التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 6 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         طريقة تغيير السطوع فى ويندوز 11 بسرعة فى خطوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          كيف تُخفى ظهورك "أونلاين" على واتساب دون قطع الاتصال بالإنترنت؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          طريقة تثبيت النسخة التجريبية العامة من iOS 26 على الآيفون: الهواتف المدعومة والمزايا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          رسائل جوجل تستخدم تحديث rcs الجديد لتعزيز الصوت والأمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          Who-Fi: تقنية واى فاى مدعومة بالذكاء الاصطناعى يمكنها تحديد هوية الأفراد وتتبعهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          ماذا تفعل إذا تعرض حسابك على إنستجرام للاختراق؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          واتساب يقدم ميزة "تذكيرى" للرسائل المخصصة.. كيفية تفعيلها فى خطوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          ميزة جديدة من أبل تحمى أجهزة آيباد وابل واتش من السرقة.. تعرف عليها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          كيف تؤمن حسابك على إنستجرام فى 3 خطوات؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          جوجل تعتمد طريقة شحن جديدة لساعة Pixel Watch 4 لاسلكيا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #51  
قديم 18-01-2026, 10:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 7 الى صـــ 25
الحلقة (50)



باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]
فَسَمَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ.

٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِى أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ. قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». [٦٨٧٥، ٧٠٨٣ - مسلم: ٢٨٨٨ - فتح: ١/ ٨٤]
ثنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، ثنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، ثنَا أَيُّوبُ وُيونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هذا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هذا الرَّجُلَ. قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».
نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب نا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنِ المَعْرُورِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ».
هكذا وقع في أكثر النسخ بعد الآية الثانية، حديث الأحنف عن أبي


بكرة، ثم حديث أبي ذر (١)، ووقع في كثير من نسخه قبل ذِكر الآية الثانيه حديث أبي ذر ثمَّ قَالَ: باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ [الحجرات: ٩] الآية ثمَّ ساق حديث أبي بكرة (٢)، والجميع حَسن.
ومقصوده بذلك أن مرتكب المعصية لا يكفر، ولا يخرج بذلك عن اسم الإيمان والإسلام، وهذا مذهب أهل السنة.
فإن قُلْتَ: إنما سمي في الآية مؤمنًا، وفي الحديث مسلمًا حال الالتقاء لا في حال القتال وبعده، قُلْتُ: الدلالة من الآية ظاهرة، فإن قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] سماهما أخوين بعد القِتال، وأمر بالإصلاح بينهما؛ ولأنهما عاصيان قبل القِتال، وهو من حين سعيا إليه وقصداه. والحديث محمول عَلَى معنى الآية.
وحديث عُبَادة بن الصَّامت صريح في الدلالة، وهو قوله - ﷺ -: «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ، فَهُوَ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» (٣). والأحاديث بنحو هذا كثيرة (صريحة) (٤) صحيحة معروفة مع آيات من القرآن العزيز.
ثمَّ الكلام عَلَى الحديت الأول -وهو حديث أبي بكرة- من وجوه:
أحدها:
أخرجه أيضًا البخاري في الفتن عن عبد الله بن عبد الوهاب، نا حمَّاد بن سلمة، عن رجل لم يسمه، عن الحسن قَالَ؟ خَرجتُ

------------------------
(١) وهي رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة كما في هامش «اليونينية» ١/ ١٥، وعليه جرى شرح ابن حجر رحمه الله ١/ ٨٥. وقد سبق نصه برقم (٣٠).
(٢) وهي رواية الأصيلي كما نبه على ذلك ابن حجر في «الفتح»، وكما في متن «اليونينية».
(٣) سبق برقم (١٨).
(٤) من (ج).



بسلاحي ليالي الفتنة، فاستقبلني أبو بكرة فقال: أين تُريد؟ قُلْتُ: أريد نصرة ابن عم رسول الله - ﷺ -. يعني: عليًّا وهذا بيان للمبهم في الرواية السالفة، ثمَّ ساق الحديث. قَالَ حمَّاد بن زيد: فَذكرتُ هذا الحديث لأيوب، وُيونس بن عبيد، وأنا أريد أن يُحدثاني به، فقالا: إنَّما روى هذا الحسن عن الأحنف عن أبي بكرة.
قَالَ البخاري: ونا سليمان، نا حماد بن زيد، فساقهُ وفيه: فقلتُ، أو قِيل: يا رسول الله، هذا القاتل. والباقي مثلهُ (١)، وأخرجه مسلم من طُرق (٢).
ثانيها: في التعريف برجاله:
فأيوب سلف، وأمَّا أبو بكرة فهو: نفيع -بالنون- بن الحارث بن كَلَدة -بالكاف واللام المفتوحتين- بن عمرو بن علاج بن سلمة -وهو عبد العزى- بن غِيَرة -بكسر الغين المعجمة وفتح المثناة تحت- ابن عوف بن قَسِي -بفتح القاف وكسر السين المهملة- وهو: ثقيف بن منبه الثقفي، وقيل: نفيع بن مسروح مولى الحارث بن كلدة طبيب رسول الله - ﷺ -، وقيل: اسمه مسروح، وأمه: سمية أَمَةٌ للحارث بن كلدة، وهو أخو زياد لأمه، وهو ممن نزل يوم الطائف إلى رسول الله من حصن الطائف في بكرة، وكُنِّيَ أبا بكرة لذلك.
قَالَ الجوهري: بكرة البئر: ما يستقى عليها، وجمعها بَكَرٌ بالتحريك كحلْقة وحلق وهو من شواذ الجمع (٣).

----------------------
(١) سيأتي برقم (٧٠٨٣) كتاب: الفتن، باب: إذا التقى المسلمان بسيفيهما.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٨٨٨) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما.
(٣) «الصحاح» ٢/ ٥٩٦، مادة: (بكر).



أعتقه رسول الله جييه، وهو معدود في مواليه، وكان أبو بكرة يقول: أنا من إخوانكم في الدين، وأنا مولى رسول الله - ﷺ -، وإنْ أَبَى النَّاس ألا ينسبوني فأنا نفيع بن مسروح (١).
وكان من فضلاء الصحابة وصالحيهم، ولم يزل مُجتهدًا في العبادة حتَّى توفي. قَالَ الحسن: لم يكن بالبصرة من الصَّحابة أفضل منه، ومن عمران بن حصين، رُوِي لَهُ مائة واثنان وثلاثون حديثًا، اتفقا عَلَى ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث.
روى عنه: ابناه عبد الرحمن ومسلم وغيرهما من كِبار التابعين، وكان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم يُقاتل مع واحد من الفريقين، مات بالبصرة سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين (٢).
وأمَّا الأحنف بن قيس فهو أبو بحر، واسمه الضحاك، وقيل: صخر بن قيمس بن معاوية بن حصين بن حفص بن عبادة بن النزال بن مُرة بن عُبيد بن مُقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وُلِد وهو أحنف، والأحنف: الأعوج، والحنف: الاعوجاج في الرِّجْل (٣)، وهو أن تقبل إحدى الإبهامين من إحدى الرجلين عَلَى الأخرى، وقيل: هو الذي يمشي عَلَى ظهر قدمه من شقها. أي:

-----------------------
(١) ذكره ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٤/ ٦٣، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٣/ ٦.
(٢) انظر ترجمته - رضي الله عنه -: «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٧/ ١٥، و«التاريخ الكبير» ٨/ ١١٢ (٢٣٨٨)، و«الآحاد والمثاني» لابن أبي عاصم ٣/ ٢٠٧ (٤٦٢)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٤٨٩ (٢٢٣٩)، و«معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ١٤٢ (١١١٧)، «الثقات» لابن حبان ٣/ ٤١١، «الاستيعاب» ٤/ ٢٣، (٣٠٣)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٥ (٦٤٦٥)، «أسد الغابة» ٥/ ٣٥٤ (٥٢٨٢)، «سير أعلام النبلاء» ٣/ ٥ - ١٠، «الإصابة» ٤/ ٢٣ (١٤٤).
(٣) «الصحاح» ٢/ ١٣٤٧، مادة (حنف).



الذي يلي خنصرها، وكانت أمه ترقصه، وتقول:
والله لولا حنف في رجله … ما كان في الحي غلام مثله
وعنه عن رجل من بني ليث أنه - ﷺ - قَالَ: «اللهُمَّ اغفر للأحنف» فما شيء أرجى عندي من ذَلِكَ (١).
أدرك زمان النبي جيَخييه، ولم يره، وسمع: عمو وعليًّا والعباس وغيرهم، وعنه: الحسن وغيره.
قَالَ الحسن: ما رأيت شريف قوم كان أفضل من الأحنف. وعنه أنه قَالَ: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة الجواب (٢). مات بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة ابن الزُبير (٣).
وأمَّا الحسن فهو: أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار الأنصاري، مولاهم، البصري، وأمه خيرة مولاة أم سَلَمة أم المؤمنين، وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عمر. قالوا: ربما خرجت أمه في شُغل فيبكي

-----------------------
(١) رواه أحمد ٥/ ٣٧٢، وابن سعد في «الطبقات» ٧/ ٩٣ - ٩٤، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٢/ ٥٠، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» ١/ ٢٣٠ وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ٤٣٣ (١٢٢٥)، والطبراني ٨/ ٢٨ (٧٢٢٥) والحاكم ٣/ ٦١٤، وابن الأثير في «أسد الغابة» ١/ ٦٨ - ٦٩.
قال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢: رجال أحمد رجال الصحيح غير علي بن زيد وهو حسن. اهـ
قلت: بل ضعفه الجمهور.
(٢) رواه ابن سعد في: «الطبقات» ٧/ ٩٥.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٩٥/ ٧، «التاريخ الكبير» ٢/ ٥٠ (١٦٤٩)، «الآحاد والمثاني» ٢/ ٤٣٣ (٣٢٧)، «الثقات» لابن حبان ٤/ ٥٥، «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ١/ ٣٦٧ (٢٦٦)، «الاستيعاب» ١/ ١٢٦، «أسد الغابة» ١/ ٦٨ (٥١)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٤، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٩٦، «الإصابة» ١/ ١٠٠ (٤٢٩).



فتعطيه أم سلمة ثديها فيدر عليه، فيرون أن الفصاحة (والبركة) (١) والحكمة من بركة ذَلِكَ.
نشأ بوادي القرى (٢)، ورأى طلحة بن عبيد الله وعائشة، ولم يَصح لَهُ سماع منهما، وقيل: لقي عليًّا ولم يصح، وحَضر الدار وله أربع عشرة سنة، فسمع ابن عمر وأنسًا وجندب بن عبد الله وغيرهم من الصحابة وخلقًا من التابعين. وعنه خلقٌ من التابعين فمن بعدهم.
روينا عن الفُضيل بن عياض قَالَ: سألت هِشام بن حسَّان كم أدرك الحسن من الصحابة؟ فقال: مائة وثلاثين. قُلْتُ: فابن سيرين قَالَ: ثلاثين (٣).
وسُئِل أبو زرعة عن الحسن، ألقي أحدًا من البدريين؟ قَالَ: رآهم رؤية، رأى عثمان وعليًّا، قيل له: سمع منهما؟ قَالَ: لا، كان الحسن يوم بويع عليٌّ ابن أربع عشرة سنة رأى عليًّا بالمدينةج، ثمَّ خرج عليٌّ إلى الكوفة والبصرة، ولم يلقه الحسن بعد ذَلِكَ (٤).
وروينا عنه قَالَ: غزونا خراسان ومعنا ثلاثمائة من الصحابة، وقال ابن سعد: كان جامعًا عالمًا رفيعًا فقيهًا ثقة مأمونًا عابدًا ناسكًا كثير العلم فصيحًا جميلًا وسيمًا، قدم مكة فأجلسوه عَلَى سرير، واجتمع النَّاس إليه فحدثهم، وكان فيمن أتاه مجاهد وعطاء وطاوس وعمرو بن شعيب،

-----------------------
(١) من (ج).
(٢) هو وادي بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى، فتحها النبي - ﷺ - سنة سبع عنوة، ثم صولحوا على الجزية. انظر: «معجم البلدان» ٥/ ٣٤٥.
(٣) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٣/ ١٨٤.
(٤) انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم ص ٣١ (٥٤).



فقالوا (أو) (١) قَالَ بعضهم: ما رأينا مثل هذا قط (٢).
وسُئِل أنس بن مالك عن مسألة (فقال) (٣): سلوا مولانا الحسن؛ فإنه سمع وسمعنا فحفظ ونسينا (٤). وإمامته وجلالته مُجمع عليها. مات سنة عشر ومائة، ومات ابن سيرين بعده بمائة يوم (٥).
فائدة: روى البخاري هذا الحديث هنا عن الحسن عن الأحنف كما سلف، ورواه في: الفتن عن الحسن عن أبي بكرة، وأنكر يحيى بن معين والدارقطني سماع الحسن من أبي بكرة (٦). قَالَ الدارقطني: بينهما الأحنف (٧)، واحتج بما سلف.
وكذا رواه هشام (و) (٨) المعلى بن زياد عن الحسن (٩)، وذهب غيرهما إلى صحة سماعه منه كما ساقه في الفتن، واستدل بما أخرجه البخاري أيضًا: في الفتن في باب: قول النبي - ﷺ -: «إن ابني هذا سيد»

------------------
(١) في (ج): و.
(٢) «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٥٧ - ١٥٨.
(٣) في (ف): فقالوا.
(٤) «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٧٦.
(٥) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٧/ ١٥٦، «التاريخ الكبير» ٢/ ٢٨٩ (٢٥٠٣)، «معرفة الثقات» للعجلي ١/ ٢٩٣ (٢٩١)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٤٠ (١٧٧)، «تهذيب الكمال» ٦/ ٩٥ - ٩٦ (١٢١٦)، «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ١٦١ (١٢٢)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٥٦٣ (٢٢٣).
(٦) انظر: «إكمال تهذيب الكمال» ٤/ ٨٧.
(٧) «الإلزامات والتتبع» ص ٢٢٣.
(٨) في (ف): ابن، وفي (ج): عن، والمثبت هو الصواب كما في مصادر التخريج.
(٩) رواه النسائي ٧/ ١٢٥، عن هشام، ورواه أحمد ٥/ ٤٣، وابن أبي عاصم في «الآحاد» ص ٢٠٨، والطبراني في «الأوسط» ٨/ ٢٠٦، وابن حبان ١٣/ ٣١٩ وذكره البخاري تعليقًا بعد حديث (٧٠٨٣) عن هشام والمعلى بن زياد وغيرهما.



عن علي بن عبد الله، عن سفيان، عن إسرائيل. فذكر الحديث. وفيه: قَالَ الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة قَالَ: بينما النبي - ﷺ - يخطب (١).
قَالَ البخاري: قَالَ علي بن المديني: إنما صح عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث (٢).
وقال الباجي: هذا الحسن المذكور في هذا الحديث الذي قَالَ فيه: سمعت أبا هريرة. إنما هو الحسن بن علي، وليس بالحسن البصري (٣).
وأثنى علي بن المديني وأبو زرعة عَلَى مراسيل الحسن، وضعفها بعضهم.
وأمَّا يونس فهو: أبو عبد الله يُونس بن عُبيد بن دينار العبدي مولاهم البصري التابعي، رأى أنسًا، وسمع الحسن وابن سيرين وغيرهما من كبار التابعين، وعنه: الأئمة الأعلام، منهم: الثوري وشعبة وآخرون. وجلالتُهُ وفضله وثقته مُجمع (عليها) (٤).
قَالَ سعيد بن عامر: ما رأيت رجلًا قط أفضل منه، وأهل البصرة عَلَى ذا. مات سنة تسع وثلاثين ومائة.
قَالَ حمَّاد بن زيد: ووُلِد بعد الجارف (٥).
وأمَّا حمَّاد بن زيد فهو: الإمام أبو إسماعيل حمَّاد بن زيد بن درهم

----------------------
(١) سيأتي برقم (٧١٠٩) كتاب: الفتن، باب: قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي.
(٢) «صحيح البخاري» بعد حديث (٢٧٠٤).
(٣) «التعديل والتجريح» ٢/ ٤٨٦.
(٤) في (ج): عليه، وما أثبتناه هو اللائق بالسياق.
(٥) انظر ترجمته في:
«الطبقات» لابن سعد ٧/ ٢٦٠، «التاريخ الكبير» ٨/ ٤٠٢ (٣٤٨٨)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٤٢ (١٠٢٠)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٥١٧.



الأزدي البصري مولئ جرير بن حازم. سمع ثابتًا البناني وغيره من التابعين، وعنه السفيانان وخلق.
قَالَ عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة، الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحمَّاد بن زيد بالبصرة، وما رأيت أعلم من حمَّاد بن زيد، ولا سُفيان ولا مالك.
وقال عبيد الله بن الحسن: إنما هما الحمادان، فإذا طلبتم العلم فاطلبوه منهما (١).
وقال ابن معين: ليس أحد أثبت من حمَّاد بن زيد.
وقال يحيى بن يحيى: ما رأيت أحدًا من الشيوخ أحفظ من حماد بن زيد.
وقال أبو زرعة: حماد بن زيد أثبت من حمَّاد بن سلمة.
وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا حُجة كثير الحديث، وأنشد ابن المبارك فيه:
أيَّها الطالب علمًا … ائتِ حمَّاد بن زيد
فخذ العلم بحلم … ثُمَّ قيَّده بقيد
ودع البدعة من … آثار عمرو بن عُبيد
وإجماع الأئمة والحفاظ من أهل عصره فمن بعده مُنعقد عَلَى جلالته، وعظم علمه، وحفظه، وإتقانه، وإمامته. وُلد سنة ثمان وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، عن إحدى وثمانين. قَالَ الخطيب: حدث عن حمَّاد بن زيد: إبراهيم بن أبي عبلة، والهيثم بن سهل وبين وفاتيهما مائة وثماني سنين وأكثر. وحدَّث عنهُ الثوري:

------------------------
(١) رواه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ١/ ١٧٩، ٣/ ١٣٨.


وبين وفاته ووفاة الهيثم مائة سنة أو أكثر (١).
وأمَّا شيخ البخاري فهو أبو بكر، ويُقال: أبو محمد عبد الرحمن بن المبارك بن عبد الله البصري القيشي -بالمثناة والشين المعجمة- سَمع جمعًا، منهم: خالد الواسطي، وعنهُ جماعة من الأعلام والحفاظ منهم: البخاري وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم وقال: صدوق، وروى النسائي عن رجل عنه، ولم يرو له مسلم شيئًا.
مات سنة ثمان، وقيل: تسع وعشرين ومائتين، وقيل: سنة عشرين.
حكاه النووي في «شرحه»، ولم يذكره المزي، وإنما حكى الأولين فقط، (ووقع في شرح شيخنا الشيخ قطب الدين: مات سنة ثمان وعشرين، وقيل: تسع وعشرين فاعلم ذَلِكَ) (٢).
فائدة:
في هذا الإسناد لطيفتان: كل رجاله بصريون، وفيه ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وَهُم: الأحنف والحسن وأيوب مع يونس.
الوجه الثالث:
الآية الأولى دالة (عَلَى مذهب) (٣) أهل الحق عَلَى أن من مات مُوحدًا لا يُخلد في النار، وإن ارتكب من الكبائر -غير الشرك- ما ارتكب، وقد جاءت به الأحاديث الصحيحة في قوله: «وإن زنى،

-----------------------
(١)»السابق واللاحق«ص ١٨٠ (٤٨).
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ج).
وانظر ترجمة عبد الرحمن بن المبارك في:»الطبقات«لابن سعد ٧/ ٢٨٦،»التاريخ الكبير«٣/ ٢٥ (١٠٠)،»الجرح والتعديل«٣/ ١٣٧ (٦١٧)،»تهذيب الكمال" ٧/ ٢٣٩.
(٣) في (ج): لمذهب.



وإن سَرق» (١). والمُراد بالآية: من مات عَلَى الذنوب من غير توبة؛ لأنه لو مات عليها فلا فرق فيه بين الشرك وغيره، وقد تظاهرت الأدلة، وإجماع السلف عليه.
وأما الآية الثانية فهي عمدة أصحابنا وغيرهم من العلماء في قتال أهل البغي. وسيأتي بسط الكلام في ذَلِكَ في بابه، حيث ذكره البخاري، إن شاء الله تعالى.
الرابع:
الطائفة: القطعة من الشيء. قاله أهل اللغة (٢). والمراد بالطائفتين في الآية: الفرقتان من المسلمين. وقد تطلق الطائفة عَلَى الواحد، هذا قول الجمهور من أهل اللغة وغيرهم.
وقال الزجاج: الذي عندي أن أقل الطائفة اثنان. وقد حمل الشافعي وغيره من العلماء الطائفة في مواضع من القرآن عَلَى أوجه مختلفة بحسب المواطن، فهي في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]، واحد فأكثر، واحتج به في قبول خبر الواحد، وفي قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ [النور: ٢] أربعة. وفي قوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] ثلاثة.
وفرقوا في هذِه المواضع بحسب القرائن، أما في الأولى فلأن
الإنذار يحصل به، وفي الثانية؛ لأنها البينة فيه، وفي الثالثة؛ لذكرهم
بلفظ الجمع في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] .. إلى

-----------------------
(١) سيأتي برقم (١٢٣٧) كتاب الجنائز، باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله. ورواه مسلم (٩٤) كتاب: الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة.
(٢) «المجمل» ١/ ٥٩٠، «تهذيب اللغة» ٣/ ٢١٥٥.



آخره، وأقله ثلاثة عَلَى المذهب المختار، وقول جمهور أهل اللغة والفقه والأصول. فإن قُلْتَ: فقد قَالَ تعالى في آية الإنذار: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] وهذِه ضمائر جموع.
فالجواب: أن الجمع عائد إلى الطوائف التي تجتمع من الفرق.
الخامس:
الرجل المبهم في هذِه الرواية هو علي بن أبي طالب كما أسلفناه في الرواية الأخرى.
السادس:
قوله: («إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ») وفي الرواية الأخرى: «إِذَا تواجه المسلمان» (١). ومعنى تواجه: ضرب كل منهما صاحبه أي: ذاته وجملته.
السابع:
معنى قوله - ﷺ -: («فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ») أنهما يستحقانها، وأمرهما إلى الله تعالى، كما هو مصرح به في حديث عبادة، «فإن شاء عفي عنهما، وإن شاء عاقبهما» (٢) ثمَّ أخرجهما من النار فأدخلهما الجنة، كما ثبت في حديث أبي سعيد وغيره في العصاة الذين يخرجون من النار فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل (٣). ونظير هذا الحديث في المعنئ قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] معناه: هذا

----------------------
(١) سيأتي برقم (٧٠٨٣) كتاب: الفتن، باب: إذا التقى المسلمان بسيفيهما، ورواه مسلم (٢٨٨٨) كتاب: الفتن، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما.
(٢) سبق برقم (١٨) باب: (١١).
(٣) سبق برقم (٢٢) باب: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.



جزاؤه، وليس بلازم أن يُجازى، ثمَّ هذا الحديث محمول عَلَى غير المتأول، كمن قاتل لعصبية وغيرها.
الثامن:
اختلف العلماء في القتال في الفتنة، فمنع بعضهم القتال فيها وإن دخلوا عليه، عملًا بظاهر هذا الحديث، وبحديث أبي بكرة في «صحيح مسلم» الطويل: «إنها ستكون فتن» (١) الحديث. وقال هؤلاء: لا يقاتل وإن دخلوا عليه وطلبوا قتله، ولا تجوز لَهُ المدافعة عن نفسه؛ لأن الطالب متأول، وهذا مذهب أبي بكرة وغيره.
وفي «طبقات ابن سعد» مثله عن أبي سعيد الخدري، وقال عمران بن حصين وابن عمر وغيرهما: لا يدخل فيها فإن قصدوا (دافع) (٢) عن نفسه. وقَالَ معظم الصحابة والتابعين وغيرهما: يجب نصر الحق وقِتال الباغين؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وهذا هو الصحيح.
وتتأول أحاديث المنع عَلَى من لم يظهر لَهُ الحق، أو عَلَى عدم التأويل لواحد منهما، ولو كان كما قَالَ الأولون لظهر الفساد واستطالوا (٣).
والحق الذي عليه أهل السنة الإمساك عن ما شجر بين الصحابة، وحسن الظن بهم والتأويل لهم، وأنهم مجتهدون متأولون، لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، فمنهم المخطئ في اجتهاده والمصيب. وقد رفع الله الحرج عن المجتهد المخطئ في الفروع، وضعَّف أجر

----------------------
(١) مسلم (٢٨٨٧) كتاب الفتن، باب نزول الفتن كمواقع القطر.
(٢) في (ج): دفع.
(٣) انظر: «مسلم بشرح النووي» ١٨/ ١٠.



المصيب. وتوقف الطبري وغيره في تعيين المحق منهم، وصرح (به الجمهور) (١) إذ كان أفضل من كان عَلَى وجه الدنيا حينئذ.
وتأول غيره بوجوب القيام بتغيير المنكر في طلب قتلة عثمان الذين في عسكره، وأنهم لا يعتقدون إمامة، ولا (يعطون) (٢) بيعة حتَّى نقضوا ذَلِكَ، ولم ير هو دفعهم إذ الحكم فيهم للإمام، وكانت الأمور لم تستقر، وفيهم عدد ولهم منعة وشوكة، ولو أظهر تسليمهم أولًا أو القصاص منهم لاضطرب الأمر، ومنهم جماعة لم يدخلوا في شيء، واحتجوا بالنهي عن التلبس بالفتن، وعذروا الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما باغية فيقاتلوها (٣).
التاسع:
قوله - ﷺ -: («إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ») وفي رواية أخرى: «إنه قَدْ أراد قتل صاحبه» (٤) فيه حجة للقول الصحيح الذي عليه. الجمهور: أن العزم عَلَى الذنب، والعقد عَلَى عمله معصية يأثم به وإن لم يعمله ولا تكلم به، بخلاف الهم المعفو عنه، وللمخالف أن يقول: هذا فعل أكثر من العزم، وهو المواجهة والقتال (٥).

--------------------
(١) في (ج): الجمهور به.
(٢) في الأصل: يطيعون، والصواب ما أثبتناه كما في «المفهم» ٧/ ٢١٣.
(٣) انظر: «إكمال المعلم» ٨/ ٤٢١ - ٤٢٢، «المفهم» ٧/ ٢١٢ - ٢١٣، «مسلم بشرح النووي» ١٨/ ١١.
(٤) سيأتي برقم (٦٨٧٥) كتاب الديات، باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾.
(٥) انظر: «إكمال المعلم» ٨/ ٤٢١.



الحديث الثاني: حديث أبي ذر.
والكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن سليمان عن شعبة، وأخرجه في: العتق: عن آدم عن شعبة أتم من هذا (١)، وفي الأدب: عن عمرو بن حفص بن غياث عن أبيه (٢)، وأخرجه مسلم في: الإيمان والنذور، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، وعن أحمد بن يونس، عن زهير، وعن (أبي كريب) (٣)، عن أبي معاوية، وعن (إسحاق بن إبراهيم) (٤)، عن عيسى بن يونس، كلهم، عن الأعمش، وعن أبي موسى (٥) وبندار، عن غندر، عن شعبة، عن واصل كلاهما، عن المعرور (٦).
الوجه الثاني: في التعريف برواته:
وقد سلف ترجمة شعبة وسليمان.
وأما أبو ذر فهو جُنْدب -بضم الجيم والدال، وحُكي فتح الدال، وعن بعضهم فيه كسر أوله وفتح ثالثه، وكأنه قاله لغة من واحد الجنادب، الذي هو طائر -وقيل: اسمه بُرَير- بضم الموحدة وراء مكررة -بن جندب. والمشهور الأول. (جُندُب) (٧) بن جُنادة- بضم

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٢٥٤٥) كتاب: العتق، باب: قول النبي - ﷺ -: «العبيد إخوانكم ..».
(٢) سيأتي برقم (٦٠٥٠) كتاب: الأدب، باب: ما ينهى من السباب واللعن.
(٣) في الأصول: أبي بكر، والمثبت هو الصواب كما في مسلم.
(٤) في الأصول: إسحاق بن يونس، والمثبت من «صحيح مسلم».
(٥) هو محمد بن المثنى.
(٦) مسلم (١٦٦١) كتاب: الأيمان والنذور، باب: إطعام المملوك.
(٧) من (ف).



