصة إذا كان عندها أولاد- ربما تعرضت للحرام لأجلهم، وتعرضت للضرر في دينها وفي عرضها، ومن هنا قالوا: إن الإعسار يوجب ثبوت الخيار. وقالوا: إذا كانت الشريعة أعطت المرأة حق الخيار في عيوب تكون في الزوج، مثل عيوب الجماع إذا طرأت، فمن باب أولى في عيوب النفقة؛ لأن النفقة أعظم ضررا وأشد خطرا من عيوب النكاح، فمن هنا قالوا: يثبت الخيار للمرأة، ونقول لها إذا أعسر زوجها ولم ينفق عليها: إن شئت صبرت وإن شئت طلبت فسخ النكاح، فإن اختارت فسخ النكاح ورفعت الأمر للقاضي فإنه يوقف الزوج ويقول له: يا هذا، هل تستطيع أن تنفق على زوجك؟ فإن قال: لا أستطيع، ثبت عند القاضي إعساره وعدم قيامه بحق نفقة زوجته، فحينئذ يحكم بفسخ النكاح بينهما. والذين يقولون: إن الخيار لا يثبت بالإعسار يحتجون بالأحاديث الصحيحة التي منها: ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من شدة الحاجة والفاقة، حتى أن فاطمة رضي الله عنها زوجة علي وبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءت تشتكي إلى رسول الله من شدة ما تجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمهات المؤمنين يمر عليه الشهر والشهران والثلاثة وما يوقد في بيته نار. قالوا: فهذا يدل على أن الإعسار في النفقة لا يوجب الخيار. والحقيقة أن هذا الاستدلال محل نظر؛ لأن فقه المسألة: إذا لم تصبر المرأة، وأمهات المؤمنين كن صابرات راضيات؛ لذلك خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الدنيا وبين الآخرة، فاخترن ما عند الله سبحانه وتعالى والرضا برسول الله صلى الله عليه وسلم. فالحقيقة أن الاستدلال بهذه النصوص محل نظر؛ لأن الزوجات راضيات، ومحل الكلام إذا لم ترض الزوجة وقالت: أنا لا أستطيع، وهذا شيء أحمل فيه ما لا أطيق؛ فأصول الشريعة في الدلالة تقتضي ثبوت هذا النوع من الخيار، وهذا هو القول الصحيح إن شاء الله تعالى: أن الزوج إذا افتقر واشتد أمره حتى حبس عن المرأة نفقتها؛ فإننا نقول له: إما أن تنفق عليها بالمعروف؛ لأن الله أمرك بالعشرة بالمعروف، وإما أن تسرحها بإحسان، ولا نستطيع أن نقول للمرأة إنها ملزمة بشرع الله عز وجل أن تبقى على هذه الحال التي لا تجد فيها قوتها ولا قوت أولادها؛ فهذا لا شك أنه مخالف لأصول الشريعة، وبناء على ذلك: ترجح القول القائل بأن الخيار يثبت للزوجة إذا أعسر الزوج بالنفقات. وأما إذا صبرت المرأة فلا شك أن هذا أفضل وأكمل، ما لم تخش على دينها، أو على عرضها، فإذا خافت الفتنة ووجدت أن هذا ليس بيدها فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لكن من حيث الأصل صبرها وتحملها واحتسابها للأجر عند ربها لا شك أنه أعظم، والله تعالى يجعل مع العسر يسرا، فمن هنا (لن يغلب عسر يسرين) لأن الله يقول: {فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا} [الشرح:5 - 6] . وشهد الله جل وعلا أنه لا يكون عسر إلا معه يسر، وكرر إثبات هذا اليسر مرتين، فصار العسر في الآية الأولى والثانية واحدا، واليسر الذي شهد الله به مرتين، فمن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يغلب عسر يسرين) لأن الله شهد باليسر، فإذا صبرت المرأة واحتسبت فالحمد لله، وأما إذا طالبت بحقها فلها حق الفسخ. تخيير المرأة عند إعسار الزوج بالكسوة [أو الكسوة] بأن يطعمها ولكن لا يكسيها، مثلا: رجل عنده القوت وليس عنده المال الذي يشتري به الكسوة، فقلنا له: اكس زوجتك، فقال: ليس عندي ما أكسوها به، ففي هذه الحالة نقول للمرأة: أنت بالخيار، فإن تضررها بالعري وتضررها بعدم الكسوة قد يوجب لها الحرج، وقد يكون بالغا، مع أنه قد يعرضها للحرام كما لا يخفى، وقد يضرها؛ لأن كسوة الشتاء تحتاجها لصلاح نفسها، فإذا كان لا يكسوها وبقيت على كسوة واحدة أو على كسوة بالية، تضررت في صيفها وتضررت في شتائها، وهذا لا شك أن فيه حرجا وفيه ضيقا على المرأة، والله عز وجل يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78] أي: ليس في حكم الله ولا في شرع الله الحرج والضيق الذي لا يتحمله الإنسان، أو يوجب له العنت. ومن هنا نقول: إن المرأة إذا لم تكس تعرضت للحرج، فلو قلنا لها: اصبري، صار أمرا بالحرج، وهذا ليس من حكم الله عز وجل، ولذلك الذين قالوا بثبوت الخيار في الإعسار منهم من فصل فقال: الإعسار يثبت في القوت وفي الكسوة، أي: سواء أعسر في القوت، أو أعسر في الكسوة؛ لأن الزوجة تتضرر بهما. تخيير المرأة عند إعسار الزوج ببعض النفقة [أو ببعضها] قلنا: الإعسار على صورتين: إما إعسار كلي بأن لا يجد النفقة، أو إعسار جزئي وهو الذي يجد بعض النفقة، فالمرأة تتضرر بعدم وجود النفقة التي تحصل بها الكفاية، فإذا كان -مثلا- قوتها من الطعام لا يجد إلا نصفه، وقال: ليس عندي إلا نصف طعامك، أو نصف ما يكفيك وأولادك، فإنه إعسار. ولو أنه كساها بعض الكسوة لا كل الكسوة، أي: أنه يكسوها في الصيف ولا يكسوها في الشتاء، على القول بأن لها كسوتين: كسوة في الصيف والشتاء؛ فإن كسوة الصيف تضرها في الشتاء، وإن قال لها: أكسوك في الشتاء ولكن لا أستطيع كسوة الصيف، فإن لباس الشتاء لا يمكن لباسه في الصيف، فهذا فيه ضرر على المرأة، وحينئذ يثبت لها الخيار في الإعسار، سواء كان بكل ما يجب أو ببعض ما يجب. قوله: [أو المسكن] أي: بأن قال: إني لا أجد لك مسكنا، وهي ساكنة في بيت أبيها، أو مثلا أخذها وأسكنها في موضع عراء لا يعتبر مسكنا في العرف، فهو ملزم بأن يسكنها بالمعروف. مثال الإعسار بكل السكن: أن يضعها في بستان أو في أرض عراء ويقول لها: ما عندي شيء حتى أسكنك في مسكن، فنقول لها في هذه الحالة: لك الخيار، إن شئت صبرت وإن شئت طلبت فسخ النكاح، ويقال له: إما أن تسكنها بالمعروف ويكون لها السكن الذي أمر الله عز وجل بما لا حرج عليك فيه ولا مشقة، وإما أن تسرحها بإحسان. قوله: [فلها فسخ النكاح] أي: أنه من حقها، لكن لا نوجب عليها، فهو ما قال: فيجب عليها فسخ النكاح، أي: أنها بالخيار؛ ولذلك سموه خيارا، يعني: لها أن تختار أحد الأمرين إما أن تصبر وتحتسب، وإما أن تطالب بحقها فتفسخ النكاح.
__________________
|
|
#644
|
||||
|
||||
|
ما يلتحق بالإعسار بالنفقة من الصور قال رحمه الله: [فإن غاب ولم يدع لها نفقة وتعذر أخذها من ماله واستدانتها عليه فلها الفسخ بإذن حاكم] بين رحمه الله صورة من صور الإعسار الحكمي، فإنه قد يعسر حقيقة، وقد يكون الحال والصورة صورة الإعسار، مثل أن يسافر عنها، أو يذهب إلى عمل في ضاحية في المدينة، أو يخرج من البيت ويتركها، فيغيب عنها ولا يترك لها أي نفقة، ولا تستطيع أن تستدين من أحد على حسابه إن جاء. في هذه الحالة صار إعسارا في حكم امتناعه هو؛ لأن الأصل يقتضي أنه لا يغيب حتى يترك لأهله وولده قدر كفايتهم، والله أمره أن يتقيه سبحانه فيمن يعول، فإذا خرج وسافر وهو لا يبالي بزوجته، ولا يعطيها حقوق نفقتها في الطعام، والكسوة، والسكن، ولم يترك لها ولأولادها ما يكفيهم، فحينئذ فصل بعض العلماء واختاره المصنف، أنه يقال لها: هل بإمكانك أن تستديني من أحد حتى إذا حضر الزوج يطالب برد هذا الدين وقضائه عنك؟ إن قالت: نعم، لزمها أن تستدين، وليس من حقها أن تطالب بالفسخ؛ لأن الأصل بقاء العقد، والأصل بقاء العصمة، والزوج قد تأتيه ظروف لا يتمكن معها من إرسال النفقة. فإذا أمكن أن تستدين فإنه لا يبقى إلا هذا الخيار، وأما إذا تعذر عليها بأن يكون زوجها غريبا، أو أهلها فقراء وليس عندهم مال، أو لا تعرف أحدا يدينها، أو الناس الذين تعرفهم فيهم شح وبخل فلا تتمكن من الاستدانة، فلا الزوج ترك لها النفقة، ولم تتمكن من الاستدانة، وليس عندها مال تنفق، ففي هذه الحالة يثبت الخيار لها في قول طائفة كما اختاره المصنف رحمه الله؛ لأن هذا في الضرر كالإعسار في النفقة؛ لأنها تعرضت لنفس الحالة التي تعرضت لها في حال وجوده. قالوا: فلا فرق، فكما أن الزوج لو كان حاضرا وحصل لها ما حصل من الضرر، فإن من حقها أن تطلب الفسخ، فكذلك لو غاب، وهو الذي فرط، وهو الذي ضيع حقه؛ لأنه كان المنبغي أن يحتاط بترك حقها وحق أولادها ونفقتها ونفقة من يعول، فلما ترك ذلك لزمه حكم الشرع بالفسخ، هذا بالنسبة لحالة غيابه دون أن يترك نفقة ودون أن تتمكن المرأة من الأخذ على سبيل الدين، سواء من مالها أو من قرابتها أو ممن تعرف. الأسئلة حكم التضييق على المرأة في النفقة إذا كانت تجعلها في الحرام السؤال إذا كانت المرأة تنفق ما يعطيها زوجها من النفقة فيما حرم الله، فهل يجب أو يجوز التضييق عليها؟ الجواب هذا السؤال في الحقيقة يتأتى فيما إذا أعطاها المال نقدا، بحيث تتمكن من شراء المحرمات، وإذا أعطاها المال نقدا من أجل أن تشتري طعامها وتشتري كسوتها، وهذا يستطيع أن يشتريه بنفسه، وإذا رأى أنها تسرف إسرافا زائدا عن الحد فإنه يتابعها، لأن بعض الإسراف قد يسكت عنه الإنسان من باب الكماليات التي ليس فيها الحرام، فهذا يمكن أن يغض النظر عنه ويتسامح فيه. لكن إذا أنفقت المال الذي يعطيه لها ولأولادها في شراء المحرمات فإنه يجب عليه في هذه الحالة أن يقوم بشراء طعامها، ويوكل من يشتري لها كسوتها، أو يذهب بنفسه ليختار لها، أو يذهب معها لكي تشتري ما تريد من الكسوة التي لها ولأمثالها بالمعروف، ولا يمكنها من المال إذا كانت تعصي الله عز وجل به أو تشتري به المحرمات، وهذا واجب عليه، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم:6] فالواجب عليه أن يقي زوجه من نار الله عز وجل ومن سخطه وغضبه، والله تعالى أعلم. حكم القول بأن نسك الإفراد منسوخ السؤال يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) يستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أنه لا يجوز إلا نسك القران والتمتع، ومنع نسك الإفراد فما الحكم؟ الجواب هذا القول شاذ عند العلماء، قال به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس وخالفه جمهرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالفه الأئمة المأمور باتباعهم من الخلفاء الراشدين، فإن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في أكثر من خمس وعشرين سنة مدة خلافتهم الراشدة كلها ما حجوا إلا مفردين بالحج، وهذا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقول بأن الإفراد منسوخ قول ضعيف لا عمل عليه عند أهل العلم رحمهم الله، وإنما اختاره أفراد من العلماء، لكن النصوص واضحة: أولا: ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنه لما أتى ذا الحليفة قال عليه الصلاة والسلام: (من أراد منكم أن يهل بحج فليهل، ومن أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بحج وعمرة فليهل) ثم أمر عليه الصلاة والسلام من لم يسق الهدي أن يفسخ حجه بعمرة، فهذا الفسخ المراد به بيان مشروعية العمرة في أشهر الحج، وليس بيان لزوم أن يكون النسك في الحج تمتعا، وفرق بين المسألتين، ولذلك قال أبو ذر في صحيح مسلم -وهم الصحابة الذين هم أعلم بالتنزيل-: (متعتان لا تصلح إلا لنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: متعة النساء ومتعة الحج) يعني: الإلزام بفسخ الحج بالعمرة. فهذا الإلزام فهمه ابن عباس مطلقا، وكان ابن عباس رضي الله عنه من صغار الصحابة وانفرد بالقول بحل المتعة، وانفرد بمسائل معروفة من ربا الفضل ونحوه، وله جلالة قدره وعلمه ولكن لا يؤخذ بقوله إذا خالف من هو أعلم منه، وقد قرر هذه القاعدة بنفسه، ففي الصحيحين عنه لما أفتى بربا الفضل قال أبو سعيد: (يا ابن عم رسول الله! ألا تتقي الله؟! أيأكل الناس الربا بقولك؟ أهذا الذي تقول به وتفتي به شيء وجدته في كتاب الله، أو شيء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أما كتاب الله فلا -أي: ليس فيه نص يدل على ربا الفضل- وأما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنتم أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مني) . هكذا لا يعرف الفضل إلا أهله، وهذه مسألة واضحة جلية، جماهير سلفنا الصالح والأئمة رحمهم الله من الصحابة والتابعين وكبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان يعتمد عليهم في العمل والفتوى لا يحجون إلا مفردين، وهم الخلفاء الراشدون، وعلي رضي الله عنه لما رأى الناس قد يظنون أن المتعة لا تحل أهل بها وصاح بالعمرة لكي يرد على العكس. فلا الذين يقولون بالإفراد دائما مصيبون، ولا الذين يقولون بالتمتع مطلقا مصيبون بحيث يلزمون به الناس؛ إنما العدل الذي ينبغي القول به أنها أنساك ثلاثة خير الناس بينها، وأن الشريعة أرادت أن ترد على أهل الجاهلية في بدعتهم حينما كانوا يمنعون من العمرة في أشهر الحج؛ ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه وهو الذي أفتى بهذه الفتوى كما في صحيح البخاري: (كانوا يقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر) فمنعوا من العمرة في أشهر الحج، وكانوا يرون أن من أفجر الفجور أن يأتي الشخص بعمرة في أشهر الحج؛ ولذلك خالفهم الشرع وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر أصحابه من لم يسق الهدي أن يتحلل ويجعلها عمرة. وأما مسألة أن الإفراد منسوخ فهذا قول شاذ، يقولون: إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفى والمروة وليس معه هدي فقد حل شاء أو أبى، هذا قول شاذ؛ ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن عروة بن مضرس رضي الله عنه وأرضاه، وكان هذا الحديث ليلة عيد النحر، وهذا الصحابي رضي الله عنه أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المشعر، فقال: (يا رسول الله! أقبلت من جبل طي، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، ما تركت جبلا ولا شعبا إلا وقفت عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: من صلى صلاتنا هذه، ووقف موقفنا هذا، وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار، فقد تم حجه) . فهذا نص واضح على أن الإفراد لا زال باقيا، وهذا الحديث متأخر عن الأمر بفسخ الحج بالعمرة، ولذلك فالصحيح أن إيجاب الفسخ الذي يقول به ابن عباس رضي الله عنه خاص بتلك السنة. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (دخلت العمرة في الحج) أي أنه يجوز فعل العمرة في أشهر الحج، حتى لا يظن أن ذلك خاص بتلك السنة فيعود الناس إلى عادة الجاهلية. ومن هنا فالأحاديث واضحة في دلالتها، فينبغي أن يحمل كل نص على دلالته، فالأحاديث التي دلت على أن العمرة دخلت في الحج، معناها أنها دخلت في أشهر الحج فحل وقوعها في أشهر الحج؛ لأنها لها سبب، وليس المراد أنه لا يمكن أن يأتي الإنسان بحج منفرد وأنه لابد أن يكون معه عمرة إما قران أو تمتع، لأنه لابد من ربط السنة القولية بالسنة الفعلية، وسبر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والأحوال التي قيلت فيها النصوص حتى تفسر النصوص كما وردت، وتربط بفهم السلف الصالح. فإذا كان أئمة الصحابة رضوان الله عليهم والخلفاء الراشدون من بعدهم قد فهموا ذلك وفسروا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، فالواجب العمل بذلك، ولا شك أن القول ببقاء نسك الإفراد نسكا شرعيا يخير المنسك فيه هو الأرجح، ولذلك اختار شيخ الإسلام رحمه الله أن الأفضل للشخص إذا أمكنه أن يأتي بالعمرة بسفر مستقل والحج بسفر مستقل، فالأفضل له أن يفرد، وأما إذا أمكنه أن يسوق الهدي معه من بلده فالأفضل له القران تأسيا بالرسول صلى الله عليه وسلم. وإن كان كما هو حال كثير من الحجاج الذين يأتون من الخارج ويصعب عليهم الإتيان للعمرة بسفر مستقل، فالأفضل لهم التمتع، هذا من أفضل الأقوال في الجمع بين الأنساك الثلاثة؛ لأنه جمع النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجمع أيضا بين الآثار الواردة عن الصحابة. فإن عمر بن الخطاب وعليا رضي الله عنهما وهما أعلم بكتاب الله كانا يقولان في قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة:196] (إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك) أي: تنشئ للحج سفرا مستقلا وللعمرة سفرا مستقلا، فهذا أعظم للأجر وأتم للحج والعمرة. ثم قول ابن عباس كما يقولون: إن الأمر بالفسخ معارض للقرآن، لأن القرآن يقول: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة:196] أي: إذا أحرمتم بحج أو أحرمتم بعمرة فأتموها، سواء وقعتا مجتمعتين أو منفردتين؛ وهذه الآية تدل على لزوم إتمامه بالإجماع، حتى أن الحج لو فسد يجب عليه أن يتمه مع الفساد. ولذلك قضى أبو هريرة وجابر بن عبد الله وابن عمر رضي الله عنهم وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجوب إتمام الحج الفاسد، وعمر رضي الله عنه قضى بذلك: فإن الرجل لما جامع زوجته قبل عرفة أمره رضي الله عنه أن يمضي في نسكه الفاسد وأن يتمه. فنسك الحج لا يقال بوجوب فسخه لكن ممكن أن نقول للإنسان: افسخ حجك بعمرة وارجع بحجة وعمرة فهذا خير لك وأفضل، وليس هناك مانع من ذلك، مثلا: جاء الحج، فنقول له قبل أن يطوف بالبيت: افسخ حجك بعمرة حتى تصيب العمرة مع الحج وتصبح متمتعا وتنال فضيلة التمتع، وليس هناك بأس في هذا، لكن هذا على سبيل الفضيلة لا على سبيل الفريضة، وفرق بين الإلزام وبين التخيير، والله تعالى أعلم. الفرق بين بيع التورق والتقسيط السؤال فضيلة الشيخ ما هو التورق، وهل هو نفس بيع التقسيط، وما حكمه؟ الجواب التورق: من الورق، أي: أن الإنسان يريد المال، فيشتري السلعة وهو لا يريدها، ولكنه يريد أن يبيعها من أجل أن يسدد دينا أو يتزوج، أو يبني بيتا، فهو يريد مالا وليس هناك أحد يسلفه هذا المال، فاشترى سيارة بعشرين ألفا مقسطة، ثم باعها نقدا، قالوا: إنه يريد الورق. فجمهور العلماء على أن من اشترى سيارة أو اشترى عينا مؤجلة، ثم باعها معجلة بالنقد لغير الذي اشترى منه، كأن تأخذها من معرض ثم تبيعها على معرض أو على مشتر ثان؛ فلا بأس في ذلك ولا حرج. والدليل على ذلك هو قوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة:275] فإنك لو اشتريت السيارة بالتقسيط بمائة ألف، فإنه يجوز بيع التقسيط ولا حرج فيه إلى أجل، فهذا بيع صحيح، ثم إذا بعتها على يد ثانية بيعا شرعيا تملكه به وقيمة السيارة حاضرة بتسعين ألفا، قالوا: يجوز لك أن تملك هذه التسعين ولا بأس. أما كونك تدفع الزيادة في الأجل لزيادة الأجل فهذا أقره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن أبيه قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة) لأن هذا ما يحصل به ربا؛ لأنه من المعدودات، والربا هو في المكيلات والموزونات، فأمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كانت تأتي عليه الغزوة فجأة وليس عنده ظهر يركبه، فيأمر عبد الله بن عمرو أن يستدين للجيش، فيأخذ مائة بعير بمائتين ليرد لصاحب البعير بعيرين (أمرني أن آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة) أي: إلى أجل، وهو أن يأتي الناس بصدقاتهم فتقضى هذه الديون، فدل هذا الحديث على أن قيمة النقد ليست كقيمة المؤجل {قد جعل الله لكل شيء قدرا} [الطلاق:3] فإذا كانت السيارة قيمتها إلى أجل بـ [90] ألفا أو بـ [100] ألف فلا بأس ولا حرج، هذا بيع شرعي، فقد أحل الله بيع المؤجل كما أحل المعجل ما لم يدخله الغرر. لكن المحظور أن تبيع لنفس المعرض؛ لأنه لو باع لنفس المعرض الذي اشترى منه بمائة إلى آخر السنة القادمة، فباعها نقدا بتسعين أصبحت الحقيقة أنه بيع [90] نقدا مقابل [100] إلى أجل، وهو بيع العينة الذي حرمه العلماء وهو قول الجمهور، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم) فالمقصود أن التورق غير مسألة العينة، العينة يبيع لنفس المعرض الذي أخذ منه، لكن التورق يبيع لشخص آخر، فإذا باع لشخص آخر فالجمهور على أن هذا ليس به بأس، وأنه لا حرج عليه. وشدد فيها بعض العلماء فقالوا: إن هذا الشخص يريد المال، فأصبح كأنه أخذ مائة حاضرة بمائة إلى أجل، وهذا عين الربا، فردوا عليهم بأنه يصير عين الربا لو كانت اليد واحدة، ولكن أخذ من شخص وأعطى لشخص آخر هذا ليس بربا. ثم قالوا لهم: إذا كانت العلة في التحريم عندكم أنه اشترى بمائة إلى أجل وباع بمائة حاضرة لحرمت بيوع التجار؛ لأنهم هنا يقولون في التورق: هذا مقصوده المال، وليس مقصوده السلعة، فنقول: والتجار مقصودهم الأموال وليس مقصودهم السلع؛ لأن التاجر حينما يشتري عشر سيارات ما يريد إلا أن المليون التي دفعها في العشر ترجع له مليونا ونصفا، وهذا لا يشك فيه أحد، فهي حلال على الغني حرام على الفقير الذي جاءه ظرف!! ما يمكن هذا؛ لأن الصورة عكسية، الغني يشتري بمليون ويربح مليونين ويتأخر في بيعها حتى تنفد، والفقير اشترى إلى أجل فليس برابح بل هو خاسر عكس الغني؛ لأنه سيدفع مائة ويأخذ تسعين. وبما أنه ليس هناك نص يدل على تحريم هذا، والعلة العقلية التي ذكروها منتقضة، فإنهم إذا كانوا يقولون: هذا مقصوده المال وليس مقصوده التجارة، قلنا: ليس هناك تاجر يشتري سلعة وهو يريد السلعة، فحينما تدخل بمال في التجارة، أو تدخل في معرض سيارات، أو تدخل في شراء القماش أو أي شيء تريد أن تتاجر فيه تدفع أموالا وأنت تريد المال. وعلى كل حال الذي يظهر جواز هذا وصحة قول جمهور العلماء رحمهم الله، ولذلك شيخ الإسلام رحمه الله لما اختار هذا القول روجع كثيرا في هذه المسألة؛ لأن الحقيقة أن القول بجوازها يؤيده عموم النص: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة:275] فإنه أصل في حل البيع حتى يدل الدليل على تحريمه. وكذلك أيضا العلة التي جعلوها موجبة للفساد منتقضة، بدليل أنهم يبيحون للتاجر أن يشتري وقصده المال، غير أن التاجر ربح وصاحب الدين غرم، فالأول غنم والثاني غرم، وعلى كل حال الذي يظهر جواز هذه الصورة وأنه لا بأس بها. وأما بيع التقسيط: فالتقسيط بيع مشروع، ولكن هناك صور محرمة، ووجود الصور المحرمة لا تقتضي تحريم البيع نفسه. وبيع التقسيط يقوم على أن تشتري شيئا وتدفع قيمته أقساطا بزيادة، ففيه أمران: الأمر الأول: تقسيط الدفعات، والثاني: الزيادة على قيمة السلعة لقاء الأجل. فأما الزيادة على السلعة لقاء الأجل ففيها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو دال على جواز مثل هذا لقاء الأجل؛ إنما المحرم أن يقول له: إن أخذتها ودفعت الأقساط في سنة فهي بمائة ألف، وإن دفعتها في سنتين فمائة وخمسون، فيخرج من عنده ولم يحدد هل هي إلى سنة أو سنتين أو ثلاث، فهذا عين الربا؛ لأنه يمكن أن يعجز في السنة الأولى فيختار التأخير للثانية وهذا عين الربا، وهو (زد وتأجل) الذي كان من ربا الجاهلية، لكن التقسيط الموجود والشائع في أكثر صوره خاصة عندنا هنا أن الشخص يأخذ بمائة ألف كل شهر يدفع قسطا، فإذا الزيادة لقاء الأجل مشروعة لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص (بعير ببعيرين) إذا كان باتا، لأنه ما قال: فإن تأخرت فثلاثة أبعرة، إنما قال: ببعيرين، وهذا الذي يسمونه الجزم والبت، فإن كان التقسيط على البت فلا إشكال. بقيت قضية كون المال أقساطا فهذا فيه حديث صحيح، وهو حديث عائشة في الصحيحين، فإن بريرة رضي الله عنها لما جاءت إلى عائشة في قصة أهلها لما كاتبوها وعجزت عن أقساط الكتابة، فنفس عقد الكتابة أقساط مؤجلة، وقد أحل الله عز وجل الكتابة في كتابه وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي -أي: الكتابة- مكاتبة بين العبد والسيد قائمة على بيع الأجل بالأقساط، فإذا: وجود الأجل في التقسيط لا يمنع شرعا لأن له نظيرا من نظيره. ووجود الزيادة لقاء الأجل لا يمنع، إنما الممنوع أن يقول له: هي لك مؤجلا على أن تدفع لقاء تأخير كل سنة من القيمة الحقيقية 6% من القيمة الإجمالية أو 10%، أو 5%، فهذا عين الربا ولا يجوز، حتى ولو علم أنه سينتهي في السنة الأولى، ولذلك تجد بعض الناس واثق من نفسه أنه سيسدد في السنة الأولى ويقول: إذا لا أقع في الربا، نقول: لا، رضاك بالعقد كفعلك له؛ لأن كتابة هذا الربا فيه اللعنة، وحينما رضي به فإنه ملزم به، والراضي به يعتبر شريكا لصاحبه في الإثم؛ لأنه يؤكل الربا. وعلى كل حال فبيع التقسيط ليس من البيوع المحرمة للوجوه التي ذكرناها من دليل الكتاب والسنة، والله تعالى أعلم. حكم أداء تحية المسجد وقت الأذان يوم الجمعة السؤال يقول السائل: دخلت المسجد يوم الجمعة والمؤذن يؤذن الأذان الثاني، فهل أصلي ركعتين تحية المسجد أو أستمع إلى المؤذن وأصلي بعده أثناء خطبة الإمام؟ الجواب في الحقيقة إذا استمعت للمؤذن الأذان الثاني سيفوتك شيء من الخطبة، وعند العلماء هذه المسألة تعتبر من مسائل الازدحام، فعندهم مسائل يسمونها مسائل الازدحام، حيث ازدحم عندنا الاستماع للخطبة من أولها ومتابعة الأذان، وذكر الخطبة واجب؛ لأنه أمر بالإنصات له، فهو في مقام الواجبات، ولذلك أمر بالإنصات له وعدم الانشغال عنه، بخلاف الإنصات للمؤذن فإنه في الرغائب، فالأول بمنزلة الواجبات المؤكدة وهو المقصود من السعي إلى الجمعة {فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة:9] . إضافة إلى أن الترديد وراء المؤذن من جنس العبادات واستماع الخطبة من جنس العلم، والعلم أشرف من العبادة، فمن هذه الأوجه اختار جمع من العلماء وكان اختيار الوالد رحمة الله عليه أنه يصلي ولا يردد وراء المؤذن، هذا كله على القول بأنه لا يردد أثناء النافلة، وهناك قول عند بعض العلماء أنه لو أذن المؤذن وأنت في نافلة فإنك تردد معه؛ لأنه من الذكر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يصلح فيها شيء من كلام الناس وإنما هو التسبيح وقراءة القرآن وذكر الله) فقالوا: هذا من ذكر الله. لكن هذا ضعيف، والصحيح أنه لا ينشغل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أذكارا محددة، فينبغي أن لا يردد معه، لكن يمكن أن يردد في نفسه، وكما لو كان في بيت الخلاء ونحو ذلك فإنه يردد في نفسه. وعلى كل حال أن تصلي تحية المسجد ثم تنصت للجمعة أفضل وأكمل، والله تعالى أعلم. حكم من اعتمر وسعى ثلاثة أشواط فقط السؤال لو أن شخصا اعتمر، وبعد الطواف سعى بين الصفا والمروة ثلاثة أشواط فقط فما الحكم، هل عليه ذنب، أو الإعادة مرة ثانية؟ الجواب أولا: ينبغي للمسلم أن يتقي الله في فرائض الله، الحج والعمرة أمر بإتمامهما ولا يجوز التلاعب بشعائر الله عز وجل فإن تعظيمها من تقوى القلوب، وتضييعها والاستخفاف بها لا يؤمن على صاحبه والعياذ بالله. وغالبا أن الاستخفاف بشعائر الله التي أمر الله أن تعظم وتركها وعدم المبالاة بها، هذا شيء يخشى على صاحبه، وعواقبه وخيمة؛ لأن الله تعالى أمر من أهل بالعمرة أن يتمها ومن أهل بالحج أن يتمه، إلا ما استثناه الله من الإحصار وغير ذلك مما يوجب الفسخ. على كل حال فيجب عليك أن ترجع وتتم سعيك، ونظرا لأنك سعيت ثلاثة أشواط ثم حصل الفاصل بين الشوط الثالث والرابع فقد انقطع التتابع، وعليك أن تبدأ بالسعي من أوله؛ لأنه يشترط في صحة السعي التتابع والموالاة، فإذا وقع الفاصل المؤثر كالأكل والشرب والخروج من المسعى فإنه يجب عليك أن تستأنف وتبتدئ سعيا جديدا، وعلى القول بأنه لا سعي إلا بطواف تطوف طواف نافلة ثم بعد ذلك تسعى بعده. لكن لو كان قد وقع جماع من هذا الشخص فإنها قد فسدت عمرته؛ لأنه لم يتم ركن العمرة، وإذا وقع الجماع قبل الطواف بالبيت أو قبل السعي بين الصفا والمروة أو أثناء السعي قبل أن يتمه فإنه يحكم بفساد العمرة ولزوم إتمام الفاسد، ثم يقضي مكانها عمرة وعليه دم. حكم من صلى بالناس وهو محدث جاهلا حدثه ثم علم بعد الصلاة السؤال إذا صلى الإمام وهو على غير طهارة ولم يتذكر إلا بعد الصلاة، فذكر للمأمومين أنه صلى على غير طهارة، فما حكم صلاة الإمام والمأمومين؟ الجواب هذه المسألة فيها قولان مشهوران للعلماء، جمهور العلماء على أن الإمام إذا صلى بالناس ناسيا للطهارة أن صلاة المأمومين صحيحة، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاري: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم) فإذا: صلاتكم تامة صحيحة وعليهم خطؤهم. فقالوا: إن من صلى وهو محدث فقد أخطأ، فخطؤه عليه، ومن صلى وراءه فأتم الأركان واستوفى الشروط وأتى بالصلاة كما أمر فله صلاته، وهذا هو الصحيح، وفعل الصحابة دال على ذلك فإن مالكا رحمه الله روى في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه صلى بالناس الفجر، ثم انطلق إلى مزرعته بالجرف، وبين الجرف والمدينة ما لا يقل عن أربعة أميال إلى خمسة أميال، فلما جلس على الساقية بعد طلوع الشمس رأى أثر المني على فخذه رضي الله عنه، فقال رضي الله عنه: (ما أراني إلا احتلمت وصليت وما اغتسلت) ثم اغتسل رضي الله عنه وأعاد الصلاة ولم يأمر الناس بالإعادة. وهذا يدل على أن الأصل أن صلاة المأمومين صحيحة ما دام أنه لم يتذكر أنه محدث إلا بعد سلامه ولم يعلم المأمومون بحدثه. أما الإمام فقول واحد أنه يلزمه أن يعيد صلاته، فلو صلى وهو يظن أنه طاهر ثم تبين أنه محدث حدثا أصغر أو أكبر وجب عليه أن يتطهر كما أمره الله، قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة واللفظ لـ مسلم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول) وهذه الصلاة بغير طهور، وبناء على ذلك يلزمه أن يتطهر كما أمره الله، وأن يصلي على الوجه المعتبر، والله تعالى أعلم. حكم بيع التماثيل للكفار السؤال النجارون في بعض البلاد ينحتون التماثيل ويبيعونها للكفار بأثمان غالية، هل هذا جائز؟ علما بأن هذه التماثيل منها ما هو من ذوات الأرواح. الجواب التماثيل محرمة، ولذلك قال علي رضي الله عنه لـ أبي الهياج: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالا إلا كسرته، ولا صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته) فدل على حرمة التماثيل. وبيعها محرم بإجماع العلماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (إن الله ورسوله حرما بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام) وحرم بيع التماثيل لأنها تفضي إلى أعظم الشرور، وهو الشرك بالله عز وجل؛ وتحريم بيعها من تحريم الوسائل المفضية للمفاسد. والوسائل منها ما هو وسائل تفضي إلى المصالح، ومنها وسائل تفضي إلى المفاسد، فهناك وسائل تفضي إلى المصالح مثل: ركوبك السيارة من أجل أن تصلي في المسجد، وركوبك السيارة من أجل أن تدرك الحج، هذا وسيلة إلى طاعة وعبادة وقربة، وكذلك قد تكون الوسيلة إلى شر وفساد، فالوسيلة إلى الحرام من الزنا وشرب الخمر والربا وغير ذلك تأخذ حكم مقصدها، فمن هنا قالوا: أعظم الوسائل شرا وأعظمها ضررا وأعظمها إثما بعظم مقصدها، فإذا كانت وسيلة إلى الشرك فهي أعظم الوسائل ذنبا، وأعظمها شرا، وتشدد فيها الشريعة، ولذلك نهي عن الغلو في صالح أو طالح، في دين أو دنيا؛ لأن العبد الصالح إذا غلوا فيه ربما عبد من دون الله واعتقد فيه، ووقع الشرك المحظور. وأيضا عظيم الدنيا إذا عظم وصار يعطى أشياء لا تليق إلا بالله عز وجل، فإنه يصرف القلوب من الخالق إلى المخلوق، فلذلك نهي عن الغلو؛ لأنه وسيلة للشرك. كذلك نهي عن بيع الأصنام؛ لأنه وسيلة إلى تعظيمها، وعبادتها، فلا يجوز بيع الأصنام مطلقا، وما ورد في السؤال أنه يبيعها إلى الكفار فإنه في قول جماهير العلماء رحمهم الله محرم، سواء باع لكافر أو مسلم، وكونهم كفارا لا يعني أن نعينهم على معصية الله عز وجل، وهذا نوع من الإقرار على ما هم فيه؛ ولذلك كان القول بأن الربا يجوز مع الكفار وبيع الخمر يجوز للكافر، والأصنام يجوز بيعها للكافر، كلها اجتهادات في مقابل النصوص، وأرى أنها مصادمة لنصوص واضحة، ولو نظر وتؤمل إلى المعاني والاجتهادات الشرعية التي هي خلافها لكان أولى وأحرى. فلذلك لا يجوز بيع الأصنام والتماثيل لا إلى مسلمين ولا إلى كفار، ودليلنا: عموم نهي النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لما فتح مكة نهى عن بيع الأصنام والتماثيل دون أن يفرق بين الذي يباع له هل هو مسلم أو كافر، والأصل أن العام يبقى على عمومه حتى يرد ما يخصصه، ولا مخصص لهذا العموم، ولذلك لا يجوز هذا البيع وماله حرام، لكن لو كسرت التماثيل وأريد الاستفادة من مادتها كالخشب فيصنع به شيء آخر ينتفع به، أو كانت من نحاس وبيعت نحاسا من أجل أن تصهر ويستفاد منها بشيء آخر، فلا بأس ولا حرج، شريطة أن لا تباع لمن يعيدها إلى حالتها التي كانت عليها، ويستوي أن تكون التماثيل لذوات الأرواح أو تكون لمعبودات من غير ذوات الأرواح ما دام أنها لعبادة، فيستوي في ذلك أن تكون من ذوات الأرواح أو غيرها، والله تعالى أعلم. حكم المبادلة بالنقد مع التفاضل السؤال كانت مع أخي [500] ومعي [490] فاحتاج الصرف الذي معي، هل يجوز أن أبادله ما معي بما معه، أم يشترط التماثل رغم أنه قال: الزائد هدية مني إليك. الجواب الصرف لا يجوز في المتماثلين إلا مثلا بمثل يدا بيد، ففي الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد - وفي لفظ - سواء بسواء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى) . وقال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى في الصحيح: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض - يعني: لا تزيدوا بعضها على بعض- ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائبا منها بناجز) . فبين عليه الصلاة والسلام أنه يجب عند صرف الذهب بالذهب والفضة بالفضة أن يكون مثلا بمثل، وهذه الأوراق النقدية ينظر إلى رصيدها، فإذا كان رصيدها من الذهب كالجنيهات والدولارات والدنانير وجب صرفها مثلا بمثل يدا بيد، وإن كان رصيدها من الفضة كالريالات والدراهم فإنه يجب أن يكون صرفها مثل بعضها مع اتحاد الصنف، ريالات بريالات مثلا بمثل يدا بيد. وأما كوننا ننظر إلى أن هذه ورقة وهذا حديد -كما يوصف الريال بالحديد- وأن هذا من اختلاف الصنفين فهذا بعيد، لأن هذه العملة في الأصل أعطيت مستندا لدين، وهذا الدين كان ريالا فضة حقيقيا، وكوننا لا نستطيع الوصول إلى الرصيد لا يلغي الأصل من وجود الدين، لأن الدين لا يلغى رصيده حتى ولو ألغي حقيقة بالتعامل مع الجماعات في الدول بعضها مع بعض، وهذا أمر ينبغي أن ينتبه له، ولذلك يجب صرفها مثلا بمثل ويدا بيد، فيجب فيها التماثل ويجب فيها التقابض. ثانيا: أن هذا ليس من العدل وليس من الإنصاف، ولهذا حرمت الشريعة صرف الذهب بالذهب متفاضلا؛ لأن المسلم يظلم أخاه حين يصرف دينارا بدينارين، ظلم صاحب الدينارين، والظلم الموجود في صرف الدينار بالدينارين في القديم موجود في هذه الورق نفسها في صرف الـ [500] بالـ [490] -مثلا- لا يشك أحد، وهل أحد يشك أنه لو صرفت 10 ريالات من الورق بـ 9 ريالات من الحديد أنه لا يظلم صاحب الورق؟ لا يشك في هذا، ولولا أنه محتاج ومضطر ما صرف العشرة بالتسعة، وهذا كل واحد يعرفه والله عز وجل يقول: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء:29] والرضا غير موجود في هذا، ولذلك تجده يعطيها وهو كاره وهو مضطر، وهو محتاج إلى هذا الشيء. وذكر العلماء في علل الربا والمعاني التي من أجلها حرمت الشريعة الدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين: أن هذا ظلم للفقراء، ويجعل الأغنياء يحتكرون الأموال، فإذا جاء الغني وعنده أموال يريد أن يصرفها، صار الذي عنده سيولة أكثر يأخذ أموالا بدون تعب وعناء، وهذا هو الموجود الآن في الصرف، فإنه إذا كان عند الشخص القطع المعدنية استغل حاجة أصحاب المرض، فاليوم يصرف له عشرة ريالات بتسعة، وغدا لو صرفها بخمسة ريالات لم ينكر عليه أحد؛ لأنه يقول: عندي فتوى بجواز هذا، ولذلك تجده يمر على الشخص يكون له راتب دون [500] ريال فيصرف الخمسمائة بالنقص ثم المئات بالنقص، ثم الخمسينات بالنقص، ثم العشرات بالنقص، ماذا يبقى له من راتبه؟ يؤول له الأمر بعد أن كدح وتعب على [500] إلى أنها [490] والمستفيد الأول والأخير هو الغني على حساب الفقير. ونفس المعنى موجود في الذهب والفضة لا يختلف عنه، فيتضرر الأفراد وتتضرر الجماعة بالصرف المتفاضل، والموجود في القديم موجود الآن إذا صرف الريال بغيره متفاضلا. ثانيا: لو قيل: إن هذا الورق ليس له رصيد، فلماذا أمر بزكاته؟ فالله ما أمرنا بزكاة الورق، إنما أمر بزكاتها لأن رصيدها مأمور بزكاته، والورق ليس فيه زكاة، إذ ليس في شرع الله أمر بتزكية الورق إنما أمر بتزكيتها لأن رصيدها من الذهب، أو رصيدها من الفضة، فالعلة كلها تدور على أن الرصيد ألغي، فنقول: لو أن شخصا استدان من شخص وأعطاه مستندا وقال له: لا رصيد لك، لم يصح شرعا، كذلك إلغاء الرصيد واقع في غير موقعه، أي: لا يؤثر في حقيقة الريال؛ ولذلك تجد نفس الخمسمائة تسمى خمسمائة ريال التي هي برأس واحد وورقة واحدة، والخمسمائة من المئات تسمى باسم واحد فالورق هو نفس الورق، والاسم هو نفس الاسم، ولذلك سمي الحديد باسم الورق، ولهذا كان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، العلامة الإمام المجدد، هذا الإمام العظيم الذي في الحقيقة ما رأيت عالما حفظ الفقه على أصول المتقدمين مع عمق في العلم والورع مثل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه، ومن أراد أن ينظر إلى الفقه المؤصل الذي أبدع فيه وأجاد رحمه الله خاصة في الفتاوى يحار من دقة هذا الإمام -والله لا أقولها مبالغة إنها حقيقة- من يدرس هذه الفتاوى يجد فيها العجب، وحدثني من أثق به من المشايخ، يقول: أنا كنت من رجال الحسبة، وكان يرسلني لتعزير من يصرف الريال بتسعة عشر أو ثمانية عشر قرشا، قال: أنا ممن عزر في هذا بأمره، كان يرى أنه يجب صرفها متماثلة، وعلى كل حال: الصحيح أنه يجب فيها التماثل ويجب فيها التقابض وأن تكون مثلا بمثل يدا بيد، إعمالا للأصل، والله تعالى أعلم. أما قوله: الباقي لك هدية، فهذا حيلة، وإذا أراد أن يهدي فليقبض أولا ثم يهدي، فهناك عقد صرف وهناك عقد هدية، فبعد ما ينتهي الصرف على السنن الشرعي يعطيه ما شاء، وحينئذ سترى هل تجد هدية أو لا تجد؟ وعلى كل حال هذه حيلة على الشرع، فمكنه من مالك ثم انظر هل يهدي أو لا يهدي، على كل حال الأصل يقتضي أن تقبض ويقبض، وانظروا إلى عدل الشرع، فإنه من أروع وأجمل ما يكون! الناس يظنون أنه إذا حرمنا هذه المعاملات أننا نضيق، والله ما من حكم يستنبط من الشريعة فيه تحريم إلا وجدت فيه من الرحمة ما لا يحصى، ثم انظر إلى عدل الشريعة: تعطيه خمسمائة كاملة، وتقول الشريعة: لا تأخذ بذلها إلا كاملة، يقول لك: أنا راض، تقول له: ترضى بإتلاف مالك!! هذا سفه، والشريعة تحجر على السفيه، ولو كان راضيا أن يدفع تسعة مقابل عشرة، لكن لا يرضى بذلك عاقل. ولذلك حرمت الشريعة بيع درهم بدرهمين، ودينار بدينارين، حتى لا يستغل الغني الفقير والقوي الضعيف، وهذا من عدل الله عز وجل، وتجد أن الشريعة أمرت بالتماثل في الموزونات والمكيلات، لكن المعدودات ليس فيها تماثل؛ لأنك لو أردت أن تبيع ثوبا بثوبين فقد تجد الثوب من الجودة بحيث يكافئ الثوبين، لكن الموزون محرر والمكيل محرر، وهذه الريالات في أصلها من الورق لها وزنها، ولذلك وجب النصاب فيها بالوزن، (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة) ، فهذا يعني الموزونات والمكيلات، فكله من عدل الله عز وجل، لأن المكيل ينضبط، فلا تستطيع أن تكون عادلا مع أخيك إذا أخذت الصاع بالصاعين، وأخذت المد بالمدين، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا وأمر بالتماثل فيها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________________
|
|
#645
|
||||
|
||||
|
شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع (كتاب النفقات) شرح فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي الحلقة (480) صـــــ(1) إلى صــ(22) شرح زاد المستقنع - باب نفقة الأقارب والمماليك [1] ألزم الشرع الحكيم كل موسر بالنفقة على المعسر ممن كان من قرابته الأصول أو الفروع، وكذلك على الداخلين في الفروض أو العصبات من الحواشي، واستحب له أن ينفق على ذوي الأرحام أيضا، وهذا كله من التكافل الاجتماعي الذي ينفرد به الإسلام عن غيره من المذاهب الأرضية المنحطة. النفقة على الأقارب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: يقول المصنف رحمه الله: [باب نفقة الأقارب والمماليك] . أسباب وجوب النفقة تقدم أن النفقة من الحقوق التي أوجبها الله عز وجل على المسلم، وأن هذا الحق له أسباب تقتضيه وتوجبه، وهذه الأسباب تتنوع في الشريعة الإسلامية، وهناك ثلاثة أمور مهمة ينبني عليها الحكم بوجوب النفقة: الأول: ملك النكاح. والثاني: ملك اليمين. والثالث: البعضية والقرابة. فهذه ثلاثة أسباب توجب النفقة: إما من جهة ملك النكاح؛ لأن الرجل يملك الاستمتاع بالمرأة. وإما ملك اليمين؛ كما قال تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء:3] ، والرقيق والعبد والمملوك محبوس لخدمة سيده، كما أن المرأة محبوسة لزوجها، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنهن عندكم عوان) ، والعوان: هو الأسير المحبوس، فالمرأة مملوكة بالنكاح محبوسة لحق الزوج، وملك اليمين -الرقيق- مملوك لسيده ومحبوس لمصالحه. وكذلك القرابة والبعضية توجب النفقة. فهذه ثلاث جهات ينبني عليها الحكم بوجوب النفقة. والمصنف رحمه الله قد بين لنا ما يتعلق بوجوب النفقة من جهة الزوجية، وهي ملك النكاح، وشرع الآن في بيان جانبين؛ الأول منهما يتعلق بالقرابة والبعضية، والثاني يتعلق بملك اليمين. وكلا الجانبين وردت فيه نصوص في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بينت بعض الأمور والمسائل والأحكام المتعلقة به. يقول رحمه الله: (باب نفقة الأقارب والمماليك) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام التي تتعلق ببيان النفقة الواجبة من جهة القرابة، والنفقة الواجبة من جهة ملك اليمين. النفقة للآباء على الأبناء قال رحمه الله: [تجب أو تتمتها لأبويه وإن علوا] . أي: أنه يجب على المسلم أن ينفق على والديه، وهذه النفقة على الوالدين إما أن ينفقها نفقة تامة كاملة؛ بأن كان الوالد لا يستطيع العمل، وليس عنده أي دخل؛ فحينئذ يقوم ولده بنفقته نفقة تامة كاملة، أو يكون عند الوالد بعض الدخل، ويحتاج إلى سد العجز والنقص الموجود، فهذه تتمة النفقة. الأصل في وجوب ذلك: أن الله تعالى أمر الولد-سواء كان ذكرا أو أنثى- بالإحسان إلى الوالدين، قال الله تعالى: {وبالوالدين إحسانا} [البقرة:83] أي: أحسنوا بالوالدين إحسانا، ولأن الوالد أنفق على الولد، فجعل الشرع من العدل؛ أنه إذا احتاج الوالد أن ينفق عليه ولده. ولأن الولد كان بسبب الوالدين، فحقهما آكد الحقوق، وفرضهما آكد الفرائض، ولذلك لا يتقيد بقدر -كما سيأتينا- لعظم حقهما. ووجه الدلالة من الآية الكريمة: أن الله فرض على الولد أن يحسن إلى والديه، وليس من الإحسان أن يكون الولد قادرا وبالوالدين عجز ولا ينفق عليهما بل هذا من الإساءة. وأما نص السنة: فقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم) . فدل هذا الحديث على أنه إذا أكل الوالد من مال ولده فكأنه يأكل من كسبه هو. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيح من حديث فاطمة رضي الله عنها: (إنما فاطمة بضعة مني يري ما رابها، ويؤذيني ما آذاها) . والبضعة من الشيء كالشيء، فكما أنه يجب على الولد أن ينفق على نفسه، كذلك ينفق على والده. وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: (أنت ومالك لأبيك) . فهذا كله يدل على أن الوالد له حق في مال ولده، وأنه إذا أعوز الوالد أو أعسر وجب على الولد أن يتقي الله فيه، وأن يؤدي الحق الذي أوجب الله، فيسد خلته ويقضي حاجته. وإذا قلنا (الوالد) فهذا يشمل الأب والأم؛ أما الدليل على أنه يشملهما: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن البر، وأحق الناس بالبر: (يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب؛ حقا واجبا، ورحما موصولا) ، كما في رواية أبي داود في السنن. فهذا يدل على أنه يجب على الولد أن يقوم بحق والده إن عجز الوالد أبا كان أو أما، ويسد هذا العجز بالنفقة عليه. وإن كان عجزا جزئيا؛ فيجب بعض النفقة، أي: يجب عليه أن يتم مادام قادرا مستطيعا على ذلك الإتمام. الأمر المهم بالنسبة للنفقة أنها قد تكون على الزمان المتباعد، وقد تكون على الزمان المتقارب، فإذا كان الوالدان بهما حاجة في يوم -الذي هو جزء الزمان- فيجب عليه أن ينفق عليهما في ذلك اليوم، لأن الوالد قد يحتاج في يوم من الأيام، وقد يحتاج طيلة الشهر، وقد يحتاج طيلة الأسبوع، المهم أنه يجب عليه أن ينفق. فلو أن والدا لم يجد طعاما، أو والدة لم تجد طعامها؛ فإنه يجب على الابن أن يعطيها نفقتها من أول اليوم، كما ذكرنا في نفقة الزوجة، وبينا وجه أن النفقة تستحق من أول اليوم. قوله: (لأبويه) هذا من باب التغليب: كالعمرين، والقمرين. وقوله: (لأبويه) يشمل الوالد والوالدة، الذكر والأنثى. وقوله: (وإن علوا) : يشمل جده من جهة أبيه، وجده من جهة أمه، وكذلك جدته من جهة أبيه، وجدته من جهة أمه، الجدة سواء كانت صحيحة أو كانت -كما يسمونها- ساقطة أو كاسدة، أي: أنها ساقطة وفاسدة في الإرث، وليس عندها سبب يقتضي ميراثها، كما سيأتي إن شاء الله بيانه في باب الفرائض. لو أن رجلا عنده أب الأب - الجد الصحيح- ليس عنده نفقة، ولا طعام، ولا كسوة؛ وجب عليه أن ينفق عليه، ولو كان عنده جدة تمحضت بالإناث كأم أمه، أو تمحضت بالذكور كأم أب الأب، أو جمعت بينهما؛ كأم أب الأم؛ ففي هذه الحالة يجب عليه أن ينفق عليها إذا كانت معسرة. فقوله: (وإن علوا) يشمل أب الأب؛ الجد المباشر، والجد بواسطة، أب أب الأب، وأم أم الأم، وإن علوا. أي ولا ينظر إلى القرب والبعد. النفقة للأبناء على الآباء قال رحمه الله: [ولولده وإن سفل] ويجب على المسلم أن ينفق على ولده وإن سفل-أي: وإن نزل- لأن الله عز وجل وصى الوالد على ولده، وأمره بالإحسان إليه، وجاءت النصوص في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم تقتضي بالقيام على الولد بالرعاية والعناية، قال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233] . والمولود شاملا للذكر والأنثى على التفصيل الذي سيأتي إن شاء الله؛ فهذه الآية تدل على أنه يجب على الوالد أن ينفق على ولده. والإجماع قائم على ذلك، وجاءت السنة تؤكد ما في كتاب الله عز وجل، كما في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قصة هند، لما قال لها عليه الصلاة والسلام - أي: لـ هند: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) ، فقوله يدل على أنه يجب على الوالد أن ينفق على ولده، لأنها قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، أفآخذ من ماله؟ فدل على تقصيره في النفقة، على دعواها أو سؤالها، على الخلاف هل هي دعوى أو فتوى؟ والصحيح أنها فتوى. فأفتاها عليه الصلاة والسلام أن تأخذ من ماله ولكن بالمعروف، فدل على أن الولد تجب نفقته على والده، لأنه جعل له حقا في المال، وأمر الزوجة أن تأخذ من ذلك المال بالمعروف للولد. فلو كان الولد لا نفقة له على والده لما أحل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من ذلك المال. وأجمع العلماء رحمهم الله على أنه يجب على الوالد أن ينفق على ولده. قوله: (وإن سفل) يعني: وإن نزل، وهذه العبارة يستعملها العلماء والفقهاء رحمهم الله في كتاب الفرائض وغيره، والمراد بها سواء كان مباشرا كالابن، أو بواسطة كابن الابن، سواء تمحضت الواسطة من جهة الذكور كابن ابن، أو تمحضت بالإناث كبنت بنت، أو جمع بين الذكور والإناث: كابن البنت، وبنت الابن. النفقة على ذوي الأرحام قال رحمه الله: [حتى ذوي الإرحام منهم] . أي: حتى ذوي الأرحام من الأصول والفروع، فهاتان الجهتان أقوى جهات الحقوق في النفقة، أعني جهة الأصول والفروع؛ لأن نصوص الكتاب والسنة تدل على عظم حق الولد عند والده، وعظم حق الوالد عند ولده، وكما في حديث فاطمة رضي الله عنها: (إنما فاطمة بضعة مني) ، وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عن عائشة في السنن: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن ولدكم من كسبكم) ، فجعل كسب الولد والوالد كالشيء الواحد؛ فهذا يدل على قوة هذه الجهة من جهة الأصول، أو من جهة الفروع. والواقع يصدق ذلك، فالابن فرع لوالده، والوالد أصل للولد، فتعظيم هذا الجانب حق حتى ولو كان من ذوي الأرحام، وذوو الأرحام هم في الحقيقة دون جهة الفرض والتعصيب. وذوو الأرحام لا يرثون؛ فالخال، والخالة، والعمة، وابن العمة، وابن الخالة، وبنت العم؛ هؤلاء ليس لهم ميراث في كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في الأصل، لكن اختلف العلماء رحمهم الله إذالم يوجد وارث لا بفرض ولا بتعصيب، هل ينزلون منزلة من أدلوا به؟ فاختار جمع من العلماء رحمهم الله أنهم ينزلون، ودليلهم حديث: (الخال وارث من لا وارث له) . والأصل عندهم قوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال:75] ، فدل على أنها جهة تستحق، وسيأتي تفصيل هذه المسألة إن شاء الله في الفرائض. مثال لذوي الأرحام: الجدة الصحيحة، والجدة الفاسدة، فالجدة الصحيحة من تمحضت في الإناث، من أمثلتها: أم الأم، فهذه حقها ثابت من جهة النفقة، لكن بالنسبة للجدة الأنثى إذا أدلت بذكر بين أنثيين، فهذه تعتبر ساقطة في الإرث، يسمونها الجدة الفاسدة أو الساقطة، إشارة إلى أنه لا حق لها في الإرث، فتعتبر من ذوي الأرحام، ولا إرث لها في الأصل، كأم أبي الأم، هذه جدة لا إرث لها في الأصل، لا فرضا ولا تعصيبا، وهي من ذوي الأرحام في الأصول. فذوو الأرحام يكونون في الأصول، والفروع والحواشي، فالنسبة لذوي الأرحام في الأصول والفروع لا يسقطون، فبنت بنت الابن لا تسقط، لأننا قلنا: الأصول والفروع لا يسقط ذوو الأرحام منهم، وهذا لعظم جهة الأصول والفروع، وبناء على ذلك؛ لو كان له جدة أم أبي أم فاسدة، أو جدة ساقطة، فإنه يجب عليه أن ينفق عليها مع أنها من ذوي الأرحام في جهة الأصول، ولو كان عنده بنت ابن البنت، فهذه من جهة الفروع تعتبر من ذوي الأرحام، بخلاف بنت الابن فلها فرضها في كتاب الله، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بالنسبة لبنت ابن البنت، وبنت البنت، هذه تعتبر من ذوي الأرحام، ويجب عليه أن ينفق عليها، فلو أن بنت بنته احتاجت وجب عليه أن ينفق عليها وكذلك بنت بنته. فالأصول والفروع لا يسقطون إذا كانوا من ذوي الأرحام. النفقة على المعسر المحجوب في الوراثة قال رحمه الله: [حجبه معسر، أو لا] . أي: سواء كان الأصل أو الفرع يحجب هذا الذي يجب أن ينفق عليه أو لا. والحجب أصله المنع، والحجب مصطلح يستعمله العلماء رحمهم الله في الفرائض، لأن الشريعة جعلت الحقوق في الإرث مرتبة مفصلة، فالله جل وعلا تولى قسمة الحقوق والفرائض من فوق سبع سماوات، ولم يكلها لا إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} [النساء:176] . والكلالة مسألة من مسائل الميراث، وهو من انقطع من النسب فلا والد له ولا مولود، أي: انقطع من الآباء والجدود والأبناء. فهذه الفرائض فرضها الله عز وجل وقدرها، وهناك من يحجب ويمنع بوارث جعله الله أحق منه بالإرث، وإذا حجب هذا الشخص ذكرا كان أو أنثى، فإما أن يحجب في شرع الله حجبا كليا باسم الحجب الكامل (حجب الحرمان) وإما أن يحجبه حجب نقصان، فالشريعة الإسلامية جعلت الحقوق مرتبة في الفرائض، واصطلح العلماء في هذا الحرمان وهذا المنع الكلي أو الجزئي على تسميته بالحجب. فإن قيل: فلماذا أدخل العلماء مسألة الحجب في النفقة؟ ف الجواب لأن النفقة التي للقرابة مبنية على الإرث، وهذا في الحقيقة من عدل الله سبحانه وتعالى، حيث جعل الغرم بالغنم، فإذا كان قريب الإنسان إذا مات يرثه، فكذلك هو يستفيد من إرثه، ويأخذ الربح من جهة إرثه، فكذلك إذا افتقر هذا القريب في حال حياته، فإنه ينفق عليه، فعدل الله سبحانه وتعالى وجعل الإرث مؤثرا: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233] ، فجعله موجبا لثبوت حق النفقة. فهنا في مسألتنا إذا كنا نقول: إن الإرث سبب من أسباب وجوب النفقة، فالوارث تارة يحجب وتارة لا يحجب؛ فإن لم يكن محجوبا فلا إشكال لأنه مستحق من جهة الإرث. لكن إذا كان في الإرث يحجب حجب نقصان أو حجب حرمان؛ فهذا يؤثر، لكنه في الأصول والفروع لا يؤثر، وهذا جعله استحقاقا ثابتا لأن الأصل والفرع جهته متمحضة من حيث البعضية بخلاف الوارث؛ فإنه من جهة التشريك في القرابة، سواء كان من الفروع أو الحواشي أو نحوها. ففرق بين الأصول والفروع في مسألة ذوي الأرحام- التي تقدمت معنا- وهنا في مسألة وجود من هو حاجب؛ سواء كان حجب حرمان أو حجب نقصان. فقوله: [حتى ذوي الأرحام منهم حجبه معسر أو لا] . لو أن له جدا، هو أبو أبيه، والأب فقير، فتستحق النفقة عليه للوالد وللجد. إذا جئنا من ناحية الإرث، فإن الجد لا يرث مع وجود الابن. فهذا الذي يريد أن ينفق عليه محجوب، ولا يرث من جده مع وجود أبيه، فالأصل يقتضي أنه لا تجب عليه نفقة هذا الجد، وإنما تجب على الأب، سواء حجبه معسر أو لا. ففي هذه الحالة نقول للابن: أنفق على أبيك وجدك، فإذا حكمنا بإنفاقه على جده، فإنه في الأصل لا يرث من هذا الجد لوجود الأب، ولكن هذه مسألة مستثناة في الأصول-كما ذكرنا- بخلاف غير الأصول والفروع كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأيضا قوله: (حجبه معسر أو لا) : يفهم منه أنه إذا لم يحجبه؛ مثل أن يفتقر جده ويحتاج إلى النفقة، ووالده ميت - الذي هو أبوه- ففي هذه الحالة يجب عليه أن ينفق على الجد، فاستوت العبارة في الدلالة على أنه ملزم بالنفقة، سواء كان محجوبا بمعسر-الذي هو الأب الموجود- أو كان غير محجوب؛ كأن يكون جده قد مات ابنه-الذي هو الأب- فيجب على هذا الولد أن ينفق على جده سواء حجب من معسر أو لم يحجب. تأثير التوارث في وجوب النفقة قال رحمه الله: [وكل من يرثه بفرض أو تعصيب] . هذا الجانب الثاني في القرابة، فالجانب الأول: أصل الإنسان وفرعه، وهنا الجانب الثاني، ويشمل البقية؛ كالحواشي والقرابات، كما سيأتي بقية القرابات. فبقية القرابات بين المصنف رحمه الله أنه يجب عليه أن ينفق على من يكون وارثا له منهم، سواء كان بفرض أو بتعصيب، فإذا كان وارثا بفرض أو تعصيب استحق النفقة، لقوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233] . فهذه الآية الكريمة من سورة البقرة أوجب الله سبحانه وتعالى فيها النفقة، وبينت حكم النفقة على الولد في الرضاعة، فأمر الله عز وجل الوالدة أن ترضع ولدها، وأمر الله الوالد أن ينفق على هذه المرضعة، ولما أمره بالإنفاق، وبين أن المولود له -وهو الوالد- يجب عليه أن ينفق، قال بعد ذلك: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233] . فبعد أن قال: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده} [البقرة:233] ، قال: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233] ، فاستفدنا من الآية أن الوالد ينفق على ولده في الرضاعة، وذلك حق عليه واجب: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233] . ثم قال: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233] أي: فلو كان والد الطفل ميتا لنظرنا إلى قرابته الذين يرثونه، وقلنا لهم: أنفقوا على هذا المولود الذي لا والد له بالمعروف، فكما أنهم يرثون هذا المولود لو مات، كذلك يجب عليهم أن ينفقوا عليه إذا أعسر. ومن هنا ندرك ما ينقمه الأعداء على الإسلام؛ أنه يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين أمور جاءت مرتبة مفصلة من لدن حكيم خبير، الذي أعطى كل شيء حقه وقدره، لا تستيطع أن تزيد فتظلم وتجور، ولا تستيطع أن تنقص فيكون فيه إجحاف بحقه، لا تستيطع أن تزيد على ما شرع الله قليلا ولا تنقص. وهذا هو العدل؛ تجد أن الأنثى لا تحمل ما يحمله الذكر، وتجد في طبيعة الناس وفطرتهم التي فطرهم الله عز وجل عليها أن النساء لا يستطعن في حال العوز والفقر أن يقمن ببعض مايقوم به الرجال، ففضل الله بعضهم على بعض، وهو أعلم وأحكم سبحانه وتعالى؛ يحكم ولا معقب لحكمه. فهذه أمور كلها ارتبطت ببعضها، كما أنه في الإرث يستحق أن يرث منه؛ لوجود الإرثية والقرابة الموجبة للإرث، كذلك إذا أعوز هذا الموروث يجب عليه أن ينفق عليه. ونصت الآية على أن للقريب حق النفقة عليه، وجاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وحسنه غير واحد من العلماء؛ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يبر؟ فقال له: (أمك-أي: بر أمك- وأباك، وأختك، وأخاك، ثم أدناك أدناك) . يعني الأقرب فالأقرب إليك، وهذا يدل على أنه ينبغي أن توصل الرحم، فينفق عليها إذا احتاجت، فمثلا لو كان له أخ محتاج ليس عنده نفقة يومه، نقول له: أنفق على أخيك، كذلك لو كان عنده أخت محتاجة ما وجدت نفقتها، ولا ما تكتسي به، وبحاجة إلى السكنى، فإنه يجب عليه أن ينفق عليها بالمعروف. فهذا الحكم أجمع عليه العلماء رحمهم الله، والأصل فيه دليل الكتاب في قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233] ، ودليل السنة والعقل يقتضي هذا، وبناء على ذلك أجمعوا على أنه يجب على الوارث أن ينفق على قريبه، والتفصيل في هذا يرجع إلى مسألة الإرث، فينفق عليه بقدر ما يكون له من النصيب. قوله: (بفرض، وتعصيب) الفروض في كتاب الله عز وجل ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس. وبعضهم يختصر فيقول: النصف، ونصفه، ونصف نصفه، والثلثان، ونصفهما، ونصف نصفهما. نصف وربع ثم نصف الربع والثلث والسدس بنص الشرع والثلثان وهما التمام فاحفظ فكل حافظ إمام هذه الفروض المحددة المقدرة في شرع الله عز وجل؛ إذا قيل بالفرض؛ فإما أن يكون له النصف، فيكون له النصف، أو نصفه، أو يكون له الثلثان، أو نصفهما، أو نصف نصفهما. أما التعصيب: فهو من العصبة، وعصبة الإنسان: قرابته الذين يحيطون به، وتتمحض العصبة من جهة الذكور، وسموا بذلك: لأنهم في الشدائد يتعصبون معه، ويحيطون به كالعصابة التي تحيط برأس الإنسان. فالإرث في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إما فرضا وإما تعصيبا، فيجب على القريب أن ينفق على قريبه الوارث؛ سواء كان الإرث من جهة الفرض أو التعصيب. ويشمل هذا عشرة من الذكور، وسبعا من الإناث في الفرائض: والوارثون من الرجال عشرة أسماؤهم معروفة مشتهرة الابن وابن الابن مهما نزلا والأب والجد له وإن علا والأخ من أي الجهات كانا قد أنزل الله به القرآنا وابن الأخ المدلى إليه بالأب فاسمع مقالا ليس بالمكذب والعم وابن العم من أبيه فاشكر لذي الإيجاز والتنبيه والزوج والمعتق ذو الولاء فجملة الذكور هؤلاء هؤلاء عشرة يرثون بفرض الله عز وجل الذي فرضه في كتابه، إما أن يرثوا بالفرض المقدر الذي ذكرناه، وإما أن يرثوا بالتعصيب. وأما بالنسبة للإناث فهن سبع من النسوة: والوارثات من النساء سبع لم يعط أنثى غيرهن الشرع بنت وبنت ابن وأم مشفقه وزوجة وجدة ومعتقه والأخت من أي الجهات كانت فهذه عدتهن بانت فهؤلاء سبع يرثن في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويستحق هؤلاء سواء كانوا ذكورا أو إناثا النفقة عليهم، وسيأتي إن شاء الله تفصيل ذلك في كتاب الفرائض. فالوارث: سواء كان إرثه من جهة الفرض أو من جهة التعصيب له حق على القريب، والأصل في هذا-كما ذكرنا- دليل الكتاب، ودليل السنة، وإجماع أهل العلم رحمهم الله. وجوب النفقة على عمودي النسب من ذوي الأرحام قوله: [لا برحم سوى عمودي النسب] أي لا يجب عليه أن ينفق على القريب من ذوي الأرحام، وذوو الأرحام كبنت البنت، وبنت ابن البنت من جهة الفروع، وكذلك أيضا من جهة الحواشي؛ كبنت الخال، أو الخال نفسه، وبنت الخالة، أو الخالة نفسها، لا يجب عليه أن ينفق عليها في الأصل؛ لأنها من جهة ذوي الأرحام، وهؤلاء ليسوا من الوارثين، والله عز وجل خص النفقة الواجبة اللازمة بالوارث. وذوو الأرحام لهم إرث كما ذكرنا، لكن من قال بتوريثهم فهذا عندما ينزل منزلة من أدلى به، لكنه ليس في الأصل من الوارثين، وإنما قيل بتوريثه لقوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال:75] ، ولحديث: (الخال وارث من لا وارث له) . وفيه كلام عند العلماء رحمهم الله. قوله: (سوى عمودي نسبه) : فعمودي النسب من جهة الأب، والأم، والأجداد، والجدات لا يسقطون إذا كانوا من ذوي الأرحام. أما الجدة الساقطة، والجد الساقط، أو كما يقولون: الجدة الفاسدة، والجد الفاسد، فهؤلاء يجب عليه أن ينفق عليهم، وكونهم ساقطون في الإرث لا يسقط حقهم في النفقة؛ لأن في عمودي النسب موجبا للإنفاق أكثر من القرابة والورثة، فليس الأنفاق عليهم بسبب الإرث -أي: عمودي النسب- إنما هو بسبب نعمة الوجود؛ لأن الله عز وجل جعل وجود الابن بفضل الله ثم بفضل والديه، ولذلك قال: {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان:14] . النفقة على الوارث من جهة قال رحمه الله: [سواء ورثه آخر كأخ أو لا؛ كعمة وعتيق] . أي: سواء ورثه آخر كأخ، أو لم يرثه كعمة وعتيق. فلو أن الأخ توفي فأنت أخوه ترثه ويرثك، فالتوارث من الجهتين، وهذا من دقة الفقهاء رحمهم الله أنهم ذكروا أن بعض الأسباب تتمحض فتكون من الجانبين، مثل مسألتنا هنا: ترث الذي تريد أن تنفق عليه ويرثك؛ فالتوارث من الطرفين. في بعض الأحيان يكون التوارث من طرف واحد، فالعمة أنت ابن أخيها فترثها، لكنها لا ترثك، فالتوارث من جهة لا من جهتين، وبناء على ذلك يقول: سواء كان من جهة أو كان من الجهتين. العتيق أو المعتقة: جعل الله عز وجل الولاء لحمة كلحمة النسب، فإذا لم يوجد وارث ولا عاصب للميت، فإنه يرثه من أعتقه، فالمولى يرثه سيده الذي أعتقه، أو قرابة السيد -على التفصيل الذي سيأتينا- لأن الولاء سبب من أسباب الإرث الثلاثة المشهورة: وهي نكاح وولاء ونسب ما بعدهن للمواريث سبب هذا الولاء قال عنه صلى الله عليه وسلم: (الولاء لحمة كلحمة النسب) ، يرث به السيد من أعتقه في حال عدم وجود من يرث العتيق. مثلا: أخذ عبده ثم أعتقه، وهذا العبد جميع قرابته كفار، وليس هناك له وارث؛ لأن الكفر مانع من موانع الإرث؛ ففي هذه الحالة يرثه سيده الذي أعتقه، فيبقى الولاء بين السيد وعبده. لكن من الذي يرث؟ السيد يرث العبد، والعبد لا يرث سيده؛ فإذا التوارث من جهة وليس من الجهتين. فبين رحمه الله أنه يستحق به الإنفاق، فلو أن هذا المولى الذي أعتقه سيده أصبح فقيرا، ولا عائل له، نقول لسيده: أنفق عليه، ويجب عليك أن تنفق عليه لوجود السبب الموجب؛ وهو التوارث. مقدار ما ينفق على الأقارب والمماليك قال رحمه الله: [بمعروف] . الأصل في النفقة أنه يرجع فيها إلى العرف والعادة، وأعراف المسلمين يحتكم إليها، والمراد بأعراف المسلمين: الأعراف الغالبة التي لا تطرأ عليها معارضة للشرع، يعني يشترط في العادة أن تكون موافقة للشرع لا مخالفة له؛ لذلك أجمع العلماء رحمهم الله على أنه لو جرى في العادة محرم ومنكر فإنه لا يحتكم إليها. وهذه المسألة راجعة إلى الأصل الشرعي الذي قرره العلماء رحمهم الله، واستنبط من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم: أن العادة محكمة، وهي إحدى القواعد الخمس التي قام عليها الفقه الإسلامي: الأمور بمقصادها -اليقين لايزال بالشك- المشقة تجلب التسير -الضرر يزال- العادة محكمة. فهذه العادة محكمة؛ أي: يحتكم إلى عادات المسلمين وأعرافهم، والمراد فيما لا نص فيه، أما الذي فيه نص فلا يلتفت فيه إلى العرف. فالعرف إنما يرجع إليه ويلتفت إليه في حالة عدم وجود النص، وبشرط عدم معارضته للنص، فلو جرت العادة-والعياذ بالله- بأمور مستقبحة أو مشينة لم يحتكم إليها. والسبب في هذا أن الله عز وجل نص في كتابه على الرجوع إلى العرف: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة:228] ، وقال صلى الله عليه وسلم لـ هند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) . والعلماء رحمهم الله اختلفوا في مسائل النفقات؛ كيف تقدر منها مسألة العسر واليسر ومقدار النفقة؟ أي: متى نحكم بكون القريب معسرا؟ ومتى نحكم بكونه موسرا؟ ومتى نحكم بكونه في حال وسط بين الإعسار واليسار؟ من العلماء من قال: الرجوع إلى العرف، ومنهم من حد ضابطا، وقال: ينظر إن كان دخله أكثر مما ينفق فهو موسر. وإن كان إنفاقه أكثر مما يدخل عليه فهو معسر. وإذا استوى الأمران فهو متوسط بين اليسار والإعسار. وهنا في مسألة إعطائه النفقة، أنه ينفق عليه بالمعروف، وسبق أن بينا هذا في نفقة الزوجة، وتقدير ذلك: أنه يصار إلى نفقة مثلها بالمعروف، لا تكلف نفس إلا وسعها. الأسئلة حكم تكليف الأب ابنه فوق طاقته من النفقة السؤال أنا أنفق على والدي وزوجتي، ومصدر دخلي قد لا يكفي، وأحيانا بل غالبا يأمرني والدي بأن أستدين من الناس. فهل أطيعه في هذا الأمر؟ الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالنفقة على الوالد سداد لحاجته، وقيام بما يكفيه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (خذي من ماله ما يكفيك) . فجعل الأمر موقوفا على الكفاية، وما زاد عن الكفاية فهو فضل وليس بفرض. فلو كان الوالد يحتاج مائة، فأعطاه ما زاد عن المائة فهو فضل من الولد على والده ليس بواجب عليه وليس بلازم، فإذا فعله فهو مأجور، والله يخلف عليه، وإذا لم يفعل واقتصر على قدر الكفاية؛ فقد أدى ما أوجب الله عليه. لكن إذاكان عند الابن قدرة ويسارا، فهنا اختلف العلماء: هل يأثم أو لا يأثم؟ مثلا: الوالد طلب منه ألف ريال فوق النفقة، والابن عنده قدرة، فهل هذا المستحب يصير واجبا بأمر الوالد؟ بعض العلماء يقول: إذا امتنع مع قدرته على ذلك كان من العقوق، وهذا من جانب آخر لا من جانب الاستحقاق بالنفقة، ولا شك أن الابن لا يكلف فوق طاقته، حتى غير الابن فأي إنسان ينفق لا يكلف فوق طاقته، ولذلك قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق:7] وذلك حينما بين أحكام النفقات في سورة الطلاق، فبين سبحانه وتعالى أنه لايكلف إلا على قدر ما في وسع الإنسان من النفقة، وبناء على هذا لا يكلف الابن فوق طاقته وفوق كفاية الوالد إذا كان ذلك يجحف به ويضر. أما إذا أمكن الابن أن يتفضل ويتجاسر -شريطة ألا يكون هناك من الوالد الإنفاق على المحرمات أو إسراف- فلا شك أنه لا يزال له من الله عون ومدد، وسيخلف الله عليه إن عاجلا أو آجلا. لو أن الوالد صادفته ضائقة في دين، وطلب من الابن أن يستدين من الناس، فنظر إلى مصاريف والده فوجدها مصاريف معقولة، وأنها في حاجة الوالد، ونفقة إخوانه وأخواته، فاحتسب عند الله عز وجل أن يفرج كرب والده، فوالله لن يخيب، وسيجعل الله له فرجا ومخرجا. فأعظم طاعة بعد الإيمان بالله وتوحيده بر الوالدين، فلذلك قرنه الله ببره فقال: {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان:14] ألا ترى والدا ينفق على الإخوان والأخوات، وقد يستدين من أجل الإنفاق عليهم، فإذا نظرته ينفق نفقة معقولة، أو ممكن أن يسدد ديونه التي ترتبت على النفقة بالمعروف؛ فتقف معه، وتستعين بالله عز وجل فتؤدي عنه، والله لن تخيب إن فعلت، فهذا فضل عليك وليس بفرض، والله عز وجل يجزي المحسن على الإحسان، فما بالك إذا كان الإحسان على أحق الناس، وأولاهم بالإحسان؟! وأنت حينما تعطي الوالد؛ إيمانا بالله واحتسابا للأجر عند الله، فما الذي تنتظره عند ربك الذي لا يخلف الميعاد، وقال لك: {وبالوالدين إحسانا} [البقرة:83] ! والإحسان أعلى مراتب العبادة.
