الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة - الصفحة 6 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5149 - عددالزوار : 2454030 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4741 - عددالزوار : 1775245 )           »          4 نصائح لتحضير البشرة قبل إزالة الشعر.. للحصول على نعومة عالية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          6 حلول طبيعية للتخلص من تشققات البشرة الناتجة عن تقلبات الجو (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          أفضل 4 زيوت عطرية فى الاستحمام لتهدئة التوتر بعد يوم طويل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          طريقة عمل الأرز بـ 5 وصفات مختلفة من دول العالم.. البريانى والريزوتو الأشهر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          خليكى ناصحة.. 5 خطوات تساعدك على تجديد المنزل بأقل التكاليف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          طريقة عمل حمام محشى أرز معمر.. وصفة مصرية لذيذة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          طرق تخزين الثوم مع دخول الشتاء.. حيل سهلة وسريعة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          وصفات طبيعية للتخلص من المسام المفتوحة.. بياض البيض أبرزهما (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #51  
قديم 12-01-2026, 05:31 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,455
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 316الى صــ 330
الحلقة (51)



والمُعتبَر في عدم الاستطاعة هو المشقّة أو الخوف من زيادة المرض أو تأخير الشفاء، وسألت شيخنا عن المريض يصلّي مع مشقّة، فأجاب - حفظه الله تعالى-: «من المشقة ما يُطاق، ومنه ما هو فوق الطاقة، فإِن كان ممّا يُطاق؛ صلى صلاة السليم، وما لا؛ يصلّي صلاة المريض». انتهى.
جاء في «الروضة الندية» (١/ ٢٩١): «وإذا تعذّر على المصلّي صفة من صفات صلاة العليل الواردة، أتى بالصلاة على صفة أخرى ممّا ورد، ثمَّ يفعل ما قدر عليه ودخل تحت استطاعته ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (١)، و»إِذا أمِرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم«(٢).
وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- فقلت: هناك من يفضّل التربع لمن يصلّي جالسًا، فهل ترون هذا التفضيل أم يجلس المريض حسبما يتيسّر (٣)؟
فقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: أولًا: نختار هيئة من الهيئات الواردة في السنة؛ مثلًا الصلاة افتراشية، فإِن كان يسهل عليه التورّك تورّك، أو كانت الصلاة توركيّه لكنّه يستطيع الافتراش؛ فيُؤثِر الافتراش، فإِن كان لا يستطيع هذا ولا ذاك؛ حينئذٍ يأتي بالتربّع، فإِن كان لا يستطيع التربّع، قلنا له: اجلس على راحتك.
ثمَّ سألته قائلًا: وهل يُحمل حديث عائشة -رضي الله عنها-:»رأيت

------------------
(١) التغابن: ١٦
(٢) أخرجه مسلم: ١٣٣٧
(٣) سألته في مثل هذا فقال في موطن آخر: «لو قلت حسبما تقتضيه الحاجة لكان أفضل».


النّبيّ - ﷺ - يصلّي متربّعًا» (١) على هذا؟
فأجاب -حفظه الله تعالى-: «نعم».
ومن أهل العلم من يقول: إذا تعذّر الإِيماء من المستلقي لم يجب عليه شيء بعد ذلك، وهذا لا يتفق مع قوله سبحانه: ﴿لا يكلف الله نفسًا إِلا وسعها﴾ (٢)، وقوله - ﷺ - المتقدّم عند مسلم: (١٣٣٧): «إِذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
وسألت شيخنا عن مثل هذا فقلت: هناك من يقول: إِذا عجزَ الإِيماء برأسه، سقطت عنه الصلاة، ولا يلزمه الإِيماء بطرفه، فهل تخالفون هذا من باب: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؟ فقال -حفظه الله تعالى-: «نعم».

جواز اتخاذ المريض أو المسنّ شيئًا يعتمد عليه حين يصلّي
عن أم قيس بنت محصن «أن رسول الله - ﷺ - لما أسنّ وأخذَه اللحم؛ اتخذَ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه» (٣).

--------------------
(١) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (١٥٦٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٢٣٨) وغيرهما.
(٢) البقرة: ٢٨٦
(٣) أخرجه أبو داود والبيهقي والحاكم وقال شيخنا: صحيح على شرط مسلم، وانظر «الإِرواء» (٣٨٣).



صلاة الخوف
ْقال الله تعالى: ﴿وإِذا كنتَ فيهم فأقمتَ لهم الصلاة فلتقُم طائفةٌ منهم معك وليأخُذوا أسلحتَهم فإِذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يُصلّوا فليصلّوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتَهم ...﴾ (١).
قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٤٣١) -بحذف-:»... عن أحمد قال: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة، أيها فعل المرء جاز، ومال إِلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة الآتي في «المغازي» (٢)، وكذا رجّحه الشافعي، ولم يختر إِساحق شيئًا على شيء، وبه قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر وسرد ثمانية أوجه، وكذا ابن حبان في «صحيحه» وزاد تاسعًا.
وقال ابن حزم: صحّ فيها أربعة عشر وجها، وبيّنها في جزء مُفرد.
قال صاحب الهدى: أصولها ست صفات، وبلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك من فعل النّبيّ - ﷺ -، وإِنما هو من اختلاف الرواة.

------------------
(١) النساء: ١٠٢
(٢) عن سهل بن أبي حثمة قال: «يقوم الإِمام مستقبل القبلة، وطائفة منهم معه وطائفة من قِبل العدوَ، وجوههم إِلى العدوّ فيصلّي بالذين معه ركعة، ثمَّ يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة، ويسجدون سجدتين في مكانهم، ثمَّ يذهب هؤلاء إِلى مقام أولئك فيجيء أولئك فيركع بهم ركعة فله ثنتان، ثمَّ يركعون ويسجدون سجدتين». أخرجه البخاري: ٤١٣١، ومسلم: ٨٤١ وفيه التصريح بالرّفع.



وقال الخطابي: صلاّها النّبيّ - ﷺ - في أيام مختلفة بأشكال متباينة يتحرى فيها ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ للحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى. انتهى.
وقال في»الدراري«:»وكلّها مجزئة؛ لأنّها ورَدت على أنحاء كثيرة، وكل نحوٍ رُوي عن النّبيّ - ﷺ -، فهو جائز، يفعل الإِنسان ما هو أخفّ عليه وأوفق بالمصلحة حالتئذٍ، كذا في «الحجّة».
وقال في «الروضة الندية» -بحذف- أقول: من زعم من أهل العلم أنَّ المشروع من صلاة الخوف ليس إلاَّ صفة من الصفات الثابتة دون ما عداها، فقد أهدر شريعة ثابتة وأبطل سنّة قائمة بلا حجة نيّرة، وغالب ما يدعو إلى ذلك ويوقع فيه، قصور الباع، وعدم الاعتناء بكتب السنّة المطهرة، فالحقّ الحقيق بالقبول جواز جميع ما ثبت من الصفات.
فإِنْ قلت: ما الحكمة في وقوع هذه الصلاة على أنواع مختلفة؟ قلت: أمران: الأول: اقتضاء الحادثة لذلك والمقتضيات مختلفة، ففي بعض المواطن تكون بعض الصفات أنسب من بعض؛ لما يكون فيها من أخْذ الحذر، والعمل بالحزم ما يناسب الخوف العارض، فقد يكون الخوف في بعض المواطن شديدًا، والعدو متصلًا أو قريبًا، وفي بعض المواطن قد يكون الخوف خفيفًا والعدو بعيدًا، فتكون هذه الصفة أولى بهذا الموطن، وهذه أولى بهذا الموطن.
الأمر الثاني: أنّه -صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم- فعَلَها متنوّعة إِلى تلك الأنواع؛ لقصد التشريع وإِرادة البيان للناس.


وأمّا صلاة المغرب فقد وقع الإِجماع على أنّه لا يدخلها القصر، ووقع الخلاف، هل الأولى أن يصلّي الإِمام بالطائفة الأولى ركعتين والثانية ركعة أو العكس؟ ولم يثبت في ذلك شيء عن النّبيّ -صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم- والظاهر أنَّ الكل جائز، وإنْ صلّى لكل طائفة ثلاث ركعات، فيكون له ستّ ركعات، وللقوم ثلاث ركعات، فهو صواب قياسًا على فِعله في غيرها، وقد تقرر صحّة إِمامة المتنفّل بالمفترض كما سبق»، [والله تعالى أعلم].
جاء في «الروضة الندية» (١/ ٣٦٨): وقد صحّ منها أنواع:
١ - فمنها أنّه صلّى بكل طائفة ركعتين، فكان للنّبيّ - ﷺ - أربع وللقوم ركعتان وهذه الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث جابر.
[قلت: وحديث جابر المشار إِليه في الصحيحين عنه بلفظ: «كنّا مع النّبيّ - ﷺ - بذات الرِّقاع، فإِذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنّبيّ - ﷺ -، فجاء رجل من المشركين وسَيف النّبيّ - ﷺ - معلّق بالشجرة، فاخترطه (١) فقال له: تخافني؟ فقال له: لا، قال: فمن يمنعك منّي؟ قال: الله، فتهدّده أصحاب النّبيّ - ﷺ -، وأُقيمت الصلاة فصلّى بطائفة ركعتين، ثمَّ تأخّروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنّبيّ - ﷺ - أربع وللقوم ركعتان» (٢)].
٢ - ومنها أنّه صلّى بكل طائفة ركعة، فكان له ركعتان وللقوم ركعة، وهذه الصفة أخرجها النسائي بإِسنادٍ رجاله ثقات: [قلت: ولفظ الحديث "عن ثعلبة بن زَهْدَم، قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، ومعنا حُذيفة

-------------------
(١) قال النووي: أي: سلّه.
(٢) أخرجه البخاري: ٤١٣٦، ومسلم: ٨٤٣



بن اليمان، فقال: أيكم صلّى مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فوصف فقال: صلّى رسول الله - ﷺ -، صلاة الخوف بطائفة ركعة، صفٍّ خلفه، وطائفة أخرى بينه وبين العدو، فصلّى بالطائفة التي تليه ركعة، ثمَّ نكص هؤلاء إِلى مصافّ أولئك، وجاء أولئك فصلّى بهم ركعة«(١)].
وعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيّكم - ﷺ -:»في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة«(٢).
٣ - ومنها:»أنّه صلى بهم جميعًا، فكبّر وكبّروا، وركع وركعوا، ورفع ورفعوا، ثمَّ سجد وسجد معه الصف الذي يليه، وقام الصف المؤخَّر في نحر العدو، فلمّا قضى النّبيّ - ﷺ - السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثمَّ تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدّم وفَعلوا كالركعة الأولى، ولكنه قد صار الصف المؤخر مقدّمًا والمقدم مؤخرًا، ثمَّ سلم النّبيّ - ﷺ - وسلّموا جميعًا، وهذه الصفة ثابتة في «صحيح مسلم» وغيره؛ من حديث جابر ومن حديث أبي عياش الزرقي عند أحمد وأبي داود والنسائي.
[قلت: ولفظه في «مسلم» (٨٤٠): «من حديث جابر بن عبد الله قال: شهدتُ مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف، فصفَّنا صفّين: صفٌّ خلف رسول الله - ﷺ - والعدو بيننا وبين القبلة، فكبّر النّبيّ - ﷺ - وكبّرنا جميعًا، ثمَّ ركع

--------------------
(١) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٤٣٨) وغيره، وانظر»الإِرواء" (٣/ ٤٤).
(٢) أخرجه مسلم: ٦٨٧، وغيره.



وركعنا جميعًا، ثمَّ رفع رأسه من الركوع ورفعْنا جميعًا، تمَّ انحدر بالسجود والصفّ الذي يليه، وقام الصفّ المؤخر في نحر العدو، فلمّا قضى النّبي - ﷺ - السجود، وقام الصفّ الذي يليه، انحدر الصف المؤخّر بالسجود وقاموا، ثمَّ تقدّم الصف المؤخّر، وتأخّر الصفّ المُقدّم، ثمَّ ركع النّبيّ - ﷺ - وركعنا جميعًا، ثمَّ رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثمَّ انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصفّ المؤخر في نحور العدو، فلمّا قضى النّبيّ - ﷺ - السجود والصفّ الذي يليه؛ انحدر الصفّ المؤخّر بالسجود، فسجدوا، ثمَّ سلّم النّبيّ - ﷺ - وسلّمنا جميعًا؛ قال جابر: كما يصنع حرسُكم هؤلاء بأمرائهم»].
٤ - ومنها: أنّه -صلى الله عليه وآله وسلم- صلّى بإِحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثمَّ انصرفوا (١) وقاموا في مقام أصحابهم مُقبلين على العدو، وجاء أولئك (٢)، ثمَّ صلّى النّبيّ - ﷺ - ركعة ثمَّ سلّم (٣)، ثمَّ قضى هؤلاء ركعة [وهؤلاء ركعة] (٤) وهذه الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث ابن عمر.
[قلت: ولفظه عنه قال: «غزوت مع رسول الله - ﷺ - قِبل نجد، فوازينا

----------------------
(١) أي: الطائفة المصلية.
(٢) الذين كانوا مقبلين على العدوّ.
(٣) فيكون قد صلّى -عليه الصلاة والسلام- ركعتين.
(٤) أضيف من الأصل وهي»الدراري المضية«قاله الشيخ محمد صبحي حسن حلاّق في التعليق على»الروضة".



العدوّ فصاففنا لهم، فقام رسول الله - ﷺ - يُصلّي لنا، فقامت طائفة معه تصلّي، وأقبلت طائفة على العدوّ، وركع رسول الله - ﷺ - بمن معه وسجد سجدتين، ثمَّ انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصلِّ، فجاؤوا فركع رسول الله - ﷺ - بهم ركعة، وسجد سجدتين ثمَّ سلّم، فقام كلُّ واحدٍ منهم؛ فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين«(١)].
٥ - ومنها: أنها قامت مع النّبيّ - صلى الله عليه وآله وسلم - طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو، وظهورهم إِلى القبلة، فكبّر فكبروا جميعًا الذين معه، والذين مقابل العدو، ثمَّ ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه، ثمَّ سجد فسجدت التي تليه والآخرون قيام مقابل العدو، ثمَّ قام وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا إِلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -[قائم] كما هو، ثمَّ قاموا فركع [رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ركعة أخرى، وركعوا معه وسجد وسجدوا معه، ثمَّ أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا وسجدوا ورسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قاعد ومن معه، ثم كان السلام فسلم وسلموا جميعًا، فكان لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ركعتان، وللقوم لكل طائفة ركعتان، وهذه الصفة أخرجها أحمد والنسائي وأبو داود».
[قلت: ولفظه كما في «صحيح سنن أبي داود» (١١٠٥): من حديث مروان بن الحكم: أنه سأل أبا هريرة: هل صلّيت مع رسول الله - ﷺ - صلاة

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٩٤٢، ومسلم: ٨٣٩


الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، قال مروان: متى؟ فقال أبو هريرة: عام غزوة نجد، قام رسول الله - ﷺ -، إِلى صلاة العصر، فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو، ظهورهم إِلى القبلة، فكبّر رسول الله - ﷺ - فكبّروا جميعًا الذين معه والذين مقابلي العدو، ثمَّ ركع رسول الله - ﷺ - ركعة واحدة، وركعت الطائفة التي معه، ثمَّ سجد فسجدَت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابلي العدو، ثمَّ قام رسول الله - ﷺ -، وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا إِلى العدو فقابلوهم، وأقبلَت الطائفة التي كانت مقابلي العدو فركعوا وسجدوا، ورسول الله - ﷺ - قائم كما هو، ثمَّ قاموا فركع رسول الله - ﷺ - ركعة أخرى وركعوا معه، وسجد سجدوا معه، ثمَّ أقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله - ﷺ - قاعد ومن معه، ثمَّ كان السلام، فسلّم رسول الله - ﷺ - وسلّموا جميعًا، فكان لرسول الله - ﷺ - ركعتان، ولكلّ رجل من الطائفتين ركعة ركعة»].
٦ - ومنها: أنّه - ﷺ - صلّى بطائفة ركعة وطائفة وُِجاه العدو، ثمَّ ثبت قائمًا فأتمّوا لأنفسهم ثمَّ انصرفوا وُِجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، فأتمّوا لأنفسهم فسلّم بهم، وهذه الصفة ثابتة في «الصحيحين»؛ من حديث سهل بن أبي حثمة، وإنّما اختلفت صلاته - ﷺ - في الخوف، لأنّه كان في موطن يتحرّى ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة.
[قلت: ولفظه في «البخاري» (٤١٢٩) و«مسلم» (٨٤٢): "عن صالح ابن خَوَّاتٍ عمن شهد مع رسول الله - ﷺ - يوم ذات الرّقاع صلاة الخوف، أنّ طائفة صفّت معه، وطائفة وُجَاه العدوّ، فصلّى بالتي معه ركعة ثمَّ ثبت قائمًا


وأتمّوا لأنفسهم، ثمَّ انصرفوا فصفُّوا وُِجاه العدوّ وجاءت الطائفة الأخرى، فصلّى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثمَّ ثبت جالسًا وأتمّوا لأنفسهم، ثمَّ سلّم بهم». وانظر مقدّمة صلاة الخوف.
وفي رواية البخاري (٤١٣١) ومسلم (٨٤١): عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حَثْمَة قال: «يقوم الإِمام مستقبل القبلة وطائفة منهم معه، وطائفة من قِبَلِ العدوّ وجوهُهم إِلى العدوّ، فيُصلّي بالذين معه ركعه ثمَّ يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة، ويسجدون سجدتين في مكانهم، ثمَّ يذهب هؤلاء إِلى مقام أولئك، فيجيء أولئك فيركع بهم ركعة فله ثنتان، ثمَّ يركعون ويسجدون سجدتين».

الصلاة في شدة الخوف وما يباح فيها من كلام وإِيماء
وإذا اشتدّ الخوف والتحم القتال صلاها الرَّاجلُ والرّاكب، ولو إِلى غير القبلة ولو بالإِيماء، ويقال لصلاة الخوف عند التحام القتال: صلاة المسايف (١).
وتقدّم حديث البخاري (٢) عن ابن عمر في تفسير سورة البقرة بلفظ: «فإِن كان خوف هو أشَدّ من ذلك صلَّوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو رُكبانا مستقبلي القبلة أو غيرَ مستقبليها»، قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذَكَر ذلك إلاَّ عن رسول الله - ﷺ -.

-----------------
(١) أي: المُضارب بالسيوف.
(٢) برقم: ٤٥٣٥



وهو في «مسلم» (١) من قول ابن عمر بنحو ذلك.
وقد رواه ابن ماجه (٢) عن ابن عمر، أنَّ النّبيّ - ﷺ - وصف الخوف وقال [أي: النّبيّ - ﷺ -]: «فإِن كان خوف أشد من ذلك فرجالًا أو رُكبانًا».

---------------
(١) برقم: ٨٣٩
(٢) انظر «صحيح سنن ابن ماجه» (١٠٤٠).



صلاة السفر
وجوب القصر في السفر:
قال الله تعالى: ﴿وإِذا ضرَبْتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصُروا من الصلاة إنْ خفتُم أن يفتنَكم الذين كفروا﴾ (١).
ولولا ورود ما يأتي من النصوص لقال العلماء بتقييد القصر بالخوف.
فعن ابن سيرين عن ابن عبّاس:»أنَّ رسول الله - ﷺ - سافر من المدينة لا يخاف إلاَّ الله عز وجل، فصلّى ركعتين حتى رجع«(٢).
وعن يعلى بن أميّة قال:»قلت لعمر بن الخطاب: ﴿ليس عليكم جناح أن تقصُروا من الصلاة إِنْ خفتم أن يفتنَكم الذين كفروا﴾ فقد أمِنَ النّاس! فقال: عجبتُ ممّا عجبتَ منه. فسألتُ رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: «صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» (٣).
وعن عائشة زوج النّبيّ - ﷺ - قالت: «فرض الله الصلاة، حين فرضها ركعتين ثمَّ أتمّها في الحضر، فأُقرّت صلاة السفر على الفريضة الأولى» (٤).

-------------------
(١) النساء: ١٠١
(٢) أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وانظر «الإِرواء» (٣/ ٦).
(٣) أخرجه مسلم: ٦٨٦، وهذا قد أفاد الوجوب عند أبي حنيفة وكثيرين، ويرى الشافعي ومالك أفضلية القصر وجواز الإِتمام وانظر «شرح النووي» (٥/ ٦٩٤).
(٤) أخرجه البخاري: ٣٩٣٥، ومسلم: ٦٨٥



وعنها -رضي الله عنها- قالت: «أولُ ما فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلمّا قدم - ﷺ - المدينة صلى إِلى كلِّ صلاةٍ مثلها غير المغرب؛ فإِنّها وتر النهار، وصلاة الصبح لطول قراءتها، وكان إِذا سافر عادَ إِلى صلاته الأولى» (١).
وعن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: «صحبْتُ ابن عمر في طريق مكّة، قال: فصلّى لنا الظهر ركعتين، ثمَّ أقبل وأقبَلنا معه حتّى جاء رحله (٢)، وجلَس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحوَ حيث صلّى فرأى ناسًا قيامًا. فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يُسبّحون (٣) قال: لو كنت مُسبّحًا لأتممتُ صلاتي، يا ابن أخي! إِنّي صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبتُ أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثمَّ صحبتُ عثمان (٤) فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وقد قال الله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسَنة﴾ (٥)» (٦).

-------------------
(١) أخرجه الطحاوي في «معاني الآثار» وغيره وانظر تفصيله في «الصحيحة»: (٢٨١٤).
(٢) أي: منزله.
(٣) أي: يصلّون السبحة، وهي النافلة.
(٤) قال الحافظ: و«في ذِكر عثمان إِشكال؛ لأنّه كان في آخر أمرهُ يتمّ الصلاة ... فيُحمل على الغالب أو المراد به أنّه كان لا يتنفل في أول أمره ولا في آخره، وأنَّه إِنّما كان يتم إِذا كان نازلًا، وأمَّا إِذا كان سائرًا فيقصر، فلذلك قيده في هذه الرواية بالسفر».
(٥) الأحزاب: ٢١
(٦) أخرجه البخاري: ١١٠١ و١١٠٢، ومسلم: ٦٨٩ وهذا لفظه.



قال شيخنا -حفظه الله- بعد أن ذكَر عددًا من الأحاديث في الموضوع:»... دلّت الأحاديث المتقدّمة على أنَّ صلاة السفر أصلٌ بنفسها وأنّها ليست مقصورة من الرباعية كما يقول بعضهم، فهي في ذلك كصلاة العيدين ونحوها؛ كما قال عمر -رضي الله عنه-: «صلاة السفر وصلاة الفطر وصلاة الأضحى؛ وصلاة الجمعة؛ ركعتان تمامٌ غير قصر على لسان نبيكم - ﷺ -» (١)
وذلك هو الذي رجّحه الحافظ في «فتح الباري» بعد أن حكى الاختلاف في حكم القصر في السفر، ودليل كلٍّ فقال (١/ ٤٦٤): «والذي يظهر لي -وبه تجتمع الأدلّة السابقة- أنَّ الصلوات فُرضت ليلة الإِسراء ركعتين ركعتين إلاَّ المغرب، ثمَّ زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلاَّ الصبح، ... ثمَّ بعد أن استقر فرْض الرباعية؛ خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصُروا من الصلاة﴾، ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في»شرح المسند«: أنّ قصر الصلاة كان في السَّنَة الرابعة من الهجرة ...».

مسافة القصر
لقد كثُرت أقوال العلماء في تحديد المسافة التي تقصر فيها الصلاة والراجح «أنّه لا حدّ لذلك أصلًا، إلاَّ ما سُمّي سفرًا في لغة العرب التي بها خاطبهم عليه السلام، إِذ لو كان لمقدار السفر حدّ غير ما ذكَرنا لما أغفل عليه السلام بيانه البته، ولا أغفلوا هم سؤاله عليه السلام عنه، ولا اتفقوا على

-------------------
(١) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في»صحيحيهما«، وهو مخرّج في»الإِرواء" (٦٣٨).


تَرْك نقْل تحديده في ذلك إِلينا» (١).
قال شيخ الإِسلام في «الفتاوى» (٢٤/ ١٢): «وقد تنازع العلماء: هل يختص بسفر دون سفر؟ أم يجوز في كلّ سفر؟ وأظهر القولين أنّه يجوز في كل سفر قصيرًا كان أو طويلًا، كما قصر أهل مكة خلف النّبيّ - ﷺ - بعرفة ومنى، وبين مكة وعرفة نحو بريد: أربع فراسخ.
وأيضًا فليس الكتاب والسنّة يخصّان بسفر دون سفر، لا بقصر ولا بفطر، ولا تيمُّم، ولم يحدّ النّبيّ - ﷺ - مسافة القصر بحدّ، لا زمانيّ، ولا مكانيّ، والأقوال المذكورة في ذلك متعارضة، ليس على شيء منها حجّة، وهي متناقضة، ولا يمكن أن يَحُدّ ذلك بحد صحيح.
فإِنَّ الأرض لا تُذرَع بذَرع مضبوط في عامّة الأسفار، وحركة المسافر تختلف، والواجب أن يُطلَق ما أطلقه صاحب الشرع - ﷺ -، ويُقَيّد ما قيَّده، فيقصُر المسافر الصلاة في كل سفر، وكذلك جميع الأحكام المتعلقة بالسفر، من القصر والصلاة على الراحلة، والمسح على الخفّين.
ومن قسَّم الأسفار إِلى قصير وطويل، وخصّ بعض الأحكام بهذا وبعضها بهذا، وجعلها متعلقة بالسفر الطويل، فليس معه حُجّة يجب الرجوع إِليها، والله سبحانه وتعالى أعلم».
ونقل شيخنا -حفظه الله- كلامًا طيّبًا له من «مجموعة الرسائل والمسائل» بعد أن بيّن وضْع حال الحديث (٤٣٩) من «السلسة الضعيفة» وأنّه موضوع ولفظه: «يا أهل مكّة! لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة بُرُد
(١)»المحلى«(٥/ ٢١)، وذكره الشيخ عبد العظيم في»الوجيز" (ص ١٣٨).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #52  
قديم 12-01-2026, 05:34 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,455
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 331الى صــ 345
الحلقة (52)



من مكة إِلى عُسفان«وفيه:»وممّا يدل على وضع هذا الحديث، وخطأ نسبته إِليه - ﷺ -؛ ما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية في رسالته في أحكام السفر (٢/ ٦ - ٧ من مجموعة الرسائل والمسائل): «هذا الحديث إِنّما هو من قول ابن عباس، ورواية ابن خزيمة وغيره له مرفوعًا إِلى النّبيّ - ﷺ - باطلة بلا شك عند أئمّة الحديث، وكيف يخاطِب النّبيّ - ﷺ - أهل مكة بالتحديد، وإِنّما قام بعد الهجرة زمنًا يسيرًا وهو بالمدينة، لا يحدّ لأهلها حدًّا كما حدّه لأهل مكة، وما بال التحديد يكون لأهل مكة دون غيرهم من المسلمين؟!
وأيضًا، فالتحديد بالأميال والفراسخ يحتاج إِلى معرفة مقدار مساحة الأرض، وهذا أمر لا يعلمه إلاَّ خاصة الناس، ومَن ذكره؛ فإِنّما يخبر به عن غيره تقليدًا، وليس هو ممّا يقطع به، والنّبيّ - ﷺ - لم يقدِّر الأرض بمساحة أصلًا، فكيف يُقدّر الشارع لأمّته حدًّا لم يجْرِ به له ذِكْر في كلامه، وهو مبعوث إلى جميع الناس؟!
فلا بد أن يكون مقدار السفر معلومًا علمًا عامًا».
ومن ذلك أيضًا أنَّه ثبت بالنقل الصحيح المتفق عليه بين علماء الحديث؛ أنّ النّبيّ - ﷺ - في حَجّة الوداع كان يقصر الصلاة بعرفة، ومزدلفة، وفي أيام منى، وكذلك أبو بكر وعمر بعده، وكان يصلّي خلفهم أهل مكة، ولم يأمروهم بإِتمام الصلاة، فدلّ هذا على أن ذلك سفر، وبين مكة وعرفة بريد، وهو نصف يوم بسير الإِبل والأقدام.
والحق أنَّ السفر ليس له حدٌّ في اللغة ولا في الشرع، فالمرجع فيه إِلى العُرف، فما كان سفرًا في عُرف الناس؛ فهو السفر الذي علّق به الشارع

الحكم.
وتحقيق هذا البحث الهامّ تجده في رسالة ابن تيمية المشار إِليها آنفًا، فراجِعها، فإِنَّ فيها فوائد هامّة لا تجدها عند غيره». انتهى.
جاء في «الدراري المضية» (١/ ٢٠٤) (١) -بحذف-: وإيجاب القصر على من خرج من بلده قاصدًا للسفر وإن كان دون بريد (٢) وجْهُه أن الله تعالى