الجيم- بن سفيان بن عبيد بن الوقيعة بن حرام بن غفار بن مُلَيل -بضم الميم وفتح اللام- بن ضصرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة الغفاري، السيد الجليل.
أسلم قديمًا، جاء عنه أنه قَالَ: أنا رابع أربعة في الإسلام (١).
ويقال: كان خامس خمسة. أسلم بمكة ثمَّ رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتَّى مضت (بدر) (٢) وأحد والخندق، ثمَّ رجع إلى المدينة.
وحديث إسلامه وإقامته عند زمزم مشهورة في «الصحيح» (٣)، ومناقبه جمة، وزهده مشهور، وتواضعه وزهده مشبه في الحديث بتواضع عيسى عصيه وزهده (٤).

------------------------
(١) رواه ابن حبان ١٦/ ٨٣ (٧١٣٤)، الطبراني في «الكبير» ٢/ ١٤٧ (١٦١٧، ١٦١٨)، الحاكم ٣/ ٣٤١ - ٣٤٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخَرجاه.
قال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٣٢٧: رواه الطبراني بإسنادين، وأحدهما متصل الإسناد ورجاله ثقات.
(٢) زيادة من (ج).
(٣) سيأتي برقم (٣٥٢٢) كتاب المناقب، باب قصة إسلام أبي ذر.
(٤) رواه الترمذي (٣٨٠٢)، والبزار في «البحر الزخار» ٩/ ٤٥٨ (٤٠٧٢)، والطبراني في «الأوسط» ٥/ ٢٢٣ (٥١٤٨)، وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٤٨٥ (١٤١٢)، والحاكم ٣/ ٣٤٢، وابن حبان ١٦/ ٨٤، من طريق النضر بن محمد، عن عكرمة ابن عمار، عن أبي زميل -سماك بن الوليد- عن مالك بن مرثد، عن أبيه، عن أبي ذرّ قال: قال لي رسول الله - ﷺ -، وفيه: «.. أصدق من أبي ذر، شبيه عيسى ابن مريم».
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. اهـ.
وقال البزار: وهذِه الأحاديث التي رواها النضر بن محمد، عن عكرمة لا نعلم أحدًا شاركه فيها عن عكرمة. اهـ.
وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عكرمة بن عمار إلا النضر بن محمد الجرشي. اهـ. =



روي لَهُ مائتا حديث وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها عَلَى اثني عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر. روى عنه: ابن عباس وأنس، وعنه خلق من التابعين، مات بالربذة سنة اثنين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود، وقصته فيها مشهورة.
وقد أوضحت ترجمته في كتابنا المسمى بـ «العدة في معرفة رجال العمدة» فراجعها منه.
ومن مذهبه أنه يُحرم عَلَى الإنسان مازاد عَلَى حاجته من المال، وكان قوالًا بالحق. وسُئل عليٌّ عنه فقال: ذاك رجل وعي علمًا عجز عنه الناس، وأوكأ علمه، ولم يخرج شيئًا منه (١).
وعن أبي ذر قَالَ: تركنا رسول الله، وما يقلب طائرٌ جناحيه في

----------------------
= وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. اهـ.
والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي».
ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٤/ ٢٢٨، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ٦/ ٣٩٠ (٣٢٢٥٧) من طريق أبي أمية بن يعلى، عن أبي الزناد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ، ومن سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر».
قال الذهبي في «السير» ٢/ ٥٩: أبو أمية بن يعلى واهٍ. اهـ.
ورواه الطبراني في «الكبير» ٢/ ١٤٩ (١٦٢٦) من طريق إبراهيم الهجري رفعه إلى عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ -، بلفظ: «من سره أن ينظر إلى شبيه عيسى ابن مريم خَلْقًا وخُلُقًا فلينظر إلى أبي ذرّ».
قال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٣٣٠: رواه الطبراني. وفيه: إبراهيم الهجري، وهو ضعيف، وإبراهيم مع ضعفه لم يدرك ابن مسعود. اهـ.
والحديث في الجملة صحيح بشواهده عند الألباني كما في «الصحيحة» (٢٣٤٣).
(١) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٢/ ٣٥٤، ٤/ ٢٣٢، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٥٣٩ - ٥٤٠، والطبراني في «الكبير» ٦/ ٢١٣ (٦٠٤١).



السماء، إلا ذكرنا منه علما (١). وعن أبي مرثد قَالَ: جلست إلى أبي ذر إذ وقف عليه رجل فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا فقال أبو ذر: والله لو وضعتم عَلَى هذِه -وأشار إلى حلقه- أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله لأنفذتها قبل أن يكون ذَلِكَ (٢).
كان طوالًا آدم، أبيض الرأس واللحية. روي عنه أنه قَالَ: ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتَّى ما ترك لي الحق صديقًا (٣).

---------------------
(١) رواه أبو داود الطيالسي ١/ ٣٨٥ (٤٨١)، وأحمد ٥/ ١٥٣، ١٦٢ من طريق الأعمش، عن منذر الثوري، عن أصحاب له عن أبي ذرّ.
ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٢/ ٣٥٤، وأحمد ٥/ ١٦٢ من طريق فطر بن خليفة، عن منذر الثوري، عن أبي ذرّ.
قال البزار في «البحر الزخار»، (٣٨٩٧) ومنذر الثوري لم يدرك أبا ذرّ. اهـ.
ورواه البزار في «البحر الزخار» (٣٨٩٧)، والطبراني في «الكبير» ٢/ ١٥٥ - ١٥٦ (١٦٤٧)، وابن حبان ١/ ٢٦٧ (٦٥) من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن ابن عيينة، عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن أبي ذرّ.
قال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٢٦٣: رواه أحمد والطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يسم. اهـ.
والحديث صحح إسناده الألباني في «الصحيحة» (١٨٠٣).
ورواه أبو يعلى في «مسنده» (٥١٠٩) من طريق فطر بن خليفة، عن عطاء قال: قال أبو الدرداء، ثم ساقه.
وعزاه الحافظ في «المطالب العالية» (٣٨٤٦) لابن منيع، وقال: رواته ثقات إلا أنه منقطع واختلف على فطر. اهـ.
(٢) سيأتي هذا التعليق في كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل.
(٣) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٤/ ٢٣٦. وانظر ترجمته في: «الاستيعاب» ١/ ٣٢١ - ٣٢٤، «أسد الغابة»، ١/ ٣٥٧ (٨٠٠)، «الإصابة» ٤/ ٦٢ (٣٨٤).



وأما المعرور فهو:-بعين مهملة وراء مكررة- أبو أمية المعرور بن سويد الأسدي الكوفي التابعي. سمع عمر بن الخطاب وغيره، وعنه: واصل والأعمش، وقال: رأيته وهو ابن عشرين ومائة سنة، وهو أسود الرأس واللحية. قَالَ يحيى بن معين وأبو حاتم: ثقة (١).
وأما واصل فهو: ابن حيان -بالمثناة تحت- الأسدي الكوفي الأحدب. سمع جماعة من التابعين، وعنه جمع من الأعلام منهم: الثوري. قَالَ يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. مات سنة عشرين ومائة (٢).
الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه:
الأول: الجاهلية: ما قبل الإسلام. سموا بذلك (لشدة جهالاتهم) (٣).
الثاني: الربذة -بفتح الراء ثمَّ موحدة ثمَّ ذال معجمة- عَلَى ثلاث مراحل من المدينة قريبة من ذات عرق (٤).
الثالث: الحلة: ثوبان لا يكون ثوبًا واحدًا، قاله أهل اللغة،
ويكونان غير لفيفين، رداء وإزار سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما يحل عَلَى الآخر.
وفي أبي داود قَالَ: رأيت أبا ذر بالربذة، وعليه برد غليظ، وعلى

----------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٧/ ١٥، «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٢٨٧ (١٧٥٧)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٤١٥ (١٨٩٥)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ٤٥٧، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٢٦٢، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ١٧٤.
(٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ١٧١ (٢٥٩٠)، «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٣٣٨ (١٩٢٧)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٩ - ٣٠ (١٣٣)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٤٠٠ - ٤٠١، «الكاشف» ٢/ ٣٤٦ (٦٠٢٧).
(٣) في (ج): لكثرة جهالتهم.
(٤) انظر: «معجم البلدان» ٣/ ٢٤.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #52  
قديم 19-01-2026, 04:56 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 26 الى صـــ 45
الحلقة (51)



غلامه مثله. فقال القوم: يا أبا ذر لو كنت أخذت الذي عَلَى غلامك فجعلته مع هذا فكانت حلة وكسوت غلامك ثوبًا آخر. فقال أبو ذر: إني ساببت رجلًا. وذكر الحديث وفي آخره: «إنهم إخوانكم، فضلَّكُم الله عليهم، فمَنْ لم يلائمكم فبيعوه، ولا تُعذبوا خَلْقَ الله» (١).
الرابع: قوله: (فسألته عن ذَلِكَ). إنما سأله لأن عادة العرب وغيرهم أن تكون ثياب المملوك دون سيده.
الخامس: قوله - ﷺ -: («إنَّك امرؤٌ فيك جاهِليَّة»). معناه: إنك في التعيير بأُمِّهِ عَلَى خُلُقٍ من أخلاق الجاهلية، ولمستَ جاهليًّا محضًا، وينبغي للمسلم أن لا يكون فيه شيء من أخلاقهم.
قيل: إنه عير الرجل بسواد أمه كما سيأتي، كأنه قَالَ: يا ابن السوداء ونحوه. وقد ذكره البخاري في كتاب: الأدب، فقال فيه: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَنِلْتُ مِنْهَا، فَذَكَرَنِي للنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لِي: «أَسَابَبْتَ فُلَانًا؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «أفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ». قُلْتُ: عَلَى سَاعَتِي هذِه مِنْ كِبَرِ السِّنِّ! قَالَ: «نَعَمْ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ» .. الحديث وفي آخره: «فليُعنه عليه» (٢).
وجاء في مسلم في أول هذا الحديث: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وفيه: فقال لَهُ - ﷺ -: «إنَّك امرؤٌ فيك جاهلية». فقلت: يا رسول الله من سبَّ الرجال سبوا أباه وأمه. فقال: «يا أبا ذر إنك امرؤٌ فيك جاهلية» (٣).

--------------
(١) أبو داود (٥١٥٧). وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٢٨٢).
(٢) سيأتي برقم (٦٠٥٠) في الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن.
(٣) مسلم (١٦٦١) كتاب الإيمان، باب: إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه.



وجاء في رواية لمسلم «فليبعه» بدل «فليعنه»، وهي وهم، كما نبَّه عليه القاضي (١).
والصواب ما في البخاري كما رواه الجمهور. وفي غير البخاري أنه - ﷺ - قَالَ لأبي ذر: «أعيرتَه بأُمِّه؟ ارفع رأسك فما أنت بأفضل ممن ترى من الأحمر والأسود إلا أن تفضل (في دين) (٢).
وقد روي أن بلالًا كان هو الذي عيره بأمه، عن الوليد بن مسلم قَالَ: كان بين بلال وبين أبي ذر محاورة فعيره أبو ذر بسواد أمه. فانطلق بلال إلى رسول الله - ﷺ - فشكى إليه تعييره بذلك، فأمره أن يدعوه.
فلما جاء أبو ذر قَالَ له:»أشتمتَ بلالًا وعيرته بسواد أمه؟ «قَالَ: نعم. قَالَ رسول الله - ﷺ -:»ما كنتُ أحسب أنه بقي في صدرِك مِنْ أمرِ الجاهلية شيء«. فألقى أبو ذر نفسه بالأرض، ثمَّ وضع خده عَلَى التراب، وقال: والله لا أرفع خدي من التراب حتَّى يطأ بلال خدي بقدمه. فوطئ خده.
السادس: قَدْ عرفت الرجل المبهم في هذا الحديث وأنه بلال، وأما الغلام فلا يحضرني اسمه فليتتبع.

-----------------
(١)»إكمال المعلم«٥/ ٤٣٤.
(٢) في (ج): في دين الله، والحديث رواه ابن راهويه ١/ ٤٢٧ - ٤٢٨ (٤٩٣)، والطبراني في»مسند الشاميين«(٢٣٤٣) من طريق كلثوم بن محمد، ثنا عطاء الخراساني، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
قلت: فيه كلثوم قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: لا يصح حديثه، وقال ابن عدي: يحدث عن عطاء الخراساني بمراسيل وغيره مما لا يتابع عليه.
وعطاء الخراساني لم يسمع من أبي هريرة، سئل يحيى بن معين هل سمع عطاء الخراساني من أحد من الصحابة؟ قال؟ لا أعلمهُ. انظر:»الكامل في الضعفاء«٧/ ٢١١،»الجرح والتعديل«٧/ ١٦٤،»مراسيل ابن أبي حاتم" ص ١٥٧ (٥٧٦).



السابع: قوله - ﷺ -: (»إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ«). قَالَ أهل اللغة: الخول: الخدم. سموا بذلك؛ لأنهم يتخولون الأمور أي: يصلحونها، ويقومون بها. يقال: خال المال يخوله إِذَا أحسن القيام عليه، وقيل: إنه لفظ مشترك، تقول: خال المال، والشيء يخول وخلت أخول خولًا إِذَا سست الشيء وتعاهدته، وأحسنت القيام عليه. والخائل: الحافظ، ويقال: خال المال، وخائل مال، وخولي مال، وخوَّله الله الشيء أي: ملَّكه إياه (١).
الثامن: قوله: (»أَعَيَّرْتَهُ بأُمِّهِ؟ «) فيه ردٌّ عَلَى [من] منع أن يقال: عيره بكذا، وإنما يقال: عيره أَمه وردوا عَلَى من قَالَ:
أيها الشامت المعير بالدهر … ................. (٢)
والحديث حجة عليهم، والعار: العيب، والمعاير: المعايب.
الوجه الرابع في فوائده:
الأولى: ما ترجم لَهُ البخاري من أن المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بمجرد فعلها، واحترز بارتكابها عن اعتقادها، فإنه إِذَا اعتقد حل محرم معلوم من دين الإسلام ضرورة كالخمر والزنا وشبههما كفر قطعًا، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء، بحيث يجوز أن يَخْفى عليه تحريم ذَلِكَ؛ فإنه حينئذٍ لا يَكْفر، بل يعرف تحريم ذَلِكَ، فإن اعتقد حله بعد ذَلِكَ كفر.

-------------
(١) انظر:»المجمل«١/ ٣٠٧،»النهاية في غريب الحديث«٢/ ٨٨.
(٢) عزاه أبو الفرج الأصفهاني في كتابه»الأغاني" ٢/ ١٣١ لعدي بن زيد، والشطر الثاني هو:
................. … أأنت المبرأ الموفور



وما ذكرناه من كونه لا يكفر بارتكاب المعاصي الكبائر هو مذهب أهل السنة بأجمعهم، وشذ الخوارج فكفروه، والمعتزلة حيث حكموا بتخليده في النار من غير تكفير، ومذهب أهل الحق أنه لا يخلد في النار، وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما ارتكب، كما جاءت الأحاديث: «وإن زنى، وإن سرق».
واحتج البخاري بالآية السالفة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وهي صريحة في الدلالة لأهل الحق؛ لأن المراد: من مات عَلَى الذنوب بلا توبة، ولو كان المراد: من تاب لما كان فرق بين الشرك وغيره، وقد تظاهرت الأدلة عَلَى ذَلِكَ، وإجماع السلف عليه.
الثانية: النهي عن سبَّ العبيد وتعييرهم بوالديهم، والحثُّ عَلَى الإحسان إليهم، والرفق بهم، فلا يجوز لأحد تعيير أحد بشيء من المكروه يعرفه في آبائه، وخاصة نفسه، كما نهى عن الفخر بالآباء، ويلحق بالعبد من في معناه من أَجِيرٍ، وخادم، وضعيف، وكذا الدواب، ينبغي أن يحسن إليها، ولا تكلف من العمل ما لا تطيق الدوام عليه، فإن كلفه ذَلِكَ لزمه إعانته (عليه) (١) بنفسه أو بغيره.
الثالثة: عدم الترفع عَلَى المسلم، وإن كان عبدًا أو نحوه من الضعفة؛ لأن الله تعالى قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وقد تظاهرت الدلائل عَلَى الأمر باللطف بالضعفة، وخفض الجناح لهم، وعلى النهي عن احتقارهم والترفع عليهم.

------------------
(١) من (ج).


الرابعة: استحباب الإطعام مما يأكل، والإلباس مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق الدوام عليه، وسيأتي بسط ذَلِكَ في: العتق، إن شاء الله.
الخامسة: المحافظة عَلَى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
السادسة: إطلاق الأخ عَلَى الرقيق.
السابعة: أن إطعام المملوك من الخبز وما يقتاته إطعام مما يأكله؛ لأن (من) للتبعيض، ولا يلزمه أن يطعمه من كل ما يأكل عَلَى العموم من الأدم، وطيبات العيش، مع أن المستحب أن لا يستأثر عَلَى عياله، ولا يفضل نفسه في العيش عليهم.


٢٣ - باب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ
٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح. قَالَ: وَحَدَّثَنِى بِشْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. [٣٣٦٠، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩، ٤٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨، ٦٩٣٧ - مسلم: ١٢٤ - فتح: ١/ ٨٧]
ثنَا أَبُو الوَليدِ قَالَ: حَدَّثنَا شُعْبَةُ وَحَدَّثَنِي بِشْرٌ ثنَا غندر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَيّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي: أحاديث الأنبياء عن أبي الوليد (١) كما ترى، وفي: التفسير عن بندار عن ابن أبي عدي عن شعبة (٢)، وفي أحاديث الأنبياء أيضًا: عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه (٣)، وعن إسحاق عن عيسى بن يونس (٤)، وفي التفسير (٥) أيضًا، واستتابة المرتدين عن قتيبة عن جرير (٦).

------------------
(١) سيأتي برقم (٣٤٢٨) باب: قول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ﴾.
(٢) سيأتي برقم (٤٦٢٩) باب: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم.
(٣) سيأتي برقم (٣٣٦٠) باب: قول الله تعالى ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.
(٤) سيأتي برقم (٣٤٢٩) باب: قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ﴾.
(٥) سيأتي برقم (٤٧٧٦) باب: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
(٦) سيأتي برقم (٦٩١٨) باب: إثم من أشرك بالله، وعقوبته في الدنيا والآخرة.



ورواه مسلم (١) هنا عن أبي بكر عن ابن إدريس، وأبي معاوية، ووكيع، وعن إسحاق، وابن خشرم عن عيسى، وعن منجاب عن علي بن مسهر، وعن أبي كريب عن ابن إدريس كلهم عن الأعمش عن إبراهيم به.
وقال فيه البخاري في بعض طرقه: لما نزلت الآية شق ذَلِكَ عَلَى أصحاب رسول الله - ﷺ - فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟! فقال رسول الله - ﷺ -: «إنه ليس كذلك ألا تسمعون إلى قول لقمان ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (٢) ولفظ مسلم قريب من هذا، فإن فيه: قالوا: أينا لم يظلم نفسه. فقال - ﷺ -: «ليس هو كما تظنون إنما هو كما قَالَ لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾».
ثانيها:
مناسبة الحديث للتبويب أن الإيمان تمامه بالعمل، وأن المعاصي تنقصه، ولا تخرجه إلى الكفر.
ثالثها: في التعريف برواته غير ما سلف وهو شعبة.
أما عبد الله بن مسعود (٣) فهو:
(أبو مسعود) (٤) عبد الله بن مسعود بن غافل -بالغين المعجمة والفاء- بن حبيب بن شمخ بن مخزوم، ويقال: شمخ بن فار -بالفاء-

----------------------
(١) مسلم (١٢٤) كتاب: الإيمان، باب: صدق الإيمان.
(٢) سيأتي برقم (٦٩١٨) كتاب: استتابة المرتدين، باب: إثم من أشرك بالله.
(٣) انظر ترجمته - رضي الله عنه - في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٢/ ٣٤٢، ٣/ ١٥٠، ٦/ ١٣، «فضائل الصحابة» ٢/ ١٠٥٦، «الاستيعاب» ٣/ ١١٠ - ١١٦، «أسد الغابة» ٣/ ٣٨٤ (٣١٧٧)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ١٢٧، «الإصابة» ٢/ ٣٦٨ (٤٩٥٤).
(٤) كذا في الأصول، والصواب: أبو عبد الرحمن، كما في مصادر الترجمة.



ابن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر الهذلي الكوفي السيد الجليل، أسلم بمكة قديمًا، وهاجر إلى الحبشة ثمَّ إلى المدينة، وشهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وكان كثير الدخول عليه.
روي لَهُ ثمانمائة حديث، وثمانية وأربعون حديثًا. اتفقا منها عَلَى أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين.
روى عنه جماعة من الصحابة منهم: أنس وخلق من التابعين، ومناقبه جمة، وكذا جلالته وكثرة فقهه، استوطن الكوفة، ومات بها سنة اثنين وثلاثين، وقيل: ثلاث. وقال جماعة: مات بالمدينة، ودفن بالبقيع عن بضع وستين سنة، وترجمته موضحة في «رجال العمدة» تأليفي.
فائدة:
عبد الله بن مسعود في الصحابة ثلاثة، أحدهم هذا، وثانيهم أبو عمرو الثقفي أخو أبي (عبيد) (١)، استشهد يوم الجسر كأخيه (٢)، وثالثهم غفاري. وقيل: أبو مسعود لَهُ حديث (٣)، وفيهم رابع، اختلف في اسمه فقيل: ابن مسعدة، وقيل: ابن مسعود، فزاري (٤).

---------------------
(١) في الأصل: عبيدة، والمثبت هو الصواب كما في «الاستيعاب» ٣/ ١١٠، «الإصابة» ٢/ ٣٧٠.
(٢) انظر: «الإصابة» ٢/ ٣٧٠ (٤٩٥٥) وفيه عبد الله بن مسعود بن عمرو الثقفي.
(٣) انظر: «أسد الغابة» ٣/ ٣٩٠ (٣١٧٨)، «الإصابة» ٢/ ٣٧٠ (٤٩٥٦).
(٤) انظر: «أسد الغابة» ٣/ ٣٨٤.



وأما علقمة (١) فهو: أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان -بفتح السين المهملة- بن كهيل بن بكر بن عوف بن النخع، النخعي، الكوفي عم الأسود، وعبد الرحمن ابني يزيد بن قيس خالي إبراهيم النخعي.
سمع خلقًا من كبار الصحابة منهم: عمر وعثمان وعلي، وعنه خلق من كبار التابعين منهم: الشعبي والنخعي. وجلالته وإمامته وثقته مجمع عليها، وهو أكبر أصحاب ابن مسعود، وكان يُشَبَّه به هديًا ودلًّا (٢). مات سنة اثنين وستين، وقيل سنة اثنين وسبعين، روى لَهُ الجماعة إلا مالكا، قاله في «الكمال» ولم يستثنه المزي.
وأما إبراهيم فهو إمام أهل الكوفة، أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود (٣) بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن

----------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٦/ ٨٦، «التاريخ الكبير» ٧/ ٤١ (١٧٧)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٤٠٤ (٢٢٥٨)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ٢٠٧، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ٣٠٠ (٤٠١٧)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٥٣ (١٤).
(٢) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٦/ ٨٦، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٥٥٣ - ٥٥٤.
(٣) قال العلامة علاء الدين مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» ١/ ٣١٣ - ٣١٤: إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة. كذا نسبه يعقوب بن سفيان الفسوي في «تاريخه الكبير»، والحافظ إسحاق القراب في «تاريخه» وقال: يزيد بن الأسود ابن عمرو بن ربيعة.
والمنتجالي، ويحيى بن معين فيما ذكره عباس، وأبو العرب القيرواني، وأبو زرعة النصري في كتاب «التاريخ»، وابن حبان، وأبو داود، ومحمد بن سعد في كتاب «الطبقات الكبير»، وخليفة ابن خياط في كتابيه «الطبقات»، و«التاريخ»، والكلبي في كتاب «الجمهرة» و«جمهرة الجمهرة»، و«الجامع لأنساب العرب»، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وابن دريد في كتاب «الاشتقاق الكبير»، وصاعد =



النخع، النخعي، الكُوفي، التابعي، المُجمَع عَلَى إمامته وجلالته وصلاحه. دخل عَلَى عائشة ولم يثبت لَة منها سماع، وهو ابن أخت الأسود، وعبد الرحمن ابني يزيد بن قيمس، أمه: مليكة بنت يزيد ابن قيس.
سمع علقمة وخاليه، وخلائق من كبار التابعين، وعنه جماعات من التابعين منهم: السبيعي والأعمش والحكم وآخرون. قَالَ الشعبي: ما ترك أحدًا أعلم منه أو أفقه منه ولا الحسن ولا ابن سيرين، وقال الأعمش: كان صيرفي الحديث (١)، وقال أحمد بن عبد الله (٢): كان مفتي أهل الكوفة هو والشعبي في زمنهما، وكان رجلًا صالحًا ثقة. مات سنة خمس أو ست وتسعين، عن تسع وأربعين، مختفيًا من الحجاج، وقيل: عن ست وأربعين، وقيل: عن تسع، وقيل: ثمان وخمسين (٣).
وأما سليمان (٤) الراوي عن إبراهيم فهو: الإمام الجليل، أبو محمد
سليمان بن مهران، الأسدي الكاهلي الكوفي التابعي، الأعمش مولى

------------------
= اللغوي، والبرقي في «تاريخه الكبير»، وابن أبي خيثمة في «تاريخه الكبير»، و«الأوسط»، وغيرهم من المؤرخين والنسابين، وفي كتاب «الأمالي» للسمعاني: إبراهيم بن يزيد بن عمرو بن ربيعة، وكذا ذكره البخاري في «تاريخه الكبير»، وابن حبان، وأبو حاتم الرزاي، وأبو نصر الكلاباذي، والباجي.
والذي قاله المزي: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود لم أر معتمدًا قاله. اهـ.
(١) رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٦٠٧.
(٢) «معرفة الثقات» ١/ ٢٠٩ (٤٥).
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٦/ ٢٧٠، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٤٤ (٤٧٣)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٣٣ (٢٦٥)، «الكاشف» ١/ ٢٧٧ (٢٢١).
(٤) انظر ترجمته في: «الطبقات» ابن سعد ٦/ ٣٤٢، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٧ (١٨٨٦)، «الثقات» للعجلي ١/ ٤٣٢ (٦٧٦)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٧٦ (٢٥٧٠)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٢٢٦ (١١٠).



بني كاهل، وكاهل هو ابن أسد بن خزيمة، رأى أنسًا، قيل: وأبا بكرة (١).
وروى عن (ابن) (٢) أبي أوفي (ولم يثبت لَهُ سماع من واحد منهما) (٣).
سمع خلقًا من كبار التابعين، وعنه خلق منهم فمن بعدهم، وهو: ثقة جليل إمام بالإجماع وورعه كذلك.
قَالَ يحيى القطان: كان من النساك، وعلامة الإسلام (٤).
وقال عيسى بن يونس: لم نر نحن ولا القرن الذي قبلنا مثله، وما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش (مع) (٥) فقره وحاجته (٦)، وقال وكيع: مكث الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى (٧) يعني: في صلاة الجماعة، وعن زهير: كان حليمًا في غضبه (٨)، وعن شعبة: أنه كان إِذَا ذكر الأعمش قَالَ: المصحف

---------------
(١) عزا هذا القول المزي في «تهذيب الكمال» ١٢/ ٨٤ لأبي الحسين ابن المنادي.
قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٢/ ١١١: وقول ابن المنادي الذي سلف: أن الأعمش أخذ بركاب أبي بكرة الثقفي غلط فاحش؛ لأن الأعمش ولد إما سنة إحدى وستين أو سنة تسع وخمسين على الخُلف في ذلك، وأبو بكرة مات سنة إحدى أو اثنتين وخمسين، فكيف يتهيأ أن يأخذ بركاب من مات قبل مولده بعشر سنين أو نحوها؟ وكأنه كان -والله أعلم- أخذ بركاب ابن أبي بكرة فسقطت «ابن» وثبت الباقي، وإني لأتعجب من المؤلف مع حفظه ونقده كيف خفي عليه هذا. اهـ.
(٢) ساقط من (ج).
(٣) من (ف).
(٤) رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ٨.
(٥) في الأصول: (عند)، والمثبت هو الصواب.
(٦) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٤٧ - ٤٨، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ٨.
(٧) المصدران السابقان.
(٨) أورده البخاري في «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٨ (١٨٨٦).