__________________
|
|
#646
|
||||
|
||||
|
فاختار للعبد في بره لوالديه أجمل وأكمل المراتب، حتى إنه قال: {يبلوكم أيكم أحسن عملا} [هود:7] ، ما قال: أكثر عملا، والإحسان- كما هو معلوم-: أن تعبد الله كأنك تراه، وهو أعلى مقامات العبودية، فاختار الله هذا المصطلح الكريم الجليل العظيم في التعبير عن حق الوالدين؛ أي: أحسنوا في حق الوالدين إحسانا. فلا شك أنه إذا احتسب الولد وأنفق على والده أن الله سبحانه وتعالى لا يخيبه، لكن إذا كان الأمر يجحف بالابن ويضر به، ولربما يعرض حياته للضرر؛ فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فليس للوالد على ولده إلا قدر الكفاية. والله تعالى أعلم. حكم النفقة على ذات الزوج المعسر من البنات السؤال البنت المتزوجة إذا كان زوجها معسرا هل تجب نفقتها على أهليها؟ الجواب من حيث الأصل فإن نفقة الزوجة على زوجها، ولا يجب على الأب أن ينفق على البنت وهي في عصمة زوجها، وقد بينا أنه إذا كان الزوج معسرا فلها أن تصبر، أو تستمر، ولها حق الفسخ -على التفصيل الذي ذكرناه- فإذا اختارت الصبر؛ فحينئذ حقها عند زوجها، ولا يجب على أهلها نفقتها في حال كونها في عصمة الرجل؛ لأن هذا يؤدي إلى تعدد جهات الإنفاق. والأصل الشرعي: أنها في حق الزوجة جهة واحدة؛ وهي إنفاق الزوج على زوجته. والله أعلم. الإهلال بالإحرام لأهل مكة إن أتوا من خارجها السؤال إذا كنت من سكان مكة، وذهبت لزيارة الوالدين خارج مكة، ثم رجعت في اليوم الثاني، فهل يجب علي الإحرام من الميقات؟ أم أهل بالحج من مكة؟ الجواب هذا فيه تفصيل: إذا دخلت أشهر الحج، وهو الميقات الزماني، وخرج من كان من أهل مكة إلى قريب أو بعيد؛ كأن سافر إلى المدينة وعنده نية الحج في ذلك العام؛ فإنه في هذه الحالة قد مر بميقات المدينة بعد دخول الميقات الزماني المعتبر، فيأتي بعمرة ويتمتع بها-إذا كان الزمان بعيدا عن الحج- إلى الحج. وأما إذا كان سافر إلى المدينة وليس عنده نية أن يحج، ومر بالميقات راجعا إلى مكة، وليس عنده نية الحج في ذلك العام، ثم طرأت عليه النية بعد أن رجع إلى مكة، فيحرم من مكة، لأنه أنشأ النية من مكة، ثم يفصل في ذلك: إن طرأت عليه النية في أثناء الطريق، وجب عليه أن يحرم من مكانه، فيتمتع بعمرة، ثم يهل بالحج من عامه. والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، من حديث ابن عباس في المواقيت: (هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج والعمرة) . فهذا قد أتى إلى الميقات الأبعد -وهو ميقات المدينة- بعد دخول الميقات الزماني، وعنده نية للحج. لكن لو أنه سافر إلى المدينة في رمضان، وعنده نية أن يحج، ثم رجع إلى مكة قبل أن يدخل شهر شوال- الذي هو الميقات الزماني- لم يؤثر، لأنه ما دخل عليه الميقات الزماني، فلم يؤمر بالميقات الأبعد، ولم ينطبق عليه الإلزام بالإحرام من الميقات الأبعد. والله تعالى أعلم. حكم طواف القدوم لمن دخل مكة يوم التروية السؤال من أراد الحج مفردا من غير أهل مكة، هل عليه طواف القدوم إذا دخل مكة يوم التروية؟ الجواب هذا فيه تفصيل: بعض العلماء لا يرى وجوب طواف القدوم، والأصل عندهم قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عروة بن مضرس رضي الله عنه وأرضاه: أنه لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة يوم النحر، فقال: (يا رسول الله! أقبلت من جبل طي أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، وما تركت جبلا إلا وقفت عليه. فقال صلى الله عليه وسلم: من صلى صلاتنا هذه، ووقف موقفنا هذا، وكان قد أتى عرفات أي ساعة من ليل أو نهار، فقد تم حجه، وقضى تفثه) . وكان عروة لم يأت إلى مكة ولم يطف بالبيت، كما هو ظاهر الحال في سؤاله لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمن أهل العلم من قال: إن هذا يختص بمن ضاق عليه الوقت، وأما من اتسع له الوقت فيجب عليه أن يأتي ويطوف طواف القدوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف طواف قدومه عند قدومه على مكة. وظاهر الحديث، يقتضي عدم وجوبه، لكن السنة أن يطوف بالبيت إن أمكنه. والله تعالى أعلم. حكم الأخذ من الشعر قبل السعي للرجل والمرأة السؤال عن امرأتين طافتا ولم يسعيا، فما حكم عمرتهما؟ الجواب الواجب على المرأة والرجل أن يتما عمرتهما نويا العمرة أو الحج، فمن نوى العمرة من الرجال والنساء فالواجب عليه أن لا يتحلل، وأن لا يأخذ من الشعر إلا بعد أن يطوف بالبيت ويسعى، وبناء على ذلك وقوع القص بالشعر أو التقصير يكون قبل السعي واقعا في غير موقعه؛ فعليهم الفدية؛ لأنهم أخذوا من الشعر قبل تمام النسك. فيرجعون ويؤدون السعي، ثم بعد ذلك يفتدون. أما بالنسبة لركعتي الطواف؛ فهما سنة، وفعلهما بعد الطواف في داخل البيت سنة، على كل حال عليهم أن يصلوا ركعتي الطواف، وإذا أعادوا الطواف ثم سعوا بعده، جعلوا الطواف نافلة بناء على قول من قال: لا يصح السعي إلا بعد طواف. هذا أفضل. وكونهم يأتون إلى التنعيم، هذا لا أصل له، وما له داع ولا موجب. فيجب عليهم الآن الذهاب إلى مكة ليعيدوا الطواف؛ لفوات الموالاة بين السعي والطواف، فقد كان المفروض أن يقع السعي بعد الطواف. فالأفضل له أن يطوف، ثم يسعى، ثم بعد ذلك يتحلل، وتجب عليهما الفدية إن كانوا قد تطيبوا. أما إن كانوا لم يتطيبوا ولم يكن هناك محظورات فعلوها؛ فهم إلى الآن محرمون، ويجب عليهم أن يذهبوا. وإن كانوا قد قصروا الشعر فهذا يوجب عليهم الفدية؛ لأنه لا يجوز أن يقصروا إلا بعد انتهاء السعي. والله أعلم. حكم تطييب البدن بعد الإحرام السؤال هل يجوز التطيب في البدن فقط بعد ارتداء ملابس الإحرام؟ الجواب إذا دخل في النسك فلا يجوز له أن يتطيب؛ لأن الله تعالى حرم على المحرم أن يتطيب. وأجمع العلماء رحمهم الله على أن الطيب من محظورات الإحرام، قال صلى الله عليه وسلم: (إنزع عنك جبتك، واغسل عنك أثر الطيب) . فأمر المحرم أن لا يتطيب. في هذه الحالة: الواجب على المسلم أن لا يتطيب بعد إحرامه، فإن تطيب قبل الإحرام واغتسل أو اغتسل ثم تطيب قبل أن يدخل في النسك؛ فهذا لا بأس به، وهو في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله قبل حرمه، ولحرمه قبل أن يطوف بالبيت) . سواء وقع الطيب بعد الغسل أو قبل الغسل؛ فإن الصحيح أنه من السنة، ولا بأس به، وقد قالت أم المؤمنين عائشة: (كنت أرى وبيص الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم) . فهذا يدل على أنه لا بأس أن يكون على بدن المحرم الطيب، بشرط أن يكون قد وضعه قبل الدخول في النسك. وبعض الناس يرى أنه بمجرد اللبس قد دخل في النسك! وهذا ليس بصحيح، فإن التجرد عن المخيط ليس دخولا في النسك، إنما يكون الدخول بالنية, وبناء على ذلك فلا عبرة بلبسه، وإنما العبرة بدخوله في النسك. حكم العمرة بعد الحج هذه المسألة من حيث الأصل: السنة أن من أتى بعمرة قبل حجه، ثم حج وتمتع بها: أن يكتفي بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الحديث الصحيح، لما أرادت عائشة رضي الله عنها أن تأخذ عمرة بعد حجها، قال عليه الصلاة والسلام: (طوافك بالبيت، وسعيك بين الصفا والمروة كافيك لحجك وعمرتك) . فالنبي صلى الله عليه وسلم عتب عليها، وضيق عليها بعض الشيء، كأنها تأتي بعمرة بعد عمرتها، لكن إذا وجد لبعض الناس سبب؛ مثلا: والده أو قريبه لم يعتمر، وأراد أن يأخذ العمرة عنه؛ فلا بأس أن يأتي بالعمرة بشرط أن تكون النية طرأت عليه في مكة، لا من الميقات الأبعد. والله تعالى أعلم. حكم ثوب الإحرام الذي فيه أزرار وبالنسبة لثوب الإحرام الذي فيه (طقطق) هذا ينصح الناس فيه، ولا يجوز لهم لبسه؛ لأنه في حكم المخيط. الإحرام الذي فيه أزارير يجب أن تزيلها، وتفكها، وتبقى مفتوحة، ولا يضر إن شاء الله. والله أعلم. حكم حج من اعتمر في أشهر الحج ثم نوى الحج السؤال من أتى بعمرة في أشهر الحج، ثم نوى بعد ذلك الحج في العام نفسه، هل يلزمه التمتع، أم يخير؟ الجواب ليس هناك إلزام بنسك، فعن أم المؤمنين عائشة كما في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى الميقات قال: (من أراد منكم أن يهل بحج فليهل، ومن أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بحج وعمرة فليهل) . فالأصل في هذه الأنساك أنها تخييرية -أي: الأنساك الثلاثة- ومن أتى بأي واحد منها فلا حرج عليه ولا عذر، والخلاف بين العلماء رحمهم الله في الأفضل، وليس هناك إلزام بأحد هذه الأنساك. بل يبقى هذا النص على الأصل وأن المسلم مخير. وأما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بفسخ الحج بعمرة، وهو إيجاب فسخ الحج بعمرة على من لم يسق الهدي؛ فهذا كان في ذلك العام، ولذلك لم يلزم بها أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان مدة الخلافة الراشدة كلها، وفهم الصحابة ذلك وطبقوه، وهم أعلم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: (متعتان لا تصلح إلا لنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: متعة النساء، ومتعة الحج) . يعني إيجاب الفسخ، وليس مراده مطلق التمتع بالحج، يعني أن إيجاب الفسخ كان في ذلك العام هدما لعقيدة الجاهلية الذين كانوا لا يجيزون العمرة في أشهر الحج، وكانوا يقولون كما في الصحيح عن ابن عباس: (إذا برأ الدبر، وعفى الأثر، وانسلخ صفر، فقد حلت العمرة لمن اعتمر) ، فكانوا يرونها من الفجور. ولذلك قالوا: (يارسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: لا؛ للأبد، للأبد) . صلوات الله وسلامه عليه. وقال: (دخلت العمرة في الحج) . أي: أنه يجوز لك إيقاع العمرة في أشهر الحج إلى الأبد، لا ما كان يعتقده أهل الجاهلية من تحريم إيقاع العمرة حتى ينسلخ صفر، فذاك من أدران الجاهلية، ومما اختلقه أصحاب الجاهلية من المسائل المحدثة وألصقوها بالحنيفية وهي منها براء فردها عليه الصلاة والسلام, ورد الأمر إلى أصله؛ من أنه يجوز الاعتمار في أشهر الحج، ولذلك وقعت عمرته عليه الصلاة والسلام في أشهر الحج؛ كعمرة الجعرانة حينما وقعت في ذي القعدة لما انتهى عليه الصلاة والسلام من قسم الغنائم بعد فتحه للطائف؛ صلوات الله وسلامه عليه. والله تعالى أعلم. حكم صيام أيام عشر ذي الحجة السؤال هل يعتبر صيام عشر ذي الحجة من السنة؟ الجواب صيام عشر من ذي الحجة ما عدا يوم النحر لا بأس به ولا حرج، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة، قالوا: يارسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجل خرج بماله ونفسه فلم يرجع بشيء من ذلك) . فهذا يدل على أنه يشرع فعل الطاعات، وأنه لا بأس بصيامها؛ سواء صام التسع كاملة أو صام بعضها، فلا حرج في ذلك ولا بأس، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يفعل الشيء ويتركه، وقد شرع ذلك للأمة بقوله: (ما من أيام العمل الصالح فيهن ... ) وبناء على ذلك يبقى هذا النص القولي على عمومه، ولم يأت ما ينقضه، فيبقى صيامها مستحبا على الأصل. والله أعلم. أما يوم النحر: ففيه حديث عمر في الصحيحين: (أنه عليه الصلاة والسلام خطب ونهى عن صوم يومي النحر والفطر) ، فلا يجوز الصيام في هذين اليومين؛ لأنهما يوما عيد الإسلام، والصيام فيهما إعراض عن ضيافة الله عز وجل، فلا يجوز صيامهما بإجماع العلماء. والله تعالى أعلم. حكم الدم إن أصاب الثوب السؤال هل دم الإنسان إذا أصاب الثوب يجب غسله؟ أو أن الشرع حدد المقدار الذي يجب غسله؟ الجواب جمهور العلماء على أن الدم المسفوح نجس؛ لقوله تعالى: {أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام:145] ، وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (اغسلي عنك الدم، ثم اغتسلي وصلي) ، فهذا أصل عندهم في أن الدماء نجسة. وقال بعض العلماء: إنها طاهرة؛ لحديث الشعب، ولصلاة عمر رضي الله عنه وجرحه ينزف، وقد أجيب عن حديث الشعب؛ بأنه من النزيف الذي لا يرقأ، لأنه أصيب بالسهم، والسهم غالبا ينزف، والنزيف لا يرقأ، ولذلك محل الخلاف لا يستقيم به الاستدلال، وكذلك عمر رضي الله عنه، لأن جرحه استنزفه إلى الموت، ولذلك قالوا: لو رعف الإنسان -مع قولهم بالنجاسة- أو المرأة المستحاضة يستثقل معها الدم، فهذا من العفو؛ لأنه لا يمكنها إيقافه، فالاستدلال بهذا الحديث فيه نظر من هذا الوجه، كما ذكر جمهور العلماء رحمهم الله والصحيح: أنه نجس، وحكمه حكم النجس؛ يجب غسل الدم، لكن الدم على حالتين: الحالة الأولى: أن يكون يسيرا. والحالة الثانية: أن يكون كثيرا، وهو الذي يسميه بعض العلماء: متفاحشا. واختلف العلماء رحمهم الله في التفريق بين اليسير والكثير، أو الكثير والمتفاحش، فمنهم من يقول: إذا بلغ قدر الدرهم فهو يسير، وإن كان أكثر من الدرهم فهو كثير يجب غسله. ومنهم من قال: إن الكثير والقليل يفرق بينهما بما لا يتفاحش في النفس؛ يعني إذا رآه كثيرا حكم بكونه كثيرا، وإذا رآه قليلا حكم بكونه قليلا. والأول أقوى، لكن يوجد حديث ضعيف، وهو حديث الدرهم البغلي، لكن حكي الإجماع على أن قدر الدرهم من العفو، ولذلك يستدل بعض العلماء على أنه يصح من جهة العفو، ويؤخذ بهذا الأمر المتفق عليه؛ وهو أشبه. وقدر الدرهم تقريبا: قدر الهللة القديمة الصفراء؛ فإنها تقارب الدرهم كما حرره بعض مشايخنا رحمة الله عليهم، فإذا كان مجموع الدم مقدار ذلك فهو من العفو فما دون، ولذلك عصر عبد الله بن عمر بثرا في صلاته ولم يقطعها؛ لأنها من اليسير، وهذا من حيث الأصل-أعني اشتراط أن يكون كثيرا- ودليله ظاهر آية الأنعام؛ فإن الله تعالى يقول: {أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام:145] ، فجعل الحكم بالنجاسة مبنيا على كونه مسفوحا، والمسفوح في لغة العرب: الكثير. ففرق الله بين القليل والكثير، ولذلك ذهب جماهير السلف والخلف إلى هذا التفريق، على ظاهر النص في قوله: {أو دما مسفوحا} [الأنعام:145] . والله تعالى أعلم. حكم معارضة الوالد إن أراد غير المعروف السؤال أبي يريد أن يزوج أختي بشاب لا يصلي، وأنا معارض لهذا الأمر، فهل أكون عاقا، وكيف أنصح والدي؟ الجواب هذا من طاعة الله عز وجل، والسمع والطاعة الأصل أن تكون بالمعروف لا بالمنكر، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما السمع والطاعة بالمعروف) . فسماعك لأمر والدك وامتثالك له إنما هو مقيد بالمعروف الذي أقره الله عز وجل، أما إذا كان بالمنكر فلك أن تنكره وترده عليه، فالحق معك، ولا يزال معك من الله معين وظهير. كيف تزوجها من رجل لا يصلي قد قطع صلته بالله عز وجل، خسر الدنيا والآخرة؛ ذلك هو الخسران المبين، ففي هذه الحالة من حقك أن تعترض، ومن حقك أن تبين للوالد، وتحاول بالتي هي أحسن أن تؤثر عليه، وأن تستعين بالأشخاص الذين يؤثرون عليه إذا لم تستطع بنفسك، وتوصي الأخت أن لا تقبل مثل هذا زوجا لها؛ بل تمتنع وتصر على عدم القبول، وهي مثابة على إصرارها على هذا الحق. فلا بارك الله بزوج لا يصلي؛ إنه منزوع البركة، مشئوم على من يتزوجه؛ لأن الصلاة صلة بين العبد وربه؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم: (بين الرجل والكفر ترك الصلاة) . فحرمان الخير-والعياذ بالله- موقوف على ترك الأمور التي فرض الله عز وجل، والتي أعظمها عماد الدين بعد الشهادتين. فمثل هذا لا يزوج، وحري به أن لا يكرم بالتزويج، ونسأل الله أن يهدي والدك إلى سماع الحق وقبوله، وأن يختار لأختك ولبنات المسلمين من فيه الخير والصلاح. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
__________________
|
|
#647
|
||||
|
||||
|
شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع (كتاب النفقات) شرح فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي الحلقة (481) صـــــ(1) إلى صــ(20) شرح زاد المستقنع - باب نفقة الأقارب والمماليك [2] جعل الله تعالى لصلة القرابة حرمة وقداسة، ومن آثار ذلك أنه يجب على القريب أن ينفق على قريبه الذي يرثه لو مات. وهذا الإنفاق إنما يجب بشروط لابد أن تتحقق، وهي لا تسمح للكسول بأن يركن على غيره، ولا تكلف الغني فوق طاقته، بل تحقق التكافل الأسري والتكامل الاقتصادي على أحسن الوجوه وأتمها. ما يشترط لوجوب نفقة القريب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فنسأل الله العظيم العليم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل ما نتعلمه ونعلمه خالصا لوجهه الكريم؛ موجبا لرضوانه العظيم. ولا شك في أن حلق العلم ومجالسه خير ما تستفتح بها الوصية بحق الله جل وعلا، ولو كرر ذلك في كل مجلس لم تسأم منه الآذان، ولم تمل من سماع ذلك؛ لأن حق الله هو أعظم الحقوق، فالوصية بتقوى الله والإخلاص في طلب العلم زاد طالب العلم الذي لا يمكن أن يستغني عنه لحظة من اللحظات؛ لأن الله لا ينظر إلى قول قائل ولا إلى عمل عامل إلا بعد تحقيقه والعمل بحقوقه. وخير ما نتواصى به: أن يخلص الإنسان لوجه الله، وأن لا يجلس في مجالس العلم إلا وهو يريد ما عند الله، وأن يعلم علم اليقين أن التجارة مع الله رابحة، وأنها عند الله رائجة، وأن أسعد الناس في القول والعمل من نظر الله إلى قلبه فوجده خالصا مستقيما لربه أسعد الناس من أرى الله من نفسه خيرا حينما يجلس في مجالس العلم، ويستمع العلم، ويقرؤه، ويكتبه، ويتحدث به، وليس في قلبه إلا الله، وهي أمارة من الأمارات بل هي أشرف الأمارات وأعزها وأكرمها؛ إذ لا يعطيها الله إلا لخاصة أوليائه. فمن نظر في قلبه أنه مليء بالله معمور به، مصروف عن زخارف الدنيا وشهواتها وملذاتها؛ لا تصغي أذنه إلى مدح المادحين، ولا يميل قلبه إلى عجب الناس به؛ فقد كملت ولايته لله جل جلاله، وهي العطية التي يختص الله بها من أحب. اللهم ربنا ورب كل شيء نسألك أن تجعلنا ممن اصطفيته فجعلته من المخلصين وأراد وجهك يا رب العالمين. وقد تحدثنا فيما سبق عن مسألة النفقة، وبينا أن المصنف رحمه الله جعل الأصل في النفقة على الأقارب من الأصول والفروع والحواشي، مبنيا على شروطا لابد من تحققها، فنحن لا نلزم شخصا أن ينفق على قريب إلا إذا توافرت فيه هذه الشروط. والنفقة تبعة من التبعات، فأنت حينما تتحمل طعام شخص وكسوته وسكناه، هذا أمر فيه كلفة ومشقة، لكنه لا يأتي إلا من خلال أسباب وشروط، وهي العلامات والأمارات التي نصبها الشرع لإيجاد النفقة. أول هذه الشروط: وجود العلاقة والسببية الموجبة للنفقة، وهي القرابة المبنية على صفة الإرث، فالقريب الوارث يستحق النفقة، وهذا المذهب اختاره طائفة من العلماء، وذكرنا دليله من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أن الإسلام عدل حينما جعل الإنسان يرث من الميت، وكما أنه يأخذ غنيمة الإرث بعد موته يتحمل غرم الإنفاق عليه في حياته، فهذا من العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، ومن العدل الذي هو كمال في هذه الشريعة. أما الشرط الثاني: فقد بينا من هم الأقرباء الذين يجب عليك أن تنفق عليهم من الأصول؛ كالآباء والأمهات والأجداد والجدات وإن علت، والفروع: كالأبناء والبنات وإن سفلوا، والحواشي من جهة العصبة ونحوها. وبهذه العبارة التي ذكرها المصنف شرع في الشرط الثاني من شروط وجوب النفقة. شرط فقر القريب مع عجزه عن الكسب قال رحمه الله: [مع فقر من تجب له] أي: يشترط في وجوب النفقة على القريب لقريبه أن يكون القريب محتاجا؛ فتوجد فيه الحاجة والفاقة والفقر، وقريبك الذي تنفق عليه كالأخ والأخت مثلا، إذا وجب عليك أن تنفق عليهما لابد وأن يكونا فقيرين، ومع الفقر يكون العجز عن التكسب؛ فقد يكون فقيرا ولكنه قادر على أن يتكسب، فحينئذ يفصل العلماء رحمهم الله. أما الفقر فلابد وأن يكون فقيرا؛ لأنه لو كان غنيا فقد أوجب الله عليه أن ينفق على نفسه، وأما إذا كان فقيرا وليس عنده مال فحينئذ يجب عليك أن تنفق عليه بالمعروف. وهذا الشرط مجمع عليه بين العلماء رحمهم الله، فلا نوجب عليك النفقة لقريبك إلا إذا كان فقيرا، لكن يستثنى من ذلك الوالدان والأولاد. فالوالد ينفق على ولده ولو كان غنيا ما دام أنه تحت كفالته، كزوجته يجب عليه أن ينفق عليها ولو كانت غنية؛ لأن الاستحقاق هنا في الأصول والفروع آكد وأوجب، ولذلك ينفق الأصل على والديه وعلى فرعه، كالوالد ينفق على أولاده ولو كانوا أغنياء. مثال لغنى الفرع: أن تموت الأم وتخلف مالا لولدها، والولد قاصر عمره سنة أو سنتان، عنده مال لكن في الأصل المخاطب بالنفقة عليه هو والده حتى يستقل بنفسه، فحينئذ لا يشترط في الولد الفقر، فينفق على الأصل والفرع سواء كان غنيا أو فقيرا. والزوجة تكون غنية ولكن يجب على زوجها أن ينفق عليها؛ لأن هذا الاستحقاق لا يتوقف على وجود الفاقة، وإنما هو مبني على وجود العلقة والقرابة. ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم الفرع بمنزلة الإنسان، كما في الصحيحين من حديث فاطمة رضي الله عنها، في قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما فاطمة بضعة مني) فالمقصود أننا لا نوجب النفقة عليك لقريبك كالأخ والأخت إلا إذا كان فقيرا ومحتاجا عاجزا عن الكسب، أما لو كان غنيا عنده قوت يومه فلا؛ لأننا نتكلم عن نفقة كل يوم بحسبها، فلو أن الأخ أو الأخت لم يجد طعامه وقوته في يوم، فحينئذ ننظر إن كان عنده مال؛ فإنه ليس بفقير، فلا يجب عليك أن تنفق عليه، لكن لو لم يكن عنده مال، ولا يستطيع أن ينفق على نفسه، فإنه يجب عليك أن تنفق عليه، إلا أن بعض العلماء قال: ينظر في قدرته على التكسب، فإن كان قادرا على التكسب سقط عنك إيجاب النفقة، ويجب عليه أن يقول له: اطلب العيش بالتكسب، لأن نفقتك عليه إعانة له على البطالة وترك السعي. ومن هنا لا يجب عليك أن تنفق عليه متى كان قادرا على التكسب، وبالتكسب يتحصل على رزقه. لكن لو ضاق الكسب والعيش، فقال بعض العلماء: في هذه الحالة يجب على القريب أن ينفق عليه، ولو كان قادرا على التكسب، ما دام أنه لا يجد مجالا للتكسب، فالقدرة على التكسب هنا وجودها وعدمها على حد سواء. إذا لابد وأن يكون فقيرا عاجزا عن التكسب؛ يكون فقيرا بالنسبة لصفة الحال، والعجز عن التكسب يكون بصغر السن كما هو الحال في الأولاد ونحوهم، أو يموت ويترك أيتاما أخوه يتيم قاصر فينفق عليه لأنه عاجز عن التكسب، وكذلك أيضا يكون العجز عن التكسب لسبب الكبر والشيخوخة، كأن يكون له أخ مسن أو أخت مسنة عاجزة وليس لها من يعول، وكذلك يكون العجز عن التكسب للمرض والزمانة، كالشلل -أعاذنا الله وإياكم من الأمراض- والعمى فلا يقوى على العمل لوجود هذه الآفات، فعلى كل حال إذا كان فقيرا عاجزا عن الكسب ثبت استحقاقه للنفقة. قال رحمه الله: [وعجزه عن تكسب] . هذا الشرط الثاني: أن يكون فقيرا عاجزا عن التكسب، وهو في الحقيقة شرط يتضمن شرطين، لكنهم جعلوه بمثابة الشرط الواحد بسبب تعلقهما بجهة واحدة، يعني: يشترط في القريب أن يكون فقيرا عاجزا عن التكسب، ومفهوم الشرط: أنه لو كان غنيا لا يجب عليك أن تنفق عليه، إلا من استثنينا، ولو كان قادرا على التكسب لا يجب عليك أن تنفق عليه، إلا إذا كان الزمان لا يتيسر له فيه سبل العيش؛ فوجود القدرة على التكسب وعدمها على حد سواء. أن تفضل النفقة عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه قال رحمه الله: [إذا فضل عن قوت نفسه] . هذا الشرط الثالث، وهو يتعلق بالقريب المنفق. تقدم معنا شرطان، الشرط الأول: وجود الوراثة السببية الموجبة للنفقة. الشرط الثاني: عجز المنفق عليه وهو القريب. الشرط الثالث: وجود القدرة على النفقة بالنسبة للقريب المنفق، وهو أن يكون عنده قدرة على أن ينفق على قريبه، والعبرة بذلك اليوم، فلو عجز قريبه عن النفقة ذلك اليوم بسبب المرض والفقر، فهو عاجز عن الكسب فقير. فننظر في قريبه، إن وجدنا القريب عنده مال، نظرنا في هذا المال، فإن كان هذا المال على قدره وقدر عياله، ومن تلزمه مئونته، فلا يجب أن ينفق على القريب الأبعد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول) فهذا في الأصل بدأ بنفسه ثم بمن يعول من الأولاد، ولم يجد فضلا: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق:7] . وهذا لم يؤته الله شيئا زائدا عما هو لازم له في الأصل، فلا يجب عليه أن ينفق على الأبعد إذا كان المال الذي عنده لا يكفي لصرفه إليه. قال رحمه الله: [عن قوت نفسه وزوجته ورقيقة] . أي: فاضلا عن قوت نفسه وزوجته، إذا كان له زوجه، وإذا لم يكن عنده زوجه نظرنا إلى قوته هو. مثلا تكسب في يوم خمسين ريالا. إذا جئنا ننظر إلى طعامه وطعام أولاده في ذلك اليوم وجدناه بخمسين ريالا، فحينئذ لا فضل، فلا نفقة؛ لأنه ليس بغني، فننتقل بالنفقة إلى قريب آخر أبعد منه، ولا يجب في هذه الحالة على من كانت هذه صفته أن ينفق؛ لأنه لم يفضل عن قوته شيء فاستوى مع غيره فلا نكلفه؛ لأن الله يقول: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [الطلاق:7] ، وهذا لم يؤته الله فضلا حتى نوجب عليه أن ينفق. إذا: يكون فاضلا عن قوت نفسه وزوجه ورقيقه: لأن هؤلاء من تلزمه نفقتهم، والرقيق يجب عليك أن تنفق عليه، وسيأتي إن شاء الله تفصيله أكثر في النفقة على الأرقاء وهم الموالي، فإن الإسلام أوجبه على المسلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم؛ فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يطعم، وليكسه مما يكتسي) ، فهذا يدل على أنه يجب عليه أن ينفق عليه بالمعروف، فيقدم المولى والعبد في خاصة الإنسان على القريب من حيث الأصل، ولذلك يجب عليه أن ينفق على زوجه وولده وعبده، ولا ننظر في الفضل إلا بعد الانتهاء من الأقربين الذين هم أحق. قال رحمه الله: [يومه وليلته] . النفقة ننظر إليها في اليوم والليلة، فإذا كان عنده مائة ريالا ننظر نفقة طعامه في النهار ونفقة طعامه في الليل، فإذا كان طعامه في الليل والنهار وكسوة من تلزمه مئونته في حدود الستين ريالا ومعه مائة ريال، كان إيجاب النفقة في الأربعين، لأنها فضلت عن قوته وقوت زوجه ومن تلزمه نفقته، فيجب عليه أن ينفق على القريب من الأربعين -لأنها زائدة- في اليوم والليلة. أن يكون الإنفاق زائدا على الكسوة والسكن قال رحمه الله: [وكسوة وسكنى] . (وكسوة) يعني: كسوة من تلزمه نفقته، من نفقة نفسه ومن تلزمه نفقته، ومثال ذلك: عنده زوجة أو أولاد يحتاجون إلى كسوة وطعام، فقدرنا نفقة الكسوة والطعام، فوجدناها بثلاثمائة ريال، وتكسب في ذلك اليوم الزائد عن ماله الموجود ثلاثمائة ريال، فنقول: لا له ولا عليه، يجب عليه أن ينفق على نفسه وزوجه ومواليه بإطعامهم وكسوتهم ولا يجب عليه أن يصرف على القريب؛ لأن الطعام والكسوة استغرقا ما عنده، لكن لو كان لا يحتاج إلى كسوة في ذلك اليوم، ولا يحتاج أحد ممن تلزمه نفقته إلى كسوة، والطعام له ولمن تلزمه نفقته في حدود المائة، وكان عنده في ذلك اليوم مائة وخمسون، فحينئذ نقول: ما دامت النفقة التي تلزمه بخاصته هي مائة، فإن الخمسين تصرف إلى قريبه المحتاج. إذا لا يختص الأمر بالطعام بل الكسوة داخلة في هذا، فلو كان في كل يوم عنده قريب محتاج، وكل يوم يتكسب مائة ريال، ينفق منها على أهله وولده ثمانين، ويأخذ العشرين ويعطيها إلى قريبة. الثمانون التي ينفقها تصرف كلها في الطعام، لكن في يوم من الأيام احتاج إلى كسوة له أو لزوجته أو أولاده أو لمولاه، وهذه الكسوة تحتاج إلى العشرين، فاستحقاق الكسوة في ذلك اليوم يسقط حق القريب. فإذا لا يظن أن النفقة مخصوصة بالطعام والشراب، بل شاملة الكسوة أيضا. أن تكون النفقة لديه من حاصل أو متحصل قال رحمه الله: [من حاصل أو متحصل] . (من حاصل) أي: الموجود. يقولون: إذا كان رزقه الذي حصل عليه مائة ريال، هذا الحاصل، والمتحصل هو الموجود عنده مثل رأس المال الذي يأخذه دخلا إما في تجارة وإما في عمل وكدح. لماذا يقول المصنف: من حاصل أو متحصل؟ لأن الرجل في بعض الأحيان لا يعمل، ولكنه عنده مال، مثل رجل غني عنده ألف ريال، الألف في القديم مثل المليون في زماننا، فهذه الألف التي عنده لا يحتاج معها إلى عمل ولا كسب، فعنده حاصل من المال يكفي أن ينفق منه وأن ينفق على قرابته، فنقول له: أنفق من الحاصل، يعني: من الموجود عندك. أو شخص يأخذ المال عن طريق التحصيل بعد أن يعمل ويكدح، كأن يكون عنده بقالة أو مخبز أو سيارة يتكسب فيتحصل، فنسأله: على كم تحصلت اليوم؟ قال: على مائة، فنقول حينئذ: كم قدر نفقتك ونفقت قرابتك الخاصة، قال: خمسون، نقول: أنفق من المتحصل الزائد على نفقتك ونفقتهم، فلا يشترط في نفقتك على القريب أن تكون فقط من الحاصل، بل إنما تشمل الحاصل والمتحصل. أن لا ينفق من رأس المال قال رحمه الله: [لا من رأس مال] أي: إذا كانت عنده تجارة، أو عمل يومي له رأس مال، لا نقول له: اسحب من رأس مالك. بعض الأحيان يكون رأس ماله هو الذي يثمر دخله ودخل أولاده، فلذلك لا نكلفه ما كان من رأس المال، إنما يكلف بالشيء الفاضل عن رأس المال مما يكون حاصل، مثلما قلنا في حال الغني الحاصل والمتحصل في حال العمل، أو ربح التجارة، فإنه يعد تحصيلا. أن لا ينفق من ثمن بيع أملاكه قال رحمه الله: [وثمن ملك] . أي: لا يطالب بذلك؛ فلو أن شخصا عنده بيت يملكه، أو مزرعة، والمال الذي يتحصل عليه يوميا هو مائة ريال، والمائة ريال تكفيه وتكفي من تلزمه النفقة، وعنده أقرباء محتاجون، فقلنا له: أنفق على أقربائك، قال: المال الذي يأتيني أنفقه على نفسي وعلى من تلزمني نفقتهم، وليس عندي شيء زائد، فحينئذ يرد السؤال هل نطالبه ببيع مزرعته، ونقول: أنفقها على القرابة؟ لا، لا يطالب ببيع ما يملك. أن لا ينفق من ثمن آلة صنعته قال رحمه الله: [وآلة صنعة] . مثل أن يكون حدادا أو نجارا وقال: أنا دخلي المائة، وليس عندي إلا هذه الآلة أفأبيعها وأنفق على قريبي؟ نقول: لا يلزمك هذا. لكن لو فعل ذلك وآثر واجتهد ما لم يعرض نفسه وأهله للضرر؛ فهذا شيء آخر، لكن من حيث الأصل لا يلزمه أن يبيع آلته التي يتكسب بها ويطلب بها عيشه ورزقه. وهكذا لو كان عنده سيارة أجرة يتحصل بها على قوته وقوت أولاده، لا نقول: له بع آلة صنعتك وهي السيارة، وهكذا لو كانت عنده حراثة يحرث بها الأرض ويؤجرها للناس، لا نقول: بعها وأنفق على قرابتك. لكن كان بعض مشايخنا رحمة الله عليهم يقول: إذا كانت هذه الآلة ويمكن الاستغناء عنها، أو كانت في حال الكمال ويمكن أن يجد آلة دونها، بحيث لو باعها واشترى ما هو أقل قيمة استطاع أن يسد به عجز أقربائه؛ فالأشبه أن يقال له ذلك، ولو كان عنده سيارة أجرة فارهة غالية ويمكنه أن يبيعها ويتحصل على سيارة أجرة عادية، وينفق بها على قرابة، فإنه يؤمر بذلك، من النظر إلى الفضل والكمال. وجوب النفقة على الورثة قال رحمه الله: [ومن له وارث غير أب؛ فنفقته عليهم على قدر إرثهم] . شرع رحمه الله في مسألة ثانية، فبعد أن عرفنا شروط الوجوب، وأنه لابد من: أولا: وجود السببية الموجبة للنفقة، وهي: أن يكون وارثا. ثانيا: أن يكون المنفق غنيا وعنده قدرة على الإنفاق، فيجد ما ينفقه فاضلا عن قوته وقوت من تلزمه مئونته. ثالثا: أن يكون الشخص الذي ينفق عليه عاجزا عن التكسب وفقيرا ليس عنده ما يسد به رمقه أو يكفي لعيشه. النفقة على القريب المحتاج على قدر الميراث منه لو مات إلا في الأب بعد هذا يرد السؤال كيف تنفق على هذا القريب؟ وما الذي تنفقه؟ وما الذي نلزمك به في النفقة؟ وهل أنت ملزم بكل النفقة أو ملزم ببعض النفقة، أو ملزم بقدر إرثك من هذا الشخص؟ هذه مسألة فيها تفصيل عند العلماء رحمهم الله، وهذا إنما يتأتى إذا كان القريب عصبة وليس له عاصب مثله، فحينئذ يتمحض وينظر إلى وجوب النفقة عليه كاملة؛ لأنه لو انفرد في الإرث لحاز المال كاملا، فيقال له: عليك النفقة كاملة، وأما إذا كان القريب يشاركه غيره في منزلته أو يشاركه غيره ممن ينقص إرثه فرضا أو تعصيبا، انقسمت النفقة على قدر إرثهم. فبين رحمه الله أن النفقة في القريب على قريبه على قدر الإرث، لكن يستثنى من هذا الولد مع والده، فإنه ينفق عليه على قدر كفايته، أعني أن الوالد حينما ينفق على أولاده لا ينظر إلى قدر إرثهم منه، وإنما يسد حاجتهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) فجعل سد العوز والحاجة لازما على الوالد تجاه ولده، فنوجب على الوالد في نفقته على ولده أن ينفق نفقة تامة كاملة بحيث لا يبقى عند الولد حاجة. لكن لو أن الفقير له قريبان غنيان أخوان، فحينئذ لو مات قسمنا المال بين أخويه، فكل أخ يأخذ نصف الإرث، كذلك أيضا في النفقة نطالب الأخوين النفقة على قدر حصصهما ونقول: كل منكما يدفع نصف النفقة، فبين المصنف رحمه الله أن القريب الوارث ينفق على قريبه المحتاج على قدر إرثه منه. وهذا عدل؛ كما أنه يغنم هذا القدر كذلك يغرمه؛ لأن الله يقول: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233] . إذا اجتمع الذكر والأنثى من قرابة المعسر ولو أن هذا القريب المحتاج له أخ وأخت، ففي الإرث يكون للأخ الثلثان وللأخت الثلث؛ لأن الذكر له مثل حظ الأنثيين، والعجيب في مسألة الإرث أن الشريعة لما فضلت بين الذكر والأنثى صار فيها العدل؛ لأن الأنثى أضعف في الكسب من الرجل، وأيضا في الحمالة، فلما حمل الأنثى حملها دون الذي حمله الذكر، فأعداء الإسلام يخلطون الأمور، وينظرون من زاوية واحدة فقط، ولذلك إذا نقد أحد الإسلام في هذه الجزئية نقول له: نظرك قاصر؛ لأنه نظر إلى حالة الغنم ولم ينظر إلى حالة الغرم، وصدق الله في قوله: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة:216] ، من هذا الذي يريد أن يستدرك على رب العالمين، وأحكم الحاكمين الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين سبحانه وتعالى! فهذا من العجز والقصور. ولذلك كانت الشريعة الإسلامية شريعة كاملة تامة شاملة، ربطت الأمور ببعضها. هناك من العلماء من يقول: لو اجتمع الوارث الذكر والأنثى أسقط الأنثى وألزم الذكر، وهذا أحد الأوجه عند الشافعية وغيرهم، ويقولون: إن علقة الذكر أقوى من علقة الأنثى، ولأن الذكر يتكسب والأنثى لا تتكسب -هذا في الأصل- ولذلك جعل الله النفقة على الزوج ولم يجعلها على الزوجة. ومن هنا تنظر كيف عظمة هذا الإسلام ودقته، وهنا نلمح حقوق المرأة الحقيقية المبنية على النظر إلى الحالة ودراسة أحوال الناس، وإعطاء كل شيء حقه وقدره، دون غلو أو مبالغة أو تزييف للحقائق، فهذه الحقوق الدقيقة المفصلة في الفقه الإسلامي لن تجدها في غيره؛ لأنها مبنية على شرع كامل تام؛ فبعض العلماء يرى أن على قدر الإرث ينفق الإناث، ويرى أنه إذا اجتمعن مع الذكور سقطن، فلو أن القريب له أخ وأخت يقول: أوجبها على الأخ ولا أوجبها على الأخت؛ لأن خطاب الشرع في التكسب موجه للذكور غالبا وهو الأصل، هذا وجه. وهناك وجه ثان يقول: يجب عليهما، ثم يختلف هذا الوجه الثاني على وجهين، فأصحاب هذا القول منهم من يقول: ويفرق بينهما على قدر الإرث، فيتحمل الذكر ضعف ما تتحمله الأنثى، ومنهم من يقول: يسوى بين الذكر والأنثى، لأن السببية جاءت من جهة القرابة. فالحنابلة يرون أن سبب وجوب النفقة على الأخ والأخت هو وجود الإرث، وذلك كقاعدة الغنم بالغرم، والربح لمن يضمن الخسارة، فكما أنهم يأخذون في الإرث بهذا النصيب، ينبغي أن يتحملوا في النفقة بهذا النصيب، ويستدلون بقوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233] ، وهذا المذهب أصح وأقوى؛ لأن الله لما أوجب نفقة الرضيع على من يرثه في حال موت أبيه وموت من ينفق عليه قال: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233] ، أي: عليه أن يدفع نفقة الرضيع؛ لأنه لو مات الرضيع ورثه، فجعل وجوب النفقة عليه، وإذا كانت السببية هي الإرث، فينبغي أن تقيد بنص القاعدة التي وضعها الشرع في الإرث، ومن هنا يترجح هذا القول الذي سلكه المصنف رحمه الله، وهو مذهب الحنابلة رحمهم الله، أن النفقة على قدر الإرث. قال رحمه الله: [فعلى الأم الثلث، والثلثان على الجد] . أي: لو كان له أم وجد؛ فإن الأم تأخذ الثلث فرضها، والجد يأخذ الثلثين فرضا وتعصيبا، ففي هذه الحالة يقولون: إذا افتقر وله جد وأم فإننا نوجب على الأم ثلث النفقة فقط والباقي على الجد، فإذا افتقر وهو يحتاج إلى ثلاثين ريالا فنقول للأم: ادفعي عشرة، ونقول للجد: ادفع عشرين، عليه الثلثان وعلى أمه الثلث، لأن أصل الإرث على هذا الوجه. قال رحمه الله: [وعلى الجدة السدس، والباقي على الأخ] . وهكذا لو كان له جدة وأخ؛ يكون السدس للجدة فرضها في شرع الله عز وجل، ويأخذ الأخ الباقي وهي الخمسة الأسداس. فلو كانت النفقة ثلاثين ريالا نقول: ادفعي خمسة ريالات التي هي سدس الثلاثين، والباقي وهي الخمسة الأسداس على الأخ، فنقول للأخ: ادفع خمسة وعشرين، لأنه لو مات وترك الجدة مع الأخ وترك ثلاثين ريالا كان سدسها للجدة، وخمسة أسداسها للأخ، فما ظلم أحد، مثلما يأخذ الغنم يدفع الغرم. وهذا أتم وأكمل وأجمل وأبهى ما يكون من العدل، لا يستطيع أحد أن يستدرك على الشرع. ولذلك كان من أعدل المذاهب أن ينظر إلى قدر حصته من الإرث، لأن استحقاقه جاء عن جهة الإرث، ولما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن، دل على أن الشريعة ترتب الربح على الخسارة، فالخسارة وهي وجوب النفقة؛ لأنه دفع من ماله، والإرث لا يأتيك بدون مقابل في الأصل، وقد يكون الشخص من أفقر خلق الله، ثم يموت له قريب فما يدري إلا والملايين قد دخلت عليه رضي أو لم يرض، مال ساقه الله إليه، لكن يتحمل أيضا عن وارثه مثلما يأخذ منه. قال رحمه الله: [والأب ينفرد بنفقة ولده] . ذكرنا أن الأب ينفرد بنفقة ولده ولا يقسم بين الإخوة، وإنما ينفرد الأب بنفقة ولده؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ابدأ بنفسك وبمن تعول) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) فدل على أنه يجب على الأب أن ينفق على ولده قدر كفايته.
__________________
|
|
#648
|
||||
|
||||
|
الأسئلة حكم نفقة الزوج على زوجته المريضة السؤال هل يجب أن ينفق الأخ على أخته المتزوجة المريضة، حيث إن نفقة المرض لا يلزم بها الزوج، أثابكم الله؟ الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالعلاج من حيث الأصل فيه خلاف بين العلماء، هل الزوج يعالج زوجته أو لا؟ والصحيح من حيث الأدلة: أنه لا يجب على الزوج أن يعالج زوجته، لكن إذا كان هناك سبب يوجب العلاج؛ بحيث جاء المرض من جهة حملها لجنينه وجاء بالتبعية فإنه يجب عليه أن ينفق عليها. لا يجب على الزوج وليس بفرض عليه، ولكن من ناحية الأفضل والأكمل، وهو من المعروف والخير الذي لا يشك أحد في حسن الخلف والجزاء فيه من الله عز وجل، أن يضحي الزوج وينفق على زوجته، هذا من حيث الأصل. وينبغي على الإنسان أن يفرق بين الشرع والعواطف، فبعض الناس حينما يقال له: إن الزوج لا يجب عليه علاج زوجته، يستغرب وينكر، ولا يجوز لأحد إذا سمع حكما شرعيا أن يبادر بالاستغراب والتعجب؛ لأن الله إذا حكم لا يعقب على حكمه، فالزوجية رباط له حرمته وضوابطه، والشريعة لا تكلف أحدا إلا بأصول وقواعد صحيحة؛ الذي بين الزوجين أن الزوج يملك الاستمتاع من زوجته ويقوم على نفقتها، وما تحتاج من الأمور اللازمة. بعد ذلك ما يتعلق بجسدها من إصلاح حاله إذا مرضت وسقمت، فهذا أمر خارج عن أساس الزوجية في الأصل، ولذلك لم توجبه الشريعة. لكن لو كان المرض متعلقا بسبب من الزوج، وأن الزوج أمرها بشيء وترتب عليه هذا الضرر، أو فعل بها ما ترتب عليها بسببه هذا الضرر، فهذا شيء آخر. حتى الرجل الأجنبي لو أن شخصا عمل عنده، وألزمه بشيء وترتب عليه ضرر، فهذا شيء آخر، لكن نحن نتكلم على الأصل، فالأصل يقتضي أن الزوج ليس ملزما بعلاج زوجته. وبعض الباحثين من المتأخرين يقول: إن هذا حكم غريب في الفقه الإسلامي. وهذا ليس بصحيح، وإنما يجب على الشخص إذا ألزم الزوج بعلاج زوجته أن يحضر دليلا من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لا ينسب إلى الشريعة الشيء بالهوى وبالعادة وبالتقاليد، ولكن بنص الكتاب والسنة، والذي في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم القيام على نفقة الزوجة بإطعامها وسكناها وتعهدها في كسوتها ونحو ذلك بالمعروف، وأما مسألة العلاج فهذا ليس بلازم كما ذكرنا، وقد تقدمت معنا هذه المسألة، وأشرنا إلى هذه الأدلة وبيناها. إذا ثبت هذا نقول ونكرر: إن الزوج الأفضل له والأكمل أن يضحي من أجل زوجته، وأن يحتسب عند الله سبحانه وتعالى ذلك، وأن الله سبحانه وتعالى لا يضيعه. وأما بالنسبة لنفقة الوارث والقريب فهي وجود الحاجة من الطعام والكسوة، مثلما ذكرنا في الزوج، لكن لو أن أخته احتاجت للعلاج، فمما لا يمكن للإنسان القريب أن تسمح له نفسه في حق الأخوة أن يترك أخته مريضة ولا يقوم بعلاجها ولا بمداواتها، لا يمكن أبدا إذا كانت نفسه أبية صالحة ولا يهنأ له عيش. والحمد لله فالفطر السليمة والنفوس تختار مرضاة الله سبحانه وتعالى، وأفضل ما يكون التقرب وأبلغ ما يكون من الرضا من الله عن عبده إذا بدأ بأقرب الناس إليه. وقد يستغرب الإنسان إذا تأمل هذا؛ أنك تجد الشيطان لا يقعد لك في الرصد مثلما يكون فيما بينك وبين قرابتك، فتجد الإنسان أنشط وأقوى ما يكون مع الغرباء، وتجده يضحي من أجلهم حتى إنه يذهب لأحدهم يقضي له حاجته ويحس بنشوة إيمانية وراحة نفسية لا يعلمها إلا الله، لكن ما إن تأتي الحاجة لعم أو عمة أو خال أو خالة أو ابن عم أو ابن خالة أو قريب، إلا وجد دون ذلك من الحواجز والضيق والتعب والعناء والكراهية من نفسه ما الله به عليم؛ لأنها غاية وأمنية عظيمة، قد حفت الجنة بالمكاره؛ فلما عظم ثوابها وجل عند الله جزاؤها، وحسنت عاقبتها، صده الشيطان. حتى إن العبد لو غبر قدما واحدة من أجل أن يصل رحمه للسلام؛ فإن الله يبارك له في العمر والرزق، فما بالك إذا مد المال لكي يقضي دين القريب أو يعالجه من مرضه؟ لا شك أنه أكمل وأعظم، ولذلك قعد عدو الله بالرصد، فالشيطان يجعل الإنسان في هذا أضيق ما يكون إذا ذهب يعالج أخته. تقول له: أنا محتاجة إلى علاج، فتجده يختلق من الأعذار وتضيق به الدنيا، ويحس أنه في أكرب يوم، ويتثاقل يتثاقل حتى يقف على باب بيته، ثم تجده يتضايق ويصيح عليها ويحملها في سيارته وهي مليئة بالكلام الذي تكره معه معروفه، ثم يحملها إلى مكانها حتى يقضي لها علاجها، أو يقضي لها حاجتها، ثم يرجع وهو مكره، مشمئز النفس، وهذا -نسأل الله السلامة والعافية- من الحرمان. لكن لو أنه شعر أنه في أوج الرحمة، وأبلغ ما يكون في الرضا؛ لأن أولى الناس بخيرك أقرب الناس إليك، وإذا لم ترحم الأخت فإلى من تتجه بعد الله عز وجل، الأخت والأخ هم أحوج الناس إليك، خاصة بعد موت الوالدين، خاصة إذا كانوا أيتاما، وخاصة إذا كانوا قاصرين، وخاصة إذا بليت الأخت بزوج لا يرحمها أو لا يحسن إليها. فتكون في ظلها وكنفها دليلا لها، تشتهي مرضاة الله بإدخال السرور عليها، تشتري مرضاة الله عز وجل بقضاء حوائجها، تشتري مرضاة الله عز وجل بعلاجها ومداواتها، وتحتسب عند الله كل حركاتك وسكناتك وستجد أثر ذلك؛ ربما تجد العوائق أولا قبله، لكن والله ما إن تمضي قليلا منه إلا وجدت من الانشراح والبركة والخير ما الله به عليم، فإن ضاقت عليك الدنيا وسع الله ضيقها، وإن عظم عليك الكرب وجدت من الله تنفيسا، وإن زاد عليك الهم وجدت من الله تثبيتا، ومن أراد أن يجرب هذا فليجربه. من أبلغ ما تشترى به مرضاة الله عز وجل بعد بر الوالدين؛ الإحسان إلى الإخوان والأخوات، وكل يوم إذا استطاع الإنسان بل في كل ساعة، فضلا عن كل يوم، أو أسبوع، أو شهر، أو سنة، أن يسأل نفسه ما الذي قدمه لإخوانه وأخواته؟ متى زار الأخ والأخت؟ ومن أفضل وأكمل ما يكون الأخ الكامل الفاضل الذي يريد أن يشتري مرضاة الله عز وجل، والقريب الفاضل الكامل الذي يشتري مرضاة الله؛ ألا ينتظر من الأخ والأخت أن يعرض حاجته، ربما في المرة الأولى تجدهم يسألونك حوائجهم، ثم يرفعك الله إلى درجة أبلغ وأكمل، وهي أن تصبح أنت الذي تتفقد حوائجهم، وتجد الأخت في بعض الأحيان تريق دمعتها خجلا أمام أخيها من كثرة ما تجد من إحسانه وبره وملاطفته لها، حتى إنها توري أمورها وتغيبها، لأنه سما إلى مرتبة عالية. هناك من الإخوان من لا يبدو لإخوانه إلا إذا سألوه، فهو يعطيهم لكنه بمنزلة أقل، لكن الأكمل والأفضل هو الأخ الذي يذهب بنفسه يتفقد حوائجهم، والأفضل والأكمل الأخ الذي قضى حوائجهم حتى وصل إلى درجة الكمالات. وتصور الساعة التي تدخل فيها على الأخت خاصة؛ لأن النساء فيهن ضعف وحاجة وحنان ورحمة. والكلمة اليسيرة البسيطة عند المرأة تقع بمكان أبلغ من ملايين الأموال من شدة الحنان الذي تجده الأخت، فإذا دخل الإنسان، ومسح رأس ابنها وأدخل السرور عليها بكلمة طيبة، ووقف في ظلها وأخذها لحاجتها أو واساها في كربها، كم سيجد من الرحمات، وليجرب نفسه حينما يخلفها وراء ظهره، وقد رفعت كفها إلى ربها، وتوجهت بقلبها وقالبها إلى خالقها أن يجزيك بالحسنى في الدنيا والآخرة؛ لأنها تدعو من قلبها، وليس هناك أبلغ من دعاء القريب لقريبه، ولا أبلغ من وفاء وحب القريب لقريبه؛ الحب الذي لا تشوبه شائبة، ولا يدور حول المصالح، ولا تكدره الأكدار. الأخ يؤذي أخاه فيزداد بذلك محبة له، والأخ يهين أخاه فيذهب ليكرمه، لأن هذا شيء في القلب. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم مع ما وجد من قريش فإنه قال عليه الصلاة والسلام: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) . فالحاصل أن النفوس لا ترضى إذا وجدت من القرابة الحاجة إلا بمساعدتها، فليصبر الإنسان خاصة طالب العلم الذي يريد أن يفتح الله عليه في علمه، والقدوة كالإمام والداعية والمعلم والشيخ، ينبغي دائما أن يربأ بنفسه أن يكون في مرتبة قاصرة عن الكمالات، وليعلم أن الرحم تعلقت بالله سبحانه وتعالى، وقالت: (هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك) ، فرضيت من الله أن يصل من وصلها وأن يقطع من قطعها. فنسأل الله بأسمائه وصفاته أن يرزقنا صلة الرحم، وأن يجعلنا ممن وصله بصلتها، وأن يتقبل ذلك خالصا لوجهه الكريم، موجبا لرضوانه العظيم، والله تعالى أعلم. أنواع الإجارة في الحج السؤال من حج عن الغير بأموالهم، ماذا يفعل بالمال الزائد، أثابكم الله؟ الجواب الحج إذا كان بمال، فهذا يسمى عند العلماء الإجارة على الحج، والإجارة على الحج تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: إجازة البلاغ: أن يقول لك: سأحج عن قريبك، أو أحج عنك وآخذ نفقة الحج، وحينئذ يستحق نفقة الركوب والطعام والشراب والسكن والهدي إن كان هناك هدي واجب بتمتع أو قران، فيستحق أربعة وجوه للنفقة، فإذا قال لك: أنا أحج على قدر نفقتي، فالإجارة صحيحة، ويسميها العلماء إجارة البلاغ. القسم الثاني: إجارة المقاطعة؛ يقول لصاحب الحج: أنا أحج عنك أو عن قريبك بعشرة آلاف ريال، إن زاد شيء أخذته وإن نقص شيء كملته، يعني آخذ منك عشرة آلاف وأتحمل الخسارة أو آخذ الغنيمة، فهذا فيه قولان عند العلماء رحمهم الله، والصحيح: أنه لا تجوز إجارة المقاطعة؛ لأن الحج ليس محلا للمعاوضات، لأنه عبادة وليس محلا للمزايدة والبيع والشراء، فبناء عليه نقول: خذ ما يكفيك بالمعروف ذهابا وإيابا، وتقدر نفقته من خروجه إلى مكان عودته إلى أهله. وأما بالنسبة للمسألة المذكورة، فإذا كان إجارة مقاطعة على القول بجوازها فإنه يأخذ الزائد. وهذا قول ضعيف، وعلى القول بعدم جوازها -وهو الصحيح- فيجب عليه أن يذهب إلى صاحب الحج، ويقول له: زادت ثلاثة آلاف ريال أو زاد ألف ريال، فإن قال: سامحتك أو هي لك، فلا بأس بأخذها؛ لأنها ليست على سبيل إجارة المقاطعة، وإنما صارت هبة زائدة عن أصل التعاقد بين الطرفين، والله تعالى أعلم. حكم استئجار بئر الماء السؤال ما حكم استئجار البئر، أثابكم الله؟ الجواب أولا: مسألة بيع فضل الماء معروفة، وفيها نهي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن منع فضل الماء ليمنع به الكلأ) . فإذا كان هناك آلة ترفع الماء أو استأجر من ينزح الماء؛ يجوز له بيع الماء. فإذا جاز له بيع الماء، صار الماء هو عين المبيع، فلابد من معرفة قدره، وهنا ما يبيعه مجهول القدر. بل لابد وأن يقول: أبيعك مثلا الوايت الموجود سعة كذا كذا لترا، أو أبيعك مثلا هذا الخزان وأملأ لك ماء من هذه البئر تذوقها وتعرف طعمها بمائة ريال، فهذا جائز. فالوايت الآن يأتي بالماء من بعيد ويتكلف ويقول لك: الوايت بسبعمائة. فلا بأس بذلك، لأنه أخذ أجرة تعبه وتحصيله، لكن لو قال: أبيعك الماء في البئر على أن تسحب منه يوما لم يصح؛ لأن بعضهم يعتبره من إجارة الزمان؛ لكن الواقع أنه بيع عين، ونحن لا ندري كم الناتج في اليوم، فلابد من تحديده، يقول مثلا: خمسة وايتات من سعة كذا وكذا، لأن البيع يشترط فيه معرفة قدر المبيع، وهذا مما يحتاج إلى معرفة قدره دفعا للغرر؛ لأن جهالة القدر توجب فساد البيع. ولذلك ثبت في صحيح مسلم وغيره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة) ، وبيع الحصاة عند العلماء أصل من الأصول في تحريم البيع للأشياء المجهولة القدر، وقد كان ذلك في القديم، ومن صوره أن يقول: أبيعك من أرضي هذه ما انتهت إليه حصاته بمائة، فلا ندري هل هو بعيد أو قريب؟ فهنا جهالة قدر، فلما جهل القدر حرم البيع. ومن هنا فكل شيء له قدر ويمكن ضبطه بالقدر، ووقع البيع عليه دون تحديد لذلك القدر، فلا يجوز لأنه من بيع الغرر، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر وغيره رضي الله عنهما: (أنه نهى عن بيع الغرر) . وبناء على ذلك نقول: حدد المبيع من الماء من البئر، فيقول له: القدر عندي مائة لتر بألف ريال، كل لتر بعشرة ريالات، وهكذا يحدد قدر المبيع، هناك من يقول: هذه إجارة تدخل في إجارة الزمان، لكن هذا بعيد. والأشبه من قال: إنه لابد من تحديد القدر، والله تعالى أعلم. حكم التصرف في أوقاف المسجد إن كانت معطلة السؤال ما حكم الاستفادة من حاجيات المسجد، كالمكيفات والسجاد في مصالح خيرية أخرى، كوضعها في مدارس التحفيظ أو سكن الإمام أو بعض أمور الدعوة، علما بأن هذه الحاجيات لا تستعمل في المسجد؛ نظرا لاستبدالها بأخرى، وهي ملقاة في مستودع المسجد، أثابكم الله؟ الجواب هذا السؤال يحتاج إلى أمور ينبغي التنبيه عليها: أولا: المساجد إذا كانت مرتبطة بجهات تتحمل المسئولية عنها، فهي المسئولة عنها أمام الله عز وجل، وهي التي تنظر في مصالحها، وتقوم بصرف حوائجها على حسب ما يقتضيه الأمر كما هو معلوم، ولذلك لا يتدخل الأفراد إلا عن طريق هذه الجهات المسئولة عن هذه الأشياء إذا كانت في المسجد خاصة، فينبغي أن يعلم أن كل شيء في المسجد أوقف عليه ينبغي أن يبقى في المسجد، ولا يجوز إدخال الأشياء الجديدة، وإخراج القديمة طلبا للأكمل والأجمل والأفضل؛ لأن أي شيء يوقف فمعناه: أنني أخرجته من ملكي صدقة لله عز وجل، ولذلك لا يملك أحد ذلك الشيء. ومن هنا لا يجوز بيع الوقف ولا هبته، ولا شراؤه؛ لأنها خلت اليد عن الملكية، حتى ولو قال: هذا المسجد ملك لي، نقول: ليس ملكا لك؛ لأنك أوقفته لله، وبناء على ذلك فصاحب المسجد لا يملك المسجد؛ لأنه خرج بالوقفية لله عز وجل والتسبيل، ومن هنا قال ابن عمر رضي الله عنهما في حديث عمر الذي هو أصل الأوقاف كما في الصحيحين: (فتصدق بها عمر رضي الله عنه إلى أن قال: على أن لا يباع أصلها) أي: لا يباع أصل الرقبة المسبلة من حد السهم. فهذا أصل عند العلماء، فإذا كان في المسجد مكيف أو مصاحف أو كراسي المصاحف، أو فراش أو ساعات أو إضاءة وأنوار، فإنها تترك كما هي حتى تتلف وتتعطل تماما، لأنها موقوفة ومحبسة على هذا المسجد، ومن أوقفها وحبسها يريد ثوابها عند الله عز وجل، فلا يجوز لأحد أن يأتي ويقطع أجره وخيره، ويقول: أنا أريد أن أحدث فراشا جديدا، فالمساجد ليس محلا للمباهاة، هذه المساجد المقصود فيها صلاح القلوب والقوالب والتوجه إلى الله عز وجل، ولو كانت مفروشة بالحصى. فإن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن مفروشا، ولم يكن مزينا ولا منمقا، صلوات الله وسلامه عليه، هذه أماكن عبادة، وأدخل الله عز وجل إليها الأغنياء والأثرياء وهم في أوج غناهم وثراهم لكي يذلوا بين يدي ربهم عز وجل بالسجود على الأرض ولو كانت ترابا، ويذلوا بين يدي الله عز وجل حينما ينكسر كبرياؤهم فيصلي عن يمينهم الفقراء وعن يسارهم الضعفاء، ليست أماكن مباهاة. وهذا مقصود الشرع فيها. ولذلك كان من علامات الساعة المباهاة بالمساجد فيما ورد في أكثر من أثر، ومن هنا مسألة الغلو؛ فكلما وجدنا شيئا قديما في المسجد سحبناه وأتينا بشيء جديد، ليس المسجد محلا للتنافس في هذه الأمور التي يقصد بها الكمالات، لكن لو تعطلت مصلحة هذا الشيء فأصبح المكيف لا يشتغل، فإن أمكن تصليحه يصلح، ونقول للشخص: إذا أردت أن تتصدق فأصلحه حتى يكون صدقة عليك وعلى صاحبه الذي أدخله، وحينئذ تنصح لعموم المسلمين وتنصح لإخوانك المسلمين الذين تقدموا، تريد أن تشتري شيئا جديدا اذهب وابحث عن مسجد لا يوجد فيه مكيف واشتر له. أما أن تأتي إلى هذا المسجد المسبلة فيه هذه الأوقاف وتتصرف فيها بهذا فلا. ثانيا: الصرف إلى الجهات الخيرية الأخرى، هذا أمر استثناه بعض العلماء في مسائل ضيقه تحتاج إلى حكم القاضي، إذا تعطلت مصلحة الوقف في جهة من أوجه الخير، ولها جهة تشبهها صرفت إليه، وهذه المسألة اختارها بعض العلماء، وبعض العلماء يقول: لا يصرف إليه، بل يبقى حتى ولو تعطلت مصالحه لأننا لا نملكه، ولا يملك أحد التصرف فيه، واختاره جمع من المحققين كـ شيخ الإسلام في أكثر من مسألة، أنه إذا تعطلت مصلحة الوقف أو كان الوقف على محرم صرف إلى الأشبه، مثلا لو أوقف على بدعة أو ضلالة صرف إلى طلاب العلم؛ لأنه لما أوقف على البدعة كان يظنها قربة، فننظر إلى الشيء المثيل لها في الذكر ونصرفه إلى طلاب العلم، حتى تصرف في وجهها المعتبر، هذا يختاره بعض العلماء؛ لأن الإعمال أولى من الإهمال؛ فبدلا من تعطيل الوقف وإهماله يعمل أفضل من أن يكون باطلا من أصله ولا يعمل. على كل حال من حيث الأصل أوصي الإخوان ونفسي بتقوى الله عز وجل، وأوصي الأئمة وجيران المسجد أن يتقوا الله في مصالح المسجد الموقوفة عليه، وأن يجتنبوا الأمور المبالغ فيها، فالبعض يظن أنه يتقرب بهذا إلى الله عز وجل حينما يقول: نكيف بيت الله عز وجل، وإذا ما أصلحنا بيت الله فما نصلح وكذا. لا يعمر المسجد شيء مثل ذكر الله: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} [النور:36] ، أول ما ذكره الله عز وجل الذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والتواد والتعاطف والتراحم، لا تعمر المسجد بشيء أعظم من الإيمان بالله عز وجل. وإذا أردت أن تكون من عمار المسجد حقيقة فانظر إلى أمرين اثنين هما أساس بناء المساجد، أولا: أنك إذا دخلت المسجد تدخل بتوحيد الله حتى تخرج منه وفي نفسك من الإيمان حينما خرجت أعظم وأسمى منها يوم دخلت، فإذا فعلت ذلك فوالله قد عمرت بيت الله عز وجل وجزيت خيرا على ما صنعت، ولن يضع الله أجر من أحسن، فمن أخلص بالتوحيد، هذا أول شيء تعمر به المسجد. ثانيا: تعمر المسجد بحقوق إخوانك المسلمين، إذا أصبحت مساجدنا مزينة منمقة جميلة، وأصبح الرجل يدخل المسجد ويخرج من المسجد ولم يصافح أخا له مسلما، وإذا أصبحت مساجدنا جميلة منمقة ويجلس الإنسان في المسجد ساعات، وهو لم يتعرف على أخ مسلم، ولم يدخل سرورا على أخ له مسلم، فأين عمارة المساجد؟ إن الله عز وجل يجمعنا في اليوم خمس مرات على مستوى الحي، ويجمعنا في الجمعة من خارج المدينة مع من يأتي من أهل البادية لكي يتعرفوا على الحاضرة، ثم يجمع الأمة الإسلامية من مشارق الأرض ومغاربها في العام مرة واحدة في الحج، فإذا كانت المساجد تسري على هذه الأهداف السامية والغايات النبيلة؛ عمرت وازدانت وجملت، وازدانت بعظيم الحسنات. كيف تعمر المسجد لما يكون الفقير إذا دخل إلى المسجد وجد من يواسيه ويكفكف دمعته، ويقضي حاجته، ويبدد بإذن الله همه وغمه وكربه أحب المسجد وأحب بيت الله، وعرف بركة الطاعة والخير، وإذا أصبح كبير السن يدخل للمسجد فيجد صغار المسلمين يقبلون رأسه ويجلونه ويحبونه ويكرمونه ويدخلون السرور عليه حتى نسي همه وغمه، وعاش بكرب من فراق إخوانه وأقرانه، فوجد من إخوانه المصلين الراكعين الساجدين من يتبسم في وجهه، فيمسح عنه دمعته، ويجلي عنه همه وغمه بإذن الله عز وجل حتى أصبح يعود إلى المسجد، حتى إن الرجل تجده من أشد الناس مرضا وسقما، لكن إذا قيل له: تذهب إلى المسجد، يفرح وينتشي؛ مما يرى فيه من وجوه الخير وأخلاق الإسلام السامية والكاملة، لكن إذا أصبح يدخل المسجد ويخرج ولا يرى أخا ولا صديقا، وإخوانه ذهبوا، وأصبح الناس ينظرون إليه وكأنه كل على غيره، يحمل ويوضع، ولا يجد عطفا ولا رحمة ولا شفقة، فعندها يمل من المسجد -أستغفر الله العظيم- أو يأخذ برخصة الله عز وجل ويقبع في بيته، ويقول: حتى لا تشمت بي الأعداء، وكأنه ينظر إلى الناس كأنهم أعداء. فهذه هي الأمور التي تعمر بها المساجد، لا تعمر بالقيل والقال، ولا بأمور الدنيا ولا بزينتها، فوالله ما كانت مساجد رسولنا صلى الله عليه وسلم مضاءة إلا بأنوار التنزيل، وهذا لا يعني أننا نترك متاع الدنيا وزينتها، بل نقول: لا مانع أن يوجد الخير وأن تزين المساجد، لكن شريطة ألا تكون فيها الزينة التي تلهي عن ذكر الله. لكن لو بنى مسجدا وأحسن بناءه فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء: (من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة) . كما في الحديث الصحيح، والقطاة: طائر معروف، وهو طائر صغير لا يذكر. فانظر كيف أحب الله عمارة بيوته، فمن عمر هذه المساجد بنى الله له قصرا في الجنة، فنحن لا نقلل من بناء المساجد، ولكن نقول: بشرط ألا يكون على حساب حقوق الناس أو على حساب الأصول الشرعية المراعاة في الأوقاف، خاصة إذا كان إمام المسجد يسحب المكيف من المسجد لأجل أن يجعله له، هذا لا يمكن، لأن النفع للجماعة ليس كالنفع للفرد، وهذه الأمور كلها ينبغي أن يجتنبها الإنسان تحصيلا للأصول العامة المعتبرة في الأوقاف، والله تعالى أعلم. الوقت الذي تستباح به رخص السفر للمسافر السؤال من كان مقيما وأراد السفر وقت الظهر، فهل يجوز له أن يصلي العصر قصرا؟ الجواب رخص السفر لا تستباح إلا بعد خروجك من آخر عمران المدينة، فإذا أذن الظهر وأنت في بيتك وعندك نية للسفر، فلا عبرة بالنية؛ لأن الله يقول: {أو على سفر} [البقرة:184] ، فلابد وأن تكون على سفر، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر، وزيدت في الحضر) أي: في حال الحضر، فأنت في حال الحضر ولست في حال السفر. ومن هنا يجب أن يكون العمل بهذه الرخص بعد ثبوت حججها، والموجب أن تكون على السفر، ولا توصف بأنك على سفر إلا إذا اجتمع فيك الظاهر والباطن. وبعض الفقهاء ينظر إلى الباطن ويغفل الظاهر، فيقول: أنت عندك نية، وهذا يكفي، وبعض العلماء يقول: لابد من النية مع الظاهر، لتعلق العبادة بهما، وهذا هو الصحيح، ولذلك لا تترخص بالجمع ولا بالقصر إلا بعد الخروج من العمران، لكن لو أذن المؤذن وأنت لم تخرج من آخر بيت من المدينة؛ فإنه يجب عليك أن تصلي الظهر أربعا والعصر أربعا والعشاء أربعا، لكن لو خرجت وبعد مجاوزتك لآخر بيت في المدينة أذن المؤذن صليت الظهر ركعتين والعصر والعشاء ركعتين ركعتين لأنك على سفر. فالسبب أنه لو أذن الظهر وعندك نية للسفر ولم تخرج من المدينة، فقد توجه عليك الخطاب بأربع ركعات ولم يتوجه بركعتين، لأنك في الحضر ولست في السفر، ولذلك قالت: (فأقرت في السفر وزيدت في الحضر) ولما قالت: أقرت في السفر، ليس من الصواب أن ننظر إلى الباطن ونلغي الظاهر، وحديث: (إنما الأعمال بالنيات) مقيد بالظاهر؛ لأنه قال: (على سفر) لذلك لا ينظر إلى حال الإنسان إلا إذا اجتمع فيه الظاهر والباطن. وهذا مذهب الجمهور عملا بالسنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج لحجة الوداع وغيرها من أسفاره صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر في ذي الحليفة ركعتين، مع أنه كانت عنده نية للسفر في نفس اليوم، وما ورد عن بعض الصحابة من أنهم كانوا يفطرون وهم في داخل المدينة فقد كانوا يجتهدون مثل عدي بن حاتم لما وضع العقالة، فكان هذا فهمه، لكن ظاهر السنة والفقه بالتحري كما هو مذهب الجمهور والأئمة أنه لابد من وجود الظاهر والباطن في رخص السفر، {فمن كان منكم مريضا أو على سفر} [البقرة:184] . ولما قال: (على سفر) كان له معنى في اللغة، وهذا أبلغ من قول من يقول من العلماء: ومن كان منكم مريضا أو مسافرا، وإنما قال: (على سفر) ، وهذا يدل على أن حالته حالة سفر، ومن هنا ظاهر القرآن أسعد بالقول بوجود الظاهر والباطن من أجل الحكم برخص السفر، فيخرج من آخر العمران في المدينة وحينئذ يحكم بكونه مصليا صلاة المسافر أو صلاة المقيم على حسب الخروج وعدمه. والله تعالى أعلم. الجمع بين لغو اليمين وإنشائه السؤال كيف يجمع بين قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة:225] ، وقوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} [البقرة:224] ، أثابكم الله؟ الجواب لغو اليمين مختلف في تفسيره، قال بعض العلماء: أن يحلف على الشيء يظنه صوابا فيتبين أنه غيره، فهو لغو أي: لا كفارة فيه. وهذا مأثور عن ابن عباس رضي الله عنه، كأن ترى رجلا من بعيد، فتقول: هذا محمد، فقال لك قائل: لا، هو علي. تقول: والله إنه محمد، فأنت حلفت على شيء تظنه بغلبة الظن، والحالف على غلبة الظن إن تبين خطؤه كان قوله لغوا لا كفارة فيه. فقوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة:225] أي: مؤاخذة التكفير، هذا على التفسير بأنه يحلف على شيء يظنه. فآية المائدة في قوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة:225] من جهة إيجاب الكفارة بضمان حق الله عز وجل. أما قوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} [البقرة:224] ، فمن جهة الحلف نفسه، وإنشاء اليمين، يعني: أن الإنسان لا يحلف كثيرا بالله عز وجل، وهذا من باب تعظيم الله عز وجل، ولذلك كان بعض السلف يتقي الحلف بالله عز وجل بارا أو غير بار. وابن عمر رضي الله عنهما لما اختصم مع الرجل في عبد من عبيده باعه، فادعى الرجل أن فيه عيبا واختصما إلى عثمان رضي الله عنه، فقال للرجل: هل عندك بينة؟ قال: ما عندي بينة، فقال لـ ابن عمر أن يحلف، قال له ابن عمر: لا أحلف، ولكن أرد العبد وأعطيه المال. كل هذا من باب تعظيم الله عز وجل، لا يريد أن يحلف بالله عز وجل، فلما رد العبد باعه بأضعاف قيمته بعد ذلك، فعوضه الله خيرا مما ترك، وهذا من تعظيم الله؛ لأنه لا يعامل أحد ربه إلا كان له الخير في دينه ودنياه وآخرته. فقوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} [البقرة:224] هذا المراد به الإكثار من حلف اليمين، والنهي عن الإكثار منها، هذا في الإنشاء والثاني في الأثر، وحينئذ فلا تعارض. يعني تقول: نجمع بين الآيتين إذا وجد تعارض، لكن إذا كانت إحدى الآيتين في شيء والآية الأخرى في شيء آخر فلا تعارض بينهما أصلا، ولا يجمع بين شيئين مفترقين، وبناء على ذلك لا تعارض بينهما من هذين الوجهين. والله تعالى أعلم. حكم إهداء العامل من أملاك سيده السؤال عامل يعمل في دكان سيده، فهل يجوز له أن يهدي من هذا المحل، وهل يجوز لي أن آخذ من هذه الهدية، أثابكم الله؟ الجواب العامل ليس ملكا لصاحب الدكان، وإنما بينهما عقد إجارة، فينبغي دائما أن يعلم الإنسان أن المسلم ليس بالرخيص، ولا بالهين، لا للونه ولا لحسبه ولا لنسبه، ويعلم أن الإسلام شيء كبير، وأن للناس حقوقا في أعراضهم وكرامتهم، ولا تحسبن أعراض الناس سهله؛ أو أن الناس إذا كانوا غرباء أو ضعفاء فليس لهم حقوق، بل اعلم أن الإسلام قد سوى بينك وبينه، عاملا أو غير عامل، ولو كان فقيرا فقرا مدقعا. ولذلك جبلة بن الأيهم لما كان يطوف، فوطأ الأعرابي طرف إزاره فسقط الإزار، فلطم جبلة الأعرابي في داخل المطاف، فاختصما إلى عمر رضي الله عنه، فقال لـ جبلة: كتاب الله القصاص، يلطمك مثلما لطمته، فقال: يلطمني هذا الأعرابي؟ قال: نعم، يلطمك كما لطمته، فإن الإسلام قد سوى بينك وبينه، وكان من ملوك العجم، من أصحاب العزة والمكانة في الروم، فقال له: أنظرني ليلتي. وهذه من قصص العبر التي ذكرت في التاريخ الإسلامي. وأنبه على أنه كان من منهج العلماء أنهم لا يطبقون عليها موازين الجرح والتعديل، والآن كل يوم يأتي من يقول: هذه قصة لا تثبت. هذه القصص التي تقال للاعتبار، كما قال الإمام أحمد: كنا إذا ذكرنا التاريخ تساهلنا، وتجد اليوم من يقولون: لا تثبت، فيطعنون فيها، حتى أنك تجد مبتدئين من الطلاب حينما يمسك (البداية والنهاية) لـ ابن كثير يهينها وينقص من مكانتها، لأنه سمع أن فيها قصصا لا تثبت، ولما يحضر للشيخ محاضرة ويسمع عنده قصة لا تثبت، يسقط الشيخ من نظره، فهم يفسدون أكثر مما يصلحون، موازين الجرح والتعديل معروفة أين تطبق، لذلك ما وجدنا الحافظ ابن كثير والأئمة والعلماء يشتغلون بنقد مثل هذه القصص، ويخرجون قصصا لا تثبت في أشياء يقصد منها الاتعاظ والعبرة. الشاهد أنه لطمه لطمة، فقال له: أيلطمني هذا الأعرابي، قال: إن الإسلام قد سوى بينك وبينه. ولو كنت في أعز الناس فأنت معه في الإسلام في قدم واحدة ومكانة واحدة. قال: دعني أنظر ليلتي. ثم إنه ارتد، كما جاء في الخبر أنه انسحب بمن معه وارتد، وكل هذا من أجل عزة الإسلام. ولما وقعت قصة القبطي مع ابن لـ عمرو بن العاص، لما قال: خذها وأنا ابن الأكرمين، أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن العاص أن يوافيه الموسم ومعه ابنه، فلما جاءه وقدم عليه، قال: هذا الذي ضربك؟ قال: نعم، قال: دونك فاضربه، فقام وضرب ابن عمرو كما ضربه، فقال عمرو بن العاص: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: وجهها على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين! أما أنا فقد ضربت من ضربني، فقال عمر رضي الله عنه مقالته المشهورة: يا عمرو! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا! فالإسلام سوى بين الناس، فلا يظن أحد أنه إن كان عنده عامل أو أجير أنه قد ذهب حقه وقدره؛ لأنه يعمل، ووالله إنه في قمة الشرف ما دام أنه تغرب للقمة العيش التي يريد بها أن يعف بطنه وأهله وولده وزوجه، وأيضا يريح نفسه من ذل السؤال، فهذا كريم شريف عزيز جدا، ولذلك لا يحق لك أن تصف صاحب العمل بأنه سيد له، لا والله فالسيد هو الله، وهو رب كل شيء ومالكه، وهو العزيز الذي ذل له كل عزيز، سبحانه وتعالى، فهذا أمر مهم جدا، وينبغي على طلاب العلم والأخيار ألا تأخذهم سفاسف الناس ومحقراتهم فيخاطبوا الناس بمثل هذه العبارات. فينبغي أن تحفظ للناس حقوقهم وكرامتهم، وأن لا ينظر إلى الناس بألوانهم وأحسابهم، ولا بحوائجهم وضعفهم. كما قال صلى الله عليه وسلم ينبه الأمة: (رب أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوع على الأبواب، لو أقسم على الله لأبره) فلو قصد السائل بقوله: (سيده) يعني: صاحب الدكان، فهذا ممكن، لقوله تعالى: {وألفيا سيدها لدى الباب} [يوسف:25] وهي زوجة، والسيد في لغة العرب يطلق بمعنى صاحب الشأن، ومن هنا تجد بعض الناس يقول لك: يا سيدي، وليس قصده أنك سيد له، ولذلك تجد في كل بيئة كلمة لا يراد بها حقيقتها، وعندنا ينتشر كلمة: (يا شيخ) مع أن كلمة (شيخ) إجلال، وكذلك كلمة: (سيد) إجلال، لكن لا يقصد منها المعنى، فإذا قصد السيد بهذا بمعنى صاحب الشأن فلا بأس. على كل حال: إذا كان العامل يهدي من ماله، وكانت الهدية قليلة لا تضر بالمال كتب الله له أجرين، أجرا للمهدي وكتب لصاحب المال أجره، والأفضل أن يستأذن صاحب المال، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا، إذا كان عبدا كما في الموالي، وكان أجيرا وأعطى دون أن يضر؛ فهذا استثناه العلماء، وخاصة إذا جرى بهذا العرف. مثال: جرى العرف أنه إذا اشترى شيئا أعطى هدية منها لغيره، وجرى هذا العرف بين الناس من باب الإحسان والكرم، فلا بأس إذا أعطاه هذا الشيء، فإذا أعطى العامل في الدكان هذا الشيء كتب الله له الأجر، وكتب لصاحب الدكان أجره، فله مثل أجر صاحب الدكان؛ لأنه أعطى وبذل ويده يد إعطاء، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمره به سيده) يعني لأنهم كانوا عبيدا وموالي (له مثل أجر صاحبه) ، فهذا كرم من الله وفضل. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يكرمنا بفضله وإحسانه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
__________________
|
|
#649
|
||||
|
||||
|
شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع (كتاب النفقات) شرح فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي الحلقة (482) صـــــ(1) إلى صــ(17) شرح زاد المستقنع - باب نفقة الأقارب والمماليك [3] من موجبات النفقة على شخص أن يكون المنفق من الوارثين، وتكون هذه النفقة بقدر ما يستحق من الميراث، ومن وجبت عليه نفقة شخص وجبت عليه نفقة من يعول؛ ولا نفقة عند اختلاف الدين إلا بالولاء أو الوالدين. وتلزم الوالد نفقة ولده، ومن ذلك أجر المرضعة، ولو طلبت أمه إرضاعه بأجرة المثل فلها ذلك، ولا يصح منعها لأنها أولى به. إذا كان القريب الحاجب معسرا والمحجوب موسرا لم تجب النفقة على أحدهما بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ومن له ابن فقير وأخ موسر؛ فلا نفقة له عليهما] . تقدم أن الوارث يقوم بالنفقة على قريبه، وأن الذي اختاره المصنف رحمه الله، وهو أقوى القولين عند أهل العلم رحمهم الله: أن النفقة تكون مقدرة على حسب الإرث، وأن هذا متفق مع أصول الشريعة؛ لأن الغنم بالغرم، فكما أنه ينال من مورثه قدر تلك الحصة فينبغي أن يتحمل من نفقته قدرها، والوارث له حالتان: الحالة الأولى: أن يرث فرضا أو تعصيبا. والحالة الثانية: أن يكون محجوبا. وبناء على ذلك شرع المصنف رحمه الله في تفصيل الحكم بكون الوارث ينفق على قريبه على حسب الميراث؛ إذ يتفرع على هذا الحكم أنه لو اجتمع شخصان أحدهما يحجب الآخر، فهل تجب النفقة عليهما بناء على أنهما من الورثة من حيث الوصف العام، أم أننا نطبق قواعد الإرث ونقول: يحجب الأقرب الأبعد، فتجب النفقة على الأقرب ولا تجب على الأبعد؟ والثاني هو الذي اختاره المصنف رحمه الله، واستثنينا من هذا عمودي النسب، وبينا وجه الاستثناء وذلك في مسألة الجدة. وبين رحمه الله مثالا على القريب الذي يحجب قريبه، فقال: [فإن كان له ابن فقير وأخ موسر] فاجتمع اثنان من الورثة أحدهما الابن والثاني الأخ، وكل من الابن والأخ ميراثه بالتعصيب. لأن الإرث ينقسم إلى فرض وتعصيب، فأصحاب الفروض فروضهم مقدرة في كتاب الله عز وجل، وهي الستة الفروض المنصوص عليها: النصف، ونصفه وهو الربع، ونصف نصفه وهو الثمن، والثلثان، ونصفهما وهو الثلث، ونصف نصفهما وهو السدس، فمن كان يرث فرضا وله النصف يتحمل نصف النفقة، فلو كان هناك فقير وله وارث وجبت النفقة على هذا الوارث، وإذا كان يرث النصف فإنه يجب عليه أن ينفق عليه نصف نفقته، ولو كان له وارث يرث الربع فكذلك، ولو كان له وارث يرث الثلثين أو الثلث أو السدس فكذلك، وقد تقدم ذلك في مسألة الجدة. واعلم بأن الإرث نوعان هما فرض وتعصيب على ما قسما فالفرض في نص الكتاب سته لا فرض في الإرث سواهما البته نصف، وربع ثم نصف الربع والثلث والسدس بنص الشرع والثلثان وهما التمام فاحفظ فكل حافظ إمام هذا بالنسبة للفروض المقدرة، نجعل وجوب النفقة فيها على حسب قدر الإرث. وإذا كان تعصيبا يأخذ الباقي، إن كان معه ذو فرض حكمنا بوجوب النفقة عليه على قدر حصة ذي الفرض، ثم الباقي وهو الواجب بعد الفرض يكون للعصبة. فالأخ والابن من العصبة، والابن لو انفرد أخذ المال كله، والأخ لو انفرد أخذ المال كاملا كما هو معلوم، فلو اجتمع ابن وأخ، وكان الابن فقيرا والأخ موسرا، ف السؤال أن الأخ لا يرث مع وجود الابن، والأصل في النفقة أنها واجبة على الابن؛ لأن الابن يحجب الأخ. فالذين يرثون بالتعصيب العصبة من جهة الأصول وفروع الأصول، وأيضا تكون من جهة الفروع، والعاصب يكون الأب وأباه وإن علا، والأخ الشقيق والأخ لأب، وابن الأخ الشقيق وابن الأخ لأب، والعم الشقيق والعم لأب، وابن العم الشقيق وابن العم لأب، فهؤلاء هم عصبة الإنسان القرابة الذين لو انفرد أحدهم أخذ المال كله، فلو مات ولم يترك إلا ابن عم شقيق فإنه يأخذ المال كله، فلو افتقر وليس له إلا ابن عم شقيق أوجبنا عليه جميع النفقة؛ لأنه عاصب لو انفرد أخذ المال كله. حتى لو اجتمع العصبة مع الغير مثل الابن مع البنت، فلو أن والدا افتقر وعنده ابن وبنت، فمذهب الحنابلة رحمهم الله أنه لو افتقر الأب وعنده بنت وابن ويحتاج إلى ثلاثين ريالا، أوجبنا على الابن العشرين وعلى البنت العشرة، على قدر حصصهم من الإرث. وهناك مذهب يقول: إنه لا تجب على البنت النفقة، وإذا اجتمع الذكر والأنثى غلب جانب الذكر، وهذا لحكمة من الله عز وجل، أن جعل الكسب والنفقة في الأصل واجبا على الذكور، وهذا هو أحد الأوجه عند الشافعي رحمه الله، لكن الصحيح أن الله تعالى قال: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233] فأوجب نفقة الرضيع على الوارث، وجعل صفة الميراث مؤثرة في الإيجاب فقال: (وعلى الوارث) ، فإذا كان الأمر كذلك وجب أن نجعل نصيب الوارث في النفقة على قدر نصيبه من الإرث. في مسألتنا هنا مثل المصنف رحمه الله بمثال، وهو: أن يجتمع اثنان من الورثة كل منهما لو انفرد لوجبت عليه النفقة كاملة وهما الابن والأخ، وكل منهما لو انفرد لأخذ المال كله، فلو مات وليس له إلا ابن ذكر فإن الابن يأخذ المال كله تعصيبا، ولو مات وليس له إلا أخ فإنه يأخذ المال كله تعصيبا، هنا يرد السؤال: إذا كان الابن -وهو الأقرب- معسرا وليس عنده قدرة على النفقة، والأخ -وهو الأبعد- موسرا وعنده قدرة على النفقة، فعلى من تكون نفقة الرجل؟ إذا طبقت أصول الميراث فإن الابن يمنع الأخ من الميراث الذي يسمى في مصطلح الفرائض بالحجب، والحجب حجب نقصان وحجب حرمان، فحجب النقصان مثل الابن يحجب الزوجة حجب نقصان فيجعلها بدل أن تأخذ الربع تأخذ الثمن، لكن لا يحجبها بالكلية، وحجب الحرمان يمنع الوارث غيره بالكلية فلا يرث، والحجب بين الابن والأخ من حجب الحرمان؛ لأن العصبة تقدم بالجهة ثم القرب ثم القوة. فبالجهة التقديم ثم بقربه وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا فالعصبة يقدمون على هذا الترتيب، فالابن لو اجتمع مع الإخوة الأشقاء أو الإخوة لأب حجبهم حجب حرمان، وهنا النفقة واجبة في الأصل على الابن، ووجوده يمنع إرث الأخ فيسقط النفقة عن الأخ، فبعض العلماء يقول: ما دام أنه فقير ينتقل الحكم إلى الأخ؛ لأنه موسر، ويكون وجود الابن وعدمه على حد سواء. وفي الأصول الشرعية أنك إذا اعتبرت أصول الميراث فإنه يسقط وجوب النفقة عن الأخ لوجود الابن، ويسقط وجوب النفقة على الابن لكونه معسرا، {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة:286] وقد ذكرنا أننا لا نحكم بوجوب النفقة على القريب إلا إذا كان قادرا، والابن غير قادر فتسقط النفقة عنه وعن الأخ. وفي هذا الحال إذا سقطت عن الوارث فإنها تنتقل إلى بيت مال المسلمين على تفصيل آخر، لكن من حيث الأصل فإن المصنف قصد من هذا المثال أن يبين أنه إذا اجتمع الوارثان وأحدهما يحجب الآخر، وكان الحاجب لم يتوفر فيه شرط وجوب النفقة سقطت النفقة عنهما: سقطت عن القريب الأقرب لكونه معسرا ولعدم تحقق الشرط فيه، وسقطت عن الأبعد لوجود الأقرب. وجوب النفقة على الجدة إن أعسرت الأم قال رحمه الله: [ومن أمه فقيرة وجدته موسرة؛ فنفقته على الجدة] . هذا من باب أنه يستثنى عمودا النسب؛ لأن النفقة متأصلة فيهما، فنفقة الفرع لازمة على الأصول، وقد بينا هذا وبينا دليله وإجماع العلماء على أن الولد يجب على والده أن ينفق عليه. في المثال السابق حجب الابن الأخ، وهنا الأم تحجب الجدة؛ لأن من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة إن وجدت، والجدة تدلي بواسطة الأم، والأم تحجب الجدة بالإجماع، وبناء على ذلك لو كانت الأم فقيرة والجدة موسرة فنقول: ينتقل وجوب النفقة إلى الجدة، وهذا مستثنى من الأصل الذي ذكرناه؛ لأن عمودي النسب تجب عليهم النفقة على الأصل الذي ذكرناه، وهذا خاص بعمودي النسب، فيجب على الجدة أن تنفق على ذلك الولد. النفقة على القريب المعسر وعلى من تلزمه نفقته قال رحمه الله: [ومن عليه نفقة زيد؛ فعليه نفقة زوجته] . قرر رحمه الله النفقة، وبين على من تجب، وشرط وجوبها، وبين إذا كانت تجب على الوارث ما الحكم عند ازدحامهم وحصول حجب من بعضهم لبعض. ثم شرع رحمه الله في مسألة تنبني على مسألة النفقة، وهذا كما ذكرنا من التسلسل في الأفكار والترتيب المنطقي، فإن الفقه الإسلامي يمتاز بالشمولية؛ وهو أنه لا يقتصر على بيان الأصول، بل يبين الفروع المبنية على الأصول، فالسؤال الآن: إذا وجبت النفقة على الوارث لوجود السبب الموجب في المورث الذي ينفق عليه وهو عجزه، فهل يختص إنفاقه على ذلك القريب نفسه فقط، أم أنه يلتحق بهذا القريب من لزمته نفقته وحاجته اللازمة الضرورية؟ هذه المسألة مفرعة على الأصل الذي ذكرناه: هل أنت مطالب بالنفقة على القريب؟ لو فرضنا وجود شخص مات وترك ابنا رضيعا، وهذا الابن الرضيع ليس له وارث غير فلان فأوجبنا النفقة عليه، لكنه يحتاج إلى مرضعة، فهل نقول: يجب عليك أن تنفق على المرضعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233] ؟ فهذا والد الطفل أوجب الله عليه النفقة، ثم بين حال موت الوالد فقال: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233] فأخذ العلماء من هذا دليلا على أنه إذا مات شخص وله قرابة وترك أولادا واحتاجوا إلى النفقة عليهم والاسترضاع لهم؛ وجبت نفقة الرضاعة على القريب الوارث، فإذا كانت نفقة المرضعة واجبة على القريب؛ فهذا تنبيه من الشرع أن الأشياء اللازمة لهذا القريب الذي تنفق عليه لازمة عليك أيضا بالتبع، ولا يقتصر الأمر على أن تنفق عليه فقط، بل إن من يعول ومن تلزمه نفقته يجب عليك أن تنفق عليهم بالمعروف، وهذا لأن الآية نصت على وجوب الاسترضاع على الوارث، مع أن الأصل يقتضي أن ننفق عليه. قال رحمه الله: [ومن عليه نفقة زيد فعليه نفقة زوجته كظئر لحولين] . إذا كان هناك شخصان بينهما قرابة موجبة للنفقة، فالأصل يقتضي أن ينفق أحدهما على الآخر إذا كان معسرا، فلو كانت عنده زوجة وأولاد واحتاجوا للنفقة، فإنه ينفق عليهم أيضا إذا كان ماله يسع ذلك، وقد ذكر المصنف رحمه الله في الأصل هذا فقال: [كالظئر] . أي: وذلك كما أن الله أوجب علينا أن ننفق على الرضيع نفقة إرضاعه فقال: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233] فأوجب على الوارث أن يعطي نفقة المرضعة، وهذا يقول به بعض العلماء، ويرى أنه يجب عليه أن ينفق على زوجه؛ ولأنه لو أنفق عليه ولم ينفق على زوجه لم يقم بحاجته ولم يسد له الحاجة، ولذلك فهو يحتاج النفقة عليه وعلى من تلزمه نفقته. قوله: (كالظئر لحولين) فائدة المتون اختصار المسائل وإدخال بعضها على بعض، والتنبيه على الفروع المبنية على الأصول، والتنبيه على الأصول التي ينبني عليها غيرها، ومن هنا تظهر قوة العالم والفقيه في صياغة المتن، والبعض لا يحسن فهم مقصود العلماء من هذه المتون، ولذلك يقول: إنها تخلو من الأدلة. والمراد من هذه المتون صياغة الأحكام المستنبطة من الأدلة؛ أما الأدلة فلها كتب متخصصة، وهذا أمر ينبغي أن ينتبه له، ولذلك لما قال: (كالظئر) أشار إلى الأصل الذي بني الدليل عليه، وهو النفقة على المرضع؛ فإن الله عز وجل أوجب على الوارث أن ينفق على المرضعة، فإذا نظر الفقيه في ذلك فهم أن الواجب أن تنفق على الرضيع، لكن لما كان ذلك لازما له وضروريا صار كالنفقة عليه. وأجاب بعض العلماء عن هذا الدليل وقال: إن الأصل أن تنفق بالطعام والكسوة، والاسترضاع نوع من الطعام، فهو لم يخرج عن الأصل، فأوجب النفقة عليك بالنسبة للقريب فقط، وأما من تلزمه نفقته فلا يوجب عليك نفقته، هذا اختيار بعض العلماء رحمهم الله، وهو من حيث الأصل أقوى، يعني: لا شك أن الأصل أن الواجب أن تنفق على الشخص نفسه. لا نفقة مع اختلاف دين إلا بالولاء قال رحمه الله: [ولا نفقة مع اختلاف دين إلا بالولاء] . هذا الحكم وهذه المسألة نحتاجها بين المسلمين وغير المسلمين، كما كان يقع في البلدان الإسلامية، حيث يكون أهل الذمة فيسلم الذمي وقرابته تحت حكم الإسلام ويكون فقيرا، فلا نوجب نفقة مع اختلاف الدين، وتجب نفقة هذا المسلم الذي ليس له قريب مسلم من بيت مال المسلمين، ويصبح المسلمون هم أولياءه الذين ينفقون عليه، كما أنه لو مات ورثه بيت مال المسلمين. وهكذا تصان الحقوق في الإسلام، فليست بالدعاوى ولا بالتشهي ولا بالتمني، ولكنها حقائق مبنية على أصول، هذا مع أنه كان كافرا ثم أسلم ودخل بين المسلمين، فصار منهم وأخذ حكمهم وكأنه لبنة من هذا البناء له ما لهم وعليه ما عليهم، فيكون معهم كالجسد الواحد، فلو أنه افتقر أنفقوا عليه، ولو أنه مات وعنده مال رد إلى بيت مال المسلمين. لا يجب الإنفاق بين المسلم والكافر، ولو أن هذا الذي أسلم له قرابة كفار تحت حكم الإسلام كالذميين، فلما أسلم افتقروا وقالوا: هذا قريبنا فلينفق علينا، فلا يحكم المسلمون لهم بالنفقة، ويقولون: اختلاف الدين يمنع من وجوب النفقة؛ لأن اختلاف الدين يمنع من الإرث؛ لأن من موانع الإرث اختلاف الدين؛ فلا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما قيل له: (أين تنزل غدا؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من دار؟) ، وهذا الحديث أصله أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا قرابته للإسلام، وأبى من أبى منهم، بقي عقيل وتأخر إسلامه، فورث الكفار من قرابته، وأخذ هذه الأموال وباعها، ثم أسلم عقيل فحاز خير الدين والدنيا، ولم يرث النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء القرابة الكفار. وفي الحديث الصحيح أنه قال: (لا يرث المسلم الكافر) فلا توارث بين المسلمين والكفار، لذلك يعتبر من موانع الإرث اختلاف الدين، قال الناظم: ويمنع الشخص من الميراث واحدة من علل ثلاث رق وقتل واختلاف دين فافهم فليس الشك كاليقين فاختلاف الدين يمنع الإرث والنفقة، لكن يستثنى من ذلك نوعان: النوع الأول: الولاء، فإن الرقيق ينفق عليه مولاه ولو اختلف الدين، والأصل فيه حديث الدارقطني؛ استثنى الرقيق بوجوب النفقة ولو كان كافرا؛ لأنه معلوم أن السبب هنا بين السيد وعبده ليس كالسبب بين القريب وقريبه، ولذلك استثني. النوع الثاني: الوالدان، لو كان له والدان كافران هل ينفق عليهما أولا ينفق؟ الصحيح أنه يجب عليه أن ينفق على والديه الكافرين، وهو اختيار مذهب الشافعية وطائفة من أهل العلم رحمة الله عليهم؛ لأن النصوص التي وردت بالأمر بالإحسان إلى الوالدين وبرهما نزلت في الكفار: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} [لقمان:15] وليس من المعروف أن يكون غنيا ووالداه محتاجين فقيرين ولا ينفق عليهما، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء أن تحسن إلى أمها وأن تبرها. فالوالدان يستثنيان من هذا، فيجب على الولد أن ينفق على والديه ولو كانا كافرين؛ لأن النصوص وردت في الكفار، وهما مستثنيان من الأصل الذي ذكرناه. وبناء على ذلك نقول: الوارث والقريب من غير الوالدين أوجبنا النفقة عليه لقوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة:233] لكن الوالدين استثنيا من هذا، ولذلك يجب على الوالد لو انفرد تحمل النفقة كاملة، وكذلك أيضا بالنسبة لوجود الكفر يجب عليه أن ينفق على والديه وأن يقوم بالإحسان إليهما: لأن النصوص التي أمرت بالإحسان إلى الوالدين في الأصل إنما نزلت في الكافرين. ولأن الوالد ذكرا كان أو أنثى له حق عظيم وفضل كبير، والله عز وجل لم يمنع الولد من رد هذا الجميل والمعروف؛ لأنه أنفق عليه حتى كبر وشب. فاستثني الوالدان لأمور: أولا: لورود النصوص، وثانيا: لأن المعنى الموجود في الوالدين يخالف غير الوالدين من بقية الورثة. وجوب الاسترضاع وأجرته على الوالد قال رحمه الله: [وعلى الأب أن يسترضع لولده ويؤدي الأجرة] بمعنى: أن على الوالد أن يطلب من يرضع ولده، وإذا طلب المرضعة فعليه أن ينفق عليها بالمعروف، لقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233] فأمر الله عز وجل المولود له وهو الوالد أن يقوم على نفقة ولده، وأن يتعهد حاجته إلى الرضاعة بالاسترضاع. فبين رحمه الله وجوب الاسترضاع على الوالد، وهذا مجمع عليه بين العلماء، لورود نص آية البقرة على وجوب الاسترضاع للولد، ولا يجوز للوالد أن يضيع ولده بحرمانه من الرضاعة؛ لأنه إذا حرم من الرضاعة فإنه يموت، وهنا ننبه على الوقت الذي يطلب فيه الوالد امرأة ترضع ولده. إذا كانت الأم موجودة وقالت: أنا أرضع ولدي فلا إشكال، فهي أحق بإرضاع ولدها، لكن الإشكال إذا ماتت الأم أو طلقت وتزوجت من الغير، أو تحولت عن البلد التي هي فيه، أو كانت مريضة لا تستطيع الإرضاع؛ فحينئذ لو ترك الولد سيموت؛ لأنه لابد له من الرضاعة، لينشز بها عظمه وينبت بها لحمه. فإذا كان لابد له من الرضاعة فإن المسئول عن هذه الرضاعة في تكاليفها وطلب المرضعة هو الأب، فيجب عليه أن يطلب من يرضع هذا الصبي. وفي هذه الحالة يجب عليه أن ينصح، فقد يجد من المرضعات من هي أقل ثمنا وأقل كلفة، ولكنها أضعف، وقد يضر لبنها الصبي؛ فلا يجوز له في هذه الحالة أن يغلب مصلحة المادة على مصلحة الصبي، كما هو موجود الآن في زماننا في شراء الحليب الذي يحتاجه الطفل، إذا كان نوعا رديئا ونوعا جيدا فيجب عليه أن ينصح ويتقي الله عز وجل، وأن يعلم أن هذه النفس المحرمة أمانة في عنقه، وهو مسئول أمام الله عز وجل عنها، فيسترضع المرأة التي يحسن رضاعها. ولذلك كانوا يشددون في الرضاعة، وقد بينا في كتاب الرضاعة أن المرأة التي ترضع قد يفسد الولد بسبب لبنها من سوء أخلاقها، ولذلك نهى السلف كـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره من الصحابة من الرضاعة من الفاجرات؛ لأن الأخلاق تعدي. وينبغي عليه أن ينصح في هذه الرضاعة لعل الله أن يوفقه للقيام بحقه على أتم الوجوه {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق:6] فأوجب على الوالد أن يدفع أجرة الرضاعة للمرضعة، وبين المصنف رحمه الله أن المسئول عن هذه النفقة هو الوالد. حق الأم في الرضاع قال رحمه الله: [ولا يمنع أمه إرضاعه] . أي: ولا يمنع الوالد أم الولد من إرضاع الولد، فلو قالت الأم: أريد أن أرضع ولدي؛ فهي أحق به وأولى. فلا يمنعها أن ترضع ولدها، ولو وجد الغير الذي سترضعه من قرابته أو من تتبرع ولو مجانا، أو تزوج امرأة فقالت: أنا أرضع ولدك ولا أريد منك شيئا، وقالت أم الولد: أنا أرضعه؛ فهي أحق وأولى ولا يمنعها إرضاع ولدها. حالات إلزام الأم إرضاع ولدها قال رحمه الله: [ولا يلزمها إلا لضرورة كخوف تلفه] . أي: لا يجب على الأم أن ترضع ولدها إلا لضرورة، ومن أمثلة الضرورة: أن لا يقبل الولد ثديا غير ثديها، بعض الأولاد تكون عندهم حساسية ولا يمكن أن يقبل غير ثدي أمه، وهذا من الله سبحانه وتعالى كما وقع لموسى عليه السلام: {وحرمنا عليه المراضع من قبل} [القصص:12] فكلما جاءت امرأة لم يقبل ثديها. فإذا امتنع ولم يقبل النساء الموجودات وقالت أمه: لا أرضعه، فطلبها زوجها الذي هو والد الطفل فقال: أرضعي ولدك واتقي الله في ولدك، فقالت: لن أرضعه، فهنا يجبرها القاضي على إرضاعه؛ لأن إنقاذ هذه النفس المحرمة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولذلك قال: (ولا يلزمها إلا لضرورة) ، وهي أن يمتنع الولد أو لا يوجد من يرضع هذا الصبي غير هذه الأم، فيجب عليها أن ترضع هذا الصبي. حكم طلب الأم أجرة إرضاع ولدها قال رحمه الله: [ولها طلب أجرة المثل] . أي: من حقها أن تطلب أجرة مثلها، فإذا أرضعته حولين، نظرنا لو أن مرضعة أجنبية أرضعت هذا الولد كم ستأخذ في الحولين؟ فنعطيها أجرة المثل، فلو طلبت أكثر من أجرة المثل لم يجب على الوالد أن يعطيها تلك الأجرة، وإنما تتقدر الأجرة بالمعروف. قال رحمه الله: [ولو أرضعه غيرها مجانا] . أي: أنها أحق بإرضاع ولدها، ولو أرضع الولد غيرها مجانا، ولها أن تطلب الأجرة، ولو وجد من يقول: أنا متبرع بإرضاعه؛ لأنه لا شك أن مصلحة الولد في الرضاعة من أمه أعظم، والأم أنصح لولدها وأكثر محافظة عليه، ولذلك هي أحق، وإذا كانت هي أحق فلو وجدت امرأة وقالت: أنا أرضع لك ولدك مجانا والولد يقبل ثديها، فقالت الأم: أنا أريد أن أرضعه فهي أحق، ونقول للوالد: أنفق عليها بأجرة مثلها. فلو قال: أنا عندي من يتبرع، نقول: وجود هذه المتبرعة لا يسقط حق الأم ولو طلبت الأجرة، ولذلك قال تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق:6] فأمر الله عز وجل بإعطاء الأجرة للمرضعة، وقد صدر الآية بقوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة:233] ، {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة:233] فبين الله سبحانه وتعالى أن الوالدة ترضع ولدها وهي أحق للصفات التي فيها من كون لبنها أكثر نفعا للولد واغتذاء له، وكذلك هي أكثر نصحا للولد وشفقة وعطفا وإحسانا وبرا لولدها؛ فهذه كلها مصالح، فلذلك تقدم على غيرها. وفي قوله: (ولو) إشارة إلى خلاف مذهبي في داخل مذهب الحنابلة، فهناك من العلماء من قال: نعطيها الأجرة بشرط أن لا يوجد من يتبرع مجانا، فإذا وجد من يتبرع مجانا فإننا نقول لها: إن شئت أن ترضعيه بدون مقابل فلك الحق في ولدك، فإن قالت: أنا أريد الأجرة صرف إلى غيرها وليست بأحق، والصحيح ما ذكرناه. قال رحمه الله: [بائنا كانت أو تحته] . أي: سواء طلقها وبانت منه أو كانت تحته، فحتى لو كانت تحته ثم قالت له: أريد أن أرضعه وآخذ الأجرة، فإن الحكم لا يختلف باختلاف حال الأم، فسواء كانت تحت الزوج أو لم تكن فهي أحق وأولى بولدها ولها الأجرة إن طلبت، لا يختلف الحكم بين كونها تحت الزوج أو بائنة منه. حكم منع الزوج الثاني إرضاع ولد الأول قال رحمه الله: [وإن تزوجت آخر فله منعها من إرضاع ولد الأول ما لم يضطر إليها] . أي: وإن تزوجت آخر فقال لها: ما أريدك أن ترضعي ولدك من فلان؛ لأن الرضاعة تضر بالمرأة، وتؤثر على صحتها، وتؤثر حتى على الاستمتاع بها، ومن هنا لا يتدخل الزوج الثاني في حق الأول إلا إذا حصل الضرر عليه. وبعض العلماء قالوا: إنه ينتشي في ماء الثاني فيكون له الحق من هذا الوجه. ولكن الأشبه: أن هذا يؤثر عليه ويؤثر على صحة المرأة، ولذلك خفف على المرأة المرضع في الصيام، وأخذت أحكام الرخص في مسائل، وهذا يدل على أن الرضاعة تؤثر، وإذا كانت تؤثر وأسقط الله بها الحقوق فكذلك أيضا بالنسبة لحقوق المخلوقين، فإذا قال الزوج الثاني: لا ترضعيه، فحينئذ له حق المنع. وإذا منعها نظرنا: فإن كان للصبي بديل صرف إلى البديل ولم تلزم الأم ولم يلزم الزوج، وإن كان لا بديل له فإنه يكون مضطرا ويسقط حق الزوج؛ لأن ضرر الابن أكبر، وهذا من باب المقارنة بين المفاسد؛ لأنه إذا تعارضت مفسدتان قدمت المفسدة العظمى، فالطفل إذا لم يرتضع تضررت صحته وربما هلك، والزوج إذا أرضعت زوجته ضعفت مصلحته وصار النقص عليه نقص كمال في الاستمتاع، ونقص الضرورة المفضية إلى هلاك الأنفس فيه مفسدة فيه أعظم من نقص الكمال في الاستمتاع والشهوة، ولذلك يقدم حق الولد من هذا الوجه، فنقول: يجب عليك أن ترضعيه. فلو قال الزوج: لا أسمح لها بذلك. أجبرت عليه وسقط حق الزوج، فلا تسمع له ولا تطيع؛ لأن هذا فيه إضرار بالنفس وتعريض لها للهلاك.