---------
(١) انظر «الروضة» (١/ ٣٧٦).
(٢) البريد = ٤ فراسخ، الفرسخ = ٣ أميال، الميل = ٤٠٠٠ ذراع مرسلة، الذراع المرسلة = ٦ قبضات، القبضة = ٢٤ أصبعًا، الأصبع = ١.٩٢٥ سم، إِذًا طول الذراع المرسلة = ٢٤×١.٩٢٥ = ٤٦.٢ سم، الميل = ٤٠٠٠×٤٦.٢ = ١٨٤٨ م = ١.٨٤٨ كم. الفرسخ = ٣×١٨٤٨ = ٥٥٤٤ م = ٥.٥٤٤ كم. البريد = ٤×٥٥٤٤ = ٢٢١٧٦ م = ٢٢.١٧٦ كم. من كتاب «الأموال في دولة الخلافة» لعبد القديم زلوم (ص ٦٠) وذكره الشيخ محمد صبحي حسن حلاّق في التعليق على «الروضة».
قلت: وذَكر ما جاء عن مقدار البريد والفرسخ والميل وقد ذكره ابن الأثير في «النهاية» وفيه: «والبريد كلمة فارسية يُراد بها في الأصل: البغل، وأصلها بريده دم، أي: محذوف الذنب، لأًنَّ بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها، فأُعربت وخُفّفت، ثمَّ سمّى الرسول الذي يركبه بريدا، والمسافة التي بين السِّكَّتين بريدًا، والسكة موضع كان يسكنه الفُيوج المرتّبُون من بيت أو قبّة أو رِباط، وكان يُرتب في كل سكة بغال، وبعد ما بين السكتين فرسخان وقيل: أربعة».
جاء في «الفتح» (٢/ ٥٦٧): ذكر الفراء أن الفرسخ فارسي معرب، وهو ثلاثة أميال، والميل من الأرض منتهى مد البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إِدراكه، وبذلك جزم الجوهري. وقيل حدّه أن ينظر إِلى الشخص في أرض مسطّحة، فلا يدرى أهو رجل أم امرأة أو هو ذاهب أو آت، قال النووي: الميل: ستة آلاف ذراع والذراع: أربعة وعشرون =



قال: ﴿وإِذا ضربْتُم في الأرض فليس عليكم جُناحٌ أن تقصُروا من الصلاة﴾ (١)، والضرب في الأرض يصدق على كل ضرْب، لكنه خرج الضرب - أي: المشي لغير السفر- لِما كان يقع من - ﷺ - الخروج إِلى بقيع الغرقد ونحوه، ولا يقصر، ولم يأتِ في تعيين قدْر السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء، فوجب الرجوع إِلى ما يسمى سَفَرًا لغة وشرعًا، ومن خرج من بلده قاصدًا إِلى محلّ يعد في مسيره إِليه مسافرًا قصر الصلاة، وإنْ كان ذلك المحل دون البريد، ولم يأت من اعتبر البريد واليوم واليومين والثلاثة وما زاد على ذلك بحجة نيّرة. وغاية ما جاءوا به حديث: «لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم»، وفي رواية: «يومًا وليلة» (٢). وليس في هذا الحديث ذِكر القصر ولا هو في سياقه، والاحتجاج به مجرد تخمين.
وأحسن ما ورد في التقدير ما رواه شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: «سألت أنسًا عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين» والشك من شعبة، أخرجه مسلم (٣)

---------------------
= إِصبعًا معترضة معتدلة والإِصبع؛ ست شعيرات معترضة معتدلة اهـ. وهذا الذي قاله هو الأشهر، ومنهم من عبر عن ذلك باثنى عشر ألف قدم بقدم الإِنسان، وقيل: هو أربعة آلاف ذراع، وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع نقله صاحب البيان، وقيل: وخمسمائة صححه ابن عبد البر، وقيل: هو ألفا ذراع.
(١) النساء: ١٠١
(٢) أخرجه البخاري: ١٠٨٨
(٣) برقم: ٦٩١



وغيره.
فإِنْ قلت: محلّ الدليل في نهي المرأة عن السفر تلك المسافة بدون مَحرَم هو كونه - ﷺ - سمّى ذلك سفرًا، قلت: تسميته سفرًا لا تنافي تسمية ما دونه سفرًا ...».
وفي «الروضة» (١/ ٣٧٨) -بحذف-: «أقول: مسألة أقلّ السفر قد اضطربت فيها الأقوال، وطال فيها النزاع، وتشعّبت فيها المذاهب، وليس في ذلك شيء يستند إِليه، إلاَّ مجرد قول الرواة قصر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في كذا من دون بيانٍ لمقدار يرجع إِليه، وأصرح ما في ذلك ما قاله بعض الرواة: أنَّه -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يقصر إِذا سافر ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ هكذا على الشك، مع أنّه لم يُبيِّن مقدار المسافة التي هي انتهاء سَفَره، وغاية ما وقع التعويل عليه أحاديث:»لا يحل لامرأة«كما تقدّمت، والمعمول عليه هاهنا رواية البريد، لأنَّ ما فوقها يعتبر فيه ذلك بفحوى الخطاب.
لكن لا ملازمة بين اعتبار المحرم للمرأة وبين وجوب القصر على غيرها من المسافرين؛ لأنَّ علّة مشروعية المحرم غير علّة مشروعية القصر، فلم يبق في المسألة ما يصلح للاستناد إِليه، فوجب الرجوع إِلى ما يصدق عليه مسمّى الضرب في الأرض على وجهٍ يُخالف ما يفعله المقيم من ذلك.
فالحاصل: أنَّ الواجب الرجوع إِلى ما يصدق عليه اسم السفر شرعًا أو لغة أو عرفًا لأهل الشرع، فما كان ضربًا في الأرض يصدق عليه أنَّه سفر وجب فيه القصر».


وجاء في «الإِرواء» (٣/ ١٥): «فالعمدة على حديث أنس (١)، وقد قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٥٦٧):»وهو أصح حديث ورَد في بيان ذلك وأصرحه، وقد حمَله من خالفه على أنَّ المراد به المسافة التي يُبتَدأ منها القصر، لا غاية السفر، ولا يخفى بُعد هذا الحمل مع أنَّ البيهقي (قلت: وكذا أحمد) ذكر في روايته من هذا الوجه أنَّ يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إِلى الكوفة -يعني من البصرة- فأصلّي ركعتين حتى أرجع، فقال أنس: فذكَر الحديث.
فظهر أنّه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يُبتَدأ القصر منه. ثمَّ إِنَّ الصحيح في ذلك أنّه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها. وردّه القرطبي بأنّه مشكوك فيه فلا يحتجّ به، فإِن كان المراد به أنّه لا يحتجّ به في التحديد بثلاثة أميال فمسلّم، لكن لا يمتنع أن يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ، فإِنّ الثلاثة أميال مندرجة فيه، فيؤخذ بالأكثر احتياطًا. وقد روى ابن أبي شيبة عن حاتم بن إِسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة قال: قلت لسعيد ابن المسيب: أَقصرُ الصلاة وأُفطِر في بريد من المدينة؟ قال: نعم.
قلت: وقد صحّ عن ابن عمر -رضي الله عنه- جواز القصر في ثلاثة أميال، كما سيأتي بعد حديثين، وهي فرسخ، فالأخذ بحديث أنس أولى من حديث ابن عباس لصحته، ورَفعه وعمل بعض الصحابة به، والله أعلم.

----------------
(١) وهو في «صحيح مسلم» (٦٩١) بلفظ: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ (شعبة الشاك) صلّى ركعتين»، [وتقدّم].


على أنَّ قصره في المدة المذكورة لا ينفي جواز القصر في أقل منها؛ إِذا كانت في مسمّى السفر، ولذلك قال ابن القيّم في»الزاد«:»ولم يحدّ - ﷺ - لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمُّم في كلّ سفر. وأمّا ما يُروى من التحديد باليوم واليومين أو الثلاثة فلم يصح عنه منها شيء البتة، والله أعلم«.
ثمَّ قال شيخنا -حفظه الله تعالى- (ص ١٨ - ١٩):»وقد صح عن ابن عمر القصر في أقل من البريد، فأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ١٠٨/‏١) عن محمّد بن زيد بن خليدة عن ابن عمر قال: «تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال» (١).
ثمَّ روى (٢/ ١٠٩/‏١) عن محارب بن دثار قال: سمعت ابن عمر يقول: «إِنّي لأسافر الساعة من النهار وأقصر». وإِسناده صحيح كما قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٥٦٧).
ثمَّ روى (٢/ ١١١/‏١) عن نافع عن ابن عمر: «أنّه كان يقيم بمكة فإِذا خرج إِلى منى قصر». وإِسناده صحيح أيضًا.
وقال الثوري: سمعت جبلة بن سحيم سمعت ابن عمر يقول: «لو خرجت ميلًا قصرت الصلاة». ذكره الحافظ وصححه.
قلت [أي: شيخنا -حفظه الله-]: وهذه الآثار عن ابن عمر أقرب إِلى

--------------
(١) وقال في التخريج: وإسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن خليدة، هذا وقد روى عنه جماعة من الثقات كما في «الجرح والتعديل» (٣/ ٢/‏٢٥٦) وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (١/ ٢٠٦/‏٢).


السنّة على ما سبق بيانه قبل حديثين، والله أعلم.
قلت: والذي قبل الحديثين: حديث ابن عباس وابن عمر:»كانا لا يقصران في أقل من أربعة بُرُد«وعلّقه البخاري.
والخلاصة: أنَّه لا حدّ للمسافة التي تقصر فيها الصلاة، فيجب الرجوع إِلى ما يسمّى سفَرًا لُغةً وعُرفًا وما كان ضربًا في الأرض؛ يصدق عليه أنّه سفر وما وردَ من نصوص متعلّقةٍ بالسّفر؛ إِما أن تكون سفرًا طويلًا؛ أو سفرًا قصيرًا؛ وهي نماذج للسفر، وأمثلة عليه، لا تفيد الحصر، فقصْره فيما ذُكر لا ينفي جواز القصر في أقل منها؛ إذا كانت في مسمّى السَّفر، والله تعالى أعلم».
ولشيخنا -شفاه الله تعالى- كلام نفيس في «الصحيحة» تحت الحديث (١٦٣) فارجع إِليه -إِن شئت-.

الموضع الذي يقصر منه:
ذهب جمهور العلماء إِلى أنَّ قصر الصلاة يشرع بمفارقة الحضر، والخروج من البلد، وأنّ ذلك شرط ولا يتِمّ حتى يدخل أول بيوتها.
قال ابن المنذر: ولا نعلم أنَّ النّبيّ - ﷺ - قصر في شيء من أسفاره إلاَّ بعد خروجه عن المدينة (١). وقال أنس: «صليت الظهر مع النّبيّ - ﷺ - بالمدينة أربعًا وبذي الحليفة ركعتين» (٢).

----------------------
(١) انظر «الأوسط» (٤/ ٣٥٤) وذكَره السيد سابق -حفظه الله- في «فقه السنة» (١/ ٢٨٥).
(٢) أخرجه البخاري في مواضع: ١٠٣٩، ١٤٧١، ١٤٧٢، ١٤٧٣، وغيرها ومسلم: ٦٩٠، ٦٩١، وغيرهما.



* المسافر إِذا أقام لقضاء حاجة ولم يُجمع إقامة يقصر حتى يخرج (١):
عن جابر قال: أقام النّبيّ - ﷺ - بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة» (٢).
قال ابن القيّم: «ولم يقُل - ﷺ - للأمّة لا يقصر الرجل الصلاة إِذا قام أكثر من ذلك؛ ولكن اتفق إِقامته هذه المدّة».
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أقام النّبيّ - ﷺ - تسعة عشر يومًا يقصر، فنحن إِذا سافَرنا تسعة عشر قصرنا وإِنْ زدنا أتمَمنا» (٣) *.
وأخرجه البيهقي وغيره بلفظ: سبعة عشر يومًا، وجمَع البيهقي وغيره بأنّ من روى الأولى عدّ يوم الدخول ويوم الخروج، ومن روى الأخرى لم يعدّهما وقال الحافظ: وهو جمعٌ متين والله أعلم (٤).
قلت: والذي يبدو أنَّ هذا الذي اتّفق لهم، فقد ذَكرنا حديث جابر «أنَّ النّبيّ - ﷺ - أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة». وثبت أنَّ ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة وقد حال الثلج بينه وبين الدخول.
فعن ابن عمر أنَّه قال: «أريح علينا الثلج (٥)، ونحن بأذربيجان ستة أشهر

---------------------
(١) ما بين نجمتين من كتاب»الوجيز«(ص ١٣٩) بتصرّف.
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٠٩٤) وغيرهما، وانظر»الإِرواء«(٥٧٤).
(٣) أخرجه البخاري: ١٠٨٠ وغيره.
(٤) وانظر»الإِرواء" (٣/ ٢٧).
(٥) أي: اشتدّ علينا.



في غزاة، وكنّا نصلي ركعتين«.
قال شيخنا في»الإِرواء«(٣/ ٢٨):»وإِسناده صحيح، كما قال الحافظ في «الدراية» (١٢٩)، وهو على شرط الشيخين كما نقله الزيلعي (٢/ ١٨٥) عن النووي وأقره.
وله طريق أخرى، فقال ثمامة بن شراحيل: «خرجت إِلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين ركعتين، إلاَّ صلاة المغرب ثلاثًا، قلت: أرأيت إِنْ كنا بـ (ذي المجاز)؟ قال: وما (ذو المجاز)؟ قال: قلت: مكان نجتمع فيه، ونبيع فيه، ونمكث عشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة، فقال: يا أيها الرجل! كنت بأذربيجان -لا أدري قال- أربعة أشهر أو شهرين، فرأيتهم يصلّونها ركعتين ركعتين، ورأيت نبيّ الله - ﷺ - بصر عيني يصلّيها ركعتين ثمَّ نزع إِلي بهذه الآية: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسَنة﴾ (١)» (٢).
وفي «الروضة الندية» (١/ ٣٨٣): «وقول أكثر أهل العلم: إِنَّه يقصر أبدًا ما لم يُجمع إِقامة». انتهى.
والأئمة الأربعة متفقون على أنَّه إِذا أقام لحاجةٍ ينتظر قضاءَها يقول: اليوم أخرج؛ فإِنّه يقصر أبدًا إلاَّ الشافعي في أحد قوليه فإِنّه يقصر عنده إِلى سبعة عشر أو ثمانية عشر يومًا ولا يقصر بعدها، وقد قال ابن المنذر في

----------------
(١) الأحزاب: ٢١.
(٢) رجاله كلهم ثقات غير ثمامة هذا فقال الدارقطني: «لا بأس به شيخ مقل» وذكره ابن حبان في «الثقات» (١/ ٧).



«إِشرافه» (١): أجمع أهل العلم أنَّ للمسافر أن يقصر ما لم يُجمع إِقامة إِن أتى عليه سنون (٢).
وفهمت من شيخنا أنَّ مدار الأمر؛ فيما إِذا أجمع المرء الإِقامة وحدّد مدّتها، أو عدم ذلك، فإِنْ لم يحدّد مضت عليه أحكام المسافر، وإنْ حدّد مضت عليه أحكام المقيم، إلاَّ إِذا بقيت عنده أحوال المسافر، والله تعالى أعلم.
قال ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٤٢): «ذِكر إِباحة قصر الصلاة للمسافر في المدن يقْدُمُها إِذا لم ينوِ مقامًا يجب عليه له إِتمام الصلاة».
ثمَّ قال: في قدوم رسول الله - ﷺ - وأصحابه مكة عام حجة الوداع مقيمين بها أيامًا يصلون ركعتين، دليل على أن للمسافر أن يقصر الصلاة في المدن إِذا قدمها، ولم يعزم على أن يقيم بعد قدومه مدة يجب عليه بمقام تلك المدة إِتمام الصلاة.
ثمَّ ساق بإِسناده إِلى موسى بن سلمة قال: سألت ابن عباس قلت: «إِني مقيم هنا يعني بمكة فكيف أصلّي؟ قال: ركعتين، سنّة أبي القاسم - ﷺ -» (٣).

صلاة التطوع في السفر:
قال البخاري: (باب من تطوّع في السفر في غير دُبُر الصلوات وقبلها وركع

---------------------
(١) يشير بذلك إلى كتاب «الإِشراف على مذهب الأشراف».
(٢) انظر «فقه السنة» (١/ ٢٨٧).
(٣) أخرجه مسلم: ٦٨٨



النّبيّ - ﷺ - ركعتي الفجر في السفر) (١) وذكر تحته أحاديث:
١ - حديث رقم: (١١٠٣) من حديث ابن أبي ليلى بلفظ: «ما أنبأ أحدٌ أنه رأى النّبيّ - ﷺ - صلّى الضحى غيرُ أمّ هانئ: ذكَرت أنَّ النّبيّ - ﷺ - يوم فتح مكة اغتسل في بيتها، فصلّى ثمان ركعات، فما رأيته صلّى صلاة أخفّ منها، غير أنّه يُتمّ الركوع والسجود».
٢ - وحديث رقم (١١٠٤): من حديث عبد الله بن عامر: «أنَّ أباه أخبره أنّه رأى النّبيّ - ﷺ - صلّى السُّبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته؛ حيث توجَّهت به» (٢).
٣ - وحديث رقم: (١١٠٥): من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يسبّحُ على ظهر راحلته حيث كان وجهُه، يُومئ برأسه وكان ابن عمر يفعله» (٣).
قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٥٧٨): «قوله (باب من تطوع في السفر في غير دبر الصلاة) هذا مُشعِر بأنَّ نفي التطوع في السفر محمول على ما بعد الصلاة خاصة، فلا يتناول ما قبلها، ولا ما لا تعلّق له بها من النوافل المطلقة؛ كالتهجد والوتر والضحى وغير ذلك، والفرق بين ما قبلها وما بعدها أنَّ التطوع قبلها لا يظن أنّه منها، لأنّه ينفصل عنها بالإِقامة وانتظار الإِمام غالبًا ونحو

----------------------
(١) وصَله مسلم في قصّة النوم عن صلاة الصبح من حديث قتادة كما في»الفتح«(٢/ ٥٧٨)، وانظر»مختصر البخاري«(١/ ٢٦٦).
(٢) وأخرجه مسلم: ٧٠٠
(٣) وانظر»صحيح مسلم": تحت رقم (٧٠٠).



ذلك، بخلاف ما بعدها فإِنّه في الغالب يتصل بها فقد يظنُّ أنّه منها«. انتهى.
وقال النووي في»شرحه«(٥/ ٢١٠) بعد أن ذكر الأحاديث المتقدّمة وما في معناها خلا حديث أم هانئ: وفي هذه الأحاديث جواز التنفّل على الراحلة في السفر حيث توجّهت، وهذا جائز بإِجماع المسلمين، وشرطه أن لا يكون سفر معصية ...».

السفر يوم الجمعة:
يجوز السفر يوم الجمعة ما لم يسمع النداء، فإِذا سمعه وجب عليه الحضور (١)، وليس في السنّة -فيما علمتُ- ما يمنع من السفر يوم الجمعة، بل إِنَّ فيها ما يشعر بالجواز.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ليس على مسافر جمعة» (٢).
ولا يستلزم من ذلك أن يكون هذا مقتصرًا، على من كان مسافرًا من قبل جادًّا في سيره؛ ماضيًا فيه.
قال شيخنا في «الضعيفة» (١/ ٣٨٦) -بحذف بعد أن ذكَر حديثًا موضوعًا في منع السفر يوم الجمعة-: «وليس في السنّة ما يمنع السفر يوم الجمعة مطلقًا ...».
وقد روى البيهقي (٣/ ١٨٧) عن الأسود بن قيس عن أبيه قال: «أبصر

----------------------
(١) انظر»تمام المنّة«(ص٣٢٠).
(٢) صحيح بكثرة الطُّرُق والشواهد، انظر»الإرواء" (٥٩٢، ٥٩٤).



عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- رجلًا عليه هيئة السفر، فسمعه يقول: لولا أنّ اليوم يوم جمعة لخرجْتُ، قال عمر -رضي الله عنه-: اخرُجْ فإِنَّ الجمعة لا تحبس عن سفر. ورواه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٥/‏٢) مختصرًا.
وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات، وقيس والد الأسود؛ وثّقه النسائي وابن حبان. فهذا الأثر مما يُضعّف هذا الحديث ...، إِذ الأصل أنّه لا يخفى على أمير المؤمنين عمر لو كان صحيحًا.

هل يشرع الجمع لسفر المعصية؟
سألت شيخنا -عافاه الله وشفاه- فقال: فيه عندي تفصيل: إِنْ أنشأ السفر للمعصية؛ أرى ما يقوله أهل العلم أنَّه ليس له الترخّص ولكن إِن كان أصل المعصية لم ينشأ ابتداءً ولكن وقع في المعصية وهو في سفره؛ فالحُكم يبقى على عمومه.


الجمع بين الصلاتين
الحالات التي يجوز فيها الجمع بين الصلاتين:
يجوز للمصلّي الجمع بين الظهر والعصر، سواءٌ أكان ذلك تقديمًا أم تأخيرًا (١)، وبين المغرب والعشاء كذلك، وليس هنالك جمع غيره؛ وذلك في الحالات الآتية:

١ - الجمع بعرفة والمزدلفة:
فعن أبي أيوب الأنصاري: «أنَّ رسول الله - ﷺ - جمَع في حجَّة الوَداع المغرب والعشاء بالمزدلفة» (٢).
وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- «إِذا فاتته الصلاة مع الإِمام جمَع بينهما» (٣).
وعن ابن شهاب قال: «أخبرني سالم أنَّ الحجاج بن يوسف -عام نزَل بابن الزبير -رضي الله عنهما- سأل عبد الله -رضي الله عنه-: كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إِن كنت تُريد السنّة فهجِّر بالصلاة يوم عرفة. فقال عبد الله بن عمر: صدق، إِنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في

---------------
(١) هناك فوائد نفيسة لشيخنا -شفاه الله- في»الصحيحة«تحت الحديث (١٦٤) فارجع إِليها -إِن شئت-.
(٢) أخرجه البخاري: ١٦٧٤.
(٣) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به»كتاب الحج" (باب الجمع بين الصلاتين بعرفة).



السنَة. فقلت لسالم: أفَعَل ذلك رسول الله - ﷺ -؛ فقال سالم: وهل يتَّبعون بذلك إلاَّ سنّته»؟ (١).
قال شيخ الإِسلام في «الفتاوى» (٢٦/ ١٦٨): «ومن سُنّة رسول الله - ﷺ - أنَّه جمَع بالمسلمين جميعهم بعرفة بين الظهر والعصر، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء وكان معه خلق كثير ممّن منزله دون مسافة القصر من أهل مكة وما حولها، ولم يأمر حاضري المسجد الحرام بتفريق كلّ صلاة في وقتها، ولا أن يعتزل المكيون ونحوهم فلم يصلّوا معه العصر، وأن ينفردوا فيصلّوها في أثناء الوقت دون سائر المسلمين ...».

٢ - السفر:
عن معاذ بن جبل أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان في غزوة تبوك إِذا ارتحل قبل زيغ الشمس (٢) أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصلّيها جميعًا، وإِذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلّى الظهر والعصر جميعًا ثمَّ سار، وكان إِذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصلّيها مع العشاء، وإذا ارتحل (٣) بعد المغرب عجّل (٤) العشاء، فصلاّها مع المغرب«(٥).

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٦٦٢
(٢) أي: ميلها، وذلك إِذا قام الفيء.
(٣) أي: إِذا أراد أن يرتحل بعد المغرب.
(٤) قبل أن يمضي في سفره.
(٥) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، وصححه شيخنا في»الإرواء«(٥٧٨) و»الصحيحة" (١٦٤)، وانظر ما ذكره شيخنا -عافاه الله وشفاه- من الفوائد =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #53  
قديم 12-01-2026, 05:38 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,455
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 346الى صــ 360
الحلقة (53)



وفي «صحيح سنن أبي داود» (١٠٦٧): «... وفي المغرب مِثل ذلك إِن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمَع بين المغرب والعشاء، وإنْ يرتحِل قبل أن تغيب الشمس؛ أخّر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثمَّ جمَع بينهما».
عن عامر بن واثلة أنَّ معاذ بن جبل أخبره «أنّهم خرجوا مع رسول الله - ﷺ - عام تبوك فكان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء قال: فأخّر الصلاة يومًا، ثمَّ خرج فصلّى الظهر والعصر جميعًا ثمَّ دخل، ثمَّ خرج فصلّى المغرب والعشاء جميعا» (١).
وعن ابن عباس قال: «ألا أحدّثكم عن صلاة رسول الله - ﷺ - في السفر قال قلنا بلى قال: كان إِذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، وإِذا لم تزغ له في منزله سار حتى إِذا حانت العصر نزل، فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإِذا لم تَحِن في منزله ركب حتى إِذا حانت العشاء نزل فجمع بينهما» (٢).
وفي روايةٍ عند مسلم (٧٠٥) وغيره: «قال سعيد (هو ابن جبير) فقلت لابن عبّاس: ما حمَله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرج أمّته».

------------------
= تحت هذا الحديث، في الكتاب الأخير (١/ ٣١٤) وذكر كلامًا هامًا لشيخ الإِسلام -رحمه الله- في درجات الجمع.
(١) أخرجه مسلم: ٧٠٦، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٠٦٥)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٥١٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٨٧٧)، والدارمي، ومالك في «الموطأ»، وهذا لفظه، وانظر «الإِرواء» (٣/ ٣٠).
(٢) أخرجه الشافعي وأحمد وغيرهما، وصححه شيخنا في «الإِرواء» (٣/ ٣١)، وانظر «صحيح سنن الترمذي» (٤٥٥).


وعن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا ارتحل قبل أن تَزيغ الشمس؛ أخّر الظهر إِلى وقت العصر، ثمَّ نزل فجمع بينهما، فإِن زاغت الشمسُ قبل أن يرتحل؛ صلّى الظهر ثمَّ ركب» (١).

٣ - المطر:
عن ابن عباس «أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى بالمدينة سبعًا وثمانيا؛ الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال (٢): عسى» (٣).
وعنه أيضًا قال: «جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة؛ في غير خوفٍ ولا مطر» (٤).
وعن نافع مولى ابن عمر: «أنَّ عبد الله بن عمر كان إِذا جمَع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر؛ جمَع معهم» (٥).
قال شيخنا في «الإِرواء» (٣/ ٤٠) -بتصرف يسير-: «ثمَّ روى [أي: الإِمام مالك في»الموطّأ«] عن هشام بن عروة أن أباه عروة وسعيد بن المسيب وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة؛ إِذا جمعوا بين

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١١١٢، ومسلم: ٧٠٤
(٢) القائل: جابر.
(٣) البخاري: ٥٤٣، ومسلم: ٧٠٥
(٤) أخرجه مسلم: ٧٠٥
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح وغيره وانظر»الصحيحة«(٦/ ٨١٦)، و»الإِرواء" (٥٨٣).



الصلاتين ولا يُنكِرون ذلك.
وعن موسى بن عقبة أنّ عمر بن عبد العزيز؛ كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إِذا كان المطر، وأنَّ سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان؛ كانوا يصلّون معهم ولا ينكِرون ذلك. وإِسنادهما صحيح.
وذلك يدلّ على أنَّ الجمع للمطر كان معهودًا لديهم، ويؤيده حديث ابن عباس:»من غير خوف ولا مطر«فإِنّه يُشعِر أنّ الجمع للمطر كان معروفًا في عهده صلى الله عليه وآله وسلم، ولو لم يكن كذلك؛ لما كان ثمّة فائدة من نفي المطر لتسويغ الجمع فتأمّل». انتهى.
وجاء في «الفتاوى» (٢٤/ ٢٩): "وسئل -رحمه الله- عن صلاة الجمع في المطر بين العشائين، هل يجوز من البرد الشديد؟ أو الريح الشديد؟ أم لا يجوز إلاَّ من المطر خاصة؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. يجوز الجمع بين العشائين للمطر والريح الشديد الباردة، والوحل الشديد. وهذا أصح قولي العلماء، وهو ظاهر مذهب أحمد ومالك وغيرهما، والله أعلم.
وسئل -رحمه الله- عن رجل يؤم قومًا وقد وقع المطر والثلج، فأراد أن يصلّي بهم المغرب، فقالوا له: يجمع، فقال: لا أفعل، فهل للمأمومين أن يصلّوا في بيوتهم؟ أم لا؟
فأجاب: الحمد لله. نعم يجوز الجمع للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة في الليلة الظلماء ونحو ذلك، وإِن لم يكن المطر نازلا في أصحّ قولي


العلماء، وذلك أولى من أن يصلّوا في بيوتهم، بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنّة، إِذ السُّنّة أن تصلّى الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين.
والصلاة جمعًا في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرّقة باتفاق الأئمّة الذين يُجوِّزون الجمع: كمالك، والشافعي، وأحمد، والله تعالى أعلم». انتهى. وانظر للمزيد من الفائدة ما قاله ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٤٣٠ - ٤٣٤).

٤ - المرض:
قال الله تعالى: ﴿ما جَعَل عليكم في الدين مِن حَرَج﴾ (١) فإِذا بلغ المرض حدًّا أوقع على صاحبه الحرج فله أن يجمع، وقال سبحانه: ﴿ولا على المريض حرج﴾ (٢)، وقد يكون حاجة المريض للجمع أشدّ من حاجة من يجمع في السفر أو المطر ونحوه.
قال شيخ الإِسلام في «الفتاوى» (٢٤/ ٢٨) -رحمه الله-: «ويجوز عنده [أي: الإِمام أحمد] وعند مالك وطائفة من أصحاب الشافعي الجمع للمرض». انتهى.
وفي «المغني»: «... والمرض المبيح للجمع هو ما يلحقه به بتأدية كلّ صلاة في وقتها مشقّة وضعفًا» (٣).

----------------------
(١) الحج: ٧٨
(٢) النور: ٦١، الفتح: ١٧
(٣) ذكره السيد سابق -حفظه الله- في «فقه السنّة» (١/ ٢٩١).