المصحف في صدقه (١).
يقال إن أصله من طبرستان من قرية يقال لها: دباوند (٢) ناحية منها، جاء به أبوه حميلًا إلى الكوفة فاشتراه لَهُ رجل من بني أسد فأعتقه. وقال الترمذي في «جامعه» في باب: الاستتار عند الحاجة، عن الأعمش أنه قَالَ: كان أبي حَميلًا فَوَرَّثَهُ مسروق (٣). فالحميل عَلَى هذا أبوه، والحميل: الذي يحمل من بلده صغيرًا، ولم يولد في الإسلام.
وظهر للأعمش أربعة آلاف حديث، ولم يكن لَهُ كتاب، وكان فصيحًا لم يلحن قط، وكان أبوه من سبي الديلم يقال: إنه شهد قتل الحسين، وإن الأعمش ولد يوم قتل الحسين يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقال البخاري: ولد سنة ستين، مات سنة ثمان وأربعين ومائة.
فائدة:
نُسب الأعمشُ إلى التدليس (٤)، وقد عنعن في هذا الحديث عن إبراهيم، وذكر الخطيب عن بعفالحفاظ أنه يدلس عن غير ثقة، بخلاف سفيان، لكن قَدْ أسلفنا أن حديثه في «الصحيح» محمول عَلَى السماع.

--------------
(١) رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ١١.
(٢) دباوند أو دنباوند، كلاهما صحيح انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٤٣٦.
(٣) أورده الترمذي في إثر حديث رقم (١٤).
(٤) وصفه بالتدليس الكرابيسي، والنسائي، والدارقطني كما في «تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس» لابن حجر ص ٦٧. قال الحافظ الذهبي في «ميزان الاعتدال» ٢/ ٤١٤: وهو يدلس، وربما دلّس عن ضعيف، ولا يدري به، فمتى قال: حدثنا، فلا كلام، ومتى قال: عن، تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم، وابن أبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال. اهـ.



وأما غندر فهو: أبو عبد الله محمد بن جعفر الهذلي، مولاهم البصري، صاحب الكراديس، اشتهر بغندر، سمع ابن جريج وخلقًا من الكبار، منهم: شعبة، وجالسه نحو عشرين سنة، وكان شعبة زوج أمه، وعنه خلق من الحفاظ والأعلام منهم: الإمام أحمد، وابن معين، وقال: كان منذ خمسين سنة يصوم يومًا، ويفطر يومًا، وأراد بعضهم أن يخطئه فلم يقدر عليه، وكان من أصح الناس كتابا.
وقال ابن وهب: غندر في شعبة أثبت مني. وقال أبو حاتم: صدوق وهو في شعبة ثقة. وغندر لَقَّبَهُ به ابن جريج لما قدم البصرة، وحدث بحديث عن الحسن فجعل محمد يكثر التشغيب عليه فقال: اسكت يا غندر، وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرًا، وزعم أبو جعفر النحاس في كتاب «الاشتقاق» أنه من الغدر، وأن نونه زائدة والمشهور في داله الفتح، وحكى الجوهري ضمها (١). مات سنة ثلاث وتسعين ومائة قاله أبو داود، وقيل: سنة أربع، وقال ابن سعد: سنة أربع ومائتين (٢).
فائدة:
جماعة من يلقب بغندر عشرة، أوضحتهم في كتاب «المقنع» تأليفي في علوم الحديث (٣).
وأما أبو الوليد فسلف.

------------------
(١) «الصحاح» مادة (غدر).
(٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٦، «التاريخ الكبير» ١/ ٥٧ (١١٩)، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٥ - ٩ (٥١٢٠)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٩٨، «شذرات الذهب» ١/ ٣٣٣.
(٣) «المقنع» ٢/ ٥٨٥ - ٥٨٧.



وأما بشر بن خالد فهو أبو محمد العسكري الفرائضي، روى عن جماعة من الحفاظ، وعنه الأئمة: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين (١).
فائدة: هذا الإسناد اجتمع فيه رواية ثلاثة من التابعين من أهل الكوفة بعضهم عن بعض: الأعمش، وإبراهيم، وعلقمة، أئمة فضلاء.
الوجه الرابع: في ألفاظه وفوائده:
الأولى: معنى ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام: ٨٢] لم يخلطوا. يقال: لبست الأمر مخففًا، ألبسهُ بالفتح في الماضي، وكسره في المستقبل إِذَا خلطته، وفي لبس الثوب بضده.
الثانية: هل الظلم في الآية الشرك أو سائر أنواع الظلم؟
فيه قولان حكاهما الماوردي، ونقل الأول عن أُبي وابن مسعود عملا بهذا الحديث.
قَالَ: واختلفوا عَلَى الثاني فقيل: إنها عامة، ويؤيده ما رواه عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي أن رجلًا سال عنها رسول الله - ﷺ - فسكت حتَّى جاء رجلٌ فأسلم فلم يلبث قليلًا حتَّى استشهد. فقال - ﷺ -: «هذا منهم: من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٢) [الأنعام: ٨٢] وقيل: إنها خاصة، نزلت في إبراهيم -عليه السلام-، وليس لهذِه الأمة فيها شيء، قاله علي - رضي الله عنه -، وقيل: إنها فيمن هاجر إلى المدينة، قاله عكرمة (٣).

----------------
(١) انظر ترجمته في:»الجرح والتعديل«٢/ ٣٥٦ (١٣٥٦)،»الثقات«لابن حبان ٨/ ١٤٥،»تهذيب الكمال«٤/ ١١٧ (٦٨٦)،»الكاشف«١/ ٢٦٧ (٥٧٦).
(٢) ذكره السيوطي في»الدر المنثور«٣/ ٥٠ وعزاه لعبد بن حميد.
(٣)»تفسير الماوردي" ٢/ ١٣٨.



الثالثة: ذكر البخاري هذا الحديث هنا، وفي كتاب: التفسير (١) هكذا، ورواه مرة وفيه: «إنه ليس كذلك ألا تسمعون إلى قول لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾» (٢) [لقمان: ١٣] ولفظ مسلم (٣) قريب من ذَلِكَ كما سلف.
فهاتان الروايتان تفسر إحداهما الأخرى، وإنه لما شق ذَلِكَ عليهم أنزل الله الآية فقال - ﷺ - بعد ذَلِكَ: ليس ذَلِكَ الظن الذي وقع لكم كما تظنون، إنما المراد بالظلم كما قَالَ لقمان لابنه.
قَالَ الخطابي (٤): إنما شق عليهم؛ لأن ظاهر الظلم: الافتيات بحقوق الناس، وما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي، فظنوا أن المراد به هنا معناه الظاهر فشق عليهم، وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، ومن جعل العبادة لغير الله تعالى وأثبت الربوبية فهو ظالم بل أظلم الظالمين.
الرابعة والخامسة: أن المفسَّر يقضي عَلَى المجمل، وأن العام يطلق ويراد به الخاص، بخلاف قول أهل الظاهر لحمل الصحابة ذَلِكَ عَلَى جميع أنواع الظلم، فبين الله تعالى أن المراد نوع منه.
السادسة: إثبات العموم.

-------------
(١) سيأتي برقم (٤٦٢٩) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، ورواه مسلم (١٢٢) كتاب: الإيمان، باب: الإسلام يهدم ما قبله.
(٢) سيأتي برقم (٦٩١٨) كتاب: استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب: إثم من أشرك.
(٣) مسلم (١٢٤) كتاب: الإيمان، باب: صدق الإيمان وإخلاصه.
(٤) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٢.



السابعة: عموم النكرة في سياق النفي (لفهم) (١) الصحابة، وتقرير الشارع عليه، وبين لهم التخصيص. وأما القاضي فقال: حملوه عَلَى أظهر معانيه فإنه وإنْ كان ينطلق عَلَى الكفر وغيره لغة وشرعًا، فعرف الاستعمال فيه العدول عن الحق في غير الكفر، كما أن لفظ الكفر يطلق عَلَى معانٍ: من جحد النعم، والستر، لكن الغالب عند مجرد الإطلاق حمله عَلَى ضد الإيمان، فلما ورد لفظ الظلم من غير قرينة حمله الصحابة عَلَى أظهر وجوهه فليس فيه دلالة عَلَى العموم (٢).
الثامنة: تأخير البيان إلى وقت الحاجة، كذا استنبطه الماوردي والنووي وغيرهما، ونازع في ذَلِكَ القاضي عياض؛ لأنه ليس في هذِه القضية تكليف عمل بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر عن المؤمن، واعتقاد التصديق لازم لأول وروده، فما هي الحاجة المؤخرة إلى البيان، لكنهم لما أشفقوا بين لهم المراد (٣).
التاسعة: أن المعاصي لا تكون كفرًا، وهو مذهب أهل الحق، وأن (الظلم) (٤) عَلَى ضربين كما ترجم له.

-----------
(١) في (ج) تعم لفهم.
(٢) «إكمال المعلم» ١/ ٤١٧ - ٤١٨.
(٣) «إكمال المعلم» ١/ ٤١٨.
(٤) في (خ): الظالم.



٢٤ - باب: عَلَامَات المُنَافِقِ
٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». [٢٦٨٢، ٢٧٤٩ - مسلم: ٥٩ - فتح:١/ ٨٩]

٣٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأعْمَشِ. [٢٤٥٩، ٣١٧٨ - مسلم: ٥٨ - فتح: ١/ ٨٩]
ثنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ نَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَان».
نَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، ثنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وِاذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ.


الكلام عليهما من وجوه:
أحدها:
حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في الوصايا عن أبي الربيع أيضا (١)، وفي الشهادات عن قتيبة (٢)، وفي: الأدب، عن ابن سلَّام (٣).
وأخرجه مسلم (٤) هنا عن قتيبة ويحيى بن أيوب، كلهم عن إسماعيل به، وحديث ابن عمرو أخرجه البخاري في: الجزية: عن قتيبة عن جرير عن الأعمش به (٥)، وأخرجه مسلم (٦) هنا عن أبي بكر عن عبد الله بن نُمير، وعن ابن نُمير، ثنا أبي، ثنا الأعمش ح، وثنا زهير، ثنا وكيع، ثنا سفيان عن الأعمش به.
الوجه الثاني: في التعريف برواته:
وقد سلف منهم أبو هريرة وعبد الله بن عمرو، والأعمش وشعبة.
وأمَّا مسروق فهو: أبو عائشة مسروق بن الأجدع -بالجيم ثمَّ دال مهملة- بن مالك بن أُميّة بن عبد الله بن مُر بن (سلمان) (٧) بن الحارث بن سعد بن عبد الله بن وداعة بن عمرو بن عامر الهَمْداني الكوفي التابعي الكبير، صلَّى خلف الصِّديق، وسمع عمر وعائشة

------------
(١) سيأتي برقم (٢٧٤٩) كتاب: الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٨٢) كتاب: الشهادات، باب: من أمر بإنجاز الوعد.
(٣) سيأتي برقم (٦٠٩٥) كتاب: الأدب، باب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
(٤) مسلم (٥٩) كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال المنافق.
(٥) سيأتي برقم (٣١٧٨) كتاب: الجزية والموادعة، باب: كيف ينبذ إلى أهل العهد.
(٦) مسلم (٥٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال المنافق.
(٧) في (ج) سليمان.



وغيرهما، وعنهُ خلق من التابعين فمن بعدهم منهم: أبو وائل وهو أكبر منه، وإمامته وثقته وجلالتهُ مُتفق عليها.
قَالَ الشعبي: ما علمت أنَّ أحدًا كان يطلب العلم في أُفق من الآفاق مثله. وقال مُرَّة الهَمْداني: ما ولدت همدانية مثله.
وقال ابن المديني: ما أقَدِّم عليه واحدًا من أصحاب عبد الله، وكان أفرس فارس باليمن وهو ابن أُخت معدي كرب، وقال لهُ عمر: ما اسمك؟ قلتُ: مسروق بن الأجدع، فقال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «الأجدع شيطان» أنت مسروق بن عبد الرحمن (١)، قَالَ الشعبي: فرأيته في الديوان مسروق بن عبد الرحمن (٢).
وقال العجلي: كان أصحاب. عبد الله الذين يقرءون القرآن ويعلمون السُّنة: علقمة، والأسود، وعَبيدة، ومسروق، والحارث بن قيس، وعمرو بن شرحبيل (٣). مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وستين (٤).
وأمَّا الراوي عنهُ فهو عبد الله بن مُرة الهمداني الكوفي التابعي الخارفي بالخاء المعجمة والفاء، نسبةً إلى خارف، وهو: مالك بن عبد الله بن كثير بن مالك بن جشم بن خَيْوان بن نوف بن همدان،

---------------------
(١) رواه أبو داود (٤٩٥٧)، وابن ماجه (٣٧٣١)، وابن أبي شيبة ٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤.
وأحمد ١/ ٣١، والبزار ١/ ٤٥١، من حديث عمر بن الخطاب. قال البزار: هذا الحديث لا نعلم رواه عن النبي - ﷺ - إلا عمر، ولا نعلم له طريقًا عن عمر إلا هذا الطريق. اهـ. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٢٧١).
(٢) رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» ١٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣.
(٣) «معرفة الثقات» ١/ ٢٣٠.
(٤) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٧٦، «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٥ ترجمة (٢٠٦٥)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٥١ ترجمة (٥٩٠٢)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٤٥٤، «تاريخ بغداد» ١٣/ ٢٣٢.



روى عن (ابن عمر) (١) وغيره، وعنه: الأعمش ومنصور. مات سنة مائة.
قَالَ ابن سعد: في خلافة عُمر بن عبد العزيز. قَالَ يحيى بن معين وأبو زرعة: ثقة (٢).
وأمَّا الراوي عنهُ فهو: الإمام الكبير العالم الرباني القائم في الله، أبو عبد الله، سفيان (٣) بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة بن أبي عبد الله بن منقذ بن نصر بن الحارث بن ثعلبة بن ملكان بن ثور بن عبد مَناة بن أد بن طابخة -بطاء مهملة ثم باء موحدة ثم خاء معجمة- بن إلياس بن مضر بن نزار، الثوري الكوفي. إمام أهل الكوفة بل إمام العراق، وهو من تابعي التابعين، سمع خلقا من التابعين منهم: السبيعي، والأعمش، وأبا حَصين، وعنهُ: محمد بن عجلان، وهو تابعي، ومن شيوخه، وغيرهم من الأعلام. ومناقبه جمَّة.
قَالَ أحمد بن عبد الله: أحسن إسناد الكوفة سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله (٤). وقال أبو عاصم: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبتُ عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل منه، وعنهُ قَالَ: ما استودعت نفسي شيئًا فخانني (٥).

---------------
(١) في (ج): علي، وهو خطأ، والمثبت من «الجمع بين رجال الصحيحين» ١/ ٢٥٩.
(٢) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٢٩٠، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٦٥ ترجمة (٧٦٣)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ١١٤.
(٣) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٧١، «التاريخ الكبير» ٤/ ٩٢ (٢٠٧٧)، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٥٤ ترجمة (٢٤٠٧)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٢٢٩.
(٤) «معرفة الثقات» ١/ ٤١١.
(٥) ذكره النسائي في «الكبرى» ٦/ ١٥٦ (١٠٤٤٤).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #53  
قديم 19-01-2026, 05:02 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 46 الى صـــ 65
الحلقة (52)



وقال أحمد بن جَواش: كان ابن المبارك يتأسف على سفيان ويقول: لِمَ لَمْ أطرح نفسي بين يدي سفيان ما أصنع بفلان وفُلان.
وقال يونس بن عُبيد: ما رأيت أفضل من سفيان الثوري فقال له رجل: تقول هذا، وقد رأيت سعيد بن جبير وعطاء ومجاهدًا؟! فقال: هو والله ما أقول، ما رأيت أفضل من سفيان.
وُلد سنة سبع وتسعين، ومات سنة ستين ومائة، وقيل: إحدى بالبصرة، وادعى ابن سعد الإجماع عليه.
قَالَ ابن معين: كل مَنْ خالف الثوري فالقول قول الثوري، ولَمْ يكن أحد أعلم بحديث ابن إسحاق منه، وكان يُدلس (١)، وعن عبد الرزاق قَالَ: بَعث أبو جعفر الخشابين قُدامه حين خرج إلى مكة، وقال: إذا رأيتم سُفيان فاصلبوه فوصلوا مكة، ونصبوا الخَشبة، ونودي سفيان فماذا رأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجله في حجر ابن عيينة، فقالوا: لا تشمت بنا الأعداء، فأخذ بأستار الكعبة وقال: برئت منه إن دخلها، فمات أبو جعفر قبل أَنْ يدخل مكة (٢).
فائدة:
سُفيان هذا أحد أصحاب المذاهب المتبوعة كما أسْلفته أوائل الكتاب.

----------
(١) وصفه بالتدليس النسائي وغيره، وقال البخاري: ما أقل تدليسه.
انظر: «تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس» للحافظ ص ٦٤.
(٢) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٧/ ٤١ - ٤٢، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ١٥٩ (٤٧٦٣).



وأمَّا الراوي عنهُ فهو: قبيصة (١) بن عقبة بن محمد بن سفيان بن عُقبة بن ربيعة بن (جنيدب) (٢) بن رباب (٣) بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة، أبو عامر السوائيُّ، الكوفي، أخو سُفيان بن عُقبة، روى عن الثوري وغيره من الكِبار، وليس له عن ابن عيينة شيء، وعنه الأعلام، منهم: أحمد، والذهلي، والبخاري، وكان من الصالحين.
وهو مختلف في توثيقه وجرحه، واحتجاج البخاري به في غير موضع كاف، وقال يحيى بن معين: ثقة في كل شيء إلا في حديث سُفيان الثوري ليس بذاك القوي.
وقال يحيى بن آدم: كثير الغلط في سفيان كأنهُ كان صغيرًا لم يضبط، وأمَّا في غيره فهو ثقة رجل صالح، وعَنْ قبيصة أنَّهُ قَالَ: جالستُ الثوري وأنا ابن لست عشرة سنة ثلاث سنين.
وروى مسلم في: الجنائز حديثًا واحدًا عن ابن أبي شيبة عنهُ عن الثوري (٤)، وروى أبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي بواسطة، والبخاري في «الأدب» عن يحيى بن بشر عنه (٥)، ومسلم في مقدمته

-----------------
(١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٤٠٣، «التاريخ الكبير» ٧/ ١٧٧ ترجمة (٧٩٢)، «الجرح والتعديل» ٧/ ١٢٦ ترجمة (٧٢٢)، «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٤٨١ ترجمة (٤٨٤٣).
(٢) في الأصول: جندب، والمثبت هو الصواب كما في مصادر الترجمة.
(٣) وفي بعض المصادر: رئاب.
(٤) مسلم (٩٧٧) كتاب: الجنائز، باب: استئذان النبي - ﷺ - ربه -عز وجل- في زيارة قبر أمه.
والحديث «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ..».
(٥) «الأدب المفرد» (٥٤٣) ونصه «إذا أحب الرجل الرجل ..»، وقال الألباني: حسن صحيح وكذا في «الصحيحة» (٤١٨).



عن الحلواني، عن الحماني، عن قبيصة وأخيه سفيان (١)، والنسائي عن ولده عقبة عن أبيه في: «أفطر الحاجم» (٢).
مات في المُحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين كذا في شرح شيخنا قطب الدين، وقال النووي في «شرحه»: مات سنة خمس عشرة ومائتين، وهما قولان حكاهما المزي في «تهذيبه» حكى الأول عن معاوية، وحكى الثاني عن جماعة (٣).
وأما الإسناد الأول فالراوي عَنْ أبي هريرة مالك بن أبي عامر، أبو أنس الأصبحي المدني (٤)، جدّ مالك الإمام، ووالد أنس والربيع ونافع، وأويس، حليف عثمان بن عبد الله أخي طلحة التميمي القرشي. سمع عُمر وغيره، وعنهُ سُليمان بن يسار، وغيره. مات سنة اثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين.
فائدتان:
الأولى: أخرج مسلم لأبي أنس عن عثمان حديثًا في الوضوء من طريق وكيع عَنْ سُفيان عَنْ أبي النضر عن أبي أنس عن عثمان (٥)، وحديثًا في الرِّبا من حديث سليمان بن يسار عنهُ (٦).

----------------
(١) مسلم ١/ ٢٠.
(٢) النسائي في «الكبرى» ٢/ ٢٢٩ (٣١٩٤).
(٣) «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٤٨٨ - ٤٨٩.
(٤) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٥/ ٦٣، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٠٥ (١٢٩٧)، «ثقات» العجلي ٢/ ٢٦١ (١٦٧٣)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢١٤ (٩٥١)، «ثقات» ابن حبان ٥/ ٣٨٣، «الكاشف» ٢/ ٢٣٥ (٥٢٥٤)، قال ابن حجر في «التقريب» ثقة، من الثانية.
(٥) مسلم (٢٣٠) كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه.
(٦) مسلم (١٥٨٥) كتاب: المساقاة، باب: الربا.



فاستدرك الدارقطني وغيره الأول فقالوا: خالف وكيعًا لعلها زيادة أصحاب الثوري الحفاظ حيث رووه عَنْ الثوري، عَنْ أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عثمان وهو الصواب (١)، وقال مالك في «الموطأ» في الحديث الثاني أنَّهُ بلغهُ عن جده أن عثمان (٢).
الثانية: صرح مالك في: الإيمان بسماع جده مِنْ طلحة بن عُبيد الله (٣)، وكذا صرَّح به ابن سعد (٤)، وفيه نظر، كما نبَّه عليه المنذري حيث قَالَ: كيف يصح سماعه منه وأنَّه توفي سنة اثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين، وعلى هذا يكون مولده سنة أربعين مِنْ الهجرة، ولا خلاف أن طلحة قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين من الهجرة.
والإسناد صحيح أخرجه الأئمة، وفيه أنَّهُ سَمع طلحة بن عبيد الله، فلعلَّ السَّبعين صوابها التِّسعين وتصحفت بها، وقد ذَكر أبو عمر أنَّهُ توفِّيَ سنة مائة أو نحوها، فعلى هذا يكون مولده سنة ثمان وعشرين، ويمكن سماعه منه.
قُلْتُ: وعلى الأول روايته عن عمر أشكل؛ فإنه مات سنة ثلاث وعشرين فكيف يصح له قوله: شهدت عمر عند الجمرة، وأصابه حجر فدماه وذكر الحديث وفيه: فلمَّا كان مَنْ قابل أُصيب عمر. رواه ابن سعد فقال: أخبرنا يزيد بن هارون، أنا جرير بن حازم، عن عمه

-----------------
(١) «العلل» ٣/ ١٧ - ١٩ (٢٥٩).
(٢) «الموطأ» ص ٣٩٢ رواية يحيى. ونصه «لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين».
(٣) سيأتي برقم (٤٦) كتاب: الإيمان، باب: الزكاة في الإسلام.
(٤) «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٢/ ٣٧٠.



جرير بن زيد، عَنْ مالك بن أبي عامر قَالَ: شهدت عمر، الحديث (١)، فتنبه لذلك، وتبعه النووي في «شرحه».
(وقد نبه المزي أيضًا على هذا الوهم في الوفاة في أنها سنة اثنتي عشرة ومائة كما أسلفناه، مع السن المذكور، والناقل لذلك هو صاحب «الكمال» عن الواقدي، رواه عنه ابن سعد، وقال المزي في حاشية «تهذيبه»: إنه خطأ لا شك فيه، فإنه قد سمع من عمر فمن بَعْدَه، ونقل في أصل «تهذيبه» عن ولده الربيع أن والده هلك حين اجتمع الناس على عبد الملك، يعني: سنة أربع وسبعين (٢)، وجزم به في «الكاشف» فاتضح ذَلِكَ) (٣)
وأمَّا ولده نافع فهو أبو سُهيل المدني (٤) عم الإمام مالك، سمع أنس بن مالك الصحابي، وأباه، وجمعًا من التابعين، وعنة: الزهري ومالك وآخرون.
قَالَ أحمد وأبو حاتم: ثقة.
وأمَّا إسماعيل (٥) فهو: أبو إبراهيم، إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي، مولاهم المدني، قارئ أهل المدينة، وهو أخو محمد، ويحيى، وكثير، ويعقوب بن جعفر، سَمع جمعًا من التابعين منهم: عبد الله بن دينار، وغيرهم، وعنهُ جمع مِنْ الأعلام منهم: قُتيبة.

-------------------
(١) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٥/ ٦٣ - ٦٤ ترجمة مالك بن أبي عامر.
(٢) «تهذيب الكمال» ٢٧/ ١٤٩ - ١٥٠.
(٣) «الكاشف» ٢/ ٢٣٥ (٥٢٥٤)، وما بين القوسين ساقط من (ج).
(٤) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٩/ ٢١٦، «تهذيب الكمال» ٩/ ٢٩٠، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٨٣.
(٥) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٢٧، «تاريخ بغداد» ٦/ ٢١٨ (٣٢٧٤)، «تهذيب الكمال» ٣/ ٥٦.



مات ببغداد سنة ثمانين ومائة.
قَالَ يحيى بن معين: ثقة مأمون قليل الخطأ صدوق.
وقال أبو زرعة وأحمد وابن سعد: ثقة.
قَالَ ابن سعد: كان من أهل المدينة قدم بغداد فلمْ يزل بها حتى مات (١).
وأما سليمان فهو أبو الربيع، سليمان بن داود الزهراني (٢) [العتكي، سكن بغداد، وسمع كبار الأئمة منهم مالك، وعنهُ الحفاظ: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى النسائي عَنْ رجل عنهُ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو يعلى الموصلي، والبغوي. وثقه ابن معين وغيره، ومات بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين (٣).
فائدة:
في الإسناد الأول لطيفة، وهي أنهم كلهم مدنيون إلا أبا الربيع.
وفي الإسناد الثاني لطيفة، وهي أنهم كلهم كوفيون إلا عبد الله بن عمرو، وفيه لطيفة ثانية، وهي رواية ثلاثة من الأتباع بعضهم عن بعض: الأعمش، وابن مُرة، ومسروق.
الوجه الثالث:
مُراد البخاري رحمه الله بإيراد هذين الحديثين هنا أنَّ المعاصي تنقص الإيمان كما أَنَّ الطاعات تزيده.

--------------
(١) «الطبقات» ٧/ ٣٢٧.
(٢) من هنا يبدأ سقط من (ج).
(٣) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٠٧، «التاريخ الكبير» ٤/ ١١ (١٧٩١)، «الجرح والتعديل» ٤/ ١١٣ (٤٩٣) «تهذيب الكمال» ١١/ ٤٢٣ (٢٥١٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٦٧٦.



الوجه الرابع: في بيان ألفاظه ومعانيه:
فقوله - ﷺ -: «آية المنافق» أي علامته، وقد فسَّر البخاري الحديث بالترجمة حيث قَالَ: باب علامات المنافق.
والنِّفاق زَعَم ابن سيده أنَّه الدخول في الإسلام من وجه، والخروج عنه من وجه، مُشتق من نافقاء اليربوع، إسلامية، وقد نافق منافقة ونفاقًا، والنَّافقاء والنُّفَقة جحر الضب واليربوع، وقيل: هما موضع يرققه اليربوع من جحره فإذا أُتي من القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج (١).
وقال القزاز: يُقال: نافق اليربوع ينافق فهو منافق إذا فعل ذَلِكَ، وكذلك نَفقَ يُنفقُ فهو مُنافق من هذا. وقيل: المنافق مأخوذ من النفق وهو السِّرب تحت الأرض، يراد أنه يتستر بالإسلام كما سُتر صاحب النفق فيه، وجمع النفق: أنفاق، وجاء على فَعال، وأكثر ما يجيء على فِعال ما كان من اثنين، وإنما جاء على هذا عندهم؛ لأنه بمنزلة خادع وراوغ، وقيل: بل؛ لأنه يقابل بقبول الإسلام منه، فإِنْ علم أنَّهُ مُنافق فقد صار الفعل مِنْ اثنين، وسُمِّيَ الثاني باسم الأول مجازًا؛ للازدواج كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وقال ابن الأنباري: في تسمية المُنافق ثلاثة أقوال:
أحدها: لأنه يستر كفره فأشبه داخل النفق للستر.
ثانيها: لشبهه باليربوع كما سلف، فالمنافق يخرج من الإيمان من غير الموضع الذي دخل فيه.