__________________
|
|
#650
|
||||
|
||||
|
الأسئلة حكم التضييق على الأهل للنفقة على المحتاجين السؤال من ضيق على أهله في النفقة لأجل ما يتعاهده من الصدقات وبذل الخير للمحتاجين، فهل يأثم في هذا التصرف، أثابكم الله؟ الجواب باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن ضيق على من تجب عليه نفقته ينقسم إلى قسمين: إما أن يضيق في الحق الواجب، وإما أن يضيق في الكمالات، فإن ضيق في الحق الواجب فهو آثم شرعا، ولا يجوز للمسلم أن يمنع أولاده وزوجته من حقوقهم في النفقة بناء على الصدقات والتبرعات للغير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سأله الصحابي فقال: (عندي دينار، قال: أنفقه على نفسك، قال: عندي غيره، قال: أنفقه على أهلك) فهذا يدل على أن نفقة القريب أحق وأولى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ثم أدناك أدناك) فيبدأ بالأقربين، وهم أولى وأحق، والنفقة عليهم واجبة، والنفقة على الغير إحسان وغير واجبة، فيقدم الواجب على غير الواجب. أما إذا كان التقصير في الكمالات، بمعنى: أنه رأى الغير محتاجا فصرف الكمالات لأولئك المحتاجين، فهل الأفضل أن يصرف الكمال للقريب ويدخل السرور على قريبه وأولاده، أم الأفضل أن ينفق على البعيد؟ هذه مسألة الذي يظهر فيها: أن الغريب إذا كانت النفقة عليه نفقة إنقاذ؛ بحيث إنه محتاج حاجة شديدة، فإن النفقة عليه أفضل من نفقة الكمال على القريب، والسبب في هذا: أنه ربما يكون الغريب محتاجا حاجة قد يتعرض معها للحرام، فالمرأة قد تزني -والعياذ بالله- إذا افتقرت، والأولاد قد يضيعون، وربما هلكوا وماتوا من الجوع، فإذا كانت النفقة من هذا الجنس فهي الأفضل إن شاء الله؛ لأن جنسها في إنقاذ النفس واستبقاء الأرواح والمحافظة على العرض، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص. وعلى كل إنسان ينفق على الغريب أن تكون له نية، فإذا حسنت نية العبد أجره الله وجعل أجره على نيته، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يتصدق على الغني وهو لا يعلم بغناه، فجعل الله صدقته بحسن نيته عبرة للغني، فأثابه الله عز وجل عليها. فإذا كان قد أنفق على الغرباء والأجانب ممن ليسوا بأقارب له، وهو ينوي إنقاذ أنفسهم وحفظهم من الحرام أو تحبيبهم في الخير، كان بالوسيلة والنية أفضل وأعظم أجرا، لكن لو كانت النفقة على هذا الغريب من جنس الكمالات، وأولاده يريدون الكمالات فالنفقة على الأولاد وإدخال السرور على الأقرباء في الكمالات أفضل من إدخال السرور على غير الأقارب، بل حتى إدخال السرور على ابن العم القريب في الكمالات أفضل من إدخال السرور على الغريب، فمثلا: لو احتاج إلى سيارة وعنده سيارة أو متاع أو ثياب زائدة يمكن أن يعطيها لقريبه ويمكن أن يعطيها لغير القريب. فالقريب سواء كان من الأقربين كأولاده، أو كان من الأبعدين كابن العم، فإن إعطاء الثوب له ولو كان من الكمالات أفضل من إعطائه للغريب ولو كان صديقا، ولو كان خليلا للإنسان ومحبا، فإن الإحسان إلى القرابة فيه أجران: أجر الصدقة، وأجر الصلة. والإحسان إلى الغريب مهما كان ففيه أجر واحد وهو أجر الصدقة، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لامرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها وأرضاها في الحديث الصحيح. وبناء على ذلك ينبغي على المسلم أن يزن الأمور بميزانها، ولا شك أن تفقد الأقرباء والإحسان إليهم وتصديق معنى القرابة أمر مهم، فالإنسان دائما يتفقد القرابة، وأول ما تفكر في بذل المعروف والإحسان يجب أن تنظر إلى من حولك من الأقرباء، حتى في أمور الدين والدعوة، مع أنها لا محاباة فيها ولا مجاملة، قال الله: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء:214] أي: مر القريبين الأقربين. وهذا يدل على أنهم أولى الناس بخيرك وبمعروفك وبإحسانك؛ حتى الابتسامة التي تبتسمها والسرور الذي تدخله على المسلمين تقدم فيه الأقربين الأقرب فالأقرب، فإذا وجدت القريب حرصت على أن تكون على مراتب الكمالات التي تفعلها مع الغرباء، وأن تكون في أحسن وأجمل وأفضل. وانظر رحمك الله إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه وهو صديق الأمة يحسن إلى مسطح وهو ابن خالته وقريبه، ثم إذا به يفاجأ بـ مسطح وهو أحد الذين قذفوا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فمع أنه أحسن إليه، ومع وجود القرابة تأتي هذه الإساءة العظيمة في طعنه في زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، فحلف أبو بكر أن لا يحسن إليه بعد ذلك؛ فأنزل الله عز وجل القرآن يعاتب أبا بكر رضي الله عنه: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} [النور:22] حتى إن أبا بكر رضي الله عنه بكى وقال: (بلى! والله نحب أن تغفر لنا) . قريب يطعن في ابنته مع أنها أم المؤمنين رضي الله عنها، فاجتمعت جميع الحقوق من الناحية الدينية ومن الناحية الطبيعية الفطرية، ومع هذا كله ينزل القرآن بالإحسان إليه ورد المعروف كما كان، فأحسن أبو بكر رضي الله عنه ورد المعروف إلى مسطح، فهذا يدل دلالة واضحة على عظيم أمر الرحم والقرابة. نحن ننبه على هذه الأمور لأنها عظمت، وسببها التفكك الأسري الذي يعيشه الناس، كثير من المشاكل والأضرار والمصائب سببها هذا التفكك الأسري، كان الناس في القديم في فقر وضعف وحاجة ماسة، ولكن رزقهم الله عز وجل من التواصل والتحاب والتعاطف وحفظ حق القرابة ما هون عليهم مصائب الدنيا كلها، والله إن الناس كانوا يعيشون بحالة لا يعلم شدة ما هم فيه إلا الله جل جلاله، ولكن ما لطف الله عز وجل بهم بشيء بعد الإيمان به وتوحيده مثل بر الوالدين وصلة الرحم. وانظر إلى كبار السن والرعيل الأول، تجد الواحد منهم عطوفا شفوقا على قرابته، ما إن يسمع أن قريبا له نزلت به نازلة إلا وجدته لا يهنأ له عيش ولا يرتاح له بال؛ ويسافر إلى المسافات البعيدة، فهذا التواصل والتعاطف والتراحم والتكاتف الذي كان بين الناس هو الذي رحم الله به أمرهم، فجعل ضيق عيشهم سعة، والهموم والغموم عليهم يسيرة، وكم من مصائب تنزل بالإنسان يدفعها الله بفضله ثم بصلة الرحم. لا يحسب الإنسان أن تفقد القرابة أمر هين، كثير من مشاكل اليوم سببها عدم الصلة، وتجد الرجل يقول لك: أنا في ضيق واكتئاب. وقد يكون قاطعا لرحمه من حيث يشعر أو لا يشعر، ويكون هذا البلاء الذي نزل به إما بسبب أذية أو قطيعة لرحم، أو عدم زيارته لأعمامه وأخواله، هذا التفكك الذي يعيشه الناس أكثره بسبب عدم القيام بحقوق القرابة. ونحن نركز على هذه المسائل ونطيل في الجواب عليها لأهميتها؛ لأن كثيرا من مشاكل اليوم سببها ذلك، الآن لما تجد القريب تنزل به ضائقة دين، لا يستطيع أن يجد في قرابته من يساعده، فيذهب إليه ويريق ماء وجهه عنده، ويقول له: يا فلان أريدك أن تساعدني، فيجد أول من يقفل الباب في وجهه قريبه -والعياذ بالله- ويجده أول من يتهكم به ويستهزئ به ولا يصدقه فيما يقول له، مع أنهم في القديم ربما كان فيهم جهل لو قتل القريب جاءه ونصره مع أنه يعلم أنه ظالم؛ من شدة الحمية والعاطفة، صحيح أن هذا خطأ، لكن كانوا معهم في الخير والشر، وينصره ظالما ومظلوما، ويقف معه ويقدم له ما يستطيع من المال، هذا الذي رحم الله به الأمة. لا تحسب أن القليل للقرابة هين عند الله عز وجل، وقد يرفع القريب كفه إلى الله عز وجل فيدعو لك دعوة تنال بها سعادة لا تشقى بعدها أبدا؛ لأنه يدعو من قلبه، ويتمنى لك الخير من صميم فؤاده، ويرى أنك قد أحسنت إليه ووصلته. والله إن كثيرا من النفوس تتبدد أحزانها وأشجانها بالكلمة من القريب القريب تجده مريضا مهموما محزونا، ما إن يلتفت ويجد قرابته حوله إلا تبددت أحزانه وذهبت أشجانه، ولا عليه بعد ذلك يذهب عنه الهم أو لا يذهب، تجده مديونا معسرا ما إن يأتيه القريب ويجلس معه ويقول: أتمنى لو كان عندي مال أعطيكه، فما إن يقول له هذه الكلمة إلا وكأنه قضى له دينه. ما كان أحد يترك قريبه، بل يقف معه ويبذل له كل ما يستطيع، بل إن دعوة الإسلام كلها قائمة على التوحيد وعلى أداء الحقوق، فإذا أدي حق الله عز وجل بتوحيده وإخلاصه أديت حقوق العباد، وأول حق ركزت عليه نصوص الكتاب والسنة وتضافرت عليه واعتنت به أيما عناية بر الوالدين وصلة الرحم، حتى إن أبا سفيان لما سأله هرقل قال: بماذا يأمركم، قال له: يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، ويأمرنا بالبر وصلة الرحم. وأذكر حادثة غريبة وقعت قبل أشهر: كنت في السفر فوجدت رجلا كبير السن، فاقتربت منه وسألني عن مكاني، وسألته من أين أنت، قال: أنا من بدر، رجل في آخر سنه فوق السبعين تقريبا، ويبيع تمرا، ولا يملك إلا القليل، وجالس في شدة الشمس يتعرض للمشقة، قلت: ما دمت أنت من بدر كيف جئت إلى هنا -كان قريبا من جدة- قال: هذا التمر الذي تراه أريد أن أبيعه وأذهب لأختي بمكة لديها أيتام وأريد أن أعطيها هذا المال، والله حينما نظرت إليه تأثرت من حاله وهيئته، ليست بحال الإنسان الذي يستطيع أن يقوم على نفسه، فضلا عن أن يبحث عن أخته التي يريد أن يصلها، هكذا كان الناس، وهكذا يكون العيش تواصل تراحم تعاطف. وحدثني أحد كبار السن في المدينة، وهو من أصدق الناس وخيارهم رحمة الله عليه، يقول: عشت يتيما فكان خالي يأتينا من أكثر من أربعمائة كيلو متر من المدينة، وكان يأتي بالهدايا، فقير معدم ما عنده شيء، لكن يأتي الأربعمائة كيلو هذه، لا يمر شهر حتى يزور أخته، ويدخل على أيتامها ويلاطفهم ويحسن إليهم ويقول لأخته: أسألك بالله لا تسقيني شيئا من مال اليتامى، يعني: إذا جاء في ضيافتها لا يستطيع أن يشرب عندها فنجان القهوة، وهذا شيء كبير معروف بالعادات، وإنه لصعب جدا أن حكم رفع الصوت بالقراءة في قضاء الصلاة الجهرية السؤال هل يلزم المصلي رفع الصوت بالقراءة في قضاء ما فاته من الصلاة الجهرية، أثابكم الله؟ الجواب الجهر في الصلاة فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله، من أهل العلم من قال: يجب الجهر في الجهرية، واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، ولأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقع بيانا لواجب، وبيان الواجب واجب. ومن أهل العلم من قال: الجهر والإسرار ليس بواجب، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه في صلاة الظهر أنه رفع صوته بالآية والآيتين، فجهر فيما يسر؛ فدل على أن الأمر فيه السعة، وبناء على ذلك ينبغي على المسلم أن يحرص على السنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يكون قضاؤه يحكي أداءه، فيجهر في الصلاة المكتوبة، فإذا قضى الفجر بعد طلوع الشمس يجهر في قراءته، وهكذا لو نام عن صلاة العشاء حتى ذهب وقتها، وسواء ذهب وقتها أو لم يذهب، إذا قضاها أو أداها في آخر وقتها منفردا فإنه يجهر بقراءتها، والله تعالى أعلم. الفرق بين قاعدتي التعبد بالظن وعدم التعبد به السؤال ما الفرق بين أن الله تعبدنا بغلبة الظن، وبين قاعدة: لا عبرة بالظن البين خطؤه، أثابكم الله؟ الجواب الحقيقة ليس هناك اجتماع بين القاعدتين، فقاعدة غلبة الظن هي التي تعبد الله بها العباد، والإنسان إذا اعتقد شيئا له أربعة أحوال: الحالة الأولى: أن يعتقد الشيء على وجه لا شك فيه ولا مرية البتة، وهذا يسمى باليقين كما يقول بعض العلماء: (100%) ، فهو يعتقد مثلا: أن الله واحد، فهذا الاعتقاد لا يدخله أي شك ولا مرية فيه، وهذا اعتقاد اليقين. الحالة الثانية: أن يكون اعتقاده للشيء غالبا وراجحا، وهناك احتمال ضد هذا الاعتقاد لكنه ضعيف، وهذا يبدأ من (51%) إلى (99%) فمثلا: أنت تعلم أن الوالد إذا صلى العصر يرجع إلى البيت، فجاءك شخص وقال لك بعد صلاة العصر: الوالد موجود في البيت؟ أنت لم تر الوالد ولكن صليت العصر ثم جلست في المسجد، يحتمل أن الوالد رجع إلى البيت ويحتمل أنه لم يرجع، لكن الغالب أنه إذا صلى العصر يرجع إلى البيت، فأنت إذا قلت: الوالد في البيت، فإنه ظن غالب وخبر صادق؛ لأن غالب الظن أن يكون في البيت، هذا الغالب يجوز لك شرعا أن تخبر به ولست بكاذب، بل لو حلفت وقلت: والله إنه في البيت لم تحنث؛ لأن الحلف على غلبة الظن مشروع. الحالة الثالثة: أن يكون الشيء مستوي الطرفين، مثلا: الوالد بعد المغرب ربما يجلس في البيت وربما لا يجلس، وليس هناك حالة راجحة، فسئلت: هل الوالد موجود؟ تقول: أشك، يعني: ما أدري أهو موجود أو غير موجود؛ لأنه تارة يكون موجودا وتارة لا يكون موجودا، وهذا الشك يسمى استواء الطرفين. الحالة الرابعة: أن يكون الظن مرجوحا، وهو عكس الظن الراجح، فأنت حينما قلت في صلاة العصر: الوالد موجود في البيت، عندك احتمال أنه خارج البيت، فلو سألك شخص: الوالد خارج البيت؟ تقول: أظن، فظنك في هذه الحالة ضعيف وليس براجح، ولو سألك: أهو في البيت؟ تقول: نعم؛ لأنه ظن راجح. فهذه أربعة أحوال للظنون، ولا يتعبدنا الله بالأوهام، وهو الظن الضعيف، لأنها ظنون فاسدة ولا تبنى الشريعة على الظنون الفاسدة، وهذا قرره الأئمة، ومن أنفس من تكلم على ذلك الإمام العز بن عبد السلام حينما تكلم على مسائل الظنون في قواعد الأحكام، وبين أن الظنون الفاسدة لا يلتفت إليها، مثلا: شخص قلت له: اذبح هذه الشاة، فذبحها وجاءك بها، يحتمل أنه ما ذكر اسم الله عليها، ويحتمل أنه أخطأ في الذبح، ويحتمل احتمالات كثيرة، لكن هذا الاحتمال ضعيف ومرجوح، فتلغي هذه الظنون، وتعمل بالظن الراجح، وتتقرب إلى الله عز وجل بالظن الراجح. فقس على هذه من المسائل الكثيرة، فقد تعبدنا الله بها حتى في استباحة الدماء والفروج، الآن لو أن شاهدين شهدا أن فلانا قتل فلانا، فإننا نحكم بالقصاص، مع أنه يحتمل أن أحد الشاهدين أخطأ، ويحتمل أنهما زورا الشهادة، لكن الظن الغالب أنهما إذا زكيا وعدلا وعرفا بالضبط أنهما مصيبان، لكن يحتمل الخطأ، والظن مرجوح ولا عبرة فيه. حينما تسأل العالم ويفتيك في مسألة اجتهادية فإنه يفتيك على غالب ظنه، فيحتمل أن القول الذي اختاره مرجوح، لكن الله عز وجل أمرك بالرجوع إليه وأمرك أن تقبل حكم القاضي؛ لأن الغالب في ظنه هو هذا، وأنت تعمل بهذا الظاهر وأنت مكلف بهذا. وبهذا انضبطت أمور الدنيا، ولو كانت أمور الدنيا لا تسير إلا باليقين لدخل من الوسوسة والبلاء على الناس ما الله به عليم، فاستقامت أمور الدين والدنيا على ذلك، وبنيت مصالح العباد دينية كانت أو دنيوية على هذا، الآن مثلا: لما تركب السيارة وترى غالبها السلامة تمشي بها، لكن إذا كان غالبها الهلاك ورأيت فيها أعطال فلا تطيعك نفسك أن تخاطر، والطائرة مثلها: لولا أن الغالب السلامة ما جاز لأحد أن يركب بين السماء والأرض معرضا نفسه للخطر، والباخرة لولا أن الغالب فيها السلامة لما جاز لأحد أن يركبها فيعرض نفسه للغرق، كل هذا مبني شرعا على غلبة الظن، وبها استقامت مصالح العقلاء والحكماء واندرأت بها المفاسد، فالشريعة تتعبد بغالب الظن. مسألة: لا عبرة بالظن البين خطؤه، عدل وإنصاف، وقد تعبدك الله أن تعمل بهذا الظن الغالب، لكن لو ظهر لك أنه خطأ رجعت عنه؛ لأن الرجوع إلى الحق فريضة وليس بفضيلة فقط، مثلا: لما يقول العلماء: لا عبرة بالظن البين خطؤه، فهذا في الحقوق، من أمثلته: شخص أعطاك ألف ريال دينا، فقلت له: رددتها لك، قال: ما رددتها، مثل التجار يتعاملون كثيرا بهذا، كل يوم يأخذ ويعطي. فجاءه شخص ظن أنه أعطاه، فقال له: أعطيتك، قال التاجر: ما أعطيتني. اختصموا عند القاضي، من حقك أن تقول: والله أعطيته؛ لأن غالب ظنك أنك أعطيته، وبعد شهر أو شهرين أو سنة أو مائة سنة، تبين لك أنك أخطأت في هذا الظن، فحينئذ يجب عليك أن تقضي الرجل حقه، ونقول: لا عبرة بالظن الذي بان خطؤه في حقوق العباد. من أمثلتها في حقوق الله عز وجل: مسألة الصوم، إن أكلت وأنت تظن أن الفجر ما طلع، ثم بعد ما أكلت أقيمت الصلاة، فأنت في المسألة الأولى في حق المخلوق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (فدين الله أحق أن يقضى) ، فمذهب طائفة من العلماء أنه إذا بان لك الخطأ وجب عليك القضاء؛ لأنه إذا كان في حقوق المخلوقين يجب القضاء إجماعا؛ فحق الله أولى أن يضمن، فنقول: ظنك أن الفجر لم يطلع يسقط عنك الإثم، وتبينك للخطأ يوجب عليك رد الحق، سواء كان لله أو للمخلوق. فللمخلوق تقضي الدين الذي عليك وللخالق تقضي ذلك اليوم؛ لأن الله تعبدك أن تصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأنت لم تصم صياما تاما كاملا، فحق الله ينبغي أن يؤدى، ودين الله ينبغي أن يقضى، ولذلك قاس النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة، قال: (أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى) ، فأنت إذا تبين لك الخطأ في حق المخلوق فإنه تؤديه، كذلك في حق الخالق ما لم يرد النص بالاستثناء، فلا عبرة بالظن البين خطؤه. فنقول: قاعدة العمل بغلبة الظن؛ معمول بها في حال غلبة ظنك، وقاعدة: لا عبرة بالظن البين خطؤه معمول بها بعد الاستبيان، فأنت تعمل بالأصل حتى يتبين لك خلافه، وبهذا تكون القاعدتان صحيحتين ولا إشكال فيهما، والله تعالى أعلم. عدد الرضعات الموجبة للتحريم السؤال امرأة أرضعتني عدة مرات وهي لا تعلم العدد، وحاولت التذكر لكن دون جدوى، فهل أنا محرم لها ولبناتها، أثابكم الله؟ الجواب لا تثبت أحكام الرضاعة إلا إذا ثبت أنها أرضعتك خمس رضعات، فلا يجوز لك أن تعتبرها أما من الرضاعة إلا إذا ثبت أنها أرضعتك خمس رضعات معلومات مشبعات، فإذا ثبت ذلك ثبت حكم المحرمية لها ولبناتها، وأما إذا لم يثبت ذلك، فإنه لا يجوز لك أن تحكم بثبوت الرضاعة، والله تعالى أعلم. حكم تغسيل الرجل لمحارمه السؤال هل يجوز للابن أن يغسل أمه وأخته، أثابكم الله؟ الجواب الرجل لا يغسل المرأة إلا في حالة واحدة، وهي: أن الزوج يغسل زوجته والزوجة تغسل زوجها، وذلك على أصح قولي العلماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ عائشة رضي الله عنها كما في حديث السنن: (لو أنك مت لغسلتك وكفنتك) وهذا يدل على أن الزوج يغسل زوجته، ولأن عليا رضي الله عنه غسل فاطمة رضي الله عنها ولم ينكر عليه الصحابة، والمرأة تغسل زوجها؛ لأن أسماء بنت عميس رضي الله عنها غسلت أبا بكر الصديق رضي الله عنه ولم ينكر الصحابة ذلك، فلا يجوز للرجل أن يغسل المرأة إلا في هذه الحالة، ولا يجوز للمرأة أن تغسل الرجل إلا في هذه الحالة. وأما الابن مع أمه فلا يغسلها، وهذا يفعله بعض العوام جهلا منهم؛ لأن عورة الأم ينبغي للغاسل أن ينقي الفرجين، وهذا مع اتحاد الجنس أخف منه عند اختلاف الجنس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إلى النسوة أن يغسلن بناته، فغسلت زينب رضي الله عنها وأرضاها أم عطية وغيرها من الصحابيات رضي الله عنهن، ولم يغسلها أحد من قرابتها الذكور، وكذلك بالنسبة للرجل لا يغسله النساء. وبناء على هذا: لا يجوز للأخ أن يغسل أخته، وإنما يتولى النساء أمر النساء والرجال أمر الرجال، فإن توفيت امرأة بين رجال يممها ذو المحرم ثم كفنت، ويصلى عليها ولا تغسل، وهكذا الرجل إذا مات بين النساء ولا زوجة له وليس هناك رجل، فإن النساء تيممه ثم بعد ذلك يدرج في ثيابه ثم يصلى عليه، فلا يتولى النساء أمر الرجال ولا الرجال أمر النساء على التفصيل الذي ذكرناه في قول جماهير السلف والخلف، والله تعالى أعلم. سبل تحقيق العشرة الزوجية بالمعروف السؤال العشرة بالمعروف تتعدى اقتصار الزوج على بذل الواجب في النفقة والرعاية فقط لزوجته، فكيف يمكن لي أن أحقق العشرة بالمعروف، أثابكم الله؟ الجواب العشرة بالمعروف من أعظم الدعائم التي تقوم عليها السعادة الزوجية، ومن أراد أن يحقق هذه العشرة فليقرأ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كانت سنته عليه الصلاة والسلام إلا امتثالا للقرآن، وقد كان عليه الصلاة والسلام لا يقدم أمرا ولا يؤخر غيره إلا بكتاب الله عز وجل، فمن أراد أن يكون معاشرا لأهله بالمعروف فلينظر إلى أوامر الله جل جلاله، وإلى ما ندب الله إليه من الإحسان والبر والصلة والعفو والصفح والتجاوز وحسن النية، وغير ذلك من الأمور التي تعين على سلامة العمل، وكذلك ينظر بعد كتاب الله إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، يستلهم منها المواقف الجليلة والحوادث الجميلة التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع حبه وزوجه، وكيف كان أبر الأزواج بأزواجه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. والأصل أن الإنسان لا يمكن أن يصل إلى الكمال ما لم يكن نقي الصدر الدعامة الأولى سلامة الصدر، ولذلك لن تجد إنسانا يستقيم على طاعة الله أو يهتدي فينال كمالات هذا الدين إلا بسلامة الصدر، وما إن يتغير قلبه ويكون فيه أي دخل أو درن من أدران الجاهلية إلا أثر على عمله وقوله، أهم شيء يبدأ فيه الإنسان سلامة صدره، ولذلك من دخل إلى بيت الزوجية سليم الصدر، نقي السريرة؛ فإن الله يبارك له في ظاهره، فمن أسر سريرة أظهرها الله في قوله وعمله، وظهرت في علانيته في معاملته. وانظر هذا مع الناس، فالشخص الذي يعاشر إخوانه من طلاب العلم أو غيرهم من الملتزمين أو المهتدين، وهو لا يفرق بين الأبيض والأسود والأحمر والأصفر والغني والفقير، سليم الصدر نقي الصدر تجده في أكمل ما يكون الأخ مع أخيه (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) وما تفسد القلوب إلا بمعصية الله، فإن دخلها الحقد والحسد واحتقار الناس وانتقاصهم، ودخلها سوء الظن والتهم ونحو ذلك، ساء كل شيء. فالرجل إذا دخل بيت الزوجية وهو يفكر أول ما يفكر أن زوجته نعمة من الله أنعم بها عليه، وأنه يحتقر نفسه، ويقول: من أنا حتى تأتيني هذه المرأة الصالحة، إذا كانت امرأة دينة أو على الأقل تحافظ على واجباته، يقول: الحمد لله الذي رزقني هذه المرأة على هذا الخير والاستقامة، وإذا كانت قريبة قال: الحمد لله الذي سخر لي من أصل به رحمي وأبلها ببلاها، ودخل وهو نقي الصدر ويحس أنها نعمة أنعم الله بها عليه، وأن المنبغي عليه أن يحافظ على هذه النعمة، وينظر إلى هذه النعمة نظرة الصفاء والنقاء والمودة، كما أخبر الله عز وجل: (مودة ورحمة) . فإذا دخل بسلامة الصدر والأسس التي تنبني عليها العشرة بالمعروف موجودة في قلبه وقالبه، بارك الله له في قوله وعمله، فهو إذا دخل إلى بيت الزوجية في أي ساعة يحس أن أي معروف أو أي عمل تقوم به المرأة لا يستوجبه عليها. فإذا دخل فوجدها طبخت طعامه، أكبر منها ذلك ورمى لها بالكلمة الطيبة، وقال: جزاك الله كل خير وبارك الله فيك، فدعا لها، وهي ردت له دعوته بالخير، وأكبرت منه إكبارها للمعروف فأحبته، وعرفت أن عنده الإنصاف وأنه سليم الصدر لها، ولكن العكس إذا دخل وهو يظن أنه يستوجب عليها الحق، وأنها كالأجيرة عنده، وأنها دونه، وأنها أحقر؛ جعل ينظر إلى نفسه نظرة الكمال وأنه يستوجب عليها، فعندها تسوء أخلاقه ويسوء قوله وعمله، ولذلك ثبت عن رسول الأمة صلى الله عليه وسلم: أنه ما عاب طعاما وضع بين يديه، صلوات الله وسلامه عليه، وهذا لا يمكن أن يكون إلا حينما ينظر نظرة التواضع والإكبار من أهله وزوجه. المرأة الصالحة إذا نظر الإنسان إليها زوجة له والفتن تحيط بها من كل جانب، تذكر أن الله رحمه بهذه المرأة الصالحة، فكان أول من يعينها على صلاحها وتقواها لله عز وجل، يعينها بالكلمة الطيبة، بالابتسامة، بإدخال السرور، والله إن العبد يشتري رحمة الله عز وجل كما أنه راكع وساجد، بالابتسامة يبتسم بها في وجه أهله وزوجه، ولذلك حرص عدو الله إبليس على الدخول بينك وبين كل قريب، فيجعل الابتسامة حلال ومحبوبة وطيبة إلا إذا كانت للقريب منك، ويقول لك: لا تبتسم للزوجة، إنك إن ابتسمت إليها أفسدتها، ولا تفعل كذا وافعل كذا وكذا، فيصبح المعروف منكرا ويصبح الشر خيرا والخير شرا. كل هذا -نسأل الله السلامة والعافية- لسوء القلب، إذا دخلت بهذه الأسس وهي سلامة الصدر ونقاء الصدر، وأن تحس أن الله أنعم عليك بنعمة شكرتها، ودائما إذا أحس الإنسان أن زوجته نعمة؛ شكر هذه النعمة، ولذلك يقول الله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل:53] . فإذا عرفت قدر الزوجة، وأن بنت الناس ما جاءت إلى بيتك لتهان، وأن حرمات المسلمين ما دخلت إلى بيتك لكي تذل، وإنما لتكرم ولتعز ولتحسن إليها وتقابل بالإحسان؛ عندها يجتمع شمل الزوج والزوجة. العشرة بالمعروف أقوال وأفعال، وإذا سلمت السرائر صلحت الظواهر، وزكاها الله جل وعلا المطلع على الضمائر، ولا يمكن أن تزكو علانية الإنسان أو يكون محبوبا بين الناس وهو خبيث السريرة أبدا، ولذلك قالوا: لا يسود حقود ولا حسود، لا يمكن أن تجد إنسانا يحسد الناس ويعطيه الله السؤدد، فلا يسود الناس حتى ولو كان مع أهله وزوجه، لا يمكن أن ينال السؤدد ولا ينال الكمال ولا العشرة بالمعروف إلا إذا كان سليم الصدر نقي النفس مهذب الأخلاق طيب المعدن، فإذا وفق الله له بسلامة الصدر رزقه العشرة بالمعروف. كيف تكون هذه العشرة؟ اقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، اقرأ هذه السيرة وحدك متأملا متفكرا متدبرا، وانظر في كل حدث يقع بينه وبين زوجه، والله إن القصة الواحدة من قصص النبي صلى الله عليه وسلم -حينما كنا نتذاكر العلم- لأمضي فيها الثلاثة الأيام! اقرأها المرة بعد المرة بعد المرة، كلما تقرأها تجد فيها غير الذي كنت تراه من قبل، مما فيها من الخير والبركة والمواقف الجميلة، والمعاني الكريمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يشهد من فوق سبع سماوات بكرم خلق هذا النبي صلى الله عليه وسلم عبثا، {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم:4] فما نال هذه العشرة بالمعروف إلا بالخلق العظيم صلوات الله وسلامه عليه. ولن تستطيع أن تكون العشرة بالمعروف بينك وبين زوجك إلا إذا عظمت حرمات الله، وأخذت تنظر إلى الأسس التي أوجب الله عليك أولا فتؤديها كاملة، وبعد ما تؤدي الواجبات تنتقل إلى الكمالات، ودائما يوصى الإنسان أن لا ينظر إلى نفسه نظرة كمال، بل عليك أن تتهم نفسك بالنقص والتقصير حتى يكمل الله نقصك ويجبر كسرك. والموفق من وفقه الله، فسل الله عز وجل أن يعطيك، وأكثر من الدعاء وقل: اللهم إني أسألك حسن الخلق لأهلي وزوجي وللناس أجمعين، وسل الله عز وجل أن يحسن أخلاقك، وقل: اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي، وقل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق والأقوال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني شرها وسيئها لا يصرف عني شرها وسيئها إلا أنت) . الوصية الأخيرة: مما يعين على العشرة بالمعروف: الإنصاف والعدل، فأي موقف تحس أنك أخطأت فيه فعليك أن تتراجع في نفسك وتستدرك في خطئك، وتخاف من الله عز وجل فيما يكون منك من التقصير، فإذا وفقك الله عز وجل لهذه الأسس: سلامة الصدر وقراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأنت الموفق؛ لأننا لو جئنا نتحدث كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاشر بالمعروف ما انتهى الحديث، ولكن نقول: قراءة السيرة. ثم إذا وفقت بعد ذلك إلى أنك دائما لا تنظر إلى نفسك نظرة كمال، وإذا وقع منك الخطأ أصلحته؛ فإنه لا يزال لك من الله معين وظهير. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا حسن الأخلاق، وأن يعيننا على ذلك؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |