المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - الصفحة 60 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         منيو فطار 8 رمضان.. طريقة عمل لحمة بالفلفل الرومى وأرز أبيض (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          تحذيرات من ثغرة أمنية خطيرة فى متصفح Comet من Perplexity AI قد تُعرّض بياناتك للاخترا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          جوجل تطلق ميزة "التحقق من الهوية" فى هواتف بيكسل.. تنقذك من السرقة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          جوجل تدعم مكالمات واتساب عبر الأقمار الصناعية فى هواتف Pixel 10.. تفاصيل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          بدون برامج.. جوجل درايف يقدم ميزة تحرير الفيديو مباشرة عبر Google Vids (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          كيفية استخدام (أو إيقاف) خريطة إنس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          جوجل تجعل حجز المطاعم أسهل عبر وضع الذكاء الاصطناعى فى البحث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          أوعى تسيبه على تابلوه السيارة.. أفضل أماكن لوضع هاتفك لحمايته من حرارة الصيف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          أرخص علبة كمبيوتر فى العالم لا تكلف سوى رسوم التوصيل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          مزايا سلسلة هواتف Pixel 10 تنافس نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه الترقيات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 30-12-2025, 03:36 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون

صـــ102 الى صـــ 111
(591)






ولو كان الدين ألفي درهم فإن العفو يجوز في ثمانية أجزاء من عشرين لأنك تأخذ ضعف القيمة فتضمه إلى الدية فيصير عشرين ، ثم تفدي حصة الضعف ، وذلك عشرة وحصة الدين ، وذلك سهمان فذلك اثنا عشر وهو في الأصل ثلاثة أخماس العبد فإنما تفديه بثلاثة أخماس الدية ، وذلك ستة آلاف تقضي الدين بألفين وتسلم للورثة أربعة آلاف ، وقد صححنا العفو في خمسي العبد ، وذلك ألفان فاستقام الثلث والثلثان ، ولو كان الدين خمسة آلاف فإنه يفدى بخمسة عشر جزءا من عشرين جزءا ويجوز العفو في خمسة أجزاء لأنك تضم ضعف القيمة إلى الدية فيصير عشرين ، ثم تفدي ما بإزاء الضعف [ ص: 103 ] وذلك عشرة ، وما بإزاء الدين فذلك خمسة فيكون خمسة عشر ، وذلك خمسة أرباع العبد فإنما تفديه بثلاثة أرباع الدية ، وذلك سبعة آلاف وخمسمائة يقضى الدين بخمسة آلاف ويسلم للورثة ألفان وخمسمائة ، وقد جوزنا العفو في ربع العبد ومقداره ألف ومائتان وخمسون فاستقام الثلث والثلثان

ولو أن عبدا لرجل جرح رجلا ، ثم جرح آخر فعفا عنه الأول وهو مريض ، ثم مات من ذلك فإنه ينظر إلى نصف العبد كم قيمته فيعمل فيه كما وصفنا في العبد إذا جرح رجلا واحدا فعفا عنه يعني أنه إن كان قيمة النصف عشرة آلاف لا يقع الدور في الدفع ، ولا يقع في الفداء ، وإن كان قيمة النصف أقل من عشرة آلاف لا يقع الدور في الدفع ويقع في الفداء ، وإن كانت قيمته أكثر من عشرة آلاف فإن الدور يقع في الدفع ، ولا يقع في الفداء لأن نصف العبد مدفوع بالجناية الثانية مستحق بها والنصف كان مستحقا بالجناية التي وقع العفو عنها وموجب تلك الجناية عشرة آلاف فصار حكم هذا النصف وحكم عبد جنى جناية سواء فيما بينا
ولو أن عبدين لرجل جرحا رجلا فعفا عنهما المجروح في مرضه ، ثم مات وقيمتهما سواء عشرة آلاف ، أو أكثر قيل لسيدهما ادفع ثلثيهما ، أو افده ذلك بثلثي الدية ، وهذا صحيح فيما إذا كانت قيمتهما عشرة آلاف . فأما إذا كانت قيمتهما أكثر من عشرة آلاف فإنما يصح الجواب في الفداء ، ولا يصح في الدفع لأن العبدين إذا كانا لواحد وجرحا رجلا واحدا كان حكمهما حكم عبد واحد جرح رجلا فإن كانت قيمته عشرة آلاف لا يقع الدور في الدفع ، ولا في الفداء ، ولكن يدفع ثلثيه ، أو يفدي ثلثيه بثلثي الدية ، وإن كانت قيمته أكثر يقع الدور في الدفع . فكذلك في العبدين ، ولو كانت قيمة أحدهما عشرة آلاف وقيمة الآخر خمسة آلاف فمات الذي قيمته عشرة آلاف واختار الدفع فإنه يدفع أربعة أخماس الباقي ، أو يفديه بأربعة أخماس نصف الدية والسبيل أن تتبين الجواب قبل موت أحدهما ، ثم تبني عليه الجواب بعد موت أحدهما فتقول العبدان هنا في الحكم كعبد واحد لأنهما لرجل واحد جنيا على واحد فصارا كعبد واحد قيمته خمسة عشر ألفا ، ثم السبيل أن تأخذ ضعف الدية فتضمه إلى القيمة فيصير خمسة وثلاثين ألفا ويجب الدفع فيما بإزاء الضعف ، وذلك أربعة أسباعه ويصح العفو في ثلاثة أسباع العبد ، وذلك في الحكم بمنزلة سبعين لأن الدية مثل ثلثي القيمة فإنما يعتبر تنفيذ الوصية من الأصل . فإذا سلم للمولى ثلاثة أسهم ، وذلك في معنى سهمين ودفع إلى الورثة أربعة أسهم من العبد استقام الثلث والثلثان ، ثم لما مات أحدهما فقد صار المولى [ ص: 104 ] مستوفيا الوصية فيه فإنما يقسم الباقي على حق الورثة وعلى ما بقي من حق المولى فتقول حين مات الذي قيمته عشرة آلاف فإنما يضرب الوارث في الباقي بأربعة أسهم والمولى بسهم لأن وصيته بالعفو كانت تجوز في سهم واحد من العبد الأوكس فيصير هذا العبد على خمسة أسهم يدفع أربعة أخماسه إلى الورثة ويبقى له من هذا العبد سهم وتبين أنه صار مستوفيا من العبد الآخر سهما فيحصل تنفيذ الوصية في سهمين ويسلم للوارث أربعة وكذلك إن اختار الفداء لأن قيمة العبد والدية سواء فإن قيمة العبد خمسة آلاف وقيمته من الدية خمسة آلاف .

ولو مات الذي قيمته خمسة آلاف وبقي الآخر فإن اختار المولى الدفع دفع ثلثيه لأن الذي مات قد صار المولى مستوفيا لوصيته فإنما يضرب الورثة في الباقي بأربعة والمولى بسهمين لأن له وصية في هذا العبد سهمين فيكون على ستة أسهم سهمين للمولى من هذا العبد وهو في الحكم كأنه السهم لأن المعتبر ما فيه من الدية وهو خمسة آلاف قيمته ، وذلك نصف فحصل للورثة من هذا العبد أربعة وللمولى في الحكم سهم وله من العبد الآخر سهم فيستقيم الثلث والثلثان ومن حيث الدراهم سلم للورثة ثلثي هذا العبد وقيمته ستة آلاف وستمائة وستة وستون وثلثان للمولى بالوصية من هذا العبد ثلث نصف الدية ومن العبد الآخر ثلث نصف الدية أيضا فيكون ذلك ثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث فيستقيم الثلث والثلثان
ولو أن عبدين لرجلين لكل واحد منهما عبد جرحا رجلا وقيمة أحدهما ألف وقيمة الآخر عشرون ألفا فعفا عن الذي قيمته ألف جاز عفوه ويدفع الآخر عبده ، أو يفديه بنصف الدية لأنا نتيقن بخروج الوصية من الثلث فإن مولى الآخر إن اختار الدفع يسلم للورثة عشرين ألفا ، وإن اختار الفداء يسلم للورثة خمسة آلاف ففي الوجهين جميعا هو خارج من الثلث ، وإن لم يعف عن هذا ، ولكن عفا عن الذي قيمته عشرون ألفا فإنه يجبر المولى الذي قيمة عبده ألف حتى ينظر اختار الدفع أم الفداء حتى يتبين مال الميت فإن اختار الدفع فدفعه كان هذا بمنزلة مال خلفه الميت فكان المجروح ترك ألف درهم فيقال المولى العبد الأرفع تختار الدفع أو الفداء فإن اختار الدفع دفع من عبده ما يساوي ستة آلاف وهو خمس العبد ونصف خمسه وصار العفو فيما بقي ، وذلك من الدية ثلاثة آلاف وخمسمائة لأن فيه نصف الدية فحصة ما جاز فيه العفو ثلاثة أخماس نصف الدية ونصف خمسه ، وهذا لأنك تأخذ ضعف الدية وهو عشرة آلاف فإن في هذا العبد من الدية خمسة آلاف فيضم ضعفه إلى القيمة فيصير ثلاثين ألفا فما أصاب حصة الضعف [ ص: 105 ] من العبد وهو خمس العبد ونصف خمسه لأن كل خمس من الثلاثين يكون ستة ونصف الخمس ثلاثة ، ثم انظر إلى العبد كم يكون قيمة خمسه ونصف خمسه وقيمة العبد عشرون ألفا فخمسه أربعة آلاف ونصف خمسه ألفان فيكون جملة ذلك ستة آلاف فيدفع ذلك القدر إلى الورثة ، وقد سلم الألف لهم فذلك سبعة آلاف ، وقد نفذنا الوصية في ثلاثة أخماس نصف الدية ونصف خمسه مقدار ذلك ثلاثة آلاف وخمسمائة فاستقام الثلث والثلثان .

وإن اختار الفداء فدى منه قدر ثلاثة أخماسه بثلاثة أخماس الدية وهو ثلاثة آلاف فيصير في يد الورثة مع العبد الآخر أربعة آلاف ، وقد نفذنا الوصية له في خمسي نصف الدية ، وذلك ألفان فيستقيم الثلث والثلثان ، وفي الحاصل هذه المسألة على أربعة أوجه إما أن يختار صاحب العبد الأوكس الدفع ، أو الفداء وإما أن يختار صاحب العبد الأرفع الدفع ، أو الفداء ، وفي الكتاب ذكر ما إذا اختار صاحب الأوكس الدفع ، ثم اختار صاحب الأرفع الدفع ، أو الفداء ولم يذكر ما إذا اختار صاحب الأوكس الفداء والوجه في ذلك أن تقول إذا اختار الفداء فإنما يفدي عبده بخمسة آلاف ويصير كأن الميت ترك خمسة آلاف فإن اختار الآخر الدفع قسم على الضعف وعلى القيمة فخذ ضعف الدية عشرة آلاف ضمه إلى القيمة فيصير ثلاثين ألفا فما أصاب صاحب حصة الضعف دفعه إلا مقدار خمسة آلاف فإن ذلك المقدار سقط عنه باعتبار وجوده في يد الورثة ، ويكون الذي يدفع منه خمسة أجزاء من ثلاثين جزءا وهو سدس العبد قيمته ثلاثة آلاف وثلث ألف فيصير في يد الورثة ثمانية آلاف وثلث ألف ، وقد جوزنا العفو في خمسة أسداس الأرفع مقداره خمسة أسداس نصف الدية أربعة آلاف وسدس ألف فيستقيم الثلث والثلثان ، وإن اختار صاحب الأرفع الفداء كان مال الموصي الدية عشرة آلاف فتجوز وصيته في ثلث ذلك وهو ثلاثة آلاف وثلث ألف ويدفع ما بقي إلى تمام خمسة آلاف ، وذلك ألف وثلثا ألف فيصير للورثة ستة آلاف وثلثا ألف ، وهذا لأنه لا يظهر زيادة في مال الميت هنا باختيارهم جميعا الفداء وهو أقل المالين ، ولا يقع الدور فيه والله أعلم بالصواب .

باب العفو والوصية ( قال رحمه الله ) ولو أن عبدا جرح رجلا خطأ فعفا عنه المجروح في مرضه وأوصى لرجل بثلث ماله وقيمة العبد عشرة آلاف فاختار المولى الدفع دفع خمسة أسداسه لأنه أوصى [ ص: 106 ] لمولى الجارح بجميع عبده حيث عفا عنه والعفو لا يجوز فيما زاد على الثلث في مرضه فيصير كأنه أوصى للمولى بالثلث وللآخر بالثلث فيكون ثلث ماله بينهما نصفين لكل واحد منهما سدس العبد ودفع خمسة أسداسه فيأخذ الموصى له بالثلث سدسه ويسلم للورثة أربعة أسداسه فيستقيم الثلث والثلثان ، وهذا الجواب على أصل أبي حنيفة رحمه الله خاصة لأن من أصله أن الموصى له بجميع المال لا يضرب إلا بالثلث فيكون الثلث بينهما نصفين وأما عندهما ينبغي أن يضرب الموصى له بسهم واحد ويضرب المولى بثلاثة أسهم وهو جميع المال فيصير الثلث بينهما على أربعة فصار العبد كله اثني عشر فإنما يدفع ثلاثة أرباع العبد وهو تسعة ويسلم للمولى ثلاثة ويأخذ صاحب الثلث من التسعة سهما واحدا ويبقى للورثة ثمانية أسهم وكذلك إذا اختار الفداء لأن ماله في حال الدفع والفداء واحد لا يختلف ، وقد جرى هذا الباب إلى آخره على نحو هذا وقال في آخره وعلى هذا جميع هذا الوجه على قياس قول أبي يوسف ومحمد رحمهم الله ولا وجه لذلك إلا أن يقال هذا يكون رواية عنهما مثل قول أبي حنيفة أن الموصى له بالجميع عند عدم الإجازة لا يضرب بما زاد على الثلث .

ولو كانت قيمته خمسة آلاف فإن اختار الدفع فالجواب كذلك لأنه لا يقع الدور عند اختيار الدفع إذا كانت قيمته أقل من عشرة آلاف فإن اختار الفداء فدى خمسة أسباعه بخمسة أسباع الدية أربعة للورثة وسهم للموصى له لأنه لو لم يكن من العافي وصية سوى العفو كان الطريق عند اختيار الفداء أن يضم ضعف القيمة إلى الدية فيصير عشرين ألفا ، ثم يفدي ما بإزاء الضعف ، وذلك نصف الدية فلما كان للآخر وصية من مثل وصيته وجب أن يزاد مثل وصيته لمكان حق الموصى له ، وذلك خمسة آلاف ويزاد ضعف ذلك لمكان حق الورثة لأنه إذا أراد الوصية يزاد ضعف ذلك فيصير كله خمسة وثلاثين ألفا ، ثم يفدي حصة الضعفين وحصة الوصية فذلك خمسة وعشرون وهو خمسة أسباع العبد فإن كل سبع من خمسة وثلاثين خمسة فيأخذ الموصى له بثلث المال سبع الدية والورثة أربعة أسباعه ، وقد جاز له العفو في سبعي العبد فيستقيم الثلث والثلثان وأشار في الأصل إلى طريق آخر فقال السبيل أن تنظر إلى الدية فتزيد عليها مثل ما لو ترك المجروح من المال لكان يجوز العفو والوصية كلاهما ، ثم تفدي ذلك القدر لأن بانعدامه امتنع تنفيذ كلا العفو والوصية ، وذلك خمسة وعشرون ألفا لأن الميت لو كان له خمسة وعشرون ألفا جازت الوصية والعفو لأنه يسلم للمولى العبد وقيمته خمسة آلاف ويأخذ صاحب الثلث خمسة آلاف ويبقى للورثة [ ص: 107 ] عشرون ألفا فلما كان بوجود خمسة وعشرين ألفا يكون إمكان تنفيذ الوصيتين فيجب أن يضع ذلك المقدار على الدية ، ثم يضم على ذلك .

وعلى طريق الدينار والدرهم السبيل أن تجعل العبد دينارا ودرهما فتجيز العفو في الدينار وتفدي الدرهم بمثله ويصير في يد الورثة درهمان تعدل خمسة دنانير لأن حاجة الورثة إلى أربعة دنانير وحاجة الموصى له بالثلث إلى دينار فاقلب الفضة وعد إلى الأصل فقل قد كنا جعلنا العبد دينارا ودرهما الدرهم خمسة والدينار اثنان فذلك سبعة أجزنا العفو في الدينار ، وذلك سهمان وفدى الدرهم ، وذلك خمسة أسهم بمثله ، وذلك عشرة ، ثم يسلم للموصى له بالثلث سهمان وثمانية للورثة .

وطريق الجبر فيه أن تجعل العبد مالا وتجيز العفو في شيء وتبطله في مال إلا شيئا فتفديه بمثله ، وذلك مالان إلا شيئين يعدل خمسة أشياء وبعد الجبر مالان يعدل سبعة أشياء فالمال الواحد يعدل ثلاثة أشياء ونصفا ، وقد جوزنا العفو في شيء منه وشيء من ثلاثة ونصف سبعاه فعرفنا أن العفو إنما جاز في السبعين وطريق الخطأين فيه أن تجعل العبد على سبعة وتجيز العفو في أربعة وتبطله في ثلاثة ، ثم تفدي ذلك بمثليه فيصير في يد الورثة ستة ، وإنما حقهم مع حق الموصى له في عشرين أربعة للموصى له وستة عشر للورثة فقد ظهر الخطأ بنقصان أربعة عشر فعد إلى الأصل وأجز العفو في ثلاثة أسباعه وأبطله في أربعة أسباعه فيفدى ذلك بثمانية وحاجة الورثة مع الموصى له إلى خمسة عشر فيكون للموصى له ثلاثة وللورثة اثنا عشر فقد ظهر الخطأ الثاني بنقصان سبعة وكان الخطأ الأول بنقصان أربعة عشر فلما نقصنا سهما ارتفع من الخطأ سبعة يجب أن تنقص سهما آخر ليرتفع جميع الخطأ فتجيز العفو في السبعين وتبطله في خمسة أسباعه فيفدى ذلك بمثليه وهو عشرة أسهم للموصى له من ذلك سهمان وللورثة ثمانية فقد نفذنا الوصية في أربعة أسهم وسلم للورثة ثلاثة أسهم فاستقام الثلث والثلثان .

ولو كانت قيمة العبد ستة آلاف فإنه يفدي ثلاثة أرباعه بثلاثة أرباع الدية ، وذلك سبعة آلاف وخمسمائة ستة آلاف منها للورثة وألف وخمسمائة للموصى له لأنه لو لم يكن هنا وصية سوى العفو لكان يؤخذ ضعف القيمة ويضم إلى الدية فيصير اثنين وعشرين ألفا ، ثم تفدى حصة الضعف ، وذلك ستة أسهم من أحد عشر فلما كان هنا وصية مثل العفو وجب أن يزداد على اثنين وعشرين ألفا مثل القيمة لمكان الوصية ، وذلك ستة آلاف ومثلي ذلك لمكان حق الورثة فتصير الجملة مائة وأربعين ألفا فيجب عليه أن يفدي حصة الضعفين وحصة الوصية ، وذلك ثلاثون من أربعين فيكون ثلاثة أرباع العبد [ ص: 108 ] وقيمته أربعة آلاف وخمسمائة يفديه بمثله ومثل ثلثيه لأن الدية من القيمة هكذا فذلك سبعة آلاف وخمسمائة ويسلم للمولى بالعفو ربع العبد قيمته ألف وخمسمائة ويأخذ الموصى له بالثلث مثل ذلك ألفا وخمسمائة فحصل تنفيذ الوصيتين في ثلاثة آلاف ويسلم للورثة ستة آلاف فيستقيم الثلث والثلثان وهو يخرج مستقيما على الطريق الآخر الذي أشار إليه محمد رحمه الله في الأصل وعلى طريق الحساب على النحو الذي ذكرنا في الفصل الأول ، ولو كانت قيمته ألف درهم فإنه يفدى ثلث العبد بثلث الدية ويأخذ الموصى له من ذلك ستمائة وستة وستين وثلثين ويسلم للورثة ألفان وستمائة وستون وثلثان لأنه لو لم يكن هنا وصية لكان يؤخذ ضعف القيمة ألفان فيضم إلى الدية فيكون اثني عشر ألفا ، ثم يفدي حصة الضعف وهو السدس فلما أوصى بثلث ماله وجب أن يؤخذ مثل القيمة لمكان الموصى له وهو ألف ويؤخذ ضعف ذلك لحق الورثة ويزيد كله على الدية فيصير خمسة عشر ألفا ، ثم يفدي حصة الضعفين وحصة الوصية ، وذلك خمسة من خمسة عشر وهو الثلث فصار للمولى بالعفو ثلثا العبد قيمته ستمائة وستة وستون وثلثان ، وقد فدى ثلاثة بثلث الدية ، وذلك ثلاثة آلاف وثلث ألف فيأخذ الموصى له بالثلث ثلث الألف ويبقى للورثة ألفان وثلثا ألف .

وقد نفذنا الوصيتين في ألف وثلث ألف فاستقام الثلث والثلثان ، ولو كانت قيمة العبد ألف درهم وأوصى لرجل بربع فدى أربعة أجزاء وربع جزء من أربعة عشر جزءا وربع جزء من العبد بحصة ذلك من الدية لأنك تأخذ ضعف القيمة ، وذلك ألفان وتأخذ ثلاثة أرباع القيمة لأجل الموصى له لأن الوصية مثل ثلاثة أرباع وصية صاحب العفو فإنه أوصى له بربع المال والربع مثل ثلاثة أرباع الثلث فخذ ثلاثة أرباع الألف لأجل الموصى له وضعف ذلك لأجل الورثة فذلك كله ألفان وربع الألف ضم هذا كله إلى الدية مع ضعف القيمة فتكون الجملة أربعة عشر ألفا وربع ألف ، ثم يفدي ما بإزاء الضعفين ، وما بإزاء وصية صاحب الربع ، وذلك جزء وربع جزء من أربعة عشر جزءا وربعا بحصته من الدية فيحصل للورثة ثلاثة أجزاء ونصف من أربعة عشر وربع وللموصى له ثلاثة أرباع سهم من أربعة عشر وربع من الدية ، أو تقول بطل العفو في أربعة وربع من أربعة عشر وربع من العبد ويفديه بعشرة أمثاله ، وذلك اثنان وأربعون ونصف فيكون للموصى له سبعة ونصف وللورثة خمسة وثلاثون ، وقد أجزنا العفو في عشرة وأعطينا للموصى له ثلاثة أرباع ذلك وهو سبعة ونصف فقد نفذنا الوصية له في سبعة عشر ونصف وسلم للورثة خمسة [ ص: 109 ] وثلاثون فاستقام الثلث والثلثان ، ولو أوصى بالسدس وقيمة العبد ألفان فدى سبعة أجزاء من سبعة عشر جزءا من العبد بحصته من الدية فيكون للموصى له جزء وللورثة سبعة أجزاء لأنك تزيد على الدية ضعف القيمة ، وذلك أربعة آلاف لمكان العفو ويزيد عليه مثل نصف القيمة لحق الموصى له بالسدس لأن حقه مثل نصف حق صاحب العفو يزيد عليه ضعف ذلك لحق الورثة ، وذلك ألفان فمبلغ الضعفين والوصية سبعة آلاف . فإذا ضممت ذلك إلى الدية يصير سبعة عشر ألفا فيفدي من ذلك حصة الضعفين والوصية ، وذلك سبعة أجزاء من سبعة عشر جزءا من العبد بخمسة أمثالها لأن الدية خمسة أمثال القيمة وخمسة أمثال السبعة يكون خمسة وثلاثين فيأخذ الموصى له بالسدس من ذلك خمسة ، وقد سلم له صاحب العفو عشرة فحصل تنفيذ الوصيتين في خمسة عشر ، وقد سلم للورثة ثلاثون .

وعلى طريق الدينار والدرهم تجعل العبد دينارا ودرهما وتجيز العفو في الدينار ، ثم تفدي الدرهم بخمسة أمثاله فذلك خمسة دراهم فصار في يد الورثة خمسة دراهم تعدل ثلاثة دنانير ونصفا وللورثة ثلاثة دنانير وللموصى له بالسدس نصف دينار أضعفه لمكان الكسر فيصير عشرة دراهم تعدل سبعة دنانير ، ثم عد إلى الأصل ، وقد كنا جعلنا العبد دينارا ودرهما فذلك سبعة عشر الدينار عشرة والدرهم سبعة ، ثم صححنا العفو في الدينار ، وذلك عشرة وأبطلناه في الدرهم وهو سبعة فنفديه بخمسة أمثاله ، وذلك خمسة وثلاثون فيكون للموصى له خمسة وللورثة ثلاثون .

وعلى طريق الجبر السبيل أن تجيز العفو في شيء وتبطله في مال إلا شيئا فتفديه بخمسة أمثاله فيصير في يد الورثة خمسة أموال إلا خمسة أشياء تعدل ثلاثة أشياء ونصف شيء وبعد الجبر خمسة أموال تعدل ثمانية أشياء ونصف شيء ، وفيه كسر فأضعف فيصير عشرة أموال يعدل سبعة عشر شيئا والمال الواحد يعدل شيئا وسبعة أجزاء من عشرة من شيء فقد انكسر بالأعشار فاضربه في عشرة فتبين أن العفو إنما صح في عشرة أسهم من سبعة عشر من العبد ، وأنه يفدي سبعة أجزاء بخمسة أمثاله من الدية والتخريج كما بينا

رجل وهب عبدا لرجل في مرضه ، ثم إن العبد قتل الواهب خطأ ، ولا مال للواهب غير ذلك فإن الموهوب له يخير بين الدفع والفداء لأنه مالك العبد وتصرف المريض فيما يحتمل النقص يكون نافذا قبل موته فإن اختار الدفع دفع العبد كله نصفه بحكم نقص الهبة ونصفه بالجناية لأن الهبة في ثلث العبد جائزة في ثلث العبد ، ثم يدفع الموهوب له ذلك الثلث بالجناية فيزداد مال الواهب وهو السهم الدائر فتطرح من أصل نصيب الورثة سهما وتجعل العبد على [ ص: 110 ] سهمين فتصح الهبة في أحدهما فتدفعه بالجناية فيحصل للورثة سهمان ، وقد نفذنا الهبة في سهم فاستقام ويستوي إن قلت قيمته ، أو كثرت عند اختيار الدفع ، وإن اختار الفداء فإن كانت قيمته خمسة آلاف أو أقل فالهبة جائزة في جميع العبد لأنه إذا فداه بعشرة آلاف كان العبد خارجا من الثلث .

وإن كانت قيمته ستة آلاف جازت الهبة في ثلاثة أرباع العبد لأنا نجعل العبد في الأصل ثلاثة أسهم ونجيز الهبة في سهم ، ثم يفدى ذلك السهم بمثله ومثل ثلثيه لأن الدية من القيمة هكذا فيزداد في مال الواهب سهم وثلثان فالسبيل أن تطرح من نصيب الواهب سهما وثلثين فيبقى ثلث سهم ونصيب الموهوب له سهم . فإذا جعلت كل ثلث سهما صار العبد على أربعة نصيب الموهوب له ثلاثة فتجوز الهبة في ثلاثة أسهم من أربعة ، ثم تفدى ذلك بمثلها ومثل ثلثيها ، وذلك خمسة فيصير لورثة الواهب ستة أسهم لأنا نفذنا فيه الوصية .

وعلى الطريق الآخر الذي نقدم بيانه نقول لو كان للميت ألفان سوى العبد لكانت تجوز الهبة في جميع العبد لأنه يفديه بالدية الكاملة عشرة آلاف فيسلم للورثة اثني عشر ألفا ، وقد نفذنا الهبة في ستة آلاف فيبطل من الهبة بحساب ما عدمناه وهو ربع الجملة إذا ضممت الألفين إلى القيمة فنفذنا الهبة في ثلاثة أرباع قيمته أربعة آلاف وخمسمائة ، ثم يفدى ذلك بثلاثة أرباع الدية وهو سبعة آلاف وخمسمائة . فإذا ضممت إليه ربع العبد وقيمته ألف وخمسمائة كان تسعة آلاف ضعف ما نفذنا فيه الهبة ، ولو كانت قيمته عشرة آلاف واختار الفداء جازت الهبة في النصف لأن الدية مثل العبد فحكم الدفع والفداء فيه سواء ، ولو كانت قيمته عشرين ألفا جازت الهبة في خمس العبد لأنا نجعل العبد على ثلاثة ونجوز الهبة في سهم ، ثم نفدي ذلك السهم بمثل نصفه لأن الدية مثل نصف العبد فإنما يزداد مال الواهب بنصف سهم فيطرح من نصيب الواهب نصف سهم يبقى سهم ونصف سهم ونصيب الموهوب له سهم . فإذا ضعفت الكسر بالأنصاف صار العبد على خمسة ، وإنما تجوز الهبة في خمسه مقدار ذلك ثمانية آلاف وتبطل في ثلاثة أخماسه مقدار ذلك اثنا عشر ألفا ، ثم تفدي الخمسين بخمسي الدية أربعة آلاف . فإذا ضممت ذلك إلى ثلاثة أخماس العبد يسلم للورثة ستة عشر ألفا ، وقد نفذنا الهبة في ثمانية آلاف فاستقام .

ولو كانت قيمته ثلاثين ألفا جازت الهبة في ثلاثة أثمانه لأنا نجعل العبد على ثلاثة ونجيز الهبة في سهم ، ثم نفدي ذلك بثلث سهم فاطرح من نصيب الواهب ثلث سهم يبقى له سهم وثلثا سهم وللموهوب له سهم . فإذا جعلت كل ثلث سهما صار نصيب وارث الواهب خمسة ونصيب الموهوب له [ ص: 111 ] ثلاثة فيكون العبد على ثمانية ، ثم يفدي الموهوب له الثلاثة بسهم فيصير للورثة ستة ، وقد نفذنا الهبة في ثلاثة

ولو أن رجلا وهب لرجل عبدا في مرضه وقيمة العبد عشرة آلاف ، ثم إن العبد قتل الواهب خطأ وعلى الواهب دين فإن كان عشرة آلاف ، أو أكثر فالهبة باطلة لأن العبد كله مشغول بالدين وبطلت بالجناية أيضا لأنه جنى على مولاه فإن كان الدين خمسة آلاف رد ثلاثة أرباعه لأن نصف العبد مشغول بالدين فلا تجوز الهبة فيه ونصفه فارغ فاجعل ذلك النصف كعبد على حدة فتجوز الهبة في نصف ذلك النصف كما في الفصل الأول .

ولو كان عليه من الدين ستة آلاف جازت الهبة في خمس العبد ونفديه بخمس الدية لأن الهبة تبطل بحصة الدين ، وذلك ثلاثة أخماس العبد بقي من العبد خمساه قيمته أربعة آلاف . فإذا جعل ذلك القدر كأنه عبد على حدة فيرد نصف ذلك بحكم نقص الهبة وتجوز الهبة في نصفه وهو ألفا درهم فنفديه بذلك القدر من الدية لأن الدية هنا مثل القيمة فيستوي حكم الدفع والفداء والأصل فيه أن ننظر إلى حصة الدين فنبطل الهبة بقدره ، ثم نجوز الهبة في نصف الباقي سواء اختار الدفع ، أو الفداء لأنهما سواء .

وإن كان الواهب ترك مالا فإن التركة تضم إلى قيمة العبد ، ثم تنفذ الهبة من جملة ذلك وبيانه أنه لو ترك الواهب خمسة آلاف فإن الهبة تجوز في ثلاثة أرباعه لأن مال الميت خمسة عشر ألفا فاجعلها على ثلاثة أسهم فأجز الهبة في سهم وأبطلها في سهمين ، ثم تدفع ذلك السهم فيزداد مال الواهب فتطرح من نصيب الواهب سهما فصار المال كله على سهمين ، ثم تجوز الهبة في سهم ، وماله خمسة عشر ألفا فإنما تجوز الهبة في نصف ذلك وهو ثلاثة أرباع العبد قيمته سبعة آلاف وخمسمائة .

ولو كان ترك الواهب عشرة آلاف جازت الهبة في جميع العبد لأنك تجعل مال الميت بعد طرح سهم الدور على سهمين فيكون نصف ماله مثل العبد فلهذا جازت الهبة في جميع العبد لأنك تجعل مال الميت بعده فيسلم للورثة عشرون ألفا ، وقد نفذنا الهبة في عشرة آلاف فاستقام

ولو أن مريضا وهب عبده لرجل وقيمته ألف درهم ، ثم قتله العبد ، ثم أعتقه الموهوب له ، أو باعه فإن كان يعلم بالجناية فهو ضامن للدية ، وإن لم يعلم فعليه القيمة لأنه إذا كان عالما فهو مختار للدية . وإذا لم يكن عالما فهو مستهلك للعبد في الموضع الذي كان مختارا للعبد خارجا من الثلث لأن مال الميت أحد عشر ألفا ، وفي الموضع الذي كان مستهلكا يغرم قيمته وثلث قيمته لأنه وجب عليه القيمة بسبب الجناية فيصير مال الميت ألفي درهم فتجوز الهبة في ثلث ذلك وهو ثلثا العبد فيغرم ثلث القيمة [ ص: 112 ] لتعذر بعض الهبة في ثلث العبد بتصرفه وجميع القيمة بسبب الجناية ، وإن كانت قيمة العبد خمسة آلاف . فكذلك الجواب على ما خرجنا ، فإن كانت قيمته أكثر من خمسة آلاف فإن كان يعلم بالجناية تضم الدية إلى الرقبة فتجوز الهبة له في ثلث ذلك وبيانه إن كانت قيمته عشرين ألفا فإن الدية تضم إلى الرقبة فيصير مال الواهب ثلاثين ألفا تجوز الهبة للموهوب له في ثلث ذلك وهو عشرة آلاف ويغرم ما بقي إلى تمام قيمة العبد وهو عشرة آلاف فيسلم لورثة الواهب مع الدية عشرين ألفا ، وإن كان لم يعلم بالجناية فإنه يغرم عشرة آلاف درهم لأن قيمة العبد في الجناية لا تكون أكثر من ذلك كما لم لو كان مجنيا عليه فيصير مال الواهب ثلاثين ألفا غير عشرة فيسقط عن الموهوب له ثلث ذلك ، ولو مات العبد في يد الموهوب له والقتل عمدا ، أو خطأ فهو سواء وجنايته هدر لأن جنايته متعلقة برقبته فبالموت يبطل حكم الجناية ويبقى حكم الهبة فعلى الموهوب له أن يغرم ثلثي قيمته .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 30-12-2025, 03:41 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون

صـــ112 الى صـــ 121
(592)






ولو أنه قتل الموهوب له ولم يقتل الواهب فإن جنايته هدر لأنه جنى على مالكه وكذلك لو قتل الواهب والموهوب له جميعا فجنايته على الموهوب له هدر وعلى الواهب معتبرة وصار كأنه لم يجن إلا على الواهب فيخير ورثة الموهوب له بين الدفع والفداء كما لو كان يخير الموهوب له لو كان حيا ، ولو أن مريضا وهب عبده وقيمته ألف درهم فقتل العبد الواهب ورجلا أجنبيا قيل للموهوب له ادفع العبد إليهما ، أو افده فإن اختار الدفع رد ثلاثة أخماسه على الورثة بنقص الهبة وتجوز الهبة في خمسه ، ثم يقال له ادفع الخمسين إلى ورثة الواهب وورثة الأجنبي بالجناية لأن الهبة تجوز في ثلث العبد وهو سهم من ثلاثة ، ثم يدفع ذلك السهم بالجناية إليهما فيقع فيه الكسر فيجعل على العبد ستة وتجوز الهبة في سهمين ، ثم يدفع إلى كل واحد منهما سهما بالجناية فيزداد مال الواهب بسهم فتطرح من نصيب ورثة الواهب سهما فيصير على خمسة ، ثم تجوز الهبة في سهمين وتبطله في ثلاثة ، ثم تدفع إلى كل واحد منهما سهما فيصير للورثة أربعة مثل ما نفذنا فيه الوصية ، ثم يقال للورثة ادفعوا الثلاثة الأسهم إلى الأجنبي بالجناية لأن الهبة لما فسخت في تلك الثلاثة صارت جنايته على الواهب هدرا وعلى الأجنبي معتبرة .

فإذا دفع الورثة تلك الثلاثة ، أو فدوا رجعوا على الموهوب له بقيمة ذلك لأن تلك الثلاثة الأسهم قد تلفت بسبب كان عند الموهوب له ، وفي ضمانه فصارت كأنها تلفت في يده فإن اختار الفداء فإنه يفدي لكل واحد منهما بعشرة آلاف وكذلك إن اختار الفداء للواهب والدفع إلى الآخر ، وإن قال أنا أدفع إلى [ ص: 113 ] ورثة الواهب وأفدي لورثة الأجنبي فإن الهبة تجوز في خمسة وتبطل في ثلاثة أخماسه وصارت المسألة في الحاصل على أربعة أوجه إما أن يختار الفداء إليهما أو الفداء للواهب والدفع إلى الأجنبي ، أو كان على العكس فإن اختار الدفع إليهما ، أو إلى الأجنبي ، أو إلى الواهب خاصة جازت الهبة في خمسيه فإن اختار الفداء إليهما وللواهب جازت الهبة في الكل لأن باختياره الفداء تظهر الزيادة في مال الواهب على وجه تخريج العبد من الثلث فإن اختار الفداء لهما وقيمته ستة آلاف فإنه يرد ربع العبد ، ثم يفدي لكل واحد منهما ثلاثة أرباع الدية لأنه لو قتل الواهب ولم يقتل الأجنبي جازت الهبة في ثلاثة أرباعه عند اختيار الفداء . فكذلك إذا قتل الأجنبي معه لأن بحكم جناية الأجنبي لا يتغير ما لم يتعين مقدار ما جازت الهبة فيه . فإذا جازت الهبة على ثلاثة أرباعه فدى لكل واحد منهما بثلاثة أرباع الدية ويرد الهبة في ربع العبد فيقال لوارث الواهب ادفع الربع إلى وارث الأجنبي ، أو افده بربع الدية لأن حكم جنايته على الواهب يقابل ذلك الربع لأنه جنى على مولاه ولم يبق في ذلك الربع إلا جناية الأجنبي فيدفع الوارث ، أو يفديه ، ثم يرجع بالأقل على الموهوب له لأنه تلف بسبب كان في ضمانه .

ولو وهب عبده في مرضه من رجل وقيمته خمسة آلاف أو أقل ، ثم إن العبد ورجلا أجنبيا قتلا الواهب خطأ فعلى الأجنبي خمسة آلاف لأنه أتلف نصف النفس بجنايته ويقال للموهوب له ادفعه ، أو افده فإن اختار الدفع دفعه كله بالجناية لأن الهبة تجوز في جميع العبد لأن مال المولى هنا عشرة آلاف لأن العبد قيمته خمسة آلاف ونصف الدية التي أخذت من الأجنبي خمسة آلاف فذلك عشرة آلاف فيحتاج أن يجعل مال الميت على ثلاثة أسهم وتجوز الهبة في سهم ، ثم يدفع ذلك بالجناية فيزداد مال الميت بسهم واحد فيطرح من نصيبه سهم فيصير ماله سهمين وتجوز الهبة في سهم وهو نصف المال ، وماله عشرة آلاف فنصفه خمسة آلاف فتبين أن الوصية تجوز في خمسة آلاف وهو العبد كله ، ثم يدفعه بالجناية فيصير للورثة عشرة آلاف مثل ما نفذنا فيه الوصية فإن اختار الفداء جازت الهبة في جميع العبد لأنه يفديه بخمسة آلاف .