------------
(١) «المحكم» ٦/ ٢٧٥.
واعلم أن لليربوع جحران جحر يسمى القاصعاء، وآخر يسمى النافقاء فإذا أخذ عليه من أحدهما خرج بن الآخر. انظر: «المفهم» ١/ ٢٤٩.



ثالثها: أنَّ اليربوع يخرق الأرض حتى يرق تراب ظاهرها، فإذا رابه أمرٌ رفعه وخرج. فظاهر جحره تراب، وباطنه حفر، فكذلك المنافق باطنه الكفر وظاهره الإيمان، فشبه به.
قَالَ مالك فيما حكاه القرطبي: النفاق على عهد رسول الله - ﷺ - هو الزندقة عندنا اليوم (١).
والكذب نقيض الصِّدق، وله مصادر ليس هذا موضع استقصائها.
والوعد، قَالَ الفراء: يُقال: وعدته خيرًا، ووعدته شرًّا بإسقاط الألف فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته، وفي الخير: الوعد والعِدَة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، فإذا قالوا: أوعدته بالشر أُثبت الألف مع الباء.
وقال ابن الأعرابي: أوعدته خيرًا وهو نادر.
وقال الجوهري: تواعد القوم أي: وعد بعضهم بعضًا، هذا في الخير، وأمَّا في الشر فيُقال: اتعدوا، والاتعاد أيضًا: قبول الوعد، وناس يقولون: ائتعد يأتعد فهو مُؤتعد بالهمز. كذا في «الصحاح» (٢)، وقال ابن بري: الصواب ترك الهمزة. وكذا ذكره سيبويه وأصحابه وجميع النحويين.
والخيانة: أنْ يؤتمن الإنسان فلا ينصح، قاله ابن سيده (٣).
والغدر: ترك الوفاء. قَالَ الجوهري: غَدَر به فهو غادر وَغُدَرُ أيضًا، وأكثر ما يُستعمل هذا في النداء بالشتم (٤). وقال صاحب «المجمل»:

---------------------
(١) «المفهم» ١/ ٢٤٩.
(٢) «الصحاح» ٢/ ٥٥١، مادة: (وعد).
(٣) «المحكم» ٥/ ١٨٣.
(٤) «الصحاح» ٢/ ٧٦٦، مادة: (غدر).



الغدر: نقض العهد وتركه (١).
قلت: وفتح الدال من غدَر أفصح من كسرها، وفي المضارع الضم والكسر.
ومعنى: (فجر): مال عن الحق وقال الباطل والزور، وأصله: الميل عن القصد، والخصلة: الخلة. كما جاء في مسلم -بفتح الخاء فيها- وأما الخُلة -بضم الخاء- فهي: الصداقة.
الوجه الخامس: في فقهه:
حصل من مجموع الروايتين أن خصال المُنافق خمس: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإن كانت الخصلة الرابعة داخلة في الثالثة؛ لأن الغدر خيانة ممن ائتمن عليه من عهده، ولا مُنافاة بين الروايتين، فإن الشيء الواحد يكون له علامات كل واحدة منها تحصل بها صفته ثم قد تكون تلك العلامة شيئًا واحدًا وقد تكون أشياء.
وروى أبو أمامة موقوفًا: وإذا غنم غل وإذا أُمر عصى، وإذا لقي جَبُن (٢).
ثم هذا الحديث عَدَّه جماعة من العلماء مشكلًا من حيث أن هذِه الخصال قد توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمعت الأمة على أن من كان مصدقًا بقلبه ولسانه وفعل هذِه الخصال لا يُحكم عليه بكفرٍ، ولا هو مُنافق يُخلَّد في النار؛ قالوا: وقد جمعت إخوة يوسف -عليه السلام- هذِه الخصال (…) (٣) لبعضهم بعضها أو كلها وانفصلوا عنه بأوجه:

------------------
(١) «المجمل» ٢/ ٦٩٢، مادة: (غدر).
(٢) رواه الفريابي في «صفة المنافق» ص ٥١ (٢٠).
(٣) مقدار كلمة غير واضحة بالأصل.



أظهرها: أن هذِه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذِه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن [النفاق] (١) إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى موجود في صاحب هذِه الخصال، ويكون نفاقه خاصًّا في حق من حدثه ووعده وائتمنه وعاهده وخاصمه من الناس، لا أنه منافق في الإسلام يظهره ويبطن الكفر، فهذا هو المراد لا أنه أراد نفاق الكفار الذي يخلد صاحبه في الدرك الأسفل من النار (٢).
وقوله - ﷺ -: «كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا» معناه: شديد الشبه بالمنافقين؛ بسبب هذِه الخصال، وقد روي عن عمار موقوفًا: ثلاث إذا كن في عبد فلا تتحرج أن تشهد عليه أنه منافق (٣) …، ومن كان إذا حدَّث صدق، وإذا وعد أنجز، وإذا اؤتمن أدى فلا تتحرج أن تشهد أنه مؤمن (٤).
قَالَ الخطابي: وقد روي: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (٥) وإنما هو كفر دون كفر وفسوق دون فسوق، وكذلك يكون نفاق دون نفاق (٦).
قَالَ بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذِه الخصال غالبة عليه، فأما

-----------------
(١) كلمة يقتضيها السياق، من «مسلم بشرح النووي» ٢/ ٤٧.
(٢) انظر: «مسلم بشرح النووي» ٢/ ٤٧.
(٣) كذا بالأصل، وباقي الحديث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان.
(٤) لم أقف عليه من حديث عمار، ورواه الفريابي في «صفة المنافق» ٥٠ (١٧). عن عبد الله بن عمرو.
(٥) سيأتي برقم (٤٨) كتاب: الإيمان، باب: خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
(٦) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٦.



من ندر ذَلِكَ منه فليس داخلًا فيه. وقد نقل الترمذي معناه عن العلماء مطلقًا فقال: إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل (١). وأجاب هؤلاء عن قصة إخوة يوسف بأن هذا لم يكن عادة لهم إنما حصل منهم مرة واستغفروا وحللهم صاحب المظلمة.
الوجه الثاني: أن المراد: المنافقون الذين كانوا في زمنه - ﷺ -، الذين حدثوا بإيمانهم فكذبوا، وائتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا في النصرة فخالفوا، وفجروا في خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء، ورجع إليه الحسن بعد أن كان على خلافه.
وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس، ويروى عنهما مرفوعًا: «ما لكم ولهن إنما خصصت به المنافقين أما قولي: إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله عليَّ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] الآية أفأنتم كذلك؟» قلنا: لا. قَالَ: «فلا عليكم، أنتم من ذَلِكَ براء، وأما قولي: إذا وعد أخلف فذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ﴾ [التوبة: ٧٥] الآيات الثلاث، أفانتم كذلك؟» قلنا: لا. قَالَ: «لا عليكم أنتم براء، وأما قولي: إذا ائتمن خان، فذلك فيما أنزله الله عليَّ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، فكل إنسان مؤتمن على دينه، فالمؤمن يغتسل من الجنابة ويصلي ويصوم في السر والعلانية، والمنافق لا يفعل ذَلِكَ إلا في العلانية أفأنتم كذلك؟» قلنا: لا. قالَ: «لا عليكم أنتم من ذَلِكَ براء» (٢).
قَالَ القاضي: وإلى هذا القول مال كثير من أئمتنا (٣).

------------------
(١) «جامع الترمذي»، عقب حديث رقم (٢٦٣٢).
(٢) ذكره القرطبي في «تفسيره» ٨/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٣) «إكمال المعلم» ١/ ٣١٥.



الوجه الثالث: أنه وارد في منافق بعينه، وكان - ﷺ - لا يواجههم بالصريح من القول وإنما يشير إليهم بالإشارة والعلامة.
وقال حذيفة: ذهب النفاق، وإنما كان على عهد رسول الله - ﷺ - ولكنه الكفر بعد الإيمان، فإن الإسلام شاع وتوالد الناس عليه، فمن نافق فهو مرتد (١).
رابعها: إنه محمول على من غلبت هذِه الخصال عليه وهذا سلف، فحذر المسلم من اعتياد هذِه الخصال؛ خوفًا من إفضائها إلى النفاق.
قَالَ الخطابي: وكلمة (إذا) تقتضي تكرار الفعل (٢).
وسُئل مالك رحمه الله عمن جرب عليه كذب، فقال: أي نوع من الكذب؟ لعله إذا حدث عن غضادة عيش سلف زاد في وصفه وأفرط في ذكره، أو عما رآه في سفره، فهذا لا يضره، إنما يضر من حدث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه عامدًا للكذب.
قَالَ الخطابي وقد جاء في حديث: «التاجر فاجر» (٣) و«أكثر منافقي أمتي قراؤها» (٤)، ومعناه: التحذير من الكذب، إذ هو في معنى الفجور

-----------------
(١) رواه ابن بطة في «الإبانة» (٩١٣)، أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢٨٠ والفريابي في «صفة المنافق» ص ١٣٨ - ١٤٠ (١١٤ - ١١٦)، الهروي في «ذم الكلام» (٩٥).
عن أبي الشعثاء، عن حذيفة.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٨.
(٣) رواه الترمذي (١٢١٠)، وابن ماجه (٢١٤٦) عن اسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وضعفه الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٤٦٧).
(٤) رواه ابن المبارك في «الزهد» (٤٥١)، ومن طريق أحمد ٢/ ١٧٥، والبخاري في «التاريخ الكبير» ١/ ٢٥٧ (٨٢٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٥/ ٣٦٣ (٦٩٥٩) عن عبد الرحمن بن شريح، عن شراحيل بن يزيد، عن محمد بن هدية، عن عبد الله =



فلا يوجب أن يكون التجار كلهم فجارًا، والقراء قد يكون من بعضهم قلة إخلاص للعمل وبعض الرياء ولا يوجب أن يكونوا كلهم منافقين (١).
فرع:
يستحب الوفاء بالوعد بالهبة وغيرها استحبابًا مؤكدًا، ويكره إخلافه كراهة تنزيه لا تحريم؛ لأنه هبة لا تلزم إلا بالقبض، قَالَ الغزالي في «الإحياء»: وإخلاف الوعد إنما يكون كذبًا إذا لم يكن في عزمه حين الوعد الوفاء به، أما لو كان عازمًا عليه ثم بدله فليس بكذب.

----------------
= ابن عمرو به. ورواه أحمد ٢/ ١٧٥ من طريق ابن لهيعة عن درّاج، عن عبد الرحمن ابن جبير، عن عبد الله بن عمرو به.
قال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٢٢٩: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات، وكذلك رجال أحد إسنادي أحمد ثقات. اهـ.
ورواه أحمد ٤/ ١٥١، والخطيب في «تاريخه» ١/ ٣٥٧ من طريق ابن لهيعة عن فشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر به.
ورواه الطبراني في «الكبير» ١٧/ ٣٠٥ (٨٤١) من طريق ابن لهيعة عن أبي عشانة، عن عقبة، ورواه أحمد ٤/ ١٥٥، والبيهقي في «الشعب» ٥/ ٣٦٣ (٦٩٦٠) من طريق الوليد بن المغيرة، عن مشرح، عن عقبة بن عامر به. قال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٢٢٩: رواه أحمد والطبراني، وأحد أسانيد أحمد ثقات أثبات. اهـ.
ورواه الطبراني ١٧/ ١٧٨ (٤٧١) من طريق الفضل بن المختار، عن عبد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك به. قال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٢٣٠: رواه الطبراني وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف. اهـ.
ورواه العقيلي في «الضعفاء» ١/ ٢٧٥ (٣٣٨) من طريق حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس به.
قال العقيلي: ولا يتابع على هذا أيضًا من حديث ابن عباس، وقد روي هذا عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - بإسناد صالح. اهـ.
والحديث صحيح بمجموع طرقه عند الشيخ الألباني كما في «الصحيحة» (٧٥٠).
(١) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٥.



فرع:
يستحب أن يعقب الوعد وغيره من الأخبار المستقبلة بالمشيئة؛ ليخرج عن صورة الكذب.
فرع:
يستحب إخلاف الوعيد إذا كان المتوعد به جائزًا ولا يترتب على تركه مفسدة.
فائدة:
عن وهب الذماري: صفة المنافق: تحيته لعنة، وطعامه سحت، وغنيمته غلول، صخب النهار، خشب الليل (١).
وعن الحسن: المنافق إذا صلى راءى بصلاته، وإذا فاتته لم يأسَ عليها، ويمنع زكاة ماله (٢).

------------------
(١) رواه الفريابي في «صفة المنافق» ص ٦٤ (٦٢).
(٢) رواه الفريابي في «صفة المنافق» ص ٦٦ (٦٩)، وابن جرير في «تفسيره» ١٢/ ٧١١.



٢٥ - باب قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ
٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [٣٧، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤ - مسلم: ٧٦٠ - فتح: ١/ ٩١]
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ أَبنا شُعَيْبٌ نَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في الصيام مطولًا (١) وأخرجه (٢).
ثانيها: في التعريف برجاله:
وقد سلف ذكرهم.
ثالثها: في ألفاظه:
معنى: قوله: («إيمانًا») أي: تصديقًا بأنه حق فصدق بفضل صيامه وقيامه.
وقوله: («احتسابًا») أي: يريد به وجه الله تعالى بريئًا من رياء وسمعة، فقد يفعل ما يعتقد صدقه لا مخلصًا، بل رياء أو خوفًا من قاهر أو من فوات منزلة ونحو ذَلِكَ.

-------------------
(١) سيأتي برقم (١٩٠١) كتاب: الصوم، باب: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية.
(٢) كذا في الأصل، ولعلها: وأخرجه مسلم، كما في «عمدة القاري» ١/ ٢٥٩.



رابعها: في فوائده:
الأولى: الحث على قيام رمضان، سيأتي بسطه في بابه إن شاء الله.
الثانية: الحث على الإخلاص واحتساب الأعمال.
الثالثة: وقع هنا فعل الشرط مضارعًا والجواب ماضيًا والنحاة يستضعفونه، ومنهم من منعه إلا في ضرورة الشعر وأجازوا عكسه كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ [هود: ١٥]، ومن أجاز الأولى احتج بهذا الحديث وشبهه، ومنه: قول عائشة في الصديق: متى يقم مقامك رق (١)، وكذا جاء في بعض طرق الحديث.

------------------
(١) سيأتي برقم (٣٣٨٤)، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾.


٢٦ - باب: الْجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ
٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنِا عُمَارَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبيلِهِ -لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي- أَنْ أُرْجعَهُ بمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قعَدْتُ خَلفَ سَرِيَّةٍ، وَلوَدِدْتُ أنِّي أقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أحْيَا، ثمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ». [٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٢٩٧٢، ٣١٢٣، ٧٢٢٦، ٧٢٢٧، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ١/ ٩٢]
نَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ نَا عَبْدُ الوَاحِدِ نَا عُمَارَةُ نَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ - ﷺ - قالَ: «انْتَدَبَ اللهُ -عز وجل- لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي أَو تَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تخلفت خَلْفَ سَريَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أقْتَلُ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
أخرج البخاري في الجهاد عن أبي هريرة مرفوعًا: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ -والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (١).

------------------
(١) سيأتي برقم (٢٧٨٧) كتاب: الجهاد، باب: أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله.


وأخرجه مسلم (١) في الجهاد عن زهير، عن جرير، وعن أبي بكر وأبي كريب، عن ابن فضيل عن عمارة به.
وفي لفظ مسلم: «يضمن الله» وفي بعضها: «يكفل الله».
الوجه الثاني:
ترجم البخاري لهذا الحديث بأن الأعمال من الإيمان؛ أنه لما كان الإيمان هو المُخْرج له في سبيله كان الخروج إيمانًا، تسمية للشيء باسم سببه كما قيل للمطر: سماء لنزوله منها وللنبات: نوء، لأنه ينشأ عنه.
الوجه الثالث: في التعريف برواته:
أما أبو هريرة فسلف، وأما أبو زرعة فاختلف في اسمه على أقوال أشهرها: هرم، وقيل.: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، سمع خلقًا من الصحابة منهم جده، وعنه جمع من التابعين بالاتفاق (٢).
وأما عُمارة فهو -بضم العين- ابن القعقاع -بقافين- بن شبرمة ابن أخي عبد الله بن شبرمة الكوفي الضبي ثقة، عنه الأعمش وغيره، وروى عن جماعة (٣).
وأما عبد الواحد فهو: أبو بسر، ويقال: أبو عبيدة، عبد الواحد بن زياد العبدي مولاهم البصري؛ سمع جماعات من التابعين وغيرهم، وعنه: أبو داود الطيالسي وغيره، وثقوه، مات سنة سبع وقيل: ست

-----------------
(١) مسلم (١٨٧٦) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله.
(٢) انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٣٢٣ - ٣٢٦ (٧٣٧٠)، «الكاشف» ٢/ ٤٢٧ (٦٦٢٨)، «التقريب» (٨١٠٣).
(٣) انظر نرجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٥١، «التاريخ الكبير» ٦/ ٥٠١ (٣١١٤)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٢٦٢ (٤١٩٦)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ١٤٠.



وسبعين ومائة (١).
وأما حرمي فهو: أبو علي، حرمي -بفتح الحاء والراء- بن حفص ابن عمر العتكي، القسملي، البصري.
روى عن: حماد بن سلمة وغيره، وعنه: المقدمي وغيره، وانفرد به البخاري عن مسلم، وروى أبو داود والنسائي عن رجل عنه، وأطلق النووي في «شرحه» أنهما رويا عنه كما أطلقنا أيضًا قريبًا، مات سنة ثلاث وقيل: ست وعشرين ومائتين (٢).
فائدة:
القَسْمَلي -بفتح القاف والميم وسكون السين منها- نسبة إلى القساملة قبيلة من الأزد نزلت البصرة فنسبت المحلة إليهم أيضًا، وهذا منسوب إلى القبيلة كذا قَالَ السمعاني: إنها نسبة إلى القساملة؛ واعترض ابن الأثير في «مختصره» (٣) فقال: ليس كذلك؛ فإنها القبيلة وإنما النسبة إلى الجد وهو: قسملة واسمه معاوية بن عمرو بن مالك بن فهر بن غنم بن دوس بن عدنان، ووقع في القطعة التي على هذا الكتاب للنووي أن القسملي -بكسر القاف والميم- وكأنه سبق قلم، وصوابه: فتحهما.

----------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٩، «التاريخ الكبير» ٦/ ٥٩، الترجمة: (١٧٠٦)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٠، الترجمة: (١٠٨)، «الثقات» ٧/ ١٢٣، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٤٥٠ - ٤٥٥ (٣٥٨٥).
(٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٩، «التاريخ الكبير» ٦/ ٥٩، الترجمة: (١٧٠٦)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٠ الترجمة: (١٠٨)، و«الثقات» ٧/ ١٢٣، و«تهذيب الكمال» ١٨/ ٤٥٠ - ٤٥٥ (٣٥٨٥).
(٣) انظر «اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ٣٧.



الوجه الرابع: في ألفاظه ومعانيه:
وقد أوضحته في «شرح العمدة» (١) أكمل إيضاح، ونذكر هنا نبذة منه:
الأولى: معنى: («انْتَدَبَ اللهُ»): ضمن وتكفل كما جاء في رواية أخرى وقيل: أجاب رغبته يقال: ندبه لأمر فانتدب. أي: دعاه فأجاب، وقال ابن بطال: أوجب وتفضل أي: حقق وأحكم أن ينجز له ذَلِكَ لمن أخلص (٢)، وقيل: معناه: سارع بثوابه وحسن جزائه. حكاه القاضي (٣).
وما ذكرنا أن انتدب -بالنون- هو المشهور في رواية بلادنا، وحكاه القاضي عن رواية أبي داود، وحكي عن القابسي ائتدب بهمزة صورتها باء من المأدبة (٤)؛ يقال: دبه القوم -مخففًا- إذا دعاهم ومنه: «القرآن مأدبة الله في أرضه» (٥) ومعناه: أجاب الله من دعاه إلى غفرانه وكل ذَلِكَ عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله تعالى على وجه التفضل والامتنان.

------------
(١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١٠/ ٢٩٠.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٩٥.
(٣) «إكمال المعلم» ٦/ ٢٩٤، «مشارق الأنوار» ٢/ ٧.
(٤) وعزا ابن حجر هذِه الرواية إلى الأصيلي ثم قال: وهو تصحيف، وقد وَجَّهوه بتكلف، لكن إطباق الرواة على خلافه مع اتحاد المخرج كاف في تخطئته ا. هـ «الفتح» ١/ ٩٣.
(٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٣٧٥ (٦٠١٧)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٦/ ١٢٦ (٢٩٩٩٩)، والدارمي ٤/ ٢٠٨٣، ٢٠٨٤ (٣٣٥٠)، والحاكم ١/ ٥٥٥، والبيهقي في «الشعب» ٢/ ٣٢٤، ٣٢٥ (١٩٣٣) من حديث عبد الله بن مسعود.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: صالح ثقة خرج له مسلم. لكن إبراهيم بن مسلم ضعيف. وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٨٦٧).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #54  
قديم 19-01-2026, 05:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 66 الى صـــ 85
الحلقة (53)





وهذا الضمان لعله المشار إليه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١] الآية، قَالَ بعض الصحابة: ما أبالي قُتلْتُ في سبيل الله أو قَتَلْتُ، ثم تلى هذِه الآية.
الثانية: قوله: («لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي») وهو بالرفع فيهما؛ لأنه فاعل يخرجه والاستثناء مفرغ، وهو في مسلم بالنصب في جميع نسخه ووجهه على أنه مفعول له، التقدير: لا يخرجه المخرج ويحركه المحرك إلا الإيمان والتصديق، ومعناه: لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى.
الثالثة: معنى قوله: («إِيمَانٌ بِي») أي: إيمان بوعدي لمجازاتي له بالجنة على جهاده وتصديق رسولي في ذَلِكَ.
الرابع: عدوله عن ضمير الغيبة في قوله: إيمان به وتصديق برسوله إلى الحضور يحتاج إلى تقدير كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] أي: يقال لهم: أكفرتم؟ ونظائره.
الخامس: («أرجعه») -بفتح الهمزة- أي أرده ثلاثي، وهذيل تقول: أرجع رباعيًا، والنيل: العطاء.
السادس: (أو) في قوله «أو غنيمة» للتقسيم بالنسبة إلى الغنيمة وعدمها، فيكون المعنى: أنه يرجع مع نيل الأجر إن لم يغنموا ومعه إن غنموا، ويحتمل أن يكون (أو) هنا بمعنى الواو مع أجر وغنيمة، وكذا وقع بالواو في مسلم (١) في رواية يحيى بن يحيى، و"سنن أبي

-------------------
(١) مسلم (١٨٧٦/ ١٠٤) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله وفيه: (أو)، وليس (و) كما نقل المصنف.


داود» (١).
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] معناه: ودين، وقيل: من وصية ودين أو دين دون وصية.
السابع: قوله: («أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ») يحتمل دخولها إثر موته كما قَالَ في الشهداء أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقال رسوله - ﷺ -: «أرواح الشهداء في الجنة» (٢).
ويحتمل أن يكون المراد: دخوله عند دخول السابقين والمقربين لها دون حساب ولا عقاب ولا مؤاخذة بذنب، وأن الشهادة كفارة لذنوبه، كما ثبت في الحديث الصحيح: «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين» (٣).
الثامن: قوله: («وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تخلفت خَلْفَ سَرِيَّةٍ»).
سبب المشقة صعوبة تخلفهم بعده، ولا يقدرون على المسير معه لضيق حالهم ولا قدرة له على حملهم كما جاء مبينًا في حديث آخر.
الوجه الخامس: في فوائده:
الأولى: فضل الجهاد وفضل القتل في سبيل الله تعالى.
الثانية: الحث على حسن النية.

---------------------
(١) أبو داود (٢٤٩٤). قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ٦/ ٦: أخرجه أبو داود بسند صحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٥٣).
(٢) رواه مسلم (١٨٨٧) كتاب الإمارة، باب: بيان أن أرواح الشهداء في الجنة. بلفظ: «أرواحهم في جوف طيرٍ خضرٍ لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ..».
(٣) رواه مسلم (١٨٨٦/ ١٢٠) كتاب: الإمارة، باب: من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين.



الثالثة: بيان] (١) شفقته - ﷺ - على أمته ورأفته بهم.
الرابعة: استحباب طلب القتل في سبيل الله.
الخامسة: جواز قول الإنسان: وددت كذا من الخير الذي يعلم أنه لا يحصل، وهو أحد التأويلات في قوله: «نيَّةُ المؤمنِ خيرٌ مِنْ عملِه» (٢).
السادسة: البداءة بأهم المصلحتين عند التعارض وترك بعض المصالح لمصلحة أرجح منها أو لخوف مفسدة تزيد عليها.
السابعة: تمني الشهادة وتعظيم أجرها.
الثامنة: عدم نقصان الأجر بالغنيمة؛ فإنها بفضل الله، والأجر على القتال، وأهل بدر أفضل المجاهدين ولم ينقصهم أخذهم الغنيمة.
فإن قُلْتَ: فما نعمل في الحديث الآخر الثابت في الصحيح: «ما من غازية أو سرية تغزو وتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجرهم، وما من غازية أو سرية تخفق أو تصاب إلا تم أجورهم» (٣) والإخفاق أن تغزو فلا تغنم شيئًا.
قلتُ: عنه أجوبة:
أحدها: الطعن في هذا فإن في إسناده حميد بن هانئ (٤) وليس

---------------
(١) نهاية السقط من (ج) وقد أشرنا عند بدايته.
(٢) سبق تخريجه في حديث رقم (١).
(٣) رواه مسلم (١٩٠٦) كتاب: الإمارة، باب: بيان قدر ثواب من غزا فغنم ومن لم يغنم.
(٤) هو حميد بن هانئ، أبو هانئ الخولاني المصري، قال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٥٣ (٢٧٢٠)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٢١ (١٠١٢)، «الثقات» ٤/ ١٤٩، «تهذيب الكمال» ٧/ ٤٠١ (١٥٤١)، قال ابن حجر في «التقريب» ص ١٨٢ (١٥٦٢): لا بأس به.



بالمشهور لكن أخرج له مسلم في «صحيحه»وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه، وذكره ابن يونس في «تاريخه»، وقال يحيى بن سعيد: حدَّث عنه الأئمة وأحاديثه كثيرة مستقيمة (١).
ثانيها: إن التي تخفق تزداد من الأجر بالأسف على ما فاتها من المغنم وتضاعف لها كما تضاعف لمن أصيب بأهله وماله.
ثالثها: حمل الأول على من أخلص النية لقوله: «لا يخرجه إلا إيمان بي»، وحمل الثاني على من خرج نيته الجهاد والمغنم.
قَالَ القاضي: والأوجه استعمال كل حديث على وجهه، فأجر من لم يغنم أعظم من أجر من غنم (٢).
وقال النووي: الصواب أنه لا تعارض بينهما فإن الذي لا يجوز غيره في معنى الحديث أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم.
وإن الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم فإذا حصلت فقد تعجلوا ثلثي أجرهم، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة عن الصحابة، ومنها قولهم: فمنَّا من مات لم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدِبُها (٣) أي: يجتنيها (٤) فهذا هو الصواب.

----------------
(١) قال النووي في «شرحه على مسلم» ١٣/ ٥٢: وأما قولهم أبو هانئ مجهول، فغلط فاحش، بل هو ثقة مشهور روى عنه الليث بن سعد، وحيوة، وابن وهب، وخلائق من الأئمة، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في صحيحه. اهـ.
(٢) «إكمال المعلم» ٦/ ٢٩٤.
(٣) سيأتي الحديث مفصلا برقم (١٢٧٦) كتاب: الجنائز، باب: إذا لم يجد كفنًا.
(٤) انظر: «النهاية» لابن الأثير ٥/ ٢٤٩.



ولم يأتِ حديثٌ صريحٌ يخالف هذا، وقد اختار القاضي معنى هذا بعد حكايته أقوالًا فاسدة فلا تعارض إذًا؛ لأن الحديث الأول لم يقل فيه: إن الغنيمة تنقص الأجر فهو مطلق، والثاني مقيد.
وأما الاستدلال بغزوة بدر فليس فيه أنهم لو لم يَغْنموا لكان أجرُهم على قدر أجرهم مع الغنيمة، وكونهم مغفورًا لهم مرضيًّا عنهم لا يلزم منه أن لا يكون فوقه مرتبة أخرى هي أفضل (١). ثم ضعف بقية الأقوال التي حكاها القاضي؛ لمعارضتها لصريح الحديث.

-----------------
(١) «مسلم بشرح النووي» ١٣/ ٥٢.


٢٧ - باب تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ
٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [انظر: ٣٥ - مسلم ٧٥٩ و٧٦٠ - فتح ١/ ٩٢]
نَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولً اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف (برواته) (١)
وقد سلف خلا حميد بن عبد الرحمن بن عوف وهو: (أبو) (٢) إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان القرشي الزهري المدني، أخو أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أخت عثمان بن عفان لأمه وكانت من المهاجرات.
أخرج له البخاري هنا، وفي العلم، وغير موضع، عن الزهري وسعد بن إبراهيم وابن أبي مليكة عنه، عن أبي هريرة وأبي سعيد وميمونة (٣)، وأخرج له (أيضًا) (٤) عن عثمان وسعيد بن زيد (٥) وغيرهما.

-----------------
(١) في (ج): برجاله.
(٢) من (ج).
(٣) لم أقف على ما يدل على أنّ حميد بن عبد الرحمن بن عوف روى عن ميمونة، ولم يذكر ذلك أيضًا ابن طاهر المقدسي في «الجمع بين رجال الصحيحين» كما في ١/ ٨٨ - ٨٩، ولا المزيّ في «تهذيبه» كما في ٧/ ٣٧٩ - ٣٨٠، فلعله وهم من المصنف، والله أعلم بالصواب.
(٤) في (ف): هنا، والمثبت من (ج)، وهو الصواب.
(٥) ظاهر كلام المصنف يوهم أنَّ البخاري قد أخرج في «صحيحه» لحميد بن =



سمع جمعًا من كبار الصحابة منهم أبواه وابن عباس وأبو هريرة، وعنه الزهري وخلائق من التابعين.
وثقه أبو زرعة وغيره، وكان كثير الحديث. مات سنة خمس وتسعين بالمدينة عن ثلاث وسبعين سنة، وقيل: سنة خمس ومائة وهو غلط (١).
فائدة:
روى مالك عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب في رمضان ثم يفطران (٢)، ورواه يزيد بن هارون، عن أبى ذئب، عن الزهري، عن حميد قَالَ: رأيت عمر وعثمان فذكره (٣).
قَالَ الواقدي: أثبتها حديث مالك وأن حميدًا لم يسمع من عمر ولا رآه وسنهُ وموته يدلان على ذَلِكَ، ولعله سمع من عثمان؛ لأنه كان خاله لأمه؛ لأن أم كلثوم أخت عثمان، وكان يدخل على عثمان كما يدخل ولده (٤).

---------------
= عبد الرحمن بن عوف، عن عثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وليس الأمر كذلك، فإنه لم يخرج له عنهما في «صحيحه»، ومما يدل على ذلك أن ابن طاهر المقدسي لم يذكر في كتابه «الجمع بين رجال الصحيحين» ١/ ٨٨ - ٨٩ أنه روى عنهما، وكذلك فعل المزيّ في «تهذيبه» ٧/ ٣٧٩، بل ذكر أن الذي أخرج له عن سعيد بن زيد هو الترمذي، والنسائي، والذي أخرج له عن عثمان هو النسائي فقط، والله أعلم بالصواب.
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات» ٥/ ١٥٣، «تاريخ البخاري الكبير» ٢/ ٣٤٥ (٢٦٩٦)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٢٢٥ (٩٨٩)، «الثقات» ٤/ ١٤٦، «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٧٨ - ٣٨١ (١٥٣٢).
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ص ١٩٣ رواية يحيى.
(٣) رواه ابن سعد في «طبقاته» ٥/ ١٥٤ وأورده المزي في «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٨٠.
(٤) انظر ترجمته في: «الطبقات» ٥/ ١٥٤، «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٨١.



فائدة ثانية:
أخرج البخاري أيضًا ومسلم لحميد بن عبد الرحمن الحميري (١) البصري، التابعي، الفقيه، ولا يلتبس بهذا، وإن روى هذا عن ابن عباس وأبي هريرة أيضًا وغيرهما فاعلمه.
وما جزمت به من كون البخاري أخرج لهذا هو ما جزم به الكلاباذي في كتابه، والمزي في «تهذيبه» (٢)، ونقل شيخنا قطب الدين في «شرحه» عن الحاكم، والحميدي صاحب «الجمع»، وعبد الغني، وغيرهم أنهم قالوا: لم يخرج له شيئًا ولم يخرج مسلم في «صحيحه» عنه عن أبي هريرة غير حديث: «أفضل الصيام بعد رمضان» (٣) الحديث فقط وما عداه فهو من رواية ابن عوف.
قَالَ: وقد غَلَّطوا الكلاباذي في دعواه إخراج البخاري له ووهَّموه وقال: ومما يدل على ذَلِكَ أنه لم يعين أين روى عنه كعادته في غيره، بل قَالَ روى عنه محمد بن سيرين وأهل البصرة لم يزد على ذَلِكَ، ولم يذكره أبو مسعود الدمشقي من رواية البخاري.
ولما ذكر النووي في «شرحه لمسلم» حديثه عن أبي هريرة قَالَ:
اعلم أن أبا هريرة يروي عنه اثنان كل منهما حميد بن عبد الرحمن أحدهما هذا الحميري، والثاني الزهري (٤).

----------------
(١) انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٤٧، «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٤٦ (٢٦٩٧)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٢٢٥ (٩٩٠)، «الثقات» ٤/ ١٤٧، «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٨١ - ٣٨٣ (١٥٣٣).
(٢) «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٨٢ - ٣٨٣.
(٣) مسلم (١١٦٣) كتاب: الصيام، باب: فضل صوم المحرم.
(٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١/ ١٤٣.



قَالَ الحميدي في «جمعه»: كل ما في البخاري ومسلم حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة فهو الزهري إلا في هذا الحديث خاصة، فإن راويه عن أبي هريرة الحميري وهذا الحديث لم يذكره البخاري في «صحيحه» قَالَ: ولا ذكر للحميري في البخاري أصلًا ولا في مسلم إلا هذا الحديث (١)، هذا كلامه. ودعواه أن البخاري لم يذكره في «صحيحه» قد علمت ما فيه، وقوله: ولا في مسلم إلا هذا الحديث ليس بجيد فقد ذكره مسلم في ثلاثة أحاديث:
أحدها: أول الكتاب حديث ابن عمر في القدر، عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري قالا: لقينا ابن عمر .. وذكر الحديث (٢).
ثانيها: في الوصايا عن (عمرو) (٣) بن سعيد عن حميد الحميري عن ثلاثة من ولد سعد أن سعدًا .. فذكر (٤).
ثالثها: فيها (٥) عن محمد بن سيرين عنه عن ثلاثة من ولد سعد بن
هشام عن عائشة قالت: كان ستر فيه تمثال طير .. فذكر الحديث (٦).
ثانيها: هذا الإسناد كلهم مدنيون.

-----------------
(١) «الجمع بين رجال الصحيحين» للحميدي ٣/ ٣٢٢ (٢٧٧٣).
(٢) مسلم (٨/ ٢) كتاب الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام ..
(٣) في (ج): عمر، والمثبت هو الصوَاب كما في مسلم.
(٤) مسلم (١٦٢٨/ ٩) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث.
(٥) أي كتاب الوصايا.
(٦) كذا بالأصل، والعبارة فيها خلط شديد، سندًا ومتنًا، فقد أخرج مسلم (١٦٢٨/ ٩) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث، عن محمد بن سيرين، عن حميد بن عبد الرحمن، عن ثلاثة من ولد سعد بن مالك كلهم يحدثنيه بمثل حديث صاحبه فقال: مرض سعد بمكة، فأتاه النبي - ﷺ - يعوده .. =



ثالثها: في فوائده:
الأولى: المُراد بالقيام في الحديث صلاة التراويح كذا قاله أصحابنا وغيرهم من العلماء، والتحقيق كما نبه عليه النووي (١) أن يُقال: التراويح محصلة لفضيلة قيام رمضان، ولكن لا تنحصر الفضيلة فيها ولا المراد بها، بل في أي وقت من الليل صلى تطوعًا حصل هذا الغرض، ومحل الخوض في التراويح في وقتها وعددها في بابه، وستمر بك إن شاء الله تعالى واضحة.
الثانية: سبق بيان معنى الإيمان والاحتساب قريبًا في باب: قيام ليلة القدر.
الثالثة: دل هذا الحديث على غفران ما تقدم من الذنوب بقيام رمضان، ودل الحديث الماضي على غفرانها بقيام ليلة القدر ولا تعارض بينهما، فإن كل واحد منهما صالح للتكفير، وقد يقتصر الشخص على قيام ليلة القدر بتوفيق الله له فيحصل له ذَلِكَ.

------------------
= وأخرج مسلم أيضًا (٢١٠٧) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان .. عن عزرة، عن حميد بن عبد الرحمن، عن سعد بن هشام، عن عائشة قالت: كنا لنا سِتْر فيه تمثال طائر .. الحديث، فدمج الإسنادين معًا، وأتى بحديث عائشة في كتاب الوصية، فلعل هذا الوهم من الناسخ، والله أعلم.
وقد ورد بهامش الأصل في هذا الموضع أيضًا تعليق نصه: ورابع: ذكره قبيل الحدود من حديث قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، وعن رجل آخر في نفسي أفضل من عبد الرحمن -عن أبي بكرة، ثم ساقه من حديث قرة به، قال: وسمى الرجل حميد بن عبد الرحمن عن أبي بكرة: خطبنا رسول الله - ﷺ - يوم النحر فقال: أي يوم هذا .. الحديث.
قلت: وهو في مسلم برقم (١٦٧٩/ ٣١).
(١) «مسلم بشرح النووي» ٦/ ٣٩.



الرابعة: فيه حجة لمن جوز قول رمضان بغير إضافة شهر إليه، وهو الصواب، وستعرف الخلاف فيه في بابه.
الخامسة: ظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر، وفضل الله واسع، لكن المشهور من مذاهب العلماء في هذا الحديث وشبهه كحديث غفران الخطايا بالوضوء (١)، وبصوم عرفة ويوم عاشوراء (٢) ونحوه، أن المراد غفران الصغائر فقط، كما في حديث الوضوء «مما لم يؤت كبيرة» (٣)، «ما اجتنبت الكبائر» (٤)، وفي التخصيص نظر، كما قاله النووي (٥). لكن قام الإجماع على أن الكبائر لا تسقط إلا بالتوبة أو بالحد.
فإن قُلْتَ: قد ثبت في «الصحيح» هذا الحديث في: قيام رمضان والآخر: في صيامه (٦) والآخر: (في) (٧) قيام ليلة القدر (٨) والآخر: في صوم عرفة أنه كفارة سنتين (٩)، وفي عاشوراء أنه كفارة سنة،

------------------
(١) رواه مسلم (٢٥١) كتاب: الطهارة، باب: فضل إسباغ الوضوء.
(٢) رواه مسلم (١١٦٢) كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام وصوم يوم عرفة وعاشوراء، من حديث أبي قتادة.
(٣) رواه مسلم (٢٢٨/ ٧) كتاب: الطهارة باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه.
(٤) رواه مسلم (٢٣٣/ ١٦) كتاب: الطهارة، باب: الصلوات الخمس والجمعة ..
(٥) «مسلم بشرح النووي» ٦/ ٤٠.
(٦) سيأتي برقم (٣٨) كتاب: الإيمان، باب: صوم رمضان، ورواه مسلم (٧٥٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الترغيب في الدعاء والذكر.
(٧) من (ج).
(٨) سبق برقم (٣٥) كتاب: الإيمان باب: قيام ليلة القدر من الإيمان، ورواه مسلم (٧٥٩) في صلاة المسافرين، باب: الترغيب في الدعاء والذكر.
(٩) رواه مسلم (١١٦٢) كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة.



والآخر: «رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما» (١)، والآخر: «إذا توضأ خرجت خطايا فيه» إلى آخره (٢)، والآخر: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر» إلى آخره (٣)، والآخر: «مَنْ وافَقَ تأمينه تأمين الملائكةِ كفر له ما تَقدم مِنْ ذنبِهِ» (٤)، وفي أحاديث أخر نحو هذا. فكيف الجمع بينهما؟
فالجواب: أن المراد أن كل واحد من هذِه الخصال صالحة لتكفيرِ الصغائر، فإن صادفتها غفرتها، وإن لم تصادفها فإن كان فاعلها سليمًا من الصغائر لكونه صغيرًا غير مكلف، أو موفقًا لم يعمل صغيرة، أو فعلها وتاب، أو فعلها وعقّبها بحسنة أذهبتها، كما قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فهذا يكتب له بها حسنات، ولرفع له بها درجات.
قَالَ بعض العلماء: ويرجى أن يخفف عنه بعض الكبيرة أو الكبائر.

----------------
(١) قوله في العمرة سيأتي برقم (١٧٧٣) من حديث أبي هريرة، وأما قوله في رمضان والجمعة فرواه مسلم (٢٣٣) من حديث أبي هريرة أيضًا.
(٢) رواه مسلم (٨٣٢) كتاب: الصلاة، باب: إسلام عمرو بن عبسة.
(٣) رواه مسلم (٦٦٨) كتاب: المساجد، باب: المشي إلى الصلاة.
(٤) سيأتي برقم (٧٨٠) كتاب: الأذان، باب: جهر الإمام بالتأمين.



٢٨ - باب صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ
٣٨ - حَدَّثَنَا ابن سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [انظر: ٣٥ - مسلم: ٧٥٩ و٧٦٠ - فتح: ١/ ٩٢].
نَا ابن سَلَامٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، ثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «منْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
هذا الحديث سلف الكلام عليه، وسلف أيضًا رجاله خلا محمد بن فضيل، وهو أبو عبد الرحمن محمد بن فضيل بن غزوان بن جرير الضبي، مولاهم الكوفي، سمع السبيعي والأعمش وغيرهما من التابعين، وخلقًا من غيرهم، وعنه: الثوري وأحمد وخلق من الأعيان، قَالَ أبو زرعة: صدوق من أهل العلم. مات سنة تسع وخمسين ومائة (١). ومحمد بن سلام هو البيكندي كما أسلفناه وأن الجمهور على تخفيف لامه (٢).

----------------
(١) كذا في (ف) و(ج) وهو خطأ، مات سنة تسع وخمسين، والصحيح أنه مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة، وانظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٦/ ٣٨٩، «التاريخ الكبير» ١/ ٢٠٧ (٦٥٢)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٥٨ (٢٦٣)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٢٩٣ (٥٥٤٨)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ١٧٣ (٥٢).
(٢) سبقت ترجمته في حديث (٢٠)، وورد في (ف): آخر الجزء السادس من تجزئه المصنف وبالله التوفيق.



٢٩ - باب: الدِّينُ يُسْرٌ
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ».

٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَليٍّ، عَنِ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدِ الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الَمقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الدَّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». [٥٦٧٣، ٦٤٦٣، ٧٢٣٥ - مسلم: ٢٨١٦ - فتح: ١/ ٩٣]
ثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ نَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيء مِنَ الدُّلْجَةِ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
التعليق الأول أسنده أحمد من حديث ابن عباس بإسناد لا بأس به (١)، وكذا ابن أبي شيبة في «مسنده» (٢) وأسنده الطبراني بنحوه بإسناد ضعيف من حديث عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة (٣)، ومن حديث عفير بن معدان، عن

---------------
(١) أحمد ١/ ٢٣٦، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٦٠: فيه ابن إسحاق وهو مدلس ولم يصرح بالسماع، وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٩٤: إسناده حسن.
وقال الألباني: حسن لغيره. انظر: «الصحيحة» (٨٨١).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «مسنده» كما في «إتحاف الخيرة المهرة» ١/ ١١٥.
(٣) «المعجم الكبير» ٨/ ٢٢٢ - ٢٢٣ (٧٨٨٣).



سليم بن عامر عنه (١).
ثانيها:
أخرج البخاري طرفًا من الحديث الثاني في الرقاق عن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رفعه: «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ». قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَته، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا». (٢) وله في حديث آخر: «وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» (٣).
ثالثها: في التعريف برواة الحديث:
أما أبو هريرة فسلف.
وأما سعيد فهو أبو سعد -بإسكان العين- سعيد بن أبي سعيد، واسمه كيسان المقبري المدني، والمقبري يقال: بضم الباء وفتحها نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورًا لها، وقيل: كان منزله عند المقابر وهو بمعنى الأول، وقيل: جعله عمر على حفر القبور؛ فلذلك قيل له: المقبري، حكاه الحربي وغيره، ويحتمل أنه اجتمع فيه ذَلِكَ كله فكان على حفرها و(كان) (٤) نازلًا عندها، والمقبري صفة لأبي سعيد، وكان مكاتبًا لامرأة من بني ليث بن بكر.
سمع جمعًا من الصحابة منهم. أبو هريرة وابن عمر وخلقًا من التابعين منهم أبوه، وعنه يحيى الأنصاري، وغيره من التابعين،

---------------
(١) «المعجم الكبير» ٨/ ١٧٠ (٧٧١٥).
(٢) سيأتي برقم (٦٤٦٣) باب: القصد والمداومة على العمل.
(٣) سيأتي برقم (٦٤٦٤) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٤) من (ج).



ومالك، وغيره من الأعلام. قَالَ أبو زرعة: ئقة. وقال أحمد: لا بأس به.
وقال (محمد) (١) بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ولكنه كبر وبقي حتى اختلط قبل موته، وقدم الشام مرابطًا وحدث ببيروت. وقال غيره: اختلط قبل موته بأربع سنين.
قُلْتُ: فلعل معن بن محمد سمع من سعيد قبل اختلاطه؛ فلذا أخرج البخاري عنه. مات سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل: سنة ست وعشرين (٢).
وأما معن فهو ابن محمد بن معن بن نضلة الغفاري الحجازي، سمع جمعًا، وعنه جمع منهم: ابن جريج، أخرج له البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه، وذكره ابن حبان في «ثقاته» (٣).
وأما عمر فهو أبو حفص عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المُقَدَّمِي البصري، سمع جمعًا من التابعين منهم: هشام بن عروة، وعنه خلق من الأعلام منهم: ابنه عاصم، وعمرو بن علي، وهو أخو أبي بكر وكان مدلسًا.
قَالَ أحمد: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة يدلس تدليسًا شديدًا يقول: سمعت وحدثنا، ثم يسكت ثم يقول: هشام بن عروة، الأعمش. وقال عفان: كان رجلًا صالحًا، ولم يكونوا ينقمون عليه غير التدليس، ولم

--------------
(١) في (ف) و(ج): أحمد. والصواب ما أثبتناه.
(٢) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» القسم المتمم (٥٣)، «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٧٤ (١٥٨٥)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٥٧ (٢٥١)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٤٦٦ (٢٢٨٤)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢١٦ (٨٨).
(٣) انظر: «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٩٠ (١٦٩٩)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٧٧ (١٢٦٨)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ٤٩٠، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٣٤١ (٦١١٨).



أكن أقبل منه حتى يقول: ثنا (١).
قَالَ البخاري: قَالَ ابنه عاصم: مات سنة تسعين ومائة. وقيل: سنة اثنتين وتسعين (٢).
قُلْت فلعل البخاري ثبت عنده سماع (عمر) (٣) (من) (٤) معن وإن أتى فيه بالعنعنة.
وأما عبد السلام (خ. د) فهو أبو ظَفَر -بفتح الظاء المعجمة والفاء- ابن مُطَهَّر بن حسام بن مِصَكّ بن ظالم بن شَيْطان الأزدي البصري، روى عن جمع من الأعلام منهم شعبة، وعنه الأعلام: البخاري وأبو داود.
قَالَ أبو حاتم: صدوق. مات في رجب سنة أربع وعشرين ومائتين (٥).
فائدة: هذا الإسناد ما بين مدني وبصري.
رابعها: في ألفاظه:
قوله: («الدِّينُ يُسْرٌ») أي: ذو يسر. كما قَالَ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، واليسر -بإسكان السين وضمها: نقيض العسر، ومعناه: التخفيف.

----------------
(١) «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩١.
قال الحافظ في «تعريف أهل التقديس» ص ١٣٠ - ١٣١ (١٢٣).
وصفه بذلك أحمد وابن معين والدارقطني وغير واحد، ثم ساق كلام ابن سعد ثم قال: وهذا ينبغي أن يسمى تدليس القطع. اهـ.
(٢) انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٨٠ (٢٠٩٨)، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٢٤ (٦٧٨)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٤٧٠ (٤٢٩٠).
(٣) من (ج).
(٤) في (ج): عن.
(٥) انظر: «الطبقات» لابن سعد ٧/ ٣٠٨، «التاريخ الكبير» ٦/ ٦٧ (١٧٣٢)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٤٨ (٢٥٥)، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٩١ (٣٤٢٦).



وقوله: («وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ») هكذا وقع للجمهور من غير لفظة «أحد»، وأثبتها ابن السكن وهو ظاهر، والدين على هذا منصوب، وأما على الأولى فروي بنصبه، وهو ضبط أكثر أهل الشام على إضمار الفاعل في «يشاد» للعلم به، ورفعه وهو رواية الأكثر كما حكاه صاحب «المطالع»، وهو مبني لِمَا لَمْ يسم فاعله.
قَالَ أهل اللغة: المشادة: المغالبة (١)، يقال: شاده يشاده مشادة إذا غالبه وقاواه (ومعنا ٥) (٢): لا يتعمق أحد في الدين ويترك الرفق إلا غلبه الدين، وعجز ذَلِكَ المتعلم وانقطع عن عمله كله أو بعضه.
ومعنى «سَدِّدُوا»: اقصدوا السداد في الأمور، وهو: الصواب، «وَقَارِبُوا» في العبادة، «وَأَبْشِرُوا»: أي بالثواب على العمل وإن قَلَّ، والغدوة: السير أول النهار.
قَالَ في «المحكم»: الغدوة البكرة، وكذا الغداة (٣).
قَالَ الجوهري: (الغدوة) (٤) ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، يُقال: أتيته غدوة غير مصروفة؛ لأنها معرفة مثل سَحَر إلا أنها من الظروف المتمكنة، تقول: سِيْرَ على فرسك غُدوةَ وغُدوةً وغُدوةُ وغدوةٌ فما نُوِّنَ من هذا فهو نكرة، وما لم ينون فهو معرفة، والجمع: غُدًا. والغدو: نقيض الرواح (٥).
وفي شرح شيخنا قطب الدين أن الغدو: السير أول النهار إلى الزوال.

---------------
(١) انظر: «العين» ٢٣٢/ ٣ مادة: (شدد).
(٢) من (ج).
(٣) «المحكم» ٦/ ٢٩.
(٤) من (ف).
(٥) «الصحاح» ٦/ ٢٤٤٤ مادة: (غدو).



والروحة: آخر النهار؛ وذكر ابن سيده: أنه العشي (١). وقيل: من لدن زوال الشمس إلى الليل، ورحنا رواحًا وتروحنا: سرنا ذَلِكَ الوقت أو عملنا.
«والدُّلْجَة» -بضم الدال وإسكان اللام- هكذا الرواية، ويجوز في اللغة فتحها، ويقال: بفتح اللام أيضًا، وهي بالضم: سير آخر الليل، (وبالفتح سير الليل)، وأدلج بالتخفيف: سير الليل كله، وبالتشديد: سير آخر الليل، هذا هو الأكثر، وقيل: يقال (فيهما بالتخفيف والتشديد.
قَالَ ابن سيده: الدُّلجة: سير السحر، والدَّلْجة: سير الليل كله، والدَّلَج والدَّلْجة والدَّلَجة -الأخيرة عن ثعلب- الساعة) (٢) من آخر الليل. وأدلجوا: ساروا الليل كله، وقيل: الدلج: الليل كله من أوله إلى آخره، وأي ساعة سرت من الليل من أوله إلى آخره فقد أدلجت على مثال أخرجت.
والتفرقة بين أدلجت وادَلَجت قول جميع أهل اللغة إلا الفارسي (٣)، فقد حكى أدْلَجْت وادَّلَجْت لغتان في المعنيين جميعًا (٤).

---------------
(١) «المحكم» ٣/ ٣٩٣ مادة: (روح).
(٢) ما بين قوسين من (ف).
(٣) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي، ولد بمدينة فسا واشتغل ببغداد، وكان إمام وقته في علم النحو ومن تصانيفه: «التذكرة» و«المقصور والممدود» توفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. ترجم له ابن خلكان في «وفيات الأعيان» ٢/ ٨٠، وابن النديم في «الفهرست» ص ٦٤ والخطيب في «تاريخ بغداد» ٧/ ٢٧٥ وياقوت في «معجم الأدباء» ٧/ ٢٣٢.
(٤) «المحكم» ٧/ ٢٣٣ - ٢٣٤.



وفي «جامع القزاز» (١): الدُّلجة والدَّلجة لغتان بمعنى وهما: سير السحر.
وقال قوم: الدُّلجة: سير السحر، والدَّلجَة بالفتح سير (٢) [أول الليل، كلاهما بمعنى عند أكثر العرب، كما تقول: مضت بُرهة من الدهر وبَرهة، وغلَّط ابن درستويه ثعلبًا (٣) في تخصيص ادَّلج بالتشديد بسير أول الليل، وبالتخفيف بسير آخره، قَالَ: وإنما هما عندنا جميعًا: سير الليل في كل وقت، من أوله ووسطه وآخره (٤).
خامسها: في معنى الحديث:
ومعناه كالأبواب قبله، أن الدين اسم يقع على الأعمال، والدين والإيمان والإسلام بمعنى، والمراد بالحديث: الحث على ملازمة

---------------
(١) القزاز القيرواني: محمد بن جعفر بن أحمد التميمي أبو عبد الله النحوي المعروف بالقزاز القيرواني ولد سنة ٣٤٢ وتوفي سنة ٤١٢. له من الكتب: «أدب السلطان»، «جامع اللغة»، «شرح مثلثات قطرب»، «شرح المقصورة لابن دريد»، «ضرائر الشعر»، «العشرات في اللغة»، «كتاب التعريض فيما دار بين الناس من المعاريض»، «كتاب الضاد والظاء»، «كتاب المعترض»، «كتاب المفترق في النحو»، «ما أخذ على المتنبي»، وغير ذلك. انظر: «معجم الأدباء» ١٨/ ١٠٥، «هدية العارفين» ٢/ ٦١. وهو مترجم في «السير» ١٧/ ٣٢٦.
(٢) من هنا يبدأ سقط من (ف).
(٣) هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار النحوي الشيباني بالولاء المعروف بثعلب، كان إمام الكوفيين في النحو واللغة وكان ثقة حجة صالحًا مشهورًا بالحفظ وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية ورواية الشعر القديم، ولد سنة مائتين وتوفي سنة إحدى وتسعين ومائتين. ومن تصانيفه: «الدر المصون» و«اختلاف النحويين» و«معاني القرآن». ترجم له الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ٥/ ٢٠٤، وابن خلكان في «وفيات الأعيان» ١/ ١٠٢، والنديم في «الفهرست» ص ٧٤، وياقوت في «معجم الأدباء» ٥/ ١٠٢.
(٤) «تصحيح الفصيح» لابن درستويه ص ١٢٣ - ١٢٤.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #55  
قديم 19-01-2026, 05:14 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 86 الى صـــ 105
الحلقة (54)





الرفق في الأعمال، والاقتصار على ما يطيق العامل ويمكنه المداومة عليه، وأن من شادّ الدين وتعمق انقطع وغلبه الدين وقهره.
ثم أكد - ﷺ - بهذا المعنى فقال: «سددوا») إلى آخره، أي: اغتنموا أوقات نشاطكم وانبعاث نفوسكم للعبادة، وأما الدوام لا تطيقونه، واحرصوا على أوقات النشاط واستعينوا بها على تحصيل السداد والوصول إلى المراد، كما أن المسافر إذا سار الليل والنهار عجز وانقطع عن مقصده، وإذا سار غدوة -وهي أول النهار- وروحة -وهي آخره- ودلجة -وهي آخر الليل- حصل له مقصوده بغير مشقة ظاهرة، وأمكنه الدوام على ذَلِكَ.
وهذِه الأوقات الثلاثة هي أفضل أوقات المسافر للسير، فاستعيرت هذِه الأوقات لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة، قَالَ - ﷺ -: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» (١) فشبه - ﷺ - الإنسان في الدنيا بالمسافر، وكذا هو في الحقيقة؛ لأن الدنيا مطية الآخرة، فنبه - ﷺ - على اغتنام أوقات الفراغ، وإنما قَالَ: «وشيء من الدلجة» ولم يقل: والدلجة؛ تخفيفًا عنه لمشقة عمل الليل، اللهُمَّ هون علينا هذِه الأعمال في التبكير والآصال.

------------
(١) سيأتي برقم (٦٤١٦) كتاب: الرقاق، باب: قول النبي - ﷺ -: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».


٣٠ - باب الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِى صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ

٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا -أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا- وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قِبَلَ مَكَّةَ. فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ فِى حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. [٣٩٩، ٤٤٨٦، ٤٤٩٢، ٧٢٥٢ - مسلم:٥٢٥ - فتح: ١/ ٩٥]
حَدَّثنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، نا زُهَيْرٌ، نَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ، إلى قوله: فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
الكلام عليه من وجوه بعد أن تعرف أن البخاري أخرجه أيضًا في الصلاة (١)، وإجازة خبر الواحد الصدوق في الصلاة (٢) والتفسير (٣).

----------------
(١) سيأتي برقم (٣٩٩) باب: التوجه نحو القبلة حيث كان.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٥٢) كتاب: أخبار الآحاد.
(٣) سيأتي برقم (٤٤٨٦) باب: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾.



أحدها: في التعريف برواته:
أما البراء فهو بتخفيف الراء وبالمد على المشهور، وقيل: بالقصر، وهو أبو عُمارة بضم العين، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل (١)، البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن مَجْدَعة -بفتح الميم وإسكان الجيم وفتح الدال المهملة- بن الحارث بن حارثة بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي الحارثي المدني.
روي له عن رسول الله - ﷺ - ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعشرين وانفرد البخاري بخمسة عشر ومسلم بستة.
استصغر يوم أحد مع ابن عمر ثم شهد الخندق والمشاهد كلها، وعنه: ما قدم علينا رسولُ الله - ﷺ - حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] في سور من المفصل (٢)، وغزوت مع رسول الله - ﷺ - خمس عشرة غزوة (٣)، وقيل: ثماني عشرة ما رأيته ترك فيها ركعتين حين تزيغ الشمس في حضر ولا سفر (٤).
مات أيام مصعب بن الزبير] (٥) وقُتِل مصعب سنة اثنتين وسبعين (٦).

-----------------
(١) زاد أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» ١/ ٢٣٩ أنه يكنى أيضًا أبا عمر. وقال: والأشهر والأكثر أبو عمارة وهو أصح إن شاء الله تعالى. ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٤/ ٣٦٥ عن أبي إسحاق أن البراء بن عازب كان يكنى أبا عمارة.
(٢) سيأتي برقم (٣٩٢٥) كتاب: مناقب الأنصار، مقدم النبي - ﷺ - وأصحابه المدينة.
(٣) سيأتي برقم (٤٤٧٢) كتاب: المغازي، باب: كم غزا النبي - ﷺ -.
(٤) رواه أبو داود (١٢٢٢)، والترمذي (٥٥٠) وقال: حديث البراء حديث غريب، ثم قال: سألت محمدًا عنه فلم يعرفه إلا من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم أبي بُسْرة الغفاري، ورآه حسنًا. اهـ. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٢٢).
(٥) هنا ينتهي سقط من (ف) بمقدار صفحة منها.
(٦) انظر ترجمة البراء في: «معرفة الصحابة» ١/ ٣٨٤ (٢٧٦)، «أسد الغابة» ١/ ٢٠٥ (٣٨٩)، «الإصابة» ١/ ١٤٢ (٦١٨).



فائدة:
أبوه صحابي أيضًا ذكره ابن سعد في «طبقاته» (١) و(قَلّ) (٢) من ذكره ولم يسمع له ذكر في شيء من المغازي، وقد جاء حديثه في الرجل الذي اشترى منه الصديق بثلاثة عشر درهمًا (٣)، وليس في الصحابة عازب غيره (٤)، ولا فيهم البراء بن عازب سوى ولده.
وأما أبو إسحاق فهو السبيعي -بفتح السين المهملة وكسر الموحدة نسبة إلى السبيع جد القبيلة وهو السبيع بن الصعب، وأبعد من قَالَ: عرف بذلك لنزوله فيهم (٥)، وأغرب المزي حيث ذكره في الألقاب (٦) - ابن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن حيوان بن نوف بن همدان.
وهو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن علي، وقيل: عمرو بن عبد الله بن ذي يُحمد الهمداني السبيعي الكوفي التابعي الجليل الكبير المتفق على جلالته وتوثيقه.

-----------------
(١) «الطبقات» لابن سعد ٤/ ٣٦٥.
(٢) بياض في (ف)، وهي (ج).
(٣) ستأتي هذِه القصة برقم (٣٦٥٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب المهاجرين.
(٤) انظر ترجمة عازب في: «معرفة الصحابة» ٤/ ٢٢٣٦ (٢٣٤٤)، «أسد الغابة» ٣/ ١١٠ (٢٦٥٩)، «الإصابة» ٢/ ٢٤٤ (٤٣٤٠).
(٥) قاله يعقوب بن أبي شيبة فيما نقله عنه المزي في «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٠٣.
(٦) «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٦٢. والعلة في استغراب المصنف -رحمه الله- من ذكر المزي للسبيعي في الألقاب، أن السبيعي هذِه نسبة، فكيف يذكر في الألقاب؟
والجواب: أن المزي قد ذكره في الأنساب أولًا كما في ٣٥/ ١٢ ثم ذكره في الألقاب، على اعتبار أن الأنساب من الألقاب، وقد عنون بذلك الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٤/ ٦٤٢، فقال: الأنساب من الألقاب.



ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ورأى عليًّا وأسامة والمغيرة ولم يصح سماعه منهم، وسمع ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومعاوية وخلفا من الصحابة وآخرين من التابعين، وعنه: التيمي وقتادة والأعمش وهم من التابعين، والثوري وهو أثبت الناس فيه، وخلق من الأئمة.
قَالَ العجلي: سمع ثمانية وثلاثين من الصحابة، وقال ابن المديني: روى عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره. مات سنة ست، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وعشرين ومائة (١).
وأما زهير فهو أبو خيثمة زهير بن معاوية بن حُديج -بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وبالجيم- بن الرُّحَيل -بضم الراء وفتح الحاء المهملة- بن زهير بن خيثمة الجعفي الكوفي.
سكن الجزيرة، سمع السبيعي وحميدًا الطويل وغيرهما من التابعين وخلقًا من غيرهم، وعنه يحيى القطان وجمع من الأئمة، و(اتفقوا) (٢) على جلالته وحسن حفظه وإتقانه.
قَالَ أبو زرعة: هو ثقة إلا أنه سَمِع من أبي إسحاق بعد الاختلاط.
وقال أحمد: ثبت بخ بخ لكن في حديثه عن أبي إسحاق لين سمع منه بآخره، قَالَ أبو حاتم: (هم) (٣) ثلاثة إخوة: زهير وحديج ورحيل،

------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٦/ ٣١٣، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٤٧ (٢٥٩٤)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٧٩ (١٣٩٤)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٠٢ (٤٤٠٠).
(٢) في (ج): وأجمعوا.
(٣) من (ف).



(أَعْدَلُهم زهير ثم حُديج) (١).
مات سنة اثنتين وسبعين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سنة سبع وسبعين ومائة، وقال أبو داود عن النفيلي: فُلج قبل موته بسنة، ولم أسمع منه شيئًا بعدما فلج، وقال أبو حاتم: زهير أحب إلينا من إسرائيل في كل شيء إلا في حديث أبي إسحاق، وزهير ثقة متقن صاحب سنة، تأخر سماعه من أبى إسحاق.
قَالَ الخطيب: حدث عنه ابن جُريج وعبد السَّلام بن عبد الحميد الحراني وبين وفاتيهما بضع وتسعون سنة، وحدث عنه محمد بن إسحاق وبين وفاتيهما قريب من ذَلِكَ (٢).
فائدة:
يجاب عن إخراج البخاري له عن أبي إسحاق أنه لعله ثبت عنده سماعه منه قبل الاختلاط كما سلف في الفصول.
وأما عمرو (خ، ق) بن خالد فهو أبو الحسن عمرو بن خالد بن فروخ بن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد -بالقاف- بن ليث بن واقد بن عبد الله الحنظلي الجزري الحراني، سكن مصر.
روى عن الليث وابن لهيعة وغيرهما من الأئمة، وعنه البخاري وانفرد به، وأبو زرعة وغيرهما من الأئمة، وروى ابن ماجه، عن

------------
(١) كذا في (ف)، (ج) وهو خطأ والصواب كما في «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٨٨، ٥٩٦: أوثقهم زهير ثم رحيل. وكذا في «التعديل والتجريح» للباجي ٢/ ٥٩٦، و«تهذيب الكمال» ٩/ ١٧٣.
(٢) «السابق واللاحق» ص ٢٠٤ (٧٠).
وانظر ترجمة زهير في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٢٧ (١٤١٩)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٨٨ (٢٦٧٤) ٦/ ٣٣٧، «تهذيب الكمال» ٩/ ٤٢٠ (٢٠١٩).



رجل عنه واسمه عمرو -بزيادة الواو- ويقع في بعض النسخ بإسقاطها والصواب الأول (١).
قَالَ أبو حاتم: صدوق، وقال العجلي: مصري ثبت ثقة، مات بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين (٢).
فائدة:
لهم عمرو بن خالد الواسطي المتروك (٣) انفرد بالإخراج له ابن ماجه، وعمرو بن خالد الكوفي منكر الحديث (٤).

------------
(١) قال أبو علي في «تقييد المهمل» ٢/ ٥٦٧: كان في نسخة أبي زيد المروزي: حدثنا عمر بن خالد. هكذا نقله عنه أبو الحسن القابسي وأبو الفرج عبدوس بن محمد الطليطلي وذلك وهم، والصواب: عمرو. بفتح العين وسكون الميم. وهو عمرو بن خالد الحراني الجزري، وليس في شيوخ البخاري من يقال له: عمر بن خالد. اهـ.
(٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٧ (٢٥٤٢)، «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ١٧٥ (١٣٧٦)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٣٠ (١٢٧٨)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٦٠١ (٤٣٥٦). وقد سبقت ترجمته في حديث رقم (١٢).
(٣) عمرو بن خالد الواسطي أبو خالد القرشي مولى بني هاشم، أصله كوفي وانتقل إلى واسط، روى عن زيد بن علي بن الحسين وسعيد بن زيد بن عقبة والثوري وغيرهم، قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: متروك، وقال ابن معين: كذاب، وقال النسائي: ليس بثقة ويحكى عن وكيع، قال: كان في جوارنا يضع الحديث فلما فُطن له تحول إلى واسط. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٨ (٢٥٤٣)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٣٠ (١٢٧٧)، «المجروحين» لابن حبان ٢/ ٧٦، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٦٠٣ (٤٣٥٧).
(٤) عمرو بن خالد الكوفي أبو حفص، روى عن سليمان الأعمش وهشام بن عروة وغيرهما. قال ابن حبان: يروي عن «الثقات» الموضوعات، لا تحل الرواية عنه، وقال الحافظ: منكر الحديث من التاسعة، ويقال: هو عمرو بن خالد أبو يوسف الأسدي وفرق بينهما ابن عدي. انظر ترجمته في «المجروحين» لابن حبان ٢/ ٧٩، و«الكامل» لابن عدي ٦/ ٢٢٥ (١٢٩١)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٦٠٧ (٤٣٥٨).



الوجه الثاني: في ألفاظه ومعانيه:
قوله: (يَعْنِي: صَلَاتُكُمْ عِنْدَ البَيْتِ) كذا وقع في الأصول، والمراد إلى البيت، يعني: بيت المقدس أو الكعبة؛ لأن صلاتهم إليها إلى جهة بيت المقدس.
وقوله: (أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ) يعني: في الهجرة، ولها أسماء كثيرة ذَكَرتُ منها في «الإشارات للغات المنهاج» (١) تسعة وعشرين اسمًا مفصلة فراجعها منه.
وقوله: (أَجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ: أَخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ) هو شك من الراوي وهم أخوال وأجداد مجازًا؛ لأن هاشمًا جد أبي رسول الله - ﷺ - تزوج من الأنصار وقصته مشهورة، وقد سلف في أول الكتاب شأن الأنصار المذكور في السير أن أول ما نزل - ﷺ - على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري، ثم على أبي أيوب الأنصاري خالدٍ ولَيْسَا ولا واحد منهما من أخواله ولا أجداده، وإنما أخواله وأجداده في بني عدي بن النجار وقد مر بهم، ونزل على بني مالك أخي عدي فلعل ذَلِكَ وقع تجوزًا لعادة العرب في النسبة إلى الأخ أو لقرب ما بين داريهما.
وقوله: (وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ): أي متوجهًا إليه، وقوله: (بيت المقدس) هو -بفتح الميم وإسكان القاف، وفيه لغة أخرى ضم الميم وفتح القاف والدال المشددة- أي المطهر، وعلى الأول هو مصدر كالمرجع، أو مكان ومعناه: بيت مكان الطهارة، قاله أبو علي الفارسي.

------------------
(١) الكتاب قيد التحقيق بدار الفلاح.


وقال الزجاج: أي المكان الذي يطهر فيه من الذنوب، ويقال: البيت المقدس على الصفة. والمشهور بيت المقدس على إضافة الموصوف إلى صفته كصلاة الأولى، ومسجد الجامع وبابه، وله أسماء أخر ذكرتها في (الكتاب) (١) المشار إليه قريبًا.
وقوله: (سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا- أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا). كذا وقع هنا على الشك، وكذا هو في أكثر الروايات، وفي رواية في «صحيح مسلم» وغيره عن البراء الجزم بالأولى (٢) فيتعين (اعتمادها) (٣) كما قاله النووي.
وقال الداودي: إنه الصحيح، قبل بدر بشهرين، وهو قول ابن عباس والحربي؛ لأن بدرًا كانت في رمضان في السنة الثانية.
وخالف القاضي فقال: الثاني أصح وهو قول مالك وابن إسحاق وابن المسيب (٤)، وفي «سنن أبي داود»: ثمانية عشر شهرًا (٥).
وحكى المحب الطبري: ثلاثة عشر شهرًا، ورواية أخرى: سنتين، وأغرب منهما: تسعة أشهر، وعشرة أشهر، وهما شاذان.
وقال أبو حاتم بن حبان: صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيام سواء؛ لأن قدومه - ﷺ - من مكة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وحولت يوم الثلاثاء نصف شعبان (٦).

-------------
(١) في (ف): المكان.
(٢) مسلم (٥٢٥/ ١١) كتاب: المساجد، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة.
(٣) كذا في (ف) وفي (ج): إعمالها.
(٤) «إكمال المعلم» ٢/ ٤٤٩.
(٥) «سنن أبي داود» برقم (٥٠٧). وفيه: ثلاثة عشر شهرًا. من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه -.
(٦) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٦٢٠.



وفي «تفسير ابن الخطيب» عن أنس أنها حولت بعد الهجرة بتسعة أشهر، وهو غريب. وعلى هذا القول يكون التحويل في ذي القعدة إن عدّ شهر الهجرة، وهو ربيع الأول، أو ذي الحجة إن لم يعد وهو أغرب.
وفي ابن ماجه أنها صرفت إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين (١).
وقال إبراهيم بن إسحاق: حولت في رجب. وقيل: في جمادى فحصل في تعيين الشهر أقوال) (٢).
والشهر سمي بذلك لشهرته عند الناس كلهم لاحتياجهم إلى معرفته في عبادتهم ومعايشهم. يُقال: شهرت الشيء إذا أظهرته، وفي لغة رديئة أشهرته، حكاها الزبيدي.
وقوله: (وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ). أي: كان يحب ذَلِكَ كما صرح به البخاري في رواية أخرى في باب: التوجه نحو القبلة (٣).
وقوله: (صَلَاةَ العَصْرِ) هو بدل من قوله: (أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا).
وقوله: (مَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ) إلى آخره، هؤلاء ليسوا أهل قباء بل أهل مسجد بالمدينة وهو مسجد بني سلمة ويُعرف بمسجد القبلتين، ومر عليهم المار في صلاة العصر. وأما أهل قباء فأتاهم الآتي في صلاة الصبح، كما صرح به البخاري ومسلم في موضعه من حديث ابن عمر (٤).

---------------
(١) ابن ماجه (١٠١٠) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق.
قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٩٦: أبو بكر سيِّئ الحفظ وقد اضطرب فيه.
وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٢١٢): منكر.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ف).
(٣) سيأتي برقم (٣٩٩) كتاب: الصلاة.
(٤) سيأتي برقم (٤٠٣) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القبلة …، ومسلم (٥٢٦/ ١٣) كتاب: المساجد، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة.



ويجوز أن تحمل الأولى على أن المراد: أن أول صلاة صلاها كاملة إلى الكعبة العصر، وقيل: كان التحويل في ركوع الثانية من الظهر في المسجد السالف فاستدار واستدارت الصفوف، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية. وذكر القرطبي أن الآية نزلت في غير صلاة (١).
وقوله: (وَأَهْلُ الكِتَابِ) هو: برفع اللام معطوف على اليهود، ولعل المراد بهم النصارى؛ فإن اليهود أيضًا أهل كتاب.
فائدة:
هذا (المار) (٢) هو عباد بن نهيك بن إساف الخطمي، صلى القبلتين مع النبي - ﷺ - بركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة يوم صرفت، قاله ابن عبد البر (٣).
وقال ابن بشكوال: هو عباد بن بشر الأشهلي (٤)، [و] (٥) ذكره الفاكهي في «أخبار مكة» عن خويلة بنت أسلم وكانت من المبايعات، وفيه قول ثالث: أنه عباد بن وهب.
الوجه الثالث: في فوائده:
وهي جمة مفرقة في الأبواب ذكرت منها جملة في «شرح العمدة» (٦) ونذكر منها هنا عشر فوائد:

------------------
(١) «تفسير القرطبي» ٢/ ١٤٩.
(٢) في (ج): المشار إليه.
(٣) «الاستيعاب» ٢/ ٣٥٤ (١٣٧٦).
(٤) «غوامض الأسماء المبهمة» ١/ ٢٢٣.
(٥) زيادة يقتضيها السياق.
(٦) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٤٨٧ - ٥٠٤.



ونقدم عليها أن التحويل كان في السنة الثانية قطعًا، واختلف في الشهر الذي حولت فيه على ثلاثة أقوال سلفت:
أحدها: في الظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان، قاله محمد بن حبيب الهاشمي، وحكاه عنه النووي في «الروضة» في كتاب السير وأقره (١).
وثانيها: في رجب في نصفه في صلاة الظهر يوم الاثنين، ونقله بعضهم عن الأكثرين كما حكاه صاحب «المطلب».
قَالَ: وفي رواية شاذة أن ذَلِكَ كان في جمادى الآخر، وهذا هو الثالث.
الأولى: ما ترجم له وهو كون الصلاة من الإيمان، وقد اتفق المفسرون وغيرهم على أن المراد به هنا الصلاة، وكذا ذكره البراء في حديث الباب بفحواه وإن لم يصرح به، والآية إنما نزلت في صلاتهم إلى بيت المقدس.
وقال ابن إسحاق وغيرُه: ﴿لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ بالقبلة الأولى، وتصديقكم بنبيكم واتباعكم إياه إلى القبلة الأخرى، أي: ليعطينكم أجرهما جميعًا (٢).
وما زاده زهير في حديث البراء، أخرجه أبو داود والترمذي من
حديث ابن عباس، قَالَ: لما وجه النبي - ﷺ - إلى الكعبة قالوا:
يا رسول الله، كيف إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت
المقدس؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٣) [البقرة: ١٤٣].

-------------------
(١) «روضة الطالبين» ١٠/ ٢٠٦.
(٢) انظر: «سيرة ابن هشام» ٢/ ١٧٧.
(٣) «سنن أبي داود» (٤٦٨٠)، «سنن الترمذي» (٢٩٦٤) وقال: حديث حسن صحيح.



الثانية: جواز النسخ ووقوعه ولا عبرة بمن أحاله. قَالَ ابن عباس: أُول ما نُسخ من القرآن شأن القبلة والصيام (١)، وأول مَن صَلَّى إلى الكعبة البراء بن معرور (٢).
الثالثة: قبول خبر الواحد (كما ترجم له فيما مضى) (٣) وقد يقال: إنه احتف به قرائن ومقدمات أفادت العلم؛ لأنهم كانوا متوقعين التحويل.
الرابعة: استحباب إكرام القادم أقاربه بالنزول عليهم دون غيرهم.
الخامسة: أن محبة الإنسان الانتقال من طاعة إلى أكمل منها ليس قادحًا في الرضا بل هو محبوب.
السادسة: أن النَّسْخَ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه، لأن أهل المسجد وأهل قباء صلوا إلى بيت المقدس بعض صلاتهم بعد النسخ، لكن قبل بلوغه إليهم وهو الصحيح في الأصول (٤)، وتظهر فائدة الخلاف في الإعادة، ويتعلق بذلك أن الوكيل هل ينعزل من حين العزل أو من بلوغ الخبر؟ والأصح عندنا الأول بخلاف القاضي، والفرق تعلق المصالح الكلية به بخلاف الوكيل، ويتعلق به أيضًا أن الأمة لو صلت مكشوفة الرأس ثم علمت بالعتق في أثناء الصلاة، هل تبني أو تستأنف؟

-------------------
(١) رواه النسائي في «المجتبى» ٦/ ١٨٧، ٢١٢، وفي «الكبرى» ٣/ ٣٨٦، والطبراني في «مسند الشاميين» ٣/ ٣٢٦، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨، والبيهقي في «الكبرى» ٢/ ١٢.
(٢) رواه البيهقي ٣/ ٣٨٤ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، قال: وكان البراء بن معرور أول من استقبل القبلة حيًّا وميِّتًا.
قال البيهقي: وهو مرسل جيد.
(٣) من (ج).
(٤) انظر: «المستصفى» ١/ ٢٢٩.



السابعة: جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين بدليلين، فمن صلَّى بالاجتهاد إلى جهة ثم تغير اجتهاده في أثنائها، فظن أن القبلة في جهة أخرى ولم يتيقن ذَلِكَ، يتحول إلى الجهة الثانية ويبني على صلاته ويجزئه، وإن كانت إلى جهتين وثلاث وأربع حتى لو صلى الرباعية إلى الجهات الأربع كل ركعة إلى جهة بالاجتهاد أجزأه، وهو الأصح عند أصحابنا (١).
الثامنة: جواز نسخ السُّنة بالكتاب، والأصح عند الجمهور نعم، وللشافعي فيه قولان:
قَالَ مرة: لا يجوز، كما لا يجوز عنده نسخ القرآن بالسنة قولًا واحدًا (٢)، والأصح عند الجمهور: نعم بشرط كونها متواترة (٣).
قَالَ القاضي عياض: أجازه الأكثر عقلًا وسمعًا، ومنعه بعضهم عقلًا، وأجازه بعضهم عقلًا، ومنعه سمعًا (٤).
وقال ابن الخطيب: قطع الشافعي وأكثر أصحابنا وأهل الظاهر وأحمد في رواية بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وأجازه أبو حنيفة ومالك والجمهور (٥).
واستدل المجوزون على الأولى بأن التوجه نحو بيت المقدس لم

-------------
(١) انظر كلام الشافعي في «الرسالة» ص ١٠٦ - ١١٣.
(٢) انظر: «المجموع» ٣/ ٢٠٦.
(٣) انظر: «المستصفى» ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧، «الغيث الهامع» ٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧، «إرشاد الفحول» ٢/ ٨٠٩ - ٨١٥.
(٤) «إكمال المعلم» ٢/ ٥٤٥.
(٥) انظر: «الرسالة» ص ١٠٦، «الواضح في أصول الفقه» ١/ ٢٢٨، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم ص ٥١٨ - ٥٢٠، «البحر المحيط» ٤/ ١٠٨ - ١٠٩.



يكن (ثابتًا) (١) بالكتاب، وقد نسخ به، وبقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فنسخ العهد والصلح على ردهن، وبقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] نسخ تحريم المباشرة وليس في القرآن، وصوم عاشوراء برمضان، وعلى الثانية بأنه نُسِخَت الوصية للوالدين والأقربين بقوله: «لا وصية لوارث» (٢) ونسخ الإمساك في البيوت بالرجم والجلد الثابت بالسنة.
وأجاب المانعون عن قصة القبلة بأنها نسخ قرآن بقرآن، وأن الأمر أولًا كان يخير المصلي أن يولي وجهه حيث شاء بقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ثم نسخ باستقبال القبلة.
التاسعة: جواز النسخ بخبر الواحد، وهو ما مال إليه القاضي أبو بكر وغيره من المحققين، كما نقله القاضي عياض عنهم (٣)، واختاره الغزالي (٤) والباجي (٥) وأهل الظاهري (٦)، ووجهه أن العمل بخبر الواحد مقطوع به كما أن العمل بالقرآن والسنة المتواترة مقطوع به، وأبعد بعضهم فقال: النسخ به كان جائزًا في زمنه، وإنما منع بعده.
والمختار كما قَالَ الغزالي: وقوع نسخ السنة المتواترة بالآحاد عقلًا

----------------
(١) من (ف).
(٢) رواه أبو داود (٢٨٧٠)، (٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠) وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد ٥/ ٢٦٧، والطيالسي ٢/ ٤٥٠ (١٢٢٣)، وعبد الرزاق ٤/ ١٤٨ - ١٤٩ (٧٢٧٧)، والطبراني ٨/ ١٣٧ (٧٦٢١) من حديث أبي أمامة، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٦٥٥).
(٣) «إكمال المعلم» ٢/ ٤٤٥.
(٤) «المستصفى» ١/ ٢٤٠ - ٢٤١.
(٥) «إحكام الفصول» ص ٤١٧.
(٦) «الإحكام في أصول الأحكام» ص ٥١٨ - ٥٢٤.



لو تعبد به وسمعًا في زمانه - ﷺ - بدليل قصة قباء، وأما بعده فممنوع بإجماع الصحابة على أن خبر الواحد لا يرفع قاطعًا (١).
العاشرة: أن من لم يعلم بفرض الله، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلام ذَلِكَ من غيره، فالفرض غير لازم له، والحجة غير قائمة عليه.
وقد اختلف العلماء فيما حكاه القاضي فيمن أسلم في دار الحرب أو أطراف بلاد الإسلام حيث لا يجد من يستعلمه الشرائع، ولا علم أن الله فرض شيئًا من الشرائع، ثم علم بعد ذَلِكَ هل يلزمه قضاء ما مر عليه من صيام وصلاة لم يعلمها؟
فذهب مالك والشافعي (في آخرين) (٢) إلى إلزامه، فإنه قادر على الاستعلام والبحث والخروج إلى ذلك، وذهب أبو حنيفة أن ذَلِكَ يلزمه إن أمكنه أن يستعلم فلم يستعلم وفرط، وإن كان لا يحضره من يستعلمه فلا شيء عليه. قَالَ: وكيف يكون لله فرض على من لم [يعلم] (٣) بفرضه (٤).

------------------
(١) «المستصفى» ١/ ٢٤٠.
(٢) في (ف): وآخرين.
(٣) زيادة يقتضيها السياق، من «الإكمال».
(٤) «إكمال المعلم» ٢/ ٤٤٨.



٣١ - باب حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ
٤١ - قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ، أنَهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا». [فتح: ١/ ٩٨]

٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا». [مسلم: ١٢٩ - فتح: ١/ ١٠٠]
قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زيدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقُولُ: «إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيئَةٍ كَانَ زَلّفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا».
حَدَّثنَي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا» (١).

-------------
(١) ذكر في هامش (ف) ما نصه: بلغ الشيخ برهان الدين الحلبي قراءة على … وسمعه الشيخ شمس الدين … والصفدي والعاملي والباسطي والفخر الرازي. المصنف والبغوي وابن … ونور الدين … محمد بن … وسمعه آخرون … والصفدي سمعه بتدريسه قاله إبراهيم الحلبي القارئ.