وسألتُ شيخنا -شفاه الله وعافاه-: ما تقولون في جمْع المريض؟ فقال:»حسبما تقتضيه الحاجة، إِذا احتاج إِلى ذلك جمَع وإِلاَّ فلا«.
وقال الإِمام النووي -رحمه الله-:»وذهب جماعة من الأئمّة إِلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي، عن أبي إِسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس «أراد أن لا يحرج أمّته» (١)، فلم يعلّله بمرض ولا غيره، والله أعلم.
وعن عبد الله بن شقيق قال: «خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاةَ الصلاةَ، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني (٢): الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلّمني بالسنّة؟ لا أمّ لك، ثمَّ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألْته فصدّق مقالته» (٣).

٥ - الحاجة العارضة:

---------------------
(١) انظر «شرح النووي» (٥/ ٢١٩) ونقله الشيخ عبد العظيم في «الوجيز» (ص ١٤١)، والشيخ السيد سابق في «فقه السنّة» (١/ ٢٩١) -حفظهما الله-.
(٢) أي: لا يضعف ولا ينصرف عن ذلك.
(٣) أخرجه مسلم: ٧٠٥



عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا حضَر أحدكم الأمر يخشى فوته؛ فليصلّ هذه الصلاة [يعني: الجمع بين الصلاتين]» (١).
وتقدّم حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «صلّى رسول الله - ﷺ - الظهر والعصر جميعًا بالمدينة، في غير خوف ولا سفر،»وفي رواية له «في غير خوف ولا مطر».
قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا: لمَ فعَل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألني فقال: «أراد أن لا يُحرِج أحدًا من أمّته».
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿هو اجتباكم وما جعلَ عليكم في الدين مِن حرَج﴾ (٢) أي: ما كلّفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء يشقّ عليكم؛ إلاَّ جعل الله لكم فرجًا ومخرجًا، فالصلاة التي هي أكبر أركان الإِسلام بعد الشهادتين؛ تجب في الحضر أربعًا وفي السفر تقصر إِلى ثنتين، وفي الخوف يصلّيها بعض الأئمّة ركعة، كما ورد به الحديث وتصلّى رجالًا ورُكبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها وكذا في النافلة في السفر إِلى القبلة وغيرها والقيام فيها يسقط لعذر المرض، فيصلّيها المريض جالسًا، فإِن لم يستطع فعلى جنبه، إِلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات ... قال ابن عبّاس في قوله: ﴿ما جعل عليكم في الدين من

----------------------
(١) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٥٨١) وغيره، وهو حديث حسن خرّجه شيخنا -حفظه الله- في «الصحيحة» برقم (١٣٧٠).
(٢) الحج: ٧٨



حرج﴾ أي: من ضيق بل وسّعَه عليكم ...».
وسألت شيخنا -عافاه الله وشفاه-: «هل للطبّاخ والخبّاز أن يجمعا إِذا خشيا فساد مالهما»؟
فأجاب: «إِذا فوجئ أحدهما بذلك فلا مانع، فينبغي أن يأخذ الاستعداد اللازم له، كيلا يقع مِثل هذا الفساد؛ حتى لا يضطر للجمع».
فائدة: قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٥٨٣): «وفي حديث أنس (١) استحباب التفرقة في حال الجمع؛ بين ما إِذا كان سائرًا أو نازلا، وقد استدل به على اختصاص الجمع بمن جدّ به السير، لكن وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل في»الموطأ«ولفظه:»أنَّ النّبي - ﷺ - أخَّر الصلاة في غزوة تبوك، ثمَّ خرج فصلّى الظهر والعصر جميعا، ثمَّ دخل ثمَّ خرج فصلّى المغرب والعشاء جميعا (٢) «، قال الشافعي في»الأمّ«: قوله دخل ثمَّ خرج لا يكون إِلا وهو نازل، فلِلمسافر أن يجمع نازلا وسائرًا.
وقال ابن عبد البر: في هذا أوضح دليل على الرد على من قال لا يجمع إلاَّ من جدّ به السير، وهو قاطع للالتباس، انتهى».
وجاء في «عون المعبود» (٣/ ٥١): «قال الشافعي وأكثرون: يجوز الجمع بين الظهر والعصر في وقت أيتهما شاء، وبين المغرب والعشاء فى وقت أيتهما شاء ... قاله النووي».

-----------------------
(١) المتقدّم: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس».
(٢) وهو صحيح كما في «الإِرواء» (٣/ ٣١)، وتقدّم قبل أحاديث ومعناه في مسلم: ٧٠٤



وسألت شيخنا -عافاه الله وشفاه-: «هل يجمع تقديمًا أو تأخيرًا على ما يتيسّر له؟ فقال: قولنا على ما تقتضيه الحاجة أفضل».

هل يشترط النية والموالاة في الجمع والقصر؟
لا دليل على ذلك من باب التيسيرِ ومراعاةِ عدم إِسقاط مقصود الرخصة.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية (١) عن عدم اشتراط النية في الجمع والقصر: «وهو قول الجمهور من العلماء، وقال: والنّبيّ - ﷺ - لمّا كان يصلّي بأصحابه جمعًا وقصرًا لم يكن يأمر أحدًا منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إِلى مكة يصلّي ركعتين من غير جمع، ثمَّ صلّى بهم الظهر بعرفة، ولم يُعلِمْهم أنّه يريد أن يصلّي العصر بعدها، ثمَّ صلّى بهم العصر ولم يكونوا نووا الجمع، وهذا جمع تقديم، وكذلك لمّا خرج من المدينة صلّى بهم بذي الحليفة العصر ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر. وأمّا الموالاة بين الصلاتين فقد قال: والصحيح أنّه لا تشترط الموالاة بحال؛ لا في وقت الأولى ولا في وقت الثانية، فإِنّه ليس لذلك حدٌّ في الشرع، ولأنّ مراعاة ذلك يُسقِط مقصود الرخصة».

-----------------------
(١) في «الفتاوى» (٢٤/ ٥٠ - ٥٤) ملتقطًا وذكره السيد سابق -حفظه الله- في «فقه السنّة» (١/ ٢٩٠).


الصلاة في السفينة والطائرة:
عن ابن عمر قال: «سُئل النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة في السفينة، فقال: صلِّ فيها قائمًا؛ إِلا أن تخاف الغرق» (١).
وينبغي الالتفات إِلى أولوية إِتمام الركوع والسجود فيهما، فإِذا خشي فوات الوقت، صلّى فيهما.
وعن عبد الله بن أبي عتبة قال: صحبتُ جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة في سفينة، فصلَّوا قيامًا في جماعة أمَّهم بعضهم، وهم يقدرون على الجِدّ (٢) الشاطئ«(٣).

-----------------------
(١) أخرجه البزار والدارقطني وغيرهما، وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر»الصفة«(٧٩).
(٢) الجِدّ: وجه الأرض أو شاطئ النهر،»الوسيط«.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، و»البيهقي«(٣/ ١٥٥)، وإسناده صحيح، وانظر»تمام المنّة" (ص ٣٢٢).



الجمعة
فضل يوم الجمعة:
١ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم وفيه أُدخل الجنّة، وفيه أُخرِج منها، ولا تقوم الساعة إلاَّ في يوم الجمعة» (١).
٢ - وعن أبي لبابة بن عبد المنذر قال: قال النّبيّ - ﷺ - «إِنَّ يوم الجمعة سيّد الأيام، وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر، فيه خمس خلال (٢): خلق الله فيه آدم وأهبط الله فيه آدم إِلى الأرض، وفيه توفَّى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئًا إلاَّ أعطاه؛ ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرَّب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر؛ إلاَّ وهن يُشفِقن من يوم الجمعة» (٣).
وعن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ هذا يومُ عيد، جعَله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل، وإن كان طيبٌ فليمَسَّ منه، وعليكم بالسواك» (٤).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «عُرضت الجمعة على

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ٨٥٤
(٢) مفردها: خَلَّة: وهي الخَصلة، يُقال: فيه خَلَّه حسنة وخَلةٌ سيئة.»الوسيط«
(٣) أخرجه أحمد وابن ماجه»صحيح ابن ماجه«(٨٨٨)، وحسنه شيخنا في»المشكاة«(١٣٦٣).
(٤) أخرجه ابن ماجه بإِسناد حسن، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٧٠٦).



رسول الله - ﷺ -؛ جاءه بها جبرائيل عليه السلام في كفّه كالمرآة البيضاء، في وسطها كالنكتةِ السوداء، فقال: ما هذه يا جبرائيل؟ قال: هذه الجمعة، يعرضها عليك ربُّك؛ لتكون لك عيدًا، ولقومك من بعدك، ولكم فيها خير، تكون أنت الأوّل، وتكون اليهود والنصارى من بعدك، وفيها ساعةٌ لا يدعو أحدٌ ربَّه فيها بخير هو له قُسِمَ، إلاَّ أعطاه، أو يتعوّذ من شرّ؛ إلاَّ دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد ...» (١).
وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث يوم الجمعة زهراء منيرة، أهلها يحفُّون بها كالعروس تُهْدَى إِلى كَريمها، تُضيءُ لهم، يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضًا، وريحهم تسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إِليهم الثقلان، ما يطرقون تعجُّبًا حتى يدخلوا الجنّة، لا يخالطهم أحد إلاَّ المؤذنون المحتسبون» (٢).

الدعاء فيه:
١ - عن عبد الله بن سلام قال: «قلت ورسول الله - ﷺ - جالس؛ إِنّا لنجد في كتاب الله في يوم الجمعة؛ ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلّي يسأل الله فيها شيئًا؛ إلاَّ قضى له حاجته. قال عبد الله: فأشار إِلىّ رسول الله - ﷺ - أو بعض ساعة، فقلت: صدقت، أو بعض ساعة، قلت: أي ساعة هي؟ قال هي آخر

----------------------
(١) أخرجه الطبراني في»الأوسط«بإِسناد جيد، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٦٩١).
(٢) أخرجه ابن خزيمة والحاكم وغيرهما، وانظر»الصحيحة" (٧٠٦).



ساعات النهار، قلت: إِنّها ليست ساعة صلاة، قال: بلى إِنّ العبد المؤمن إِذا صلى ثمَّ جلس؛ لا يحبسه إلاَّ الصلاة فهو في الصلاة» (١).
٢ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنَّ في الجُمُعة لساعة؛ لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرًا، إلاَّ أعطاه إياه» (٢).
٣ - عن جابر بن عبد الله عن رسول الله - ﷺ - قال: «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة؛ لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله عز وجل شيئًا؛ إلاَّ آتاه إِيّاها، فالتمسوها آخر ساعة بعد صلاة العصر» (٣).

استحباب كثرة الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - ليلة الجمعة ويومها:
عن أوس بن أوس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ - «إِنَّ من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قُبِض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثِروا عليّ من الصلاة فيه؛ فإِنَّ صلاتكم معروضة عليّ، قالوا: يا رسول الله! وكيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرمت (٤) يقولون: بليت، فقال:

--------------------------
(١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٣٤)، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٧٠١).
(٢) أخرجه مسلم: ٨٥٢
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٢٦) وغيره، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٧٠٢).
(٤) جاء في»النهاية" (وقد أَرَمَّتَ): قال الحربي: هكذا يرويه المحدِّثون ولا أعرف وجهه، والصواب أَرَمَّتْ ... أو رَمِمْتَ: أي: صرْتَ رميمًا وقال غيره: إِنّما هو أرَمْتَ بوزن ضربْتَ وأصله أرمَمْتَ: أي: بَليِتَ .... قال ابن الأثير بعد تفصيل: فإِن صحت الرواية =



إِنَّ الله عز وجل حرّم على الأرض أجساد الأنبياء» (١).
عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة وليلة الجمعة، فمن صلّى عليّ صلاة؛ ﷺ عشرا» (٢).

استحباب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلته:
عن أبي سعيد -رضي الله تعالى عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمُعتين» (٣).
وفي رواية: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق» (٤). وفي رواية لأبي سعيد موقوفًا: «من قرأ سورة الكهف؛ ليلة الجمعة، أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق» (٥).

--------------------------
= ولم تكن محرّفة؛ فلا يمكن تخريجه إلاَّ على لغة بعض العرب ... فيكون لفظ الحديث: أَرَمَّتَ بتشديد الميم وفتح التاء والله أعلم.
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٢٥)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٨٨٩)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٣٠١)، وانظر «الإِرواء» (٤)، و«الصحيحة» (١٥٢٧)، و«صحيح الترغيب رالترهيب» (٦٩٥).
(٢) أخرجه البيهقي وغيره، وانظر «الصحيحة» (١٤٠٧).
(٣) أخرجه النسائي والبيهقي وغيرهما وانظر «الإِرواء» (٦٢٦)، و«صحيح الترغيب والترهيب» (٧٣٥).
(٤) أخرجه البيهقي في «شعب الإِيمان» وغيره، وانظر «الصحيحة» (٢٦٥١)، و«الإرواء» (٣/ ٩٤)، و«صحيح الترغيب والترهيب» (٧٣٥).
(٥) أخرجه الدارمي في «سننه» وغيره، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٣٥).



الغسل والتجمّل والسواك والتطيّب:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ هذا يوم عيد، جَعَله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل، وإِن كان طيبٌ فليمسّ منه، وعليكم بالسواك» (١).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا كان يوم الجمعة، فاغتسل الرجل، وغسل رأسه، تمَّ تطيّب من أطيب طيبه، ولَبِس من صالح ثيابه، ثمَّ خرج إِلى الصلاة، ولم يُفرّق بين اثنين، ثمَّ استمع للإِمام، غُفر له من الجمعة إِلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام» (٢).
وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم (٣)، وسواك، ويمسّ من الطيب قَدَرَ عليه» (٤).
وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن شيخ من الأنصار قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثٌ حقٌّ على كلّ مسلم: الغسل يوم الجمعة والسواك ويمسّ من طيبٍ إِنْ وجد» (٥).

-----------------
(١) أخرجه ابن ماجه بإِسناد حسن، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٠٦)، وتقدّم غير بعيد.
(٢) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٠٤).
(٣) أي: بلغ سنّ الاحتلام.
(٤) أخرجه مسلم: ٨٤٨
(٥) أخرجه أحمد وغيره، وصححه شيخنا في «الصحيحة» (١٧٩٦).



وعن عبد الله بن سلام أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول على المنبر في يوم الجمعة: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة؛ سوى ثوب مهنته» (١).
وعن سلمان الفارسي قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثمَّ يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثمَّ يصلّي ما كتب له، ثمَّ ينصت إِذا تكلّم الإِمام؛ إلاَّ غفر له ما بينه وبين الجمُعة الأخرى» (٢).

التبكير إِلى الجمعة:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثمَّ راح فكأنما قرّب (٣) بدنة (٤)، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإِذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون

-------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٥٤)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٨٩٨) وغيرهما، وانظر»غاية المرام«(٧٦).
(٢) أخرجه البخاري: ٨٨٣، ٩١٠، وفي رواية:»وزيادة ثلاثة أيام«وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٧٠٤).
(٣) أي: تصدّق بها متقربًا إِلى الله تعالى،»فتح«(٢/ ٣٦٧).
(٤) قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٣٦٧):»والمراد بالبدنة هنا الناقة بلا خلاف، وانظر -إِن شئت- الكتاب المشار إليه للمزيد من الفوائد".




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #54  
قديم 12-01-2026, 05:41 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,455
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 361الى صــ 375
الحلقة (54)





الذكر» (١).
وعن أوس بن أوس الثقفي -رضي الله عنه- قال: سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: «من غسَّل يوم الجمعة واغتسل، وبكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإِمام فاستمع ولم يلْغُ، كان له بكلّ خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها» (٢).
وأوّل ساعة تبدأ من طلوع الشمس في الغالب كما أفادني شيخنا -شفاه الله-، ولكن قد يتفق أهل حيٍّ أو قرية على الصلاة في وقتٍ ما قبل الزوال؛ فعندئذ تكون الساعة الخامسة قبل صعود الإِمام المنبر، وترتيب الساعات الباقية معروفة. والله أعلم.
وسألت شيخنا -شفاه الله تعالى- عن أول تبكير صلاة الجمعة فقال: متى يصلّي العيد؟ قلت: بعد ارتفاع وقت الكراهة، فقال: هذا هو.

الدنو من الإِمام:
عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «احضروا الذِّكر وادنوا من الإِمام، فإِنّ الرجل لا يزال يتباعد؛ حتى يُؤخَّر في الجنّة وإنْ دخلها» (٣).

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٨٨١، ٩٢٩، ومسلم: ٨٥٠
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسّنه النسائي وابن ماجه وغيرهم، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٨٧).
(٣) أخرجه أبو داود والحاكم وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٣٦)، وتقدّم حديث أوس بن أوس الثقفي: «... ودنا من الإمام».


عدم تخطّي الرقاب:
عن عبد الله بن بُسر قال: «جاء رجل يتخطى رقاب النّاس يوم الجمعة والنّبيّ - ﷺ - يخطب، فقال النّبيّ - ﷺ -: اجلس فقد آذيت وآنيت (١)» (٢).

تخطي الرقاب لحاجة:
عن عقبة بن الحارث قال: «صلّيت وراء النّبيّ - ﷺ - بالمدينة العصر، فسلّم ثمَّ قام مسرعًا، فتخطى رقاب الناس إِلى بعض حُجَر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنّهم عجبوا من سرعته فقال: ذكرت شيئًا من تبْرٍ (٣) عندنا، فكرهت أن يحبسني فأُمرت بقِسمته» (٤).

مشروعية التنفّل قبلها:
١ - عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلّي بعدها ركعتين في بيته، ويُحدّث أنّ رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك«(٥).
٢ - وعن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - قال:»من اغتسل ثمَّ أتى الجمعة فصلّى ما قُدِّرَ له ثمَّ أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثمَّ يصلّيَ معه غُفر له ما بينه وبين

----------
(١) آنيت: أي: آذيت بتخطّي الرقاب وأخّرت المجيء وأبطأت. «مجمع».
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٨٩) وغيرهما، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٧١٣).
(٣) ما كان من الذهب غير مضروب. قاله الكرماني (٥/ ١٩٨).
(٤) أخرجه البخاري: ٨٥١
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٩٨)، وانظر «تمام المنّة» (٣٢٦).



الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام» (١).

إِذا رأى الإِمام رجلًا جاء وهو يخطب أمره أن يصلّي ركعتين (٢).
عن جابر بن عبد الله قال: «جاء رجل والنّبيّ - ﷺ - يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصلّيت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع» (٣).
وفي رواية: «إِذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإِمام يخطب؛ فليركع ركعتين وليتجوّز (٤) فيهما» (٥).

تحوُّل مَن غلبه النعاس عن مكانه:
عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِذا نعس أحدكم وهو في المسجد؛ فليتحوّل من مجلسه ذلك إِلى غيره» (٦).

وجوب صلاة الجمعة:
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نُودي للصلاة (٧) من يوم الجُمُعة

------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٨٥٧
(٢) هذا العنوان من البخاري.
(٣) أخرجه البخاري: ٩٣٠، ومسلم: ٨٧٥
(٤) فليخفّفها ويسرع بها وهو من الجَوْز: القطع والسَّير. وانظر «النهاية».
(٥) أخرجه مسلم: ٨٧٥
(٦) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٩٠) وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٤٦٨).
(٧) قال شيخنا -شفاه الله- تعليقًا على الحديث (٢٢٠٦) من «الضعيفة»: "وقد اختلفوا في الأذان المحرِّم للعمل: أهو الأول أم الآخر؟ والصواب أنه الذي يكون =



فاسعَوا إِلى ذِكر الله وذَرُوا البيعَ ذلكم خيرٌ لكم إِنْ كنتم تعلَمون﴾ (١).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «نحن الآخِرون السابقون يوم القيامة، بَيْد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثمَّ هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبَعٌ، اليهود غدًا (٢) والنصارى بعد غد (٣)» (٤).
وعن عبد الله بن مسعود أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال لقوم يتخلّفون عن الجمعة: «لقد هممْتُ أن آمر رجلا يصلّي بالناس، ثمَّ أُحَرِّقَ على رجال يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم» (٥).
وعن عبد الله بن عمر وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول على أعواد منبره: «لَينتَهينّ أقوام عن ودْعِهم (٦) الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم ثمَّ ليكونُنّ من الغافلين» (٧).

----------------
= والإمام على المنبر، لأنه لم يكن غيره في زمن النّبيّ - ﷺ -، فكيف يصحّ حمل الآية على الأذان الذي لم يكن ولم يوجد إلاَّ بعد وفاته - ﷺ -«.
(١) الجمعة: ٩
(٢) أي: السبت.
(٣) أي: الأحد.
(٤) أخرجه البخاري: ٨٧٦، ومسلم: ٨٥٥، وفي رواية له برقم (٨٥٦):»فكان لليهود يومُ السبت، وكان للنصارى يومُ الأحد".
(٥) أخرجه مسلم: ٦٥٢
(٦) أي: ترْكهم.
(٧) أخرجه مسلم: ٨٦٥



وعن أبي الجعد الضَّمْري وكانت له صحبة عن النّبيّ - ﷺ -: من ترك ثلاث جمع تهاونًا بها؛ طبع الله على قلبه» (١).
وعن أسامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من ترك ثلاث جمعات من غير عُذر؛ كُتب من المنافقين» (٢).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «من ترك الجمعة ثلاث جُمَع متواليات، فقد نبذَ الإِسلام وراء ظهره» (٣).
ولما تقدّم من النصوص أقول:
يجب شهود الجمُعة على كلّ مسلم، ويُستثنى من ذلك: العبد المملوك (٤)، والمرأة والصبي والمريض الذي يشقّ عليه حضورها، أو يخاف زيادة المرض أو تأخّر البرء.
فعن طارق بن شهاب عن النّبيّ - ﷺ - قال: «الجمعة حقٌّ واجب على كل

-----------------
(١) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٢٨) والنسائي والترمذي وابن ماجه، وانظر»المشكاة«(١٣٧١)، و»صحيح الترغيب والترهيب«(٧٢٦).
(٢) أخرجه الطبراني في»الكبير«وحسنه شيخنا في»صحيح الترغيب والترهيب«(٧٢٨).
(٣) أخرجه أبو يعلى موقوفًا بإِسناد صحيح، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٧٣٢).
(٤) وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى-:»هل تسقط عنه الجمعة إِذا منعَه سيده، فقال: في الأصل تسقط الجمعة عنه".



مسلم في جماعة إلاَّ أربعةً: عبدٌ مملوك أو امرأةٌ أو صبيٌّ أو مريضٌ» (١).
ويلحق بالمريض من يقوم على عنايته إِذا دعَت الحاجة إِلى ذلك، فعن إِسماعيل بن عبد الرحمن «أنَّ ابن عمر -رضي الله عنهما- دُعي يوم الجمعة وهو يتجهّز للجمعة إِلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو يموت، فأتاه وترَك الجمعة».
وفي رواية ...: «مرض في يوم الجمعة فركب إِليه بعد أن تعالى النهار واقتربت الجمعة وترك الجمعة» (٢)
ويستثنى من ذلك أيضًا المسافر لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ليس على مسافر جمعة» (٣)، ولقول عمر لأحدهم: «اخرُج؛ فإِنَّ الجمعة لا تحبس عن سفر» (٤).
«وقد دلّ الاستقراء على أنَّ النّبيّ - ﷺ - سافر هو وأصحابه في الحج وغيره، فلم يصلِّ أحدٌ منهم الجمعة مع اجتماع الخلق الكثير» (٥).
ويستثنى من ذلك أيضًا كلّ معذور أُذن له أن يترك الجماعة لعُذر المطر أو الوحل أو البرد ونحو ذلك.

----------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٤٢) وغيره وانظر«الإِرواء» (٥٩٢).
(٢) كذا في «الإِرواء» (٥٥٢)، وقال شيخنا فيه: أخرجه البخاري والبيهقي، وأخرجه الحاكم ... بلفظ: «أنَّه استصرخ في جنازة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو خارج من المدينة يوم الجمعة، فخرج إِليه ولم يشهد الجمعة».
(٣) تقدّما في باب السفر يوم الجمعة.
(٤) تقدّما في باب السفر يوم الجمعة.
(٥) انظر «الإِرواء» (٥٩٤).



فعن عبد الله بن عبّاس -رضي الله عنهما- أنَّه قال لمؤذِّنه في يوم مطير: إِذا قلت:»أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلّوا في بيوتكم، قال: فكانّ الناس استنكروا ذاك فقال: أتعجبون من ذا؟ قد فعل ذا مَن هو خير منّي؛ إِنَّ الجمعة عَزْمَة (١) وإني كرهتُ أن أُخرجكم فتمشوا في الطين والدَّحْضِ (٢) «(٣).
وعن أبي المليح عن أبيه أنّه شهد النّبيّ - ﷺ - زمن الحديبية في يوم جمعة وأصابهم مطر؛ لم تبتلّ أسفل نعالهم فأَمَرهم أن يصلّوا في رحالهم» (٤).

أداء الجمعة في المسجد الجامع:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان الناسُ ينتابون يومَ الجُمعة (٥) من منازلهم العوالي (٦) ... «(٧).
وقال عطاء (٨) إِذا كنت في قرية جامعة؛ فنُوديَ بالصلاة من يوم الجمعة

---------------------
(١) أي: واجبة متحتمة ضد الرخصة.
(٢) قال النووي: الدحض والزلل والزلق ... كله بمعنى واحد.
(٣) أخرجه البخاري: ٦١٦، ومسلم ٦٩٩ وهذا لفظه، وتقدّم.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٣٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٧٦٤)، وانظر»الإرواء«(٢/ ٣٤١).
(٥) أي: أتونها ويقصدونها، وفي»الفتح" أي: يحضرونها نوبًا، وفي رواية: يتناوبون.
(٦) هي القرى التي حول المدينة على أربعة أميال فصاعدًا منها.
(٧) أخرجه البخاري: ٩٠٢، ومسلم: ٨٤٧
(٨) قال عطاء: وصَله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه.



فحقٌّ عليك أن تشهدها، سمعْتَ النداء أو لم تسمعه (١)، وكان أنس (٢) -رضي الله عنه- في قصره أحيانًا يُجمِّعُ، وأحيانًا لا يُجمِّع، وهو بالزاوية (٣) على فرسخين».
وجاء في «الإِرواء» (٣/ ٨١) برقم (٦٢٥) -بحذف-: «حديث أنَّ النّبيّ - ﷺ - وخلفاءه لم يقيموا إلاَّ جمعة واحدة»، صحيح متواتر كذا قال ابن الملقن في «البدر المنير» (ق ٥٢/ ١) ويعني: التواتر المعنوي، وإلاَّ فإِنّي لا أعرف حديثًا واحدًا بهذا اللفظ، وما أظن المؤلّف أراد أنَّ هذا اللفظ وارد، بل هو مأخوذ بالاستقراء كما قال الحافظ في «التلخيص» (ص ١٣٢) قال: فلم يكن بالمدينة مكان يجمع فيه إِلا مسجد المدينة، وبهذا صرّح الشافعي فقال: «ولا يُجمع في مصر وإن عظُم، ولا في مساجد إِلا في مسجد واحد، وذلك لأنَّ النّبيّ - ﷺ -، والخلفاء بعده لم يفعلوا إلاَّ كذلك». وروى ابن المنذر عن ابن عمر أنّه كان يقول: لا جمعة إلاَّ في المسجد الأكبر الذي يُصلّي فيه الإِمام، وروى أبو داود في «المراسيل» عن بكير بن الأشج أنَّه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجده - ﷺ -، يسمع أهلها تأذين بلال، فيصلّون في مساجدهم، زاد يحيى بن يحيى في روايته: «ولم يكونوا يصلّون في شيء من تلك المساجد إلاَّ في مسجد النّبيّ - ﷺ -». أخرجه البيهقي في «المعرفة».

--------------------------
(١) يُفهم جواز عدم تلبية نداء الصلوات المكتوبة إِذا لم يسمعها.
(٢) وكان أنس -إِلى قوله- لا يُجمّع: وصله مسدد في مسنده الكبير عن أبي عوانة عن حميد بهذا. «فتح» (٢/ ٣٨٥).
(٣) الزاوية: موضع ظاهر البصرة معروف، كانت فيه وقعه كبيرة بين الحجاج وابن الأشعث. «فتح» (٢/ ٣٨٥).



ويشهد له صلاة أهل العوالي مع النّبيّ - ﷺ - الجمعة كما في»الصحيح«...».

وقتها:
قال شيخنا في «الأجوبة النافعة» (ص٢٠ - ٢٥) -بتصرف-: للأذان المحمدي وقتان: الأول: بعد الزوال مباشرة، وعند صعود الخطيب.
والآخر: قبل الزوال عند صعود الخطيب أيضًا، وهذا مذهب أحمد بن حنبل -رحمه الله- وغيره.
أما الأوّل فدليله حديث السائب بن يزيد: «أنّ الأذان كان أوله حين يجلس على المنبر» (١). فهذا صريح في أنّ الأذان كان حين قيام سبب الصلاة، وهو زوال الشمس عن وسط السماء، مع جلوس الإِمام على المنبر في ذلك الوقت، ويشهد لهذا [ما ثبت] عن سعد القَرَظ مؤذّن النّبيّ - ﷺ - «أنَّه كان يؤذّن يوم الجمعة على عهد رسول الله - ﷺ -؛ إِذا كان الفيء مثل الشراك (٢)» (٣). أخرجه ابن ماجه (١/ ٣٤٢)، والحاكم: (٣/ ٦٠٧).

------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٩١٢، وخرّجه شيخنا وجمع ألفاظه وطرقه وزياداته في «الكتاب المشار إِليه» (ص ٨).
(٢) الشراك: أحد سُيور النعل التي تكون على وجهها، وقدْره ها هنا ليس على معنى التحديد، ولكن زوال الشمس لا يبين إلاَّ بأقلّ ما يُرى من الظلّ ... والظلّ يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. «النهاية».
(٣) وذلك يكون أول ما يظهر زوال الشمس وهو المراد. قاله أبو الحسن السندي على ابن ماجه.



وقال الحافظ ابن حجر: في النسائي: أن خروج الإِمام بعد الساعة السادسة وهو أول الزوال (١).

الأحاديث في الوقت الآخر (قبل الزوال):
وأمّا الوقت الآخر ففيه أحاديث:
١ - عن سلمة بن الأكوع قال: «كنّا نُجمِّع (٢) مع رسول الله - ﷺ - إِذا زالت الشمس، ثمَّ نرجع نتتبع الفيء» (٣).
٢ - عن أنس «أن رسول الله - ﷺ - كان يصلّي الجمعة حين تميل الشمس» (٤).

-----------------------
(١) قال شيخنا في التعليق: في «تلخيص الحبير» (٤/ ٥٨٠) وهو يشير بذلك إِلى حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرّب بدنة ...» الحديث، وفيه: «ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإِذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر»، وهو في «الصحيحين» أيضًا .... وقد ناقش السندي ما ذكره الحافظ أن خروج الإِمام بعد الساعة السادسة فقال: «ولا يخفى أن زوال الشمس في آخر الساعة السادسة وأول الساعة السابعة، ومقتضى الحديث أن الإِمام يخرج عند أول الساعة السادسة، ويلزم منه أن يكون خروج الإِمام قبل الزوال فليتأمل»، وقد أجاب عن هذا الحافظ بما تراه مشروحًا في كتابه «فتح الباري» (٢/ ٢٩٤) فليراجعه من يشاء ..
(٢) أي: نصلّي الجمعة.
(٣) أخرجه البخاري: ٤١٦٨، ومسلم: ٨٦٠
(٤) أخرجه البخاري: ٩٠٤. جاء في «عون المعبود» (٣/ ٣٠٠) -بحذف يسير-: إِذا مالت الشمس أي: زالت الشمس، قال الطيبي: أي يزيد على الزوال مزيدًا يُحسّ ميلانها. وفي «المرقاة»: أي: مالت إِلى الغروب وتزول عن استوائها بعد تحقق الزوال.



٣ - عن جابر -رضي الله عنه-: «كان رسول الله - ﷺ - إِذ زالت الشمس صلّى الجمعة» (١).
وهذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على ما ذكَرنا، وذلك أنّه من المعلوم أنّه - ﷺ - كان يخطب قبل الصلاة خطبتين؛ يقرأ فيهما القرآن ويذكّر الناس؛ حتى كان أحيانًا يقرأ فيها ﴿ق والقرآن المجيد﴾.
ففي «صحيح مسلم» (٣/ ١٣) عن أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: «ما أخذْتُ ﴿ق والقران المجيد﴾ إلاَّ عن لسان رسول الله - ﷺ - يقرأها كلّ يوم جمعة على المنبر إِذا خطب الناس» [وتقدّم]. وصحّ عنه أنَّه قرأ فيها سورة براءة. رواه ابن خزيمة في «صحيحه» والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وغيره.
فإِذا تذكَّرنا هذا علِمْنا أنّ الأذان كان قبل الزوال حتمًا، وكذا الخطبة طالما أن الصلاة كانت حين الزوال، وهذا بيِّنٌ لا يخفى والحمد لله.
وأصرح من هذه الأحاديث في الدلالة على المطلوب حديث جابر الآخر وهو:
٤ - وعنه قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي الجمعة ثمَّ نذهب إِلى جِمالنا فنريحها حين تزول الشمس، يعني: النواضح» (٢).
فهذا صريح في أنَّ الصلاة كانت قبل الزوال، فكيف بالخطبة والأذان؟

-------------------------
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.
(٢) أخرجه مسلم: ٨٥٨، وغيره. والنواضح: الإبل التي يُستقى عليها، واحدها ناضِح. «النهاية».



الآثار في الوقت الآخر (قبل الزوال):
ويشهد لذلك آثار من عمل الصحابة نذكر بعضها للاستشهاد بها.
١ - عن عبد الله بن سيدان السلمي قال: «شهدتُ الجمعة مع أبي بكر الصديق، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثمَّ شهِدنا مع عمر فكانت خطبته وصلاته إِلى أن أقول: انتصف النهار، ثمَّ شهدنا مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إِلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكَره» (١).
٢ - وعن عبد الله بن سلمة قال: «صلّى بنا عبد الله الجمعة ضحى، وقال: خشيت عليكم الحرّ» (٢).
٣ - وعن سعيد بن سويد قال: «صلّى بنا معاوية الجمعة ضحى» (٣).
٤ - وعن بلال العبسي: «أن عمّارًا صلّى بالناس الجمعة، والناس فريقان: بعضهم يقول: زالت الشمس، وبعضهم يقول: لم تزُل» (٤).

---------------------
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٠٦/‏٢)، والدارقطني (١٦٩)، قال شيخنا -حفظه الله-: وإسناده محتمل للتحسين، بل هو حسن على طريقة بعض العلماء كابن رجب وغيره.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة، ورجاله ثقات غير عبد الله بن سلمة، ورجّح شيخنا حِفْظه لِما شاهد وقال: فالأرجح أن هذا الأثر صحيح، ولعله من أجل ما ذكَرنا احتجّ به الإمام أحمد ...
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة عن عمرو بن مرة عنه، قال شيخنا -حفظه الله -: وسعيد هذا لم يذكروا له راويًا غير عمرو هذا، ومع ذلك ذكره ابن حبان في «الثقات» (١/ ٦٢).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح.



٥ - وعن أبي رزين قال: «كنا نصلّي مع عليّ الجمعة، فأحيانا نجد فيئًا، وأحيانًا لا نجده» (١).

العدد الذي تنعقد به الجمعة:
قال الإِمام الشوكاني (٢) -رحمه الله- في الرد على من يقول في عددها «وثلاثة مع مقيمها»: هذا الاشتراط لهذا العدد لا دليل عليه قط، وهكذا اشتراط ما فوقه من الأعداد. وأمّا الاستدلال بأنّ الجمعة أقيمت في وقت كذا وعدد من حضَرها كذا؛ فهذا استدلال باطل لا يتمسّك به من يعرف كيفية الاستدلال، ولو كان هذا صحيحا لكان اجتماع المسلمين معه صلى الله عليه وآله وسلم في سائر الصلوات دليلا على اشتراط العدد.
والحاصل أنّ صلاة الجماعة قد صحّت بواحد مع الإِمام، وصلاة الجمعة هي صلاة من الصلوات، فمن اشترط فيها زيادة على ما تنعقد به الجماعة فعليه الدليل، ولا دليل ...
[و] الشروط إِنّما تثبت بأدلّة خاصّة، تدلّ على انعدام المشروط عند انعدام شرطه، فإِثبات مِثل هذه الشروط بما ليس بدليل أصلًا؛ فضلا عن أن يكون دليلًا على الشرطية؛ مجازفةٌ بالغة وجرأة على التّقوّل على الله وعلى رسوله - ﷺ - وعلى شريعته.
والعجب من كثرة الأقوال في تقدير العدد، حتى بلغت إِلى خمسة عشر

-----------------------
(١) أخرجه ابن أبي شيبة وإسناده صحيح على شرط مسلم، قال شيخنا: وهذا يدل لمشروعية الأمرين، الصلاة قبل الزوال، والصلاة بعده، كما هو ظاهر. ولهذه الأحاديث والآثار كان الإِمام أحمد -رحمه الله- يذهب إِلى جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، وهو الحقّ كما قال الشوكاني وغيره.
(٢) «السيل الجرار» (١/ ٢٩٧).



قولا، وليس على شيء منها دليل يستدل به قطّ؛ إلاَّ قول من قال: إِنّها تنعقد جماعة الجمعة بما تنعقد به سائر الجماعات.
قال شيخنا -شفاه الله-: وهذا هو الصواب إِن شاء الله تعالى وانظر التعليق على الحديث (١٢٠٤) من «الضعيفة».

مكان الجمعة:
يصحّ أداء الجمعة حيثما كان المرء سواءٌ أكان من أهل المدُن أو القرى أو المياه.
فعن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: «أوّل جمعة جمّعت بعد جمعةٍ جمّعت في مسجد رسول الله - ﷺ - مسجد عبد القيس؛ بجُواثى يعني من البحرين» (١).
وروى ابن أبي شيبة في «باب من كان يرى الجمعة في القرى وغيرها» من طريق أبي رافع؛ عن أبي هريرة أنهم كتبوا إِلى عمر يسألونه عن الجمعة فكتب: «جمّعوا حيثما كنتم» (٢).
وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن مالك قال: «كان أصحاب محمد - ﷺ - في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمّعون» (٣).
قال شيخنا في «السلسلة الضعيفة» تحت الحديث (٩١٧): وترجم له

---------------------


(١) أخرجه البخاري: ٤٣٧١
(٢) قال شيخنا -حفظه الله- في «الضعيفة» تحت الحديث (٩١٧)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٣) انظر «الضعيفة» تحت الحديث (٩١٧) و«تمام المنّة» (ص ٣٣٢).



البخاري (أي: لحديث ابن عباس أول جمعة جمّعت ...» وأبو داود بـ «باب الجمعة في القرى».
قال الحافظ: «ووجه الدلالة منه أنّ الظاهر أن عبد القيس لم يجمّعوا إلاَّ بأمر النّبيّ - ﷺ -، لِما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول الوحي، ولأنّه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدلّ جابر وأبو سعيد على جواز العزل بأنّهم فعلوه والقرآن ينزل، فلم يُنهَوا عنه».
قلت [أي: شيخنا]-حفظه الله-: وفي هذه الآثار السلفية عن عمر ومالك وأحمد من الاهتمام العظيم اللائق بهذه الشعيرة الإِسلامية الخالدة: صلاة الجمعة، حيث أُمِروا بأدائها والمحافظة عليها حتى في القرى وما دونها من أماكن التجمع، وهذا ....... هو الذي يتفق مع عمومات النصوص الشرعية وإطلاقاتها، وبالغ التحذير من تركها -وهي معروفة- وحسبي الآن أن أذكِّر بآية من القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نودي للصلاة من يوم الجمُعة فاسعَوا إِلى ذِكر الله وذروا البيع﴾، وصلاة الظهر بعدها ينافي تمامها: ﴿فإِذا قُضيت الصلاة فانتشِروا في الأرض وابتغوا من فضْل الله﴾.
وقال الشوكاني -رحمه الله- في «السيل الجرار» (١/ ٢٩٨) -ردًّا على من يقول مشترطًا «ومسجد في مستوطن»-: "وهذا الشرط ... لم يدل عليه دليل يصلح للتمسك به لمجرد الاستحباب فضلًا عن الشرطية، ولقد كثر التلاعب بهذه العبادة وبلغ إِلى حد تَقْضِى منه العجب.
والحق أنَّ هذه الجمعة فريضة من فرائض الله سبحانه وشعار من شعارات



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #55  
قديم 12-01-2026, 05:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,455
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 376الى صــ 390
الحلقة (55)



الإِسلام وصلاة من الصلوات فمن زعم أنّه يعتبر فيها ما لا يعتبر في غيرها من الصلوات لم يسمع منه ذلك إلاَّ بدليل وقد تخصصت بالخطبة وليست الخطبة إلاَّ مجرد موعظة يتواعظ بها عباد الله فإِذا لم يكن في المكان إلاَّ رجلان قام أحدهما يخطب واستمع له الآخر ثمَّ قاما فصليا صلاة الجمعة».

الجمعة لا تخالف الصلوات إِلاَّ في مشروعيّة الخطبة قبلها (١):
وهي كسائر الصلوات لا تُخالفُها؛ لكونه لم يأت ما يدلّ على أنها تخالفها في غير ذلك، وفي هذا الكلام إِشارة إِلى ردّ ما قيل: إِنّه يُشترط في وجوبها الإِمام الأعظم، والمصر الجامع، والعدد المخصوص، فإِنّ هذه الشروط لم يدلّ عليها دليل يفيد استحبابها؛ فضلًا عن وجوبها، فضلًا عن كونها شروطًا، بل إِذا صلّى رجلان الجمعة في مكان لم يكن فيه غيرهما جماعةً، فقد فعلا ما يجب عليهما، ولولا حديث طارق بن شهاب المذكور (٢) من تقييد الوجوب على كلّ مسلم بكونه في جماعة، ومن عدم إِقامتها - ﷺ - في زمنه في غير جماعة، لكان فعْلها فرادى مجزئًا كغيرها من الصلوات.
ومن تأمَّل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة التي افترضها الله تعالى عليهم في الأسبوع، وجعَلها شعارًا من شعائر الإِسلام، وهي صلاة الجمعة من الأقوال الساقطة والمذاهب الزائغة والاجتهادات الداحضة، قضى من ذلك العجب، فقائل يقول: الخطبة كركعتين وإِنّ من فاتته لم تصحّ جمعته، وكأنّه لم يبلغه ما ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من طرق متعددة يقوّي

-------------------------
(١) هذا العنوان وما يتضمنه من «الروضة الندية» (١/ ٣٤٢ - ٣٤٥) بحذف.
(٢) وتقدّم.


بعضها بعضًا، ويشدّ بعضها من عضد بعض أنّ: «من فاتته ركعة من ركعتي الجمعة فليضف إِليها أخرى وقد تمّت صلاته» (١). ولا بلَغه غير هذا الحديث من الأدلّة، وقائل يقول: لا تنعقد الجمعة إلاَّ بثلاثة مع الإِمام. وقائل يقول: بأربعة. وقائل يقول: بسبعة. وقائل يقول: بتسعة. وقائل يقول: باثني عشر. وقائل يقول: بعشرين. وقائل يقول: بثلاثين، وقائل يقول: لا تنعقد إلاَّ بأربعين. وقائل يقول: بخمسين. وقائل يقول: لا تنعقد إلاَّ بسبعين. وقائل يقول: فيما بين ذلك. وقائل يقول: بجمع كثيرٍ من غير تقييد. وقائل يقول: إِن الجمعة لا تصح إلاَّ في مصر جامع، وحده بعضهم بأن يكون الساكنون فيه كذا وكذا من آلاف، وآخر قال أن يكون فيه جامع وحمّام. وآخر قال: أنْ يكون فيه كذا وكذا، وآخر قال: إِنّها لا تجب إِلا مع الإِمام الأعظم. فإِنْ لم يوجد أو كان مختلّ العدالة بوجه من الوجوه لم تجب الجمعة ولم تشرع.
ونحو هذه الأقوال التي ليس عليها أثارة من عِلم، ولا يوجد في كتاب الله تعالى ولا في سُنّة رسول الله - ﷺ - حرف واحد يدلّ على ما ادّعوه، من كون هذه الأمور المذكورة شروطًا لصحة الجمعة، أو فرضًا من فرائضها، أو ركنًا من أركانها؛ فيالله العجب، ما يفعل الرأي بأهله، ومن يخرج من رؤوسهم من الخزعبلات الشبيهة بما يتحدّث الناس به في مجامعهم، وما يُخبرونه في أسمارهم من القصص والأحاديث الملفقة، وهي عن الشريعة المطهّرة بمعزل، والحكم بين العباد هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- كما قال سبحانه: ﴿فإن تنازعتم في شيءٍ فردُّوه إلى الله

------------------------
(١) تقدّم، وانظر «صحيح سنن النسائي» (٥٤٣).


والرسول﴾ (١) [فالمرجع] مع الاختلاف إِلى حُكم الله ورسوله، وحُكم الله هو كتابه، وحُكم رسوله، بعد أن قبضه الله تعالى هو سنّته ليس غير ذلك، ولم يجعل الله تعالى لأحد من العباد، وإنْ بلغ في العِلم أعلى مبلغ، وجمع منه ما لا يجمع غيره، أن يقول في هذه الشريعة بشيء لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة، والمجتهد وإنْ جاءت الرخصة له بالعمل برأيه عند عدم الدليل، فلا رخصة لغيره أن يأخذ بذلك الرأي كائنا من كان، وإني -كما علم الله- لا أزال أُكثِر التعجب من وقوع مِثل هذا للمصنّفين، وتصديره في كتب الهداية، وأمر العوامّ والمقصّرين باعتقاده والعمل به، وهو على شفا جرفٍ هار، ولم يختصّ هذا بمذهب من المذاهب ولا بقطر من الأقطار، ولا بعصر من العصور، بل تبع فيه الآخر الأول؛ كأنّه أخَذه من أمّ الكتاب، وهو حديث خرافة، وقد كثرت التعيينات في هذه العبادة كما سبقت الإِشارة إِليها بلا برهان ولا قرآن ولا شرع ولا عقل، والبحث في هذا يطول جدًّا».

الخطبة
تجب خطبة الجمعة لمواظبة النّبيّ - ﷺ - عليها وعدم ترْكه لها أبدًا.
قال محمّد صديق البخاري في كتابه «الموعظة الحسنة» (٢):
قد ثبت ثبوتًا يفيد القطع أن النّبيّ - ﷺ - ما ترك الخطبة في صلاة الجمعة التي شرعها الله سبحانه وتعالى. وقد أمَر الله سبحانه في كتابه العزيز بالسعي إِلى ذِكر الله عز وجل؛ والخُطبة من ذِكر الله.

---------------------
(١) النساء: ٥٩
(٢) انظر «الأجوبة النافعة» (ص٥٢).



قال شيخنا -حفظه الله- في «الأجوبة النافعة» (ص٥٣) وثبوت الأمر بالسعي إِليها؛ يتضمّن الأمر بها من باب أولى، لأنّ السعي وسيلة إِليها؛ فإِذا وجبت الوسيلة، وجب المتوسَّل إِليه بالأحرى.
قال محمّد صدّيق البخاري في «الموعظة الحسنة»: وظاهر محافظته على ما ذكر في الخطبة وجوب ذلك، لأنَّ فعله بيان لما أجمل في آية الجمعة، وقد قال - ﷺ -: «صلّوا كما رأيتموني أصلي» (١). وقد ذهب إِلى هذا الشافعي. وقال بعضهم: مواظبته - ﷺ - دليل الوجوب. قال في «البدر التمام»: «وهو الأظهر».
والقول بالوجوب هو الذي ذهب إِليه جمهور أهل العلم مستدلّين بما تقدّم، والله تعالى أعلم.

تسليم الإِمام إِذا رقى المنبر:
عن جابر -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - إِذا صعَد المنبر سلَّم» (٢).
قال شيخنا -حفظه الله- في «الصحيحة» تحت الحديث (٢٠٧٦): وممّا يشهد للحديث ويقوّيه أيضًا؛ جريان عمل الخلفاء عليه، فأخرج ابن أبي شيبة عن أبي نضرة قال: «كان عثمان قد كبر، فإِذا صعَد المنبر سلّم، فأطال قدْر ما يقرأ إِنسان أمّ الكتاب». وإسناده صحيح.
ثمَّ روى عن عمرو بن مهاجر: «أنَّ عمر بن عبد العزيز كان إِذا استوى على

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٦٣١، وتقدّم.
(٢) أخرجه ابن ماجه»صحيح ابن ماجه«(٩١٠) وغيره، وانظر»الصحيحة" (٢٠٧٦).



المنبر سلّم على الناس وردّوا عليه». وسنده صحيح أيضًا.

استقبال المأمومين للخطيب:
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الصحيحة»: استقبال الخطيب من السنن المتروكة وذكَر تحته حديث رقم (٢٠٨٠): «كان إذا صعد المنبر؛ أَقْبَلْنا بوجوهنا إِليه». ثمَّ ذكر بعض الآثار في ذلك منها:
أثر نافع من حديث ابن المبارك: «أنَّ ابن عمر كان يفرغ من سبحته يوم الجمعة قبل خروج الإِمام، فإِذا خرَج لم يقعد الإِمام حتى يستقبله»، وقال شيخنا: وهذا إِسناد جيد ...
وقال شيخنا كذلك -بحذف-: وهناك آثار أخرى كثيرة، أخرجها ابن أبي شيبة في «المصنف»، وكذا عبد الرزاق في «مصنفه» (٣/ ٢١٧ - ٢١٨) من ذلك عند ابن أبي شيبة عن المستمر بن الريان قال: رأيت أنسًا عند الباب الأول يوم الجمعة قد استقبل المنبر، قلت [أي: شيخنا]: وإِسناده صحيح على شرط مسلم.
وإنّ ممّا لا شك فيه أنّ جريان العمل بهذا الحديث من الصحابة ومن بعدهم؛ لَدليل قويّ على أنّ له أصلًا أصيلًا عن النّبيّ - ﷺ -، ولا سيما أنَّه يشهد له قول أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «جلس رسول الله - ﷺ - على المنبر وجلسنا حوله ...». أخرجه البخاري: (٩٢١ و١٤٦٥ و٢٨٤٢ و٦٤٢٧) ومسلم: (٣/ ١٠١ - ١٠٢) [وغيرهما]«.
هذا وقد أورد البخاري الحديث في»باب يستقبل الإِمام القوم، واستقبال الناس الإِمام إِذا خطب، واستقبل ابن عمر وأنس -رضي الله عنهم- الإِمام".


ثمَّ أسند تحته حديث أبي سعيد.
قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٠٢): «وقد استنبط المصنف من الحديث مقصود الترجمة، ووجه الدلالة منه أن جلوسهم حوله لسماع كلامه يقتضي نظرهم إِليه غالبًا».
قال: «من حكمة استقبالهم للإِمام التهيّؤ لسماع كلامه، وسلوك الأدب معه في استماع كلامه، فإِذا استقبله بوجهه وأقبل عليه بجسده وبقلبه وحضور ذهنه؛ كان أدعى لتفهُّم موعظته، وموافقته فيما شُرع له القيام لأجله».

التأذين إِذا جلس الخطيب على المنبر والمؤذّن الواحد يوم الجمعة.
عن السائب بن يزيد قال: «كان النداء يوم الجمعة أوّله إِذا جلس الإِمام على المنبر؛ على عهد النّبيّ - ﷺ - وأبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- فلمّا كان عثمان -رضي الله عنه- وكثُر الناس، زاد النداءَ الثالثَ على الزوراء (١)» (٢).
وعنه قال: «كان بلال يؤذّن إِذا جلس رسول الله - ﷺ - على المنبر يوم الجمعة، فإِذا نزَل أقام» (٣).
وعنه أيضًا: «أنَّ الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- حين كثر أهل المدينة -ولم يكن للنّبيّ - ﷺ - مؤذِّن غير

----------------------
(١) الزوراء: موضع بالسوق بالمدينة.
(٢) أخرجه البخاري: ٩١٢
(٣) أخرجه أحمد والنسائي»صحيح سنن النسائي" (١٣٢١).



واحدٍ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإِمام على المنبر» (١)

خطبة الحاجة:
من السنّة أن يستفتح الخطيب يوم الجمعة خطبته بخطبة الحاجة، وهذا نصّها: إِنَّ الحمْدَ لله، نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أَنْفسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ له، وأَشهَدُ أنْ لا إِله إلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدهُ ورَسولهُ.
﴿يا أيّهَا الَذينَ آمَنُواْ اتَّقُوا الله حقَّ تُقَاته ولاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِموُن﴾ (٢).
﴿يا أَيّهَا النَّاسُ اتَّقُوَا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِنْ نَّفْسٍ وَاحدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبثَّ مِنهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونساءً واتَّقُوا الله الَذِي تساءَلُونَ به والأَرْحَام إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُم رَقِيبًا﴾ (٣).
﴿يا أيّهَا الَذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلحْ لَكُم أَعْمَالكُمْ ويَغْفِرْ لَكُم ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِع الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤).
أمَّا بعد:

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٩١٣
(٢) آل عمران: ١٠٢
(٣) النساء: ١
(٤) الأحزاب: ٧٠، ٧١



فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدْي هدْي محمّد - ﷺ -، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار» (١).
قال شيخنا في «تمام المنّة» (ص ٣٣٥): «وكان أحيانًا لا يذكر هذه الآيات الثلاث».

صفة الخطبة وما يُعلّم فيها (٢):
اعلم أنَّ الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده - ﷺ - من ترغيب الناس وترهيبهم، فهذا في الحقيقة هو روح الخطبة الذي لأجله شُرِعت.
وأما اشتراط الحمد لله، أو الصلاة على رسول الله - ﷺ -، أو قراءة شيء من القرآن فجميعه خارج عن معظم المقصود، من شرعية الخطبة، واتفاق مِثل ذلك في خُطبه - ﷺ -، لا يدلّ على أنّه مقصود متحتم، وشرط لازم، ولا يشكّ منصف أنّ معظم المقصود هو الوعظ دون ما يقع قبله من الحمد والصلاة

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ٨٦٧، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٣٣١)، وانظر «تمام المنّة» (ص ٣٣٥)، و«خطبة الحاجة» لشيخنا (ص ١٠)، وقال شيخنا تعليقًا عليها في «الصحيحة» في مقدّمته النافعة: وهذه الخطبة تُسمّى عند العلماء بخطبة الحاجة، وهي تشرع بين يدي كل خطبة، سواء كانت خطبة جمعة أو عيد أو نكاح أو درس أو محاضرة، ولي رسالة خاصة جمعتُ فيها الأحاديث الواردة فيها وطرقها«.
(٢) هذا الموضوع وما يتضمّنه من كتاب»الموعظة الحسنة«. ذكَره شيخنا -حفظه الله- مع تعليقاته الطيبة في كتاب»الأجوبة النافعة" (ص ٥٣) وما بعدها -بتصرف يسير-.



عليه - ﷺ -. وقد كان عرف العرب المستمر أنّ أحدهم إِذا أراد أن يقوم مقامًا ويقول مقالًا، شرع بالثناء على الله والصلاة على رسوله، وما أحسن هذا وأولاه! ولكن ليس هو المقصود، بل المقصود ما بعده.
والوعظ في خطبة الجمعة هو الذي إِليه يُساق الحديث، فإِذا فَعَله الخطيب فقد فَعل الفِعل المشروع، إِلا أنّه إِذا قدّم الثناء على الله، [والصلاة] على رسوله، أو استطرد في وعظه القوارع القرآنية كان أتمّ وأحسن، وأمّا قصر الوجوب بل الشرطية على الحمد والصلاة، وجعْل الوعظ من الأمور المندوبة فقط، فمِن قلْب الكلام، وإِخراجِه عن الأسلوب الذي تقبّله الأعلام.
والحاصل: أن روح الخطبة هو الموعظة الحسنة، من قرآن أو غيره، وكان رسول الله - ﷺ - يأتي في خطبته بالحمد لله تعالى (١)، وبالشهادتين، وبسورة كاملة، فعن أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: «ما أخذْتُ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ إلاَّ عن لسان رسول الله - ﷺ -؛ يقرؤها كلّ يوم جمعة على المنبر إِذا خطب الناس» (٢). والمقصود الموعظة بالقرآن، وإيراد ما يمكن من زواجره؛ وذلك لا يختصّ بسورةٍ كاملة.
فعن يعلى بن أميّة -رضي الله عنه- قال: «سمعت النّبيّ - ﷺ - يقرأ على

---------------------
(١) قال شيخنا -حفظه الله- في التعليق:»المعروف أن النّبيّ - ﷺ - كان يذكر اسمه الشريف في الشهادة في الخطبة، وأما أنَه كان يأتي بالصلاة عليه - ﷺ - فمما لا أعرفه في حديث".
(٢) أخرجه مسلم: ٨٧٢، ٨٧٣. وتقدّم.



المنبر ﴿ونادوا يا مالك﴾» (١).
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنّه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: أمّا بعد، فإِنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي (٢) هدي محمّد - ﷺ -، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة» (٣). وفي رواية له: «كانت خطبة النّبيّ - ﷺ - يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه، ثمَّ يقول على إِثر ذلك وقد علا صوته».
وفيه دليل على أنّه يستحب للخطيب أن يرفع بالخطبة صوته، ويجزل كلامه، ويأتي بجوامع الكلم من الترغيب والترهيب. ويأتي بقول: (أمّا بعد).
وظاهره أنَّه كان - ﷺ - يلازمها في جميع خُطَبه. وذلك بعد الحمد والثناء والتشهد ...«.
وثبت أنّه - ﷺ - قال:»كل خطبة ليس فيها تشهُّد (٤) فهي كاليد

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٢٣٠، ومسلم: ٨٧١
(٢) بضمّ الهاء وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء وإسكان الدال أيضًا ... قاله النووي (٦/ ١٥٤).
(٣) أخرجه مسلم: ٨٦٧
(٤) هي خطبة الحاجة، انظر للمزيد من الفائدة تفصيل شيخنا -عافاه الله وشفاه- في «الصحيحة» (١٦٩).



الجذماء (١)» (٢). وكان - ﷺ - يعلّم أصحابه في خطبته قواعد الإِسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إِذا عرض أمر أو نهي، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلّي ركعتين؛ ويذكر معالم الشرائع في الخطبة؛ والجنّة والنار والمعاد، فيأمر بتقوى الله، ويحذّر من غضبه، ويرغّب في موجبات رضاه، وقد ورد قراءة آية، ففي حديث مسلم (٨٦٢): «كان لرسول الله - ﷺ - خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن، ويذكّر الناس».

للجمعة خطبتان:
عن نافع عن عبد الله قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يخطب خطبتين يقعد بينهما» (٣).
وعن جابر بن سمرة قال: كانت للنّبيّ - ﷺ - خطبتان؛ يجلس بينهما، يقرأ

--------------------------
(١) أي: كاليد المقطوعة، من الجَذْم: القطع. «النهاية». يعني: أنّ كلّ خطبة لم يُؤتَ فيها بالحمد والثناء على الله؛ فهي كاليد المقطوعة التي لا فائدة بها. قاله المناوي.
قال شيخنا في «الصحيحة» (١/ ٣٢٧): «ولعل هذا هو السبب أو على الأقلّ من أسباب عدم حصول الفائدة من كثير من الدروس والمحاضرات التي تُلقى على الطلاب؛ أنها لا تفتتح بالتشهد المذكور، مع حرص النّبيّ - ﷺ - البالغ على تعليمه أصحابه إياه ... فلعلَّ هذا الحديث يذكِّر الخطباء بتدارك ما فاتهم من إِهمالهم لهذه السنّة، التي طالما نبَّهنا عليها في مقدمة هذه السلسلة وغيرها».
(٢) أخرجه أحمد والبخاري في «التاريخ» وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٠٥٢) وابن حبان وغيرهم، وانظر «الصحيحة» (١٦٩).
(٣) أخرجه البخاري: ٩٢٨



القرآن ويذكّر الناس» (١).

قراءة القرآن في خطبته - ﷺ - وتذكير الناس:
للحديث السابق.

قيام الخطيب وعدم قعوده:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يخطب يوم الجمعة قائمًا ثمَّ يجلس» (٢).
وعن سماك قال: أنبأني جابر بن سمرة؛ «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يخطب قائمًا، ثمَّ يجلس، ثمَّ يقوم فيخطب قائمًا، فمن نبّأك أنَّه كان يخطب جالسًا فقد كذب، فقد والله! صلّيت معه أكثر من ألفي صلاة» (٣).
عن كعب بن عُجْرَة قال: «دخل المسجد وعبد الرحمن بن أمّ الحكم يخطب قاعدًا. فقال: انظروا إِلى هذا الخبيث يخطب قاعدًا. وقال الله تعالى: ﴿وإِذا رأوا تِجَارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوك قَائمًا﴾» (٤).

رفع الصوت بالخطبة واشتداد غضب الخطيب:
عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله - ﷺ - إِذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه حتى كأنّه منذر جيش، يقول: صبّحكم

------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٨٦٢، وتقدّم.
(٢) أخرجه البخاري: ٩٢٠، ومسلم: ٨٦١
(٣) أخرجه مسلم: ٨٦٢
(٤) أخرجه مسلم: ٨٦٤



ومسّاكم (١)، .. ويقول: بُعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أمّا بعد: فإِنَّ خْير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمّد وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ بدعة ضلالة، ثمَّ يقول: أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله ومن ترك دينًا أو ضَياعًا فإِليّ وعليّ» (٢).

قطع الإِمام الخطبة للأمر الطارئ يحدث:
عن بريدة -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يخطب فجاء الحسن والحسين -رضي الله عنهما- وعليهما قميصان أحمران يعثُران فيهما، فنزل النّبيّ - ﷺ - فقطع كلامه، فحملهما ثمَّ عاد إِلى المنبر ثمَّ قال: صدق الله ﴿إِنّما أموالُكم وأولادُكم فتنة﴾ (٣) رأيت هذين يعثُران في قميصيهما، فلم أصبر حتى قطعْتُ كلامي فحملْتُهما» (٤).
وعن أبي رفِاعة قال: «انتهيت إِلى النّبيّ - ﷺ - وهو يخطب قال: فقلت يا رسول الله رجل غريب؛ جاء يسأل عن دينه لا يدرى ما دينه، قال: فأقبَل عليّ رسول الله - ﷺ -، وترك خطبته حتى انتهى إِليّ، فأُتي بكرسي حَسِبتُ قوائمه حديدًا قال: فقعد عليه رسول الله - ﷺ - وجعل يعلّمني ممّا علّمه الله، ثمَّ أتى

---------------------
(١) بعض حديث رواه مسلم (٨٦٧)، وتقدّم.
(٢) أخرجه مسلم: ٨٦٧
(٣) التغابن: ١٥
(٤) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٨١)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٣٤٠)، وانظر»تمام المنّة" (٣٣٦).



خطبته فأتمّ آخرها» (١).

حُرمة الكلام أثناء الخطبة:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصِت والإِمام يخطب فقد لغوت» (٢).
عن عبد الله بن عمرو عن النّبيّ - ﷺ - قال: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضَرها يلغو وهو حظّه منها، ورجل حضَرها يدعو فهو رجل دعا الله عز وجل، إِنْ شاء أعطاه وإِنْ شاء منَعه، ورجل حضَرها بإِنصات وسكوت، ولم يتخطّ رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفّارة إِلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأنّ الله عز وجل يقول: ﴿من جاء بالحسنة فله عشرُ أمثالها﴾ (٣)» (٤).
وعن أبي ذر أنه قال: «دخلتُ المسجد يوم الجمعة والنّبيّ - ﷺ - يخطب، فجلست قريبًا من أُبيِّ بن كعب، فقرأ النّبيّ - ﷺ - سورة (براءة)، فقلت لأُبيٍّ: متى نزلت هذه السورة؟ قال: فتجهّمني (٥)، ولم يكلّمني، ثمَّ مكثتُ ساعةً،

--------------
(١) أخرجه مسلم: ٨٧٦
(٢) أخرجه البخاري: ٩٣٤، ومسلم: ٨٥١
(٣) الأنعام: ١٦٠
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٨٤)، وابن خزيمة في»صحيحه«، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٧٢٢).
(٥) أي: قطب وجهه وعبس، ونظر إِليَّ نظر المغضب المنكر، قاله المنذري في»الترغيب والترهيب".



ثمَّ سألته؟ فتجهّمني، ولم يكلّمني. ثمَّ مكثتُ ساعة، ثمَّ سألته؟ فتجهّمني، ولم يكلّمني. فلمّا صلّى النّبيّ - ﷺ - قلت لأُبيّ: سألتك فتجهّمتني، ولم تكلّمني؟ قال أُبيّ: مالك من صلاتك إلاَّ ما لغوت! فذهبتُ إِلى النّبيّ - ﷺ - فقلت: يا نبيّ الله كنتُ بجنب أُبيّ وأنت تقرأ (براءة)، فسألته: متى نزلت هذه السورة؟ فتجهّمني، ولم يكلّمني، ثمَّ قال: مالك من صلاتك إلاَّ ما لغوت! قال النّبيّ - ﷺ -: صدق أُبيُّ» (١).
ورجّح النووي -رحمه الله- في «المجموع» (٤/ ٥٢٤) تحريم تشميت العاطس كردّ السلام والإِمام يخطب. قال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنّة» (ص ٣٣٩): «وهذا هو الأقرب لما ذكرْتُه في»الضعيفة«تحت الحديث (٥٦٦٥).
ثمَّ وجدت لابن المنذر في»الأوسط«(٤/ ٧٣) قولًا في ذلك:»ثبتَ أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا قلت لصاحبك: أنصت والإِمام يخطب فقد لغوت»، فالإِنصات يجب على ظاهر السنّة، وإباحة رد السلام وتشميت العاطس غير موجود بحجة، والذي أرى أن يرد السلام إِشارة، ويشمت العاطس إِذا فرغ الإِمام من خطبته«.

جواز كلام المصلّين إِذا لم يخطب الإِمام وإِن جلسَ على المنبر:
عن ثعلبة بن أبي مالك:»إِنّهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على المنبر، حتى يسكت المؤذن، فإِذا قام عمر

--------------------
(١) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٧١٧، ٧١٨).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #56  
قديم 12-01-2026, 04:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,455
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 391الى صــ 405
الحلقة (56)



على المنبر، لم يتكلم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما» (١).

الأمر بالتحية في خطبة الجمعة:
عن جابر بن عبد الله قال: «دخل سليك الغطفاني المسجد يوم الجمعة ورسول الله - ﷺ - يخطب الناس، فقال له رسول الله - ﷺ -: اركع ركعتين، ولا تعودنَّ لمثل هذا. يعني: الإِبطاء عن الخطبة، قاله لسليك الغطفاني» (٢).

عدم إِطالة الموعظة يوم الجمعة:
عن جابر بن سمرة السوائي قال: «كان رسول الله - ﷺ - لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إِنما هنّ كلمات يسيرات» (٣).
عن أبي وائل قال: «خطبنا عمّار فأوجز وأبلغ، فلمّا نزل قلنا يا أبا اليقظان! لقد أبلغتَ وأوجزتَ فلو كنت تنفّست (٤) فقال: إِنّي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إِنَّ طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مئنّة (٥) مِن فقهه، فأطيلوا الصلاة

--------------------
(١) قال شيخنا في»السلسلة الضعيفة«تحت الحديث (٨٧): أخرجه مالك في»موطئه«(١/ ١٢٦)، والطحاوي (١/ ٢١٧) والسياق له، وابن أبي حاتم في»العلل«(١/ ٢٠١)، وإسناد الأولين صحيح. فثبت بهذا أن كلام الإِمام هو الذي يقطع الكلام، لا مجرد صعوده على المنبر، وأنّ خروجه عليه لا يمنع من تحية المسجد».
(٢) أخرجه ابن حبان، والدارقطني، وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٤٦٦).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٧٩) وغيره.
(٤) أي: أَطَلْت. «النهاية».
(٥) أي: علامة يتحقّق فيها من فقهه.


واقصُروا الخطبة، وإنَّ من البيان سحرا«(١).
وعن جابر بن سمرة قال: كنت أصلّي مع رسول الله - ﷺ - فكانت صلاته قصدًا (٢) وخطبته قصدًا» (٣).
وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كان رسول الله - ﷺ - يُكثر الذكر ويُقلّ اللغو، ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشيَ مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة» (٤).

هل يصلّي الظهر إِذا لم يصلِّ الجمعة؟
إِذا كان المرء ممّن تجب عليهم صلاة الجمعة، ولم يصلِّها، وليس له عُذرٌ في ذلك، فلا يجوز له أن يصلّي الظهر بدلًا منها، وإنّما ذلك للمعذور.

ماذا إِذا فاتته ركعة من الجمعة؟
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «من أدرك من الجُمُعة ركعة؛ فليَصِلْ إِليها أُخرى» (٥).
وعنه -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «من أدرك ركعة من الصلاة

-------------------
(١) أخرجه مسلم: ٨٦٩
(٢) وهو الوسط بين الطرفين الذي لا يميل إِلى أحد طرفي الإفراط والتفريط.»النهاية«.
(٣) أخرجه مسلم: ٨٦٦
(٤) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٣٤١) والدارمي وغيرهما، وانظر»المشكاة«(٥٨٣٣).
(٥) أخرجه ابن ماجه»صحيح ابن ماجه«(٩٢٠) والنسائي وغيرهما، وانظر»الإرواء" (٦٢٢).



فقد أدرك الصلاة» (١).
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها فقد أدرك الصلاة» (٢).
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «من أدرك من الجمعة ركعة فليُضف إِليها أخرى، ومن فاتته الركعتان؛ فليُصلِّ أربعًا» (٣).
وقال ابن عمر: «إِذا أدركت من الجمعة ركعة، فأضِف إِليها أُخرى، وإِن أدركتهم جلوسًا فصلِّ أربعًا» (٤).

الصلاة في الزحام:
عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «... إِذا اشتدّ الزحام، فليسجد الرجل منكم عى ظهر أخيه» (٥).
قال ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ١٠٥): «وبقول عمر بن الخطاب نقول: لأنه سجود في حال ضرورة على قدْر طاقة الساجد، ولم يكلّف المصلّي إِلا قدر طاقته».

-----------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٨٠، ٥٧٩، ٥٥٦، ومسلم: ٦٠٧
(٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح ابن ماجه» (٩٢٢) وغيره، وانظر «الإِرواء» (٦٢٢).
(٣) أخرجه الطبراني في «الكبير» وغيره بسند صحيح، وانظر «تمام المنّة» (ص٣٤٠).
(٤) أخرجه البيهقي (٣/ ٢٠٤)، وقال شيخنا في «الإِرواء» (٣/ ٨٣) سنده صحيح على شرط الشيخين.
(٥) صحّحه شيخنا في «تمام المنّة» (ص٣٤١).



التطوع قبل الجمعة وبعدها:
عن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من اغتسل، ثمَّ أتى الجمعة، فصلّى ما قُدِّر له، ثمَّ أنصت حتى يفرغ من خطبته. ثمَّ يُصلّي معه، غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام» (١).
فقوله - ﷺ -: «فصلّى ما قُدِّر له» يُفهم جواز التنفّل من غير حصر، حتى يحضر الإِمام. أمّا ما يسمّى بسنّة الجمعة القبلية فلا أصل له ألبته.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: «أمّا النّبيّ - ﷺ - فإِنَّه لم يكن يصلّي قبل الجمعة بعد الأذان شيئًا، ولا نقَل هذا عنه أحد، فإِنّ النّبيّ - ﷺ - كان لا يُؤذَّن على عهده إلاَّ إِذا قعد على المنبر، ويؤذِّن بلال، ثمَّ يخطب النّبيّ - ﷺ - الخطبتين، ثمَّ يقيم بلال فيصلّي النّبيّ - ﷺ - بالناس، فما كان يمكن أن يصلّي بعد الأذان، لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلّون معه - ﷺ -، ولا نقَل عنه أحد أنَّه صلى في بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقَّتَ بقوله: صلاة مقدّرة قبل الجمعة، بل ألفاظه - ﷺ - فيها الترغيب في الصلاة إِذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة؛ من غير توقيت. كقوله:»من بكّر وابتكر ومشى ولم يركب، وصلّى ما كُتب له«(٢).
وهذا هو المأثور عن الصحابة، كانوا إِذا أتوا المسجد يوم الجمعة، يُصلّون من حين يدخلون ما تيسر، فمنهم من يصلّي عشر ركعات، ومنهم من يصلّي اثنتي عشر ركعة، ومنهم من يصلّي ثمان ركعات، ومنهم من يصلّي

-------------------
(١) أخرجه مسلم: ٨٥٧، وتقدّم.
(٢) انظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٦٨٧ و٦٨٥)، بلفظ:»فيركع ما بدا له".



أقل من ذلك. ولهذا كان جماهير الأئمة متّفقين على أنّه ليس قبل الجمعة سنّة مؤقتة بوقت، مقدرة بعدد، لأنَّ ذلك إِنّما يثبت بقول النّبيّ - ﷺ - أو فِعله. وهو لم يسنّ في ذلك شيئًا لا بقوله ولا فعله، وهذا مذهب مالك، ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وهو المشهور في مذهب أحمد.
وذهب طائفة من العلماء إِلى أنّ قبلها سنّة، فمنهم من جعلها ركعتين، كما قاله طائفة من أصحاب الشافعي، وأحمد ومنهم من جعلها أربعًا، كما نقل عن أصحاب أبي حنيفة، وطائفة من أصحاب أحمد وقد نُقِل عن الإمام أحمد ما استدلّ به على ذلك، وهؤلاء منهم من يحتجّ بحديث ضعيف ... ثمَّ أجاب على ذلك ...» (١).
وقال ابن القيّم في «زاد المعاد» (١/ ٤٣٢): «... فإِنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يخرج من بيته، فإِذا رَقِي المنبر، أخذ بلال في أذان الجمعة، فإِذا أكمله، أخذ النّبيّ - ﷺ - في الخطبة من غير فصل، وهذا كان رأي عين، فمتى كانوا يُصلّون السُّنّة؟! ومن ظن أنهم كانوا إِذا فرغ بلال -رضي الله عنه- من الأذان، قاموا كلُّهم، فركعوا ركعتين، فهو أجهلُ الناس بالسنّة».
وأمّا بعدها فله أن يصلّي أربعًا أو اثنتين؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كان منكم مصليًّا بعد الجمعة فليصلِّ

-------------------
(١)»الفتاوى«(٢٤/ ١٨٨) ونقلَه السيد سابق في»فقه السنّة" (١/ ٣١٥ - ٣١٦).


أربعًا» (١).
ولحديث ابن عمر أنَّه وصفَ تطوُّع صلاة رسول الله - ﷺ - قال: «فكان لا يصلّي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلّي ركعتين في بيته» (٢).
وعن ابن عمر قال: «كان إذا كان بمكة فصلّى الجمعة، تقدّم فصلّى ركعتين، ثمَّ تقدم فصلّى أربعًا، وإِذا كان بالمدينة صلّى الجمعة، ثمَّ رجع إلى بيته فصلى ركعتين، ولم يصلّ في المسجد، فقيل له فقال: كان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك» (٣).

اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد
عن إِياس بن أبي رملة الشامي قال: «شهدْتُ معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: أشهدتَ مع رسول الله - ﷺ - عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلّى العيد، ثمَّ رخّص في الجمعة فقال: من شاء أن يصليَ فليصلّ» (٤).
وعن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنِّه قال: «قد اجتمع في يومكم هذا

----------------------
(١) أخرجه مسلم: ٨٨١
(٢) أخرجه مسلم: ٨٨٢، وهو في البخاري: ٩٣٧، ١١٦٥، ١١٧٢، ١١٨٥ دون قوله: في بيته.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٠٠٠) والبيهقي، وانظر»تمام المنّة«(ص ٣٤٢).
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٤٥)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٠٨٢)، وانظر»تمام المنّة" (ص ٣٤٣ - ٣٤٤).



عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنّا مجمِّعون (١)» (٢).
وعن عطاء بن أبي رباح قال: «صلّى بنا ابن الزبير في يوم عيد، في يوم جمعة أوّل النهار، ثمَّ رُحْنا إِلى الجمعة، فلم يخرج إِلينا، فصلينا وُحْدَانًا. وكان ابن عباس بالطائف، فلمّا قدم ذكَرنا ذلك له، فقال: أصاب السنّة» (٣).
وعن عطاء أيضًا: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر، على عهد ابن الزبير فقال: «عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعًا، فصلاّهما ركعتين بُكْرة، لم يزد عليهما حتى صلّى العصر» (٤). وهذا يدل على أنَّه لم يُصلّ الظهر.

-------------------
(١) أي: مصلّو الجمعة.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٤٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٠٨٣) وغيرهما.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٤٦)، وانظر «الأجوبة النافعة» (ص ٥٠).
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٤٧).



صلاة العيدين
حكمها:
صلاة العيدين واجبةٌ لمواظبة النّبيّ - ﷺ - عليها وأمْره الرجال والنساء أن يخرجوا لها.
فعن أمّ عطيّة قالت: «أمَرنا رسول الله - ﷺ - أن نُخرجهنّ في الفطر والأضحى: العواتق (١) والحُيّض وذواتِ الخدور (٢) فأمّا الحُيَّض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت يا رسول الله: إِحدانا لا يكون لها جلباب، قال: لتُلبِسْها أختها من جلبابها» (٣).
وجاء في «الروضة الندية» (١/ ٣٥٧) -بحذف-: «قد اختلف أهل العلم هل صلاة العيد واجبة أم لا؟ والحقّ الوجوب، لأنَّه - ﷺ - مع ملازمته لها قد أمَرنا بالخروج إِليها كما في حديث أمرِه - ﷺ - للناس أن يغدوا إِلى مصلاهم، بعد أن أخبره الركب برؤية الهلال (٤) وثبت في الصحيحين من

--------------------
(١) العواتق: جمع عاتق أي: شابّة أول ما أدركت فخدرت في بيت أهلها ولم تفارق أهلها إلى زوج ... وفي»الموعب«قال أبو زيد: العاتق من النساء التي بين التي قد أدركت وبين التي عنست، والعاتق التي لم تتزوج ...»عمدة القارئ«(٤/ ٣٠٣).
(٢) وذوات الخدور: جمع خِدْر: وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه، وقال ابن سيرين: الخِدْر: ستر يُمدّ للجارية في ناحية البيت، ثمَّ صار كلّ ما واراك من بيت ونحوه خِدْرًا ...»عمدة".
(٣) أخرجه البخاري: ٣٢٤، ٣٥١، ٩٧١، ومسلم: ٨٩٠
(٤) يشير بذلك إِلى حديث أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قالوا: =



حديث أم عطية [المتقدّم] قالت: ... وذكره.
قال: فالأمر بالخروج يقتضي الأمر بالصلاة لمن لا عذر لها بفحوى الخطاب، والرجال أولى من النساء بذلك.
بل ثبت الأمر القرآني بصلاة العيد كما ذكره أئمّة التفسير في قوله تعالى: ﴿فَصَل لِرَبِّكَ وانْحر﴾ (١) فإِنّهم قالوا: المراد صلاة العيد.
ومن الأدلّة على وجوبها أنها مسقطة للجمعة إِذا اتفقتا في يوم واحد، وما ليس بواجب لا يُسقِط ما كان واجبًا».
وفيه (١/ ٣٥٨): «... وعند أبي حنيفة تجب صلاة العيد على كل من تجب عليه صلاة الجمعة ويشترط لِصلاة العيد ما يشترط للجمعة، كذا في»المسوى«(١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) وغيره». انتهى.
قال شيخنا (٢) -حفظه الله- في «الصحيحة»: (وجوب خروج النساء إِلى مصلّى العيد)، وذلك تحت حديث رقم (٢٤٠٨) عن أخت عبد الله بن رواحة الأنصاري عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: وجب الخروج على كل ذات

-----------------------
= «غمّ علينا هلال شوّال فأصبحنا صيامًا، فجاء ركْبٌ من آخر النهار، فشهدوا عند رسول الله - ﷺ - أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمَر النّاس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا لعيدهم من الغد». أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٥١)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٤٦٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣٤٠)، وأحمد، وغيرهم وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في «الإِرواء» (٦٣٤).
(١) الكوثر: ٢
(٢) وانظر ما قاله في «تمام المنّة» (ص ٣٤٤)، وفيه إشارة إِلى «السيل الجرار» (١/ ٣١٥).



نطاق. يعني في العيدين (١).

آداب يوم العيدين
لُبْس الثياب الجميلة:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يلبس يوم العيد بردة حمراء» (٢).

الأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى:
عن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله - ﷺ - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات [ويأكلهن وترا]» (٣).

--------------------
(١) قال شيخنا حفظه الله -بحذف-: «ورجاله ثقات، رجال الشيخين، غير المرأة القيسية، فلم أعرفها. لكن يشهد للحديث حديث أم عطية مرفوعًا:»لتخرج العواتق وذوات الخدور والحيض، فيشهدن الخير ودعوة المؤمنين، ويعتزلن الحيَّض المصلّى«. أخرجه البخاري، والبيهقي وروى ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٢) عن طلحة اليامي أيضًا قال: قال أبو بكر:»حقٌّ على كل ذات نطاق الخروج إِلى العيدين«. ورجاله ثقات رجال الشيخين».
(٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط» وقال شيخنا: «... وهذا إِسناد جيد»، وانظر «الصحيحة» (١٢٧٩).
(٣) أخرجه البخاري: ٩٥٣، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٤٤٧)، وابن ماجه «صحيح ابن ماجه» (١٤٢١)، والزيادة عند البخاري معلّقة وصَلها ابن خزيمة والإِسماعيلي وغيرهما، وانظر «الفتح» (٢/ ٤٤٧)، و«مختصر البخاري» (١/ ٢٣٣).



تأخير الأكل يوم الأضحى ليأكل من أضحيته:
عن بريدة قال: «كان رسول الله - ﷺ - لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل، وكان لا يأكل يوم النحر حتى يرجع» (١).

الخروج إلى المصلّى:
تُؤدَّى صلاة العيد في المصلّى لما تقدّم من الأحاديث.

خروج النساء والصبيان:
لحديث أم عطيّة المتقدّم: «أمَرنا رسول الله - ﷺ - أن نخرجهنّ في الفطر والأضحى: العواتق والحُيَّض وذوات الخدور ...».
وعن ابن عبّاس قال: «خرجتُ مع النّبيّ - ﷺ - يوم فِطرٍ أو أضحى، فصلّى ثمَّ خطب، ثمَّ أتى النساء فوعظهنّ وذكَرهنّ وأمرهنّ بالصدقة» (٢).

مخالفة الطريق:
يُستحَبّ مخالفة الطريق يوم العيد، فيذهب في طريق ويرجع في آخر.
فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا كان يوم عيد خالف الطريق» (٣).
وعن أبي هريرة قال: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا خرج إِلى العيدين رجع في غير

---------------------
(١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٤٢٢)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٤٤٧)، وانظر»المشكاة" (١٤٤٠).
(٢) أخرجه البخاري: ٩٧٥، ومسلم: ٨٨٤، ٨٨٦
(٣) أخرجه البخاري: ٩٨٦



الطريق الذي خرج فيه» (١)

وقت صلاة العيد:
يدخل وقت صلاة عيد الفطر عند ارتفاع الشمس (٢) ويكون ذلك حين تكون الشمس على قيد رمحين، والأضحى على قيد رُمح (٣).
عن عبد الله بن بسر؛ أنَّه خرج مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إِبطاء الإِمام (٤)، وقال: «إِنّا كنّا مع النّبيّ - ﷺ - قد فرغنا (٥) ساعتنا هذه (٦)، وذلك حين التسبيح (٧)» (٨).

---------------
(١) أخرجه أحمد، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣٠١)، والترمذي، وانظر «الإِرواء» (٣/ ١٠٤ - ١٠٥).
(٢) انظر «الإرواء» (٣/ ١٠٠).
(٣) وقد وَرَد في هذا حديث مرفوع، وقال الشوكاني: هذا الحديث أحسن ما ورَد في تعيين وقت صلاة العيد، قال شيخنا -حفظه الله-: «وأقول نعم لولا أنّه لا يصحّ». وانظر «تمام المنّة» (ص ٣٤٧).
(٤) أي: تأخير الإِمام في الخروج إِلى المصلّى.
(٥) أي: من صلاة العيد.
(٦) أي: في مثل هذه الساعة زمن رسول الله - ﷺ -.
(٧) قال السيوطي: أي: حين يصلّي صلاة الضحى. «عون» (٣/ ٣٤٢).
(٨) أخرجه أبو داود وغيره، وعلقه البخاري بصيغة الجزم، وصححه الحاكم والنووي والذهبي، وهو مخرج في «الإِرواء» (٣/ ١٠١)، و«صحيح أبي داود» (١٠٠٥).



هل يؤذّن للعيدين أو يُقام؟
عن عطاء عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله الأنصاري قالا: لم يكن يُؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى، ثمَّ سألته بعد حين عن ذلك، فأخبرني قال: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري أنْ لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإِمام ولا بعد ما يخرج ولا إِقامة ولا نداء ولا شيء ولا نداء يومئذ ولا إِقامة«(١).
وعنه أنَّ ابن عباس أرسل إِلى ابن الزبير أوّل ما بُويع له؛ أنه لم يكن يؤذَّن للصلاة يوم الفطر. فلا تؤذِّن لها، قال: فلم يؤذِّن لها ابن الزبير يومه. وأرسل إِليه مع ذلك: إِنّما الخطبة بعد الصلاة. وإِنَّ ذلك قد كان يُفعل. قال: فصلّى ابن الزبير قبل الخطبة» (٢).
وعن جابر بن سَمُرة؛ قال: «صلّيتُ مع رسول الله - ﷺ - العيدين غير مرّة ولا مرّتين؛ بغير أذانٍ ولا إِقامة» (٣).
ولا يجوز الأذان أو الإِقامة للعيدين بحالٍ من الأحوال، وليس لأحدٍ أن يزعم ضرورة ذلك؛ لبيان وقتٍ وتنبيه ساهٍ ونحو ذلك فهذا يقتضيه حال الصحابة -رضي الله عنهم- ومع ذلك لم يفعلوه، ولم يأمُرهم النّبيّ - ﷺ - بذلك، فدلّ على أنّه بدعة، وبالله التوفيق.

صِفة الصلاة:
صَلاة العيد ركعتان، يكبّر فيها بعد تكبيرة الإِحرام، وقبل القراءة سبعًا،

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٩٦٠، ومسلم: ٨٨٦ وهذا لفظه، وتقدّم.
(٢) أخرجه مسلم: ٨٨٦
(٣) أخرجه مسلم: ٨٨٧



وفي الثانية قبل القراءة خمسًا.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال نبيّ الله - ﷺ -: «التكبير في الفطر سبعٌ في الأولى، وخمسٌ في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما» (١).
وعن عائشة -رضي الله عنها- «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يكبّر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمسًا» (٢).
وورد التكبير أربعًا، فعن القاسم أبي عبد الرحمن قال: حدّثني بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: «صلّى بنا رسول الله - ﷺ - يوم عيد، فكبّر أربعًا أربعًا، ثمَّ أقبل علينا بوجهه حين انصرف قال: لا تنسوا، كتكبير الجنائز، وأشار بأصبعه، وقبض إِبهامه يعني في صلاة العيد» (٣).
وعن سعيد بن العاص: «أنه سأل أبا موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان: كيف كان رسول الله - ﷺ - يكبر في الأضحى والفطر؟
فقال أبو موسى: كان يكبر أربعًا تكبيره على الجنائز، فقال حذيفة: صدق، فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبِّر في البصرة حيث كنت عليهم» (٤).

-----------------------
(١) أخرجه الدارقطني والبيهقي وغيرهما، وانظر «صحيح سنن أبي داود» (١٠٢٠)، و«صحيح سنن ابن ماجه» (١٠٥٦)، و«الإِرواء» (٣/ ١٠٨).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٠١٨) والحاكم وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (٦٣٩).
(٣) أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» من طريقين، وحسّنه شيخنا في «الصحيحة» (٢٩٩٧).
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٠٢٢) وانظر «الصحيحة» (٦/ ١٢٦٠).