وإن اختار الدفع جازت الهبة في جميع العبد أيضا لأنه يفديه بخمسة آلاف فإن العبد أتلف بجنايته نصف النفس فيصير مال الميت سوى العبد عشرة آلاف وتبين خروج العبد من الثلث ، ولو كانت قيمة العبد عشرة آلاف فاختار دفعه رد الربع بنقص الهبة ودفع ثلاثة أرباعه بالجناية لأن مال الميت خمسة عشر ألفا العبد وقيمته عشرة آلاف ونصف الدية التي [ ص: 114 ] أخذت من الأجنبي فذلك خمسة عشر ألفا اجعلها على ثلاثة أسهم واجبر الهبة في سهم ، ثم ادفعه بالجناية فيزداد مال الميت فاطرح من نصيب الميت سهما فيصير ماله على سهمين وتجوز الهبة في نصفه ، وذلك سبعة آلاف وخمسمائة وهو ثلاثة أرباع العبد ، ثم يدفع بالجناية فيصير للورثة خمسة عشر ألفا ، وإن اختار الفداء فدى ثلاثة أخماسه بثلاثة آلاف ورد خمسه بنقص الهبة لأنا نجعل المال كله وهو خمسة عشر على ثلاثة أسهم ، ثم نجيز الهبة في سهم ، ثم نفدي ذلك السهم بمثل نصيبه فيصير في يد الورثة سهمان ونصف فاطرح من نصيبهم نصف سهم فيبقى للورثة سهم ونصف وللموهوب له سهم واحد فذلك سهمان ونصف فقد وقع فيه كسر فأضعفه فيصير خمسة ، ثم جازت الهبة في خمس ذلك وهو ستة آلاف لأن ماله خمسة عشر ألفا كل خمس ثلاثة آلاف وخمساه ستة آلاف ، وذلك ثلاثة أخماس العبد لأن قيمة العبد عشرة آلاف فثلاثة أخماسه ستة آلاف ، ثم تفديه بمثل نصفه ، وذلك ثلاثة آلاف فيصير للورثة اثنا عشر ألفا مثلي ما نفذنا فيه الوصية ويتيسر تخرجه على سائر الطرق أيضا ، وقد تركناه كراهية التطويل

ولو وهب في مرضه عبدا لرجل وقبضه الموهوب له ، ثم جنى على الواهب جناية خطأ فعفا عنها ، ثم مات منها وقيمة العبد ألف فاختار الموهوب له دفعه فإنه تجوز الهبة في خمسه ويدفع أربعة أخماسه واعلم بأنه جمع في هذا الفصل بين الهبة والعفو عن الجناية بعد ما ذكر فصولا في العفو عن الجناية خاصة ، ثم فصولا في الهبة من غير عفو عن الجناية فنقول إذا كانت الجراحة عمدا فالعفو صحيح لأنه أبطل القصاص والقصاص ليس بمال ، وإنما بقي حكم الهبة فيجوز في الثلث ويبطل في الثلثين . فأما إذا كانت الجناية خطأ فإنما تجوز الهبة للموهوب له في سهم ، ثم يجوز العفو في ذلك السهم أيضا فتصير وصيته سهمين فلا بد من أن يكون للورثة أربعة أسهم والسبيل أن نجعل العبد على خمسة فتصير الهبة في سهم ، ثم نجيز العفو في ذلك السهم أيضا ونبطل الهبة في أربعة فقد بطلت الجناية في تلك الأربعة فصار للورثة أربعة أسهم وللموهوب له سهم واحد وهو في الحكم سهمان فيستقيم الثلث والثلثان .

وعلى طريق الدينار والدرهم السبيل أن نجعل العبد دينارا ودرهما ونجيز الهبة في الدينار ، ثم نجيز العفو في ذلك الدينار ونبطل الهبة في الدرهم فيصير للورثة درهمان تعدل أربعة دنانير لأنا نفذنا الوصية في الدينارين فاقلب الفضة وعد إلى الأصل وقل قد كنا جعلنا العبد دينارا ودرهما والدرهم أربعة والدينار واحدا ، وذلك خمسة ، ثم أجزنا الهبة في الدينار ، وذلك خمس العبد على ما بينا .

وعلى طريق الجبر السبيل [ ص: 115 ] أن نجيز الهبة في شيء ، ثم نجيز العفو في ذلك الشيء ونبطله في مال إلا شيئا فصار للورثة مال إلا شيئا يعدل أربعة أشياء وبعد الجبر يعدل خمسة أشياء ، وإنما جوزنا الهبة في شيء من خمسة وهو خمسه ويدفع أربعة أخماسه ، وإن اختار الفداء فإن الهبة تجوز في جميع العبد ويفدي ثلاثة بثلث الدية لأنه لو لم تكن هنا الهبة وكان العبد للموهوب له فجنى على المريض وعفا عنه فإنه يجب عليه أن يفديه بسدس الدية للمعنى الذي بيناه أنه يؤخذ ضعف القيمة فيضم إلى الدية فيصير اثني عشر ألفا ، ثم يفدى ما بإزاء الضعف ، وذلك السدس بسدس الدية فهنا لما كانت الهبة والعفو جميعا فقد اجتمعت الوصيتان فيجب أن يفديه بضعف ذلك السدس لمكان الهبة وسدس لمكان العفو فذلك ثلث الدية فيسلم للورثة ثلاثة آلاف وثلث ألف ، وقد نفذنا الوصية في ألف وثلثي ألف ألف بالهبة وثلثا ألف بالعفو فيستقيم الثلث والثلثان ، ولو كانت قيمته أكثر من عشرة آلاف واختار الدفع فإن كانت قيمته عشرين ألفا جاز العفو في ربعه ودفع ثلاثة أرباعه لأنه لو لم يكن هنا هبة كان يؤخذ ضعف الدية ويضم إلى القيمة فيصير أربعين ألفا ، ثم يدفع ما بإزاء الضعف وهو نصف العبد فلما وجدت الهبة هنا فالسبيل أن يوضع مثلا قيمة العبد وهو أربعون ألفا على ذلك فيصير ثمانين ألفا ، ثم يدفع حصة ضعف القيمة وحصة ضعف الدية وهو ثلاثة أرباع العبد فيحصل في يد الورثة ثلاثة أرباع العبد وقيمته خمسة عشر ألفا ويحصل في يد الموهوب له ربع العبد بالهبة ، وذلك خمسة آلاف ، وفيه من الجناية التي جاز فيه العفو ألفان وخمسمائة فذلك سبعة آلاف وخمسمائة .

وعلى طريق الدينار والدرهم السبيل فيه أن تجعل العبد دينارا ودرهما فتجيز الهبة في الدينار ، ثم العفو في نصف ذلك الدينار لأن الجناية مثل نصف العبد وتبطل الهبة في الدرهم فيصير مع الورثة درهم يعدل ثلاثة دنانير لأن تنفيذ الوصية كان في الدينار ونصف الدينار للهبة والنصف للعفو فاقلب الفضة وعد إلى الأصل وقل قد كنا جعلنا دينارا ودرهما فالدينار واحد والدرهم ثلاثة ، ثم أجزنا العفو في الدينار وهو ربع العبد .

وعلى طريق الجبر تجيز الهبة في شيء ، ثم العفو في نصف ذلك الشيء وتبطل الهبة في مال إلا شيئا ، وذلك يعدل ثلاثة أشياء وبعد الجبر المال يعدل أربعة أشياء ، وقد أجزنا الهبة في شيء فذلك ربع العبد .

ولو كانت قيمته ثلاثين ألفا فاختار الدفع دفع منه ثمانية أجزاء من أحد عشر جزءا والوجه فيه أن تضعف الدية وهي عشرون ألفا والقيمة وهي ستون ألفا تضمها إلى القيمة أيضا فتصير مائة ألف وعشرة فما أصاب حصة ضعف القيمة وضعف الدية يدفعه [ ص: 116 ] وذلك ثمانون ألفا فيكون ثمانية أجزاء من أحد عشر جزءا من العبد وسلم له ما بقي ، وإن كانت قيمته أربعين ألفا فإنه يدفع خمسة أسباع العبد وتجوز الهبة في سبعة لأنا نأخذ ضعف الدية فنضمه إلى القيمة فيصير ستين ألفا ، ثم نزيد عليه مثل القيمة مائة ألف وأربعين ألفا فما أصاب حصة ضعف القيمة وضعف الدية ، وذلك مائة ألف يدفعه ، وذلك خمسة أسباع العبد كل سبع عشرون ألفا ، ثم نجيز الهبة في سبعين والعفو في نصف سبع فيحصل تنفيذ الوصية في سهمين ونصف ويسلم للورثة خمسة .

ولو كانت قيمته ألفا واختار الفداء فنقول لو لم يكن هنا العفو لجازت الهبة في جميع العبد لأنه يفديه بعشرة آلاف ويخرج العبد من الثلث ، ولو لم تكن الهبة وكان العفو بانفراده فكان يؤخذ ضعف القيمة ويضم إلى الدية ، ثم يفدى حصة الضعف وهو السدس . فإذا اجتمعا فلا بد من أن يفدي الهبة بسدس العبد فيصير الفداء كله في الثلث لأن الهبة مثل الوصية بالعفو . فإذا فداه بالثلث حصل للورثة ثلث الدية وحصل للموهوب له ثلث العبد بالهبة وثلثاه بالعفو وهو نصف ما حصل للورثة فيستقيم الثلث والثلثان .

وعلى طريق الدينار والدرهم السبيل أن تجعل العبد دينارا ودرهما ، ثم تجيز الهبة في الدينار والدرهم لأن العفو لا يتبين ما لم تجز الهبة في الكل ، ثم تجيز العفو في الدينار وتبطله في الدرهم فتفدي الدرهم بعشرة أمثاله فيصير للورثة عشرة دراهم تعدل أربعة دنانير فاقلب الفضة وعد إلى الأصل وقل قد كنا جعلنا العبد دينارا ودرهما والدرهم أربعة والدينار ثمانية فذلك اثنا عشر ، وقد أجزنا الهبة في الدرهم ، وذلك أربعة ، ثم فداه بعشرة أمثاله ، وذلك أربعون فيستقيم الثلث والثلثان ، وهذا التخريج ما دامت قيمة العبد أقل من خمسة آلاف .

وإن كانت قيمته خمسة آلاف ، أو أكثر فإنا نجعل العفو كأن لم يكن ونعتبر الهبة خاصة فنقول لو لم يكن العفو جازت الهبة في الكل لأنه يخرج من الثلث فلو أجزنا شيئا من العفو بنقص الفداء وباعتباره تنتقص الهبة . وإذا انتقصت الهبة انتقص ماله فلهذا أبطلنا حكم العفو عن الجناية .

أو نقول لو لم يكن هناك هبة لكان يفديه بنصف الدية للمعنى الذي قلنا إنه يفدى بمقدار الضعف وهو النصف . فإذا كان هنا هبة فلا بد من أن يفدى بمثله أيضا ، وذلك جميع الدية
ولو وهب عبده في مرضه لرجل فقتل العبد الواهب عمدا وله وليان فعفا أحدهما قيل للموهوب له ادفعه ، أو افده فإن اختار دفعه رد ثلاثة أخماسه بنقص الهبة ويدفع أحد الخمسين الباقيين إلى الذي لم يعف ويسلم له الخمس ويقتسم الاثنان الأربعة الأخماس بينهما على اثني عشر سهما يضرب فيها الذي لم يعف [ ص: 117 ] بسبعة والذي عفا بخمسة ، وفي المسألة حكمان حكم بين الموهوب له وبين الوارثين وحكم فيما بين الوارثين . فأما الحكم بينهما وبين الموهوب له فالسبيل أن يجعل العبد على ثلاثة أسهم وتجيز الهبة في سهم وتبطلها في سهمين ، ثم يدفع نصف ذلك السهم بالجناية فوقع فيه كسر فضعفه فيصير ستة ، ثم تجيز الهبة في سهمين وتبطلها في أربعة ، ثم تدفع سهما واحدا بالجناية لأنه عفا أحدهما وبقي حق الذي لم يعف . فإذا دفع ذلك السهم بالجناية زاد مال الميت فتطرح من نصيب الورثة سهما فيصير العبد على خمسة ، ثم تجيز الهبة في سهمين وتبطلها في ثلاثة ، ثم تدفع سهما بالجناية فيصير للورثة أربعة مثلا ما نفذنا فيه الوصية .

وأما الحكم بين الوارثين فنقول التركة تقسم بعد تنفيذ الوصية على ما تقسم إن لو لم يكن هناك وصية ، ولو لم يكن هنا وصية لكان العبد بينهما نصفين لكل واحد منهما سهمان ونصف ، ثم السهم المدفوع بالجناية للذي لم يعف خاصة لأن ذلك السهم بمنزلة مال على حدة فيصير للذي لم يعف ثلاثة أسهم ونصف وللذي عفا سهمان ونصف فضعفه فيصير نصيب الذي لم يعف سبعة أسهم ونصيب الذي عفا خمسة فذلك اثنا عشر فيستقيم الأربعة الأخماس على ذلك وهذه المسألة بعينها قد أوردها في الإقرار ، وقد بيناها ثمة ، وإن اختار الفداء فإن كانت قيمة العبد ألف درهم فإنه يفدى بخمسة آلاف درهم وتجوز الهبة في الكل لأن مال الميت صار ستة آلاف فيخرج العبد كله من الثلث ويقسم الخمسة آلاف بين الاثنين على اثني عشر سهما للذي لم يعف أحد عشر وللعافي سهم لأنه لو لم يكن هنا وصية لكانت الخمسة للذي لم يعف خاصة والعبد بينهما نصفان فبعد تنفيذ الوصية يضرب الذي لم يعف في الباقي بخمسة آلاف وخمسمائة والعافي بخمسمائة . فإذا جعلت كل خمسمائة سهما يصير ذلك اثني عشر سهما وكذلك إن كانت قيمته ألفي درهم أو ألفين وخمسمائة جازت الهبة في الكل لأنه إذا فداه بخمسة آلاف صار مال الميت سبعة آلاف وخمسمائة فيكون ألفان وخمسمائة مقدار ثلث ماله فيخرج العبد من ثلثه ويقتسم الاثنان الخمسة آلاف يضرب فيها الذي لم يعف بنصف الدية وبنصف قيمة العبد والعافي بنصف قيمة العبد فيكون مقسوما بينهما على ذلك .

وإن كانت قيمته بثلاثة آلاف رد ربع العبد وصارت الهبة في ثلاثة أرباعه فيفديه بثلاثة أرباع نصف الدية لأنا نجعل العبد على ثلاثة ونجيز الهبة في سهم ، ثم نفدي ذلك السهم بمثله ومثل ثلثيه لأن القيمة من نصف الدية هكذا فمقدار ما تجوز الهبة فيه منه ينبغي أن يفديه بذلك المقدار فيزداد مال الميت بسهم وثلثي سهم فاطرح من نصيب الورثة سهما وثلثي سهم فيبقى من نصيبهم ثلث سهم [ ص: 118 ] ومن نصيب الموهوب له سهم . فإذا جعلت كل ثلث سهما صار ذلك أربعة أسهم ، وقد جازت الهبة في ثلثه مقدار ذلك ألفان ومائتان وخمسون وبطلت في سهم فيفدي تلك الثلاثة بمثلها ومثل ثلثيها فيصير للورثة ستة مثل ما نفذنا فيه الوصية ، ثم يقتسم ذلك الاثنان بينهما فيضرب فيه الذي عفا بنصف قيمة العبد والآخر بثلاثة أرباع نصف الدية ونصف قيمة العبد ونجعل ربع العبد سهما في هذه القسمة نصفين يحتسب كل واحد منهما ما أصابه من ذلك مقدار حقه لأن جنس المالين يختلف فلا يتأتى قسمة الكل دفعة واحدة فلا بد من أن يجعل ما بقي من العبد بينهما نصفان كما كان أصل العبد بينهما نصفين لو لم يكن هنا هبة وأجاز محمد رحمه الله في الكتاب طريقا آخر قال السبيل أن يجعل كل ألف على ثلاثة أسهم فيصير نصف الدية خمسة عشر سهما ويصير العبد تسعة أسهم ، ثم نجيز الهبة في ثلث العبد وهو ثلاثة أسهم ، ثم نفدي تلك الثلاثة بمثلها ومثل ثلثيها ، وذلك خمسة فتظهر الزيادة في نصيب الورثة بخمسة أسهم فالسبيل أن نطرح من نصيبهم خمسة فيصير العبد أربعة أسهم للورثة سهم واحد وللموهوب له ثلاثة ، ثم نفدي تلك الثلاثة بمثلها ومثل ثلثيها وهو خمسة فيصير ستة مثلي ما نفذنا فيه الوصية فيستقيم الثلث والثلثان

ولو أن رجلا وهب في مرضه عبدا من رجل ، ثم إن العبد قتل الواهب خطأ وله وليان فعفا عنه الوليان فإن الموهوب له يرد نصف العبد ويجوز له النصف .

والسبيل فيه أن ينظر أنه لو لم يعف كان كم يدفع بالجناية وكم يدفع بحكم نقص الهبة فمقدار ما كان يدفع بحكم نقص الهبة يرد بعض العفو ومقدار ما كان يدفع بالجناية يسلم له لأنهما لما عفوا فقد بطل حكم الجناية ، وإنما بقي حكم الهبة فنقول لو لم يكن العفو لكان يدفع جميع العبد نصفه بحكم نقص الهبة فلما بطل حكم الجناية بالعفو رد النصف بحكم نقص الهبة ويسلم للموهوب له النصف وصار في الحكم كأنه مات عن عبد ونصف ويسلم للموهوب له نصف العبد وللورثة نصف عبد في الظاهر ، وفي الحكم عبد كامل لأنهم استهلكوا نصفه بالعفو

ولو وهب عبده لرجل في مرضه ، ثم إن العبد قتل عبدا للموهوب له وقيمتهما سواء فعفا عنه الأولياء فإن الموهوب له يرد ثلثي العبد ويجوز له الثلث والجناية على عبده باطلة لأنه جنى على عبد مالكه وجناية العبد على مال مالكه خطأ تكون هدرا .

ولو كان الميت ترك عبدين أحدهما الذي جنى والآخر الذي وهب فإن عفو الأولياء بمنزلة قبضهم موجب الجناية ويرد الموهوب له نصف العبد وسلم له النصف هكذا قال في بعض النسخ ، وفي بعض النسخ [ ص: 119 ] قال يرد ثلث العبد وسلم له الثلثان ، وهذا هو الأصح .

وتفسير المسألة أنه لو وهب لرجل عبدا في مرضه ، ثم إن عبدا آخر للموهوب له جنى على الواهب ، ثم عفا الأولياء عنه فإنه يجعل في الحكم كأن الميت ترك عبدين لأن الموهوب له كان مخاطبا بالدفع ، أو الفداء فلما عفا الأولياء صار في الحكم كأنهم استوفوا وحصل للميت عبدان فتجوز الهبة في الثلث وهو ثلثا عبد فتبطل في ثلث عبد فيرد الثلث ويجعل للورثة ثلثا هذا العبد والعبد الآخر الذي سلم لهم بحكم الجناية فيسلم لهم عبد وثلث مثلا ما نفذنا فيه الوصية .

فظهر أن الصحيح ما ذكره في بعض النسخ أنه يرد ثلث العبد ، وهذا كله إذا كانت قيمته عشرة آلاف فإن كانت قيمته عشرين ألفا ، وقد قتل العبد الواهب ، ولا مال له غيره فينبغي أن يعرف أنه لو لم يكن العفو كيف يكون حكمه حتى يبني عليه عند العفو فنقول لو لم يكن العفو لكان يسلم له الخمسان ، ثم يفدي ذلك بخمسي الدية لأنا نجيز الهبة في الثلث ، ثم نفدي ذلك بخمسي الدية لأنا نجيز الهبة في الثلث ، ثم نفدي ذلك الثلث بمثل نصفه فيكون العبد على ستة أسهم نجيز الهبة في سهمين ونفديه بسهم فيصير للورثة خمسة فاطرح من نصيبهم سهما ويبقى للورثة ثلاثة وللموهوب له سهمان فصار العبد على خمسة ، وقد جازت الهبة في خمسة ، ثم يفدي ذلك بسهم واحد فصير للورثة أربعة أسهم وهو يخرج مستقيما أيضا على الطريق الذي ذكره محمد رحمه الله في المسألة المتقدمة بأن نجعل كل ألف ثلاثة أسهم فصارت القيمة ستين والدية ثلاثين ، ثم نجيز الهبة في الثلث وهو عشرون سهما ، ثم نفدي ذلك بعشرة وهو الدائر فيطرح من نصيب الورثة عشرة فصار العبد خمسين سهما ، وقد أجزنا الوصية في عشرين ، وذلك خمسا العبد . وإذا أردت أن تعرف مقداره بالدرهم فقل قد أجزنا الهبة في خمسي العبد ، وذلك ثمانية آلاف وبقي للورثة اثنا عشر ألفا ، ثم تفدي الورثة ذلك بخمسي الدية ، وذلك أربعة آلاف فيصير للورثة ستة عشر ألفا وهو مثلا ما نفذنا فيه الوصية . فإذا عفوا لا يختلف الجواب لأن أربعة آلاف من الفداء كأنها في أيديهم إذا ضممت ذلك إلى ما قبضوا يتبين أن السالم لهم ستة عشر ألفا

. وإذا وهب عبدا في مرضه لرجل ، ثم إن العبد قتل الواهب خطأ وله وليان فعفا عنه أحدهما فإنه يقال للموهوب له ادفع نصفه إلى الذي لم يعف ، أو افده فإن اختار الدفع دفع إلى الذي لم يعف نصفه وإلى العافي ربعه ويبقى له الربع لأنهما لو لم يعفوا كان يدفع جميع العبد إليهما نصفه بالجناية ونصفه بنقص الهبة ، ولو عفوا لكان يدفع إليهما نصفه بنقص الهبة ، ولا يدفع بالجناية شيئا فلما عفا أحدهما [ ص: 120 ] وجب عليه أن يدفع إلى الذي لم يعف نصفه ربعه بالجناية وربعه بنقص الهبة بمنزلة ما لو لم يعفوا ويدفع إلى العافي ربعه بنقص الهبة بمنزلة ما لو عفوا فإن اختار الفداء فداه للذي لم يعف بخمسة آلاف وسلم له العبد كله إذا كانت قيمته قدر ثلث الدية ، أو أقل لأنهما لو لم يعفوا لكان عند اختيار الفداء يسلم له كله بالهبة فلما عفا أحدهما بطل حقه في الجناية وبقي حق الآخر فيفديه بنصف الدية وهو خارج من الثلث لأن قيمته إذا كانت قدر ثلث الدية فمال الميت في الحاصل عشرة آلاف فإن الفداء خمسة آلاف وقيمة العبد ثلاثة وثلث ألف ، وقد استهلك العافي نصف موجب الجناية ، وذلك ألف وثلثا ألف فكأنه في يده فيصير في يد الموهوب له عبد قيمته ثلاثة آلاف وثلث ، وفي يد الورثة ستة آلاف وثلثان فلهذا سلم العبد للموهوب له وأما حكم القسمة فيما بين الاثنين أن نقول يضرب الذي لم يعف بالفداء وبنصف قيمة العبد والعافي يضرب بنصف قيمة العبد وبنصف قيمته أيضا لمكان العفو لأنا جعلنا مال الميت الفداء وهو للذي لم يعف وعبدا بالهبة وهو بينهما ونصف عبد قد استهلكه الآخر بالعفو فيضرب هو به كما يضرب الآخر بالفداء .

وبيان ذلك أنه لو كانت قيمته ألفي درهم ، وقد اختار الفداء بخمسة آلاف فاجعل في الحكم كأن الآخر استوفى نصف العبد وهو ألف درهم فيجمع إلى نصف الدية فيصير ستة آلاف فيقسم بينهما على حساب ما لو لم يكن هناك وصية ، وذلك عبد بالميراث ونصف عبد ونصف الدية بالجناية فيضرب الذي لم يعف بنصف الدية وبنصف العبد ، وذلك ستة آلاف فاجعل كل ألف سهما والآخر يضرب بنصفي عبد ، وذلك ألفان فيكون الكل ثمانية نصيب العافي من ذلك ربع ستة آلاف ، وذلك ألف وخمسمائة ، وقد وصل إليه نصف العبد وهو ألف درهم بالعفو بقي حقه في خمسمائة فيأخذ من الفداء خمسمائة ، ولو كانت قيمة العبد خمسة آلاف واختار الفداء بطلت الهبة في ثلاثة ويرد ثلث العبد إلى الوارثين ، ثم يفدي للذي لم يعف بثلث الدية لأن العبد هنا لا يخرج كله من الثلث فإنه حين كانت قيمته ثلاثة آلاف وثلث ألف استوى الثلث والثلثان فيما ذكرنا من الفداء . فإذا جاوزت قيمته ذلك لم يخرج العبد كله من الثلث فلا بد من اعتبار معنى الآخر فيه والطريق فيه أن نجعل العبد على ثلاثة أسهم تجوز الهبة في سهم وتبطل في سهمين ويفدى السهم الذي جازت الهبة فيه بمثليه لأن الدية ضعف قيمة العبد ، وقد جاز العفو في نصف ذلك السهم فيفدى النصف الآخر بمثله ، وإنما نجعل على ستة لأن الثلث انقسم على نصفين ، ثم نجيز الهبة في سهمين ونفدي [ ص: 121 ] أحدهما بمثليه فيصير في يد الورثة ستة أسهم أربعة من العبد وسهمان من الدية ، وفي الحكم كأنه سبعة فإن العافي قد استهلك سهما واحدا وهو محسوب عليه بمنزلة القائم في يده فقد ازداد مال الميت بثلاثة أسهم لأن حاجتهم إلى أربعة لما نفذنا الهبة في سهمين فهذه الثلاثة هي السهام الدائرة فنطرحها من نصيبهم يبقى في أيديهم سهم من العبد وسهمان من الدية وسهم قد استهلكه العافي فذلك أربعة .

وقد نفذنا الهبة في سهمين فيستقيم الثلث والثلثان وتبين بهذا أن العبد صار على ثلاثة أسهم ، وأن الهبة إنما بطلت في ثلثه وصحت في ثلثيه مقدار ذلك ثلاثة آلاف وثلث ألف ويفدى الثلث بثلث الدية ، وذلك ثلاثة آلاف وثلث ألف ويحصل للورثة ثلث العبد أيضا وقيمته ألف وثلثا ألف ، وقد استهلك العافي ثلثي ألف فذلك كله ستة آلاف وثلثا ألف فيستقيم الثلث والثلثان وأما بيان الحكم فيما بين الوارثين وهو أن يقسم ثلث الدية وثلث العبد بين الاثنين يضرب فيه العافي بنصف القيمة وثلث القيمة أيضا ويضرب الذي لم يعف بنصف القيمة وثلث الدية لأن حق العافي في مال الميت هو العبد الذي تركه الميت ونصف العبد الذي وصل إليه بالجناية فإن الدية إنما وجبت للذي لم يعف ولم يجب للعافي شيء من الدية فلهذا لم يضرب هو بشيء من الدية ، وإنما الآخر هو الذي يضرب بنصف الدية وعلى الطريق الذي يشير إليه محمد رحمه الله في الكتاب السبيل أن تجعل نصف الدية خمسة عشر سهما كل ألف على ثلاثة ونصف العبد الذي استهلكه العافي تسعة ونصفا ، ثم نجيز الهبة في ثلث العبد ، وذلك خمسة أسهم لأن العبد كله صار خمسة عشر سهما . فإذا جازت الهبة في خمسة يفدى ذلك بعشرة لأن الدية ضعف القيمة فيزداد مال الورثة بخمسة أسهم ، وقد استهلك العافي نصف ذلك بالعفو وهو سهمان ونصف فاطرح من نصيب الورثة وهو عشرة سبعة أسهم ونصفا يبقى من نصيبهم سهمان ونصف ونصيب الموهوب له خمسة . فإذا جعلت كل سهمين ونصف سهما يصير العبد على ثلاثة ، وإنما تجوز الهبة في ثلثه وتبطل في ثلثيه ، ثم التخريج كما بينا
ولو أن عبدا لرجل قتل رجلا خطأ وله وليان فدفع نصفه إلى أحدهما والآخر غائب ، ثم مات العبد ، ثم حضر الغائب ، ولا مال للمولى رجع الغائب على القابض بربع قيمة العبد لأنه قبض نصفه لنفسه فكان مضمونا عليه ، وإنما يسلم ذلك النصف له إذا سلم النصف الآخر لشريكه ولم يسلم ، ولا ضمان على المولى للغائب لأن الحق في النصف الباقي كان في رقبة العبد ، وقد مات العبد فتبطل لفوات محله وحكم ضمان المولى لم يذكره في الكتاب والأصح أن [ ص: 122 ] يقال إن كان المولى دفع بقضاء القاضي فلا ضمان عليه ، وإن كان دفع بغير قضاء القاضي فللغائب أن يضمن أيهما شاء ربع قيمة العبد فإن شاء المولى بالتسليم ، وإن شاء القابض بالقبض ، ولو كان المولى فدى النصف من الشاهد بنصف الدية والآخر غائب ، ثم مات العبد فإنهما يقتسمان نصف الدية بينهما نصفين ، ثم يأخذان من المولى نصف الدية أيضا فيقتسمانه نصفين لأنه إذا اختاره من أحدهما فهو اختيار من الآخر لأن النفس واحدة فأيهما حضر فهو خصم عن جميع الورثة ويجعل اختيار المولى الفداء بحضرة أحدهما بمنزلة اختياره الفداء بحضرتهما ، وهذا لأن بالفداء يتحول الحق من الرقبة إلى ذمة المولى .

ولو فدى من أحدهما ، ثم قتل العبد فأخذ السيد قيمته فإنه يدفع نصف القيمة إلى الغائب ، ولا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء قال رضي الله عنه واعلم بأن هذا الجواب في الظاهر متناقض لأنه ذكر أولا أن اختياره الفداء من أحدهما اختيار من الآخر وتجب لهما جميع الدية ، ثم قال إذا قتل العبد بعد ما فداه من أحدهما فإنه يدفع نصف القيمة إلى الغائب فينبغي على قياس الجواب الأول أن يدفع نصف الدية . فأما أن تحمل المسألة على روايتين كما هو في اختياره الدفع فإن اختياره الدفع في حق أحدهما هل يكون اختيارا في حق الآخر فيه روايتان بيناهما في الصلح والجامع ، أو يقال فرق بين قتل العبد وموته كأنه إذا مات فلم يوجد هنا شيء يقوم مقامه فيجعل حقهما متحولا إلى الدية .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 30-12-2025, 03:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون

صـــ122 الى صـــ 131
(593)





فأما إذا قتل فقد وجبت القيمة على القاتل وهو قائم مقام العبد فيتحول من الآخر إلى القيمة ، ويكون حقه في نصف القيمة وحق الأول في نصف الدية ، أو يقال يحتمل أن موضع المسألة فيما إذا كانت قيمة العبد مثل الدية ، أو أكثر فلو دفع المولى نصف العبد إلى أحدهما واختار الفداء في النصف الآخر فقد ذكر في الجامع أن اختيار دفع النصف إلى أحدهما يكون اختيارا في حق الآخر ، وفي كتاب الصلح ذكر أن اختياره دفع ثلث العبد إلى أحدهما بطريق الصلح لا يكون اختيارا في حق الآخر ، وقد وفق بعض مشايخنا رحمهم الله بين الروايتين فقالوا ما ذكر في كتاب الصلح أن المصالحة تجوز بدون حقه ، وإنما اختيار الدفع إليه بناء على هذا .

فأما إذا اختار دفع نصف العبد إليه يكون اختيارا في حق الآخر كما ذكره في الجامع ، ولكن يتبين بما ذكر هنا أن الجواب سواه ، وأن اختيار دفع النصف إلى أحدهما لا يكون اختيارا للدفع في حق الآخر لأنه يقول دفع النصف إلى أحدهما اختيار الفداء في النصف الآخر فصارت المسألة على روايتين وجه تلك الرواية أن الأولياء يقومون مقام الميت والحق في الحاصل للميت فهم [ ص: 123 ] جميعا كشخص واحد في حق ذلك فيكون اختياره في حق البعض اختيارا في حق الكل ووجه هذه الرواية هو أن الحق قد تفرق بين الوليين فصار لكل واحد منهما نصفه ويجعل هذا في الحكم كجناية العبد على شخصين فلا يكون اختيار الدفع في نصيب أحدهما اختيارا للدفع في نصيب الآخر . فإذا اختار الفداء في نصيب الآخر وهو معسر لا يقدر على شيء فإنه يرجع على صاحبه بربع الدية إلا أن يشاء صاحبه أن يعطيه نصف قيمة العبدان كان مستهلكا ، وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله إلا أن مذهبهما إذا كان معسرا كان اختياره باطلا ويجبر على دفع العبد بالجناية فيصير الآخر ضامنا له نصف ما قبضه على وجه التملك وهو ربع قيمة العبد إلا أن يشاء أن يعطيه ربع الدية ، وفي قياس قول أبي حنيفة رحمه الله اختياره صحيح ، وإن كان معسرا ، وقد بينا المسألة في الديات ، وإنما حق الآخر في ذمة المولى يطالبه به إذا أيسر ولا سبيل على شريكه .

ولو وهب المريض عبده لرجل بثلث ماله وقيمته ألف درهم فإن اختار المولى الدفع دفعه كله خمسه بالجناية وأربعة أخماسه بنقض الهبة لأن الهبة إنما تجوز في سدس العبد ووصية الآخر بالسدس أيضا فإن الثلث بينهما نصفين لاستواء حقهما فيه وللورثة أربعة أسهم ، ثم يدفع السهم الذي جازت الهبة فيه بالجناية فيصير للورثة خمسة وحاجتهم إلى أربعة فظهرت الزيادة في نصيبهم سهم وهو السهم الدائر فيطرح ذلك من أصل حقهم يبقى حقهم في ثلاثة وحق الموصى له في سهم وحق الموهوب له في سهم فيكون العبد على خمسة ، ثم يدفع الموهوب له خمسة بالجناية فيصير للورثة أربعة مثلا ما نفذنا فيه الوصية ويصير في الحكم كأن المريض مات عن عبد وخمس عبد على قياس ما تقدم من المسائل ، ثم هذا الجواب مبني على قول أبي حنيفة . فأما عندهما ينبغي أن يضرب الموصى له بثلث العبد وبثلث خمس العبد لأن الميت في الحكم إنما ترك عبدا وخمسا فالموصى له بالثلث يضرب في الثلث بجميع ذلك والموهوب له يضرب بالثلث بجميع العبد كما هو مذهبهما أن الموصى له عند عدم إجازة الورثة يضرب بجميع وصيته ، وإن كان أكثر من الثلث وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله لا يضرب إلا بمقدار الثلث فإنما تتحقق المساواة بينهما على أصل أبي حنيفة رحمه الله فعرفنا أن الجواب بناء على مذهبه ، وإن اختار الفداء فداه بجميع الهبة فإن الهبة تصح بجميع العبد فإن ماله في الحاصل أحد عشر ألفا الدية والعبد فيكون نصيب الموهوب له من الثلث مقدار قيمة العبد فلهذا جازت الهبة في جميعه فيفديه بعشرة آلاف ، ثم يعطى الموصى له بالثلث من الدية إلى تمام الثلث [ ص: 124 ] وثلث ماله ثلاثة آلاف وثلثا ألف ، وقد سلم للموهوب له مقدار ألف فيأخذ الموصى له من الدية ألفين وثلثي ألف ويسلم للورثة سبعة آلاف وثلث ألف ، وقد نفذنا الوصية في ثلاثة آلاف وثلثي ألف فاستقام الثلث والثلثان .

وإن كانت قيمته ألفي درهم فإن اختار الدفع فالجواب كما بينا ، وإن اختار الفداء فإنه يفديه بجميع الدية لأنه يصير مال الميت اثني عشر ألفا فيكون ثلثه أربعة آلاف وللموهوب له نصف الثلث فعرفنا أن قيمة العبد لم تزد على مقدار حقه فلهذا جازت الهبة في جميع العبد ويسلم للموصى له ما بقي من الثلث ، وذلك ألفا درهم وللورثة ثمانية آلاف فيستقيم الثلث فإن قيل هذا الجواب يحتمل أن أحدهما موصى له بثلث المال ، وذلك أربعة آلاف والآخر موصى له بالعبد وقيمته ألفان فكيف يجعل الثلث بينهما نصفين وحق أحدهما ضعف حق الآخر بل ينبغي أن يجعل الثلث بينهما أثلاثا قلنا هو كذلك في الحقيقة ، وإنما جعل الثلث بينهما نصفين للضرورة لأنه لو لم ينقص حق الموهوب له احتاج إلى نقص الهبة في بعض الهبة وبقدر ذلك ينقص من الدية لأنه إنما يلزمه من الفداء بقدر ما تجوز فيه الهبة .

فأما ما تنتقص فيه الهبة من العبد لا يجب على الموهوب له أن يفديه . وإذا انتقص الفداء انتقص حق الموصى له بالثلث فلم يبق هنا وجه سوى تصحيح الهبة في جميع العبد ليفديه بجميع الدية فإن في ذلك توفير المنفعة على الموصى له بالثلث وحكي أن ابن جماعة رحمه الله كتب إلى محمد رحمه الله حين كان بالرقة أن هذه المسألة لا تخرج على الأصول المعروفة فكتب إليه محمد رحمه الله هو كما قلت ، وإنما لم نعرف حسابا يتبين لنا به قدر مال الميت فإنا كلما نقصنا الهبة في شيء انتقص مال الميت بقدره فإن كان عندك ذلك الحساب فمن علينا به ، وإن كانت قيمته أكثر من ألفين فإن اختار الدفع رد أربعة أخماسه بنقص الهبة ويدفع الخمس بالجناية ، ويكون للموصى له خمس العبد لما بينا في الفصل الأول فإن الطريق عند اختيار الدفع لا يختلف ، وإن قال أنا أفدي وقيمة العبد ثلاثة آلاف رد خمسة أثمانه بنقص الهبة وفدى ثلاثة أثمانه بثلاثة أثمان الدية ويعطى الموصى له بالثلث من الدية مثل ثلاثة أثمان العبد ، وما بقي فهو للورثة لأن تجويز الهبة في جميع العبد هنا غير ممكن فإنه لا يفديه بأكثر من عشرة آلاف فصار مال الميت ثلاثة عشر ألفا فثلث ماله أربعة آلاف وثلث ألف . فإذا جوزنا الهبة في جميع العبد لم يبق للموصى له من الثلث إلا ألف وثلث ، ولا يجوز أن تكون وصيته أقل من وصية العبد . فإذا تعذر تنفيذ الهبة في جميعه قلنا السبيل في معرفة مقدار ما تجوز فيه الهبة أن تقول الهبة يكون على ستة أسهم [ ص: 125 ] وإنما تجوز الهبة في سهم منه وهو نصف الثلث ، ثم يفدى ذلك السهم بثلاثة أمثاله ومثل ثلثه لأن الدية من القيمة هكذا فإن القيمة بثلاثة آلاف والدية عشرة آلاف .

فإذا فداه بذلك ازداد مال الميت بثلاثة أسهم وثلث . فالسبيل أن يطرح من أصل حقهم ثلاثة أسهم وثلث يبقى العبد على سهمين وثلثي سهم فانكسر بالأثلاث فاضربه في ثلاثة فيكون ثمانية وحق الورثة في سهمين وحق الموصى له في ثلاثة وحق الموهوب له في ثلاثة فلهذا جازت الهبة له في ثلاثة أثمانه ، ثم يفدي ذلك بثلاثة أثمان الدية ، وذلك ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسون ومن حيث السهام إنما يفدي هذه الثلاثة بعشرة أسهم ثلاثة أمثاله ومثل ثلثه فيصير للورثة اثنا عشر ، وقد نفذنا الهبة لكل واحد منهما في ثلثه فيستقيم الثلث والثلثان .

وعلى الطريق الآخر يقول يجعل كل ألف على ثلاثة أسهم فتكون الدية ثلثين والعبد تسعة ، ثم يجوز للموهوب له الهبة في سدس العبد فيفديه بسدس الدية وهو خمسة فيزداد نصيب الورثة والموصى له بهذه الخمسة .

فالسبيل أن يطرح من نصيبهما خمسة يبقى لهما سهمان ونصف لأن سهام العبد تسعة للموصى له سهم ونصف وللورثة ستة فذلك سبعة ونصف إذا طرحت منه خمسة يبقى سهمان ونصف فأضعفه فيصير حقهما خمسة وحق الموهوب له ثلاثة فلهذا صار العبد على ثمانية أسهم ، وإنما تجوز الهبة في ثلاثة أثمانه مقدار ذلك من الدراهم ألف ومائة وخمسة وعشرون ، ثم يفدي ذلك بثلاثة أثمان الدية وهو ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسون فيأخذ الموصى له من ذلك ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين مثل ما سلم للموهوب له يبقى للورثة من الدية ألفان وستمائة وخمسة وعشرون ومن العبد خمسة أثمانه مقدار ذلك ألف وثمانمائة وخمسة وسبعون . فإذا جمعت بينهما تصير أربعة آلاف وخمسمائة ، وذلك مثلا ما نفذنا فيه الهبة والوصية فاستقام الثلث والثلثان وكذلك إن كانت قيمته أكثر من ذلك إلى عشرة آلاف وطريق التخريج فيه كما بينا فإن أوصى في هذه المسألة بالسدس من ماله وقيمة العبد ألف درهم فإن اختار الدفع دفع العبد كله خمسة أسباعه بنقص الهبة وسبعيه بالدفع بالجناية لأن وصية الموهوب له مثلا وصية صاحب السدس فإنه أوصى له بالعبد كله بالهبة ، وإن لم تجز في جميع العبد تجوز في ثلثه فوصية الموهوب له مقدار الثلث ووصية الآخر السدس فاجعل ثلث المال بينهم أثلاثا .

وإذا صار ثلث المال على ثلاثة فالمال كله تسعة ستة للورثة وسهمان للموهوب له ، ثم يدفع الموهوب له سهمه بالجناية فيزداد نصيب الورثة فيطرح من نصيبهم سهمان فيجعل العبد على سبعة للموهوب له سهمان [ ص: 126 ] وللموصى له سهم وللورثة أربعة ، ثم يدفع الموهوب له سهميه بالجناية فيصير للورثة ستة مثلا ما نفذنا فيه الوصية فإن اختار الفداء فإن كانت قيمته ألف درهم جازت الهبة في الكل لأن مال الميت أحد عشر ألفا وحق الموهوب له في ثلثي الثلث وقيمة العبد أقل من ثلثي الثلث فيسلم له العبد كله ويسلم للآخر سدس المال ، وذلك ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثون وثلث فحصل تنفيذ الوصيتين في ألفين وثمانمائة وثلاثة وثلاثين وثلث ، وإن كانت قيمة العبد ألفي درهم فعند اختيار الفداء مال الميت يصير اثني عشر ألفا وثلثه أربعة آلاف فتجوز الهبة في جميع العبد وللموصى له الآخر سدس المال ، وذلك ألفان وهو تمام ثلث المال وكذلك إن كانت قيمة العبد أكثر من ألفين فالجواب كذلك إلا أن تكون قيمة العبد مقدار سبعي الدية ، أو أقل فإن زاد على ذلك حينئذ لا يخرج العبد من الثلث ، وإنما تتبين هذه المسألة بمسألة أول الباب فقد ذكرنا هناك أن عند اختيار الدفع تجوز الهبة في الخمس ، وعند اختيار الفداء تجوز الهبة في الكل إذا كانت قيمته مثل خمس الدية ، أو أقل فإن زادت على ذلك لا يخرج العبد كله من الثلث فهنا لما جازت الهبة عند الدفع في سبعي الدية فعند الفداء تجوز الهبة في الكل إذا كانت القيمة مثل سبعي الدية ، أو أقل .

وكذلك في المسائل التي بعد هذا ينظر إلى حال الدفع فمقدار ما تجوز فيه الهبة عند الدفع فعند الفداء إذا كان قيمة العبد مثل ذلك الجزء من الدية ، أو أقل تجوز في الكل حتى إذا كان عند الدفع يدفع سدس العبد بالجناية فعند الفداء إذا كان العبد مثل سدس الدية أو أقل جازت الهبة في الكل ، ولو كان أوصى بربع ماله فإن اختار الدفع وقيمة العبد ألف درهم فهو على سبعة عشر سهما لأن الموهوب له عند أبي حنيفة رحمه الله إنما يضرب بقدر الثلث والآخر يضرب بالربع فيحتاج إلى حساب له ثلث وربع ، وذلك اثنا عشر ثلثه أربعة وربعه ثلاثة فيصير ثلث المال بينهم على سبعة والثلثان أربعة عشر والمال كله أحد وعشرون للموهوب له أربعة ولصاحب الربع ثلاثة وللورثة أربعة عشر ، ثم يدفع إلى الموهوب له الأربعة بالجناية فيزداد مال الميت فالسبيل أن يطرح من نصيب الورثة أربعة فيصير نصيب الورثة عشرة وللموصى لهما سبعة فيكون العبد على سبعة عشر ، ثم يدفع الأربعة بالجناية فيصير للورثة أربعة عشر مثلا ما نفذنا فيه الوصية وينبغي في قياس قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أن يضرب الموهوب له في الثلث بجميع العبد وهو أربعة والآخر بالربع وهو سهم واحد فيصير الثلث على خمسة أسهم والمال خمسة عشر إلا أن في الكتاب خرج المسألة على [ ص: 127 ] قول أبي حنيفة رحمه الله ، وإن اختار الفداء وكان قيمة العبد مثل أربعة أجزاء من سبعة عشر جزءا من الدية ، أو أقل فإن الهبة تجوز في الكل ويفديه بجميع الدية ويعطى الموصى له بالربع الأقل من ربع جميع العبد كله بالهبة لأنه لو جازت الهبة في كله صار نصيبه فيجب أن يقسم الثلث بينهما على الحساب الذي قلنا إذا كانت الهبة أربعة آلاف جازت الهبة في أربعة أجزاء من أحد عشر جزءا من العبد لأنه يفدى ذلك بمثله ومثل نصفه فالدية من القيمة كذلك ، ثم التخريج على قياس ما بينا

ولو أن رجلا وهب في مرضه عبدا من رجل وقبضه فأعتقه ، ثم إن العبد قتل الواهب عمدا وله وليان فعفا عنه أحدهما فلا شيء على الموهوب له ويأخذ الذي لم يعف من المعتق نصف الدية .

واعلم بأن هذه المسألة على ثلاثة أوجه إما أن يكون أعتقه قبل القتل ، أو بعد القتل وقبل عفو أحدهما ، أو بعد القتل والعفو وكل وجه على وجهين إما أن يكون القتل عمدا ، أو خطأ ، وفي كل فصل حكمان حكم بين الموهوب له وبين الورثة وحكم فيما بين الوارثين . فأما إذا كان القتل عمدا والعتق قبل القتل فلا شيء على الموهوب له لأنه لما عفا أحدهما صار نصيب الآخر مالا ، وإنما قتله وهو حر فيجب على العبد للذي لم يعف خمسة آلاف والعبد خارج من الثلث لأن قيمته ألف درهم ، ومال الميت ستة آلاف ، ثم يقسم نصف الدية بين الاثنين على اثني عشر سهما للذي لم يعف أحد عشر وللعافي سهم لأن مال الميت يقسم بينهما بعد تنفيذ الوصية على ما يقسم إن لو لم يكن وصية ، ولو كان القتل خطأ لم يكن على الموهوب له شيء أيضا لأن التركة أحد عشر ألفا فالألف خارج من الثلث ويجب على القاتل خمسة آلاف للذي لم يعف خاصة لأنه قد وجب لكل واحد منهما خمسة آلاف بالقتل فلما عفا أحدهما صار مستهلكا نصيبه فيكون بمنزلة المستوفي بخلاف قتل العمد فإن هناك بالعفو لا يصير مستهلكا ، ولا مستوفيا شيئا من المال فلهذا لا يسلم نصف الدية للذي لم يعف ، ولو كان القتل قبل الإعتاق والمسألة بحالها . فإذا كان القتل عمدا فعلى العبد أن يسعى في نصف قيمته للذي لم يعف لأن نصيبه صار مالا بعد ما صار حرا ، ولكن أصل الجناية منه كان في حالة الرق فيكون الواجب من القيمة فلهذا يستسعيه الآخر في نصف قيمته . وإذا استسعاه في ذلك تبين أن مال الميت عبد ونصف فيجوز للموهوب له من ذلك الثلث وهو نصف القيمة ويضمن نصف القيمة .

فإذا وصل ذلك إلى الورثة كان الواصل إليهم تمام قيمة العبد وهو مثلا ما نفذنا فيه الهبة ، ثم يقتسم الاثنان هذه القيمة فيضرب الذي لم يعف [ ص: 128 ] بقيمة واحدة لأن نصف القيمة وجب له بالميراث ونصف القيمة وجب بالجناية ويضرب العافي بنصف القيمة لأنه أبطل حقه في الجناية بالعفو فتقسم القيمة بينهما أثلاثا ، ولو كان القتل خطأ فعلى الموهوب له قيمة وثلث لأن القتل الخطأ يوجب المال ، وقد كان الموهوب له يخير بين الدفع والفداء ، وقد استهلكه بالعتق وهو لا يعلم بالجناية فوجب عليه القيمة وصار كأن الميت ترك عبدين لأن الواجب قيمتان قيمة باعتبار القبض بحكم الهبة وقيمة بسبب الجناية ، ثم يسلم للموهوب له ثلث ذلك وهو ثلث القيمة ويدفع قيمة وثلثا إلى الورثة حتى يصير للورثة ضعف ما نفذنا فيه الهبة إلا أنه لما عفا أحدهما فقد أبطل حقه في النصف فسقط عن الموهوب له نصف القيمة وبقي عليه خمسة أسداس القيمة لأنا إذا أسقطنا عن قيمة وثلث نصف قيمة يبقى خمسة أسداس القيمة نصف القيمة من ذلك للذي لم يعف وثلث القيمة بينهما نصفان للذي لم يعف في الحاصل ثلثا القيمة وللعافي سدس القيمة ، ولو كان العتق بعد القتل والعفو فإن كان الموهوب له لا يعلم بالجناية فعليه قيمة واحدة لأن تركة الميت قيمة بالهبة ونصف قيمة بالجناية فيسلم للموهوب له ثلث ذلك وهو نصف القيمة وعليه قيمة واحدة بين الاثنين أثلاثا لأن حق أحدهما في جميع القيمة وحق الآخر في نصف القيمة فإنما يقتسمانه بعد تنفيذ الوصية كما يقتسمانه إن لو لم يكن وصية .

ولو كان القتل خطأ كان القتل على الموهوب نصف القيمة إذا لم يعلم بالجناية لأن موجب الخطأ المال فلما عفا أحدهما صار كأنه استوفى نصف القيمة لما بينا أنه في حكم القابض ، ثم المتلف ووجب عليه للآخر نصف القيمة ، ويكون ذلك النصف كله للذي لم يعف وعلى الموهوب له أيضا ثلث القيمة بينهما نصفان لأن مال الميت في الأصل قيمتان فيجوز للموهوب له من ذلك الثلث ويجب عليه قيمة وثلث إلا أنه لما عفا أحدهما فقد أسقط نصف القيمة فإنما يبقى خمسة أسداس القيمة ، ولو كان الموهوب له دبر العبد ، ثم إن العبد قتل الواهب عمدا ، ثم عفا أحد الاثنين فهذا مثل الأول لأن مال المولى قيمة ونصف القيمة من جهة الهبة والنصف من جهة الجناية وجميع ذلك على المولى فإن موجب جناية المدبر على مولاه للموهوب له من ذلك الثلث وهو نصف القيمة وعليه قيمة واحدة يقتسمها الاثنان أثلاثا ، ولو كاتبه الموهوب له فالجواب كذلك إلا نصف القيمة يجب على المكاتب والقيمة على الموهوب له فصار ماله قيمة ونصفا فيسقط عن الموهوب له نصف القيمة بالوصية ويؤدي نصف القيمة ويسعى العبد في نصف القيمة فيقتسمها الاثنان أثلاثا [ ص: 129 ] وكذلك لو وهبه الموهوب له من غيره فدبره الثاني أو كاتبه فهو على ما وصفنا ، ولو كاتب الموهوب له الأول ، ثم إنه قتل الواهب خطأ وله وليان فعفا أحدهما فعلى الموهوب له ثلث قيمته بينهما نصفين ، وفي بعض النسخ قال فعلى الموهوب له ثلثا القيمة والأول أصح لأن مال المولى في الأصل قيمتان قيمة بالهبة وقيمة بالجناية عن المكاتب فيسقط عن الموهوب له ثلث ذلك وهو ثلثا القيمة ويبقى عليه ثلث القيمة بينهما نصفين ، وقد صار العافي بمنزلة المستوفي لنصف القيمة من المكاتب فيبقى على المكاتب نصف القيمة للذي لم يعف .

ولو كان الموهوب له وهبه من رجل آخر ، ثم قتل العبد الواهب خطأ فالموهوب له الثاني بالخيار فإن اختار الدفع تبين أن مال الميت قيمتان فيجوز للموهوب له الثلث وهو ثلثا القيمة ويضمن ثلث القيمة فيكون ذلك مع العبدين بين الاثنين نصفين لأنه لم يعف واحد منهما فإن اختار الفداء فالعبد خارج من الثلث إذا كانت قيمته خمسة آلاف ، أو أقل فإنه يفديه بجميع الدية فيصير مال الميت خمسة عشر ألفا ، وإن كانت قيمته أكثر من خمسة آلاف ضمت القيمة إلى الدية حتى يتبين مال الميت كم هو فيسقط عن الموهوب له ثلث ذلك ويغرم ما وراء ذلك إلى تمام القيمة وبيانه إذا كانت قيمته ستة آلاف فإن مال الميت ستة عشر ألفا فيسلم للموهوب له ثلثه وهو خمسة آلاف وثلث ألف ، وإنما يغرم ثلثي ألف وكذلك ما زادت قيمته فهو على هذا الحساب فإن عفا أحد الاثنين فإنه يقال للموهوب له الآخر ادفعه أو افده فإن اختار الدفع دفع نصف العبد وتبين أن مال الميت عبد ونصف والعافي صار مستوفيا للنصف بالعفو فجازت الهبة في ثلثي القيمة وهو ثلث المال وعلى الموهوب له الأول ثلث القيمة بينهما نصفين ونصف العبد للموهوب له الآخر ونصفه الذي لم يعف ، وإن اختار الفداء فدى نصفه بخمسة آلاف وجازت الهبة في جميع العبد إذا كانت قيمته مثل ثلث الدية أو أقل لأن مال المولى هنا قيمة ونصف الدية لأن في نصيب الذي عفا يعتبر أقل المالين فالزيادة على ذلك إنما تظهر بالاختيار والاختيار فيما جاز فيه العفو فيجب أن يعتبر في نصيب الذي عفا نصف القيمة ، وفي نصيب الذي لم يعف نصف الدية ونصف القيمة ، ثم يجوز للموهوب له ثلث ذلك .

وإذا أردت معرفة ذلك فاجعل كل قيمة العبد ألفي درهم فيكون مال الميت ثمانية آلاف أما خمسة آلاف فهو نصف الدية وألفان قيمة العبد وألف استهلكه العافي فتبين أن العبد خارج من الثلث ويقتسم الاثنان الخمسة آلاف ونصف القيمة الذي هو محسوب على العافي فيضرب فيه العافي بنصف قيمته من [ ص: 130 ] قبل الميراث ونصف قيمته من قبل الجناية ويضرب فيه الذي لم يعف بنصف نصف الدية وبنصف القيمة الذي كان على الموهوب له فما أصاب العافي حسب عليه من ذلك نصف القيمة الذي أتلف ويأخذ الفضل ، وما أصاب الذي لم يعف يسلم له فإن كانت قيمته أكثر من ثلث القيمة ، أو أقل من جميع الدية فإنه لا يخرج العبد من الثلث فالسبيل أن يضم مال الميت بعضه إلى بعض وهو قيمة ونصف قيمة ونصف الدية فيجوز للموهوب له الثلث من ذلك ويضمن الفضل ، ثم يقتسم الاثنان فيضرب قيمة الذي لم يعف بنصف القيمة ونصف الدية والعافي بنصف القيمة من جهة الهبة ونصف القيمة الذي استهلكه بالجناية فيكون بينهما على ذلك ، وإن كانت قيمته عشرة آلاف سلم نصف الدية للذي لم يعف وعلى الموهوب له ثلث الدية أيضا بينهما نصفين لأن مال الميت عشرون ألفا في الحاصل عشرة آلاف قيمة العبد وخمسة آلاف نصف الدية للذي لم يعف ومثله قد استهلكه العافي بالعفو فتصح الهبة في ثلث ذلك ، وذلك ثلثا قيمة العبد ويغرم الموهوب له ثلثي القيمة فيكون بينهما نصفان لاستواء حقهما في العبد قبل الهبة وبعدها ، وإن كانت قيمته أكثر من عشرة آلاف ، وقد اختار الفداء من الذي لم يعف فالسبيل أن يضم جميع الدية إلى جميع القيمة لأن العافي استهلك بالعفو نصف الدية فكأنه استوفى ذلك ، ثم أتلفه ، وقد وجب للذي لم يعف نصف الدية فتضم الدية إلى القيمة ، ثم يسلم للموهوب له ثلث جميع ذلك بطريق الوصية ويؤدي الفضل فيقتسمه الاثنان نصفين حتى إذا كانت قيمته عشرين ألفا . فإذا ضممت الدية إلى القيمة كانت الجملة ثلاثين ألفا فيسلم للموهوب له من ذلك عشرة آلاف وهو نصف قيمة العبد ويغرم نصف القيمة فيكون ذلك بين الاثنين نصفين ونصف الدية للذي لم يعف خاصة
ولو أن رجلا وهب في مرضه عبدا من رجل ، ثم إن العبد قتل الواهب عمدا فعفا الوليان عنه جاز العفو وللموهوب له ثلث ذلك العبد وللورثة ثلثاه لأن حكم الجناية بطل بعفوهما فكأنه مات حتف أنفه ولا مال له سوى العبد فتجوز هبته في ثلثه فلو عفا أحد الوليين واختار الموهوب له الدفع فإنه يدفع ثلاثة أخماس العبد فيكون بينهما نصفين ويدفع الخمس إلى الذي لم يعف ويبقى للموهوب له الخمس لأن الهبة في الابتداء تجوز في الثلث فلما عفا أحدهما وجب دفع نصف ذلك الثلث فيصير العبد على ستة وتجوز الهبة في سهمين ، ثم يدفع سهما بالجناية وهو الدائر فنطرح من نصيب الورثة سهما ويجعل العبد على خمسة فيرد ثلاثة أخماسه بنقص الهبة وخمسه بالجناية ، ثم يقتسم الاثنان هذه الأربعة فيضرب الذي عفا [ ص: 131 ] بنصف قيمة العبد والذي لم يعف بنصف الرقبة وخمس العبد وأورد المسألة بعينها في الإقرار إلا أنه اعتبر اللفظ هنا وقال هناك للذي لم يعف ثلاثة أسهم ونصف وللعافي سهم ونصف ، ولو عفا أحدهما ، ثم عفا الآخر بعده دفع إليهما ثلاثة أخماس العبد بنقص الهبة ويسلم له الخمسان لأنهما لما عفوا فقد جعل الذي عفا منهما آخر بمنزلة المستوفي خمس ذلك العبد بالإتلاف . فإذا سلم لهما ثلاثة أخماس العبد مع ذلك استقام الثلث والثلثان ، ثم يقتسم الاثنان هذه الثلاثة أخماس فيضرب فيه الذي عفا أولا بنصف القيمة والذي عفا آخرا بنصف القيمة وبخمسه إلا أنه يحسب عليه بالخمس الذي أتلفه لأنه إنما عفا بعد ما صار مالا والأول منهما عفا ، وقد كان الواجب هو القصاص .

ولو أعتقه الموهوب له ، ثم عفوا معا ضمن الموهوب له ثلثي قيمة العبد لأن عفوهما معا يبطل حكم الجناية ولم يظهر للميت مال سوى ذلك العبد فيسلم له الثلث بالهبة ويضمن الثلثين لأنه أتلفه بالعتق ، ولو عفا أحدهما قبل صاحبه بعد العتق فعلى الموهوب له نصف قيمة العبد وعلى المعتق نصف قيمته لأن مال الميت هنا قيمة ونصف القيمة من جهة الهبة ونصف القيمة بالجناية ، وإنما صار مالا بعد عتق العبد فيكون ذلك النصف عليه ، ثم يقسم القيمة بين الاثنين فيضرب فيه العافي أولا بنصف القيمة والعافي آخرا بقيمة كاملة فتكون القيمة بينهما أثلاثا ثلثاها للذي عفا آخرا ويحسب عليه نصف القيمة الذي أتلفه بالعفو ويبقى له سدس القيمة الذي أتلفه بالعفو ويبقى له سدس القيمة ، وفي الكتاب يقول يضرب الآخر بثلثي قيمته ، وهذا الجواب غلط وقع من جهة الكاتب والصحيح أنه يضرب بقيمة كاملة للمعنى الذي قلنا إلا أن يعني به أنه يحصل له ثلثا القيمة ، ولو كان الموهوب له أعتقه ، ثم إن العبد قتل الواهب عمدا فعفا الاثنان عنه معا فالموهوب له ضامن ثلثي قيمة العبد لأن حكم الجناية قد بطل بعفوهما فلا يتبين للميت مال سوى العبد ، ولو عفا أحدهما جازت الهبة في الكل إن كانت قيمته ما بينه وبين ألفين وخمسمائة لأنه وجب على المعتق نصف الدية للذي لم يعف فإنه قتله وهو حر ونصف الدية خمسة آلاف . فإذا ضممت إليه ألفين وخمسمائة يكون سبعة آلاف وخمسمائة فيتبين أن العبد خارج من الثلث فيكون سالما للموهوب له الأول ، ثم يقتسم الاثنان بينهما هذه الخمسة آلاف يضرب فيه الذي لم يعف بنصف الدية ونصف القيمة والعافي بنصف القيمة على ما كان يضرب فيه لو لم يكن هناك وصية ، ولا يضرب بحصة الجناية لأن نصيبه لم يصر مالا فتكون القيمة بينهما على اثني عشر ، ولو عفا أحدهما ، ثم الآخر فعفو الأول جائز [ ص: 132 ]

ولا شيء على الموهوب له لما قلنا فلما عفا الآخر يجوز عفوه في نصيب نفسه ويبطل عن العبد مقدار حصته من نصف الدية ، وذلك أحد عشر سهما من اثنا عشر ، ويكون على العبد للذي عفا أول مرة حصته من ذلك وهو سهم من اثني عشر لأن إسقاط الثاني إنما يصح في نصيبه لا في نصيب شريكه ، ولا يضمن ذلك العافي آخرا للذي عفا أولا لأنه بالعفو مسقط لا مستوف ، وإن كانت قيمته خمسة آلاف ، وقد عفا أحدهما فإن مال الميت قيمة العبد ونصف الدية ، وذلك عشرة آلاف فإنما تجوز الهبة في ذلك وهو ثلاثة آلاف وثلث ألف مقدار ثلثي العبد ويغرم الزيادة إلى تمام خمسة آلاف فيقتسم الاثنان ذلك يضرب فيه الذي عفا بنصف القيمة فقط لأن نصيبه لم يصر مالا ويضرب الذي لم يعف بنصف الدية لأن ذلك وجب له بالجناية وبنصف القيمة فيقتسمانه وعلى ذلك مريض وهب عبده من مريض وقبضه ، ثم إن الموهوب له وهبه لصحيح ، ثم إن العبد قتل الواهب الأول ، ومات الثاني من مرضه ، ولا مال لواحد منهما سواه فإنه يقال للثالث ادفعه أو افده لأنه هو المالك عند جنايته فإن اختار الدفع لورثة الثاني انتقصت الهبة في نصف العبد منهما جميعا لأنك تحتاج إلى حساب له ثلث وربع ولثلثه ثلث ، وذلك تسعة فأجر الهبة للأول في ثلاثة وللثاني في سهم .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 30-12-2025, 03:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون

صـــ132 الى صـــ 141
(594)






وقد بطلت الجناية في الستة التي عادت إلى الواهب الأول بنقص الهبة لأن الهبة لما بطلت في تلك الستة صارت جنايته على مولاه وجناية المملوك على مولاه خطأ تكون هدرا فإنما تبقى الجناية في ثلاثة أسهم سهمين في يد الموهوب له الأول وسهم في يد الموهوب له الثاني ويدفعان تلك الثلاثة بالجناية فيزداد مال الأول بقدر ثلاثة أسهم وهي السهام الدائرة فاطرح ثلاثة أسهم من نصيب الواهب الأول ويصير العبد على ستة أسهم ثلاثة للواهب الأول بنقص الهبة وثلاثة بالدفع بالجناية ويسلم لورثته ستة أسهم مثلا ما نفذنا فيه الوصية ، ثم يغرم الموهوب له الثاني لورثة الموهوب له الأول ثلث قيمة العبد إلا أن يكون ثلثا الدية أقل لأنه قد أخذ العبد فارغا ، ثم رد السهمين عليهم مشغولا بالجناية ، وقد استحق بذلك الشغل فكأنه تلف عنده إلا أن الورثة كانوا يتمكنون من اختيار الأقل وهو الدفع ، أو الفداء فلا يضمن لهم إلا الأقل ، ولو أنهم اختاروا الفداء فإن كانت قيمة العبد خمسة آلاف أو أقل يرد الثالث على ورثة الثاني بثلثيه ، ثم فدوه بعشرة آلاف الثالث بثلث الدية وورثة الثاني بثلثي الدية فيصير كأن الأول ترك خمسة عشر ألفا فتجوز الهبة في جميع العبد ، ثم يضمن الثالث لورثة الثاني ثلثي قيمته لأنه أخذ عبدا فارغا على طريق التملك ورده مشغولا [ ص: 133 ] وقد استحق بذلك الشغل ، وإن كانت قيمته أكثر من خمسة آلاف وكانت ستة آلاف فإن الهبة تجوز في ثلاثة أرباع العبد لأنا نجيز الهبة من الأول في ثلث العبد فيفدون ذلك بمثله ومثل ثلثه فيزداد مال الأول سهما وثلثين فاطرح من نصيب الأول سهما وثلثي سهم يبقى لورثة الواهب الأول ثلث سهم وجازت الهبة في سهم .

فإذا جعلت كل ثلث سهما جازت الهبة له في ثلاثة أرباعه ، ثم تجوز الهبة للثاني في سهم من الثلاثة ، ثم يفديان تلك الثلاثة بمثلها ومثل ثلثيها ، وذلك خمسة فيصير للأول ستة مثلا ما نفذنا فيه الوصية ، ثم يرجع الموهوب له الأول على الثاني بقيمة سهمين وهو نصف العبد في الحاصل لأنه استحق بسبب كان في ضمانه فإن كانت قيمته عشرين ألفا فإن الهبة تجوز في خمسي العبد لأن الهبة من الأول تجوز في الأصل في سهم من ثلاثة ، ثم يفديان ذلك بمثل نصفه فإن الدية مثل نصف القيمة فإنما يطرح من نصيب الأول نصف سهم فيصير العبد على سهمين ونصف أضعفه للكسر فيكون خمسة ، ثم تجوز الهبة في سهمين وتبطل في ثلاثة فيفديان ذلك بسهم واحد فيصير للأول أربعة مثلا ما نفذنا فيه الوصية ، ثم رجع ورثة الثاني بما أدوا من ذلك على الثالث لأن ما أدوا هو الأقل ، وإنما لزمهم ذلك بجناية كانت من العبد في ضمان الثالث ، وإن اختار الثالث الفداء وورثة الثاني الدفع وقيمته خمسة آلاف فإنه تجوز الهبة للثاني في ثلاثة أخماس العبد ومن الثاني للثالث في خمس العبد لأنك تجعل العبد على تسعة لحاجتك إلى حساب له ثلث ولثلثه ثلث فيجوز للأول ثلاثة وللثاني من ذلك واحد ، ثم يدفع الأول السهمين ويفدي الثاني سهمه بسهمين لأن الدية بنصف القيمة فيرجع إلى الواهب الأول أربعة ويزداد ماله بذلك فالسبيل أن يطرح أربعة من ورثته يبقى لهم سهمان وصار العبد كله خمسة للواهب الأول سهمان وللأوسط سهمان وللثالث سهم ، ثم يدفع الأوسط سهميه ويفدي الثالث سهمه بسهمين من الدية فيصير للورثة ستة أسهم مثلا ما نفذنا فيه الوصية ، ثم يرجع ورثة الموهوب له الأول على الثاني بقيمة الخمسين لأنه استحق ذلك من أيديهم بجناية كانت في ضمانه .

وعلى طريق الدينار والدرهم السبيل أن تجعل العبد درهما ودنانير فتجوز هبة الأول في ثلاثة دنانير وهبة الثاني في دينارين ، ثم يدفع ورثة الثاني الدينارين ويفدي الثالث ديناره بدينارين فيصير للواهب الأول درهم فأربعة دنانير تعدل ستة دنانير لأنا جوزنا هبة الأول في ثلاثة دنانير فأربعة دنانير بمثلها قصاص في درهم يعدل دينارين فاقلب الفضة وعد إلى الأصل ، وقد كنا جعلنا العبد درهما وثلاثة دنانير الدرهم اثنان وكل دينار [ ص: 134 ] واحد فذلك خمسة ، ثم أجزنا الهبة في ثلاثة دنانير وهو ثلاثة أخماس العبد كما بينا .

وعلى طريق الجبر تجعل العبد مالا ، ثم تجيز الهبة للأول في ثلاثة أشياء وللثاني في شيء ، ثم يدفع ورثة الأول شيئين ويفدي الثالث شيئا بشيئين فيصير للواهب الأول مال وشيء يعدل ستة أشياء فالشيء بمثله قصاص وبقي مال كامل يعدل خمسة أشياء ، وقد أجزنا الهبة في ثلاثة أشياء فذلك ثلاثة أخماس العبد ، وإن اختار الثالث الدفع واختار ورثة الثاني الفداء جازت الهبة للثاني في ثلاثة أرباع العبد وللثالث في ربعه ويرجع ربعه إلى ورثة المقتول بانتقاص الهبة وربعه يدفع للثالث ويفدي ورثة الثاني بنصف الدية لأنك تجعل العبد على تسعة ، ثم يدفع الثالث سهمه ويفدي الثاني سهميه بأربعة فيزداد مال الواهب الأول بخمسة فيطرح من نصيب ورثته يبقى لهم سهم وللثاني وللثالث ثلاثة فصار العبد كله أربعة فتجوز الهبة في ثلاثة أرباعه للأوسط من ذلك سهمان والثالث سهم ، ثم يدفع الثالث سهمه ويفدي الأوسط سهميه بأربعة فيصير لورثة الأول ستة مثلا ما نفذنا فيه الوصية ويرجع ورثة الثاني على الثالث بنصف قيمة العبد كما بينا ، ولو كان العبد قتل المريض الآخر ولم يقتل الأول فإن الهبة تنتقص في الثلثين فيرد ذلك إلى ورثة المقتول فيردونه إلى ورثة الواهب الأول ، ولا شيء فيه من الجناية إما لأنه جنى على سيده أو لأنه إن اعتبر حكم الجناية فيه لم يكن مفيدا ، وإنما الحق لورثة الواهب الأول في ذلك فيرجعون به في تركة الموهوب له ويبقى ثلث العبد فإن اختار الثالث دفعه فعلى الثالث أن يدفع ذلك الثلث نصفه بنقص الهبة ونصفه بالدفع بالجناية لأن ذلك الثلث فيما بين الموهوب له الأول والموهوب له الآخر بمنزلة عبد تام وهبه من رجل في مرضه ، ثم قتل العبد الواهب ، وقد بينا في العبد التام أن الموهوب له إذا اختار الدفع رد نصفه بنقص الهبة ودفع نصفه بالجناية . فكذلك الثلث فإن اختاروا الفداء فداه بثلث الدية وتجوز الهبة في ذلك الثلث إذا كانت قيمته خمسة ، أو أقل يعني إذا كانت قيمة العبد خمسة آلاف ، أو أن قيمته ثلاثة آلاف وثلثا ألف . فإذا فداه بثلث الدية وهو ثلاثة آلاف وثلث يسلم لورثة الأوسط ضعف ما نفذنا فيه هبة الأوسط فيستقيم الثلث والثلثان .

وإن كانت قيمته أكثر من خمسة آلاف عملت في هذا الثلث بعد أن تجعل في هذا الثلث ثلث النفس فيجعل كعبد كامل جنى على ثلث النفس ، ولو كان العبد قتل الأول والثاني جميعا واختار الثالث وورثة الثاني الدفع فإنه تجوز الهبة من الأول للثاني في خمسة أسهم من أحد عشر سهما ومن الثاني للثالث في سهمين لأنك تجعل [ ص: 135 ] العبد على تسعة ستة للأول لا جناية فيها وسهمان للأوسط فيهما جناية واحدة وهي الجناية على الأول وسهم للآخر فيه جنايتان جناية على الأول وجناية على الأوسط فاجعل ذلك السهم على سهمين وأضعف الحساب للكسر بالأنصاف فيكون ثمانية عشر للأول اثنا عشر وللأوسط أربعة وللآخر سهمان ، ثم يدفع الآخر إلى الأوسط سهما واحدا فيزداد نصيبه بسهم فاطرح من نصيبه سهما يبقى نصيبه ثلاثة ونصيب الثالث سهمين فيصير ثلث العبد على خمسة فيكون كله خمسة عشر ، ثم يدفع الثالث إلى الأوسط سهما واحدا فيصير له أربعة مثلا ما نفذنا فيه الوصية ، ثم يدفع الآخر سهمه الثاني إلى الأول ويدفع الأوسط ثلاثة أسهم أيضا إلى الأول فيزداد نصيبه بأربعة وهي السهام الدائرة فيطرح من نصيبه أربعة ، وقد كان سهامه عشرة يبقى ستة ويصير العبد كله أحد عشر ، ثم يدفع الأوسط والآخر إلى الأول أربعة فيصير لورثته عشرة مثلا ما نفذنا فيه الوصية ، ثم يرجع ورثة الواهب الثاني على الثالث بقيمة ثلاثة أسهم من أحد عشر سهما كما بينا ، وإن اختاروا جميعا الفداء وقيمته خمسة آلاف ، أو أقل فالفداء كله على الثالث يسلم له العبد ويؤدي الديتين لأنه يفدي الأول بعشرة آلاف والأوسط بعشرة آلاف فيكون العبد خارجا من ثلث كل واحد منهما .

وكذلك إن اختار الثالث الفداء من الثاني خاصة لأنه يزداد مال الواهب الثاني فإن ماله يصير خمسة عشر ألفا فتجوز الهبة في جميع العبد ويزداد أيضا مال الواهب الأول لأن الآخر يدفع نصف العبد إلى الأول ويغرم الأوسط ثلثي قيمة العبد للأول لأنه أتلفه بالهبة من الثاني قالوا وهذا الجواب غير صحيح لأن مال الأوسط إذا صار خمسة عشر ألفا فإنما يبدأ بقضاء دينه ، وذلك ثلثا قيمة الواهب الأول فلا يخرج العبد من ثلث ماله بعد قضاء الدين لتصحيح الهبة من الثاني في جميع العبد إلا أن يحمل على أنه كان قيمته ألف درهم فحينئذ يكون الجواب صحيحا ، ولو كانت عشرة آلاف واختار الفداء بطل هبة الأول في نصف العبد وهبة الثاني في نصف النصف والحاصل أن الهبة عند اختيارهما الفداء تجعل على تسعة أسهم للأول ستة وللأوسط سهمان وللآخر سهم ، ثم إن الآخر فدى الأوسط بسهم فإن الدية مثل القيمة فيطرح من نصيب الأوسط سهم فيصير ثلث العبد على سهمين والعبد كله ستة للأول أربعة وللأوسط سهم وللثالث سهم ، ثم يفدي الثالث الأوسط بسهم فيصير للأوسط سهمان مثلا ما نفذنا فيه الوصية ، ثم يفدي الثالث للأول بسهم ويفديه الأوسط أيضا بسهم فتظهر الزيادة في مال الأول بسهمين ونطرح من نصيب الأول سهمين [ ص: 136 ] فيصير العبد كله أربعة أسهم للأول سهمان وللأوسط سهم وللثالث سهم ، ثم يدفعان السهمين إلى الأول فيصير للأول أربعة مثلا ما نفذنا فيه الوصية فكان مستقيما على ما بينا من حاصل الجواب والله أعلم بالصواب
كتاب الفرائض قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء اعلم بأن الفرائض من أهم العلوم بعد معرفة أركان الدين حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليمها وتعلمها كما رواه ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { تعلموا القرآن وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض وسيقبض هذا العلم من بعدي حتى يتنازع الرجلان في فريضة فلا يجدان من يفصل بينهما } وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول لأصحابه عند رواية هذا الحديث تعلموا الفرائض ، ولا يكونن أحدكم كرجل لقيه أعرابي فقال أمهاجر أنت قال فإن إنسانا من أهلي مات فكيف يقسم ميراثه قال لا أدري قال فما فضلكم علينا تقرءون القرآن ولا تعلمون الفرائض ، وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { تعلموا العلم وعلموه الناس وتعلموا الفرائض فإنها نصف العلم وهي أول ما ينزع من بين أمتي } ، وقد كان أكثر مذاكرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم إذا اجتمعوا في علم الفرائض ومدحوا على ذلك حتى قال عليه السلام { أقرؤكم لكتاب الله أبي بن كعب وأقضاكم علي وأفرضكم زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل } رضي الله عنهم أجمعين فقد نوه بذكر زيد في علم الفرائض ، ثم طرق الفرضيين قد اختلفت في شرح هذا الكتاب فمن بين مطول أمل ومن بين موجز أخل فالسبيل أن نجري القصد وندع التطويل بذكر ما لا يحتاج إليه والإخلال بترك نص ما يحتاج إليه فإن خير الأمور أوسطها فنقول إذا مات ابن آدم يبدأ من تركته بالأقوى فالأقوى من الحقوق عرف ذلك بقضية العقول وشواهد الأصول فأول ما يبدأ به تجهيزه وتكفينه ودفنه بالمعروف كما روي { أن ابن عمر رضي الله عنه لما استشهد يوم أحد لم يوجد له إلا نمرة فكان إذا كان غطي بها رأسه بدا رجلاه وإذا غطي بها رجلاه بدا رأسه فأمر صلى الله عليه وسلم أن يغطى بها رأسه ويجعل على رجليه من الإذخر } .

، وقد نقل [ ص: 137 ] ذلك في حال حمزة رضي الله عنه أيضا ولم يسأل عن الدين عليهما فلو كان الدين مقدما على الكفن لسأل عن ذلك كما سأل عن الدين حتى كان لا يصلي على من مات وعليه دين فقال { هل على صاحبكم دين } ثم الكفن لباسه بعد وفاته فيعتبر بلباسه في حياته ولباسه في حياته مقدم على دينه حتى لا يباع على المديون ما عليه من ثيابه . فكذلك لباسه بعد موته ومن مات ، ولا شيء له يجب على المسلمين تكفينه فيكفن من مال بيت المال ، وماله يكون أقرب إليه من مال بيت المال وبهذا يتبين أن الكفن أقوى من الدين فإنه لا يجب على المسلمين قضاء دينه من بيت المال ، ثم بعد الكفن يقدم الدين على الوصية والميراث لحديث علي رضي الله عنه قال إنكم تقرون الوصية قبل الدين ، وقد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بالدين قبل الوصية وقيل لابن عباس رضي الله عنه إنك تأمر بالعمرة قبل الحج ، وقد بدأ الله تعالى بالحج فقال { وأتموا الحج والعمرة لله } فقال كيف تقرءون آية الدين فقالوا { من بعد وصية يوصى بها أو دين } فقال بماذا يبدأ فقالوا بالدين قال هو ذلك ، ولأن قضاء الدين من أصول حوائجه فإنه يفك به رهانه وتنفيذ الوصية ليس من أصول حوائجه ، ثم قضاء الدين مستحق عليه والوصية لم تكن مستحقة عليه وصاحب الدين ليس يتملك ما يأخذ عليه ابتداء ، ولكنه في الحكم يأخذ ما كان له ولهذا ينفرد به إذا ظفر بجنس حقه والموصى له يتملك ابتداء بطريق التبرع وأيد هذا كله ما روي { أن رجلا أعتق عبدا في مرضه وعليه دين فاستسعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيمته } ، وإنما فعل ذلك لأنه قدم الدين على الوصية .

وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله الدين إذا كان محيطا بالتركة يمنع ملك الوارث في التركة ، وإن لم يكن محيطا . فكذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله الأول ، وفي قوله الآخر لا يمنع ملك الوارث بحال لأنه يخلف المورث في المال والمال كان مملوكا للميت في حال حياته مع اشتغاله بالدين كالمرهون . فكذلك يكون ملكا للوارث وحجتنا في ذلك قوله تعالى { من بعد وصية يوصى بها أو دين } فقد جعل الله تعالى أوان الميراث ما بعد قضاء الدين والحكم لا يسبق أوانه فيكون حال الدين كحال حياة المورث في المعنى ، ثم الوارث يخلفه فيما يفضل من حاجته . فأما المشغول بحاجته لا يخلفه وارثه فيه .

وإذا كان الدين محيطا بتركته فالمال مشغول بحاجته وقيام الأصل يمنع ظهور حكم الخلف ، ولا يقول يبقى مملوكا بغير مالك ، ولكن تبقى مالكية المديون في ماله حكما لبقاء حاجته وأصل هذه المسألة فيما بيناه في النكاح أن المكاتب لا يعتبر ميراثا للوارث بموت المولى عندنا لبقاء حاجته إلى ولاية ، وعند الشافعي رحمه الله [ ص: 138 ] يصير ميراثا بعد قضاء الدين تقدم الوصية في محلها على الميراث ومحل الوصية الثلث قال عليه السلام { إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم } ففي مقدار الثلث تقدم الوصية على الميراث لأن الله تعالى جعل الميراث بعد الوصية ولأن تنفيذ الوصية من حوائج الميت أيضا .

فأما ما زاد عن الثلث لا يظهر فيه تقديم الوصية لأن حق الوارث فيه يمنع الوصية إلا أن يجيز الوارث وبعد تنفيذ الوصية يقسم الميراث فنقول الأسباب التي بها يتوارث ثلاثة الرحم والنكاح والولاء والولاء نوعان ولاء نعمة وولاء موالاة وكل واحد منهما سبب الإرث عندنا على ترتيب بينهما وبينه والأسباب التي بها يحرم الميراث ثلاثة الرق واختلاف الدين ومباشرة القتل بغير حق في حق من يتحقق منه التقصير شرعا والوارثون أصناف ثلاثة أصحاب الفرائض والعصبات وذوو الأرحام وأصحاب الفرائض هم الذين لهم سهام مقدرة ثابتة بالكتاب والسنة أو الإجماع والعصبات أصناف ثلاثة عصبة بنفسه وعصبة بغيره وعصبة مع غيره فالعصبة بنفسه الذكر الذي لا يفارقه الذكور في نسبته إلى الميت والعصبة بغيره الأنثى التي تصير عصبة بمن في درجتها من الذكر كالبنات بالبنين والأخوات بالإخوة والعصبة مع غيره كالأخوات يصرن عصبة مع البنات وفرق فيما بين العصبة بغيره والعصبة مع غيره أنه لا يكون عصبة بغيره إلا ، وأن يكون ذلك الغير عصبة والعصبة مع غيره أن لا يكون ذلك الغير عصبة في نفسه كالأخوات مع البنات فالبنت ليست عصبة بنفسها والأخت تصير عصبة معها وذوو الأرحام ما عدا هذين الصنفين من القرابة ، ثم أقوى أسباب الأرث العصوبة فإنه يستحق بها جميع المال ولا يستحق بالفريضة جميع المال والعصوبة في كونها سببا للإرث مجمع عليها بخلاف الرحم فكانت العصوبة أقوى الأسباب ، ثم إن محمدا رحمه الله بدأ الكتاب ببيان ميراث الآباء ، وقد استحسن مشايخنا رحمهم الله البداءة ببيان ميراث الأولاد اقتداء بكتاب الله فقد قال الله عز وجل { يوصيكم الله في أولادكم } ، ولأن الابن مقدم في العصوبة على الأب ، وقد بينا أن أقوى الأسباب العصوبة فقدمنا بيان ميراث الأولاد لهذا والله أعلم بالصواب . .
باب الأولاد ( قال رحمه الله ) اعلم أن الابن الواحد يحرز جميع المال ثبت ذلك بإشارة النص فإن الله تعالى قال { للذكر مثل حظ الأنثيين } ، ثم جعل للبنت الواحدة النصف بقوله تعالى { وإن [ ص: 139 ] كانت واحدة فلها النصف } وثبت أن للذكر ضعف هذا وضعف النصف الجميع . وثبت ذلك استدلالا بآية الإخوة فإن الله تعالى قال { وهو يرثها إن لم يكن لها ولد } أي يرثها جميع المال .

وإذا ثبت بالنص أن للأخ جميع المال ثبت للابن بدلالة النص لأن الأخ ولد أبيها وولدها أقرب إليها من ولد أبيها والميراث ينبني على الأقرب . قال الله تعالى { مما ترك الولدان والأقربون } وزيادة القرب تدل على قوة الاستحقاق إلا أن الله تعالى لم ينص على جميع المال للبنين لأن ذلك كان معروفا فيما بين العرب فقد كانوا في الجاهلية لا يورثون إلا البنين ومنهم من كان لا يورث إلا الكبار من البنين الذين يحملون السلاح ويورثون العشيرة فإنما بين ما لم يكن معلوما لهم فإن اجتمع البنون فالمال بينهم بالسوية لاستوائهم في سبب الاستحقاق وللبنت الواحدة إذا انفردت النصف ثبت ذلك بالنص وهو قوله تعالى { وإن كانت واحدة فلها النصف } واستدلالا أيضا بميراث الأخت فقد قال الله تعالى { وله أخت فلها نصف ما ترك } والبنت أقرب إليه من الأخت فإن كن ثلاثا فصاعدا فلهن الثلثان بالنص وهو قوله تعالى { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } فهذا تنصيص على أنه لا يزاد للبنات على الثلثين عند الانفراد ، وإن كثرن { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان } في قول عامة الصحابة رضوان الله عليهم وهو قول جمهور الفقهاء وكان ابن عباس يقول للبنين النصف ويستدل بظاهر الآية فإن الله تعالى شرط في استحقاق البنات الثلثين أن يكن فوق اثنتين والمعلق بالشرط معدوم قبل الشرط ، وقد تجاذب البنين حالتان إما أن تعتبرهما بالثلاث ، أو بالواحدة واعتبارهما بالواحدة أولى لأن في اعتبارهما بالثلاث إبطال شرط منصوص والقياس لإبطال النص باطل ، وفي أول الآية ما يدل على أن للابنتين النصف لأن الله تعالى قال { للذكر مثل حظ الأنثيين } ومن ترك ابنا وابنتين فللابن النصف ، وهذا إشارة إلى أن حظ الأنثيين النصف ، وفي قوله تعالى فلهن دليل أيضا على ذلك لأن هذا لفظ الجمع والجمع المتفق عليه ثلاثة فأهل اللغة جعلوا الكلام على ثلاثة أوجه الفرد والتثنية والجمع فكان اتفاقا منهم على أن التثنية غير الجمع وللواحد عندهم أبنية مختلفة وكذلك للجمع وليس للتثنية إلا بناء واحدا ومن حيث المعقول في المعنى يعارض الفردين فلا يظهر ترجيح أحد الجانبين وفي الثلاث تتعارض البنات مع الفرد فيترجح جانب الجمع على جانب الفرد .

وإذا ثبت أن اسم الجمع لا يتناول ما دون الثلاث فقد ظهر إلحاق البنتين بالواحدة هذا بيان أصل ابن عباس رضي الله عنه في هذا ، وفي الإخوة في حكم الحجب وحجتنا في ذلك [ ص: 140 ] قوله تعالى { للذكر مثل حظ الأنثيين } فقد جعل للذكر حالة الاختلاط مثل نصيب الابنتين وأدنى الاختلاط أن يجمع ابن وبنت وللابن هنا الثلثان بالاتفاق فعرفنا أن حظ الأنثيين الثلثان ولما صار نصيب البنين معلوما بهذه الإشارة لم يذكر الله تعالى نصيب البنتين أيضا وذكر نصيب ما فوق البنتين بقوله عز وجل { فإن كن نساء فوق اثنتين } والدليل على صحة ما قلنا سبب نزول الآية فإن { سعد بن الربيع رضي الله عنه لما استشهد يوم بدر وكان خلف بنتين وامرأة فاستولى الأخ على ماله فجاءت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت إن سعدا قتل معك وخلف ابنتين ، وقد غلب عمهما على مالهما ، ولا يرغب في النساء إلا بمال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل الله في ذلك شيئا ، ثم ظهر أثر الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سرى عنه قال النبي عليه السلام قفوا مال سعد فقد أنزل الله تعالى في ذلك ما إن بينه لي بينته لكم وتلا عليهم قوله تعالى { للرجال نصيب } الآية ، ثم نزل قوله تعالى { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخا سعد وأمره أن يعطي البنتين الثلثين وللمرأة الثمن وله ما بقي } .

وفي الحديث المعروف أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه سئل عن فريضة فيها بنت وابنة ابن وأخ فجعل للابنة النصف وللأخ ما بقي فبلغ ذلك ابن مسعود رضي الله عنه فقال لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين والباقي للأخ فهذا دليل على استحقاق البنتين الثلثين بطريق الأولى لأن حال البنتين أقوى من حالة الابنة وابنة الابن والدليل عليه أن حالة التثنية في معنى حالة الجمع لوجود الاجتماع وانضمام أحد الفردين إلى الآخر ، ولا معنى في الجمع سوى هذا ومن حيث الحكم الإمام يتقدم على المثنى كما يتقدم على الجماعة وإليه إشارة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { الاثنان فما فوقهما جماعة } وقيل في تأويل قوله تعالى { فإن كن نساء فوق اثنتين } أي اثنتين فما فوقهما وكلمة فوق صلة فيه كما في قوله تعالى { فاضربوا فوق الأعناق } يعني مع الأعناق مع أنا قد سلمنا أن في هذا اللفظ بيان نصيب الثالث والتعليق بالشرط عندنا لا يوجب نفي الحكم عند عدم الشرط بل يجوز أن يثبت الحكم بدليل آخر ، وقد أثبتنا بإشارة النص أن للبنتين الثلثين كما قررنا فإن اختلط الذكور بالإناث من الأولاد فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين بالنص واستدلالا بميراث الإخوة فقد قال الله تعالى { وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين } والأولاد أقرب [ ص: 141 ] من الإخوة وأولاد الابن يقومون مقام أولاد الصلب عند عدم أولاد الصلب في جميع ما ذكرنا لقوله تعالى { يوصيكم الله في أولادكم } واسم الأولاد يتناول أولاد الابن مجازا قال الله تعالى { يا بني آدم } .

وعند نزول الآية لم يكن بقي أحد من صلب آدم عليه السلام وقال ابن عباس رضي الله عنه لرجل أي أب لك أكبر فتحير الرجل ولم يفهم ما قال له فتلا ابن عباس قوله عز وجل { يا بني آدم } وجعل يقول من كنت ابنه فهو أبوك فإن اجتمع أولاد الصلب وأولاد الابن فإن كان في أولاد الصلب ذكر فلا شيء لأولاد الابن ذكورا كانوا ، أو إناثا أو مختلطين لأن الذكر من أولاد الصلب مستحق لجميع المال باعتبار حقيقة الاسم ، وعند العمل بالحقيقة يسقط اعتبار المجاز فإن الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد في حالة واحدة متعذر والدليل على أن الاسم يتناول أولاد الابن مجازا أنه يستقيم نفيه عنه بإثبات غيره فيقال ليسوا بنيه ولكنهم بنو ابنه ، وهذا حد المجاز مع الحقيقة لأنه لا يمكن نفي الحقيقة ويمكن نفي المجاز بإثبات غيره والدليل عليه أن أولاد الابن يدلون بالابن ويرثون بمثل نسبه فيحجبون به كالأجداد بالأب والجدات بالأم بخلاف الإخوة لأم فإنهم يرثون مع الأم ، وإن كانوا يدلون بها لأنهم لا يرثون بمثل نسبها فإنها ترث بالأمومة وهم بالأخوة وأيد ما ذكرنا قوله عليه السلام { ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر } وأولى رجل ذكر الابن دون أولاد الابن فإن لم يكن في أولاد الصلب ذكر ، ولا في أولاد الابن ذكر فإن كانت ابنة الصلب واحدة فلها النصف ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين واحدة كانت أو أكثر من ذلك لحديث ابن مسعود وإن كانت ابنة الصلب بنتين فلهما الثلثان ، ولا شيء لبنات الابن لأن حظ البنات الثلثان ، وقد استحق البنتان جميع ذلك فلم يبق من حق البنات شيء لبنات الابن ، وإن لم يكن في أولاد الصلب ذكر وكان في أولاد الابن ذكر فإن انفرد الذكور من أولاد الابن فالباقي بعد نصيب البنات لهم نصفا كان ، أو ثلثا لقوله عليه السلام { ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت فلأول رجل ذكر } ، ولا يقال بأن هذا جمع بين الحقيقة والمجاز لأن الاسم يتناول أولاد الصلب حقيقة وأولاد الابن مجازا وهذا لأن ما يعتبر فيه الحقيقة لا يعتبر فيه المجاز وهو ما استحقه بنات الصلب .

فأما ما زاد على ذلك فالحقيقة غير معمول بها في استحقاق ذلك ، وإنما يعمل بالمجاز في استحقاق ما لم يثبت فيه الاستحقاق باعتبار الحقيقة فلا يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز فإن اختلط الذكور بالإناث من أولاد الابن فنقول إن كان بنات الصلب بنتين فصاعدا فلهن الثلثان والباقي بين [ ص: 142 ] أولاد الابن للذكر مثل حظ الأنثيين عند علي وزيد رضي الله عنهما وهو قول جمهور العلماء وكان ابن مسعود يقول الباقي لبني الابن خاصة ، ولا شيء لبنات الابن فإن كانت ابنة الصلب واحدة فلها النصف والباقي بين أولاد الابن للذكر مثل حظ الأنثيين عند علي وزيد ، وعند عبد الله بن مسعود ينظر إلى المقاسمة والسدس لبنات الابن فأي ذلك كان شرا لهن فلهن ذلك والباقي لبني الابن ويسمى هذا الجنس مسائل الإضرار .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 30-12-2025, 03:51 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون

صـــ142 الى صـــ 151
(595)




وعلى قول ابن مسعود واحتج في ذلك بالآية فإن الله تعالى اعتبر في ميراث الأولاد أحد الحكمين أما الثلثان للبنات بقوله تعالى { فإن كن نساء فوق اثنتين } وأما القسمة فللذكر مثل حظ الأنثيين بقوله عز وجل { للذكر مثل حظ الأنثيين } ، وقد وجد أحد الحكمين هنا وهو إعطاء البنات الثلثين فلا يجوز اعتبار الحكم الآخر في هذه الحادثة لأن الجمع بينهما متعذر بالإجماع فلا يبقى لأولاد الابن استحقاق بحكم هذه الآية بعد ما أخذت البنات الثلثين فإنما يثبت الاستحقاق للذكور منهم بقوله عليه السلام فلأولى رجل ذكر ، وإن كانت ابنة الصلب واحدة قد بقي السدس مما يستحقه البنات ، ولكن ذلك لهن عند الانفراد لا عند الاختلاط فلا يعطين إلا الأقل لأنه المتيقن به فلهذا ينظر إلى المقاسمة وإلى السدس فيما يعطى بنات الابن ، ولأن بنات الابن لو انفردن مع الابنتين لم يكن لهن شيء ومع الواحدة من البنات لا يكون لهن إلا السدس ومعلوم أن حالة الانفراد في حكم الاستحقاق أقوى من حالة الاجتماع ، وإنما تصير الأنثى عصبة بالذكر إذا كانت صاحبة فرض عند الانفراد كالبنات والأخوات فأما إذا لم تكن مستحقة شيئا عند الانفراد لم تصر عصبة بالذكر كبنات الإخوة مع بني الإخوة وبنات العم مع بني العم وحجتنا في ذلك أن الذكر مع أولاد الابن يعصب الإناث في درجته في استحقاق جميع المال بالاتفاق وهو ما إذا لم يكن هناك ولد للميت لصلبه فكل ذكر يعصب الأنثى في استحقاق جميع المال بالاتفاق يعصبها في استحقاق ما بقي كالأخ مع الأخوات في درجة واحدة والبنات مع البنين .

وهذا لأن بنات الصلب لما أخذن نصيبهن خرجن من البنين وصار فيما بقي كأنه ليس هناك ابنة ، ويكون الحكم فيما بقي هو الحكم في الجميع إذا لم يكن هناك بنات الصلب وبهذا يتبين أنا لا نجمع بين الحكمين في محل واحد ، وإنما نثبت في كل محل أحد الحكمين ففي الثلثين عملنا بقوله تعالى { فإن كن نساء فوق اثنتين } ، وفيما وراء ذلك عملنا بقوله تعالى { للذكر مثل حظ [ ص: 143 ] الأنثيين } يوضحه أن الذكر من أولاد الابن يعصب الأنثى في درجته في حكم الحرمان وبيانه إذا اجتمع مع الزوج والأبوين ابنة وابنة ابن فإن للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين فإن كان مع ابنة الابن ابن الابن في هذه الصورة لم يكن لها شيء لأنها تصير عصبة به ولم يبق من أصحاب الفرائض شيء فلما كان يعصبها في حكم الحرمان فلأن يعصبها في حكم الاستحقاق كان أولى لأن التعصيب في الأصل للاستحقاق لا للحرمان فإن كان الذكر أولاد الابن دون الأنثى بدرجة فإن اجتمع مع ابنتي الصلب بنت ابن وابن ابن ابن فظاهر المذهب عندنا أن الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين وقال بعض المتأخرين إن الباقي للذكر خاصة هنا لأن الأنثى إنما تصير عصبة بذكر في درجتها لا بذكر هو دونها في الدرجة .

( ألا ترى ) أن البنت لا تصير عصبة بابن الابن في ابنة واحدة صلبية وابنة ابن وابن ابن ابن فإنه لا تصير ابنة الابن عصبة بابن الابن . فكذلك مع البنتين لمعنى وهو أن الذكر إذا كان أبعد بدرجة فلو جعل للأنثى التي هي أقرب منه بدرجة عصبة كان الذكر محروما في نفسه لأن في ميراث العصبات الأقرب يقدم على الأبعد ذكرا كان ، أو أنثى ( ألا ترى ) أن الأخت لما صارت عصبة مع البنت كان الباقي لها دون ابن الأخ والعم .

وإذا صار محروما لا يعصب أحدا وجه قولنا أن هذه الأنثى لو كانت في درجة الذكر كانت عصبة به مستحقة معه . فإذا كانت أقرب منه بدرجة كان أولى لأن تأثير القرب في قوة سبب الاستحقاق لا في الحرمان ، وفي هذا بيان أن التعصيب كان لمعنى النظر للأنثى ، ولا يتحقق ذلك في ابنة مع ابن الابن لأن بالتعصيب هناك ينتقص حقها لأنه يصير المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين فنصيب البنت الثلث فلذا جعلناها عصبة بابن الابن وحقها بدون التعصيب النصف وكذلك في حق ابنة الابن مع ابنة واحدة للصلب فإن بالتعصيب هناك بابن ابن الابن لا يزداد نصيبها بحال ، وقد يؤدي إلى حرمانها في بعض الأحوال لأنه إذا كانت البنت الصلبية واحدة فحق ابنة الابن معها السدس دون التعصيب .

ولو عصبنا بنت الابن بابن ابن الابن لا يزداد نصيبها على السدس فإن الباقي من النصف وهو النصف يقسم بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين سهم لبنت الابن وسهمان لابن ابن الابن كما في غير حالة التعصيب . فأما في التعصيب هنا توفير المنفعة على ابنة الابن باعتبار زيادة القرب يوضحه أن من كانت في درجة الذكر هنا تستحق شيئا فالقول بأن الأبعد من البنات يستحق والأقرب يصير محروما بنسبة المحال فلا يصار إليه . فصل

، ثم جملة [ ص: 144 ] من يرث مع الأولاد ستة نفر الأب والجد لأب ، وإن علا والأم والجدة أم الأم أو أم الأب والزوجة ، ولا يرث غير هؤلاء مع الابن بالفريضة لا بالعصوبة ، ولا يكون غير هؤلاء صاحب فرض مع الابنة ، وإن كان قد يرث بالعصوبة . فأما الأب فله في الميراث ثلاثة أحوال فرض وعصوبة وكلاهما فالفرض مع وجود الابن وابن الابن ، وإن سفل والعصوبة عند عدم الولد وولد الابن ذكرا كان ، أو أنثى وكلاهما مع البنت وبنت الابن وفريضته السدس لا ينقص من ذلك إلا عند العول ، ولا يزاد عليه بالفريضة بحال ، وذلك منصوص عليه في كتاب الله تعالى قال الله تعالى { ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } فهو تنصيص على أنه صاحب فرض مع الولد ، وإن فريضته السدس قال الله عز وجل { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث } معناه وللأب ما بقي كما هو الأصل أن المال متى أضيف إلى اثنين وبين نصيب أحدهما منه كان للآخر ما بقي فذلك تنصيص على أنه عصبة حال عدم الولد وأما مع البنت فهو صاحب فرض يأخذ السدس بالفريضة والبنت تأخذ النصف ، ثم للأب ما بقي بالسنة وهو قوله عليه السلام { ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر } وهو أولى رجل ذكر فيكون عصبة فيما بقي والجد أب الأب عند عدم الأب يقوم مقامه باعتبار أنه يدلي به ، وأنه يتناوله اسم الأب مجازا إلا في فصل وهو في زوج وأبوين وامرأة وأبوين فإن للأم ثلث ما بقي والباقي للأب فإن كان مكان الأب جدا فللأم ثلث جميع المال والباقي للجد على ما نبينه . فأما الأم فإنها صاحبة فرض ولها في الميراث حالان إما السدس وإما الثلث لا تنقص من السدس إلا عند العول ، ولا تزاد على الثلث إلا عند الرد أما السدس لها مع الولد ثبت ذلك بقوله تعالى { ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } والثلث بقوله تعالى { وورثه أبواه فلأمه الثلث } والسدس لها مع وجود الإخوة بقوله تعالى { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } ، ولا خلاف أن فرضيتها السدس مع الولد ذكرا كان ، أو أنثى لأن اسم الولد حقيقة لهما . فأما مع الإخوة فقد اختلفوا في فصول بعد ما اتفقوا أن الذكور والإناث في هذا الحكم سواء عند الاختلاط ، وعند الانفراد حتى أن فرضها السدس مع الأخوات المفردات كما في الذكور المفردين وكما مع الذكور مع الإناث عند الاختلاط ، وإنما الاختلاط في المثنى من الإخوة والأخوات فعلى قول أكثر الصحابة رضي الله عنهم وهو قول جمهور العلماء الفقهاء فريضتها السدس معهما .

وعلى قول ابن عباس فريضتها الثلث معهما إلا أن يكونوا أثلاثا لظاهر قوله تعالى { فإن كان له [ ص: 145 ] إخوة } ، وذلك اسم جمع وأدنى الجمع المتفق عليه ثلاثة والحجب لا يثبت إلا بعد التيقن بشرطه ، ولكنا نقول قد ثبت بالنص أن المثنى من الأخوات كالثلاث في الاستحقاق قال الله تعالى { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك } . فكذلك المثنى كالثلاث في الحجب ، وقد بينا في البنات أن المثنى حكم الجمع في الحجب والاستحقاق جميعا ، وهذا ، وإن كان نوعا من المجاز فقد حملنا اللفظ عليه بدليل النص ، وذلك مستقيم على قول جمهور العلماء الإخوة لأم كغيرهما من الإخوة في حجب الأم من الثلث .

وعلى قول الزيدية الحجب إنما يثبت بالإخوة لأب وأم ، أو لأب ، ولا يثبت بالإخوة لأم قالوا لأن هذا الحجب بمعنى معقول وهو عند وجود الإخوة لأب وأم ، أو لأب يكثر عيال الأب فيحتاج إلى زيادة مال للإنفاق عليهم والأم لا تحتاج إلى ذلك إذ ليس عليها شيء من النفقة ، وهذا المعنى لا يوجد في الإخوة لأم لأن نفقتهم ليست على الأب ، وإنما ذلك على الأم فهي التي تحتاج إلى زيادة مال لأجلهم فلا تحجب من الثلث إلى السدس باعتبارهم وحجتنا ظاهر الآية فإن اسم الأخوة حقيقة للأصناف الثلاثة لأن الأخ من جاور غيره في صلب ، أو رحم ، وهذا حكم ثابت بالنص وقولهم غير معقول المعنى فإن الإخوة يحجبون الأم إلى السدس بعد موت الأب ، ولا نفقة هنا على الأب ويحجبون إذا كانوا كبارا وليس على الأب من نفقتهم شيء ثم السدس الذي يحجب عنه الإخوة لأم يكون للأب في قول عامة الصحابة وهو مذهبنا وعن ابن عباس رضي الله عنه في رواية شاذة إن ذلك للإخوة بيانه فمن مات وترك أبوين وإخوة عندنا للأم السدس والباقي للأب ، وعنده للأم السدس والسدس للإخوة والباقي للأب واستدل بحديث رواه طاوس أن النبي صلى الله عليه وسلم { أعطى الإخوة السدس مع الأبوين } ، ولأن من لا يرث لا يحجب .

( ألا ترى ) أن الإخوة لو كانوا كفارا ، أو أرقاء لا يحجبون فلما حجبوا الأم مع وجود الأب عرفنا أنهم ورثة مع الأب ، ولا يرثون شيئا من نصيب الأب لأنهم يدلون به ، ولأن الأب أقرب منهم فإنه يتصل بالميت من غير واسطة فلم يبق لهم من الميراث إلا مقدار ما نقصوا من نصيب الأم ، وذلك سدس وحجتنا في ذلك قوله تعالى { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } معناه وللأب ما بقي لأنه معطوف على قوله عز وجل { وورثه أبواه فلأمه الثلث } ، ثم هناك المراد وللأب ما بقي وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه يوضحه أنه بين في أول الآية حالا يكون الوارث فيه الأبوان فقط بقوله تعالى { وورثه أبواه } فبين نصيب الأم ، ثم عطف عليه بغير نصيبها بوجود الغير فيبقى ما سوى ذلك على ما كان وهو [ ص: 146 ] أن الوارث هم الأبوان فقط وأما الحديث فقد روي عن طاوس لقيت ابن رجل من الإخوة الذين أعطاهم رسول الله السدس مع الأبوين فسألته عن ذلك فقال كان ذلك وصية فعلى هذا يصير الحديث دليلا لنا لأن الوارث لا يستحق الوصية فلما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإخوة بالوصية مع الأبوين عرفنا أنهم لا يرثون والمعنى الذي قال هو كما قال إن من لا يرث لا يحجب غير أن الشرط أن يكون وارثا في حق من يحجبه والأخ وارث في حق الأم ، وإنما يحجب الأم بخلاف الرقيق والكافر ، ثم هو محجوب بالأب لأن حال الإخوة مع وجود الأم لا يكون أقوى من حاله عند عدم الأم وهم لا يرثون مع الأب شيئا عند عدم الأم لأن الله تعالى شرط في توريث الإخوة أن يكون الميت كلالة والكلالة من ليس له ولد ، ولا والد ، وهذا لا يتغير بوجود الأم فلهذا لا يرث الأخ شيئا مع الأب .

والأصح أن هذه الرواية عن ابن عباس لا تثبت فإن مذهبه في الجد مع الإخوة كمذهب الصديق رضي الله عنه أنهم لا يرثون شيئا فكيف يرثون مع الأب ويختلفون أيضا في زوج وأبوين فعلى قول عمر وعلي وابن مسعود وزيد رضي الله عنهم للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي والباقي للأب وهو قول جمهور الفقهاء وعلى قول ابن عباس للأم ثلث جميع المال والباقي للأب وكذلك في امرأة وأبوين للأم ثلث ما بقي عند من سمينا ، وعند ابن عباس ثلث جميع المال وحكي أن ابن عباس لقي زيدا رضي الله عنهما فقال نشدتك الله هل تجد في كتاب الله ثلث ما بقي فقال لا ، ولكنني قلت ذلك برأيي فقال كتاب الله أحق أن يؤخذ به من رأيك وحجته ظاهر الآية فإن الله تعالى قال : { فلأمه الثلث } يعني ثلث التركة لأنه معطوف على قوله تعالى { فلهن ثلثا ما ترك } وعلى قوله تعالى { وإن كانت واحدة فلها النصف } يعني نصف ما ترك . فكذلك قوله عز وجل { فلأمه الثلث } ، ثم لا يجوز أن ينتقص نصيب الأم بالزوج لأن سبب وراثة الأم أقوى من سبب الزوج فإن سبب وراثتها لا يحتمل النقص والدفع فهو قائم عند الوراثة ، وقد ترث جميع المال في بعض الأحوال بخلاف الزوج .

ولو جاز أن ينقص نصيب أحدهما لمكان الزوج لكان الأولى به الأب ، وقد ينتقص نصيب الأب لوجود الزوج فإن المرأة إذا تركت أباها وحده كان له جميع المال ، وإن كان مع الأب زوجها فله نصف المال ، ولا ينتقص نصيب الأم لمكان الزوج بحال فإدخال ضرر النقصان على الأب أولى منه على الأم ، وهذا المعنى فقهي وهو أن الأب عصبة في هذه الحالة ، ولا مزاحمة بين العصبات وأصحاب الفرائض ، ولكن أصحاب الفرائض [ ص: 147 ] مقدمون فيعطون فريضتهم ، ثم ما بقي للعصبة قل ، أو كثر واعتبار الثلث والثلثين بين الأب والأم عند وجود المزاحمة ويقاس بما لو كان مكان الأب جد في هذين الفصلين وحجتنا في ذلك { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث } معناه فلأمه ثلث ما ورثه أبواه إذ لو لم يحمل على هذا صار قوله { وورثه أبواه } فصلا خاليا عن الفائدة وقد كان يحصل البيان بقوله { فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث } كما قال تعالى { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ، وإن كانت واحدة فلها النصف } فلما قال هنا { وورثه أبواه } عرفنا أنه إنما جعل لها ميراث الأبوين وميراث الأبوين ما بقي بعد نصيب الزوج والزوجة يوضحه أنه علق إيجاب الثلث لها بشرطين أحدهما عدم الولد والآخر أن يكون الوارث أبوين فقط لأن قوله تعالى { فإن لم يكن له ولد } شرط وقوله تعالى { وورثه أبواه } عطف على شرط والمعطوف على الشرط شرط والمتعلق بشرطين كما ينعدم بانعدامهما ينعدم بانعدام أحدهما فبهذا يتبين أن ثلث جميع التركة لها غير منصوص في هذه الحالة فوجب المصير إلى هذا المعنى المعقول وهو أن الأبوين في الأصول كالابن والبنت في الفروع لأن سبب وراثة الذكر والأنثى واحد وكل واحد منهما متصل بالميت بغير واسطة ، ثم لا يجوز تفضيل البنت على الابن ، ولا التسوية بينهما في الفروع بل يكون للأنثى مثل نصف نصيب الذكر . فكذلك في الأصول ويقاس ما بقي بعد نصيب الزوج والزوجة بجميع المال عند عدم الزوج والزوجة . فأما إذا كان مكان الأب جدا فيقول تفضيل الأنثى على الذكر ، أو التسوية إنما تجوز عند المساواة في القرب ، ولا مساواة فالأم متصلة بالميت من غير واسطة والجد لا يتصل به إلا بواسطة .

( ألا ترى ) أن الجد قد يحرم الميراث بمن هو أقرب منه وهو الأب والأم لا تحرم بمن هو أقرب منها بحال بمنزلة الأب فلهذا أعطيناها مع الجد ثلث جميع المال ومع الأب ثلث ما بقي وكان يقول أبو بكر الأصم لها ثلث ما بقي مع الزوج وثلث جميع المال مع الزوجة ويروى ذلك عن معاذ رضي الله عنه لأن مع الزوج لو أعطيناها ثلث جميع المال لم يكن للأب إلا السدس فيكون فيه تفضيل الأنثى على الذكر ، ولا إلى التسوية بينهما . فأما الجدة فهي صاحبة فرض فريضتها السدس لحديث أبي سعيد الخدري { أعطى الجدة السدس } ويستوي في ذلك أم الأم وأم الأب فإن اجتمعتا فالسدس بينهما ثبت ذلك باتفاق الصحابة رضي الله عنهم على ما روي أن أم الأم جاءت إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقالت أعطني ميراث ولد ابنتي فقال لا أجد لك في كتاب الله تعالى نصيبا ولم أسمع من [ ص: 148 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك شيئا ، ولكني أشاور أصحابي فجمعهم وسألهم عن ذلك فشهد محمد بن سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس ثم جاءت أم الأب بعد ذلك إلى أبي بكر فقالت أعطني ميراث ولد ابني فقال لا أجد لك في كتاب الله نصيبا ولم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك شيئا ، ولكني أرى أن ذلك السدس بينكما إذا اجتمعتا وهو لمن انفرد منكما ، ثم لا يزداد نصيب الجدات على السدس ، وإن كثرن إلا عند الرد ، ولا ينقص إلا عند العول .

فأما الزوج فهو صاحب فرض وله حالان النصف عند عدم الولد وولد الابن ذكرا كان ، أو أنثى والربع عند وجوده ثبت ذلك بقوله تعالى { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } الآية ، ولا يزداد الزوج على النصف بذلك بحال ، ولا ينقص عن الربع إلا عند العول وأما الزوجة فهي صاحبة فرض ولها حالان الربع عند عدم الولد وولد الابن ذكرا كان ، أو أنثى والثمن عند وجوده ثبت ذلك بقوله تعالى { ولهن الربع مما تركتم } الآية ونصيب الزوجات بينهن بالسوية اثنتين ، أو ثلاثا ، أو أربعا لا يزاد لهن على الربع بحال ، ولا ينقص عن الثمن إلا عند العول ، ولا يحجب الزوج والزوجة عن الميراث بأحد ، ولا سبب إلا بقتل ، أو كفر ، أو رق والحاصل أن الحجب نوعان حجب حرمان وحجب نقصان فحجب الحرمان نحو حجب الأجداد بالأب والجدات بالأم وحجب النقصان نحو حجب الزوج والزوجة ، ولا خلاف في أن حجب الحرمان لا يثبت بمن هو غير وارث بسبب القتل أو الرق ، أو اختلاف الدين وكذلك حجب النقصان في أكثر قول الصحابة رضي الله عنهم وهو مذهبنا وقال ابن مسعود رضي الله عنه ثبت حجب النقصان بمن لا يكون وارثا واستدل في ذلك فقال هذا الحجب بالنص ثابت بالولد وبالإخوة وبسبب الرق والقتل والكفر لا بقيد هذا الاسم فالتقييد بكون الأخ والولد وارثا زيادة على النص ، وهذا بخلاف حجب الحرمان لأن حجب الحرمان باعتبار تقديم الأقرب على الأبعد ، وإنما يتحقق ذلك إذا كان الأقرب مستحقا . فأما حجب النقصان باعتبار أن السبب مع وجود الولد والإخوة لا يوجب له إلا أقل النصيبين ، وفي هذا المعنى لا فرق بين أن يكون الولد والأخ وارثا ، ولا يكون وارثا وحجتنا في ذلك أن من ليس بوارث جعل في استحقاق الميراث كالميت . فكذلك في الحجب هو كالميت وكما أنه مع الرق لا يخرج من أن يكون ولدا فبالموت لا يخرج من أن يكون ولدا ، ثم شرطنا كونه ولدا حيا للحجب بالاتفاق . فكذلك يشترط كونه وارثا حرا للحجب ونفس حجب النقصان على [ ص: 149 ] حجب الحرمان في المعنى لا فرق بينهما لأن في حجب الحرمان تقديم الأقرب في الكل ، وفي حجب النقصان تقديم الحاجب على المحجوب في البعض . فإذا شرط هناك صفة الوراثة في الحاجب . فكذلك يشترط هنا والله أعلم بالصواب . .

باب التشبيه في ميراث الأولاد ( قال رضي الله عنه ) ويسمى هذا باب التفويض وباب ترتيب الأنساب واعلم بأن الصحابة رضي الله عنهم لم يتكلموا في جنس مسائل هذا الباب ، وإنما ذكر المتأخرون رحمهم الله في ذلك لتسجيد الخواطر فنقول إنك تسأل عن ثلاثة بنات ابن بعضهن أسفل من بعض فالأصل في تخريج الجواب ما قدمنا أن ابنة الابن تقوم مقام ابنة الصلب عند عدمها وابنة ابن الابن تقوم مقام ابنة الابن عند عدمها ، ثم صورة هذه المسألة أن العليا منهن ابنة الابن والوسطى ابنة ابن الابن والسفلى ابنة ابن ابن الابن فيكون للعليا النصف لأنها قائمة مقام ابنة الصلب والوسطى السدس تكملة الثلثين ، ولا شيء للسفلى فإن كان مع واحدة منهن غلام قلت إن كان الغلام مع العليا فالمال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين ، وإن كان مع الوسطى فللعليا النصف والباقي بين الغلام والوسطى للذكر مثل حظ الأنثيين ولا شيء للسفلى لأن الذكر لا يعصب من دونه بدرجة ، وإن كان الغلام مع السفلى فللعليا النصف وللوسطى السدس تكملة الثلثين والباقي بين السفلى والغلام للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كان مع العليا جدها أب أبيها فقل هذا الميت ذكر أم أنثى فإن كان الميت ذكرا فالسؤال محال لأن أب الأب أب أب العليا وهو الميت نفسه ، وإن كان الميت امرأة فالسؤال صحيح وهذه امرأة ماتت وتركت زوجها وثلاث بنات ابن فيكون للزوج الربع وللعليا النصف وللوسطى السدس فإن قيل لم يذكر في السؤال قيام الزوجية بينهما عند الموت فكيف يورثه قلنا قد ذكر ذلك إشارة بذكره إياه في جملة الورثة مع أنا عرفنا أن الزوجية بينهما ، وما عرف ثبوته فالأصل بقاؤه حتى يقوم دليل الزوال فإن كان مع العليا جدتها أم أبيها قلنا إن كان الميت امرأة فالسؤال محال لأن أم أب العليا هي الميتة نفسها .

وإن كان الميت ذكرا فالسؤال مستقيم وأم أب العليا زوجة الميت فيكون لها الثمن ولابنة الابن النصف ولابنة ابن الابن السدس تكملة الثلثين ، وإن كان مع العليا عمها فنقول عم العليا ابن الميت فالمال كله له وإن كان مع العليا عمتها فعمة العليا ابنة الميت [ ص: 150 ] فلها النصف وللعليا السدس ، وإن كان مع العليا عم ابنها فعم ابنها أخ الميت فيكون للعليا النصف وللوسطى السدس والباقي للأخ ، وإن كان مع العليا عمة ابنها فعمة ابنها أخت الميت فللعليا النصف وللوسطى السدس والباقي للأخت فإن الأخوات مع البنات عصبة فإن كان مع العليا ثلاثة أعمام متفرقين فنقول إن كان الميت ذكرا فالمال بين عم العليا لأب وأم وعمها لأب نصفان ، ولا شيء لعمها لأمها لأن عمها لأم ابن امرأة الميت ، وإن كان الميت امرأة فالمال بين عم العليا لأب وأم وعمها لأم نصفان لأنهما ابنا الميت ، ولا شيء لعمهما لأب لأنه ابن زوج الميت ، وإن كان مع العليا ثلاث عمات متفرقات فهو كذلك إن كان الميت رجلا فعمة العليا لأب وأم وعمتها لأم ابنتا الميت فلهما الثلثان ، وإن كان مع العليا ثلاث إخوة متفرقين فالمال بينها وبين أختها لأب وأم وأختها لأب للذكر مثل حظ الأنثيين ، ولا شيء لأختها لأم لأنها ابنة امرأة ابن الميت ، وإن كان مع العليا ثلاث أخوات متفرقات فأخوتها لأبيها وأمها وأختها لأبيها في درجتها فيكون لهم الثلثان ولا شيء لأختها لأمها لأنها ابنة ابن امرأة ابن الميت ويستوي في هذا الفصل إن كان الميت ذكرا ، أو أنثى فإن كان ترك ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض وثلاث بنات ابن ابن بعضهن أسفل من بعض فنقول العليا من الفريق الثاني في درجة الوسطى من الفريق الأول والوسطى من الفريق الثاني في درجة السفلى من الفريق الأول فيكون للعليا من الفريق الأول النصف وللوسطى من الفريق الأول والعليا من الفريق الثاني السدس تكملة الثلثين ولا شيء لمن سواهن فإن كان مع الوسطى من الفريق الثاني غلام فالباقي بين السفلى من الفريق الأول والوسطى من الفريق الثاني والغلام للذكر مثل حظ الأنثيين ولا شيء للسفلى من الفريق الثاني .

وإن كان الغلام مع السفلى من الفريق الثاني فالباقي بين الغلام وبين من بقي منهن للذكر مثل حظ الأنثيين لما بينا أن الغلام كما يعصب من في درجته يعصب من هو فوقه بدرجة إذا لم يستحق شيئا بالفريضة ، وإن كان الغلام مع العليا من الفريق الثاني فللعليا من الفريق الأول النصف والباقي بين الوسطى من الفريق الأول والعليا من الفريق الثاني والغلام للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كان الغلام مع العليا من الفريق الأول فالمال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين وإن ترك ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض ومع العليا ثلاث بني أعمام متفرقين فالمال بين العليا وبين ابن عمها لأب وأم وبين ابن عمها لأب للذكر مثل حظ الأنثيين لأن ابن عمها في درجة ابن ابن الميت رجلا كان [ ص: 151 ] أو امرأة فإن كان مع العليا ثلاث بنات أعمام متفرقين فللعليا ، وما يكون من هذا الجنس فطريق تخريجه ما بينا ويتصل بهذا الباب مسائل المعاياة ومتشابه الأنساب ، ولكن أورد محمد رحمه الله لذلك بابا في آخر الكتاب فيؤخر البيان إلى ذلك الموضع ليكون أسهل والله أعلم بالصواب . .
باب الإخوة والأخوات ( قال رحمه الله ) الأصل في توريثهم آيتان من كتاب الله تعالى إحداهما قوله تعالى { ، وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ ، أو أخت } معناه أخ ، أو أخت لأم هكذا في قراءة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وتسمى هذه الآية آية النساء لأنها في النساء نزلت والثانية قوله تعالى { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } إلى آخر السورة والمراد الإخوة والأخوات لأب وأم ، أو لأب هكذا قاله الصديق رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسمى هذه الآية آية الصيف لأن نزولها كان في الصيف ، ثم اختلفت الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم في معنى اللفظ المذكور في الآيتين وهو الكلالة أنه عبارة عما خلا عن الولد والوالد ، وفي آية النساء الكلام مبهم جدا ، وفي آية الصيف زيادة بيان بقوله عز وجل { إن امرؤ هلك ليس له ولد } وكان { عمر رضي الله عنه أحرص الناس على السؤال عن الكلالة حتى أنه روي لما ألح على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السؤال عنه وضع في صدره فقال أما يكفيك آية الصيف } ، وإنما أحاله على الآية ليجتهد في طلب معناها فينال ثواب المجتهدين وروي أن { ابن عمر رضي الله عنه قال لحفصة رضي الله عنها متى وجدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة نفس فسليه عن الكلالة فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثيابه يوما ليخرج فقالت حفصة أخبرني عن الكلالة يا رسول الله فقال عليه السلام أبوك أمرك بذلك ما أراه يعرف الكلالة فكان عمر رضي الله عنه يقول ما أراني أعرف الكلالة بعد ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال } وكان عمر رضي الله عنه يقول قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبين لنا ثلاثا ولو علمتها لكان أحب إلي من الدينا ، وما فيها الكلالة والخلابة والربا وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه أني رأيت في الكلالة رأيا فإن يك صوابا فمن الله ورسوله ، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان أرى الكلالة ما خلا عن الولد والوالد فاتبعه عمر رضي الله عنه على رأيه وقال لا أرضى [ ص: 152 ] من نفسي أني أنسب إلى مخالفة أبي بكر رضي الله عنه وأثبت ذلك في كتف فلما طعن وأيس من نفسه دعا بالكتف ومحاه وقال اشهدوا أني ألقى الله تعالى ولا قول لي في الكلالة ، ثم اتفق أكثر الصحابة أبو بكر وعلي وزيد وابن مسعود رضي الله عنهم أن الكلالة ما عدا الولد والوالد وهو قول جمهور العلماء وقد روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه ، وقد صح عنه في زوج وأبوين أن للأم ثلث جميع المال ، ولا يظن به أنه يسقط الأب بالأخ ، ولا أنه ينقص نصيبه من السدس بسبب الأخ ولم يبق السدس يعني أن الله تعالى أثبت للأخ لأم السدس إذا كانت المرأة كلالة وأما إذا ماتت المرأة عن زوج وأبوين وأخ لأم فعلى قول ابن عباس للزوج النصف وللأم ثلث جميع المال ولم يبق إلا السدس فلو كانت المسألة كلالة مع قيام الأب عنده لصار ذلك السدس للأخ لأم فيصير الأب محجوبا بسبب الأخ لأم ، ولا يظن به هذا فعرفنا أن الصحيح من مذهبه أن الكلالة ما خلا الولد والوالد وأظهر الروايتين عنه أن الكلالة ما خلا الولد فإن كان هناك والد فقلت إنهم يقولون ما عدا الوالد والولد فغضب فقال أنتم أعلم أم الله قال الله تعالى { قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد } يعني الكلالة هالك ليس له ولد وعامة الصحابة والعلماء استدلوا بحديث رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكلالة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ليس له ولد ، ولا والد } وأما الآية فقد قيل المراد بقوله { ليس له ولد } وهو يشمل الولد والوالد جميعا فإن اسم الولد مشتق من الولادة ويطلق ذلك على الوالد لتولد الولد منه وعلى الولد لتولده من الوالد كاسم الذرية يتناول الأولاد والآباء قال الله تعالى { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون } يعني آباءهم فسمي الأب بهذا الاسم لأن الولد ذري منه وسمي به الولد لأنه ذري من الأب والمراد بقوله عز وجل { ليس له ولد } الولد ومن يقوم مقام الولد .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 30-12-2025, 03:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون

صـــ152 الى صـــ 161
(596)





( ألا ترى ) أن من له ولد ابن لا يكون كلالة لوجود من يقوم مقام الولد . فكذلك من له أب لا يكون كلالة لوجود من يقوم مقام الولد ومن حيث معنى اللغة والاشتقاق الحجة فيه لعامة العلماء رضي الله عنهم أن السبب نوعان سرد وكلالة فالسرد لا يتبع فردا فردا قال الله تعالى { وقدر في السرد } ومنه قول القائل
نسب توارث كابر عن كابر كالرمح أنبوبا على أنبوب
[ ص: 153 ] وهذا المعنى في الآباء والأولاد لأنه يتبع فردا فردا فعرفنا أن الكلالة ما سوى ذلك ومن حيث الاشتقاق لأهل اللغة ، ولأن أحدهما أن اشتقاق الكلالة من قولهم تكلله النسب أي أحاط به ومنه يقال تكلل الغمام السماء أي أحاط به من كل جانب ومنه الإكليل فإنه يحيط بجوانب الرأس ومنه الكل والمراد به الجمع والإحاطة ، وذلك لا يتحقق في الآباء والأولاد لأن اتصال كل واحد منهما بصاحبه من جانب واحد وإنما يتحقق هذا فيما سوى الآباء والأولاد فإن الاتصال يحيط من الجانبين ومن ذلك قول الفرزدق
ورثتم قناة المجد لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم
وقيل اشتقاق الكلالة من قولهم حمل فلان على فلان ، ثم كل عنه أي بعد ومنه الكل وهو اسم لما تباعد عن المقصود ومعنى التباعد إنما يتحقق فيما عدا الوالد والولد لكون الاتصال بواسطة ، أو واسطتين ، أو واسطات والدليل عليه قول القائل
فإن أبا المرء أحمى له ومولى الكلالة لا يغضب
. فقد أخرج الأب من الكلالة .

ثم اختلفوا في أن الكلالة اسم للميت أو للورثة فقال أبو عبيدة معمر بن المثنى هو اسم لميت ليس له ولد ولا والد وهو اختيار أهل البصرة وقال أهل الكوفة وأهل المدينة هو اسم لورثة ليس فيهم ولد ، ولا والد وحجة القول الأول قوله تعالى { وإن كان رجل يورث كلالة } أي يورث في حال ما يكون كلالة فهو نصب على الحال كما يقال ضرب زيدا قائما ، وإنما يورث الميت فعرفنا أن الكلالة صفة له وحجة القول الثاني قوله تعالى { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } أي يستفتونك عن الكلالة ، وإنما يستقيم الاستفتاء عن ورثة ليس فيهم ولد ولا والد فأما إذا سئل عن ميت ليس له ولد ولا والد لا يفهم بهذا السؤال شيء والآية قرئت بالنصب بيورث وبالكسر بورثة والقراءة بالكسر دليل على أن الكلالة اسم للورثة وتأويل القراءة بالنصب ما أشرنا إليه أن اسم الكلالة يتناول الورثة ويتناول الميت كاسم الأخ يتناول كل واحد منهما ، ثم قد ثبت بالسنة أن المراد بالكلالة الورثة قال عليه السلام { ومن ترك كلا وعيالا فعلي نفقته } يعني كلالة إذا عرفنا هذا فنقول الإخوة والأخوات أصناف ثلاثة بنو الأعيان وهم الإخوة والأخوات لأب وأم سموا بذلك لأن عين الشيء أتم ما يكون منه وتمام الاتصال من الجانبين في حقهم وبنو العلات وهم الإخوة والأخوات لأب قال القائل
ويوسف إذ دلاه أولاد علة فأصبح في قعر الركية ثاويا
[ ص: 154 ] وبنو الأخياف وهو الإخوة والأخوات لأم سموا بذلك من قولهم فرس أخيف إذا كانت إحدى عينيه زرقاء والأخرى كحلا فنسب بإحدى عينيه إلى شيء وبأخرى إلى شيء آخر فحال الإخوة والأخوات لأم كذلك .
ثم نبدأ ببيان ميراث بني الأخياف اقتداء بكتاب الله تعالى فقد ذكر الله تعالى في أول السورة ميراثهم بقوله تعالى { وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت } أي لأم وهكذا في قراءة سعد رضي الله عنه وهم أصحاب الفريضة للواحد منهم السدس ذكرا كان ، أو أنثى وللمثنى فصاعدا منهم الثلث بين الذكر والأنثى بالسوية لا يزاد لهم على الثلث ، وإن كثروا إلا عند الرد فلا ينتقص الفرد منهم عن السدس إلا عند العول ، وهذا حكم ثابت بالنص قال الله تعالى { لكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث } ولفظ الشركة يقتضي التسوية فهو دليل على أنه سوى بين ذكورهم ، وإناثهم والمعنى يدل عليه فإنهم يدلون بالأم فيعتبر ميراثهم بميراث المدلي به وللأم في الميراث حالان فالفرد منهم يعتبر حاله بأسوإ حالي الأم فله السدس والجماعة منهم يعتبرون بأخس حالي الأم لتقوي حالهم بالعدد وفي معنى الإدلاء بالأم الذكور والإناث سواء ويفضل الذكر على الأنثى باعتبار العصوبة ، ولا حظ له في العصوبة ثم هم لا يرثون مع أربعة نفر بالاتفاق مع الولد وولد الابن ذكرا كان أو أنثى ومع الأب والجد فإن الله تعالى شرط في توريثهم الكلالة ، وقد بينا أن الكلالة ما خلا الوالد والولد واتفقوا أنهم لا يسقطون ببني الأعيان ولا ببني العلات ، ولا ينقص نصيبهم ببني العلات ، وإنما يختلفون في أنه هل ينقص نصيبهم ببني الأعيان أم لا وبيان هذا الاختلاف في امرأة ماتت وتركت زوجا وأما وأخوين لأم ، أو أختين ، أو أخا وأختا وأخوين لأب وأم فالمذهب عند علي وأبي موسى الأشعري وأبي بن كعب رضي الله عنهم أن للزوج النصف وللأم السدس وللإخوة لأم الثلث ولا شيء للإخوة لأب وأم وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله وقال عثمان وزيد رضي الله عنهما الثلث مقسوم بين الإخوة لأم وبين الإخوة لأب وأم بالسوية وهو مذهب شريح والثوري ومالك والشافعي وهذه المسألة المشركة .

وكان عمر رضي الله عنه ينفي التشريك ، ثم رجع إلى التشريك وعن ابن عباس رضي الله عنه روايتان أظهرهما التشريك وعن ابن مسعود رضي الله عنه روايتان أظهرهما نفي التشريك وتسمى هذه المسألة مسألة التشريك والحمارية ، وذلك لأنه روي أن الإخوة لأب وأم سألوا عمر رضي الله عنه عن هذه المسألة فأفتى بنفي التشريك كما كان يقوله أولا فقالوا هب [ ص: 155 ] أن أبانا كان حمارا ألسنا من أم واحدة فقال عمر رضي الله عنه صدقتم ورجع إلى القول بالتشريك وهو المعنى الفقهي فإن استحقاق الميراث باعتبار القرب والإدلاء ، وقد استوفوا في الإدلاء إلى الميت بالأم ويرجح الإخوة لأب وأم بالإدلاء إليه بالأب فإن كانوا لا يتقدمون بهذه الزيادة فلا أقل من أن يستووا بهم ، وإنما لم يتقدموا لأن الإدلاء بالأب بسبب العصوبة واستحقاق العصبات متأخر عن استحقاق أصحاب الفرائض فلا يبقى هنا شيء من أصحاب الفرائض فيسقط اعتبار الإدلاء بقرابة الأب في حقهم ، وإنما يبقى الإدلاء بقرابة الأم وهم في ذلك سواء واحتجاجنا على القوم الذين قالوا هب أن أبانا كان حمارا أنا إذا جعلنا أباكم حمارا فإنا نجعل أمكم أتانا فلا يستحق بالإدلاء بها شيء ومعنى هذا الكلام وهو أن الإدلاء بقرابة الأب سبب لاستحقاق العصوبة وبعد ما وجد هذا السبب لا تكون قرابة الأم علة الاستحقاق بل تكون علة للترجيح فلهذا يرجح الأخ لأب وأم على الأخ لأب ، وما يكون علة للاستحقاق بانفراده لا يقع به الترجيح ، وإنما يقع الترجيح بما لا يكون علة للاستحقاق فلهذا يتبين أن قرابة الأم في حقهم ليست بسبب للاستحقاق ، ثم العصوبة أقوى أسباب الإرث والضعيف لا يظهر مع وجود القوي فلا يظهر الاستحقاق بالفريضة في حق الإخوة والأخوات لأب وأم .

وإذا لم يظهر ذلك وجب إلحاق الفرائض بأهلها فإن بقي سهم فهو للعصبة ، وإن لم يبق فلا شيء لهم . وإذا اعتبر التسوية بينهم في قرابة الأم لترجح قرابة الأب فينبغي أن يكون الثلث كله لهم كما يرجح الإخوة لأب وأم على الإخوة لأب بقرابة الأم والدليل عليه لو كان هناك أخ واحد لأم وعشرة لأب وأم فللأخ لأم السدس والباقي بين الإخوة لأب وأم ولا أحد يقول بالتسوية بينهم هنا فلو كان معنى الاستواء في قرابة الأم معتبرا لوجب أن يعتبر ذلك وبقي تفضيل الأخ لأم على الأخ لأب وأم إذ عرفنا هذا فنقول لو كان مكان الأخوين لأب وأم أختين لأب وأم لا تكون المسألة مشركة لأن للأختين لأب وأم الثلثين بالفريضة وتكون المسألة عولية وكذلك لو كان مكانهما أخوين لأب لا تكون المسألة مشركة لأن من يقول بالتشريك إنما يقول به لوجود المساواة في الإدلاء بالأم وذلك لا يوجد في الإخوة لأب وكذلك إذا كان الأخ لأم واحدا لا تكون مشتركة لأنه يبقى بعد نصيب أصحاب الفرائض .

فأما بيان ميراث بني الأعيان فنقول إنهم يقومون مقام أولاد الصلب عند عدمهم في التوريث ذكورهم مقام ذكورهم ، وإناثهم مقام إناثهم حتى أن الأنثى منهم إذا كانت واحدة [ ص: 156 ] فلها النصف وللمثنى فصاعدا الثلثان ، وذلك يتلى في القرآن قال الله تعالى { وله أخت فلها نصف ما ترك } ، ثم قال عز وجل { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك } كما في ميراث البنات إذا كن فوق اثنتين ولم يذكر ذلك هنا ونص على ميراث البنتين هنا ولم ينص عليه ثمة ليستدل بأحدهما على الآخر وللفرد منهم إذا كان ذكرا جميع المال ثبت بقوله تعالى { وهو يرثها إن لم يكن لها ولد } أي يرثها جميع المال ، وإن كثروا فالمال بينهم بالسوية اعتبارا بالأبناء وعند اختلاط الذكور بالإناث يكون المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ثبت بقوله تعالى { وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين } كما هو في ميراث الأولاد وشيء من المعقول يدل عليه فالإرث خلافة مشروعة لمن يقوم مقام الميت عند استحقاقه عما يخلفه من المال بعد موته والخلافة إما بالمناسبة ، أو بالمواصلة ، أو بالقرابة وميراث بني العلات كميراث أولاد الابن على معنى أنهم عند عدم بني الأعيان يقوم ذكورهم مقام ذكورهم وإناثهم مقام إناثهم كأولاد الابن عند عدم أولاد الصلب فإنهم لا يرثون مع الذكر من بني الأعيان شيئا كما لا يرث أولاد الابن مع الابن حتى أن الأخت لأب لا ترث مع الأخ لأب وأم ولا تصير عصبة مع البنت إذا كان معها أخ لأب وأم بل يكون النصف للبنت والباقي للأخ لأب وأم ، ولا شيء للأخت لأب ، وإن كان بنو الأعيان إناثا مفردات فإن كانت واحدة فلها النصف ولبني العلات إذا كن إناثا مفردات السدس تكملة الثلثين ، وإن كانوا مختلطين فالباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين .

وعلى قول ابن مسعود رضي الله عنه ينظر للإناث منهم إلى المقاسمة وإلى السدس فلهن شرهما ، وإن كان بنو الأعيان بنتين من الإناث فصاعدا فلهما الثلثان ، ولا شيء للأخوات إلا أن يكون معهن ذكر فيعصبهن فيما بقي .

وعلى قول ابن مسعود الباقي للذكر خاصة وهو نظير ما ذكرنا من مسائل الإضرار على قول ابن مسعود رضي الله عنه في أولاد الابن مع بنات الصلب ولا خلاف أنهم لا يرثون مع الأب شيئا إلا في رواية شاذة عن ابن عباس ، وقد بينا في توريثهم مع الجد اختلافا ظاهرا نبينه في موضعه ، ولا خلاف أنهم لا يرثون مع الابن شيئا لأن شرط تورثيهم أن يكون الميت هالكا قال الله تعالى { إن امرؤ هلك } ومن له ابن فليس بهالك ، وإنما يختلفون في توريثهم مع البنات ، وهذا الاختلاف في الإناث المفردات منهم دون الذكور حتى إن من مات وترك ابنة أو ابنتين وأخا لأب وأم ، أو لأب فللأخ ما بقي نصفا كان ، أو ثلثا ، وذلك ثابت بالسنة فقد قال عليه السلام { ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت فلأولى رجل ذكر } وأقرب رجل ذكر هو [ ص: 157 ] الأخ فأما إذا كان مع الابنة ، أو الابنتين أخت لأب وأم ، أو لأب فعلى قول عمر وعلي وزيد وابن مسعود ما بقي للأخت نصفا كان ، أو ثلثا .

وعلى قول ابن عباس لا شيء للأخت في هذه الحالة وأصله أن الأخوات يصرن عصبة مع البنات عند أكثر الصحابة وهو قول جمهور الفقهاء ، وعند ابن عباس رضي الله عنه لا يصرن عصبة واختلفت الرواية عنه فيما إذا اختلط الذكور بالإناث من الإخوة فروي عنه أن الباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين وهو الأصح من مذهبه وروي عنه أن الباقي كله للذكر فالأخت تصير عصبة مع البنت سواء كانت لأب وأم ، أو لأب إلا أنه إذا كان مع الأخت لأب أخ لأب وأم بأن ترك بنتا وأخا لأب وأم وأختا لأب فللبنت النصف والباقي للأخ لأب وأم ، ولا شيء للأخت لأب وكذلك إن كان هناك ابنة وأخت لأب وأم وأخ وأخت لأب فقد روي عنه أن الباقي كله للذكر والأظهر من مذهبه أن الباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ، وعندنا الباقي كله للأخت لأب وأم وحجته ما روى معمر عن الزهري عن أبي مسلمة بن عبد الرحمن رضي الله عنه قال سألت ابن عباس رضي الله عنه عن فريضة فيها ابنة وأخت فقال للابنة النصف ، ولا شيء للأخت فقلت قد كان عمر رضي الله عنه يقول للابنة النصف وللأخت ما بقي فغضب وقال أنتم أعلم أم الله قال الله تعالى { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت } قال الزهري فلم أفهم مراد ابن عباس حتى سألت عنه عطاء فقال مراده أن الله تعالى إنما جعل للأخت النصف بشرط عدم الولد ولم يجعل لها النصف مع الولد فإن اسم الولد حقيقة للذكر والأنثى جميعا .

( ألا ترى ) أن الله تعالى لما حجب الأم من الثلث إلى السدس بالولد استوى فيه الذكر والأنثى ولما حجب الزوج عن النصف إلى الربع والمرأة إلى الثمن من الربع بالولد استوى فيه الذكر والأنثى . فكذلك هنا شرط عدم الولد لتوريث الأخت فيستوي فيه الذكر والأنثى والدليل عليه أن الباقي بعد نصيب صاحب الفريضة يستحقه العصبة بالنسبة والأخ عصبة . فأما الأخت فليست بعصبة لأنها عند الانفراد لا تكون عصبة فعرفنا أنها ليست بعصبة في نفسها ، وإنما تعتبر عصبة بغيرها إذا كان ذلك الغير عصبة والابنة ليست بعصبة فلا يجوز أن يجعل عصبة معها .

ولو صار عصبة معها لشاركها في الميراث وبالإجماع لا يشاركها في نصيبها فعرفنا أنها ليست بعصبة أصلا إلا أن يخالطها ذكر فحينئذ تصير عصبة بالذكر وحجتنا في ذلك قوله تعالى { إن امرؤ هلك ليس له ولد } ومعناه ابن بدليل ما عطف عليه بقوله تعالى { وهو يرثها إن لم يكن لها ولد } فإن معناه بالاتفاق [ ص: 158 ] إن لم يكن لها ابن حتى إن الأخ يرث مع الابنة فإن قيل هما شرطان ذكر كل واحد منهما في حادثة على حدة فإن قام الدليل على أن المراد بأحدهما الذكر لا يتبين أن المراد بالثاني الذكر قلنا لا كذلك بل الكل شرط واحد لأنه ذكر أولا إذا كان الأخ هو الميت يجعل للميت النصف ، ثم قلت المسألة بجعل الأخت هي الميت والأخ هو الوارث وجعل له جميع المال فبهذا يتبين أن الشرط واحد وهو عدم الولد ، ثم المراد في أحد الموضعين الذكر دون الأنثى فكذلك المراد في الموضع الآخر والسنة تدل على ذلك فقد روي أن أبا موسى الأشعري سئل عن ابنة وابنة ابن وأخت فقال للابنة النصف وللأخت ما بقي فسئل عن ذلك ابن مسعود رضي الله عنه فقال قد ضللت إذا ، وما أنا من المهتدين سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين والباقي للأخت } ففي هذا تنصيص على أن الأخت عصبة مع البنت والمعنى فيه أن حالة الانفراد حال الأخت أقوى من حال الاختلاط بالإخوة لأن حالة الاختلاط حال مزاحمة وحال الانفراد حال عدم المزاحمة . فإذا كانت هي لا تحجب عن الميراث في حالة الاختلاط بالإخوة فلأن لا تحجب في حالة الانفراد كان أولى وبهذا يتبين أن وجود عين الولد ليس بموجب حرمان الإخوة والأخوات ، وإنما يحجبون بفريضة الابنة .

( ألا ترى ) أن للأخوات المفردات لأبوين السدس مع الابنة الواحدة .

ولو لم يكن حجب الأخوات بفريضة البنات لكانت تثبت المزاحمة بينهن وبين الابنة الواحدة في فريضة البنات كبنات الابن فإنهن يزاحمن الابنة الواحدة في فريضة البنات فيكون لهن السدس .

وإذا ثبت أن حجب الأخوات بفريضة البنات فيما وراء فريضة الابنة انعدم الحجب فيثبت الاستحقاق لهن بخلاف بنات الابن مع الابنتين لأن حجبهن بوجود البنات لا بفريضة البنات يدل عليه أن استحقاق البنات الميراث ينبني على القرب ، وذلك يكون بالولادة فولد الرجل أقرب إليه من ولد ابنه وولد ابنه أقرب من ولد جده كما أن الأب أقرب إليه من الجد والأخوات ولد الأب والعصوبة تستحق بالولادة لا بالأب في الجملة فعند الحاجة يثبت حكم العصوبة لولد الأب ذكرا كان ، أو أنثى ، وقد تحققت الحاجة إلى ذلك في حق الأخوات مع البنات لأنهن صرن محجوبات عن فريضة البنات . فإذا كان هناك ذكر معهن فجعلهن عصبة بالذكر أولى وإذا لم يكن يجعلهن عصبة في استحقاق ما وراء فريضة البنات بخلاف فريضة بنات الابن فالحاجة لا تتحقق إلى ذلك في حقهن فإنهن لا يحجبن عن فريضة [ ص: 159 ] البنات بخلاف الأخوات لأم لأنهن يدلين بالأم ، ولا تأثير لقرابتها في العصوبة .

( ألا ترى ) أن الذكر هو الذي يدلي بقرابتها يوضحه أن الله تعالى شرط كلالة مبهمة لتوريث أولاد الابن ومن له ابنة فليس بكلالة مطلقا وشرط توريث أولاد الأب كلالة مقيدة بقوله تعالى { إن امرؤ هلك ليس له } أي ولد ذكر بدليل آخر الآية وهو قوله تعالى { وإن كانوا إخوة رجالا ونساء } فالشرط هناك عدم ولد ذكر بالاتفاق ولم يذكر الشرط هناك نصا بل هو معطوف على ما في أول الآية والدليل عليه أن من له ابنة فهو كلالة معنى وليس بكلالة صورة فإن الكلالة من يكون منقطع النسب ، ولا نسب لأحدهم فإن الإخوة لا ينسبون إلى أخيهم وأولاد البنت لا ينسبون إلى أب أمهم ، وإنما ينسبون إلى أب أبيهم فلكونه كلالة معنى قلنا يرثه الأخوات لأب وأم ، أو لأب ولكونه غير كلالة صورة قلنا لا يرثه الأخوات لأم إذا عرفنا هذا فنقول الإخوة والأخوات ، وإن كانوا ينزلون منزلة الأولاد في الإرث فلا ينزلون منزلتهم في الحجب حتى إنهم لا يحجبون الزوج والزوجة والواحد منهم لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس بخلاف الأولاد لأن الحجب ثابت بالنص من غير أن يعقل فيه المعنى فإنما يثبت في مورد النص ، وإنما ورد النص به في الأولاد خاصة بخلاف الإرث فإنه معقول المعنى وهو القرب على ما قررنا .

فصل في ميراث الإخوة والأخوات فإن سئلت عن ثلاثة إخوة متفرقين مع كل واحد منهم ثلاث إخوة متفرقون فقل هذا ميت ترك أخوين لأب وأم وأربع أخوات لأب وأربع إخوة لأم لأن أخ أخيه لأب وأم مثله أخ للميت لأب وأم وإخوة لأب للميت كذلك وإخوة لأم للميت كذلك . فأما أخ الأخ لأب وأم وأخوه هما أخوا الميت لأب وأخوه لأم أجنبي عن الميت فحصل للميت أخوان لأب وأم وأربع إخوة لأب وأربع إخوة فللإخوة لأم الثلث والباقي للأخوين لأب وأم ، ولا شيء للإخوة لأب فإن قال ترك ثلاث أخوات متفرقات مع كل واحدة منهن ثلاث أخوات متفرقات فهو في الحاصل ترك أختين لأب وأم وأربع أخوات لأب وأربع أخوات لأم على التفصيل الذي قلنا فللأخوات لأم الثلث وللأختين لأب وأم الثلثان فإن قال ترك ثلاث إخوة متفرقين وثلاث أخوات متفرقات مع كل أخ ثلاث إخوة متفرقين ومع كل أخت ثلاث أخوات متفرقات فهو في الحاصل ترك أخوين وأختين لأب وأم وأربع أخوات لأم وأربع إخوة وأربع أخوات لأب على التفسير الذي قلنا فيكون للإخوة والأخوات لأم الثلث بينهم [ ص: 160 ] بالسوية والباقي بين الإخوة والأخوات لأب وأم للذكر مثل حظ الأنثيين وعن ابن عباس رضي الله عنه في رواية شاذة أن الثلث الذي هو نصيب الإخوة والأخوات لأم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين قال لأنهم يدلون بالأم فيكون قسمة هذا الميراث بينهم على نحو قسمة ميراث الأم بينهم وميراث الأم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين .

فكذلك ميراث الذي يستحقونه بقرابة الأم ، ولكنا نستدل بقوله تعالى { فهم شركاء في الثلث } والشركة تقتضي التسوية ، ثم يفضل الذكر على الأنثى في حالة الاختلاط من حكم العصوبة ولا تأثير لقرابة الأم في استحقاق العصوبة بها ، وإنما يستحقون الميراث بالإدلاء بالأم والأنثى قد استوت بالذكر في ذلك فيستويان في الاستحقاق كما لو أعتق رجل وامرأة عبدا بينهما ثم مات العبد استويا في الميراث عنه لاستوائهما في السبب فإن قال ترك ابن أخ لأب معه ثلاثة أعمام متفرقين فنقول أما عمه لأب وأم فهو أخ الميت لأب لأنه مثل أبيه وأبوه أخ للميت لأب وأما عمه لأم فهو أجنبي عن الميت وأما عمه لأب فإن كانت أمه أم الميت فهو أخ الميت لأب وأم ، وإن كانت أمه امرأة أخرى غير أم الميت فهو أخ الميت لأب ففي حال ترك الأخوين لأب وابن أخ فالمال كله للأخوين ، وفي حال ترك أخ لأب وأم وأخت لأب فالمال كله للأخ لأب وأم فإن قال ترك ابن الأخ لأب معه ثلاث بني أعمام متفرقين قلنا ابن عمه لأبيه وأمه مثله ابن أخ الميت لأب وابن عمه لأمه أجنبي عن الميت وابن عمه لأبيه يجوز أن يكون ابن الميت لأن الميت عمه لأمه فإن قال السائل وليس للميت فقل حينئذ ابن عمه لأبيه إن كان أبوه من أم الميت فهو ابن أخ الميت لأب وأم فيكون أولى بالميراث فإن كان من امرأة أخرى غير أم الميت فإنما ترك ثلاث بني أخ لأب فالميراث بينهم بالسوية ، وما كان من هذا الجنس فعلى هذا القياس يخرج والله أعلم بالصواب . .

باب العول ( قال رضي الله عنه ) اعلم أن الفرائض ثلاثة فريضة عادلة وفريضة قاصرة وفريضة عائلة فالفريضة العادلة هي أن تستوي سهام أصحاب الفرائض بسهام المال بأن ترك أختين لأب وأم وأختين لأم فللأختين لأم الثلث وللأختين لأب وأم الثلثان وكذلك إن كان سهام أصحاب الفرائض دون سهام المال وهناك عصبة فإن الباقي من أصحاب الفرائض يكون [ ص: 161 ] للعصبة فهو فريضة عادلة وأما الفريضة القاصرة أن يكون سهام أصحاب الفرائض دون سهام المال وليس هناك عصبة بأن ترك أختين لأب وأم وأما فللأختين لأب وأم الثلثان وللأم السدس ، ولا عصبة في الورثة ليأخذ ما بقي فالحكم فيه الرد على ما نبينه في بابه والفريضة العائلة أن يكون سهام أصحاب الفرائض أكثر من سهام المال بإن كان هناك ثلثين ونصفا كالزوج مع الأختين لأب وأم ، أو نصفين وثلثا كالزوج مع الأخت الواحدة لأب وأم ومع الأم فالحكم في هذا العول في قول أكثر الصحابة عمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم وهو مذهب الفقهاء وكان ابن عباس رضي الله عنه ينكر العول في الفرائض أصلا وأخذ بقوله محمد بن الحنفية وعلي بن الحسين وزين العابدين وأول من قال بالعول العباس بن المطلب فإنه قال لعمر رضي الله عنه حين وقعت هذه الحادثة أعيلوا الفرائض وقيل لابن عباس رضي الله عنه من أول من أعال الفرائض فقال ذلك عمر بن الخطاب ، ثم أتى بفريضة فيها ثلثان ونصف ، أو نصفان وثلث فقال لا أدري من قدمه الله فأقدمه ، ولا من أخره الله فأؤخره وأعال الفريضة وأيم الله لو قدم من قدمه الله تعالى وأخر من أخره الله تعالى ما عالت فريضة قط فقيل ومن الذي قدمه الله يا ابن عباس فقال من نقله الله من فرض مقدر إلى فرض مقدر فهو الذي قدمه الله تعالى ومن نقله الله تعالى من فرض مقدر إلى غير فرض مقدر فهو الذي أخره الله تعالى .

وعن عطاء رحمه الله أن رجلا سأل ابن عباس رضي الله عنه فقال كيف يصنع في الفريضة العائلة فقال أدخل الضرر على من هو أسوأ حالا فقيل ومن الذي هو أسوأ حالا فقال البنات والأخوات فقال عطاء رحمه الله ولا يغني رأيك شيئا ، ولو مت لقسم ميراثك بين ورثتك على غير رأيك فغضب فقال قل لهؤلاء الذين يقولون بالعول حتى نجمع ، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن الذي أحصى رمل عالج عددا لم يجعل في مال نصفين وثلثا . فإذا ذهب هذا بالنصف ، وهذا بالنصف فأين موضع الثلث فقال لم تقل هذا في زمن عمر رضي الله عنه فقال كان رجلا مهيبا فهبت حتى قال الزهري رحمه الله لولا أنه يقدم في العول قضاء إمام عادل ورع لما اختلف اثنان على ابن عباس رضي الله عنه في قوله في مسألة المباهلة يعني مسألة العول ، ثم اشتبه مذهب ابن عباس رضي الله عنه في فصول فمنها إذا تركت زوجا وأما وابنة وابنة ابن فعلى قول عامة الصحابة للزوج الربع ثلاثة من اثني عشر وللأم السدس سهمان وللابنة النصف ستة ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين فتعول بسهم فتكون القسمة [ ص: 162 ] من ثلاثة عشر واختلفوا على قول ابن عباس رضي الله عنه فيمن يدخل عليه ضرر النقصان منهم فقال سفيان وهو مذهب أهل الكوفة على مذهبه إنما يدخل الضرر على ابنة الابن خاصة فتأخذ الابنة فريضتها ستة وللأم السدس سهم والباقي وهو ثلاثة ونصف مقسومة بين الابنة وابنة الابن أرباعا ثلاثة أرباعه للابنة وربعه لابنة الابن لأن كل واحد منهما ينتقل من فرض مقدر إلى غير فرض مقدر فضرر النقصان يدخل عليهما فإن صح هذا عن ابن عباس رضي الله عنه فهو قول بالعول لأن العول ليس إلا هذا فإن ثلاثة ونصفا لا يسع لأربعة فتضرب كل واحدة منهما فيها بجميع حصتها فيقسم بينهما أرباعا ، وهذا هو العول .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 30-12-2025, 03:59 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون

صـــ162 الى صـــ 171
(597)





ومن هذه الفصول إذا تركت زوجا وأما وأختين لأب وأم وأختين لأم فعلى قول عامة الصحابة للزوج النصف ثلاثة من ستة وللأم السدس سهم وللأختين لأم الثلث سهمان وللأختين لأب وأم الثلثان أربعة فتعول بأربعة والقسمة من عشرة واختلفوا على قول ابن عباس فقال سفيان رحمه الله على قوله للزوج النصف وللأم السدس وللأختين لأم الثلث ، ولا شيء للأختين لأم وأب لأنه يتغير ضرر الحرمان بضرر النقصان فكما أن ضرر النقصان على قوله على الأختين لأب وأم دون الأختين لأم . فكذلك ضرر الحرمان وقال طاوس على قول ابن عباس رضي الله عنه الثلث الباقي بين الأختين لأم والأختين لأب وأم بالسوية ليدخل الضرر عليهما جميعا ، وهذا يرجع إلى القول بالتشريك ، ثم حجة ابن عباس الكلام الذي ذكرناه عنه فإنه لا يدخل في وهم أحد من العقلاء يوهم نصفين وثلثا ، أو ثلثين ونصفا في مال واحد فكان تقرير ذلك من المحال ، وإنما يحتاج هو إلى بيان من يكون أولى بإدخال الضرر عليه فقال أصحاب الفرائض يقدمون على العصبات كما قال عليه السلام { ألحقوا الفرائض بأهلها } الحديث فهو ينتقل من فرض مقدر إلى غير فرض مقدر فهو صاحب فرض من وجه وعصبة من وجه فيكون إدخال ضرر النقصان عليه أولى وعلى الحرف الآخر قال يدخل الضرر على من يكون أسوأ حالا وهم الأخوات والبنات أما الأخوات فلا يشكل لأنهن يسقطن بالأب والجد على الاختلاف وبالابن ويصرن عصبة إذا خالطهن ذكر والزوج والزوجة والأم لا يسقطون بحال وكذلك البنات فإنهن يصرن عصبة إذا خالطهن ذكر والعصبة مؤخر عن صاحب الفريضة .

فإذا كن أسوأ حالا كان إدخال الضرر والنقصان عليهن أولى وحجتنا في ذلك أنهم استووا في سبب الاستحقاق في ذلك ، وذلك يوجب المساواة في الاستحقاق فيأخذ كل واحد منهم جميع حقه إن اتسع المحل ويضرب كل [ ص: 163 ] واحد منهم بجميع حقه عند ضيق المحل كالغرماء في التركة وبيان المساواة أن كل واحد منهم يستحق فريضة ثابتة له بالنص يوضحه أن إيجاب الله تعالى يكون أقوى من إيجاب العبد ومن أوصى لإنسان بالثلث ولآخر بالربع ولآخر بالسدس ضرب كل واحد منهم في الثلث بجميع حقه ومراد الموصي أن يأخذ كل واحد منهم ما سمي له عند سعة المحل بإجازة الورثة ويضرب كل واحد منهم بما سمي له عند ضيق المحل لعدم الإجازة . فكذلك لما أوجب الله تعالى في الفريضة نصفين وثلثا عرفنا أن المراد أخذ كل واحد منهم ما سمي له عند سعة المحل والضرب به عند ضيق المحل ، وفيما قلناه عمل بالنصوص كلها بحسب الإمكان ، وفيما قاله عمل ببعض النصوص وإبطال للبعض ، وهذا لا وجه له إلا أن من يذب عنه يقول فيما قاله ابن عباس رضي الله عنه التعيين في بعض النصوص دون البعض والتعيين فيما قلتم في جميع النصوص فنقول الطريق الذي ذهب إليه ابن عباس في إدخال النقصان على بعض المستحقين بما اعتمده من المعنى غير صحيح فإنه يعتبر التفاوت بينهم في حالة أخرى سوى حالة الاستحقاق ، وهذا غير معتبر .

( ألا ترى ) أن رجلا لو أثبت دينه في التركة بشهادة رجلين وأثبت آخر دينه بشهادة رجل واحد وامرأتين استويا في الاستحقاق ، وإن كان في غير هذه الحالة شهادة الرجل أقوى من شهادة النساء مع الرجال ، ثم العصوبة أقوى أسباب الإرث فكيف يثبت الحرمان والنقصان لاعتبار معنى العصوبة في بعض الأحوال .

ولو جاز إدخال النقصان على بعضهم لكان الأولى به الزوج والزوجة لأن سبب توريثهما ليس بقائم عند التوريث وهو يحتمل الرفع فيكون أضعف مما لا يحتمل الرفع والعجب أنه يدخل على الأخوات لأب وأم دون الأخوات لأم وهن أسوأ حالا .

( ألا ترى ) أنهن يسقطن بالبنات وبالجد بالاتفاق بخلاف الأخوات لأب وأم فعرفنا أن الطريق ما أخذ به جمهور الفقهاء . رحمهم الله

م بيان الفريضة العائلة أن نقول أصل ما يخرج به منه هذه الفريضة ستة ، ثم تعول مرة بنصف سهم ومرة بثلاثة أرباع سهم ومرة بسهم ومرة بسهم ونصف ومرة بسهمين ومرة بسهمين ونصف ومرة بثلاثة ومرة بأربعة فالتي تعول بنصف سهم صورتها امرأة ماتت وتركت زوجا وابنة وأبوين فللأبوين السدسان سهمان وللابنة النصف ثلاثة وللزوج الربع سهم ونصف فتعول بنصف سهم والتي تعول بثلاثة أرباع سهم صورتها رجل مات وترك امرأة وابنتين وأبوين فللأبوين السدسان سهمان وللابنتين الثلثان أربعة وللمرأة الثمن ثلاثة أرباع [ ص: 164 ] سهم فتعول بثلاثة أرباع .

وإذا أردت تصحيحها ضربت ستة وثلاثة أرباع في أربعة فيكون سبعة وعشرين وهذه هي المنبرية فإن عليا رضي الله عنه سئل عنها على المنبر فأجاب على البديهة وقال انقلب ثمنها تسعا يعني أن لها ثلاثة من سبعة وعشرين وهو تسع المال والتي تعول بسهم صورتها إذا ترك أختين لأب وأم وأختين لأم وأما فللأختين لأب وأم الثلثان أربعة وللأختين لأم الثلث سهمان وللأم السدس سهم فتعول بسهم والتي تعول بسهم ونصف بأن ترك الرجل أختين لأب وأم وامرأة وأختين لأم فللمرأة الربع سهم ونصف وللأختين لأب وأم الثلثان أربعة وللأختين لأم الثلث سهمان فتعول بسهم ونصف والتي تعول بسهمين صورتها فيما إذا تركت زوجا وأختا لأب وأم وأختين لأم فللزوج النصف ثلاثة وللأخت لأب وأم النصف ثلاثة وللأختين لأم الثلث سهمان فتعول بسهمين والتي تعول بسهمين ونصف بأن ترك أختين لأب وأم وأختين لأم وأما وامرأة فللمرأة الربع سهم ونصف وللأم السدس سهم وللأختين لأب وأم الثلثان أربعة وللأختين لأم الثلث سهمان فتعول بسهمين ونصف والتي تعول بثلاثة بأن تركت زوجا وأختين لأب وأم وأختين لأم فللزوج النصف ثلاثة وبها تعول والتي تعول بأربعة صورتها فيما قدمنا إذا تركت أختين لأب وأم وأختين لأم وأما وزوجا فأنها تعول بنصيب الأم وبنصيب الزوج ثلاثة فعرفنا أنها تعول بأربعة ولا تعول الفرائض بأكثر من هذا وتسمى هذه المسألة أم الفروخ لكثرة العول فيها وتسمى الشريحية لأنها رفعت إلى شريح رحمه الله فقضى بهذا فجعل الزوج يسأل الفقهاء بالعراق فيقول امرأة ماتت وتركت زوجا ولم تترك ولدا فماذا يكون للزوج فقالوا النصف فقال والله ما أعطيت نصفا ، ولا ثلثا فبلغ مقالته إلى شريح فدعاه وقال للرسول قل له قد بقي عندنا شيء فلما أتاه عزره وقال أنت تشنع على القاضي وتنسب القاضي بالحق إلى الفاحشة فقال الرجل هذا الذي كان بقي لي عندك
وحق الله أن الظلم لؤم فما زال المسيء هو الظلوم إلى ديان يوم الدين نمضي
، وعند الله يجتمع الخصوم
فقال شريح ما أخوفني من هذا القضاء لولا أنه سبقني به إمام عادل ورع .

يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ثم المسائل على ما ذكرنا من الأصل بكثرة تعدادها ، ولكنا بينا لكل فريضة صورة فذلك يكفي لمن له فهم يقيس عليه ما يشاء من ذلك والذي بقي في الباب مسألة الالتزام وهي امرأة تركت زوجا وأما وأختين لأم فمذهبنا فيه ظاهر للزوج النصف [ ص: 165 ] وللأم السدس وللأختين الثلث وهي فريضة عادلة ويتعذر على ابن عباس رضي الله عنه تخريج هذه المسألة على أصله فإن من مذهبه أن الأختين لا ينقلان الأم من الثلث إلى السدس فإن قال للزوج النصف والأم الثلث والأختين الثلث لزمه القول بالعول ، وإن قال للزوج النصف وللأم السدس كان تاركا مذهبه في أن الأختين لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ، ولا يمكنه إدخال النقصان هنا على واحد منهن لأن الأم صاحبة فرض محصن والأخوات لأم كذلك فإنهن لا يصرن عصبة بحال فإن قال الأخوات لأم أسوأ حالا من الأم فقد يسقطن بمن لا تسقط الأم به قلنا هذا اعتبار التفاوت في غير حالة الاستحقاق وقد بينا أن التفاوت إنما يعتبر في حالة الاستحقاق ، وقد أدخل هو الضرر على البنات والأخوات لأب وأم دون الأخوات لأم ، وفي غير حالة الاستحقاق الأخوات لأم أسوأ حالا فهذا يتبين أن قول ابن عباس رضي الله عنه لا يتمشى في الفصول ، وأن الصحيح ما قالت به عامة الصحابة رضي الله عنهم والفقهاء والله أعلم بالصواب . .
باب الجدات ( قال رضي الله عنه ) اعلم بأن الجدة صاحبة فرض وفريضتها ، وإن كان لا تتلى في القرآن فهي ثابتة بالسنة المشهورة وإجماع الصحابة والسلف والخلف وكفى بإجماعهم حجة ، ثم الكلام في فصول أربعة أحدها في بيان من يرث من الجدات والثاني في مقدار نصيب الجدات والثالث في ترتيب بعض الجدات على البعض في الميراث والرابع في حجب الجدات . فأما في الفصل الأول فالمذهب عند علي وزيد بن ثابت رضي الله عنهما أن كل جدة تدلي بعصبة ، أو صاحبة فريضة فهي وارثة وكل جدة تدلي بمن ليس بعصبة ، ولا صاحبة فريضة فهي غير وارثة وبه أخذ علماؤنا وهو معنى قول الفقهاء : كل جدة دخل في نسبها إلى الميت أب بين أمين فإنها لا ترث لأن أب الأم ليس بعصبة ، ولا صاحب فرض هكذا روي عن عمر رضي الله عنه فقد ذكر الشعبي رحمه الله أن عمر رضي الله عنه سئل عن أربع جدات متحاذيات أم أم الأم وأم أم الأب وأم أب الأب وأم أب الأم فورثهن إلا هذه الواحدة لأن في نسبها إلى الميت أبا بين أمين ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه روايتان إحداهما هكذا والثانية أن الجدات وارثات كلهن والقربى والبعدى منهن سواء على تفصيل نبينه ، وعن ابن عباس رضي الله عنه ثلاث روايات ثنتان كما روينا عن ابن مسعود والثالثة أنها لا ترث من [ ص: 166 ] الجدات إلا واحدة وهي أم الأم وتقوم هي مقام الأم عند عدم الأم في فريضة الأم إما السدس ، أو الثلث وبه أخذ ابن سيرين وأما سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فالمروي عنه أنه لا يرث إلا جدتان حتى روي أن ابن مسعود رضي الله عنه لما عابه في الوتر بركعة قال سعد يعيبني أن أوتر بركعة وهو يورث ثلاث جدات إلا أن أبان ذكر أن مراد سعد من هذا الأخذ عليه في توريث البعدى مع القربى لا في توريث ثلاث جدات في الأصل .

( ألا ترى ) أنه روي في بعض الروايات أن سعدا لما بلغه قول ابن مسعود رضي الله عنه قال هلا يورث حواء وأما مالك وأبو ثور حملا قول سعد على ظاهره وأخذا به فقالا لا يرث من الجدات إلا اثنتان قال أبو ثور وهو قول الشافعي . فأما إبراهيم النخعي والأوزاعي رحمهما الله فقد روي عنهما توريث ثلاث جدات حتى ذكر سفيان عن منصور عن إبراهيم أن النبي صلى الله عليه وسلم { ورث ثلاث جدات } قال سفيان فقلت لإبراهيم ، وما هن فقال أم الأم وأم الأب وأم أم الأب ولكن ذكر جرير عن منصور عن إبراهيم هذا الحديث وذكر فيه عن إبراهيم فقال هي أم أم الأم وأم أم الأب وأم أب الأب فيكون موافقا لمذهبنا والرواية الأخرى لا تكاد تصح لما فيها من توريث البعدى مع القربى والمشهور عن العلماء رحمهم الله بخلاف ذلك وحجتنا في ذلك أن الجدات كما يرثن في الأصول بالولاء فيعتبر حالهن بحال من يرث من الفروع بالولاء وهو ذوو الأرحام من أولاد البنين والبنات وهناك عند التساوي في الدرجة الميراث لمن هو ولد عصبة ، أو ولد صاحب فرض . فكذلك هنا الميراث لمن هي والدة عصبة ، أو صاحب فرض يوضحه أن أم أب الأم تدلي بأب الأب وأب الأم ليس بوارث مع أحد من أصحاب الفرائض والعصبات كأن تدلي به أولى أن لا يرث معهم ، ولأن المدلي لا يكون أقل حالا من المدلى به والدليل عليه أنه إذا اجتمع أم أب الأم وأم أم الأم مع أب الأم فإما أن يقال الميراث لأب الأم دونهما وهذا بعيد لأن أب الأم إذا انفرد عن أمه لا يستحق شيئا فكيف يستحق مع أمه ، ولا جائز أن يكون الميراث للجد دون أب الأب لأن أم الأب تدلي بأب الأم وهو لا يستحق مع أم أم الأم شيئا فأمه التي هي أبعد كيف تستحق فلم يبق إلا أن يكون الميراث لأم أم الأم .

وإذا ثبت هذا في حال حياة أب الأم . فكذلك بعد موته . فأما ابن مسعود رضي الله عنه قد كان يقول توريث الجدات ليس باعتبار الإدلاء لأن أم الأم تدلي بالأم كما أن أب الأم يدلي بالأم والإدلاء بالأنثى إذا كان لا يوجب استحقاق الميراث للذكر لا يوجب [ ص: 167 ] استحقاق الميراث للأنثى كالإدلاء بالابنة فإن بنت البنت كابن البنت في حكم الفريضة والعصوبة وكذلك بنت الأخت كابن الأخت فعرفنا أن استحقاق الجدات إنما ثبت شرعا بمجرد الاسم وهو { أن النبي صلى الله عليه وسلم أطعم الجدة السدس } فهذه طعمة أطعم رسول الله الجدات بهذا الاسم والقربى والبعدى ومن يدخل في نسبتها أب بين ابنين ومن لا يدخل في ذلك سواء ، ولكنا نقول مجرد الاسم يثبت بالرضاع كما يثبت بالنسب ولا يتعلق به استحقاق الميراث فعرفنا أنه لا بد من اعتبار معنى القرب والإدلاء ومن يدلي منهن بعصبة ، أو صاحبة فرض يكون سببه أقوى ممن يدلي بمن ليس بعصبة ، ولا صاحبة فرض وبهذا الإدلاء تثبت الفريضة ، وفي حق الأم إنما تثبت العصوبة دون الفريضة وبالإدلاء بالأنثى لا تثبت العصوبة . فأما ابن عباس رضي الله عنه يقول أم الأم تدلي بالأم وترث بمثل سببها وهي الأمومة فتقوم مقامها عند عدمها كالجد أب الأب فإنه يقوم مقام الأب عند عدمه وابن الابن يقوم مقام الابن عند عدمه .

وإذا كانت الأم ترث في بعض الأحوال الثلث ، وفي بعضها السدس فكذلك أم الأم بخلاف الأخ لأم فإنه وإن كان يدلي بالأم فلا يرث بمثل سببها ثم كما لا يزاحم أحد من الجدات الأم فكذلك لا يزاحم أم الأم شيء من الجدات في فريضة الأم يوضحه أن حال المدلي مع المدلى به كحال المدلى به مع الميت والمدلي أم المدلى به وصاحبة فرض كما أن المدلى به أم للميت وصاحبة فرض فكما أن ميراث المدلي من الميت الثلث فكذلك ميراث المدلى به ، ولكنا نستدل بحديث قبيصة بن ذؤيب { أن النبي صلى الله عليه وسلم أطعم الجدة السدس } وهكذا روي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس } ، وقد روينا في حديث أبي بكر رضي الله عنه أن محمد بن مسلمة رضي الله عنه شهد عنده { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعم الجدة السدس فأعطاها } أبو بكر رضي الله عنه ذلك وروي في بعض الروايات أنها كانت أم الأم ، ثم جاءت أم الأب إلى عمر رضي الله عنه في خلافته وقالت ما لي من ميراث ابن ابنتي فقال عمر رضي الله عنه لا أجد لك في كتاب الله تعالى شيئا ولم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك شيئا وأراك غير الجدة التي أعطاها أبو بكر ولست برائيك في كتاب الله ، ولكني أرى أن ذلك السدس بينكما ، وأنه لمن انفرد منكما فتبين بهذه الآثار أنه لا يزاد في فريضة الجدات على السدس فالجدتان في استحقاق السدس سواء ، وهذا لأن الأدلاء بالأنثى لا يكون سببا لاستحقاق فريضة المدلى به بحال [ ص: 168 ] كبنات الأخوات وبنات البنات إلا أنا تركنا هذا القياس في حق الجدات بالسنة فإنا نعتبر ما ورد به السنة وليس في شيء من الآثار زيادة على السدس لواحدة من الجدات فلهذا كان لهن السدس هذا بيان الفصل الثاني .

والفصل الثالث في الترتيب فالمذهب عند علي أن القربى من الجدات أولى بالسدس من البعدى سواء كانت من جانب الأم ، أو من جانب الأب وهكذا يرويه العراقيون عن زيد بن ثابت وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله . فأما أهل المدينة يروون عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن القربى إن كانت من قبل الأم والبعدى من قبل الأب . فكذلك الجواب ، وإن كانت البعدى من قبل الأم والقربى من قبل الأب فهما سواء وهو قول الشافعي . فأما ابن مسعود رضي الله عنه فله روايتان إحداهما أن القربى والبعدى سواء إلا أن تكون البعدى أم القربى ، أو جدة القربى فحينئذ لا ترث معها والأخرى القربى والبعدى سواء إلا أن يكونا من جانب واحد فحينئذ القربى أولى وإن لم تكن القربى أم القربى ، ولا جدتها أما هو أمر على أصله أن الاستحقاق باسم الجدودة شرعا والقربى والبعدى في هذا الاسم سواء إلا أن البعدى إذا كانت أم القربى ، أو جدتها فإنما تدلي بها وترث بمثل نسبها فتكون محجوبة بها كالجد مع الأب ، وفي الرواية الأخرى قال إذا كانت الجهة واحدة فسواء كانت تدلي بها ، أو لا تدلي بها كانت محجوبة بها لمعنى إيجاد السبب كأولاد الابن مع الابن فإنهم لا يرثون شيئا لإيجاد السبب ، وإن كانوا لا يدلون بهذا الابن ، وإنما يدلون بابن آخر فهذا مثله وجه قول زيد رضي الله عنه أن الجدة إنما تستحق الميراث بالأمومة ومعنى الأمومة في التي من قبل الأم أظهر لأنها أم في نفسها تدلي بالأم والأخرى أم تدلي بالأب . فإذا كانت القربى من قبل الأم فقد ظهر الترجيح في جانبها من وجهين زيادة القرب وزيادة ظهور صفة الأمومة في جانبها فهي أولى ، وإن كانت القربى من قبل الأب فلها ترجيح من وجه وهو زيادة القرب وللتي من قبل الأم ترجيح من وجه وهو زيادة ظهور صفة الأمومة فاستويا فيكون الميراث بينهما كما هو مذهب زيد في الجد مع الأخ أن للأخ زيادة قرب وللجد زيادة قوة من حيث الأبوة فيستويان في الميراث ولكنا نأخذ بقول علي فنقول الجدة ترث باعتبار الأمومة والأمومة هي الأصل ومعنى الأصلية في القربى أظهر منه في البعدى من أي جانب كانت القربى لأنها أصل الميت والأخرى أصل أصل أصل الميت . فإذا كان معنى الأصلية في القربى أظهر تقدمت على البعدى كما لو كانت القربى من قبل الأم .

( ألا ترى ) أن أم الأم [ ص: 169 ] وأم الأب إذا اجتمعتا كان الميراث بينهما ، ولو كان كما قاله زيد من زيادة قوة الأمومة لوجب أن يكون الميراث لأم الأم دون أم الأب .

وأما الفصل الرابع وهو الكلام في الحجب فنقول الأم تحجب الجدات أجمع بالاتفاق سواء كانت من قبلها ، أو من قبل الأب لما روي { أن النبي عليه السلام أطعم الجدة السدس حين لم يكن هناك أم } ففي هذا إشارة إلى أنها لا ترث مع الأم ، وفي رواية بلال بن الحارث رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس حين لم يكن هناك أم دونها } فهذا يفيد ما أفاده الأول وزيادة وهو أن البعدى لا ترث مع القربى فإن قوله أم دونها إشارة إلى ذلك والمعنى فيه أن الجدة ترث بالأمومة وفرض الأمهات معلوم بالنص ، وقد استحقت الأم ذلك فلا يبقى لأحد من الجدات شيء من فرض الأمهات ، ولا تثبت المزاحمة بين شيء من الجدات وبين الأم لأن الجدة التي من قبلها تدلي بها وترث بمثل سببها فلا تزاحمهما كما لا يزاحم الجد الأب والتي من قبل الأب ، وإن كانت لا تدلي بها فهي لا تزاحمها في فريضتها لكونها أقرب إلى الميت منها وهي بمنزلة ابنة الابن مع الابنتين فإن فرض البنات لما صار مستحقا للابنتين لم يكن لابنة الابن معهما مزاحمة ، ولا شيء من الميراث بالفريضة ، وإن كانت لا تدلي بهما إنما تدلي بالابن واختلفوا في حجب الجدة بالأب بعد ما اتفقوا أن الجدة من قبل الأم لا تصير محجوبة بالأب لأنها تدلي به ، ولا ترث بمثل نسبه فهي ترث بالأمومة وهو بالأبوة والعصوبة واختلفوا في الجدة التي من قبله فقال علي وزيد وأبي بن كعب وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم لا ترث أم الأب مع الأب شيئا وهو اختيار الشعبي وطاوس وهو مذهب علمائنا رحمهم الله وقال عمر وابن مسعود وأبو موسى الأشعري وعمران بن الحصين ترث أم الأب مع الأب وهو اختيار شريح وابن سيرين وبه أخذ مالك والشافعي واحتجوا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس وابنها حي } وروي { أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أم حسكة رضي الله عنها السدس من أبي حسكة وحسكة حي } والمعنى فيه ما بينا أن إرث الجدات ليس باعتبار الإدلاء فالإدلاء بالأنثى لا يؤثر في استحقاق شيء من فريضتها ، ولا في القيام مقامها في التوريث بمثل سببها كالبنات والأخوات ، ولكن الاستحقاق باسم الجدة في هذا الاسم أم الأم وأم الأب سواء . فإذا كان الأب لا يحجب أم الأم . فكذلك لا يحجب أم الأب إذ لا فرق بينهما إلا في معنى الإدلاء والاستحقاق ليس بالإدلاء .

ولو كان الأب ممن يحجب شيئا من الجدات لاستوى في [ ص: 170 ] ذلك من يكون في جانبه ومن لا يكون في جانبه كالأم وجه قولنا أن استحقاق الميراث لا بد فيه من اعتبار الإدلاء ما بينا أن مجرد الاسم بدون القرابة لا يوجب الاستحقاق والقرابة لا تثبت بدون اعتبار الإدلاء فهنا معينان أحدهما إيجاد السبب والآخر الإدلاء ولكل واحد منهما تأثير في الحجب ، ثم إيجاد السبب وإن انفرد عن الأدلاء تعلق به حكم الحجب كما في حق بنات الابن مع الابنتين فإنهن يحجبن بإيجاد السبب ولا يدلين إلى الميت بالبنات . فكذلك الأدلاء ، وإن انفرد عن إيجاد السبب يتعلق به حكم الحجب إذا تقرر هذا قلنا الجدة التي من قبل الأب تدلي بالأب ، ولا ترث معه لوجود الإدلاء ، وإن انعدم معنى إيجاد السبب والجدة التي من قبل الأم ترث مع الأب لانعدام الإدلاء وإيجاد السبب جميعا . فأما الأم تحجب الجدة التي من قبلها لوجود الإدلاء وإيجاد السبب وتحجب الجدة التي من قبل الأب لإيجاد السبب ، وإن انعدم الإدلاء وبه فارق الأخ لأم فكان وارثا معها يوضحه أن معنى الإدلاء الموجود في جانب الأب يحجب الذكر هنا فإن أب الأب يحجبه الأب لأنه يدلي به . فإذا كان الأب يحجب من يدلي به إذا كان ذكرا . فكذلك يحجب من يدلي به إذا كان أنثى .

( ألا ترى ) أن الأب كما يحجب الإخوة يحجب الأخوات وبه فارق الأم مع الإخوة لأم لأن هناك الذكر من الإخوة لا يصير محجوبا بها ، وإن كان يدلي بها . فكذلك الأنثى . فأما تأويل الحديث يحتمل أن ابنها كان رقيقا ، أو كافرا على أنه قال ورث جدة وابنها حي ولم يتبين أن ابنها أب الميت فيحتمل أن ابنها الحي غير أب الميت والحديث حكاية حال وحديث حسكة لا يثبت مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو عن عمر رضي الله عنه ، وقد بينا مذهب عمر .

واختلف الفرضيون على قول علي رضي الله عنه في فصل وهو أنه إذا اجتمع أم الأب مع الأب وأم أم الأم فقال الحسن بن زياد على قياس قول علي رضي الله عنه إن ميراث الجدة لأم أم الأم ، وإن كانت أبعد من أم الأب لأن على قول علي القربى إنما تحجب البعدى إذا كانت وارثة وهنا القربى ليست بوارثة مع ابنها فهي بمنزلة الكافرة والرقيقة فيكون فرض الجدات للبعدى وأكثرهم على أن المال كله للأب هنا لأن القربى هنا وارثة في حق البعدى ، ولكنها محجوبة بالأب حتى إذا لم يكن هناك أب كان الميراث للقربى فصارت البعدى محجوبة بالقربى ، ثم صارت القربى محجوبة بابنها فيكون المال كله للأب ونظيره ما تقدم في الأخوين مع الأب لأنهما يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ، وإن كانا لا يرثان شيئا مع الأب .
[ ص: 171 ] فصل فإن اجتمع جدة لها قرابتان ، أو ثلاث قرابات مع جدة لها قرابة واحدة وصورة المسألة امرأة لها بنت ولابنتها بنت ولها ابن ولابنها ابن فتزوج ابن ابنها بنت بنتها فولد بينهما ولد فهذه الجدة أم أم أم هذا الولد وأم أب أب هذا الولد . فإذا مات هذا الولد وله مع هذه الجدة جدة أخرى وهي أم أم أب هذا الولد فعلى قول زفر ومحمد والحسن بن زياد ميراث الجدتين بينهما أثلاثا ثلثان للتي لها قرابتان وثلث للتي لها قرابة واحدة وعند سفيان وأبي يوسف الميراث بينهما نصفان ، ولا رواية فيه عن أبي حنيفة وكذلك امرأة لها ابنتان لإحدى ابنتيها ابنة وللأخرى ابن فتزوج ابن ابنتها ابنة ابنها وولد منها ولد فهي لهذا الولد أم أم الأب فإن مات هذا الولد وله معها جدة أخرى وهي أم أب الأب فهي على الخلاف الذي بينا وصورة ما إذا كان لها ثلاث قرابات أن يكون لهذه المرأة ابنة ابن ابنة أخرى ، وهذا الولد ذكر فتزوج الابنة السفلى فولد بينهما ولد فلهذه الجدة من هذا الولد ثلاث قرابات لأنها أم أم أم أمه وأم أم أم الأب وأم أم أب الأب فإن اجتمع معها لهذا الولد جدة أخرى محاذية لها وهي أم أب أب ابنه فعلى قول محمد ميراث الجدة بينهما أرباعا ثلاثة أرباعه للتي لها ثلاث قرابات وربعه للتي لها قرابة واحدة وعند أبي يوسف الميراث بينهما نصفان ثم على قول محمد رحمه الله في حق التي لها جهات إذا فسد بعض تلك الجهات بأن دخل في تلك النسبة أب بين أمين لا تعتبر تلك الجهة ، وإن كان بعض الجهات أقرب من بعض فإنما يعتبر في حقها أقرب الجهات خاصة ، ثم ينظر إلى الأخرى فإن كانت تساويها في أقرب الجهات فالميراث بينهما نصفان ، وإن كانت أبعد منها في هذه الجهة فالميراث كله لها بناء على أن القربى تحجب البعدى وجه قول محمد رحمه الله أن الاستحقاق باعتبار الأسباب لا باعتبار الأشخاص .

( ألا ترى ) أن الرقيق والكافر لا يخرج من أن يكون شخصا ، ولكن لما انعدم في حقه سبب الاستحقاق وهو الفريضة ، أو العصوبة جعل كالمعدوم فدل أن الاستحقاق باعتبار السبب فمن اجتمع في حقه سببان فهو في الصورة شخص واحد ولكنه في الحكم باعتبار تعدد السبب متعدد فيثبت له الاستحقاق باعتبار كل سبب بمنزلة ما لو وجد كل سبب في شخص على حدة وهو نظير ما لو ترك ابني عم أحدهما أخ لأم فإن لابن العم الذي هو أخ لأم السدس بالفريضة والباقي بينهما نصفان وكذلك المجوسي إذا ترك أمه وهي أخته لأبيه فإنها ترث بالسببين لهذا المعنى ، وهذا بخلاف الأخ لأب وأم فإنه يرث بالسببين لأن السبب هناك واحد وهو [ ص: 172 ] الإخوة ، ثم الإخوة لأم اعتبرناها في الترجيح ويقوى السبب بها حتى ينعدم الأخ لأب فلم يكن معتبرا في حق الاستحقاق بها بخلاف ما نحن فيه وجه قول أبي يوسف أن استحقاق الميراث للجدات ليس باعتبار الإدلاء لما قررنا أن الإدلاء بالإناث لا يؤثر في استحقاق الفريضة بمثل سبب المدلى به ولكن الاستحقاق باسم الجدة وبتعدد الجهة لا بتعدد الاسم في التي لها قرابة واحدة والمساواة في سبب الاستحقاق يوجب المساواة في الاستحقاق وكل واحدة من هذه الجهات علة تامة للاستحقاق وبتعدد العلة لا يزداد الاستحقاق كما لو أقام رجل شاهدين على ملك عين وأقام الآخر عشرة من الشهود فإنه يسوى بينهما ومن جرح رجلا جراحة واحدة وجرحه آخر عشر جراحات فمات من ذلك فالدية بينهما نصفان ، ولا معنى لقول من يقول فقد اعتبرنا الإدلاء في حكم الحجب كما قررنا في الفصل الرابع ، وهذا لأن حكم الحجب غير حكم الاستحقاق والاستدلال بحكم على حكم إنما يجوز إذا عرفت المساواة بينهما فبان أن اعتبار الإدلاء في حكم الحجب يدل على أنه يعتبر في الاستحقاق وهذا بخلاف ما استشهد به فكل واحد من السببين هناك معتبر في الاستحقاق يعني الإخوة لأم مع العصوبة بالأمومة والزوجية مع العصوبة والأختية مع الأمومة في حق المجوسي . فإذا كان كل واحد من السببين هناك معتبرا في الاستحقاق جعلنا الاستحقاق مبنيا على السبب بخلاف ما نحن فيه على ما قررنا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 30-12-2025, 04:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون

صـــ172 الى صـــ 181
(598)





فصل التثبيت في الجدات قال رضي الله عنه الجدات في الأصل ستة جدتاك وجدتا أبيك وجدتا أمك وهي الأصول في الجدات إذ لم يتفرع بعضهن من بعض ، وما سواهن من الجدات في المعنى كالفروع لهذه الجدات لتفرع بعضهن من بعض فإن سئلت عن عدد من الجدات متحاذيات هن وارثات كيف صورتهن فالطريق في ذلك عند أهل البصرة أنهم يذكرون بعددهن أمهات ثم في المرة الثانية بعددهن أمهات إلا الآخرة ، وفي الثالثة إلا الآخرة التي تليها هكذا إلا أن تبقى أم واحدة وأهل المدينة يذكرون بعددهن أبناء إلا الأولى وفي المرة الثانية إلا الأولى والتي تليها وهكذا في كل مرة وأهل الكوفة يذكرون الجدات بقراباتهن وبيانه إذا قيل خمس جدات متحاذيات وارثات كيف صورتهن فعلى قول أهل البصرة نقول إحداهن أم أم أم أم الأم والثانية أم أم أم أم الأب والثالثة أم أم أم أب الأب والرابعة أم أم أب أب الأب والخامسة أم أب أب أب الأب وعلى طريق أهل المدينة على عكس ذلك وعلى طريق أهل الكوفة نقول إحداهن أم جدة جدات الميت والثانية أم [ ص: 173 ] جدة أم أب الميت والثالثة جدة جدة أب الميت والرابعة جدة جدات الميت والخامسة أم جد جد الميت .

فإن سئلت عن قول ابن مسعود عن جدتين متحاذيتين على أدنى ما يكون وثلاث جدات متحاذيات على أدنى ما يكون وأربع جدات متحاذيات على أدنى ما يكون وخمس جدات متحاذيات على أدنى ما يكون كم الوليد وارثات منهن فقل خمسة الجدتان المتحاذيتان إحداهما أم الأم والأخرى أم الأب فهما وارثتان ومن الثلاث الواحدة وارثة لأن الثلاث منهن على أدنى ما يكون أم أم الأم وأم أم الأب وهما غير وارثتين هنا لأنهما يدليان باللتين هما وارثتان والثالثة أم أب الأب فهي الوارثة من الفريق الثاني وكذلك من الفريق الثالث الوارثة واحدة وهي أم أب أب الأب . فأما الثلاث غير وارثات لأن من يدلين بها وارثات وكذلك من الفريق الرابع الوارثة واحدة فعلى هذه الصورة إذا تأملت تجد الوارثات منهن الخمسة عند ابن مسعود رضي الله عنه على مذهبه في توريث القربى مع البعدى إذا لم تكن البعدى أم القربى أو جدتها فإن سئلت عن عدد من الجدات متحاذيات وارثات كم الساقطات بإزائهن فالسبيل في معرفة ذلك أن تحفظ العدد المذكور بيمينك ، ثم تطرح اثنتين من ذلك وتحفظهما بيسارك ، ثم تضعف ما بيسارك بعدد ما بقي بيمينك فما بلغ فهو مبلغ جملة العدد والوارثات من ذلك عدد معلوم إذا رفعت ذلك من الجملة فما بقي عدد الساقطات بيانه إذا قيل ثلاث جدات متحاذيات وارثات كم الساقطات بإزائهن فالسبيل أن تحفظ الثلاث بيمينك ، ثم تطرح من ذلك اثنتين فتحفظهما ، ثم تضعف ما بيسارك بعدد ما بقي في يمينك وهو الواحدة فإذا أضعفت الاثنتين مرة تكون أربعة فكان عدد الجملة أربعا ثلاث منهن وارثات والساقطة واحدة فالوارثات أم أم الأم وأم أم الأب وأم أب الأب والساقطة أم أب الأم فإن قيل أربع جدات وارثات متحاذيات كم بإزائهن من الساقطات فالسبيل أن تأخذ الأربع بيمينك ، ثم تطرح من ذلك اثنتين وتأخذهما بيسارك ، ثم تضعف ما بيسارك بعدد ما في يمينك .

فإذا ضعفت الاثنتين مرتين يكون ثمانية . فإذا كان الوارثات منهن أربعا عرفت أن الساقط بإزائهن أربعا فإن قال خمس جدات وارثات متحاذيات كم بإزائهن من الساقطات فهو على نحو ذلك فإنك تضعف الاثنتين ثلاث مرات فيكون خمس منهن وارثات والبواقي ساقطات فإن قال ست جدات متحاذيات وارثات فهو على هذا القياس أيضا تضعف الاثنتين أربع مرات فيكون ذلك اثنين وثلاثين فهو عدد الجملة ستة عشر منهن من قبل الأم وستة عشر من قبل الأب وليس في اللاتي [ ص: 174 ] من قبل الأم وارثات إلا واحدة وهي أم أم الأم إلى أن تذكر ستة عشر مرة ، وفي اللاتي من قبل الأب الوارثات خمسة وهن من لا يدخل في نسبهن إلى الميت أب بين أمين ومن سواهن ساقطات ، وما كان من هذا النحو فطريق تخريجه ما بينا والله أعلم بالصواب . .
باب أصحاب المواريث ( قال رضي الله عنه ) أصحاب المواريث بالاتفاق صنفان أصحاب الفرائض والعصبات فأصحاب الفرائض اثنا عشر نفرا أربعة من الرجال وثمانية من النساء فالرجال الأب والجد والزوج والأخ لأم والنساء الأم والجدة والبنت وبنت الابن والأخت لأب وأم والأخت لأب والأخت لأم والزوجة فستة من هؤلاء صاحب فرض في عموم الأحوال وهم الزوج والأخ لأم والأم والجدة والأخت لأم والزوجة وستة يتردد حالهم بين الفريضة والعصوبة وهم الأب والجد والبنت وبنت الابن والأخت لأب وأم والأخت لأب وأما العصبات لا يحصون عددا ، ولكن يحصون جنسا وهم أصناف ثلاثة عصبة بنفسه وعصبة بغيره وعصبة مع غيره . فأما العصبة بغيره والعصبة مع غيره فقد تقدم بيانهما ، وهذا الباب لبيان من هو عصبة بنفسه وهو الذكر الذي لا يفارقه الذكور في نسبة إلى الميت فأقرب العصبات الابن ، ثم ابن الابن ، وإن سفل ، ثم الأب ، ثم الجد أب الأب ، وإن علا ، ثم الأخ لأب وأم ، ثم الأخ لأب ، ثم ابن الأخ لأب وأم ، ثم ابن الأخ لأب ، ثم العم لأب وأم ، ثم العم لأب ، ثم ابن العم لأب وأم ، ثم ابن العم لأب ثم عم الأب لأم ، ثم عم الأب لأب ، ثم ابن عم الأب لأب وأم ، ثم ابن عم الأب لأب ، ثم عم الجد هكذا والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام { ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر } معناه فلأقرب رجل ذكر والابن أقرب إلى الميت من الأب لأن الابن تفرع من الميت فالميت أصله والأب تفرع منه الميت فهو أصل له واتصال الفرع بالأصل أظهر من اتصال الأصل بالفرع .

( ألا ترى ) أن الفرع يتبع الأصل فيصير مذكورا بذكر الأصل والأصل لا يصير مذكورا بذكر الفرع فإن البناء والأشجار يدخل في البيع باعتبار الاتصال بالأصل . فإذا تبين أن اتصال الفرع بالأصل أظهر عرفنا أن الفرع إلى الأصل أقرب وأيد هذا المعنى قوله تعالى { ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } معناه وللولد ما بقي فعرفنا أن الابن أقرب في العصوبة من الأب ، ثم ابن الأب لأن سببه البنوة وقد بينا [ ص: 175 ] أن الاعتبار بالسبب دون الشخص ، ثم بعده الأب فهو أقرب في العصوبة من الجد والإخوة لأنه يتصل إلى الميت بغير واسطة ، ثم بعده الجد أب الأب لأن سببه الأبوة ، وفيه خلاف معروف نبينه في بابه ، ثم بعده الأخ فإنه أقرب إليه من العم لأن الأخ ولد ابنه والعم ولد جده . فإذا أردت معرفة القرب في الفروع فاعتبر كل فرع بأصله فاتصال الأخ بأخيه بواسطة واحدة واتصال العم به بواسطتين فعرفنا أن الأخ أقرب ثم الأخ لأب وأم أقرب من الأخ لأب وهو مقدم في العصوبة لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية وبالميراث لبني الأعيان دون بني العلات } ، ولأن الأخوة عبارة عن المجاورة في صلب ، أو رحم والقرب بينهما باعتبار ذلك والأخ لأب وأم جاوره في الصلب والرحم جميعا والأخ لأب جاوره في الصلب خاصة فما يحصل به القرب في جانب الأخ لأب وأم أظهر فهو أقرب حكما ، ثم الأخ لأب مقدم على ابن الأخ لأب وأم لأنه أمس قربا فإنه يتصل بالميت بواسطة واحدة وابن الأخ يتصل به بواسطتين فصار الحاصل في هذا أنهما إذا استويا في الدرجة فمن يكون أظهرهما قربا يكون أولى .

وإذا تفاوتا في الدرجة فمن يكون أمسهما قربا أولى ، ثم من بعدهم العم ، ثم عم الأب على هذا القياس ، وإنما يختلفون في مولى العتاقة فقال علي وزيد رضي الله عنهما مولى العتاقة آخر العصبات مقدم على ذوي الأرحام وهو قول علمائنا رحمهم الله وقال ابن مسعود ومولى العتاقة مؤخر عن ذوي الأرحام وكذلك الخلاف فيما إذا كان هناك صاحب فرض مع مولى العتاقة فعندنا وهو قول علي وزيد مولى العتاقة مقدم على الرد وعند ابن مسعود رضي الله عنه مؤخر عن ذلك بيانه فيما إذا ترك ابنة ومولى العتاقة فعندنا للابنة النصف والباقي لمولى العتاقة وعن ابن مسعود الباقي رد عليها ، ولا شيء لمولى العتاقة واستدل في ذلك بقوله تعالى { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } أي بعضهم أقرب إلى بعض ممن ليس له رحم والميراث يبنى على القرب وروينا في أول العتاق { أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بعبد فساومه } الحديث إلى أن قال ، { وإن مات ولم يدع وارثا كنت أنت عصبته } فقد شرط في توريث مولى العتاقة أن لا يدع المعتق وارثا وذوو الأرحام من جملة الورثة والمعنى فيه هو أن هذا نوع ، ولا يستحق به الميراث فيعتبر بولاء الموالاة وبحقيقته هو أن الأصل في التوريث القرابة وبإدلاء لا تثبت القرابة ، ولكن الولاء شبيه بالقرابة شرعا قال عليه السلام { الولاء لحمة كلحمة النسب } ، وما تشبه بالشيء لا يكون معارضا لحقيقته فكيف يترجح على حقيقته بل إنما يعتبر ما يشبه الشيء [ ص: 176 ] في الحكم عند انعدام حقيقة ذلك الشيء والدليل على أن الولاء أضعف أنه يحتمل الرفع في الجملة .

( ألا ترى ) أنه إذا كان الولد مولى لمولى الأم فظهر له ولاء في جانب الأب انعدم به الولاء الذي كان لعموم الأم والقرابة لا تحتمل الرفع بحال وكذلك يستحق الإرث بالقرابة من الجانبين وبالولاء لا يستحق من الجانبين فالمعتق لا يرث من المعتق شيئا وعليه يخرج الزوجية فإنها ، وإن كانت تحتمل الرفع فالإرث بها من الجانبين وهذا لأن الزوجية أصل فإن القرابات تتفرع منها فحكم الفرع يثبت للأصل ، وإن انعدم فيه معناه كما يعطى لبيض الصيد حكم الصيد في حق المحرم ، وإن انعدم فيه معنى الصيد ثم إذا ادعينا هذا فيما ينبني على القرب وهو العصوبة فالزوجية لا تستحق العصوبة فتخرج على ما ذكر وحجتنا في ذلك ما روي { أن ابنة حمزة أعتقت عبدا ، ثم مات العبد وترك ابنة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف ماله لابنته والباقي لابنة حمزة } فهو نص في أن مولى العتاقة مقدم على الرد ودليل على أنه مقدم على ذوي الأرحام فمن ضرورة كون المعتق مقدما على الرد أن يكون مقدما على ذوي الأرحام وبهذا يتبين أن معنى قوله عليه الصلاة والسلام { ، وإن مات ولم يدع وارثا هو عصبة } ، وقد أشار إلى ذلك بقوله كنت أنت عصبته ولم يقل كنت وارثه ، وفي هذا التنصيص على أن مولى العتاقة عصبة والعصبة مقدم على ذوي الأرحام . فأما قوله { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض } فسبب نزوله ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة آخى بين الأنصار والمهاجرين } فكانوا يتوارثون بذلك فنسخ الله تعالى ذلك الحكم بهذه الآية وبين أن الرحم مقدم على المؤاخاة والولاء وبه نقول ، وهذا لأن مولى الموالاة بمنزلة الموصى له بجميع المال فالاستحقاق لا يثبت له بعقد يحتمل الرفع والفسخ فيكون ضعيفا جدا والمعنى في المسألة أن ولاء العتاقة بمنزلة الأبوة صورة ومعنى أما من حيث الصورة فلأن المعتق ينسب إلى معتقه بالولاء كما ينسب الابن إلى أبيه بالولادة وأما من حيث المعنى فلأن الوالد كان سبب إيجاد ولده والمعتق سبب إحياء المعتق من حيث إن الرق تلف والحرية حياة الإنسان بصورته ومعناه فالمعتق سبب لإيجاد معنى الإنسانية في المعتق وهو صفة الملكية وبه باين الإنسان سائر الحيوانات فعرفنا أنه في المعنى بمنزلة الوالد .

( ألا ترى ) هذا المعنى يوجد من الأعلى خاصة دون الأسفل بخلاف الولادة فحقيقة العصبة هناك تشمل الجانبين فلهذا يثبت هناك الإرث من الجانبين وهنا يثبت من الجانب الأعلى ، ثم أقوى ما يستحق بالولاء العصوبة . فإذا انعدمت يقام الولاء مقامها في استحقاق العصوبة [ ص: 177 ] به .

وإذا تبين بهذا المعنى أن المستحق بالولاء العصوبة قلنا تقديم العصوبة على ذوي الأرحام ثابت بالنص والإجماع واختلفوا في ابني عم أحدهما لأخ لأم فنبين صورة المسألة أولا ، ثم نذكر حكمه فنقول أخوان للأكبر منهما امرأة ولد بينهما ابن ، ثم مات الأكبر فتزوجها الأصغر وولد بينهما ابن ، ثم مات الأصغر وله ابن من امرأة أخرى ، ثم مات ابن الأكبر فقد ترك ابني عم وهما ابنا الأصغر أحدهما أخوه لأمه . فأما بيان الحكم فنقول على قول علي وزيد للأخ لأم السدس والباقي بينهما نصفان بالعصوبة وهو قول علمائنا وقال ابن مسعود المال كله لابن العم الذي هو أخ لأم وعن عمر فيه روايتان أظهرهما كما هو قول ابن مسعود رضي الله عنه وجه قوله أن ابن العم الذي هو أخ لأم أظهرهما قربا فيكون هو أحق بجميع المال كما لو ترك أخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب وبيان هذا لوصف القرب باعتبار الاتصال فابن العم الذي هو أخوه لأمه يتصل به من الجانبين من جانب الأب ومن جانب الأم واتصال الآخر به من جانب واحد فعرفنا أنه أظهرهما قربا والدليل عليه أن العمومة والأخوة في المعنى سواء .

( ألا ترى ) أن في كل واحد منهما يترجح الذي لأب وأم على الذي لأب . فإذا استويا كان لابن العم الذي هو أخ لأم سببان للميراث الفريضة بالإخوة لأم والعصوبة بالعمومة ويرث بكل واحد من السببين ويجعل اجتماع السببين في شخص واحد كوجودهما في شخصين فيستحق السدس بالفريضة ، ثم يزاحم الآخر فيما بقي بالعصوبة ، وهذا لأن الترجيح مما لا يصلح علة للاستحقاق بانفراده . فأما ما يصلح علة للاستحقاق بانفراده لا يقع به الترجيح ، وقد بينا ذلك في الجراحات والشهادات ولذلك يترجح أحد الجانبين على الآخر بزيادة وصف وهو معنى القوة في التأثير ، ولا يترجح قياسان على قياس واحد إذا عرفنا هذا فنقول كل واحد من السببين هنا معتبر في الاستحقاق بانفراده فلا يقع الترجيح بأحدهما بخلاف الإخوة والسبب هناك واحد وهو الإخوة والإخوة لأم في معنى زيادة الوصف في الإخوة لأب فيجوز أن يحصل به الترجيح . فأما هنا الإخوة لأم لا يمكن أن تجعل زيادة في وصف العمومة فلا بد من أن تجعل سببا للاستحقاق بانفراده فلا يقع به الترجيح وبيان ذلك أن العمومة باعتبار المجاورة في صلب الجد وباعتبار المجاورة في رحم الجدة لا تستحق الفريضة فلا يمكن أن تجعل المجاورة في رحم الأم موجبا زيادة وصف في معنى المجاورة في صلب الجد . فأما الأخوة مجاورة في صلب الأب فيمكن أن تجعل المجاورة في رحم الأم موجبا [ ص: 178 ] لتلك المجاورة زائدا في وصفها فلهذا يرجح الأخ لأب وأم على الأخ لأب .

ولو ترك أخوين لأم وأخا لأب فإن للأخوين لأم الثلث بينهما نصفان والباقي كله للأخ لأب ولا يرجح الأخ لأب هنا على الآخرين بخلاف ما سبق لأن بالإخوة لأم تستحق الفريضة واستحقاق الفرضية ليس ينبني على القرب ولا مزاحمة بين العصبة وصاحب فرض بل صاحب الفرض مقدم على العصبة كما قال عليه السلام { ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت فلأولى رجل ذكر } فلهذا لا يجعل الأخ لأب وأم مرجحا على الأخ لأم بل يعطى الأخ لأم فرضه وهو السدس . فأما الإخوة لأب يستحق بها العصوبة ، وفي العصبات الأقرب يترجح فجعلنا الإخوة لأم في معنى زيادة وصف ورجحنا به الأخ لأب وأم على الأخ لأب ، ولو ترك أخوين لأم أحدهما ابن عم وصورته ما ذكرنا إلا أن لتلك المرأة ولد آخر من غير الأخوين . فإذا مات ولد الأصغر فقد ترك أخوين لأم أحدهما ابن عمه فللأخوين لأم الثلث بينهما نصفان ، وما بقي كله للذي هو ابن عم أما على قول علي وزيد فظاهر وعلى قول ابن مسعود رضي الله عنه فلأنه يجعل العمومة كالأخوة ، وقد بينا أن الأخوين لأم إذا كان أحدهما أخا لأب لا يستحق الترجيح لجميع المال . فكذلك الأخوان لأم إذا كان أحدهما ابن عم ، ولو ترك ابني عم أحدهما أخ لأم وأخوين لأم أحدهما ابن عم وصورته فيما ذكرنا فعلى قول علي وزيد رضي الله عنهما الثلث بين الأخوين لأم نصفين والباقي بين ابني العم بالسوية نصفين فتكون القسمة من ستة وعلى قول ابن مسعود للأخ لأم الذي ليس بابن عم السدس والباقي كله لابن العم الذي هو أخ لأم ولا شيء لابن العم الآخر .

ولو ترك ثلاثة بني عم أحدهم أخ لأم وثلاثة إخوة لأم أحدهم ابن عم وصورته فيما ذكرنا فعلى قول علي وزيد رضي الله عنهما للإخوة للأم الثلث بينهم بالسوية والباقي بين بني الأعمام أثلاثا بالسوية فتكون القسمة من تسعة وعلى قول ابن مسعود رضي الله عنه الثلث للأخوين للأم اللذين ليسا بابن عم بينهما نصفان والباقي كله لابن العم الذي هو أخ لأم ولا شيء للآخرين .
واختلف الفرضيون رحمهم الله على قول ابن مسعود رضي الله عنه في فصلين أحدهما إذا ترك ابن عم لأب وأم وابن عم لأب هو أخ لأم فقال يحيى بن آدم على قياس قول ابن مسعود رضي الله عنه المال كله لابن العم الذي هو أخ لأم لأنه يجعل العمومة كالأخوة وابن العم الذي هو أخ لأم عنده في معنى الأخ لأب وأم فيكون مقدما في العصوبة على ابن العم لأب وأم وقال الحسن بن زياد على قياس قول ابن مسعود رضي الله عنه للأخ للأم السدس هنا والباقي كله [ ص: 179 ] لابن العم لأب وأم كما هو مذهب علي وزيد رضي الله عنهما لأنه إنما يترجح العمومة بالأخوة لأم عند الاستواء في معنى العمومة ، وما استويا هنا فإن العم لأب وأم في العصوبة مقدم على ابن العم لأب وعنده العمومة قياس الأخوة ، وفي الأخوة بقرابة الأم إنما يقع الترجيح عند المساواة في الأخوة من جانب الأب لا عند التفاوت . فكذلك في العمومة .

الفصل الثاني إذا ترك ابنة وابني عم أحدهما أخ لأم فعلى قول علي وزيد رضي الله عنهما للابنة النصف والباقي بين ابني العم نصفين لأن الإخوة لأم لا يستحق بها شيء مع الابنة فوجودها كعدمها . فأما على قول ابن مسعود رضي الله عنه فقد قال بعضهم الجواب هكذا لأن الترجيح بالإخوة لأم عنده إنما يقع في موضع يستحق بالإخوة لأم عند الانفراد ومع البنت لا يستحق الإخوة لأم شيئا فلا يصح بها الترجيح وقال محمد بن نصر المروزي على قياس قول ابن مسعود للابنة النصف والباقي كله لابن العم الذي هو أخ لأم لأن الابنة لما أخذت فريضتها فقد خرجت من الوسط فيجعل الباقي في حق الأخوين بمنزلة جميع التركة لو لم يكن هناك ابنة ، وعنده في جميع التركة ابن العم الذي هو الأخ لأم مقدم على الآخر . فكذلك في الباقي هنا وروي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه قال في هذه المسألة على قول ابن مسعود للابنة النصف ، ولا شيء للأخ لأم بل الباقي كله للأخ الذي هو ابن عم قال عطاء رضي الله عنه ، وهذا غلط لا وجه له لأن أكبر ما في الباب أن يسقط إخوته لأم باعتبار الابنة فبقي مساويا للآخر في أنه ابن عم .

ولو تركت المرأة ابني عم أحدهما زوجها فللزوج النصف والباقي بينهما نصفان بالعصوبة أما على قول زيد فلا يشكل وكذلك عند ابن مسعود لأن الزوجية لا تصلح مرجحة للقرابة إذ لا مجانسة بينهما صورة ولا معنى ، ولو تركت المرأة ثلاثة بني عم أحدهم زوجها والآخر أخوها لأمها فعلى قول علي وزيد للزوج النصف وللأخ لأم السدس والباقي بينهم أثلاثا بالسوية وعلى قول عبد الله للزوج النصف والباقي كله لابن العم الذي هو أخ لأم لأنه بمنزلة الأخ لأب وأم عنده فيرجح بالعصوبة على الأخوين والله أعلم بالصواب . .

باب فرائض الجد ( قال رحمه الله ) قال أبو بكر الصديق وعائشة وعبد الله بن عباس وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري وعمران بن الحصين وأبو الدرداء وعبد الله بن الزبير ومعاذ بن جبل [ ص: 180 ] رضوان الله عليهم أجمعين الجد عند عدم الأب يقوم مقام الأب في الإرث والحجب حتى يحجب الإخوة والأخوات من أي جانب كانوا وهو قول شريح وعطاء وعبد الله بن عتبة وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله إلا في فصلين زوج وأم وجد وامرأة وأم وجد فللأم فيهما ثلث جميع المال .

ولو كان مكان الجد أبا كان لها ثلث ما بقي وذكر أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أن على قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه للأم في هذين الموضعين ثلث ما بقي أيضا وهكذا روى أهل الكوفة رضي الله عنهم عن ابن مسعود رضي الله عنه للأم في زوج وأم وجد أن للأم ثلث ما بقي ، أو سدس جميع المال وروى أهل البصرة عن عبد الله بن عباس أن للزوج النصف والباقي بين الجد والأم نصفان وهي إحدى مربعات عبد الله وروي عن زيد بن هارون عن عبد الله في امرأة وأم وجد أن للمرأة الربع والباقي بين الأم والجد نصفين والرواة كلهم غلطوا زيدا في هذه الرواية فقالوا إنما قال عبد الله هذا في الزوج وأم وجد كي لا يكون في ذلك تفضيل للأم على الجد ، وهذا لا يوجد في جانب المرأة فإن الأم ، وإن أخذت ثلث المال كاملا يبقى للجد خمسة من اثني عشر فلا يؤدي إلى تفضيل الأنثى على الذكر ، ولا إلى التسوية بينهما وقال علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود الجد يقوم مقام الأب في الإرث مع الأولاد ويقوم مقام الأب في حجب الإخوة والأخوات لأم . فأما في حجب الإخوة والأخوات لأب وأم فلا ، ولكن يقاسمهم ويجعل هو كأحد الذكور منهم وبه أخذ سفيان الثوري وأبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي رحمهم الله إلا أن زيدا كان يقول يقاسمهم ما دامت المقاسمة خيرا له من ثلث جميع المال . فإذا كان الثلث خيرا له أخذ الثلث وكان ما بقي بين الإخوة والأخوات وقال علي رضي الله عنه يقاسمهم ما دامت المقاسمة خيرا له من سدس المال وإذا كان السدس خيرا له أخذ السدس .

وعن ابن مسعود روايتان أشهرهما كقول زيد وروي عنه أيضا كقول علي وعن عمر بن الخطاب كقول أبي بكر الصديق في الجد وعنه كقول زيد إلا في الأكدرية خاصة وعن عثمان بن عفان كقول علي رضي الله عنه وعنه كقول زيد إلا في مسألة الخرقاء على ما نبينها والصحيح أن مذهب عمر رضي الله عنه لم يستقر على شيء في الجد وروي عن عبيدة السلماني اجتمعوا في الجد على قول فسقطت حية من سقف البيت فتفرقوا فقال عمر رضي الله عنه أبى الله تعالى أن يجتمعوا في الجد على شيء ولما طعن عمر رضي الله عنه وأيس من نفسه قال اشهدوا أنه لا قول لي في الجد ، ولا في الكلالة [ ص: 181 ] وأني لم أستخلف أحدا وقال علي من أراد أن ينفحم في جراثيم جهنم فليقض في الجد وكان الشعبي إذا أراد أحد أن يسأله عن شيء من الفرائض قال هات إن لم يكن أحدا لا حياه الله ، ولا بياه ليعلم أنهم كانوا يتحرزون عن الكلام في الجد لكثرة الاختلاف فيه أما حجة من ورث الإخوة مع الجد ما روي عن علي أنه شبه الأخوين بشجرة أنبتت غصنين والجد مع النافلة بشجرة نبت منها غصن فالقرب بين غصني الشجرة أظهر من القرب بين أصل الشجرة والغصن النابت من غصنها لأن بين الغصنين مجاورة بغير واسطة وبين الغصن الثاني وأصل الشجرة مجاورة بواسطة الغصن الأول فعلى هذا ينبغي أن يقدم الأخ على الجد لأن العصوبة تنبني على القرب إلا أن في جانب الجد معنى آخر وهو الولاد يتأيد بذلك المعنى اتصاله بالنافلة وبالولاد يستحق الفرضية من له اسم الأبوة وبهذه الفرضية إنما يستحق السدس قال الله تعالى { ولأبويه لكل واحد منهما السدس } فلا ينقص نصيب الجد عن السدس باعتبار الولاد بحال وتأيد بهذا الولاد قرابته من الميت فيكون مزاحما للإخوة ويقاسمهم إذا كانت المقاسمة خيرا له من السدس يوضحه أن الولد في حكم الحجب أقوى من الإخوة بدليل حجب الزوج والزوجة بالولد دون الإخوة وحجب الأم إلى السدس بالولد الواحد دون الأخ ، ثم الولد لا ينقص نصيب الجد عن السدس بحال كان أولى .

والمروي عن زيد بن ثابت أنه شبه الأخوين بواد تشعب منه نهران والجد مع النافلة بواد تشعب منه نهر ، ثم تشعب من النهر جدول فالقرب بين النهرين يكون أظهر منه بين الجدول وأصل الوادي ، وهذا يوجب تقديم الإخوة على الجد إلا أن في جانب الجد معنى الولاد وبه يسمى أبا ، ولكنه أبعد من الأب الأول بدرجة فيجعل هو فيما يستحق في الولاد بمنزلة الأم من حيث إنه يقام العبد بدرجة مقام نقصان الأنوثة في الأم والأم عند عدم الولد تستحق ثلث جميع المال . فكذلك الجد بالولاد يستحق ثلث جميع المال إذ الجد مع الجدة بمنزلة الأب مع الأم فكما أن نصيب الأم عند عدم الولد ضعف نصيب الأم وذلك الثلثان . فكذلك نصيب الجد عند عدم الولد ضعف نصيب الجدة ونصيب الجدة السدس لا ينقص عن ذلك فنصيب الجد الثلث لا ينقص عن ذلك وحجتهم من حيث المعنى أن الجد والأخ استويا في الإدلاء فكل واحد منهم يدلي للميت بواسطة الأب ، ثم للأخ زيادة ترجيح من وجه وهو أنه يدلي بواسطة الأب بالبنوة والجدودية تدلي إلى الميت بواسطة الأب بالأبوة والبنوة في العصوبة مقدم على الأبوة .

( ألا ترى ) أن من ترك أبا وابنا كانت [ ص: 182 ] العصوبة للابن دون الأب ، ولكن في جانب الأب ترجيح من وجه آخر وهو الولاد مقدم في الاستحقاق حتى يستحق به الفريضة وصاحب الفريضة يتقدم على العصبة فقلنا في الفرض المستحق بالولاد يجعل الجد مقدما .

وإذا آل الأمر إلى العصوبة يعتبر الإدلاء وهما مستويان في ذلك ولكل واحد منهما ترجيح من وجه فيقع التعارض ، ويكون المال بينهما بالمقاسمة بمنزلة الأخوين لأب وأم ، أو لأب ولهذا لا تثبت المزاحمة لأولاد الأم مع الجد لأن إدلاءهم بالأم ، ولا تأثير لقرابة الأم في استحقاق العصوبة بها والمساواة باعتبار التساوي في الإدلاء قال الشافعي ولهذا قلت إذا مات المعتق وترك أخا المعتق لأبيه وأمه وجده فالمال بينهما نصفان لأنه معتبر بالفرضية في الميراث بالولاء ، وقد استويا في معنى العصوبة فيستويان في الاستحقاق على كل حال قل الباقي لهما ، أو كثر . فأما أبو حنيفة احتج بما نقل عن ابن عباس أنه كان يقول ألا يتق الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ، ولا يجعل أب الأب أبا ومعنى هذا الكلام أن الاتصال بالقرب من الجانبين يكون بصفة واحدة لا يتصور التفاوت بينهما بمنزلة المماثلة بين مثلين والأخوة بين الأخوين . فإذا كان في الموضع الذي كان الجد ميتا يجعل ابن الابن قائما مقام الابن في حجب الإخوة من أي جانب كانوا وكان معنى القربى والاتصال في جانبه مرجحا . فكذلك إذا كان ابن ابن الميت ميتا يكون الجد قائما مقام الأب في حجب جميع الإخوة ، ويكون اتصاله وقربه إلى الميت بالميت مرجحا لأن الاتصال واحد لا يعقل التفاوت بين الجانبين بوجه والدليل عليه أن الجد عند عدم الأب يستحق اسم الأبوة قال الله تعالى { يا بني آدم } ومن كنت ابنه فهو أبوك وقال جل جلاله قالوا { نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم } وكان إبراهيم جدا وقال عز وجل { واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق } وكانا جدين له وكذلك أيضا في الحكم فالجد له من الولاية عند عدم الأب ما للأب حتى أن ولايته تعم المال والنفس جميعا بخلاف الإخوة والخلافة في الإرث نوع ولاية .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 30-12-2025, 04:09 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون

صـــ182 الى صـــ 191
(599)


وكذلك الجد في استحقاق النفقة مع اختلاف الدين بمنزلة الأب بخلاف الإخوة والنفقة صلة كالميراث وكذلك الجد في حكم حرمة وضع الزكاة وحرمة قبول الشهادة وحرمة حليلته كالنافلة والمنع من وجوب القصاص عليه بقتل النافلة وثبوت حق التملك له بالاستيلاد قائم مقام الأب بخلاف الإخوة فإذا جعل هو في جميع الأحكام بمنزلة الأب . فكذلك في حجب الإخوة وبعد ما تقرر هذا المعنى فلا معتبر بالقرب لأن استحقاق المال بالعصوبة وهي لا تبنى على القرب فابنة الابنة أقرب من ابن العم [ ص: 183 ] ومن مولى العتاقة ، ثم الميراث بالعصوبة لابن العم ومولى العتاقة دون ابنة الابنة . فكذلك هنا إذا عرفنا هذا رجعنا إلى بيان مذهب الذين قالوا بتوريث الإخوة والأخوات مع الجد فقد فرغنا من بيان قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومن قال بقوله فنقول أما على مذهب زيد الجد يقاسم الإخوة والأخوات ما دامت المقاسمة خيرا له من ثلث جميع المال أو كانا سواء فإن كان الثلث خيرا له فإنه يعطى الثلث ، ثم الباقي بين الإخوة والأخوات ومن مذهبه أن يعتد بالإخوة والأخوات لأب مع الإخوة والأخوات لأب وأم في مقاسمة الجد .

فإذا أخذ الجد نصيبه رد الإخوة والأخوات لأب على الإخوة والأخوات لأب وأم جميع ما أصابوا إن كان أولاد الأب والأم ذكورا أو مختلطين فإن كانوا إناثا فإنهم يردون على البنتين إلى تمام الثلثين وعلى الواحدة إلى تمام النصف وينبني على هذا مسألة العشرية وصورتها أخت لأب وأم وأخ لأب وأم وأخ لأب وجد فعلى قول زيد بن ثابت المال بينهم بالمقاسمة لأن بالمقاسمة نصيب الجد خمسا المال وهو خير له من الثلث فيكون أصل الفريضة من خمسة للجد سهمان وللأخ سهمان وللأخت سهم ، ثم الأخ لأب يرد على الأخت لأب وأم إلى تمام النصف ، وذلك سهم ونصف ما أصابه فانكسر بالإنصاف فأضعفه فيكون عشرة للجد أربعة وللأخت لأب وأم بعد الرد خمسة والباقي للأخ لأب سهم واحد ، وهذا السهم الواحد .

هو عشر المال فلهذا سميت المسألة عشرية زيد ومن مذهبه أنه إذا اجتمع مع الجد والإخوة أصحاب الفرائض يوفر على أصحاب الفرائض فرائضهم ، ثم ينظر للجد إلى المقاسمة وإلى ثلث ما بقي وإلى سدس جميع المال فأي ذلك خيرا للجد أعطى ذلك والباقي للإخوة والأخوات ومن مذهبه أن الأخوات المفردات لا يكن من أصحاب الفرائض مع الجد ، ولكن يصرن عصبة بالجد ويكون الحكم المقاسمة بينهن وبين الجد إلا في مسألة الأكدرية خاصة فإن جعل الأخت فيها صاحبة فرض لأجل الضرورة وصورتها امرأة ماتت وتركت زوجا وأما وأختا لأب وأم وجدا فللزوج النصف ثلاثة من ستة وللأم الثلث سهمان وللجد السدس سهم وللأخت النصف ثلاثة تعول بثلاثة ، وإنما جعل الأخت هنا صاحبة فرض لأجل الضرورة فإنه لم يبق بعد نصيب أصحاب الفرائض إلا السدس فإن جعل ذلك للجد صارت الأخت محجوبة بالجد ، وهذا خلاف أصله ، وإن جعل ذلك بينهما بالمقاسمة انتقص نصيب الجد عن السدس ومن مذهبه أنه لا ينقص نصيبه عن السدس باعتبار الولاء بحال وإسقاط الأخت بالجد متعذر [ ص: 184 ] أيضا لأنها صاحبة فرض عند عدم الولد بالنص وفريضتها النصف فلهذه الفريضة جعلها صاحبة فرض هنا ، ثم ينضم نصيب الأخت مع نصيب الجد وهو أربعة من تسعة فيكون مقسوما بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين فانكسر بالأثلاث فاضربه تسعة في ثلاثة فيكون سبعة وعشرين كان للزوج ثلاثة مضروبة في ثلاثة فتكون تسعة وكان للأم سهمان مضروبان في ثلاثة فيكون ستة وكان نصيب الأخت والجد أربعة مضروبة في ثلاثة فيكون اثني عشر للجد ثمانية وللأخت أربعة ، وإنما جعله كذلك لأن أصحاب الفرائض لما خرجوا من الوسط صار الباقي في حقهما بمنزلة جميع التركة فإنا إنما جعلنا الأخت صاحبة فرض لأجل الضرورة والثابت بالضرورة يتعذر بقدر الضرورة ، وقد انعدمت الضرورة فيما أصابهما فيبقى المعتبر المقاسمة فيما بينهما .

ولو كان مكان الأخت أخا لم تكن المسألة أكدرية بل سدس الباقي كله للجد ، ولا شيء للأخ لأن استحقاق الأخ بالعصوبة فقط وللعصبة ما يبقى من أصحاب الفرائض . فإذا لم يبق شيء كان الأخ محروما لانعدام محل حقه بخلاف الأخت وكذلك إن كان مكان الأخت الواحدة أختين ، أو أخا وأختا لم تكن المسألة أكدرية لأنهما يحجبان الأم من الثلث إلى السدس فيكون الباقي الثلث فإن كان مع الجد أختان فالمقاسمة والسدس للجد سواء ، وإن كان أخا وأختا فالسدس خير له فيأخذ السدس والباقي بين الأخ والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين ، وإنما لقبت هذه المسألة بالأكدرية لأنه تكدر فيها مذهب زيد فاضطر إلى ترك أصله وقيل إن عبد الملك بن مروان ألقاها على فقيه كان يلقب بالأكدر فأخطأ فيها على قول زيد وقيل لأن الميت الذي وقعت هذه الحادثة في تركته كان يلقب بالأكدر ومن مذهب زيد أن البنات مع الجد كغيرهن من أصحاب الفرائض والجد يكون عصبة معهن ومن مذهبه أن يجوز تفضيل الأم على الجد وبهذا كله أخذ سفيان الثوري وأبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي وعليه الفتوى إلا أن بعض المتأخرين من مشايخنا رحمهم الله استحسنوا في مسائل الجد الفتوى بالصلح في مواضع الخلاف وقالوا إذا كنا نفتي بالصلح في تضمين الأجير المشترك لاختلاف الصحابة فالاختلاف هنا أظهر فالفتوى بالصلح فيه أولى . فأما بيان مذهب علي رضي الله عنه فنقول أنه يقاسم الإخوة والأخوات ما دامت المقاسمة خيرا له من السدس ، أو كانا سواء . فإذا كان السدس خيرا له أخذ السدس ، ثم الباقي بين الإخوة والأخوات ومن مذهبه أنه لا يعتد بالإخوة والأخوات لأب مع الإخوة والأخوات لأب وأم في مقاسمة [ ص: 185 ] الجد ولكن يعتد بهم إذا انفردوا عن الإخوة والأخوات لأب وأم ويجعل الجد كأحد الذكور منهم في حكم المقاسمة ومن مذهبه أنه إذا اجتمع مع الجد والإخوة أصحاب الفرائض سوى البنات فإنه يوفر عليهم فرائضهم ، ثم ينظر إلى ما بقي فإن كان السدس يعطى للجد .

وإن كان أقل يكمل له السدس ، وإن كان أكثر من السدس ينظر للجد إلى المقاسمة وإلى سدس جميع المال فأيما كان خيرا له ذلك والباقي للإخوة ومن مذهبه أن الأخوات المفردات أصحاب الفرائض مع الجد وفريضة الواحدة منهن النصف وفريضة المثنى فصاعدا الثلثان ومن مذهبه أن مع الابنة الجد صاحب فرض له السدس ، ولا يكون عصبة بحال ومن مذهبه أنه يجوز تفضيل الأم على الجد وبهذا كله أخذ ابن أبي ليلى وسوى هذا روايتان عن علي رضي الله عنه إحداهما كقول الصديق رضي الله عنه والأخرى أن المال بين الجد والإخوة بالمقاسمة وإن كان نصيب الجد دون السدس فقد روي أن ابن عباس كتب إليه يسأله عن جد وست إخوة فكتب في جوابه اجعل المال بينهم على سبعة ومزق كتابي هذا إن وصل إليك فكأنه لم يستقر على هذه الفتوى حين أمره أن يمزقه . فأما بيان مذهب عبد الله بن مسعود فمن مذهبه أن الجد يقاسم الإخوة ما دامت القسمة خيرا له من الثلث وافق في هذا زيدا ومن مذهبه أنه لا يعتد بأولاد الأب مع الأولاد لأب وأم في مقاسمة الجد فوافق فيه عليا وقال يعتد بهم إذا انفردوا عن أولاد الأب والأم كما هو مذهب علي رضي الله عنه فإن اجتمع مع الجد والإخوة أصحاب الفرائض فأهل الحجاز يروون عن عبد الله أنه يعطي أصحاب الفرائض فرائضهم ، ثم ينظر للجد إلى ثلاثة أشياء كما هو مذهب زيد فأهل العراق يروون عنه أنه ينظر للجد إلى المقاسمة وإلى السدس كما هو مذهب علي ومن مذهبه أن الأخوات المفردات أصحاب الفرائض مع الجد وافق فيه عليا ومما تفرد به ابن مسعود ابنة وجد وأخت للابنة النصف والباقي بين الجد والأخت نصفان فهذه من مربعات عبد الله .

ومما تفرد به زوج وأم وجد للزوج النصف والباقي بين الجد والأم نصفان فكان لا يفضل أما على جد فهذه من مربعاته أيضا ومما تفرد به أن الأخوات لأب وأم إذا كانوا أصحاب الفرائض مع الجد فلا شيء للإخوة والأخوات لأب سواء كانوا ذكورا ، أو إناثا أو مختلطين ، ولا يعتد بهم في هذه الحالة وبهذا كله أخذ فقهاء الكوفة علقمة والأسود وإبراهيم النخعي فصار الاختلاف بينهم في الحاصل في ثمان فصول فالسبيل أن نذكر كل فصل على الانفراد أما الفصل الأول أن على قول زيد وعبد الله تعتبر [ ص: 186 ] المقاسمة ما دامت خيرا له من ثلث المال ، وعند علي تعتبر المقاسمة ما دامت خيرا له من سدس المال وجه قوله أن الجد إنما امتاز من الإخوة بمعنى الولاء واسم الأبوة وبهذا الاسم والمعنى يختص باستحقاق الفريضة وفريضة الأب بالنص السدس قال الله تعالى { ولأبويه لكل واحد منهما السدس } ، ثم الجد مع الإخوة بمنزلة الأب مع الأولاد لأن الأخ ولد من يدلي به الجد وهو الأب ، ثم فريضة الأب مع الولد السدس لا ينقص عنه فكذلك فريضة الجد مع الإخوة السدس لا ينقص عن ذلك بحال واعتبار العصوبة لتوفر المنفعة عليه . فإذا كانت الفريضة أنفع له قلنا بأنه يعطى فريضته ، وذلك السدس وجه قول عبد الله وزيد حديث عمران بن الحصين { أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن ابني مات فما لي من ميراثه فقال عليه السلام لك السدس فلما أدبر الرجل دعاه فقال لك سدس آخر } .

وإنما يحمل هذا على أنه كان وقع عنده في الابتداء أن للميت ولدا فجعل له السدس ثم علم أنه لا ولد للميت فجعل له الثلث وروي أن عمر بن الخطاب جمع الصحابة وقال هل سمع منكم أحد من النبي عليه السلام في الجد شيئا فقام رجل وقال { شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى للجد بالثلث } فقال مع من كان فقال لا أدري فقال لا دريت فقام رجل آخر وقال { شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى للجد بالثلث } فقال مع من كان فقال لا أدري شيئا فقال لا دريت ، وإنما يحمل هذا على أنه جعل له السدس مع الولد والثلث عند عدم الولد والمعنى فيه أن الجد مع الجدة بمنزلة الأب مع الأم ثم عند عدم الولد للأم الثلث وكان للجدة نصف نصيب الأم وهو السدس وللأب الثلثان فينبغي أن يكون للجد نصف نصيب الأب وهو الثلث بالولاء كما هو الأصل في جعل حظ الذكر ضعف حظ الأنثى والدليل عليه أن الجد يحجب أخوين لأم عن فرضهما وفرضهما الثلث عند عدم الولد وكل وارث يحجب آخر عن فرضه فإنه يستحق ذلك لا محالة فإن معنى حجته في أنه يكون مقدما عليه في فرضه كالولد في حق الزوج والزوجة بخلاف الأخوين مع الأب فإنهما يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ، ولا حظ لهما في ذلك لأنهما غير وارثين مع الأب وكلامنا فيمن يحجب غيره وهو وارث والفصل الثاني أن على قول زيد بن ثابت رضي الله عنه لا يعتد بهم وجه قول زيد أنه يعتد بهم في مقاسمة الجد عند الانفراد بالاتفاق ، وإنما يعتد بهم لأنهم يدلون بالأب كما يدلي الجد ، وهذا المعنى قائم عند وجود الإخوة والأخوات لأب وأم فإن بوجودهم لا يزداد معنى الإدلاء في الجد ، ولا [ ص: 187 ] ينتقص في جانب الإخوة لأب وتحقيق هذا الكلام أن قرابة الأم في حق الإخوة والأخوات لأب وأم معتبر للترجيح لا للاستحقاق والترجيح عند اتحاد الجهة لا عند اختلاف الجهة ففي حق الجد مع الإخوة الجهة مختلفة لأن الأبوة غير الأخوة فلا معتبر بقرابة الأم في الترجيح مع الجد ، ولكن يجعلا في المقاسمة كأنهما جميعا إخوة لأب حتى يأخذ الجد نصيبه فيخرج من الوسط ، ثم صارت الجهة واحدة فيما بين الإخوة لأب وأم والإخوة لأب فيظهر الترجيح عند ذلك بقرابة الأم فيرد الإخوة لأب على الإخوة لأب وأم ما أخذوا لهذا المعنى بمنزلة الأبوين مع الأخوين فالأخوان يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ، ثم الأب يستحق عليهما ذلك وأما وجه قول علي وعبد الله أن الجد مع الإخوة لأب وأم يجعل بمنزلة الأخ لأب وأم لا بمنزلة الأخ لأب لأنه لو جعل كالأخ لأب لكان الأخ لأب وأم مقدما عليه .

وإذا جعل هو كالأخ لأب وأم والأخ لأب وأم يحجب الإخوة لأب فالأخوان لأب وأم لأن يحجبان الإخوة لأب كان أولى ، وهذا بخلاف ما إذا انفرد الإخوة لأب مع الجد لأن هناك الجد يجعل بمنزلة الأخ لأب بمعنى وهو أن الولاء الذي اختص به الجد معتبر عند الحاجة ، ولا يعتبر عند عدم الحاجة .

( ألا ترى ) أن نصيبه إذا كان بالمقاسمة دون الثلث يعتبر الولاء لكن لا ينتقص حقه عن السدس .

وإذا كانت المقاسمة خيرا له لا يعتبر الولاء ، ولكن يعتبر الإدلاء بالأب فهنا مع الإخوة لأب لا حاجة إلى اعتبار الولاء في جانب الجد فلا يعتبر وجود الإخوة لأب وأم ولما قضت الحاجة إلى ذلك ليقوم معنى الولاء في جانبه مقام قرابة الأم في جانب الأخ لأب وأم فكان معتبرا وجعل الجد كالأخ لأب وأم يوضحه أن لو قلنا بأنه يعتد بهم في مقاسمة الجد ، ثم يردون ما أصابهم على الأخ لأب وأم يؤدي إلى تفضيل الأخ لأب وأم على الجد ، وهذا ساقط بالإجماع فإن الجد لا ينتقص نصيبه عن السدس بحال ، وقد ينقص نصيب الأخ عن السدس فكيف يجوز تفضيل الأخ على الجد في الميراث .

والفصل الثالث أن الأخوات المفردات أصحاب الفرائض مع الجد عند علي وعبد الله ، وعند زيد رضي الله عنه عصبات إلا في الأكدرية وجه قولهما أن الأنثى إنما تصير عصبة للذكر عند اتحاد السبب . فأما عند اختلاف السبب فلا فالسبب في حق الجد غير السبب في حق الأخت فلا تصيرن عصبة به بخلاف الأخ فالسبب واحد في حق الأخ والأخت فتصير الأخت عصبة بالأخ يوضحه أن الجد لا يعصب من في درجته من الإناث [ ص: 188 ] كالجدة . فكذلك لا يعصب غيرها بمنزلة ابن العم ، ولأن الأخت مع الجد بمنزلة الابنة من الأب ، ثم الابنة لا تصير عصبة بالأب . فكذلك الأخت لا تصير عصبة بالجد وجه قول زيد أن الجد كأحد الذكور من الإخوة ومعلوم أن الأخت تصير عصبة بالأخ لا باسم الأخوة فذلك موجود في الأخ لأم ، ولا يجعلها عصبة ، ولكن إنما تصير بالأخ لكون الأخ عصبة والجد في العصوبة مساو للأخ فتصير الأخت عصبة إلا في الأكدرية فإنها تجعل صاحب فرض لأجل الضرورة كما بينا مع أن الجد في تلك المسألة صاحب فرض فإن له السدس فيكون في تلك المسألة هو بمنزلة الأخ لأم والأخت لا تصير عصبة بالأخ لأم .
والفصل الرابع بين علي وعبد الله أنه إذا كان هناك أخت لأب وأم وأخ وأخت لأب وجد عند علي للأخت لأب وأم النصف والباقي بين الجد والأخ والأخت لأب بالمقاسمة ، وعند عبد الله الباقي كله للجد ، ولا شيء للأخ والأخت لأب لأن استحقاق الباقي باعتبار العصوبة فيقدم الأقرب والجد هو أقوى سببا من أولاد الأب لأن جانبه زائد بالولاء ، وقد اعتبر الولاء هنا لمكان الأخت لأب وأم فإن قرابة الأم اعتبرناها في جانبها حين جعلناها صاحبة فرض إذ لو لم يعتبر قرابة الأم لكانت هي عصبة بالأخ لأب وإذا اعتبر قرابة الأم في جانبها يعتبر الولاء في جانب الجد فيكون سببه في العصوبة أقوى ويحجب به أولاد الأب بمنزلة الأخ لأب وأم بخلاف ما إذا انفرد أولاد الأب مع الجد لأن هناك يعتبر الولاء في جانب الجد فيكون سببه مثل سبب أولاد الأب وجه قول علي أن الإخوة والأخوات لأب يقاسمون الجد في جميع المال فيقاسمونه فيما بقي بعد صاحب الفريضة كالأخ والأخت لأب وأم وهذا لأن الولاء في الجد غير معتبر هنا لأنه لا حاجة إلى اعتباره في إثبات العصوبة للجد مع أولاد الأب فهو ، وما انفردوا معه سواء .

والفصل الخامس أنه إذا اجتمع أصحاب الفرائض مع الإخوة والجد فعلى قول زيد يوفر على أصحاب الفرائض فرائضهم ثم ينظر للجد إلى ثلث ما بقي وإلى المقاسمة وإلى سدس المال وهو بناء على أصله فإنه يعتبر للجد ثلث جميع المال إذا لم يكن هناك صاحب فرض فما بقي هنا كجميع المال هناك فاعتبر المقاسمة وثلث ما بقي إلا أن يكون السدس خيرا له فحينئذ لا ينقص الجد عن السدس لأنه يثبت استحقاق السدس باسم الأبوة بالنص وذلك يتناول الجد وأما عند علي ينظر إلى المقاسمة وإلى سدس جميع المال بناء على أصله إذا لم يكن هناك صاحب فرض فإنه يعتبر للجد المقاسمة والسدس ولا يعتبر ثلث جميع المال . فكذلك هنا وأهل الحجاز [ ص: 189 ] يروون عن عبد الله مثل قول زيد أنه يعتبر ثلث ما بقي كما هو أصله إذا لم يكن هناك صاحب فرض فإنه يعتبر للجد ثلث جميع المال وأهلالعراق يروون عن عبد الله السدس والمقاسمة هنا كما هو قول علي رضي الله عنه فهو يحتاج إلى الفرق بين هذا وبين ما إذا لم يكن هناك صاحب فرض ووجه الفرق أن هناك إنما جعلنا للجد الثلث باعتبار أنه نصف نصيب الأب مع الأم وضعف نصيب الجدة ، وقد تغير ذلك بوجود أصحاب الفرائض ومتى وقع التغير في فريضة فالأصل فيها المناصفة كما في فريضة الزوج والزوجة وفريضة الأم بالإخوة فلهذا اعتبرنا له السدس والمقاسمة يوضحه أن ثلث ما بقي غير منصوص عليه في الفرائض وإثبات مقدار الفريضة لا يكون بالرأي بخلاف زوج وأبوين وامرأة فإنا إذا جعلنا للأم ثلث ما بقي في زوج وأبوين كان ذلك سدس جميع المال ، وفي فريضة السدس نص .

وإذا جعلنا لها ثلث ما بقي بامرأة وأبوين كان ذلك ربع جميع المال ، وفي فريضة الربع نص . فأما لو جعلنا للجد ثلث ما بقي بعد أصحاب الفرائض لا يكون ذلك موافقا لفرض منصوص على كل حال فيكون إثبات فريضة بالرأي .

والفصل السادس في الابنة مع الجد والإخوة والأخوات فإن على قول علي الجد صاحب فريضة هنا وفريضته السدس ، وعند عبد الله بن مسعود وزيد رضي الله عنهما يكون هو عصبة يقاسم الإخوة والأخوات ما بقي بعد نصيب الابنة فهما يقولان الابنة صاحبة فرض فتكون كغيرها من أصحاب الفرائض والجد عصبة مع سائر أصحاب الفرائض ويقاسم الإخوة والأخوات ما بقي . فكذلك مع الابنة وجه قول علي أن الجد أب والأب صاحب فرض مع الولد بالنص قال الله تعالى { ولأبويه لكل واحد منهما السدس } إلا أنا جعلنا الأب الأدنى مع الابنة عصبة فيما بقي بعد ما جعلناه صاحب فرض فلو أعطينا للجد حكم العصوبة كنا قد سويناه بالأب فحجب الإخوة ، ولا يزاحمهم ، وذلك لا يستقيم فلا نجعل له حظا من العصوبة هنا .
والفصل السابع بين زيد وعبد الله فيما إذا ترك ابنة وجدا وأختا فعلى قول زيد للابنة النصف والباقي بين الجد والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين .

وعلى قول عبد الله الباقي بينهما نصفان لأن كل واحد منهما لو انفرد مع الابنة استحق ما بقي بطريق العصوبة فالأخت مع الابنة عصبة وكذلك الجد فعند الاجتماع الأخت لا تصير عصبة بالجد وإنما يفضل الذكر على الأنثى في العصبة إذا صارت المرأة عصبة بالذكر . فأما بدون ذلك فلا وصار هذا كما لو أعتق رجل وامرأة عبدا كان ميراثه بالولاء بينهما نصفين ، وهذا بخلاف [ ص: 190 ] الأخ والأخت لأن الأخت عند وجود الأخ إنما تصير عصبة بالأخ .

( ألا ترى ) أنه لو لم يكن ابنة كانت عصبة بالأخ فكذلك مع وجود الابنة وهنا لو لم توجد الابنة ما كانت الأخت عصبة بالجد . فكذلك مع الابنة .

والفصل الثامن إذا تركت زوجا وأما وجدا فعلى قول زيد وعلي للأم ثلث جميع المال لأن ثلث المال للأم عند عدم الولد ثابت بالنص قال الله تعالى { فلأمه الثلث } والنقصان عما هو منصوص عليه بالرأي لا يجوز ، ثم الأم أقرب من الجد بدرجة والأقرب ، وإن كان أنثى يجوز تفضيله على الأبعد في الاستحقاق يوضحه أن النقصان دون الحرمان ويجوز حرمان الجد في موضع ترث الأم فيه الثلث وهو حال حياة الأب فلأن يجوز نقصان نصيب الجد عن نصيب الأم كان أولى وأما عبد الله ففي إحدى الروايتين عنه للأم ثلث ما بقي وهو سدس جميع المال لأن اسم الأب ثابت للجد ولا يجوز تفضيل الأم على الأب ولا التسوية بينهما في الميراث ، وفي الرواية الأخرى قال النصف الباقي بين الأم والجد نصفان لأن الممتنع تفضيل الأنثى على الذكر بسبب الولاء . فأما بعد التسوية بينهما غير ممتنع كما في حق الأبوين مع الابن يوضحه أن في جانب الجد فضيلة الأبوة والبعد بدرجة ، وفي جانب الأم فضيلة القرب بدرجة ونقصان الأبوة فاستويا فيكون الباقي بينهما نصفان
ثم اعلم أن حاصل الكلام في مسائل الجد يدور على ستة مسائل فمن أحكم أقاويل الصحابة فيها يتيسر عليه تخريج ما سواها والمسائل الست ذكرها محمد رحمه الله في كتاب الفرائض ورواها عن السدي عن إسماعيل عن الشعبي إحداها مسألة الخرقاء وصورتها أخت لأب وأم أو لأب وجد وأم فالصحابة رضي الله عنهم اختلفوا فيها على ست أقاويل على قول أبي بكر الصديق للأم الثلث والباقي للجد ولا شيء للأخت وعلى قول علي للأم الثلث وللأخت النصف بالفرضية وللجد السدس وعلى قول زيد للأم الثلث والباقي بين الجد والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين وعلى قول عبد الله للأخت النصف وللأم السدس في رواية والباقي للجد لأنه يجعل نصيب الجد ضعف نصيب الأم كما هو مذهبه في زوج وأم وجد ، وفي الرواية الأخرى للزوج النصف والباقي بين الجد والأم نصفان لأنه لا يرى تفضيل الأم على الجد ويرى التسوية بينهما والسادس قول عثمان رضي الله عنه أن المال بين ثلاثتهم أثلاثا وجواب هذه المسألة بهذه الصفة محفوظ عن عثمان ووجهه أن الأم تستحق الثلث بالنص ولو لم يكن هناك أم لكان للأخت النصف بالفريضة والنصف الآخر للجد [ ص: 191 ] فإذا استحقت الأم الثلث عليهما كان ذلك من نصيبها جميعهما ويبقى حقهما في الباقي سواء فكان المال بين ثلاثتهم أثلاثا وتسمى هذه المسألة الخرقاء لكثرة اختلاف العصبة فيها وتسمى عثمانية لأن قديما جوابها محفوظ عن عثمان وتسمى مثلثة لجعل عثمان المال بينهم أثلاثا وتسمى حجاجية لأن الحجاج ألقاها على الشعبي على ما حكي أن الحجاج لما قدم العراق أتى بالشعبي موثقا بحديد فنظر إليه بشبه المغضب وقال أنت ممن خرج علينا يا شعبي فقال أصلح الله الأمير لقد أجدب الجناب وضاق المسلك واكتحلنا السهر واستحلسنا الحرر ووقعنا في فتنة لم يكن فيها تروية أتينا ولا فجرية أقوياء قال صدق خذوا عنه ما يقول في أم وأخت وجد فقال قد قال فيها خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ومن هم قال عثمان وعلي وزيد وابن مسعود وابن عباس فقال ما قال فيها الحبر يعني عبد الله بن عباس قال جعل الجد أبا ولم يعط الأخت شيئا قال وما قال فيها ابن مسعود قال جعل للأخت النصف والباقي بين الأم والجد نصفان قال ، وما قال فيها زيد قال جعل للأم الثلث والباقي بين الجد والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين فقال ، وما قال فيها أمير المؤمنين يعني عثمان قال جعل المال بينهم أثلاثا فقال لله در هذا العلم فرده بجميل .

والمسألة الثانية ملقبة بالأكدرية وصورتها أم وجد وزوج وأخت لأب وأم ، أو لأب ، وفيها خمسة أقاويل قول زيد كما بينا وقول الصديق أن للزوج النصف وللأم الثلث على ما رواه محمد بن الحسن والباقي للجد على ما رواه أبو يوسف وأبو ثور للأم ثلث ما بقي والباقي للجد والقول الرابع قول عبد الله أن للزوج النصف وللأخت النصف وللجد السدس وللأم السدس كي لا يؤدي إلى تفضيل الأم على الجد فتعول بسهمين والقسمة من ثمانية وعلى قول علي رضي الله عنه للزوج النصف وللأخت النصف وللأم الثلث وللجد السدس فتعول بثلاثة فتكون القسمة من تسعة ، وهذا قريب من قول زيد إلا أن على مذهب زيد أن ما يصيب الجد والأخت يجعل بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين فتكون القسمة من سبعة وعشرين ، وعند علي لا يجعل كذلك بل لكل واحد منهما ما أصابه .
والمسألة الثالثة امرأة وأخت وأم وجد ، وفيها أربعة أقاويل قولان للصديق رضي الله عنه أحدهما أن للمرأة الربع وللأم ثلث ما بقي والباقي للجد والآخر أن للمرأة الربع وللأم ثلث جميع المال والباقي للجد والثالث قول علي وزيد أن للمرأة الربع وللأم الثلث والباقي بين الجد والأخت بالمقاسمة والرابع قول عبد الله أن للمرأة الربع وللأخت النصف والباقي بين الجد والأم [ ص: 192 ] نصفان .
والمسألة الرابعة امرأة تركت زوجا وأما وجدا وأخا لأب وأم ، أو لأب ، وفيها ثلاثة أقاويل قولان للصديق رضي الله عنه أحدهما للأم ثلث جميع المال ، وفي الآخر لها ثلث ما بقي والباقي للجد والثالث قول علي وعبد الله وزيد أن للزوج النصف وللأم ثلث جميع المال والباقي للجد ، ولا شيء للأخ فيكون هذا موافقا لأحد قولي أبي بكر والقول الآخر فيه لعبد الله أن للزوج النصف والباقي بين الأم والجد نصفان ولا شيء للأخ .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 30-12-2025, 04:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع والعشرون

صـــ182 الى صـــ 191
(600)


والمسألة الخامسة امرأة وأم وجد وأخ لأب وأم ، أو لأب ، وفيها خمسة أقاويل قولان للصديق كما ذكرنا والثالث قول علي وزيد أن للمرأة الربع وللأم ثلث جميع المال والباقي بين الجد والأخ نصفان لأن المقاسمة خير له من السدس فالمقاسمة له سهمان ونصف من اثني عشر والسدس سهمان والقول الرابع لعبد الله أن للمرأة الربع وللأم ثلث ما بقي والباقي بين الجد والأخ نصفان والخامس قول عبد الله أيضا أن للمرأة الربع والباقي بين الجد والأم والأخ أثلاثا كي لا يؤدي إلى تفضيل الأم على الجد فتكون هذه من مربعاته على هذه الرواية .
والمسألة السادسة ابنة وأخت وجد ، وفيها خمسة أقاويل قول الصديق أن للابنة النصف والباقي للجد بالفرض والعصوبة وقول زيد أن للابنة النصف والباقي بين الجد والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين وعلى قول علي رضي الله عنه للابنة النصف وللجد السدس والباقي للأخت وقولان لعبد الله أحدهما أن للابنة النصف والباقي بين الأخت والجد نصفان والقول الأخر أن للابنة النصف وللجد ثلث ما بقي وهو والسدس في المعنى سواء والباقي للأخت فهذا بيان المسائل الستة ، وما سواها من مسائل الجد يتيسر تخريجها على قياس هذه المسائل والله أعلم بالصواب . .

باب الرد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا فضل المال عن حقوق أصحاب الفرائض وليس هناك عصبة من جهة النسب ، ولا من جهة السبب فإنه يرد ما بقي عليهم على قدر أنصبائهم إلا الزوج والزوجة وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه يرد على الزوج والزوجة أيضا كما يرد على غيرهم من أصحاب الفرائض وهو قول جابر بن يزيد وقال عبد الله بن مسعود الرد على أصحاب الفرائض إلا على ستة نفر الزوج والزوجة وابنة الابن مع ابنة الصلب والأخت لأب مع الأخت لأب وأم وأولاد الأم مع الأم [ ص: 193 ] والجدة مع ذي سهم أيا كان وهو قول أحمد بن حنبل وقال زيد بن ثابت لا يرد على أحد من أصحاب الفرائض شيء بعد ما أخذوا فرائضهم ، ولكن نصيب الباقي لبيت المال وهو رواية عن ابن عباس وبه أخذ الشافعي وعن ابن عباس في رواية قال يرد على أصحاب الفرائض لا على ثلاثة نفر الزوج والزوجة والجدة ، ثم الرد على قول علي وهو مذهبنا يكون بطريقين أحدهما بأن يعطون فرائضهم أولا ، ثم يرد الباقي عليهم بقدر فرائضهم فتكون القسمة مرتين والأخرى أنه ينظر إلى مقدار فرائضهم فيقسم جميع المال بينهم على ذلك قسمة واحدة ، وهذا هو الأصح لأنه أبعد عن التطويل وبيانه فيما إذا ترك أختا لأب وأم وأما فعلى الطريق الأول القسمة الأولى من ستة على مقدار فريضتهما فتكون على خمسة وستة على خمسة لا يستقيم فيضرب ستة في خمسة فتكون ثلاثين منه تصح .

وعلى الآخر يقسم المال كله بينهما على خمسة ثلاثة أخماسه للأخت وخمساه للأم ، وهذا إذا لم يخالطهم من لا يرد عليه فإن خالطهم من لا يرد عليه فحينئذ لا بد من اعتبار القسمتين وبيانه إذا تركت امرأة زوجا وأما وابنة فللزوج الربع وللابنة النصف وللأم السدس بقي سهم من اثني عشر وهو نصف سدس فيرد على الابنة والأم دون الزوج ، وإنما يرد عليهما أرباعا فيحتاج إلى أن تضرب اثني عشر في أربعة فيكون ثمانية وأربعين للزوج الربع ، وذلك اثنا عشر ، ثم الباقي وهو ستة وثلاثون بين الأم والابنة للابنة ثلاثة أرباعها ، وذلك سبعة وعشرون وللأم ربعها وذلك تسعة وعلى الطريق الآخر يطلب حساب له ربع ولثلاثة أرباعه ربع وأقل ذلك ستة عشر فيعطى الزوج الربع ، وذلك أربعة يبقى اثنا عشر للابنة ثلاثة أرباعها تسعة وللأم ربعها ثلاثة فمن أصحابنا رحمهم الله من جعل هذه المسألة بناء على مسألة ذوي الأرحام فإن الرد يكون باعتبار الرحم ولهذا لا يرد على من لا رحم له وهو الزوج والزوجة ومن أصلنا أن الميراث يستحق بالرحم ، وأن ذوي الأرحام يقدمون على بيت المال . فكذلك أصحاب الفرائض فيما بقي يقدمون على بيت المال بالرحم .

وعلى قول الشافعي ذوو الأرحام لا يستحقون شيئا ، ولكن يصرف المال لبيت المال إذا لم يكن هناك صاحب فرض ، ولا عصبة . فكذلك إذا فضل عن حقوق أصحاب الفرائض وليس هناك عصبة قلنا بأنه يجعل ما بقي في بيت المال فالحجة لمن أبى الرد آية المواريث فإن الله تعالى بين نصيب كل واحد من أصحاب الفرائض والتقدير الثابت بالنص يمنع الزيادة عليه لأن في الزيادة مجاوزة الحد الشرعي ، وقد قال الله تعالى بعد آية المواريث { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده } الآية [ ص: 194 ] فقد ألحق الوعيد بمن جاوز الحد المشروع ، وفي الرد عليهم زيادة على ما قدر لكل واحد منهم ، ثم الرد إنما يكون باعتبار الفريضة أو العصوبة ، أو الرحم لا يجوز أن يكون باعتبار الفريضة لأنه وصل إلى كل واحد منهم مقدار ما فرض له ، ولأنه لا يرد على الزوج والزوجة والفريضة لهما ثابتة بالنص ، ولا يجوز أن يكون باعتبار العصوبة لأن باعتبار العصوبة يقدم الأقرب فالأقرب ، وفي الرد لا يقدم الأقرب وكذلك الاستحقاق بالرحم في معنى الاستحقاق بالعصوبة يقدم فيه الأقرب فإذا بطلت الوجوه صح أن القول بالرد باطل ، وأن ما زاد على حق أصحاب الفرائض لا يستحق له من الورثة فيصرف إلى بيت المال ، ولا يقال إن المسلمين يستحقون ذلك بالإسلام فأصحاب الفرائض ساووا المسلمين في الإسلام ويرجحوا بالقرابة لأن وصلة الإسلام بانفراد بناء على الاستحقاق كوصلة القرابة والترجيح لا يصلح بكثرة العلة وأما ابن مسعود قال الرد باعتبار الرحم والاستحقاق بالرحم إنما يكون بمعنى العصوبة فيعتبر ذلك بالاستحقاق الثابت بحقيقة العصوبة فلا يثبت ذلك للزوج والزوجة لأن العصوبة باعتبار القرابة ، أو ما يشبه القرابة في كونه باقيا عند استحقاق الميراث كالولاء والزوجية ليست بهذه الصفة لأنها ترتفع بموت أحدهما إلا أن استحقاق الفرضية بها كان بالنص ففيما وراء المنصوص لا يثبت الاستحقاق لانعدام السبب عند الاستحقاق .

وكذلك لا يرد على ابنة الابنة مع الابنة لأنهما في الرد بمنزلة الابن وابن الابن فيكون الأقرب مقدما وكذلك لا يرد على الأخت لأب مع الأخت لأب وأم لأنهما بمنزلة الأخ لأب مع الأخ لأب وأم وكذلك لا يرد على أولاد الأم مع الأم كما لا تثبت العصوبة لأولاد الأب مع الأب ، ولا يرد على الجدة مع ذي سهم لأنها تدلي بالأنثى والإدلاء بالأنثى ليس بسبب لاستحقاق العصوبة بحال ، وقد بينا أن سبب الاستحقاق في حق الجدة ضعيف فلا تثبت المزاحمة بينها وبين من كان سببه قويا في المستحق بالرد . فأما علماؤنا رحمهم الله احتجوا بقوله تعالى { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } معناه بعضهم أولى بميراث بعض بسبب الرحم فهذه الآية توجب استحقاق جميع الميراث لكل واحد منهم يوصله الرحم والآية التي فيها ذكر الفريضة توجب استحقاق جزء معلوم من المال لكل واحد منهما بالوصف المذكور فيعمل بالآيتين ويجعل لكل واحد منهم فريضة بإحدى الآيتين ، ثم يجعل ما بقي مستحقا لهم بسبب الرحم بالآية الأخرى ولهذا لا يرد على الزوج والزوجة لانعدام الرحم في حقهما فلا يكون هذا مجاوزة ولئن كان فهو زيادة على النص وذلك جائز ، ثم كما لا تجوز الزيادة [ ص: 195 ] على الحد المحدود شرعا لا يجوز النقصان عنه وبالإجماع ينتقص حق كل واحد منهم عما سمي له عند العول وكان ذلك جائزا لأن فيه عملا بالنصوص بحسب الإمكان وكذلك الرد .

ولما { دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على سعد بن أبي وقاص يعوده قال أما إنه لا يرثني إلا ابنة لي فأوصي بجميع مالي الحديث إلى أن قال عليه الصلاة والسلام الثلث والثلث كثير } فقد اعتقد سعد أن الابنة تكون وارثة في جميع المال ولم ينكر ذلك عليه رسول الله ، ثم منعه عن الوصية بما زاد على الثلث مع أنه لا وارث له إلا ابنة واحدة فلو كانت لا تستحق الزيادة على النصف بالرد لجوز له الوصية بنصف المال ، وفي حديث عمرو بن شعيب عن جده { أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث الملاعنة من أمها } أي ورثها جميع المال ، ولا يكون ذلك إلا بطريق الرد ، وفي حديث واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { تحوز المرأة ميراث لقيطها وعتيقها والابن الذي لوعنت به } والمعنى فيه أن استحقاق الميراث بطريق الولاية لأن الولاية خلافة والوارث يخلف المورث ملكا وتصرفا حتى إن ما يقطع الولاية كالرق واختلاف الدين يمنع التوارث ولهذا يرث المسلم الكافر بالسبب العام دون السبب الخاص لأن الولاية تثبت للمسلم على الكافر بالسبب العام دون السبب الخاص ولا يرث الكافر المسلم بحال لأن الولاية لا تثبت للكافر على المسلم بحال ، ولا يدخل عليه استحقاق الصبي والمجنون الإرث وإن لم يكونا من أهل الولاية لأنه إنما انعدم في حق الصبي والمجنون الأهلية للمباشرة والتصرف ، وما انعدمت الأهلية للملك والوارثة خلافه في الملك ، ثم وليهما يقوم مقامهما في التصرف فلا يتمكن بسبب الصغر والجنون خلل فيما به تثبت ولاية الإرث إذا ثبت أن الاستحقاق بطريق الولاية قلنا الأقارب ساووا المسلمين في الإسلام وترجحوا بالقرابة لأن استحقاقهم باعتبار معنى العصوبة ومجرد القرابة في حق أصحاب الفرائض لا تكون علة للعصوبة فثبت بها الترجيح بمنزلة قرابة الأم في حق الأخ لأب وأم فإن الترجيح يحصل به لأنه لا يستحق به العصوبة بانفراده وإذا ترجحوا بقوة السبب في حقهم كانوا أولى بما بقي من سائر المسلمين إلا أن هذا الترجيح بالسبب الذي هو به استحقوا الفريضة فيكون سببا على تلك الفريضة فكما أن أصل الفريضة يسقط باعتبار الأقرب فالأقرب من السبب . فكذلك في الاستحقاق بالرد فيسقط اعتبار ذلك فيرد على أهل القرابة جميعا على قدر أنصبائهم ، ثم الحاصل أن الرد به على سبعة نفر الابنة وابنة الابن والأم والجدة والأخت لأب وأم والأخت لأب وولد الأم ذكرا كان ، أو أنثى ، وقد يكون الرد على واحد منهم ، وقد [ ص: 196 ] يكون على اثنين ، وقد يكون على ثلاثة ، وقد يكون على أربعة إلا أن في الأربعة واحدا مما لا يرد عليه لا محالة .

أما الرد على الواحد فصورته فيما إذا مات وترك ابنة ، ولا عصبة له فالنصف لها بالفرضية والباقي رد عليها وكذلك إذا ترك أما فالثلث لها بالفرضية والباقي رد عليها وصورة الرد على اثنين أن يترك أما وابنة فللأم السدس وللابنة النصف والباقي رد عليها فعلى إحدى الطريقين المال بينهما أرباعا وعلى الطريق الآخر تأخذ الأم سهما من ستة والابنة ثلاثة والباقي وهو سهمان رد عليهما أرباعا فانكسر بالأرباع ، ولكن بين الاثنين والأربعة موافقة بالنصف فاقتصر على النصف من أحدهما وهو أربعة ، وذلك اثنان ، ثم اضرب أصل الفريضة ستة في اثنين فيكون اثني عشر للابنة النصف ستة وللأم السدس سهمان والباقي وهو أربعة عليهما أرباعا ثلاثة أرباعه للابنة وربعه للأم .

ولو ترك ابنة وعشر بنات ابن فللابنة النصف ولبنات الابن السدس والباقي رد عليهن فعلى الطريق الأول ثلاثة أرباع المال للابنة والربع لبنات الابن بينهن على عشرة ، ولا يستقيم فيضرب أربعة في عشرة فيكون أربعين منه تصح المسألة وعلى الطريق الثاني للابنة النصف ثلاثة من ستة ولبنات الابن سهم بينهن على عشرة لا يستقيم ، وما بقي رد عليهن أرباعا لا يستقيم فقد انكسر بالأعشار والأرباع ، ولكن بينهما موافقة بالنصف فتقتصر على النصف من أحدهما ، ثم نضربه في جميع الآخر ، وذلك خمسة في أربعة أو اثنان في عشرة فيكون عشرين ، ثم اضرب أصل الفريضة وهو ستة في عشرين فيكون مائة وعشرين ، وإن شئت اقتصرت على النصف من أحدهما لوجود الموافقة بالإنصاف فتضرب عشرة في ستة فيكون ستين منه تصح المسألة ، ولكن هذا يقع فيه الكسر بالأنصاف .

وإذا خرجته من مائة وعشرين لا يقع الكسر فإن الابنة تأخذ النصف ستين وبنات الابن السدس عشرين ، ثم الباقي رد عليهن أرباعا فيحصل لبنات الابن ثلاثون لكل واحد منهن ثلاثة وعلى قول ابن مسعود الباقي رد على الابنة خاصة فيكون من ستة لبنات الابن السدس سهم بينهن على عشرة لا يستقيم فتضرب ستة في عشرة فيكون ستين منه تصح القسمة

ولو تركت ثلاث جدات وعشر أخوات لأب وأم فللجدات السدس وللأخوات الثلثان والباقي رد عليهن فعلى الطريق الأول خمس المال للجدات أثلاثا لا يستقيم وأربعة أخماسه للأخوات بينهن على عشرة لا يستقيم فتضرب ثلاثة في عشرة فيكون ثلاثين ، ثم تضرب أصل الفريضة وهو خمسة في ثلاثين فيكون مائة وخمسين منه تصح المسألة .

وعلى الطريق الثاني أن تجعل أصل المسألة على ستة [ ص: 197 ] للجدات السدس بينهن أثلاثا وللأخوات الثلثان بينهن على عشرة لا يستقيم والباقي رد عليهن أخماسا لا يستقيم ، ولا موافقة في شيء فتضرب ثلاثة في عشرة فيكون ثلاثين ثم ثلاثين في خمسة فتكون مائة وخمسين ثم تضرب أصل الفريضة ، وذلك ستة في مائة وخمسين إلا أن للاقتصار هنا وجها فإن بينهما موافقة بالسدس فيقتصر على السدس من مبلغ الرءوس فذلك خمسة وعشرون ، ثم تضرب ستة في خمسة وعشرين فيكون مائة وخمسين كان للجدات السدس خمسة وعشرون وللأخوات الثلثان مائة والباقي وهو خمسة وعشرون رد عليهن أخماسا فيحصل للجدات ثلاثون بينهن أثلاثا والباقي وهو خمسة بين الأخوات على عشرة لا يستقيم فتضرب ثلاثة في عشرة وللأخوات مائة وعشرون بينهن لكل واحدة منهن اثنا عشر وعلى قول ابن مسعود الباقي رد على الأخوات دون الجدات فيكون للجدات السدس بينهن أثلاثا والباقي وهو خمسة بين الأخوات على عشرة لا يستقيم فتضرب ثلاثة في عشرة فيكون ثلاثين ، ثم ستة في ثلاثين فيكون مائة وثمانين للجدات السدس ، وذلك ثلاثون بينهن لكل واحدة عشرة والباقي وهو مائة وخمسون بين الأخوات لكل واحدة خمسة عشر .

وصورة الرد على ثلاثة فيما إذا ترك ثلاث أخوات متفرقات فللأخت لأب وأم النصف وللأخت لأب السدس وللأخت لأم السدس والباقي رد عليهن فعلى الطريق الأول المال مقسوم بينهن أخماسا وعلى الطريق الثاني أصل المسألة من ستة والسهم الباقي مردود عليهن أخماسا فالسبيل أن تضرب خمسة في ستة فيكون ثلاثين منه تصح المسألة على قول ابن مسعود الباقي رد على الأخت لأب وأم والأخت لأم أرباعا فالسبيل أن تضرب ستة في أربعة فيكون أربعة وعشرين منه تصح المسألة .
وصورة الرد في فريضة فيها أربعة نفر أن يترك امرأة وأما وابنة وابنة ابن للمرأة الثمن وللابنة النصف ولابنة الابن السدس أصله من أربعة وعشرين للمرأة الثمن ثلاثة وللابنة النصف اثنا عشر ولابنة الابن السدس أربعة وللأم السدس أربعة والباقي وهو سهم واحد رد عليهن إلا على المرأة فعلى الطريق الأول تأخذ المرأة ثلاثة من أربعة وعشرين ، ثم ما بقي يكون مقسوما بينهن على عشرين للأم أربعة وللابنة اثنا عشر ولابنة الابن أربعة وعلى الطريق الآخر الباقي وهو سهم واحد رد على الثلاثة على مقدار حقهم أخماسا فالسبيل أن تضرب أربعة وعشرين في خمسة فيكون مائة وعشرين منه تصح المسألة وعلى قول ابن مسعود الباقي رد [ ص: 198 ] على الابنة والأم أرباعا فإنما تضرب أربعة وعشرين في أربعة فيكون ستة وتسعين منه تصح المسألة ، وما يكون من هذا النحو فهذا الطريق لتخريجه والله أعلم بالصواب . .

باب ولد الملاعنة ( قال رضي الله عنه ) كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه وزيد بن ثابت يقولان ولد الملاعنة بمنزلة من لا قرابة له من قبل أبيه وله قرابة من قبل أمه وهو قول الزهري وسليمان بن يسار وبه أخذ علماؤنا والشافعي وكان ابن مسعود وابن عمر يقولان عصبة ولد الملاعنة عصبة ولد أمه وبه أخذ عطاء ومجاهد والشعبي والنخعي حتى قال النخعي إذا أردت أن تعرف عصبة ولد الملاعنة فأمت أمه وانظر من يكون عصبتها فهو عصبة ولد الملاعنة وعن ابن مسعود في رواية أخرى عصبة أمه وهي له بمنزلة الأب والأم وهو قول الحكم بن عيينة واحتج لذلك بما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { تحرز المرأة ميراث لقيطها وعتيقها والولد الذي لوعنت به } ، ثم هي عصبة لعتيقها . فكذلك لولدها الذي لوعنت به ، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أم ولد الملاعنة أبوه أمه } لأنها ترث جميع ماله إذا لم يكن غيره واستحقاق جميع المال يكون بالعصوبة فعرفنا أنها عصبته والحجة لقول إبراهيم ما روي عن داود بن أبي هند قال كتبت إلى صديق لي بالمدينة أن { سل من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولد الملاعنة من عصبته فكتب في جوابه أنهم ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عصبته عصبة أمه } ، ولأن الولد مخلوق من المائين وماء الفحل يصير مستهلكا بحضنتها في الرحم ولهذا يتبعها الولد في الملك والرق والحرية وكان ينبغي أن تقدم هي في العصوبة لأن كون الولد مخلوقا من مائها أظهر إلا أن الشرع بنى العصوبة على النسبة والنسبة إلى الآباء دون الأمهات إلا إذا انعدمت النسبة في جانب الأب فحينئذ تكون النسبة إلى الأم ألا ترى أن الله تعالى نسب عيسى عليه السلام إلى أمه لما لم يكن له أب .

فكذلك حكم العصوبة المبني على النسب يثبت لقوم الأم إذا انعدم في جانب الأب وهو نظير ولاء العتق فالأصل فيه قوم الأب . فإذا لم يكن له ولاء من قبل أبيه صار منسوبا إلى قوم أمه فهذا كذلك وجه قولنا أن في إثبات العصوبة لقوم الأم إبطال الحكم الثابت بالنص ، وذلك أن الله تعالى شرط لتوريث الأخ لأم أن يكون الميت كلالة مطلقة فعلى ما قالوا إذا مات ولد الملاعنة [ ص: 199 ] وترك ابنة وأخا لأم يكون النصف للابنة والباقي للأخ لأم بالعصوبة وتوريث الأخ لأم بدون أن يكون الميت كلالة خلاف النص ، ولأن العصوبة أقوى أسباب الإرث والإدلاء بالإناث أقوى أسباب الإدلاء فلا يجوز أن يستحق به أقوى أسباب الإرث وهو العصوبة ، وهذا بخلاف الولاء فإن استحقاق الولاء باعتبار الإعتاق والأنثى والذكر فيه سواء ، ثم الولاء بمنزلة النسب والذين قالوا إن قوم الأم في العصوبة ينزلون منزلة قوم الأب عند عدمهم هذا باطل فإنه إذا لم يكن له أحد من قوم أبيه لا تجعل عصبته قوم أمه بالاتفاق وما ذكروا موجود هنا .

فأما الجدات فنحن نقول به وهو أنها تحرز ميراثه ، ولكن بالفرضية والرد وليس في الحديث بيان أنها تحرز ميراثه بالعصوبة والمراد بالحديث الآخر أنها في وجوب الإكرام والبر والإكرام في حقه بمنزلة الأب والأم على ما قيل أنه ينبغي للمرء أن يجعل ثلاثة أرباع الإكرام والبر لأمه والربع لأبيه ، وفي ولد الملاعنة يجعل البر والإكرام كله لأمه وحديث داود بن أبي هند قلنا المراد أن عصبته قوم أبيه في استحقاق الميراث بمعنى العصوبة وهو الرحم لا في إثبات حقيقة العصوبة لهم فكيف ثبت لهم حقيقة العصوبة ، وإنما يدلون بمن ليس بعصبة ، ثم لا خلاف في الولد من الزنا إذا كانا توأما أنهما بمنزلة الأخوين لأم في الميراث بمنزلة ما لو كانا غير توأم .
واختلفوا في ولد الملاعنة إذا كانا توأما قال علماؤنا والشافعي رحمهم الله كالأخوين لأم وقال مالك كالأخوين لأب وأم لأن نسبهما كان ثابتا باعتبار الفراش ، وإنما خلقا من ماء واحد ، ثم انقطع نسبهما باللعان لحاجة الولد إلى أن يدفع عن نفسه نسبا ليس منه والثابت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة وهذه الضرورة في قطع النسبة عنه فأما فيما وراء ذلك بقي الأمر على ما كان وهو إنما خلقا من ماء فحل واحد فكانا أخوين لأب وأم ، ولأنه إنما يقطع بقضاء القاضي فيما كان محتملا للقطع وهو النسبة إلى الأب . فأما ما لا يكون محتملا لذلك وهو كونهما مخلوقين من ماء واحد فالحكم فيه بعد القضاء كما كان قبله ، وهذا بخلاف ولد الزنا لأن النسب هناك لم يكن ثابتا لانعدام الفراش ولهذا لا يثبت من الزاني ، وإن ادعاه بخلاف ولد الملاعنة ولأنهما يتصادقان على أن نسبهما ثابت من الأب وانتفى باللعان ، وأنه في اللعان ونفي النسب ظلم لهما لأمهما فتصادقهما حجة في حقهما فكانا في الميراث بمنزلة الأخوين لأب وأم وحجتنا في ذلك أن الإخوة لأب لا تثبت إلا بواسطة الأب ، ولا أب لهما فكيف تثبت بينهما الإخوة لأب وهو نظير ولد الزنا فإن هناك يتيقن أنهما خلقا من ماء واحد إذا [ ص: 200 ] كانا توأما وسقط اعتبار ذلك لانعدام ثبوت النسب من الأب قوله بأن القاضي هنا قطع النسب فلا كذلك لأن النسب بعد موته لا يحتمل القطع فتبين بقضائه أن النسب لم يكن ثابتا من الملاعن لا أن يقال كان ثابتا فقطع وقوله بأن قضاء القاضي إنما يؤثر في نفي النسبة عن الأب قلنا يؤثر في هذا ، وفيما هو من ضرورته وهو نفي الأخوة بينهما لأن الأخوة لأب لا تتصور بدون الأب كما أن الأخوة لأم لا تتصور بدون الأم وقوله أنهما تصادقا على الأخوة لأب وأم قلنا نعم ، ولكنهما صارا مكذبين في ذلك بحكم الحاكم والمقر بالشيء إذا صار مكذبا فيه بقضاء القاضي سقط اعتبار إقراره إذا عرفنا هذا فنقول إذا مات ابن الملاعنة وخلف ابنة وأما فللابنة النصف وللأم السدس والباقي رد عليهما أرباعا عند علي رضي الله عنه وهو مذهبنا ، وعند زيد الباقي لبيت المال ، وفي إحدى الروايتين عن ابن مسعود الباقي للأم بالعصوبة ، وفي الرواية الأخرى وهو قول إبراهيم الباقي لأقرب عصبته لأمه .

ولو خلف ابنة وأما وأخا توأما فعندنا هذا والأول سواء لأن التوأم أخوه لأمه فلا يرث مع الابنة شيئا .

وعلى قول مالك الباقي للتوأم بالعصوبة لأنه بمنزلة أخيه لأبيه وعلى قول إبراهيم الباقي لأخيه توأما كان ، أو غير توأم لأنه أقرب عصبة لأمه فإنه ابنها وأقرب عصبة الأم عنده يكون عصبة لولد الملاعنة ، ولو مات ابن ابن الملاعنة وخلف ابنة وأما وعما فعندنا هذا والأول سواء الباقي يكون ردا على الأم والابنة أرباعا لأن عمه يكون عما لأم والعم لأم لا يكون عصبة وعلى قول إبراهيم الباقي يكون للعم لأنه أقرب عصبة للأم وعلى قول مالك إن كان العم توأما مع ابنة فالباقي له لأنه بمنزلة العم لأب وأم ، وما كان من هذا النحو فهذا طريق تخريجه والله أعلم بالصواب . .

باب أصول المقاسمة اعلم بأن الفرائض المذكورة في القرآن ستة الثلثان والثلث والسدس والنصف والربع والثمن فبعض الفرضيين جعلوا ذلك جنسين الثلثان ونصفه وهو الثلث ونصف نصفه وهو السدس والنصف ونصفه وهو الربع ونصف نصفه وهو الثمن وبعضهم جعلوا الكل جنسا واحدا وقالوا نسبة الثمن من السدس كنسبة الربع من الثلث لأن الثمن ثلاثة أرباع السدس والربع ثلاثة أرباع الثلث والنصف ثلاثة أرباع الثلثين فكان الكل جنسا واحدا بهذا الطريق ومن جعلها جنسين قال الثلثان والثلث والسدس لا يكون فريضة إلا في فريضة الأقارب [ ص: 201 ] والربع والثمن لا يكون إلا في فريضة الأزواج والنصف يكون فيهما جميعا . فأما الثلثان فقد ذكرهما الله تعالى في موضعين في فريضة الأختين بقوله { فلهما الثلثان مما ترك } ، وفي فريضة البنات إذا كن فوق اثنتين { فلهن ثلثا ما ترك } وأما الثلث ذكره الله تعالى في موضعين في فريضة الأم عند عدم الولد والإخوة بقوله تعالى { وورثه أبواه فلأمه الثلث } ، وفي فريضة أولاد الأم بقوله { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث } وأما السدس فقد ذكره الله تعالى في ثلاثة مواضع في فريضة الأبوين مع الولد بقوله تعالى { ولأبويه لكل واحد منهما السدس } ، وفي فريضة الأم مع الإخوة بقوله تعالى { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } ، وفي فريضة الفرد من أولاد الأم بقوله جل جلاله { وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس } وهو في النسبة في أربعة مواضع في فريضة ابنة الابن مع الابنة ، وفي فريضة الأخت لأب مع الأخت لأب وأم ، وفي فريضة الجدة ، وفي فريضة الجد مع الولد وأما النصف فقد ذكره الله تعالى في ثلاثة مواضع في فريضة الابنة الواحدة بقوله تعالى { وإن كانت واحدة فلها النصف } ، وفي فريضة الأخت الواحدة بقوله عز وجل { وله أخت فلها نصف ما ترك } وفي فريضة الزوج عند عدم الولد بقوله تعالى { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } وأما الربع فقد ذكره الله تعالى في موضعين في فريضة الزوج مع الولد بقوله { فلكم الربع مما تركن } ، وفي فريضة المرأة عند عدم الولد بقوله { ولهن الربع مما تركتم } والثمن ذكره الله تعالى في موضع واحد وهو في فريضة المرأة مع الولد بقوله تعالى { فلهن الثمن مما تركتم } .
ثم أصل ما تخرج عليه المسائل الصحاح دون الكسور من الحساب لمعنى التيسير متى كان يخرج مستقيما من أقل الأعداد فتخريجه من الزيادة على ذلك يعد خطأ لما فيه من الاشتغال بما لا فائدة فيه ، ثم جملة ما تخرج منه هذه الفرائض أصول سبعة فإن هذه الفرائض نوعان مفردات ومركبات فالمفردات تخرج من أصول خمسة اثنين وثلاثة وأربعة وستة وثمانية ويزاد للمركبات أصلان اثنا عشر وأربعة وعشرون ، وهذا لأن أقل عدد تخرج منه المقاسمة مستقيما اثنان وأقل عدد يخرج منه الثلث مستقيما ثلاثة فنقول كل فريضة فيها نصف ، وما بقي ، أو نصفان فهي تخرج من اثنين وكل فريضة فيها ثلث ، وما بقي ، أو ثلثان ، وما بقي ، أو ثلث وثلثان فهي تخرج من ثلاثة وكل فريضة فيها ربع وما بقي ، أو ربع ونصف ، أو ربع وثلث ، وما بقي فهي تخرج من أربعة وكل فريضة فيها سدس ، وما بقي ، أو سدسان ، وما بقي ، أو سدس ونصف ، أو سدسان ونصف ، أو سدس وثلث أو سدس ونصف وسدسان [ ص: 202 ] أو نصف وثلث ، وما بقي فهي تخرج من ستة وكل فريضة فيها ثمن ، أو ثمن ونصف فهي تخرج من ثمانية .

ولو تصور اجتماع الثمن مع الربع لكانت تخرج من ثمانية أيضا ، ولكن لا يتصور ذلك فالربع فريضة الزوج مع الولد والثمن فريضة المرأة مع الولد ، ولا يتصور اجتماع المرأة والزوج في الميراث من واحد وكل فريضة فيها ربع وسدس ، أو ربع وسدسان أو ربع وثلث ونصف ، أو ربع وثلثان ونصف فهي تخرج من اثني عشر وكل فريضة فيها ثمن وسدس ، أو ثمن وسدسان ، أو ثمن ونصف وسدس ، أو ثمن وثلثان وسدسان فهي تخرج من أربعة وعشرين وقع في بعض نسخ كتاب الفرائض ، أو ثمن وثلث فطعنوا في هذه وقالوا لا يجتمع في الفريضة الثمن والثلث فالثلث فريضة الأم عند عدم الولد وفريضة أولاد الأم عند عدم الولد والثمن فريضة المرأة مع الولد فكيف يتصور اجتماعهما وقيل يتصور هذا على أصل ابن مسعود فإن عنده من لا يرث لكفر ، أو رق يحجب حجب النقصان ، ولا يحجب حجب الحرمان . فإذا ترك امرأة وأخوين لأم وابنا رقيقا فهذا الابن يحجب المرأة من الربع إلى الثمن ، ولا يحجب الأخوين لأم فيجتمع الثمن والثلث في هذه الفريضة ، ثم أربعة من هذه الأصول لا تعول وهي اثنان وثلاثة وأربعة وثمانية وثلاثة منها تعول وهي ستة واثنا عشر وأربعة وعشرون . فأما الستة تعول بسدسها وثلثها ونصفها وثلثيها ، ولا تعول أكثر من ذلك ، وإنما تعول بثلثيها في مسألة أم الفروخ ، وهذا معنى قول الفرضيين أنها تعول وترا وشفعا وأما اثنا عشر فإنها تعول بنصف سدسها وبربعها .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 439.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 433.22 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.34%)]