قال شيخنا في»الصحيحة«(٦/ ١٢٦٣): والحقّ أنّ الأمر واسعٌ في تكبيرات العيدين، فمن شاء كبّر أربعًا أربعًا بناءً على هذا الحديث والآثار التي معه (١)، ومن شاء كبر سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية بناء على الحديث المسند الذي أشار إِليه البيهقي، وقد جاء عن جمع من الصحابة، يرتقي بمجموعها إِلى درجة الصحة، كما حققته في»إِرواء الغليل«(رقم (٦٣٩).
والحقّ أنّ كلّ ذلك جائز، فبأيهما فعَل فقد أدّى السُّنة، ولا داعي للتعصب والفرقة، وإِن كان السبع والخمس أحب إِليّ لأنه أكثر». انتهى. وانظر «المحلّى» تحت المسألة (٥٤٣) للمزيد من الاطلاع -إِن شئت- و«مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٤٩٣) (في التكبير في العيدين واختلافهم فيه)، و«مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٢٩١) (باب التكبير في الصلاة يوم العيد).
والتكبير سنة لا تبطل الصلاة بتركه عمدًا ولا سهوًا (٢)، قال ابن قدامة: «ولا أعلم فيه خلافًا»، ورجّح الشوكاني أنّه إِذا تركه سهوًا لا يسجد للسهو (٣).
وعن حماد بن سلمة عن إِبراهيم: «أنَّ الوليد بن عقبة دخل المسجد،

--------------------------
(١) انظرها في»الصحيحة«تحت الرقم المشار إِليه.
(٢) وسألت شيخنا -شفاه الله - عن ذلك فقال: نعم لا تبطل لأنه لا دليل أنها من الشروط أو الأركان، وإذا سها سجد وإن تعمّد أثِم.
(٣) انظر»الدراري المضية«(١/ ١٩٦)، وذكر السيد سابق -حفظه الله- بعضه في»فقه السنّة" (١/ ٣٢٠).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #57  
قديم 12-01-2026, 04:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,455
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 406الى صــ 418
الحلقة (57)



وابن مسعود وحذيفة وأبو موسى في عرصة المسجد (١)، فقال الوليد: إِنّ العيد قد حضر فكيف أصنع؟ فقال ابن مسعود: يقول: الله أكبر، ويحمد الله ويثني عليه ويُصلّي على النّبيّ - ﷺ - ويدعو الله، ثمَّ يكبِّر ويحمد الله ويُثني عليه، ويُصلي على النّبيّ - ﷺ - ويدعو الله، ثمَّ يكبِّر ويحمد الله ويُثني عليه، ويُصلّي على النّبي - ﷺ - ويدعو، ثمَّ يكبِّر ويحمد الله ويُثني عليه، ويُصلّي على النّبي - ﷺ - ثمَّ كَبِّر، واقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، ثمَّ كَبِّر واركع واسجد، ثمَّ قم فاقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، ثمَّ كَبِّر واحمد الله وأثْنِ عليه، وصلِّ على النّبيّ - ﷺ - وادْعُ، ثمَّ كَبِّر واحمد الله، وأثْنِ عليه، وصلِّ على النّبيّ - ﷺ -، واركع واسجد، قال: فقال حذيفة وأبو موسى: أصاب» (٢).
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال في صلاة العيد: «بين كلّ تكبيرتين حمْدٌ لله عز وجل وثناءٌ على الله» (٣).

-----------------
(١) عرصة المسجد: ساحته.
(٢) جاء في «الإرواء» (٣/ ١١٥): قال الهيثمي (٢/ ٢٠٥): «وإبراهيم لم يدرك واحدًا من هؤلاء الصحابة وهو مرسل، ورجاله ثقات».
قلت (أي: شيخنا -حفظه الله-): وقد وصله الطبراني (٣/ ٣٨/‏١) من طريق ابن جريج: أخبرني عبد الكريم عن إِبراهيم النخعي عن علقمه والأسود عن ابن مسعود قال: «إِنَّ بين كلّ تكبيرتين قدر كلمة».
ووصله أيضًا المحاملي في «صلاة العيدين» (٢/ ١٢١) من طريق هشام عن حماد عن إِبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال في صلاة العيد: «بين كلّ تكبيرتين حمْدٌ لله عز وجل، وثناءٌ على الله». وهذا إِسناد جيد
(٣) أخرجه البيهقي وغيره وإسناده جيد، وانظر «الإرواء» (٣/ ١١٥).


هل يرفع يديه مع كلّ تكبيرة؟
لم يثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنّه رفَع يديه، وقد رُوي عن عمر رفع اليدين وليس بثابت كذلك (١).
وجاء في «المحلّى» تحت المسألة (٥٤٣): «ولا يرفع يديه في شيء منها إلاَّ حيث يرفع في سائر الصلوات فقط».

القراءة فيها:
يقرأ الإِمام في صلاة العيد بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾، أو بـ ﴿اقتربت الساعة﴾ و﴿ق والقرآن المجيد﴾.
فعن النعمان بن بشير، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في العيدين وفي الجمعة، بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾. قال: وإِذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد؛ يقرأ بهما أيضًا في الصلاتين» (٢).
وعن سمُرة قال: كان النّبيّ - ﷺ - يقرأ في العيدين: ﴿سبّح اسم ربك الأعلى﴾ و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ «(٣).
وعن أبي واقد الليثي؛ قال:»سألني عمر بن الخطاب عمّا قرأ به رسول الله

--------------------
(١) انظر «تمام المنّة» (ص٣٤٨)، و«الإرواء» (٦٤٠).
(٢) مسلم: ٨٧٨
(٣) أخرجه أحمد وغيره، وإسناده صحيح، وانظر «الإِرواء» (٦٤٤).



- ﷺ - في يوم العيد؟ فقلت: بـ ﴿اقتربت الساعة﴾، و﴿ق والقرآن المجيد﴾ (٤).

هل يصلّي قبلها أو بعدها؟
عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - خرج يوم الفطر، فصلّى ركعتين؛ لم يُصلِّ قبلها ولا بعدها، ومعه بلال» (١).
وقال أبو المعلّى: «سمعتُ سعيدًا عن ابن عبّاس كره الصلاة قبل العيد» (٢). وذكر الحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٧٦): أقوال العديد من العلماء في هذه المسألة، وبيّن من يرى ذلك ممن لا يراه، ومن فرّق فيه بين الإِمام والمأموم.
وفيه: «ونقل بعض المالكية الإِجماع على أنَّ الإِمام لا يتنفّل في المصلى، وقال ابن العربي: التنفّل في المصلّى لو فُعِل لنُقل، ومن أجازه رأى أنّه وقت مطلق للصلاة، ومن تركه رأى أن النّبيّ - ﷺ - لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى». انتهى.

خطبة العيد بعدها:
عن ابن عباس قال: «شهدت العيد مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم- فكلّهم كانوا يصلّون قبل الخطبة» (٣).

-----------------
(٤) مسلم: ٨٩١.
(١) أخرجه البخاري: ٩٨٩، ومسلم: ٨٨٤
(٢) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به وقال الحافظ (٢/ ٤٧٧) ولم أقِف على أثره هذا موصولًا.
(٣) أخرجه البخاري: ٩٦٢، ومسلم: ٨٨٤



وعن أبي سعيد الخدري قال: «كان رسول الله - ﷺ - يخرج يوم الفطر والأضحى إِلى المصلّى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثمَّ ينصرف فيقوم مقابل الناس والنّاس جلوس على صفوفهم، فيعِظُهم ويوصيهم ويأمرهم، فإِنْ كان يريد أن يقطع بعْثا قطَعه أو يأمر بشيء أمر به ثمَّ ينصرف.
قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك، حتى خرجْتُ مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فِطر، فلمّا أتينا المصلّى إِذا منبرٌ بناه كَثِيرُ بن الصَّلْت، فإِذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلّي، فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيَّرتم والله فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير ممّا لا أعلم فقال: إِنَّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعَلْتها قبل الصلاة» (١).
وعن عبد الله بن السائب قال: «شهدت مع رسول الله - ﷺ - العيد، فلمّا قضى الصلاة قال: إِنّا نخطب؛ فمن أحبّ أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحبّ أن يذهب فليذهب» (٢).
وعن ابن عبّاس -رضي الله عنه- قال: «إِنَّ الخطبة بعد الصلاة» (٣).

هل يفتتح الخطبة بالتكبير؟
يفتتح الخطيب خطبته يوم العيد بخطبة الحاجة على الأصل، ولم يثبُت

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٩٥٦، ومسلم: ٨٨٩
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٠٢٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٠٦٦)، وانظر «الإرواء» (٦٢٩)، و«تمام المنّة» (٣٥٠).
(٣) أخرجه مسلم: ٨٨٦



أن النّبيّ - ﷺ - كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير، وأشار ابن القيم إِلى هذا في «زاد المعاد» (١).

قضاء صلاة العيد:
عن أبي عمير بن أنس بن مالك قال: «حدّثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا: أغمي علينا هلال شوال، فأصبحنا صيامًا، فجاء ركْب من آخر النهار، فشهدوا عند النّبيّ - ﷺ - أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله أن يفطروا، وأن يخرجوا إِلى عيدهم من الغد» (٢).

إِذا فاتته الصلاة مع الجماعة:
قال البخاري في «صحيحه»: (باب إِذا فاته العيد يصلّي ركعتين)، وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى، لقول النبيّ - ﷺ -: «هذا عيدُنا أهل الإِسلام». وأمَر أنسُ بنُ مالك مولاهم ابن أبي عُتبة بالزاوية؛ فجمع أهله وبنيه وصلّى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم، وقال عكرمة: أهل السواد يجتمعون في العيد، يصلّون ركعتين كما يصنع الإِمام، وقال عطاء: إِذا فاته العيد صلّى ركعتين (٣).

---------------------
(١) وفي «سنن ابن ماجه» وإسناده ضعيف أن النّبيّ - ﷺ - كان يكبّر بين أضعاف الخطبة، قال شيخنا في «تمام المنّة» (ص٣٥١): «ومع أنّه لا يدل على مشروعية افتتاح خطبة العيد بالتكبير؛ فإِنَّ إِسناده ضعيف ...».
(٢) انظر «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣٤٠)، و«صحيح سنن أبي داود» (١٠٢٦)، و«الإرواء» (٦٣٤)، وتقدّم.
(٣) وانظر «الفتح» (٢/ ٤٧٥) للمزيد من الفوائد الحديثية.



الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه (١):
عن أنس قال: «قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنّا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله - ﷺ -: إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر» (٢).
وعن عائشة قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تُغنِّيان؛ بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث (٣)، قالت: وليستا بمغنِّيتَين. فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله - ﷺ -؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أبا بكر، إِن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدُنا«(٤).
في رواية لمسلم (٨٩٢): فاقدُروا (٥) قدْر الجارية الحديثة السنّ حريصةً على اللهو.
وفي رواية قالت عائشة: دخل عليّ رسول الله - ﷺ - وعندي جاريتان تُغنيان بغناء بُعاث، فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مِزمارةُ الشيطان عند النّبيّ - ﷺ -! فأقبَل عليه رسول الله - ﷺ - فقال:

-----------------------
(١) هذا العنوان من تبويب النووي»لصحيح مسلم«.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٠٠٤)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٤٦٥)، وانظر»الصحيحة«(٢٠٢١).
(٣) أي: بالتغنّي بالأشعار التي قيلت في تلك الحرب.
(٤) أخرجه البخاري: ٩٥٢، ومسلم: ٨٩٢
(٥) قال بعض العلماء:»أي قدروا رغبتها في ذلك وقيسوا قياس أمرها في حداثتها وحرصها على اللهو".



دعهما فلمّا غفل غمزتُهما (١) فخرجتا» (٢).
وفي رواية لمسلم (٨٩٢): «جاء حبشٌ يزفنون (٣) في يوم عيدٍ في المسجد، فدعاني النّبيّ - ﷺ -، فوضعْت رأسي على مَنكِبه فجعلتُ أنظرُ إِلى لعبهم ...».
وعن نُبَيشْة الهُذَلي قال: «قال رسول الله - ﷺ - أيّام التشريق أيّام أكل وشرب وفي رواية: وزاد فيه وذِكرٍ لله» (٤).

فضل العمل الصالح في أيّام العشر من ذي الحجّة:
عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: «قال رسول الله - ﷺ - ما من أيّام العمل الصالح فيها أحبّ إِلى الله من هذه الأيّام يعني أيّام العشر، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلاَّ رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» (٥).
وجاء في «الإِرواء» (٣/ ٣٩٨): «وفي رواية للدارمي (٢/ ٢٦) بلفظ: ما من عمل أزكى عند الله عز وجل ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر

---------------------
(١) الغمز: الإِشارة، كالرّمز بالعين أو الحاجب أو اليد.»النهاية«.
(٢) أخرجه البخاري: ٩٤٩
(٣) حمله العلماء على التوثّب بسلاحهم ولعبهم بحرابهم على قريب من هيئة الرقص.
(٤) أخرجه مسلم: ١١٤١
(٥) أخرجه البخاري: ٩٦٩، وأبو داود وهذا لفظه»صحيح سنن أبي داود" (٢٤٣٨).



الأضحى ....»، والباقي مثله، وزاد: «قال: وكان سعيد بن جبير إِذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى ما يكاد يقدر عليه» (١).
وقال ابن عبّاس: «ويذكروا اسم الله في أيّام معلومات»: أيّام العشر، والأيّام المعدودات: أيّام التشريق. رواه البخاري معلّقًا مجزومًا به، وقال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٥٨) «لم أره موصولًا عنهما».
وقال البخاري: (باب فضل العمل في أيام التشريق)، وقال ابن عبّاس: ﴿واذكروا الله في أيّام معلومات﴾، أيّام العشر، والأيّام المعدودات أيّام التشريق.

استحباب التهنئة بالعيد:
عن جبير بن نفير قال: «كان أصحاب النّبيّ - ﷺ - إِذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبّل الله منا ومنكم» (٢).

التكبير في أيام العيدين:
قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ

----------------------
(١) أخرجه الدارمي في «سننه» وإسناده حسن، وانظر «الإرواء» (٣/ ٣٩٨).
(٢) أخرجه المحاملي في كتاب «صلاة العيدين»، وغيره وانظر «تمام المِنّة» (ص ٣٥٤ - ٣٥٦).



تَشْكُرُونَ﴾ (١).
جاء في «تفسير ابن كثير»: «... ولهذا أخَذَ كثير من العلماء مشروعيّة التكبير في عيد الفِطر من هذه الآية: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّة ولِتُكبّروا الله على ما هَدَاكُم﴾، حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إِلى وجوبه؛ في عيد الفطر لظاهر الأمر في قوله: ﴿ولِتكبّرُوا الله عَلى ما هَدَاكُم﴾، وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- أنّه لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه». وهذا في عيد الفطر، والتكبير فيه من وقت الخروج إِلى الصلاة، إِلى ابتداء الخطبة.
أمّا الأضحى ففيه قوله سبحانه: ﴿واذكروا الله في أيّام معدودات﴾ (٢).
جاء في «الإِرواء» (٣/ ١٢١): «روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الزهري قال: كان الناس يكبّرون في العيد حين يخرجون من منازلهم؛ حتى يأتوا المصلّى وحتى يخرج الإِمام، فإذا خرج الإِمام سكتوا، فإِذا كبّر كبّروا».
وفيه (ص١٢٢): «... ثمَّ روى [أي: الفريابي] بسند صحيح عن الوليد (وهو ابن مسلم) قال: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس عن إِظهار التكبير في العيدين؟ قالا: نعم، كان عبد الله بن عمر يظهره في يوم الفطر حتى يخرج الإِمام».
وفيه (ص ١٢٣): "وقد صحّ عن الزهري مرسلًا مرفوعًا، فقال ابن أبي شيبة

-------------------
(١) البقرة: ١٨٥
(٢) البقرة: ٢٠٣



(٢/ ١/‏٢): حدثنا يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري: أن رسول الله - ﷺ - كان يخرج يوم الفطر فيكبّر حتى يأتي المصلّى، وحتى يقضيَ الصلاة، فإِذا قضى الصلاة قطع التكبير (١).
وهذا سند صحيح مرسلًا، ومن هذا الوجه أخرجه المحاملي (١٤٢/ ٢).
وقد روي من وجه آخر عن ابن عمر مرفوعًا. أخرجه البيهقي (٣/ ٢٧٩) من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله ابن عمر: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله والعباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن -رضي الله عنهم- رافعًا صوته بالتهليل والتكبير، فيأخذ طريق الحذائين حتى يأتي المصلّى، وإِذا فرغ رجع على الحذائين حتى يأتي منزله.
وقال شيخنا -حفظه الله- في آخر التخريج: «فالحديث صحيح عندي موقوفًا ومرفوعًا والله أعلم». انتهى.
وانظر ما جاء في «الأوسط» (٤/ ٢٤٩) من آثار في ذلك.
ووقته في عيد الأضحى من صبح يوم عرفة إِلى عصر آخر أيام التشريق.
قال شيخنا: صحّ هذا عن عليّ وابن عبّاس، وقد خرّجْتهما في «الإِرواء» (٣/ ١٢٥)، ورواه الحاكم عن ابن مسعود. انتهى.
والذي جاء في «الإِرواء» تحت الحديث (٦٥٣): «وقد صحّ عن علي -رضي الله عنه- أنَّه كان يكبّر بعد صلاة الفجر يوم عرفة؛ إِلى صلاة العصر

------------------
(١) وانظر»الصحيحة" (١٧١).


من آخر أيّام التشريق، ويكبّر بعد العصر».
وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إِلى السوق في أيّام العشر يُكبّران، ويكبّر الناس بتكبيرهما (١).
فائدة: قال شيخنا في «الصحيحة» (١/ ٣٣١): «وفي الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير جهرًا في الطريق إِلى المصلّى، وإِن كان كثير منهم بدؤوا يتساهلون بهذه السنّة، حتى كادت أن تصبح في خبر كان، وذلك لضعف الوازع الديني منهم، وخجلهم من الصّدع بالسُّنة والجهر بها، ومن المؤسف أن فيهم من يتولّى إِرشاد الناس وتعليمهم، فكأن الإِرشاد عندهم محصور بتعليم الناس ما يعلمون! وأمّا ما هم بأمسّ الحاجة إِلى معرفته؛ فذلك مما لا يلتفتون إِليه، بل يعتبرون البحث فيه والتذكير به قولًا وعملًا من الأمور التافهة التي لا يحسن العناية بها عملًا وتعليمًا؛ فإِنا لله وإِنا إِليه راجعون.
ومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة: أنّ الجهر بالتكبير هنا لا يُشرع فيه الاجتماع عليه بصوت واحد كما يفعله البعض، وكذلك كل ذكر يُشرع فيه رفع الصوت أو لا يُشرع؛ فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور، ومثله الأذان من الجماعة المعروف في دمشق بـ (أذان الجوق)، وكثيرًا ما يكون هذا الاجتماع سببًا لقطع الكلمة أو الجملة في مكان لا يجوز الوقوف عنده؛ مثل:»لا إِله«! في تهليل فرض الصبح والمغرب؛ كما سمعنا ذلك مرارًا».

------------------
(١) رواه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم وقال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٥٨): لم أره موصولًا عنهما ...


فلنكن في حذر من ذلك، ولتذكر دائمًا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:»وخير الهدي هدي محمّد«.

صيغة التكبير:
جاء في»الروضة الندية«(١/ ٣٦٧):»وأمَّا صفة التكبير فأصحّ ما ورد فيه أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال: كبّروا، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، قال في شرح «المنتقى» [٣/ ١١٦] نقلًا عن «الفتح» (٣/ ١١٦): وقد أُحدِث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها. انتهى.
قال الشوكاني: «والظاهر أن تكبير التشريق لا يختصّ استحبابه بعقب الصلوات، بل هو مستحبٌّ في كلّ وقت من تلك الأيام، كما تدلّ على ذلك الآثار».
وجاء قبله (١/ ٣٦٦): «... ولم يثبت تعيين لفظ مخصوص ولا وقت مخصوص ولا عدد مخصوص، بل المشروع الاستكثار منه دبر الصلوات وسائر الأوقات، فما جرت عليه عادة الناس اليوم استنادًا إِلى بعض الكتب الفقهية مِن جعله عقب كل صلاة فريضة ثلاث مرات، وعقب كل صلاة نافلة مرة واحدة، وقصر المشروعية على ذلك فحسب، ليس عليه أثارة من علم فيما أعلم، وأصحّ ما ورد فيه عن الصحابة أنّه من صبح يوم عرفة إِلى آخر أيام منى».



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #58  
قديم 12-01-2026, 04:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,455
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 1الى صــ 15
الحلقة (58)



الموسوعة الفقهية الميسرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة
الجزء الثالث
كتاب الزكاة والصيام والاعتكاف
بقلم
حسين بن عودة العوايشة
المكتبة الإسلامية
دار ابن حزم

بسم الله الرحمن الرحيم

الموسوعة الفقهية الميسرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة


حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٣ هـ -٢٠٠٢ م
المكتبة الإسلامية
ص ب (١١٣) الجبيهة، هاتف ٥٣٤٢٨٨٧
عمَّان - الأردن
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤


-[مقدّمة المؤلف]-
إِنّ الحمد لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ. وأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبدهُ ورَسولهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
أمَّا بعد:
فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار. فهذا هو المجلد الثالث من «الموسوعة الفقهيّة الميسَّرة في ضوء الكتاب والسُّنَّة المطهَّرة» أقدمه للقُراء الكرام، سائلًا الله -سبحانه وتعالى- أن ينفع

---------------------
(١) آل عمران: ١٠٢.
(٢) النساء: ١.
(٣) الأحزاب: ٧٠، ٧١.



به ويتقبّله منّي، وهو متضمِّنٌ كتاب الزكاة والصيام والاعتكاف.
وكنتُ قد استفدتُ من عددٍ من الإِجابات من شيخنا العلاّمة محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- من خلال مجالساته.
وقد حرصتُ على الدليل الثّابت في ضوء منهج السلف الصالح، مع الإِفادة من أقوال علماء الأمّة، ورثة النّبيّ - ﷺ -.
وقد تكون المسألة خلافيّة، ولكلٍّ فيما ذهبَ إِليه دليله وفهْمه، فالأمر لا يدعو إِلى التباغُض والتنافر والاختلاف والتفرُّق والشقاق والنّزاع.
فَخذ ما ترجّح لك وما تراه صوابًا، دون ولاءٍ أو براءٍ أو تحزُّب أو تعصُّب، قال الله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضُهم أولياءُ بعض إلاَّ تفعلوهُ تكنْ فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير﴾ (١).
فإِذا كان هذا شأن الكفار؛ بعضهم أولياء بعض، فالفساد والفتنة جاءا مِن أمور:
الأوّل: أنّ الكُفّار قد حقّقوا من التآلف؛ ما لم يبْلغه أهل الإِسلام -مع الأسف-.
الثاني: أنّ اتخاذ الكُفّار بعضهم بعضًا أولياء فيه خطورةٌ على المسلمين - وهم في مرحلة التربية والمجاهدة- إِذا لم يكونوا متفرّقين، فكيف إِذا كانوا متناحِرين متنازعين!
الثالث: أنّنا قد أُمِرنا أصلًا بمخالفتهم، وعدم التشبُّه بهم، فكيف إِذا لم

---------------------
(١) الأنفال: ٧٣.


نبلغ ما بلغوه في شأن الولاية!
فإِذا كان كذلك؛ أفلا يكون بعضنا أولياء بعض؛ ولو بتقدير الآراء وكفّ اللسان عن إِيقاع الأذى بالعلماء، أو بمن تَلقّى عنهم المسائل، وأن نُعذر مَن قد يكون له أجر واحد في فتواه، ومن أفاد منه كذلك؟!
فكيف ونحن لا نعلم؟ فربّما يكون له أجران!
فالأمر يدعو إِذًا إِلى المزيد من الإِعذار والتآلف والتوادّ.
أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يتقبّل مني ويجعل هذا العمل في ميزاني يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلاَّ مَن أَتى الله بقلبٍ سليم.
وكَتَب:
حسين بن عودة العوايشة
عمّان ٤/ربيع الثاني/ ١٤٢١هـ


الزكاة
الزكاة: لغةً: هي النّماء والزيادة، يقال: زَكَى الزرع يزكو، أي: نما وهي الطهارة أيضًا، وسميت الزكاة زكاةً؛ لأنه يزكو بها المال بالبركة ويطهُر بها المرء بالمغفرة (١).
وفي الاصطلاح الشرعي: هي عبارة عن إِيجاب طائفة من المال في مالٍ مخصوص لمالك مخصوص (٢).

الزكاة رُكن من أركان الإِسلام
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنَّ معاذًا قال: بعَثني رسول الله - ﷺ -. قال: «إِنّك تأتي قومًا من أهل الكتاب. فادْعُهم إِلى شهادة أن لا إِله إلاَّ الله وأنِّي رسول الله، فإِنْ هُم أطاعوا لذلك، فأعلِمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلة، فإِنْ هم أطاعوا لذلك، فأعلِمهم أن الله افترض عليهم صدقة؛ تُؤْخَذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم» (٣).
وقد قُرنت بالصلاة (٤) في مواطنَ كثيرة كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وارْكعوا مع الراكعين﴾ (٥).

----------------------
(١) طِلبة الطّلبة: ص ٩١.
(٢) التعريفات للشريف الجُرجاني (ص ٨٣).
(٣) أخرجه البخاري: ١٤٥٨، ومسلم: ١٩.
(٤) انظر ما قاله شيخ الإسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٦).
(٥) البقرة: ٤٣.



وكقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرِضوا الله قرضًا حَسَنًا﴾ (١).

الحضّ على أدائها والترغيب فيها
١ - قال الله تعالى: ﴿خُذ من أموالهم صدقةً تُطهّرهم وتزكّيهم بها﴾ (٢).
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنّ المتقين في جنّات وعيون * آخذين ما آتاهم ربّهم إِنّهم كانوا قبل ذلك مُحسنين* كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون* وبالأسحار هم يستغفرون* وفي أموالهم حقّ للسائل والمحروم﴾ (٣).
٣ - وقال تعالى: ﴿وما آتيتم من زكاةٍ تريدون وجه الله فأولئك هم المُضْعِفُون﴾ (٤).
المُضْعفُون: أي: يُضاعَف لهم الثواب والجزاء، كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- الآتي إِن شاء الله.
٤ - وعن أبي كبشة الأنماري -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "ثلاثٌ أُقسِم عليهنّ وأحدّثكم حديثًا فاحفظوه.
قال: ما نقَص مالُ عبدٍ من صدقة، ولا ظُلم عبدٌ مظلمةً صبر عليها إلاَّ زاده الله عزًّا، ولا فَتَح عبدٌ باب مسألة إلاَّ فَتَح الله عليه باب فقر، أو كلمة

--------------------
(١) المزمل: ٢٠.
(٢) التوبة: ١٠٣.
(٣) الذاريات: ١٥ - ١٩.
(٤) الروم: ٣٩.



نحوها ...» (١).
٥ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تصدَّق بعَدْل (٢) تمرة مِن كسْبٍ طيّب -ولا يقبل الله إلاَّ الطيّب- فإِن الله يتقبلها بيمينه ثم يربّيها لصاحبه كما يُربّي أحدكم فَلوَّه (٣) حتّى تكون مثل الجبل» (٤).
وفي رواية: «إلاَّ أخَذها الرحمن بيمينه، وإنْ كانت تمرة، فتربو في كفّ الرحمن؛ حتّى تكون أعظم من الجبل» (٥).
٦ - وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله؟ أرأيتَ إِنْ أدى الرجل زكاة ماله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «من أدّى زكاة ماله فقد ذهب عنه شرُّه» (٦).

-----------------------
(١) أخرجه أحمد والترمذي واللفظ له وقال: حديث حسن صحيح، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١٤).
(٢) بعَدْل: أي: بقيمتها لأنه بالفتح: المِثل، وبالكسر -[العِدل]: الحِمل هذا قول الجمهور. «الفتح» (٣/ ٢٧٩). وللمزيد من الفوائد الحديثية انظر «الإِرواء» (٣/ ٣٩٣).
(٣) فلُوّه: الفَلُوّ: المُهر الصغير وقيل: هو العظيم من أولاد ذوات الحافر.
(٤) أخرجه البخاري: ١٤١٠، ومسلم: ١٠١٤.
(٥) أخرجه مسلم: ١٠١٤.
(٦) أخرجه الطبراني في «الأوسط» -واللفظ له- وغيره، وحسّنه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٤٠).



٧ - وعن عمرو بن مُرّة الجهني -رضي الله عنه- قال:»جاء رجل من قُضاعة إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: إِني شهدت أنْ لا إِله إِلا الله وأنك رسول الله، وصليّتُ الصلوات الخَمْس، وصُمتُ رمضان وقمتُه، وآتيتُ الزكاة.
فقال رسول الله - ﷺ -: «من مات على هذا كان من الصدِّيقين والشهداء» (١).
٨ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «سبعةٌ يُظلُّهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلاَّ ظلّه: إِمامٌ عدْل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلَّقٌ في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعَته امرأة ذات مَنْصِب وجمال فقال: إِنِّي أخاف الله، ورجل تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه، ورجل ذكَر الله خاليًا ففاضت عيناه» (٢).
وانظر للمزيد من الأحاديث «صحيح الترغيب والترهيب» (كتاب الصدقات) «الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها».

الترهيب من منْعها
١ - قال الله تعالى: ﴿ولا يحسبنَّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شرٌّ لهم سيُطوّقون ما بَخِلُوا به يوم القيامة﴾ (٣).

--------------------------
(١) أخرجه البزار بإِسناد حسن وابن خزيمة في «صحيحه» وابن حبان، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٤٥).
(٢) أخرجه البخاري: ٤٢٣، ومسلم: ٠٣١ ١.
(٣) آل عمران: ١٨٠.



٢ - وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١).
٣ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من صاحب ذهب ولا فضة؛ لا يؤدّي منها حقّها إِلا إِذا كان يوم القيامة صُفِّحَت (٢) له صفائح من نار فأُحْمي عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جَنْبُه وجبينه وظهره. كلما بَرَدَت أُعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيَرى سبيله إِمّا إِلى الجنة وإمّا إِلى النار.
قيل: يا رسول الله! فالإِبِل؟ قال: ولا صاحب إِبِل لا يؤدي منها حقّها ومِنْ حقها حَلَبها (٣) يوم وِردها، إِلا إِذا كان يوم القيامة، بُطِحَ لها بِقَاعِ قرْقرٍ (٤) أوفر ما كانت؛ لا يفقد منها فصيلًا واحدًا تطؤه بأخفافها (٥) وتعَضُّهُ بأفواهها،

----------------------
(١) التوبة: ٣٤ - ٣٥.
(٢) صُفحت: الصفيحة: كلّ عريض من حجارة أو لوح ونحوهما، ووجه كل شيء عريض. الوسيط».
(٣) حَلَبها: بفتح اللام على الراجح كما ذكر النووي رحمه الله. والمراد: يحلبها على الماء ليصب للناس من لبنها كما في «النهاية».
(٤) قرقر: القاع المستوي الواسع من الأرض تعلوه ماء السماء فيمسكه. «النووي» (٧/ ٦٤).
(٥) بأخفافها: قال النووي: الخفّ للبعير، والظلف للبقر والغنم والظُّباء، والقدم للآدمي.



كلما مرَّ عليه أُولاها ردّ عليه أُخراها؛ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيَرى سبيله إِمّا إِلى الجنة وإمّا إِلى النار.
قيل: يا رسول الله! فالبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقرٍ ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلاَّ إِذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاع قرْقرٍ، لا يفقد منها شيئًا، ليس فيها عقْصَاء (١) ولا جَلْحَاء (٢) ولا عَضْبَاء (٣)، تنطِحُهُ بقرونها وتطؤه بأظْلاَفِها (٤)، كلّما مر عليه أولاها رُدّ عليه أُخْراها، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ؛ حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إِمّا إِلى الجنة وإمّا إِلى النار» (٥).
٤ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من آتاه الله مالًا فلم يؤدِّ زكاته؛ مُثّل له يوم القيامة شجاعًا (٦) أَقْرع (٧) لهَ زِبيبتَان (٨) يُطوّقُه

----------------------
(١) عَقْصَاء: أي: ملتوية القرنين.»النهاية«.
(٢) جَلْحَاء: التي لا قَرْن لها.»النهاية«.
(٣) عَضْبَاء: التي انكسر قَرنْها.»شرح النووي«(٧/ ٦٥).
(٤) بأظلافها: الظلف للبقر والغنم والظباء، وهو المنشقّ من القوائم، والخفّ للبعير، والقدم للآدمي، والحافر للفرس والبغل والحمار.»شرح النووي«.
(٥) أخرجه مسلم: ٩٨٧، وللمزيد من الفوائد الحديثية انظر كلام شيخنا في»صحيح الترغيب والترهيب«(ص ٣٨٨ - ٣٨٩).
(٦) الشُّجاع: الحيّة الذَّكَر، وقيل: الذي يقوم على ذنبه ويواثب الفارس.
(٧) الأقرع: الذي تقرَّع رأسه، أي: تمعَّطَ لكثرة سمّه كذا في»الفتح«(٣/ ٢٧٠). وفيه:»وفي «تهذيب الأزهري»: سُمّي الأقرع لأنه يُقْري السّمّ ويَجْمَعه في رأسه حتى تتمعّط فَرْوة رأسه".
(٨) قال الحافظ: تثنية زبيبة، وهما الزبَدَتَان على اللسان في الشّدقين، يُقال: =



يوم القيامة ثم يأخذ بِلِهزِمتيه (١) -يعني: شدقيه- ثم يقول: أنا مالُك أنا كنزُك، ثم تلا: ﴿ولا يحسبَنّ الذين يبخلون ...﴾ (٢) الآية «(٣).
٥ - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»يا معشر المهاجرين! خمسٌ إِذا ابتُليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهُنّ!
لم تظهر الفاحشة في قومٍ قطُّ حتى يُعلنوا بها، إلاَّ فشا فيهم الطاعون والأوجاع؛ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مَضَوا.
ولم ينقصوا المكيال والميزان إلاَّ أُخِذوا بالسنين وشدّة المؤنَة وجَوْرِ السلطان عليهم.
ولم يمنعوا زكاةَ أموالهم، إِلا مُنِعُوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا.
ولم ينقضوا عهدَ الله وعهد رسوله؛ إلاَّ سلّط الله عليهم عدوًا من غيرهم، فأَخذوا بعض ما في أيديهم.
وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيّروا ممّا أنزل الله؛ إِلا جَعَل الله

-----------------------
= تكلّم حتى زبد شدقاه، أي: خرج الزّبد منهما، وقيل: هما النكتتان السوداوان فوق عَيْنَيْه، وقيل: نقطتان يكتنفان فاه، وأورد أقوالًا غيرها.
(١) بلِهزِمَيته: فُسّر في الحديث بالشدقين، وفي «الصحاح»: هما العظمان الناتئان في اللحيين تحت الأذنين، وفي «الجامع» هما لحم الخدّين الذي يتحرّك إِذا أَكل الإِنسان. «الفتح».
(٢) آل عمران: ١٨٠.
(٣) أخرجه البخاري: ١٤٠٣.



بأسهم بينهم» (١).

حُكم مانعها
من امتنع عن أداء الزكاة غير منكر وجوبها، فإِنّ للحاكم أنْ يأخذ الزكاة منه قهرًا، وشطر ماله عقوبة.
فعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه (٢) قال: «لا يفرق إِبل عن حسابها (٣)، من أعطاها مؤتجرًا (٤) فله أجرها، ومن أبى فإِنّا آخِذوها وشطر ماله، عَزْمةً (٥) من عَزَمات ربّنا، لا يحلّ لآل محمّد - ﷺ - منها شيئًا» (٦).

قتال من يمنعها
ولو امتنع قوم عن أدائها مع اعتقادهم وجوبها وكانت لهم قوّة ومنَعة؛



------------------------
(١) أخرجه ابن ماجه وأبو نعيم في «الحلية» وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (١٠٦)، و«صحيح الترغيب والترهيب» (٧٥٩). وانظر للمزيد من النصوص «صحيح الترغيب والترهيب» (الترهيب من منع الزكاة).
(٢) هو معاوية بن حيدة صحابي -رضي الله عنه-.
(٣) معناه: أنّ المالك لا يفرّق مُلكه عن ملك غيره؛ حيث كانا خليطين، أو المعنى: تحاسب الكلّ في الأربعين، ولا يُترَك هزال ولا سمين ولا صغير ولا كبير، نعم العامل لا يأخذ إِلا الوسط. «عون» (٤/ ٣١٧).
(٤) قاصدًا للأجر بإِعطائها.
(٥) العَزْمة في اللغة: الجدّ والحق في الأمر يعني: أُخذ ذلك بجدّ لأنّه واجب مفروض. قاله بعض العلماء.
(٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٣) والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٢٩٢) وغيرهما وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٧٩١).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #59  
قديم 12-01-2026, 04:31 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,455
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 16الى صــ 30
الحلقة (59)



فإِنّهم يقاتَلون عليها حتى يعطوها (١) قال الله تعالى: ﴿فإِن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلَهم﴾ (٢).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إِله إلاَّ الله، وأنَّ محمّدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة.
فإِذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّ الإِسلام، وحسابهم على الله» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «لمّا توفّي رسول الله - ﷺ -، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- وكفَر من كفَر من العرب، فقال عمر -رضي الله عنه-: كيف تقاتل الناس؛ وقد قال رسول الله - ﷺ -: أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إِلا الله، فمن قالها فقد عصَم منّي ماله ونفسه إلاَّ بحقِّه، وحسابه على الله؟!
فقال: والله لأقاتلنَّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإِنَّ الزكاة حق المال، والله لو منعنوني عَناقًا (٤) كانوا يؤدّونها إِلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منْعها.
قال عمر -رضي الله عنه-: فوالله ما هو إلاَّ أنْ قد شَرح الله صدر أبي بكر -رضي الله عنه- فعرفتُ أنّه الحقُّ» (٥).

---------------------
(١) انظر «فقه السنة» (١/ ٣٣٣).
(٢) التوبة: ٥.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٥، ومسلم: ٢٢.
(٤) عَناقًا: هي الأنثى من أولاد المعز ما لم يَتِمّ له سنة. «النهاية».
(٥) أخرجه البخاري: ١٣٩٩، ومسلم: ٢٠.


وفي بعض روايات البخاري ومسلم: عِقالًا (١).
جاء في»الروضة النديّة«(١/ ٤٦٠):»قال مالك: الأمر عندنا أنّ كلّ من منَع فريضة من فرائض الله تعالى، فلم يستطع المسلمون أخذها كان حقًا عليهم جهاده حتّى يأخذوها منه، وبلغه أنّ أبا بكر الصِّدّيق -رضي الله عنه- قال: «لو منعوني عقالًا لجاهدتهم عليه» كذا في «المسوّى»«.
وسألت شيخنا -رحمه الله- هل يجب على الحاكم قتال مانعي الزكاة؟
فأجاب: إِذا غلب على ظنّه الانتصار عليهم فَعل.

على من تَجِب؟
تجب على كلّ مسلم (٢) حرّ مالك النصاب.
ولا تجب على غير المؤمنين لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال:»على المؤمنين في صدقة الثمار -أو مال العقار- عُشر ما سقتِ العينُ وما سقتِ السماء، وعلى ما يُسقى بالغَرْب (٣) نصفُ العُشْر«(٤).

---------------------
(١) واختلف العلماء في تفسير العقال فمنهم من قال: زكاة عام ومنهم من قال: الحبل الذي يُعقل به البعير، وانظر»شرح النووي«(١/ ٢٠٨) للمزيد من التفصيل.
(٢) جاء في»الروضة«(١/ ٤٦٢): وأمّا اشتراط الإِسلام؛ فالراجح أنّ الكفّار مخاطَبون بجميع الشرعيات، لكنّه منَع صحّتها منهم مانع الكفر، فليس الإِسلام شرطًا في الوجوب بل الكفر مانع عن الصحة ...».
(٣) الغَرْب: الدلو العظيمة التي تُتَّخذ من جلد ثور. «النهاية».
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (١٤٢).



قال البيهقي: «وفيه كالدّلالة على أنها لا تُؤخَذ من أهل الذِّمّة».
«قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: وكيف تُؤخَذ منهم وهم على شِركهم وضلالهم؟! فالزكاة لا تزكيهم وإنما تُزكّي المؤمن المزكَّى من دَرَن الشرك؛ كما قال الله تعالى: ﴿خُذ من أموالهم صدقةً تُطهِّرهم وتزكيهمْ بها وصلِّ عليهم إِنَّ صلاتك سَكَنٌ لهم﴾ (١).
فهذه الآية تدلّ دلالة ظاهرة، على أنّ الزكاة إِنّما تُؤخَذ من المؤمنين، لكن الحديث أصرح منها دلالة على ذلك.
وإنّ من يدرس السيرة النبوية، وتاريخ الخلفاء الراشدين، وغيرهم من خلفاء المسلمين وملوكهم؛ يعلم يقينًا أنّهم لم يكونوا يأخذون الزكاة من غير المسلمين المواطنين، وإنّما كانوا يأخذون منهم الجزية؛ كما ينصّ عليها الكتاب والسنّة». انتهى.
جاء في «المحلّى» (٥/ ٣٠٧): "ولا يجوز أخذ الزكاة من كافر.
قال أبو محمّد: هي واجبة عليه، وهو معذَّب على منْعها، إِلا أنها لا تجزئ عنه إِلا أنْ يُسلِم.
وكذلك الصلاة ولا فرْق، فإِذا أسلم فقد تفضّل -عز وجل- بإِسقاط ما سلف عنه من كلّ ذلك!
قال الله تعالى: ﴿إِلاّ أصحاب اليمين * في جنّات يتساءلون * عن المجرمين * ما سَلَكَكُم في سقر * قالوا لم نك من المصلّين * ولم نك

--------------------
(١) التوبة: ١٠٣.


نُطعِم المسكين * وكنّا نخوض مع الخائضين * وكنّا نُكذِّب بيوم الدِّين * حتّى أتانا اليقين﴾ (١).
وقال الله -عز وجل-: ﴿وويلٌ للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون﴾ (٢).

ماذا يُشتَرط في النصاب؟
١ - أن يكون فاضلًا عن الحاجات الضرورية؛ التي لا يَستغني المرء عنها؛ كالمطعم والملبس، والمسكن والمركب، وآلات الحرفة.
٢ - أن يحول عليه الحول الهجريّ، وابتداؤه من يوم مُلْك النصاب.
لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول» (٣).
وهذا الشرط لا يمضي في زكاة الزروع والثمار، لأنّها تجب يوم الحصاد، قال الله تعالى: ﴿وءاتوا حقّه يوم حصاده﴾ (٤).

كيف يُزكّي إِذا تعدّدت الأنصبة؟
الأصل عدم إِخراج زكاة النصاب إِلا إِذا حال عليه الحول، فإِذا كانت

-------------------------
(١) المدثر: ٣٩ - ٤٧.
(٢) فصلت: ٦ - ٧.
(٣) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٤٤٩) وغيره، وانظر «الإِرواء» (٧٨٧).
(٤) الأنعام: ١٤١.



الأنصبة قليلة؛ وتمكّن من ذلك فعَل، وإلا أَخْرَج من مجموع المال؛ تيسيرًا على نفسه.
سُئل شيخنا -رحمه الله- عن رجل عنده أموال أثناء السنة الأولى؛ ثمّ جاءته أرباح، فلمّا دخلت السنة الثانية؛ وجد عدّة أنصبة، وليس نصابًا واحدًا، فكيف يُخرِج زكاته؟
فأجاب -رحمه الله-: «اختلف العلماء في كيفية إِخراج الزكاة؛ فمنهم من قال: يُخرِج عن مجموع ما عنده من الأنصبة التي وجب عليها الزكاة، وعلى الأنصبة الأخرى التي لم يحُلْ عليها الحول كذلك.
ومنهم من قال: كلما توفّر عنده نصابٌ سجَّله، وانتظر أن يحُول عليه الحَوْل.
والنظر إِلى قاعدة التيسير يجعلني أُرجِّح القول الأول، إِذ متابعة الأنصبة مُرهِق لعقل (الكمبيوتر)؛ فضلًا عن عقل الإِنسان فيُخرج عن الأرباح، شريطة أن يكون هناك أصل؛ وهو النصاب الذي حال عليه الحول». انتهى.
قلت: «ولا شكّ أنّ في هذا زيادةً على الزكاة الواجبة، فيُؤجَر عليها ويريح نفسه من بَلْبَلَة تعدّد الأنصبة. والله -تعالى- أعلم».

هل في مال الصغير والمجنون زكاة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة، فمنهم من رأى وجوب ذلك.
وقالوا: إِنّ النصوص في إِيجاب الزكاة تفيد العموم، ومن ذلك الصغير والمجنون، والزكاة حقُّ الفقراء؛ أكان مِن صغير أو كبير أو مجنون أو عاقل.


قال ابن حزم -رحمه الله- في «المُحلّى» (٥/ ٣٠٢) -بحذف-: «وأمّا مال الصغير والمجنون؛ فإِنّ مالكًا والشافعي قالا بقولنا؟ وهو قول عمر ابن الخطاب، وابنه عبد الله، وأمّ المؤمنين عائشة، وجابر وابن مسعود، وعطاء وغيره.
وقال أبو حنيفة: لا زكاة في أموالهما من الناضّ (١) والماشية خاصة، والزكاة واجبة في ثمارهما وزروعهما.
ولا نعلم أحدًا تقدّمه إِلى هذا التقسيم!
وقال الحسن البصري، وابن شبرمة: لا زكاة في ذهبه وفضّته خاصّة -وأمّا الثمار والزروع والمواشي ففيها زكاة.
وأمّا إِبراهيم النخعي، وشريح، فقالا: لا زكاة في ماله جملة!
قال أبو محمّد: إِنْ موّه مُمَوِّه منهم بأنّه لا صلاة عليهما؟ قيل له: قد تسقط الزكاة عمن لا مال له ولا تسقُط عنه الصلاة!
وإِنّما تجب الصلاة والزكاة على العاقل والبالغ؛ ذي المال الذي فيه الزكاة، فإِنْ سقط المال: سقَطت الزكاة، ولم تسقُط الصلاة؛ وإِنْ سقَط العقل، أو البلوغ: سقَطَت الصلاة ولم تسقُط الزكاة؛ لأنه لا يسقط فرض أوجبه الله تعالى، أو رسوله - ﷺ -، إِلا حيث أسقطه الله تعالى أو رسوله - ﷺ -.

---------------------
(١) قال في»مختار الصحاح": أهل الحجاز يسمّون الدراهم والدنانير (النَّضَّ) و(النَّاضَّ) إِذا تحوّل عينًا بعد أن كان متاعًا، ويقال: خُذ ما (نضَّ) لك من دينٍ أي: ما تيسّر. وهو (يستنضّ) حقّه من فلان أي: يستنجزه ويأخذ منه الشيء بعد الشيء.


ولا يسقُط فرض من أجل سقوط فرض آخر بالرأي الفاسد، بلا نصّ قرآن ولا سُنّة.
وأيضًا: فإِنْ أسقطوا الزكاة عن مال الصغير والمجنون لسقوط الصلاة عنهما، ولأنهما لا يحتاجان إِلى طهارة؛ فليُسقطاها بهذه العلّة نفسها من زرعهما وثمارهما ولا فرق؛ وليُسقطا أيضًا عنهما زكاة الفطر بهذه الحُجّة!
فإِنْ قالوا: النصّ جاء بزكاة الفطر على الصغير؟
قلنا: والنص جاء بها على العبد، فأسقطتموها عن رقيق التجارة بآرائكم، وهذا ممّا تركوا فيه القياس، إِذ لم يقيسوا زكاة الماشية والناضّ، على زكاة الزرع، والفِطر، أو فليوجبوها على المكاتب؛ لوجوب الصلاة عليه، ولا فرق.
وقد قال بعضهم: زكاة الزرع والثمرة حقٌّ واجب في الأرض، يجب بأوّل خروجهما.
قال أبو محمّد: ولا فرق بين وجوب حقّ الله تعالى في الزكاة في الذهب والفضة والمواشي؛ من حين اكتسابها إِلى تمام الحول، وبين وجوبه في الزرع والثمار؛ من حين ظهورها إِلى حلول وقت الزكاة فيها، والزكاة ساقطة بخروج كلّ ذلك عن يد مالكه قبل الحول، وقبل حلول وقت الزكاة في الزرع والثمار.
وإِنّما الحقّ على صاحب الأرض لا على الأرض، ولا شريعة على أرض أصلًا، إِنما هي على صاحب الأرض!
قال الله تعالى: ﴿إِنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبَيْن أن يحمِلنها وأشفَقْن منها وحمَلَها الإِنسان إِنّه كان ظلومًا


جهولًا﴾ (١).
فظهر كذب هذا القائل وفساد قوله.
وأيضًا فلو كانت الزكاة على الأرض لا على صاحب الأرض؛ لوجب أخْذها في مال الكافر مِن زرعه وثماره، فظهر فساد قولهم وبالله التوفيق.
ولا خلاف في وجوب الزكاة على النساء كهي على الرجال؛ وهم مُقرّون بأنها قد تكون أَرْضُون كثيرة؛ لا حقّ فيها من زكاة، ولا من خَراج، كأرض مسلم؛ جعَلها قصبًا وهي تغلّ المال الكثير، أو ترَكَها لم يجعل فيها شيئًا، وكأرض ذمّي صالَح على جزية رأسه فقط.
وقد قال سفيان الثوري والحسن البصري وأشهب والشافعي: إِنّ الخراجي الكافر إِذا ابتاع أرض عشر من مسلم؛ فلا خراج فيها ولا عشر.
وقد صحّ أنّ اليهود والنصارى والمجوس بالحجاز واليمن والبحرين؛ كانت لهم أرضون في حياة النّبيّ - ﷺ -، ولا خلاف بين أحد من الأُمة؛ فى أنّه لم يجعل -عليه السلام- فيها عُشرًا ولا خراجًا.
فإِن ذكروا قول رسول الله - ﷺ -: «رُفع القلم عن ثلاث». فذكر «الصبي حتى يبلُغ والمجنون حتى يُفيق» (٢).
قلنا: فأسقطوا عنهما بهذه الحُجّة زكاة الزرع والثمار، وأرُوش (٣) الجنايات

---------------------
(١) الأحزاب: ٧٢.
(٢) أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٩٧).
(٣) جمع أرْش وهي دِيَة الجراحات. وانظر «مختار الصحاح».



التي هي ساقطة بها لا شكّ، وليس في سقوط القلم سقوط حقوق الأموال، وإنّما فيه سقوط المَلاَمة، وسقوط فرائض الأبدان فقط. وبالله -تعالى- التوفيق.
فإِنْ قالوا: لا نيّة لمجنون، ولا لمن لم يبلغ؛ والفرائض لا تجزئ إِلا بنيّة!
قلنا: نعم، وإنّما أمر بأخذها الإِمام والمسلمون، بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (١)، فإِذا أخَذَها من أُمِر بأخذها بنية أنها الصدقة أجزأت عن الغائب، والمُغْمَى عليه، والمجنون، والصغير، ومن لا نيّة له.
والعجب أنّ المحفوظ عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- إِيجاب الزكاة في مال اليتيم».
ثمَّ ذكر -رحمه الله- بعض الآثار في ذلك.
وقال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في التعليق على «المحلّى» (٥/ ٣٠٤): «وكان الأصحّ أنّ الزكاة تجب في المال، كما تجب الدِّيَة، وكما يجب العِوَض، وكما يجب الثمن مثَلًا، وأنّ وليّ الصبيّ أو المجنون مُكلَّف بإِخراجها من مال مَحْجُورِه، وأنّ وليّ الأمر يجب عليه استيفاؤها من المال».
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٧): «وتجب الزكاة في مال اليتامى؛ عند مالك والليث والشافعي وأحمد وأبي ثور، وهو مرويّ عن عمر وعائشة وعليّ وابن عمر وجابر -رضي الله عنهم- ...».
وجاء في «الروضة النديّة» (١/ ٤٦٠) -ردًّا على من يقول بإِيجابها تحت شرط: «إِذا كان المالك مُكلَّفًا»-: "اعلم أنّ هذه المقالة قد يَنْبُو

---------------------
(١) التوبة: ١٠٣.


عنها ذِهن من يسمعها، فإِذا راجع الإِنصاف، ووقف حيث أوقفه الحقّ، عَلِم أنّ هذا هو الحقّ، وبيانه أنّ الزكاة هي أحد أركان الإِسلام، ودعائمه وقوائمه، ولا خلاف أنّه لا يجب شيء من الأربعة الأركان؛ التي الزكاة خامستها على غير مكلّف، فإِيجاب الزكاة عليه، إِنْ كان بدليل فما هو؟ فما جاء عن الشارع في هذا شيء ممّا تقوم به الحُجّة.
كما يُروَى عن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر بالاتّجار في أموال الأيتام؛ لئلاّ تأكلها الزكاة، فلم يصحّ ذلك في شيء مرفوعًا إِلى النّبيّ - ﷺ - (١)، فليس ممّا تقوم به الحُجّة.
وأمّا ما رُوي عن بعض الصحابة فلا حُجّة فيه أيضًا، وقد عُورِض بمِثله.
وإِنْ قال قائل: إِنّ الخطاب في الزكاة عامّ كقوله: ﴿خُذْ مِن أموالهم﴾ (٢) ونحوه، فذلك ممنوع.
وليس الخطاب في ذلك إِلا لمن يصلُح له الخطاب، وهم المكلّفون، وأيضًا بقيّة الأركان، بل وسائر التكاليف التي وقع الاتفاق على عدم وجوبها على من ليس بمُكلّف، الخطابات بها عامّة للناس، والصبيّ مِن جُمْلة الناس.
فلو كان عموم الخطاب في الزكاة مسوغًا لإِيجابها على غير المكلّفين؛ لكان العموم في غيرها كذلك، وأنّه باطل بالإِجماع، وما استلزم الباطل باطل، مع أنّ تمام الآية -أعني قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ - يدلّ على عدم وجوبها على الصبيّ، وهو قوله: ﴿تُطهّرهم وتزكّيهم بها﴾ فإِنّه لا

--------------------
(١) انظر «الإِرواء» (٧٨٨).
(٢) التوبة: ١٠٣.



معنى لتطهير الصبيّ، والمجنون، ولا لتزكيته، فما جعلوه مُخصّصًا لغير المكلفين في سائر الأركان الأربعة؛ لزمهم أن يجعلوه مُخصّصًا في الركن الخامس وهو الزكاة.
وبالجملة: فأموال العباد محرَّمة بنصوص الكتاب والسنَّة، لا يُحلّلها إلاَّ التّراضي، وطِيبة النّفْس.
أمّا ورود الشرع كالزكاة، والدِّيَة، والأرْش، والشُّفعة (١)، ونحو ذلك، فمن زعم أنه يحل مال أحد من عباد الله، سيّما مَن كان قلمُ التكليف عنه مرفوعًا؛ فعليه البرهان، والواجب على المُنْصِف أن يقف موقف المنع حتى يزحزحه عنه الدليل.
ولم يوجب الله تعالى على وليّ اليتيم، والمجنون أن يخرج الزكاة من مالهما، ولا أمَره بذلك، ولا سوّغه له، بل ورَدت في أموال اليتامى تلك القوارع التي تتصدّع لها القلوب، وترجُف لها الأفئدة (٢)».
وفيها (ص ٤٦٢): «.. فمن أوجَب على الصبيّ زكاة في ماله تمسُّكًا بالعمومات، فليوجب عليه بقيّة الأركان تمسُّكًا بالعمومات.

-----------------
(١) هي استحقاق الشريك انتزاع حصّة شريكه المنتقلة عنه، مِن يد مَن انتقلت إِليه.»المغني«(٥/ ٤٥٩).
(٢) منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلمًا إنّما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا﴾ [النساء: ١٠].
ومنها قوله - ﷺ -:»اجتبوا السبع الموبقات ... "، فذكَر منها أكْل مال اليتيم. [أخرجه البخاري: ٦٨٥٧، ومسلم: ٨٩].



وبالجملة: فالأصل في أموال العباد الحرمة ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (١)،»لا يحلّ مالُ امرئٍ مُسلم إلاَّ بطيبةٍ من نفسه«(٢)، ولا سيما أموال اليتامى، فإِنّ القوارع القرآنية، والزواجر الحديثية فيها؛ أظهر من أن تُذكَر وأكثر من أن تُحصَر، فلا يأمن وليّ اليتيم إِذا أخذ الزكاة من ماله من التَّبعة، لأنه أخَذ شيئًا لم يُوجِبه الله على المالك، ولا على الوليّ ولا على المال.
أما الأوّل: فلأنّ المفروض أنه صبيٌّ لم يحصُل له ما هو مناط التكاليف الشرعية؛ وهو البلوغ.
وأمّا الثاني: فلأنه غير مالك للمال، والزكاة لا تجب على غير مالك.
وأمّا الثالث: فلأنّ التكاليف الشرعية مختصة بهذا النوع الإِنساني؛ لا تجب على دابّة ولا جماد، والله أعلم».
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن زكاة أموال اليتامى فقال: «لا زكاة على مال من لم يبلغ سنّ الاحتلام على الراجح».
وفي «تبيين المسالك» (٢/ ٦٧) للشيخ عبد العزيز الإِحسائي -بعد أن نقل أدلّة الموجب وغير الموجب- «وقال أبو حنيفة: لا تجب في مال صبي ولا مجنون واحتجّ بحديث:»رُفع القلم عن ثلاث«.
وله عدة ألفاظ منها:

----------------------
(١) البقرة: ١٨٨.
(٢) انظر»الصحيحة«(١٤٥٩) وله عِدّة ألفاظ منها:»لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاَّ عن طيب نفس".



«رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ (وفي رواية: وعن المجنون (وفي لفظ: المعتوه) حتى يعقل أو يُفيق) وعن الصبى حتى يكبَر. (وفي رواية: حتى يحتلم)» (١).

المالك المَدِين:
من كان في يده مالٌ تجب الزكاة فيه، وهو مدين؛ أخرج منه ما يفي بدينه وزكّى الباقي؛ إِن بلَغ نصابًا، وإن لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، لأنّه في هذه الحالة فقير (٢).
ومن الأدلّة على ذلك قول رسول الله - ﷺ - لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه-: «... فأخبِرهم أنَّ الله قد فرَض عليهم صدقة؛ تُؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم» (٣).
وسألْتُ شيخنا -رحمه الله-: مَن ملك النصاب، وعليه ديونٌ تستغرق النصاب؛ فهل يجب عليه الزكاة أم لا؟
فأجاب -رحمه الله-: «ما دام المال في حَوْزَته، وحال عليه الحول فلا بُدّ من إِخراج الزكاة، ولو كان عليه من الدَّين ما يستغرق النصاب كلّه، فإِذا كان ينوي عدم إِخراج الزكاة؛ فعليه أن يفيَ الناس حقوقهم وديونهم».

-------------------
(١) أخرجه أبو داود وغيره، وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٩٧)، وتقدّم.
(٢) «فقه السنة» (١/ ٣٣٦) بتصرف.
(٣) أخرجه البخاري: ١٤٩٦، ومسلم: ١٩، وتقدّم.



من مات وعليه الزكاة
من مات وعليه زكاة سنة أو سنتين أو أكثر؛ فإِنّها تجب في ماله، وتقدَّم على الدائنين والوصية والورثة؛ لقول الله تعالى في شأن المواريث: ﴿مِن بعْد وصيةٍ يُوصِي بها أو دين﴾ (١)، والزكاة دَينٌ قائم لله تعالى (٢).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: نعم؛ فدَين الله أحقُّ أن يُقضى» (٣).
قال الإِمام أحمد -رحمه الله تعالى-: «ومن مات وعليه زكاة أُخِذَت من تَرِكته ولو لم يوص بها ... لأنها حقٌّ واجب تصحّ به الوصيّة، فلم يسقُط بالموت، كدَين الآدمي» (٤). وذكَر الحديث.
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٦/ ١١٣): «فلو مات الذي وجَبَتْ عليه الزكاة سنة أو سنتين؛ فإِنها من رأس ماله، أقرَّ بها أو قامت عليه بيّنة، ورثه ولده أو كَلاَلهَ (٥)، لا حقّ للغرماء ولا للوصية ولا للورثة حتى تُسْتَوْفى كلها؛ سواء في ذلك العين والماشية والزرع.

-------------------
(١) النساء: ١١.
(٢) عن»فقه السنة" (١/ ٣٣٦) بتصرف يسير.
(٣) أخرجه البخاري: ١٩٥٣، ومسلم: ١١٤٨.
(٤) الواضح في فقه الإمام أحمد (ص ١٥٨) للدكتور علي أبي الخير.
(٥) الكَلاَلة: وهو أن يموت الرجل؛ ولا يدع والدًا ولا ولدًا يرثانه، وأصله: من تكلَّله النسب: إِذا أحاط به. وقيل: الكلالة: الوارثون الذين ليس فيهم ولدٌ ولا والد، فهو واقعٌ =



وهو قول الشافعي وأبي سليمان وأصحابهما».
وقال -رحمه الله- (ص ١١٤): «والعجب كلّه من إيجابهم الصلاة بعد خروج وقتها على العامِد لتركها، وإِسقاطهم الزكاة ووقتها قائم عن المتعمّد لتركها».
وقال -رحمه الله- (ص ١١٦): «ويُسألون عن الزكاة، أفي الذّمّة هي أم في عين المال؟ ولا سبيل إِلى قسم ثالث!
فإِنْ قالوا: في عين المال، فقد صحّ أنّ أهل الصدقات شركاء في ذلك المال، فمن أين وجب أن يبطل حقّهم؛ وتبقى ديون اليهود والنصارى؟
وإنْ قالوا: في الذِّمّة، فمن أين أسقطوها بموته؟!».

أداؤُها وقت الوجوب (١)
يجب إِخراج الزكاة فورًا عند وجوبها، ويحرُم تأخير أدائها عن وقت الوجوب.
فعن عُقبة بن الحارث -رضي الله عنه- قال: «صلّيتُ مع النّبيّ - ﷺ - العصر، فلّما سلّم؛ قام سريعًا حتى دخَل على بعض نسائه، ثمَّ خرج ورأى ما

-------------------
= على الميت وعلى الوارث بهذا الشرط.
[وقال القُتيبي]: الأب والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يُخَلِّفهما فقد مات عن ذَهاب طرفيه، فسمّى ذَهاب الطرفين كلالة.
وقيل: كلُّ ما احْتَفّ بالشيء من جوانبه فهو إِكليل، وبه سُمّيت؛ لأن الوُرَّاثَ يُحيِطون به من جوانبه.
(١)»فقه السنة" (١/ ٣٣٧) بتصرف.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #60  
قديم 12-01-2026, 04:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,455
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 31الى صــ 45
الحلقة (60)



في وجوه القوم مِن تعجُّبهم لسرعته، فقال: ذكرتُ وأنا في الصلاة تِبرًا (١) عندنا؛ فكرهتُ أن يمسي أو يبيت عندنا، فأمرتُ بقسمته» (٢).

التعجيل بأدائها قبل الحول
يجوز تعجيل الزكاة قبل الحول؛ لما ثبت عن علىّ -رضي الله عنه- «أنّ النّبيّ - ﷺ - تعجَّل من العبّاس صدقته سنتين» (٣).
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٨٥): «وأمّا تعجيل الزكاة قبل وجوبها بعد سبب الوجوب؛ فيجوز عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد ...».

مَن أحَبَّ تعجيل الزكاة من يومها (٤)
عن عقبة بن الحارث -رضي الله عنه- قال: صلّى بنا رسول الله - ﷺ - العصر فأسرَع، ثمّ دَخل البيت فلم يلبث أنْ خرج، فقلت أو قيل له، فقال: «كنت خَلَّفْتُ في البيت تِبرًا من الصدقة فكرهت أن أبيِّته، فقسَمْته» (٥).

------------------
(١) قال في «النهاية»: «التِّبر: هو الذهب والفضة قبل أن يُضربا دنانير ودراهم، فإِذا ضُربا كانا عينًا، وقد يطلق التِّبر على غيرهما من المعدنيّات؛ كالنحاس والحديد والرصاص وأكثر اختصاصه الذهب ...».
(٢) أخرجه البخاري: ١٢٢١.
(٣) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٤٥٢)، وحسنه شيخنا في «الإرواء» (٨٥٧).
(٤) هذا العنوان من «صحيح البخاري».
(٥) أخرجه البخاري: ١٤٣٠، وتقدّم.


عدم ذهاب السُّعَاة لجمع الأموال الباطنة ويتولّى الرجل تَفْرِقة أمواله الباطنة بنفسه
لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المتقدّم وفيه: «... ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه».
واعلم -رحمك الله- أنّه قد ورَد عدد من النصوص؛ فى ذَهاب السعاة لتحصيل زكاة الأموال الظاهرة من الحيوان: الإِبل والبقر والغنم، ومن الحبوب: البرُّ والشعير، ومن الثمار: النخل والعنب.
أمّا الأموال الباطنة؛ كالذهب والفضة والركاز، فالناس مؤتمنون عليها ولم يثبت إِرسال النّبيّ - ﷺ - المصدّقين لتحصيلها.
قال شيخنا في «تمام المِنّة» (ص ٣٨٣) في مناقشة السيد سابق -رحمهما الله تعالى (١) -:
«لم أجِدْ في السُّنّة أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يبعث من يجمع الصدقات من الأموال الباطنة -وهي عروض التجارة والذهب والفضة والركاز كما ذكر المؤلف نفسه- ولا وجدْتُ أحدًا من المحدّثين ذكَر ذلك.
بل صرَّح ابن القيّم بنفي ذلك، بل إِنّه نفى أن يكون البعث المذكور؛ في

---------------------
(١) وذلك في قوله:»كان رسول الله - ﷺ - يبعث نُوّابه ليجمعوا الصدقات ويوزعها على المستحقّين، وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك، لا فرق بين الأموال الظاهرة والباطنة، فلمّا جاء عثمان سار على هذا النهج زمنًا، إِلا أنه لمّا رأى كثرة الأموال الباطنة، ووجَد أنّ في تتبعها حرجًا على الأمّة، وفي تفتيشها ضررًا بأربابها؛ فوَّض أداء زكاتها إِلى أصحاب الأموال".


الكتاب في الأموال الظاهرة على عمومه، حيث قال في «الزاد»:
«كان - ﷺ - يبعث سعاته إِلى البوادي، ولم يكن يبعثهم إِلى القرى، ولم يكن من هديه - ﷺ - أن يبعث سعاته إلاَّ إِلى أهل الأموال الظاهرة؛ من المواشي والزروع والثمار».
ولو صحّ ما ذكَره المؤلف؛ لكان دليلًا من السّنّة على وجوب الزكاة على عروض التجارة. فتأمّل.
وقال أبو عبيد (رقم ١٦٤٤): «سُنّة الصامت (١) خاصّة أن يكون الناس فيه مؤتمنين عليه».
لم أجده كذلك عن الخلفاء الثلاثة، بل روى أبو عبيد (رقم ١٨٠٥)، والبيهقي (٤/ ١١٤) عن أبي سعيد المقبري، قال:
«أتيتُ عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين! هذه زكاة مالي -قال: وأتيته بمائتي درهم- فقال: أعَتَقْت يا كيسان؟ فقلت: نعم، فقال: فاذهب بها أنت فاقسمها». إِسناده جيد.
فهذا عمر -رضي الله عنه- قد أولى تفريق الزكاة إِلى صاحبها خلافًا لما نقَله المؤلف عنه، وقد ترجم البيهقي لهذا الأثر بـ «باب الرجل يتولّى تفريق زكاة ماله الباطنة بنفسه».
ما نقله عن عثمان أنّه سار على ذلك النّهج ... إِلخ. لم أجد له أصلًا في شيء من كتب الآثار، ولا ذَكَره أحد من أئمّة الحديث -فيما علمت-.

--------------------
(١) الذهب والفضَّة؛ خلاف الناطق وهو الحيوان. «النهاية».


والظاهر أنّ المؤلف نقَله -وكذا ما قبله- من بعض كتب الفقه أو غيرها؛ التي لا تتحرّى الثابت مما يُروى». والله أعلم.

الأموال التي تجب فيها الزكاة
تجب الزكاة في النقدين الذهب والفضة، والزروع، والثمار والمواشي والركاز (١).

زكاة النقدين الذَّهب والفضّة
ما جاء في الترهيب من كنز الذّهب أو الفضّة وعدم إِخراج زكاتها:
قال الله تعالى: ﴿والذّين يكنزون الذّهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشِّرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنَّم فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كَنَزْتُم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنِزون﴾ (٢).

نصاب الذهب ومقدار الواجب فيه؟
نصاب الذهب عشرون دينارًا (٣). وفيه ربع العشر.

-------------------
(١) الركاز لغة: المعدن والمال المدفون، وشرعًا: دفين الجاهلية وسيأتي تفصيله بإِذن الله -تعالى-.
(٢) التوبة: ٣٤ - ٣٥.
(٣) الدينار = ٤.٢٥ غرامًا كما تقدّم. عشرون دينارًا = ٤.٢٥×٢٠ = ٨٥ غرامًا، وانظر «فقه الزكاة» (١/ ٢٦٠) للدكتور يوسف القرضاوي.



عن عليّ -رضي الله عنه- قال: «... فإِذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول؛ فعليها خمسة دراهم، وليس على شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإِذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول؛ ففيها نصف دينار» (١).
وعن ابن عمر وعائشة: «أن النّبيّ - ﷺ - كان يأخذ من كل عشرين ديناراَّ فصاعدًا، نصف دينار، ومن الأربعين دينارًا، دينارًا» (٢).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «ليس في أقل من عشرين مثقالًا من الذهب، ولا في أقلّ من مائتي درهم صدقة» (٣).
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٢): «وأمّا نصاب الذهب؛ فقد قال مالك في»الموطأ«: السُّنّة التي لا اختلاف فيها عندنا: أنَّ الزكاة تجب في عشرين دينارًا؛ كما تجب في مائتي درهم.
فقد حكى مالك إِجماع أهل المدينة، وما حُكي خلافٌ؛ إِلا عن الحسن أنه قال: لا شيء في الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالًا. نقَله ابن المنذر».
فائدة: سُئل شيخنا -رحمه الله- هل يخرج زكاة ذهبه نقدًا أم منه نفسه؟
فأجاب -رحمه الله-: «الأصل إِخراج الذهب منه، وإخراج النقود لما لا

--------------------
(١)»صحيح سنن أبي داود«(١٣٩١).
(٢) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٤٤٨)، وصححه شيخنا في»الإِرواء«(٨١٣).
(٣) رواه أبو عبيد وهو صحيح بشواهده، وانظر»الإرواء" (٨١٥).



ينفكّ عنه. وتُراعى المصلحة في الأمر (١)، كأمر نقْل الزكاة (٢)«.
وسألت شيخنا -رحمه الله-: ماذا تفعل إِذا كان عندها ذهب ولا مال معها لإِخراج الزكاة؟ فقال: تبيع منه».

نصاب الفضة ومقدار الواجب
نصاب الفضة مائتا درهم وفيها ربع العُشر (٣).
عن عليّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قد عفوتُ عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَة (٤) من كلّ أربعين درهمًا درهمًا، وليس في تسعين ومائة شيء، فإِذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم» (٥).
وعن أنس «أنّ أبا بكر -رضي الله عنهما- كَتَب له هذا الكتاب لمّا وجّهه إِلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التي فرَض رسول الله - ﷺ - على المسلمين؛ والتي أمَر الله بها رسوله ...» وفيه: «وفي الرّقَة

------------------
(١) يعني: إِخراجه من الذهب أم من النقود.
(٢) يعني: كما تراعى المصلحة في نقل الزكاة وعدمها.
(٣) وربع العشر = ١×٤٠ = ٢.٥%.
(٤) قال الخطابي: هي الدراهم المضروبة أصْلها الوَرِق حُذفت الواو وعُوِّض عنها الهاء كعِدَة وزِنَة.»عون«(٤/ ٣١٦).
وجاء في»الفتح«(٣/ ٣٢١):»الرّقَة: -بكسر الراء وتخفيف القاف- الفضّة الخالصة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة«.
(٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٣٩٢)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي" (٥٠٦).



رُبْع العُشر» (١).

زكاة العملات الورقيّة والمعدنية
«والعملات الورقيّة والمعدنية المتعامل بها اليوم؛ حُكمها حُكم النقدين: الذهب والفضة، فينظر إِلى ما يقابلها من النقدين، فإِن بلغت قيمتها عشرين مثقالًا، أو مائتي درهم، وحال عليها الحول، زُكّيت» (٢).

زكاة الدَّيْن
الدَّيْن دَيْنَان:
١ - دَيْن يرجى رجوعه، والراجح أنّه يلزمه إِخراج الزكاة في الحال؛ لأنّه قادر على أَخْذِه والتصرُّف فيه.
٢ - دين لا يُرجى رجوعه، لعُسرٍ ألمَّ بصاحبه، أو جحودٍ أو مماطلة، فهذا لا تجب فيه الزكاة.
وإذا قبضَه يزكّي عن كلّ ما مضى؛ لأنه حقٌّ متعلّق بالعباد.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «ليس في الدَّيْن زكاة» (٣)

------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٤٥٤.
(٢) عن «تبيين المسالك» (٢/ ٧٤).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٧٨٤).



وعنها قالت: «ليس فيه زكاة حتى يقبضه» (١).
وعن علي -رضي الله عنه- في الدين الظَّنون (٢) «إِنْ كان صادقًا فليزكّه إِذا قَبضه، لِما مضى» (٣).

زكاة الحُليّ
اختلف العلماء في هذه المسألة وهناك آثار تفيد إِخراج الزكاة عنها، وأخرى تفيد عدم الإِخراج؛ ذكَرها ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٤).
زكاة الحُلي واجبة لعموم الآيات والأحاديث الآمرة بالزكاة، ولا دليل على الاستثناء.
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٦/ ١٠٠): «... صحّ عن النّبيّ - ﷺ - إِيجاب الزكاة في الذهب عمومًا؛ ولم يخصّ الحُلي من سقوط الزكاة فيه؛ لا بنصّ ولا بإِجماع، فوجبت الزكاة بالنّصّ في كلّ ذهب وفضّة.
وخصّ الإِجماع المتيقّن بعض الأعداد منهما وبعض الأزمان، فلم تجب الزكاة فيهما؛ إلاَّ في عدد أوجبه نصٌّ أو إِجماع، وفي زمان أوجبه نصٌّ أو إِجماع، ولم يُجز تخصيص شيء منها؛ إِذ قد عمَّهما النصّ؛ فوجَب أنْ لا يُفرَّق بين أحوال الذهب بغير نصّ ولا إِجماع.

---------------------
(١) أخرجه ابن أبي شيبة وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٧٨٤).
(٢) هو الذي لا يدري صاحبه أيصِل إِليه أم لا.»النهاية«.
(٣) رواه أبو عبيد وعنه البيهقي، وصحّحه شيخنا في»الإِرواء«(٧٨٥).
(٤) انظر (٦/ ٩٣) منه وما بعدها، وانظر أيضًا»الإِرواء" تحت (٨١٧).



وصحّ يقينًا -بلا خلاف- أنّ رسول الله - ﷺ - كان يوجب الزكاة في الذهب والفضة كلّ عام، والحُليّ فضّة أو ذهب، فلا يجوز أنْ يقال: «إلاَّ الحُلي» بغير نصّ في ذلك ولا إِجماع- وبالله تعالى التوفيق«.
عن أمّ سلمة -رضي الله عنها- قالت:»كنت ألبس أَوْضَاحًا (١) من ذهب، فقلتُ: يا رسول الله! أكنزٌ هو؟ فقال: ما بلغَ أن تؤدّى زكاته فليس بكنز«(٢).
وعن عبد الله بن شداد بن الهاد؛ أنه قال: دخَلْنا على عائشة زوج النّبيّ - ﷺ - فقالت: دخَل عليّ رسول الله - ﷺ - فرأى في يدي فَتَخَات (٣) من وَرِق فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهنّ أتزيّن لك يا رسول الله، قال: أتؤدّين زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: هو حسبُك من النار» (٤).

--------------------
(١) الأوْضَاح: نوع من الحُليّ يُعمل من الفضة؛ سُمّيت بها لبياضها، والوَضح: البياض من كلّ شيء. «النهاية». ملتقطًا.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٣٨٣). وقال: حسن -المرفوع منه فقط- فيُفهم عدم ثبوت المناسبة من حيث السّنَد وقد بيّن ذلك شيخنا -رحمه الله تعالى- في «الصحيحة» (٥٥٩)، وفيه: وقد روى مالك عن عبد الله بن دينار أنه قال: سمعْتُ عبد الله بن عمر يُسأل عن الكنز ما هو؟ فقال: «هو المال الذي لا تُؤدَّى منه الزكاة» وإسناده صحيح غاية«.
(٣) فَتَخَات: جمع فَتْخة وهي خواتيم كبار؛ تُلبس في الأيدي، وقيل: هي خواتيم لا فصوص لها.»النهاية«بحذف، والفُص ما يركَّب في الخاتم من الحجارة الكريمة وغيرها.»الوسيط«.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٣٨٤) وغيره، وانظر»الإِرواء" (٣/ ٢٩٦).



وتقدّم الحديث «في الرّقة العُشر» والحُليّ وَرِق يجب فيه حقّ الزكاة كما قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٦/ ١٠٠).
وفي حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «... ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (١).
وتقدّم حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضّة لا يؤدّي منها حقّها؛ إلاَّ إِذا كان يومُ القيامة؛ صُفّحت له صفائح من نار فأحمي بها جَنْبُه وجبينُه وظهره، كلما بردت؛ أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ...» ومعنى الكنز متحقِّق في حُلي الذهب والفضّة كما لا يخفى.
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٦/ ١٠٠) -بعد أن ذكر هذا الحديث-: «فوجبَت الزكاة في كلّ ذهب بهذا النص، وإنما تسقط الزكاة من الذهب؛ عمّن لا بيان في هذا النصّ بإِيجابها فيه؛ وهو العدد والوقت، لإِجماع الأمّة كلّها -بلا خلاف منها أصلًا- على أنّه -عليه الصلاة والسلام- لم يوجب الزكاة في كُلّ عددٍ من الذهب، ولا في كُلّ وقتٍ من الزمان، فلمّا صحّ ذلك، ولم يأت نصٌّ في العدد والوقت؛ وجَب أنْ لا يُضاف إِلى رسول الله - ﷺ - إِلا ما صحّ عنه؛ بنقل آحاد أو بنقل إِجماع، ولم يأت إِجماعٌ قطّ بأنه - عليه الصلاة والسلام- لم يُرْد إِلا بعض أحوال الذهب وصفاته، فلم يجُز تخصيص شيء من ذلك بغير نصٍّ ولا إِجماع».
وقال الخطابي -رحمه الله تعالى-: "الظاهر من الكتاب يشهد لقول من

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٤٤٧، ومسلم: ٩٧٩.


أوجبَها، والأثر يؤيّده، ومن أسقطها ذهَب إِلى النظر، ومعه طرَف من الأثر، والاحتياط أداؤها» (١).
«وعن فاطمة بنت قيس -رضي الله عنها- قالت: أتيت النّبيّ - ﷺ - بطوق فيه سبعون مثقالًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله! خُذ منه الفريضة التي جعل الله فيه.
قالت: فأخذ رسول الله مثقالًا وثلاثة أرباع مثقال، فوجَّهه. قالت: فقلت: يا رسول الله! خذ منه الذي جعل الله فيه.
قالت: فقسَم رسول الله على هذه الأصناف الستة، وعلى غيرهم، فقال: فذكَره.
[قالت:] قلت: يا رسول الله! رضيت لنفسي ما رضي الله -عز وجل- به ورسوله» (٢).
قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٦/ ١١٨٥): «وفي الحديث دلالة صريحة؛ على أنّه كان معروفًا في عهد النّبيّ - ﷺ - وجوب الزكاة على حُليّ النساء، وذلك بعد أنْ أمَر - ﷺ - بها في غير ما حديث صحيح؛ كنت ذكرتُ بعضها في»آداب الزفاف«[ص ٢٦٤].
ولذلك جاءت فاطمة بنت قيس -رضي الله عنها- بطوقها إِلى النّبيّ - ﷺ - ليأخذ زكاتها منه؛ فليُضَمّ هذا الحديث إِلى تلك، لعلّ في ذلك ما يُقنِع الذين لا يزالون يُفتون بعدم وجوب الزكاة على الحُليّ، فيَحرِمون بذلك

----------------------
(١)»عون المعبود«(٤/ ٣٠١).
(٢) انظر»الصحيحة" (٢٩٧٨).



الفقراء من بعض حقّهم في أموال زكاة الأغنياء!».

هل على الحُليّ المحرَّمة زكاة؟
جاء في «تبيين المسالك» (٢/ ٧٣): «أمّا الحُليّ الحرام وهو الذي يَتخِذُه الرجل للُّبْس، كخواتم الذهب وأسورته، فتجب فيه الزكاة إِذا بلَغ نصابًا، وحال عليه الحول.
كما تجب الزكاة في الأواني الفضية والذهبية، والمجامر والملاعق ونحو ذلك.
وتقدّم أنّ اقتناءها مُحرَّم على النساء والرجال. وبه قال أحمد والشافعي في أصحّ قوليه، ثمّ أشار إِلى»الروض المربع«(١/ ١١٤)، و»المجموع«(٦/ ٣٧).
وسألت شيخنا -رحمه الله تعالى-:»هل تجب الزكاة في أواني الذهب؟
فأجاب: تجب ولو كانت محرّمة، وهي أولى بالزكاة".

زكاة صداق المرأة
ليس هناك نصٌّ -فيما علمت- في صَدَاق المرأة، وبهذا فلا زكاة عليه إِلا إِذا قبضته وحال عليه الحول، هذا إِذا بلغ النصاب؛ فإِذا لم يبلغ النصاب فلا زكاة عليه.
وكذا المهر المؤجّل إِذا لم تمتلِكه؛ فإِنّه لا يجب عليه الزّكاة، وشأنه شأن الدَّين الذي يُرجى سداده، أو لا يُرجى. والله تعالى أعلم.


وسألْتُ شيخنا -رحمه الله- عن ذلك.
فأجاب -رحمه الله-: «إِذا امتلكَتْه؛ وجَب بشروط الحول والنصاب، وإذا لم تمتلكه وكان في ذمّة الزوج؛ فلا زكاة عليه.
وإِذا كانت ترى أنّ هذا المهر كالدَّين الحيّ؛ أي: يمكنها الحصول عليه متى أرادت، أو حسب اتفاقها مع زوجها، فيجب عليها إِخراج الزكاة في هذه الحالة.
أمّا إِذا كانت تعدّ هذا المهر كالدَّين الميِّت الذي لا يرجو صاحبه قبْضه، فإِنّه لا تجب عليها الزكاة في هذه الحالة».
فائدة هامّة: ما لم يرد فيه نصّ في زكاته كالدّور المؤجرة والخَضْراوات (١) والمرتّبات ونحو ذلك؛ فإِن الزكاة لا تجب فيها إلاَّ إِذا جلَبَت مالًا بلغ النصاب، وحال عليها الحول.
قال الإِمام الشوكاني -رحمه الله- في «السّيل الجرار» (٢/ ٢٧) -في الردّ على من يقول بالزكاة على المستغلاّت كالدور التي يكريها مالكها وكذلك الدّوابّ ونحو ذلك-:
"هذه مسألة لم تطن على أذن الزمن، ولا سمع بها أهل القرن الأول -الذين هم خير القرون- ولا القرن الذي يليه، ثم الذي يليه، وإِنما هي من الحوادث اليَمنِيّة، والمسائل التي لم يسمع بها أهل المذاهب الإِسلامية -على اختلاف أقوالهم وتباعد أقطارهم- ولا توجد عليها أثارة من علم؛ لا من كتاب ولا من سُنّة ولا قياس، [وأموال] المسلمين معصومة بعصمة

--------------------
(١) وسيأتي التفصيل إِن شاء الله -تعالى-.


الإِسلام؛ لا يحلّ أخْذها إلاَّ بحقّها، وإلا كان ذلك من أكْل أموال الناس بالباطل».
وجاء في «الروضة النديّة» (١/ ٤٧٩): «هذه المسألة من غرائب العلماء التي ينبغي أن تكون مغفورة؛ باعتبار ما لهم من المناقب؛ فإِنّ إِيجاب الزكاة فيما ليس من الأموال التي تجب فيها الزكاة بالاتفاق -كالدّور، والعَقار، والدّوابّ، ونحوها- بمجرّد تأجيرها بأجرة من دون تجارة في أعيانها - ممّا لم يُسمَع به في الصدر الأول الذين هم خير القرون، ثمّ الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم -فضلًا أن يُسمَع فيه بدليل من كتاب أو سُنّة- وقد كانوا يستأجرون، ويؤجِّرون، ويقبضون الأجرة من دورهم وضياعهم ودوابّهم، ولم يخطر ببال أحدهم؛ أنه يُخْرج في رأس الحول ربع عشر قيمة داره، أو عقاره، أو دوابّه! وانقرضوا وهم في راحة من هذا التكليف الشاقّ، حتى كان آخر القرن الثالث، من أهل المئة الثالتة، فقال بذلك من قال بدون دليل؛ إِلا مجرّد القياس على أموال التجارة، وقد عرَفْتَ الكلام في الأصل؛ فكيف يقوم الظلّ والعود أعوج؟!
مع أنّ هذا القياس في نفسه مختلٌّ بوجوه ...».

هل في عروض التجارة زكاة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة، واستشهد من رأى ذلك بعددٍ من النصوص والآثار، ولكنّها غير ثابتة، منها حديث سمرة بن جندب قال: «أَمَرنا النّبيّ - ﷺ - أن تُخرَج الصدقة ممّا نعدّه للبيع».


وحديث بلال بن الحارث المزني «أنّ النّبيّ - ﷺ - أخَذَ من معادن القَبليّة (١) الصدقة».
وقول عمر لحماس: «أدِّ زكاة مالك، فقال: مالي إلاَّ جِعاب (٢) وأُدُم (٣)، فقال: قوِّمها وأدِّ زكاتها».
وقد خرَّجها شيخنا -رحمه الله تعالى- في «الإِرواء» (٣/ ٣١٠).
وهناك آثار صحيحة فصَّل فيها ابن حزم -رحمه الله تعالى- (٤) وبيّن أنّه ليس فيها إِيجابٌ لزكاة العروض.
وإِذا كان كذلك: «فالحقّ أنّ القول بوجوب الزكاة على عروض التجارة؛ ممّا لا دليل عليه في الكتاب والسُّنّة الصحيحة، مع منافاته لقاعدة البراءة الأصليّة التي يؤيّدها هنا قوله - ﷺ - في خطبة حَجّة الوداع: فإِنّ دماءَكم وأموالكم وأعراضكم ... عليكم حرام؛ كحُرمة يومكم هذا؛ في شهركم هذا؛ في بلدكم هذا، ألا هل بلّغت (٥)؟!» (٦).
وعن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحلُّ

--------------------
(١) جاء في»النهاية«:»القَبَلية: منسوبة إِلى قَبَل -بفتح القاف والباء- وهي ناحية من ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمسة أيام.
وقيل: هي ناحية الفُرْع، وهو موضع بين نَخْلة والمدينة ...«.
(٢) مفردها جَعبة وهي الكِنانة [الوعاء] التي تُجعل فيها السهام.»النهاية«.
(٣) الأُدُم: الجلود.
(٤) انظر»المُحلّى«(٥/ ٣٤٧ - ٣٥٢).
(٥) انظر»صحيح البخاري«(١٧٣٩)، و»صحيح مسلم«(١٦٧٩).
(٦) قاله شيخنا -رحمه الله- في»تمام المِنّة" (ص ٣٦٣).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 15 ( الأعضاء 0 والزوار 15)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 306.36 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 300.52 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.91%)]