الكلام عليهما (من وجوه) (١):
أما حديث أبي سعيد فمن وجوه:
الأول:
هذا الحديث أخرجه هنا معلقًا فإن بينه وبين مالك واسطة؛ لأنه لم يسمع منه، وقد وصله أبو ذر الهروي في بعض النسخ.
فقال أبو ذر: (أنا) (٢) النضروي، ثنا الحسين بن إدريس، (ثنا) (٣) هشام بن (خالد) (٤)، (ثنا) (٥) الوليد بن مسلم، (ثنا) (٦) مالك، فذكره.
وأسنده النسائي، عن أحمد بن المعلى بن يزيد، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن مالك (٧).
وقد وصله الإسماعيلي بزيادة فيه فقال: أخبرني الحسن بن سفيان، (ثنا) (٨) حميد بن قتيبة الأسدي قَالَ: قرأت على عبد الله بن نافع الصائغ، أن مالكًا أخبره قَالَ: (وأخبرني) (٩) عبد الله بن محمد بن مسلم (١٠)، أنبأنا يونس بن عبد الأعلى، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، نا عبد الله بن وهب، أنبأنا مالك بن أنس -واللفظ لابن نافع-

------------------
(١) من (ج).
(٢) كذا في (ف) وفي (ج): أخبرنا.
(٣) في (ف): نا.
(٤) في (ف)، (ج): خلف، والمثبت من «تغليق التعليق» ٢/ ٤٤، «فتح الباري» ١/ ٩٩، «عمدة القاري» ١/ ٢٨٦.
(٥) في (ف): نا.
(٦) في (ف): نا.
(٧) النسائي ٨/ ١٠٥ - ١٠٦.
(٨) في (ف): نا.
(٩) في (ف): أخره.
(١٠) انظره في «المعجم» للإسماعيلي ٢/ ٦٩٥.



عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إذا أسلم العبد كتب الله له كل حسنة قدمها ومحى عنه كل سيئة زلفها، ثم قيل له: ائتنف العمل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة، والسيئة بمثلها إلا أن يغفر الله»
أنبأنا به (غير واحد منهم) (١) شيخنا قطب الدين الحلبي، أنبأنا محمد بن عبد المنعم المؤدب، أنبأنا أبو بكر بن باقا (٢) (أنبأنا) (٣) يحيى بن ثابت، أنبأنا أبو بكر أحمد البرقاني، أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي فذكره.
قَالَ ابن بطال: هذا الحديث أسقط البخاري بعضه، وهو حديث مشهور من رواية مالك في غير «الموطأ» ونصه: «إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله له بكل حسنة كان زلفها ومحى عنه كل سيئة كان زلفها» وذكر باقيه بمعناه، قَالَ: وذكره الدارقطني في «غرائب حديث مالك» من تسعة طرق، وأثبت فيها كل ما أسقطه البخاري:
«إن الكافر إذا حسن إسلامه يُكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء» وهو كقوله - ﷺ - في حديث حكيم بن حزام: «أسلمت على ما أسلفت من خير» (٤).

-------------
(١) من (ف).
(٢) هو الشيخ الأمين المرتضى المسند، صفي الدين، أبو بكر عبد العزيز ابن أبي الفتح أحمد بن عمر بن سالم بن محمد بن باقا البغدادي الأصل، الحنبلي التاجر السّفّار نزيل مصر. ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وتوفي سنة ثلاثين وستمائة. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢٢/ ٣٥١ - ٣٥٢، «الذيل» لابن رجب ٢/ ١٨٧، «شذرات الذهب» ٥/ ١٣٥ - ١٣٦.
(٣) في (ف): أنا.
(٤) سيأتي برقم (١٤٣٦) كتاب: الزكاة، باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم.



قَالَ: ومعنى «حسن إسلامه» ما جاء في حديث جبريل - ﷺ -: «أن تعبد الله كأنك تراه» (١). أراد مبالغة الإخلاص لله تعالى بالطاعة والمراقبة، هذا آخر كلام ابن بطال (٢).
وقال الدارقطني في كتاب «غرائب مالك»: اتفق هؤلاء التسعة: ابن وهب، والوليد بن مسلم، وطلحة بن يحيى، ورزين بن شعيب، وإسحاق الفروي، وسعيد الزبيري، وعبد الله بن نافع، وإبراهيم بن المختار، وعبد العزيز بن يحيى، فرووه عن مالك عن زيد، عن عطاء، عن أبي سعيد، وخالفهم معن بن عيسى فرواه عن مالك، عن زيد، عن عطاء، عن أبي هريرة.
الوجه الثاني: (في) (٣) التعريف برجاله: وقد سلف.
الثالث: في ألفاظه وأحكامه:
قوله: («زلّفها») هو بتشديد اللام كما ضبطه النووي، يُقال: زلَّفه يزلِّفه تزليفًا إذا قدمه، وأزلفه إزلافًا مثله، ويقع في بعض النسخ: أزلفها.
قَالَ ابن سيده: زلف الشيء وزلفه: قدمه. عن ابن الأعرابي، وأزلف الشيء: قربه (٤).
وفي «الجامع»: الزلفة تكون القربة من الخير والشر، وفي «الصحاح»: الزلف: التقدم عن أبي عبيد. وتزلفوا وازدلفوا أي: تقدموا (٥)، وفي «الجمهرة»: الزليف -بياء مثناة تحت قبل الفاء- ثم

-----------
(١) سيأتي برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل عن الإيمان و....
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٩٩.
(٣) من (ج).
(٤) «المحكم» ٩/ ٤١، ٤٢.
(٥) «الصحاح» ٤/ ١٣٧٠، مادة (زلف).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #56  
قديم 19-01-2026, 05:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 106 الى صـــ 125
الحلقة (55)





فسره بالتقدم من موضع إلى موضع (١). قُلْتُ: فمعنى أزلفها هنا: اكتسبها وقدمها وقربها قربة إلى الله تعالى، وازدلفت مثل أزلفت، وازدلفت القوم: (جَمَعْتُهم) (٢)، ومنه سميت المزدلفة؛ لجمعها الناس، وقيل: لقرب أهلها من منازلهم.
مفتعلة من زلفت أبدلت التاء دالًا، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾ [التكوير: ١٣] أي: قربت وأدنيت (٣) ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: قَرَّبْنَاهم (٤).
قَالَ أهل اللغة: هذا من باب ما جاء على فعل وأفعل لاختلاف معنى. وقوله تعالى: ﴿عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٧] فهي هنا اسم مصدر كأنه قَالَ: ازدلافًا، وأما زلف زلفى ثلاثيًا فبمعنى: تقدم، والزلفة والزلفي: القربى والمنزلة (٥).
وقوله: («فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ») أي: أسلم إسلامًا محققًا بريئًا من الشكوك، ولا يشترط في تكفير سيئات زمن الكفر وكتب حسناته أن يكثر من الطاعات في الإسلام، ويلازم المراقبة والإخلاص في أفعاله كما (سلف) (٦).
ثم اعلم أن هذا الحديث مع حديث حكيم بن حزام السالف مما اختلف في معناه، فقال أبو عبد الله المازري ثم القاضي وغيرهما:

----------------
(١) «جمهرة اللغة» ٢/ ٨٢١ مادة: زلف.
(٢) في (ف)، (ج): جميعهم، والمثبت هو الصواب، كما في «الأفعال» لابن القوطية ص ١٧٣.
(٣) انظر: «تفسير الطبري» ١٢/ ٤٦٦ (٣٦٤٧٣).
(٤) انظر: «تفسير الماوردي» ٤/ ١٧٥.
(٥) انظر: «تهذيب اللغة» ٢/ ١٥٤٨ مادة: (زلف).
(٦) في (ج): سبق.



الجاري على القواعد والأصول أنه لا يصح من الكافر (التقرب فلا يثاب على طاعة) (١)، ويصح أن يكون مطيعًا غير متقرب (كنظيره) (٢) في الإيمان؛ فإنه مطيع (فيه) (٣) من حيث إنه موافق للأمر، والطاعة عندنا موافقة الأمر، ولا يكون متقربًا؛ لأن من شرط التقرب أن يكون عارفًا بالمتقرَّب إليه، فيتأول حديث حكيم على أنه اكتسب أخلاقًا جميلة ينتفع بها في الإسلام أو أنه حصل له ثناء جميل، أو أنه يزاد في حسناته في الإسلام بسبب ذَلِكَ، أو أنه سبب لهدايته إلى الإسلام (٤).
وتعقبهم النووي في «شرحه» فقال: هذا الذي قالوه ضعيف بل الصواب الذي عليه المحققون -وقد ادُّعِي فيه الإجماع- أنّ الكافر إذا فعل (أفعالًا جميلة) (٥) على جهة التقرب إلى الله تعالى كصدقة وصلة رحم وإعتاق وضيافة ونحوها من الخصال الجميلة ثم أسلم يكتب له كل ذَلِكَ ويثاب عليه إذا مات على الإسلام.
ودليله حديث أبي سعيد السالف فهو نص صريح فيه، وحديث حكيم بن حزام ظاهر فيه، وهذا أمر لا يحيله العقل، وقد (ورد) (٦) الشرع به فوجب قبوله.
وأما دعوى: كونه مخالفًا للأصول فغير مقبولة، وأما قول الفقهاء: لا تصح العبادة من كافر ولو أسلم لم يعتد بها، فمرادهم: لا يعتد بها في

----------------
(١) في (ج): القرب ولا يثاب عليها.
(٢) في (ف)، (ج): به. والمثبت هو الصواب، كما في «المعلم»، و«إكمال المعلم».
(٣) في (ف)، (ج): كنظره، وهو خطأ، والمثبت هو الصواب كما في «شرح مسلم» للنووي ٢/ ١٤٢.
(٤) «المعلم» ١/ ٧٦، «إكمال المعلم» ١/ ٤١٥.
(٥) في (ج): فعلا جميلًا.
(٦) في (ج): ولا ورد.



أحكام الدنيا وليس فيه تعرض لثواب الكافر (١)، فإن أقدم قائل عَلَى التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة فهو مجازف، فَيُرَدُّ قوله بهذِه السنة الصحيحة، وقد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا، فقد قَالَ الفقهاء: إذا لزمه كفارة ظهار وغيرها فكفَّر في حال كفره أجزأه ذَلِكَ، وإذا أسلم لا يلزمه إعادتها.
واختلفوا فيما لو أجنب واغتسل في كفره ثم أسلم هل يلزمه إعادة الغسل؟ والأصح: اللزوم، وبالغ بعض أصحابنا فقال: يصح من كل كافر كل (طهارة) (٢) غسلًا كانت أو وضوءًا أوا تيممًا وإذا أسلم صلى بها (٣).
ثم حديث الباب حجة لمذهب أهل الحقِّ أن أصحاب المعاصي لا يُقطع عليهم بالنار، بل هم في المشيئة، ومناسبة التبويب زيادة الحسن على الإسلام واختلاف أحواله بالنسبة إلى الأعمال.
وأما الحديث الثاني: وهو حديث أبي هريرة:
فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم مطولًا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به (٤).
ثانيها: في التعريف برجاله غير (ما) (٥) سلف.

----------------
(١) أي في الآخرة، كما في «شرح مسلم».
(٢) في (خ): طاهرة.
(٣) «شرح النووي على مسلم» ٢/ ١٤١.
(٤) (١٢٩) في الإيمان، باب: إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب.
(٥) في (خ): من.



أما همام فهو أبو عقبة همام بن منبه بن كامل بن سَيج، بسين مهملة مفتوحة، ثم ياء مثناة تحت ساكنة، وقيل: بكسر السين وفتح الياء ثم جيم، اليماني الصنعاني الذماري، بكسر الذال المعجمة، ويقال: بفتحها، وذِمار على مرحلتين من صنعاء (١)، الأبناوي، بفتح الهمزة ثم باء موحدة ساكنة ثم نون ثم ألف ثم واو.
قَالَ أبو علي الغساني: نسبة إلى الأبناء وهم قوم باليمن من (ولد) (٢) الفرس الذين جهزهم كسرى مع سيف بن ذي يزن إلى ملك الحبشة باليمن، فغلبوا الحبشة وأقاموا باليمن، فولدهم يقال لهم: الأبناء (٣).
وقال أبو حاتم بن حبان: كل من ولد باليمن من أولاد الفرس وليس من العرب يقال له: أبناوي وهم الأبناء.
وهمام هذا أخو وهب بن منبه وهو أكبر من وهب، سمع ابن عباس وأبا هريرة، وعنه أخوه وآخرون، وهو ثقة مات سنة إحدى، وقيل: اثنتين وثلاثين ومائة (٤).
(فائدة:
همام بن منبه من الأفراد وإن كان في الصحابة والتابعين من يشترك معه في الاسم دون الأب.

------------------
(١) «تقييد المهمل» ١/ ٩٦.
(٢) في (ج): أبناء.
(٣) انظر: «معجم البلدان» ٣/ ٧.
(٤) انظر ترجمة همام في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٥٤٤، «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٣٦ (٢٨٤٧)، «الثقات» ٥/ ٥١٠، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٢٩٨ (٦٦٠٠)، وانظر «الثقات» ٥/ ٥١٠ وقد سبق في المقدمة.



فائدة أخرى:
لا يلتفت إلى تضعيف الفلاس له فإنه من فرسان الصحيحين) (١).
وأما عبد الرزاق فهو أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم اليماني الصنعاني. سمع خلقًا من الأعلام: مالكًا وغيره، وعنه خلق من الأئمة والحفاظ: أحمد وابن معين وغيرهما. وأحواله ومناقبه مشهورة، مات سنة إحدى عشرة ومائتين. قَالَ معمر: خليق أن تضرب إليه أكباد الإبل، وقال أحمد: ما رأيت أحسن منه.
وأما ابن عدي: فنقل عن ابن معين أنه ليس بقوي، وعن ابن معين أنه قيل له: تركت حديث عبد الرزاق؟ فقال: لو ارْتَدَّ ما تركته (٢).
ونسبه العباس بن عبد العظيم إلى الكذب وأن الواقدي أصدق منه (٣)، قَالَ ابن عدي: ونسب إلى التشييع، وقد روى أحاديث في

----------------
(١) من (ج).
(٢) «الكامل» ٦/ ٥٣٨.
(٣) رواه العقيلي في «الضعفاء» ٣/ ١٠٩ وفيه: والله الذي لا إله إلا هو إن عبد الرزاق كذاب، ومحمد بن عمر الواقدي أصدق منه. اهـ.
قال الذهبي في «السير» ٩/ ٥٧١ - ٥٧٢.
قلت: بل والله ما بَرَّ عباس في يمينه، وبئس ما قال، يَعْمد إلى شيخ الإسلام ومحدث الوقت، ومن احتج به كل أرباب الصحاح -وإن كان له أوهام مغمورة، وغيره أبرع في الحديث منه- فيرميه بالكذب ويُقَدم عليه الواقدي الذي أجمعت الحفاظ على تركه، فهو في مقالته هذِه خارق للإجماع بيقين. اهـ.
وقال في «الميزان» ٣/ ٣٢٥: هذا ما وافق العباس عليه مُسْلِمُ، بل سائر الحفاظ وأئمة العلم يحتجون به إلا تلك المناكير المعدودة في سعة ما روى. اهـ.
قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٢/ ٥٧٤ معقبًا على كلام الذهبي: وهذا إقدام على الإنكار بغير تثبُّت، فقد ذكر الإسماعيلي في "المدخل عن الفرهياني أنه قال: وحدثنا عباس العنبري عن زيد بن المبارك قال: لم يخرج أحد من هؤلاء الكبار من ها هنا إلا وهو مجمع أن لا يحدث عنه انتهى. =



فضائل أهل البيت ومثالب غيرهم مما لم يوافقه عليها أحد من الثقات، فهذا أعظم ما ذمُّوه به من روايته للمناكير (١)، وقال النسائي في «ضعفائه»: فيه نظر لمن كتب عنه بآخره (٢).
وزاد بعضهم عن النسائي: كتبت عنه أحاديث مناكير، وقال البخاري في «تاريخه الكبير»: ما حدَّث به عبد الرزاق من كتابه فهو أصح (٣).
وأما إسحاق بن منصور فهو أبو يعقوب إسحاق (خ، م، ت، س، ق) بن منصور بن بهرام -بكسر الموحدة- الكوسج من أهل مرو سكن نيسابور، ورحل إلى الحجاز والعراق والشام وسمع الأعلام منهم ابن عيينة، وعنه البخاري ومسلم وبقية الجماعة إلا أبا داود، وروى الترمذي أيضًا عن رجل عنه في آخر «جامعه».
قَالَ مسلم: ثقة مأمون، أحد الأئمة من أصحاب الحديث. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال الخطيب: كان فقيهًا عالمًا، وهو الذي دوَّن عن أحمد وابن راهويه المسائل (٤). مات في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين ومائتين (٥).

----------------
= قال الحافظ: وهذا وإن كان مردودًا على قائله فغرض من ذكره الإشارة إلى أن للعباس بن عبد العظيم موافقًا. اهـ.
(١) «الكامل» ٦/ ٥٣٨.
(٢) «الضعفاء» للنسائي ص ٧٠ (٣٧٩).
(٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٣٠ (١٩٣٣)، «الكامل» ٦/ ٥٣٨ (١٤٦٣)، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٥٢ (٣٤١٥)، قال ابن حجر في «تقريب التهذيب» ص ٣٥٤ (٤٠٦٤): ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع.
(٤) «تاريخ بغداد» ٦/ ٣٦٢، والكتاب طبع في مجلدين باسم: «مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه رواية الكوسج».
(٥) انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ٤٠٤ (١٢٩١)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٤٧٤ (٣٨٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٢٥٨ (٩٨)، «تهذيب التهذيب» (١٢٦٨).



ثالثها:
أَخَذَ بظاهر هذا الحديث بعض العلماء وقال: التضعيف لا يتجاوز سبعمائة، حكاه الماوردي عن بعضهم، والجمهور -كما حكاه النووي عنهم- (على) (١) خلافه وهو أنه لا يقف على سبعمائة بل يضاعف الله لمن يشاء أضعافًا كثيرة زائدة على ذَلِكَ، ويدل عليه ما أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، والبخاري في كتاب الرقاق من حديث ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - فيما يروي عن ربه -عز وجل- قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا وعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» (٢).
فقوله: «إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» دال عَلَى الزيادة على (سبعمائة) (٣).
وفي كتاب «العلم» لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل: (نا) (٤) شيبان الأيلي، (نا) (٥) سويد بن حاتم، نا أبو العوام الجزار، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قَالَ: «إنَّ الله تعالى يعطي بالحسنة أَلفي ألف حسنة» (٦).

---------------
(١) في (ج): في.
(٢) سيأتي برقم (٦٤٩١) باب: من هم بحسنة أو سيئة، ورواه مسلم (١٣١) باب: إذا هم العبد بحسنة.
(٣) في (ج): السبعمائة.
(٤) في (ج): حدثنا.
(٥) في (ج): ثنا. وكذا التي بعدها.
(٦) رواه أحمد ٢/ ٥٢١، البيهقي في «الزهد الكبير» ٢/ ٧٨ (٧١٣)، أورده الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ١٤٥ وقال: رواه أحمد بإسنادين والبزار بنحوه، وأحد إسنادي أحمد جيد. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٩٧٥) لأن مداره على عليّ بن زيد وهو ابن جدعان وطريق المصنف مختلفة.



٣٢ - باب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ
٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن الُمثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا اَمْرَأةٌ، قَالَ: «مَنْ هذِه؟». قَالَتْ: فُلَانَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا. قَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا». وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيهِ مَا دَامَ عَلَيهِ صَاحِبُهُ. [١١٥١ - مسلم:٧٨٥ - فتح: ١/ ١٠١]
ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، ثنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَام قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا أمْرَأَةٌ قَالَ: «مَنْ هذِه». قَالَتْ: فُلَانَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صلَاتِهَا. قَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ (من العمل) (١) بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا». وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاومَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في كتاب الصلاة، وقال فيه: كانت عندي امرأة من بني أسد (٢)، وسماها في مسلم، لكن قَالَ فيه: إن الحولاء بنت (تويت) (٣) بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرت بها وعندها رسول الله. فقلت: هذِه الحولاء بنت تويت، وزعموا أنها لا تنام الليل. فقال - ﷺ -: «لا تنام الليل! خذوا من العمل ما تطيقون

---------------------
(١) كذا في (ف)، (ج)، وليست في اليونينية، ولم أقف على من أشار إليها إلا الشيخ زكريا الأنصاري في»منحة الباري بشرح صحيح البخاري" ١/ ٢٠٩ بتحقيقنا، ط الرشد، والله أعلم.
(٢) سيأتي برقم (١١٥١) أبواب التهجد، باب: ما يكره من التشديد.
(٣) في (ف): تويب.



فوالله ما يسأم الله حتى تسأموا» (١).
وذكره مالك في «الموطأ» وفيه: فقيل له: هذِه الحولاء لا تنام الليل.
فكره ذَلِكَ رسول الله - ﷺ - حتى عرفت الكراهية في وجهه (٢).
وذكره مسلم من رواية الزهري عن عروة (٣) ثم ذكر حديث هشام عن أبيه عروة (٤).
كما أورده البخاري هنا، وفي الصلاة، وفيه: أنه - ﷺ - دخل عليها وعندها امرأة. فيحتمل أن تكون هذِه واقعة أخرى.
الثاني: في التعريف برجاله:
وقد سلف، (وهشام سيأتي في الباب بعده) (٥).
الثالث:
هذِه المرأة هي الحولاء كما سلف، وهي -بحاء مهملة والمد- بنت تويت بتائين مثناتين من فوق مُصغّر، وهى امرأة صالحة مهاجرة عابدة (٦).
الرابع: في ألفاظه:
(قولها (٧) (تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا): -هو بالمثناة أول- تذكر مفتوحة

----------------
(١) «مسلم» (٧٨٥/ ٢٢٠) صلاة المسافرين وقصرها، باب: أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك.
(٢) «الموطأ» برواية يحيى ص ٩٣.
(٣) هي الرواية السابقة.
(٤) مسلم (٧٨٥/ ٢٢١).
(٥) ما بين المعقوفين من (ج).
(٦) هي الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى بن قصي أسلمت وبايعت الرسول - ﷺ - وكانت من المجتهدات في العبادة، انظر: «الطبقات» ٨/ ٢٤٤، «حلية الأولياء» ٢/ ٦٥، «الاستيعاب» ٤/ ٣٧٧ (٣٣٤٢)، «الإصابة» ٤/ ٢٧٨ (٣١٥).
(٧) من (ج).



على المشهور، كما قَاله النووي قَالَ: وروي بالمثناة تحت مضمومة (على) (١) ما لم يسم فاعله، و«مه»: كلمة زجر وكف (٢).
قَالَ الجوهري: مه: كلمة بنيت على السكون، وهي اسم سُمي به الفعل، ومعناه: اكفف. فإن وصلت نونت فقلت: مهٍ مهٍ، ويقال: مهمهت به أي: زَجَرْتَهُ (٣).
فأراد - ﷺ - زجرها بالسكوت، ثم ابتدأ بقوله: «عَلَيْكُمْ من العمل بِمَا تُطِيقُونَ». أي: الزموا ما تطيقون الدوام عليه.
(قال القاضي: يحتمل الندب إلى تكلف ما لنا به طاقة، ويحتمل النهي عن تكلف ما لا نطيق، والأمر بالاقتصار على ما نطيق، قال: وهو أنسب للسياق) (٤) والعمل يحتمل أن يراد به صلاة الليل على سببه، ويحتمل حمله على العموم، كما نبه عليه الباجي (٥).
قَالَ أبو الزناد والمهلب: إنما قَالَ - ﷺ - ذَلِكَ خشية الملال اللاحق، ويمل -بفتح الياء- وكذا تملوا - (هو) (٦) بفتح التاء والميم- ومعنى: الملالة: السآمة والضجر، واختلف العلماء في المراد به هنا؛ لأن الملال من صفة المخلوقين، وهو ترك الشيء استثقالًا وكراهة له بعد حرص ومحبة فيه، وهذِه غير لائقة بالرب تعالى، فالأصح أن معناه: لا يترك الثواب على العمل حتى يترك العمل (٧).

----------------
(١) من (ف).
(٢) انظر: «المجمل» ٢/ ٨١٤ مادة: (مهه).
(٣) «الصحاح» ٦/ ٢٢٥٠ مادة: (مهه).
(٤) ما بين المعقوفين من (ج).
(٥) «المنتقى» ١/ ٢١٣، «إكمال المعلم» ٣/ ١٤٧.
(٦) من (ج).
(٧) سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن هذا الحديث، هل يفهم منه أن الله =



وقيل: معناه: لا يمل إذا مللتم. قاله ابن قتيبة (١) وغيره، وحكاه الخطابي (٢) وآخرون وأنشدوا عليه شعرًا، ومثله قولهم في البليغ: فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه. أي: لا ينقطع إذا انقطعت خصومه، إذ لو كان المعنى ينقطع إذا انقطعت خصومه، لم يكن له
-----------------
= يوصف بالملل؟
فأجاب قائلًا: من المعلوم أن القاعدة عند أهل السنة والجماعة أننا نصف الله -تبارك وتعالى- بما وصف به نفسه من غير تمثيل، ولا تكييف، فإذا كان هذا الحديث يدل على أن لله مللًا فإن ملل الله ليس كمثل مللنا نحن بل هو ملل ليس فيه شيء من النقص، أما ملل الإنسان فإن فيه أشياء من النقص؛ لأنه يتعب نفسيًّا وجسميًّا مما نزل به لعدم قوة تحمله، وأما ملل الله إن كان هذا الحديث يدل عليه فإنه ملل يليق به -عز وجل- ولا يتضمن نقصًا بوجه من الوجوه.
وعن سؤال آخر قال: جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن الله لا يمل حتى تملوا» فمن العلماء من قال إن هذا دليل على إثباث الملل لله، لكن ملل الله ليس كملل المخلوق، إذ أن ملل المخلوق نقص؛ لأنه يدل على سأمه وضجره من هذا الشيء، أما ملل الله فهو كمال وليس فيه نقص، ويجري فيه كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالًا.
ومن العلماء من يقول إن قوله: «لا يمل حتى تملوا» يراد به بيان أنه مهما عملت من عمل فإن الله يجازيك عليه فاعمل ما بدا لك فإن الله لا يمل من ثوابك حتى تمل من العمل، وعلى هذا فيكون المراد بالملل لازم الملل.
ومنهم من قال: إن هذا الحديث لا يدل على صفة الملل لله إطلاقًا؛ لأن قول القائل: لا أقوم حتى تقوم، لا يستلزم قيام الثاني وهنا أيضًا «لا يمل حتى تملوا» لا يستلزم ثبوت الملل لله -عز وجل-.
وعلى كل حال يجب علينا أن نعتقد أن الله -تعالى- منزه عن كل صفة نقص من الملل وغيره وإذا ثبت أن هذا الحديث دليل على الملل فالمراد به ملل ليس كملل المخلوق.
انظر: «مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين» ١/ ١٧٤ - ١٧٥.
(١) «تأويل مختلف الحديث» ص ٤٨٦.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ١٧٣.



فضل على غيره (١)، وقيل: إن حتى بمعنى الواو، أو بمعنى حين. حكاه المازري (٢)، وفيه ضعف.
وإنما كان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه (٣)، لأن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة وتثمر.
الخامس: في أحكامه وفوائده:
الأول: مراد البخاري بالباب أن الدين يطلق على الأعمال وقد سبق أن الدين والإسلام والإيمان يكون بمعنى، وقد تفترق، وموضع الدلالة: (وكان أحب الدين ما داوم عليه صاحبه) أي: أحب الأعمال كما جاء مصرحًا (به) (٤) في غير هذِه الرواية (٥).
الثاني: الدين هنا: الطاعة، ومنه الحديث في الخوارج «يمرقون من الدين» (٦). أي: من طاعة الإمام، ويحتمل أن يريد أعمال الدين. وفي «المحكم»: الدين: الإسلام. وقد دنت به، وفي حديث علي: محبة العلماء دين يدان به (٧) والدينة كالدين (٨)، وفي «الجامع»: الدين: العبودية والذل، والدين: الملة والدين: (الخالص) (٩).

------------------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ١٠٠ - ١٠١.
(٢) «المعلم» ١/ ٢٢٢.
(٣) في (ف): صاحب العمل.
(٤) من (ج).
(٥) سيأتي من حديث عائشة (٥٨٦١) كتاب اللباس، باب الجلوس على الحصير.
(٦) سيأتي برقم (٣٣٤٤) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾.
(٧) قطعة من أثر رواه أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٧٩ - ٨٠، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٦/ ٣٧٩ (٣٤١٣)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٢٢٠ - ٢٢١، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ١١/ ١. باختلاف في اللفظ.
(٨) «المحكم» ١٠/ ١٠٦.
(٩) في (ج): الحال.



قُلْتُ: والدين الخالص في الآية: التوحيد (١)، والحكم في قوله: «في دين الله» والدين اسم لجميع ما يتعبد الله تعالى به خلقه.
الثالث: استعمال المجاز، وموضع الدلالة إطلاق الملال عليه تعالى (٢).
الرابع: جواز الحلف من غير استحلاف، وأنه لا كراهة فيه إذا كان (فيه) (٣) تفخيم أمر أوجب عليه، أو تنفير عن أمر محذور، ونحو ذَلِكَ.
قَالَ أصحابنا: يُكره اليمين إلا في مواضع منها ما ذكرنا، ومنها إذا كانت في طاعة كالبيعة (على) (٤) الجهاد ونحوه، ومنها إذا كانت في دعوى فلا تكره إذا كان صادقًا (٥).
الخامس: فضيلة الدوام على العمل والحث على العمل الذي يدوم.
السادس: بيان شفقته ورأفته بأمته - ﷺ -؛ لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة؛ لأن النفس تكون فيه أنشط، والقلب منشرح، فتستمر العبادة، ويحصل مقصود الأعمال، وهو الخضوع فيها واستلذاذها، والدوام عليها، بخلاف من تعاطى من الأعمال ما لا يمكنه الدوام، وما يشق عليه، فإنه مُعَرَّض لأن يتركه كله أو بعضه، أو يفعله بكلفة أو بغير انشراح القلب فيفوته الخير العظيم.

------------------
(١) انظر: «تفسير الطبري» ١٠/ ٦١١.
(٢) اعلم رحمك الله أن المجاز قد اختلف في أصل وقوعه، هل في اللغة مجاز أم لا؟
ثم أعلم أن كل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازًا فهو عند القائلين بنفي المجاز أسلوب من أساليب اللغة العربية، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى الكلام على المجاز في مواضعه.
(٣) من (ف).
(٤) في (ج): في.
(٥) انظر: «روضة الطالبين» ١١/ ٢٠.



وقد قَالَ - ﷺ - في الحديث: «ليصلِّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد» (١)
وقد ذمَّ الله تعالى من اعتاد عبادة ثم فرط فيها فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، والأحاديث الصحيحة دالة عليه في قوله: «لا تكن كَفُلَان كان يقوم الليل فتركه» (٢)، وقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاص على تركه قبول رخصته - ﷺ - في التخفيف في العبادة.
السابع: كراهة قيام جميع الليل، وهو مذهبنا ومذهب الأكثرين، وعن جماعة من السلف أنه لا بأس به (٣).
قَالَ القاضي عياض: كرهه مالك مرة، وقال: لعله يصبح مغلوبًا وفي رسول الله أسوة، ثم قَالَ: لا بأس به ما لم يضر ذَلِكَ بصلاة الصبح، فإن كان يأتيه الصبح وهو نائم فلا، وإن كان به فتور و(كسل) (٤) فلا بأس به (٥).

--------------
(١) سيأتي برقم (١١٥٠) في الصلاة، باب: ما يكره من التشديد في العبادة، ورواه مسلم (٧٨٤/ ٢١٨) في صلاة المسافرين، باب: أمر من نعس في صلاته ..
(٢) سيأتي برقم (١١٥٢) كتاب: الصلاة، أبواب التهجد، باب: ما يكره من التشديد، ورواه مسلم (١١٥٩/ ١٨٥)، كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر.
(٣) انظر: «شرح النووي على صحيح مسلم» ٦/ ٧١، ٧٣، «المجموع» ٣/ ٥٣٧، «الفروع» ١/ ٥٦١.
(٤) في (ج): كلُّ.
(٥) «إكمال المعلم» ٣/ ١٥٠.



٣٣ - باب زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣] وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ.

٤٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مِنْ إِيمَانٍ». مَكَانَ: «مِنْ خَيْرٍ». [٤٤٧٦، ٦٥٦٥، ٧٤١٠، ٧٤٤٠، ٧٥٠٩، ٧٥١٠، ٧٥١٦ - مسلم: ١٩٣ - فتح: ١/ ١٠٣]

٤٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِى نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ. [٤٤٠٧، ٤٦٠٦، ٧٢٦٨ - مسلم: ٣٠١٧ - فتح: ١/ ١٠٥]
ثنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنَا هِشَامٌ، ثنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ، وَفي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ، وَفي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ». وقَالَ أَبَانُ: نَا قَتَادَةُ، ثنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مِنْ إِيمَانٍ». مَكَانَ «مِنْ خَيْرٍ».


ثنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، ثنَا أَبُو العُمَيْسِ، ثنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَاب، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا.
قَالَ أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالْمَكَانَ الذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف برواة الحديثين:
وقد (سلف) (١) التعريف بعمر وأنس وقتادة.
أما حديث أنس فبقي منه هشام ومسلم بن إبراهيم.
أما هشام فهو ابن أبي عبد الله (سَنْبر) (٢) الدَّسْتوائي بفتح الدال وإسكان السين المهملة وفتح التاء، واقتصر السمعاني في «أنسابه» (٣) على ضمها ثم واوًا وآخره همزة ممدودة بلا نون، وقيل: الدستواني بالقصر والنون، والصحيح: المشهور الأول، ودستوا: كورة من كور الأهواز، كان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها (٤).
سمع جمعًا من التابعين منهم أبو الزبير، وعنه الحفاظ منهم: شعبة وأبو داود الطيالسي وقال: كان أمير المؤمنين في الحديث، وقال أحمد:

-------------------
(١) في (ج): سبق.
(٢) في (ف)، (ج): سندر، وهو خطأ، والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) «الأنساب» ٥/ ٣١٠.
(٤) «معجم البلدان» ٢/ ٤٥٥.



لا يسأل عنه، ما أرى الناس يَرْوُون عن أثبت منه.
وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا في الحديث حجة إلا أنه كان يرى القدر. وقال العجلي: لم يكن داعية إليه. مات سنة أربع، وقيل: ثلاث. وقيل: سنة اثنتين. وقيل: إحدى وخمسين ومائة (١).
وأما مسلم بن إبراهيم فهو أبو عمرو البصري القصاب الأزدي الفراهيدي مولاهم، وفراهيد -بفتح الفاء وبالدال المهملة، ووقع في شرح شيخنا قطب الدين بالمعجمة- بن شبابة بن مالك بن فهم بن عمرو بن أوس بطن من الأزد، ومنهم الخليل بن أحمد الإمام النحوي.
سمع خلقًا من الكبار منهم: شعبة وهشام، وعنه الأعلام منهم: ابن معين والذهلي والبخاري وأبو داود، وروى مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه.
قَالَ أبو زرعة: سمعته يقول: ما أتيت حرامًا ولا حلالًا قط، وكان أتى عليه نيف وثمانون سنة، وقال أحمد بن عبد الله: سمع من سبعين امرأة، وكان ثقة عمي بآخره (٢).
وقال يحيى بن معين: هو ثقة مأمون وقال أبو حاتم: ثقة صدوق.
مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين بالبصرة، وكان مولده سنة ثلاث (وثلاثين) (٣) ومائة (٤).

------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٧٩، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٩٨ (٢٦٩٠)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٣٠ (١٩٠٣)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٢١٥ (٦٥٨٢).
(٢) «معرفة الثقات» ٢/ ٢٧٦.
(٣) في (ج): وثمانين.
(٤) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٠٤، «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٥٤ (١٠٧٩)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٨٠ (٧٨٨)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٨٧ (٥٩١٦)، «السير» ١٠/ ٣١٤ - ٣١٨.



فائدة:
سند حديث أنس هذا كله بصريون.
وأما أبان فهو ابن يزيد أبو يزيد البصري العطار سمع قتادة وغيره، وعنه (الأعلام) (١): الطيالسي وغيره، أخرج له البخاري متابعة هنا، وقال في كتاب الصلاة: وقال موسى: حدثنا أبان عن قتادة. وأخرج له مسلم استقلالًا في البيوع وغيره، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي.
قَالَ أحمد: هو ثبت في كل المشايخ، ووثقه يحيى بن معين والنسائي (٢).
وقول البخاري: (وقَالَ أَبَانُ: حَدَّثنَا قَتَادَةُ، ثنَا أَنَسٌ). إنما أتى به لتصريح قتادة بالسماع؛ فإنه (يدلس) (٣)، وإن عنعن في الأول، وإن كان كل ما في الصحيحين من هذا النوع يحمل على الاتصال كما سلف في الفصول السابقة أول الكتاب، وأتى به لزيادة أيضًا في المتن (وهي) (٤) قؤله: «من إيمان» وكان «خير» يعني: قَالَ في روايته: «يخرج من النار من قَالَ: لا إلة إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان»، و«وزن برة من إيمان»، و«وزن ذرة من إيمان» وهو دال على زيادة الإيمان ونقصه وتفاوته.

----------------
(١) من (ج).
(٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٤٥٤ (١٤٥٢)، «معرفة الثقات» للعجلي ١/ ١٩٩ (١٨)، «الثقات» ٦/ ٦٨، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٤ (١٤٣).
(٣) في (ج): مدلس.
(٤) في (ج): وهو.



فائدة:
في أبان لغتان: الصَّرْفَ؛ على أنه فعال كغزال ونظائره، والهمزة أصل وهي فاء الكلمة، ومَنْعُهْ على أن الهمزة زائدة والألف بدل من ياء وجعله أفعل فمنع صرفه؛ لوزن الفعل مع العلمية.
والصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون صرفه، وغلط (بعضهم) (١) من منع صرفه حتى قَالَ بعضهم: لا يَمْنَعُ صَرفَ أبان إلا أتان. قَالَ ابن مالك: أبان لا ينصرف لأنه على وزن أفعل من أبان يبين، ولو لم يكن منقولًا لوجب أن يقال فيه: أبين. بالتصحيح (٢).
وأما حديث عمر فالراوي عنه طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سلمة بن هلال بن عوف بن جُشْم بن زفر بن عمرو بن لؤي بن رُهم بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار أبو عبد الله البجلي الأحمسي -بطن منها- الكوفي الصحابي.
رأى النبي - ﷺ - وأدرك الجاهلية وغزا في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ثلاثًا وثلاثين، أو ثلاثًا وأربعين من بين غزوة وسرية، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة، سكن الكوفة، مات سنة ثلاث وثمانين، وقيل: سنة اثنتين. وقيل: سنة أربع. وجزم شيخنا قطب الدين في «شرحه» بأنه مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وهو ما حكاه ابن أبي خيثمة عن ابن معين (٣)، وهو وهمٌ كما نبَّه عليه المزي (٤).

-----------------
(١) كذا في (ف) وفي (ج): أكثرهم.
(٢) «شواهد التوضيح» ص ٢١٣.
(٣) «تاريخ ابن أبي خيثمة» ٣/ ٥١ (٣٧٨٠).
(٤) «تهذيب الكمال» ١٣/ ٣٤٣، وانظر ترجمته في: «تاريخ ابن أبي خيثمة» ٣/ ٤٩ (٣٧٧٢)، «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٢٣، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٥٣ (٣١١٥)، =



قُلْتُ: وأخرج له البخاري عن أبي بكر (١) وابن مسعود (٢)، ومسلم عن أبي سعيد (٣)، وأبو داود (٤) والنسائي (٥) عن النبي - ﷺ -.
فائدة:
قَالَ أبو داود: رأى طارق النبي - ﷺ - ولم يسمع منه شيئًا (٦).
فائدة أخرى:
بجيلة هي أم ولد أنمار بن أراش، وهي بنت صعب بن سعد العشيرة (٧).
وأما قيس فهو أبو عمرو قيس بن مسلم الجدلي الكوفي العابد، سمع طارق بن شهاب ومجاهد وغيرهما، وعنه الأعمش ومسعر وغيرهما.
مات سنة عشرين ومائة (٨)، وأهمله شيخنا في «شرحه».
وأما أبو العُمَيْس فهو بعين مهملة مضمومة ثم ميم مفتوحة ثم ياء مثناة تحت ساكنة، ثم سين مهملة، وهو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذلي المستوردي الكوفي، أخو عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي.

-------------------
= «الجرح والتعديل» ٤/ ٤٨٥ (٢١٣٠)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٣٤١ - ٣٤٣ (٢٩٥٠).
(١) سيأتي برقم (٣٩٥٢) كتاب المغازي.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٢١) كتاب الأحكام، باب الاستخلاف.
(٣) برقم (٤٩) كتاب الإيمان.
(٤) «سنن أبي داود» (١٠٦٧).
(٥) «المجتبى» ١/ ١٧٢ - ١٧٣.
(٦) «سنن أبي داود» ١/ ٦٤٤.
(٧) بجيلة بنت صعب بن علي بن سعد العشيرة ذكرها ابن عبد البر في «الاستيعاب» ١/ ٣٠٨ (٣٠٨).
(٨) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣١٧، «التاريخ الكبير» ٧/ ١٥٤ (٦٩١)، «الجرح والتعديل» ٧/ ١٠٣ (٥٨٨)، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٨١ (٤٩٢١).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #57  
قديم 19-01-2026, 05:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 126 الى صـــ 145
الحلقة (56)



سمع جمعًا من التابعين منهم: الشعبي وقيس، وعنه ابن إسحاق وهو تابعي وشعبة وخلق، وثَّقوه، مات سنة عشرين ومائة (١).
وأما جعفر فهو أبو عون جعفر بن عون بن جعفر بن (عمرو) (٢) بن حريث القرشي المخزومي الكوفي، سمع جمعًا من التابعين، منهم يحيى الأنصاري، وعنه ابن راهويه وغيره.
قَالَ ابن معين: ثقة. وقال أحمد: صالح، ليس به بأس. مات سنة ست، وقيل: سنة سبع ومائتين. قيل: عن سبع وتسعين وقيل: عن سبع وثمانين (٣).
وأما الحسن فهو أبو علي الحسن بن الصباح بن محمد البزار -آخره راء مهملة- الواسطي سكن بغداد، وكان من الثقات الخيار، صاحب سُنَّة، سمع وكيعًا وغيره، وعنه البخاري (٤)، وروى الترمذي أيضًا عن رجل عنه، مات ببغداد سنة تسع وأربعين ومائتين (٥)، قَالَه الكلاباذي وغيره (٦).

----------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٦٦، «التاريخ الكبير» ٦/ ٥٢٧ (٣٢١١)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٧٢ (٢٠٥٤)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٣٠٩ (٣٧٧٦).
(٢) في (ج): عمر.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٩٦، «التاريخ الكبير» ٢/ ١٩٧ (٢١٧٩)، «معرفة الثقات» للعجلي ١/ ٢٧٠ (٢٢٠)، «تهذيب الكمال» ٥/ ٧٠ (٩٤٨).
(٤) ورد بهامش (ف) ما نصه: وأبو داود والترمذي، زاد صاحب «الكمال» النسائي، وهو ما في … لابن عساكر.
(٥) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٣/ ١٩ (٧١)، «الثقات» ٨/ ١٧٧، «تاريخ بغداد» ٧/ ٣٣٠ (٣٤٨٥)، «تهذيب الكمال» ٦/ ١٩١ (١٢٣٦).
(٦) انظر: «الجمع بين رجال الصحيحين» لابن القيسراني ١/ ٨٣.



وقال ابن عساكر وغيره: سنة ستين ومائتين. فعلى هذا تكون وفاته (بعد) (١) البخاري بأربع سنين.
الوجه الثاني: في ضبط الألفاظ الواقعة فيه:
«يَخْرُج». يجوز فيه ضم الياء وفتحها، والذرة -بفتح الذال وتشديد الراء- واحدة الذر المعروف، وهي أقل الأشياء الموزونات، قاله المهلب (٢)، وهي هنا: التصديق الذي لا يجوز أن يدخله النقص، وما في البرة والشعيرة من الزيادة على الذرة إنما هو بزيادة الأعمال، وسيأتي ذَلِكَ أيضًا.
وقال عياض: الذر: النمل الصغير. وعن بعض نقلة الأخبار أنه الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رءوس الإبر، ويروى عن ابن عباس: إذا وضعت كفك على التراب ثم نفضتها فما سقط من التراب فهو ذرة.
قَالَ: وحكي أن أربع ذرات خردلة، وقيل الذرة من ألف وأربعة وعشرين جزءًا من شعيرة، وقد صحفها شعبة فضم الذال وخفف الراء (٣).
والمعشر: سلف بيانه في قصة هرقل. والجمعة بضم الميم، وإسكانها، وفتحها، حكى الفتح الفراء والواحدي وغيرهما قالوا: لأنه يجمع الناس (٤) كما يقال: رجل حطمة.

---------------
(١) في (ف)، (ج): قبل، وهو خطأ فاحش، فالبخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، فيكون الحسن بن الصباح قد مات بعده لا قبله على هذا القول.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ١٠٢.
(٣) «مشارق الأنوار» ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩ مادة: ذرا.
(٤) «معاني القرآن» ٣/ ١٥٦، «الوسيط» ٤/ ٢٩٦.



وقوله: (لاتخذنا ذَلِكَ اليوم عيدًا معناه: لعظمناه وجعلناه) (١) عيدًا لنا في كل سنة؛ لعظم ما يحصل فيه من كمال الدين.
وقول عمر - رضي الله عنه -: (قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالْمَكَانَ الذِي نَزَلَتْ فِيهِ).
معناه: أنا لم نهمل هذا، ولا خفي علينا زمن نزولها ومكانها، ولا تركنا تعظيم ذَلِكَ اليوم والمكان:
أما المكان وهو عرفات فهو معظم (الحج) (٢) الذي هو أحد أركان الإسلام.
وأما الزمان فيوم الجمعة ويوم عرفة، وهو يوم اجتمع فيه فضلان وشرفان، ومعلوم تعظيمنا لكل واحد منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم، فقد اتخذنا ذَلِكَ اليوم عيدًا وأي عيد، فعظمناه وعظمنا مكان النزول، وهذا كان في حجة الوداع، وعاش - ﷺ - بعدها ثلاثة أشهر.
ومعنى ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الفرائض والسنن واستقر الدين، وأراد الله تعالى قبض نبيه، وكمال الدين إنما يحصل بتمام الشريعة، فتصور الكمال يقتضي تصور النقصان وليس المراد: التوحيد، لوجوده قبل نزول الآية، فالمراد الأعمال، فمن حافظ عليها فإيمانه أكمل من إيمان من قصر.
وقوله: («وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ») وفي الرواية الأخرى «من إيمان» قَالَ المهلب فيما نقله ابن بطال: المراد بالشعيرة والبرة والذرة: زيادة الأعمال التي يكمل بها التصديق؛ (لا أنها) (٣) من نفس التصديق (٤)،

-------------------
(١) من (ج).
(٢) من (ج).
(٣) في (ف): لأنها.
(٤) «شرح ابن بطال» ١/ ١٠٢.



وهذا موافق للرواية الأخرى في «الصحيح» أنه قَالَ بعد ذكره الذرة: «ثم يخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط» (١) يعني غير التوحيد.
وقال غيره: يحتمل أن تكون الشعيرة وما بعدها من نفس التصديق؛
لأن قول: لا إله إلا الله لا ينفع حتى ينضم إليه تصديق القلب، والناس
يتفاضلون على قدر علمهم ومعاينتهم، فمن زيادته بالعلم قوله تعالى:
﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤].
ومن المعاينة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ [التكاثر: ٧] فجعل له مزية على علم اليقين، وهذا التأويل هو الصحيح المختار كما قَالَه النووي (٢).
الوجه الثالث: في فقهه:
وهو دال على ما ترجم البخاري له وهو زيادة الإيمان ونقصه، وقد سبق تقريره في أول كتاب الإيمان.
وفيه: دخول طائفة من عصاة الموحدين النار.
وفيه: أن أصحاب الكبائر من الموحدين لا يكفرون بفعلها ولا يخلدون في النار.
وفيه: أنه لا يكفي في الإيمان معرفة القلب دون النطق بكلمتي الشهادة ولا النطق من غير اعتقاد. وهذا مذهب أهل السنة في هذِه المسائل (٣).

-----------------
(١) «صحيح مسلم» (١٨٣/ ٣٠٢) كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية.
(٢) «شرح النووي على مسلم» ٣/ ٣١.
(٣) ورد بهامش (ف) ما نصه: بلغ بقراءة الشيخ برهان الدين الحلبي على مؤلفه في … وسمعه الصفدي والبستاني والسحوري والعاملي … وابن المصنف والباسطي … والكرخي ....



٣٤ - باب الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ
وَقَوْل الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].

٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الزَّكَاةَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». [١٨٩١، ٢٦٧٨، ٦٩٥٦ - مسلم: ١١ - فتح: ١/ ١٠٦]
ثنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الزَّكَاةَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: والله لَا أَزِيدُ عَلَى هذا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».


الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا وفي الشهادات (١) عن إسماعيل كما ترى، وفي: الصوم (٢)، وترك الحيل عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل (٣).
وأخرجه مسلم هنا عن قتيبة عن مالك (٤)، وعن يحيى بن أيوب وقتيبة عن إسماعيل به. وقال مسلم: في حديث يحيى: وقال - ﷺ -: «أفلح وأبيه إن صدق» (٥).
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم غير طلحة وهو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي.
أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، يجتمع مع رسول الله - ﷺ - في الأب السابع (كعب) (٦) مثل الصديق، أسلمت أمه وهاجرت، شَهِد المشاهد كلها إلا بدرًا كسعيد بن زيد، وقد ضرب له رسول الله - ﷺ - بسهمه وأجره فيها، وكان الصديق إذا ذكر أُحدًا قَالَ: ذَلِكَ يوم كله لطلحة.

------------------
(١) سيأتي برقم (٢٦٧٨) باب: كيف يُسْتَحلف.
(٢) سيأتي برقم (١٨٩١) باب: وجوب صوم رمضان.
(٣) سيأتي برقم (٦٩٥٦) كتاب: الحيل.
(٤) مسلم (١١/ ٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.
(٥) مسلم (١١/ ٩) كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.
(٦) من (ج).



وقد وهم البخاري في قوله: إن سعيد بن زيد ممن حضر بدرًا، وهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق، والستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض.
وهو ممن ثبت مع رسول الله - ﷺ - يوم أُحد ووقاه بيده ضربة قصد بها فشلت، رماه مالك بن زهير يوم أحد، فالتقاها طلحة بيده عن وجه رسول الله - ﷺ - فأصابت خنصره فشلت، فقال حين أصابته الرمية: حس. فقال - ﷺ -: «لو قَالَ: بسم الله لدخل الجنة» (١) والناس ينظرون.
وقيل: إنه جُرح في ذَلِكَ اليوم خمسًا وسبعين جراحة وشلت إصبعاه، وذكر ابن إسحاق أنه - ﷺ - نهض ليعلو صخرة وقد كان تترس وظاهر بين درعين، فلم يستطع، فجلس طلحة تحته فنهض به حتى استوى عليها، فقال - ﷺ -: «أوجب طلحة حين فعل برسول الله - ﷺ - مافعل» (٢).
وسماه النبي - ﷺ -: طلحة الخير وطلحة الجود.
روي له ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة.
قتل يوم الجمل أتاه سهم لا يدرى من رماه واتهم به مروان، لعشر خلت من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين عن أربع وستين، وقيل:

---------------
(١) رواه ابن سعد في «طبقاته» ٣/ ٢١٧، الحاكم في «المستدرك» ٣/ ٣٦٩.
(٢) رواه الترمذي (١٦٩٢)، وقال: وهذا حديث حسن غريب، وابن سعد في «طبقاته» ٣/ ٢١٨، وأحمد ١/ ١٦٥، وأبو يعلى ٢/ ٣٣ (٦٧٠)، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (١٧٨٣).



اثنتين وستين. وقيل: ثمان وخمسين. (وقبره) (١) بالبصرة (٢).
روى عنه السائب بن يزيد الصحابي وجمع من التابعين، روينا عن عائشة مرفوعًا: «طلحة ممن قضى نحبه، وما بدلوا تبديلا» (٣).
فائدة:
طلحة في الصحابة جماعة، وطلحة بن عبيد الله (اثنان) (٤)، هذا أحدهما، وثانيهما: التيمي (٥)، وكان يسمى أيضًا: طلحة الخير، فأشكل على الناس.
فائدة:
قد أسلفنا نكتة في سماع جد مالك من طلحة في باب: علامات (المنافق) (٦)، فراجعها.

--------------
(١) في (ج): وقبر.
(٢) انظر ترجمته في:
«الطبقات الكبرى» ٣/ ٢١٤ - ٢٢٥، «فضائل الصحابة» ٢/ ٩٢٨ - ٩٣٥، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٤٤ (٣٠٦٩)، «أسد الغابة» ٣/ ٨٥ (٢٦٢٥)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٤١٢ - ٤٢٦، «الإصابة» ٢/ ٢٢٩ (٤٢٦٦). وأثر أبى بكر رواه الطيالسى ١/ ٨ - ٩ (٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٨٧.
(٣) رواه الترمذي (٣٧٤٠)، وابن ماجه (١٢٦)، وابن أبي عاصم في «السنة» ٢/ ٥٩٨ - ٥٩٩ (١٣٩٩)، والطبراني في «الكبير» ١٩/ ٣٢٤ - ٣٢٥ (٧٣٩)، «الأوسط» ٥/ ١٧٨ (٥٠٠٠)، والحاكم ٢/ ٤١٥، قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث معاوية إلا من هذا الوجه. اهـ. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٩١٦).
(٤) في (ج): اسمان.
(٥) انظر ترجمته في: «أسد الغابة» ٣/ ٩٠ (٢٦٢٦)، «الإصابة» ٢/ ٢٣٠ (٤٢٦٧).
(٦) في (ج): (المنافقين).



ثالثها:
هذا النجدي هو ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر (١) قاله القاضي (٢) مستدلًّا بأن البخاري سماه في حديث الليث، يريد ما أخرجه في باب: القراءة والعرض على المحدث. عن شريك عن أنس قَالَ: بينما نحن جلوس في المسجد إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد. وفيه: ثم قَالَ: أيكم محمد؟ وذكر الحديث (٣). وقال فيه: وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. فجعل حديث طلحة هذا وحديث أنس هذا له، وتبعه ابن بطال وغيره (٤).
وفيه نظر لتباين ألفاظهما ومساقهما كما نبه عليه القرطبي (٥)، وأيضًا فابن إسحاق فمن بعده كابن سعد وابن عبد البر لم يذكروا لضمام غير حديث أنس (٦).
رابعها: في ألفاظه ومعانيه:
﴿حُنَفَاءَ﴾: في الآية -جمع: (حنيف) (٧). وهو: المائل، وقيل: المستقيم. والمراد هنا: المائل عن الشرك وغيره من أنواع الضلالة إلى الإسلام والهداية.

----------------
(١) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ٣٠٤ (١٢٧٠)، «أسد الغابة» ٣/ ٥٧ (٢٥٦٨)، «الإصابة» ٢/ ٢١٠ (٤١٧٧).
(٢) «إكمال المعلم» ١/ ٢١٦.
(٣) سيأتي برقم (٦٣) كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم ....
(٤) «شرح ابن بطال» ١/ ١٤٣.
(٥) «المفهم» ١/ ١٦٢ - ١٦٥.
(٦) «الطبقات» ١/ ٢٩٩، «الاستيعاب» ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
(٧) في (ف): حنيفة.



وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] أي: دين الملة المستقيمة (١). و(نجد): بلاد معروفة، وهو ما بين جَرْس وسواد الكوفة، وحدّه من الغرب الحجاز.
و(ثائر الرأس): منتفش شعر رأسه. و(نسمع) و(نفقه) -بالنون المفتوحة وبالياء المضمومة- روايتان، والنون أشهر وأكثر وعليها الاعتماد، والدَّوي: بفتح الدال على المشهور، وحكى صاحب «المطالع» ضمها أيضًا، ومعناه: بعده في الهوى وخلوه. أي: بحيث لا يفهم، ولهذا لما دنا فهم كلامه وأنه يسأل عن الإسلام.
و(إذا): للمفاجأة، و«تطَوَّع» بتشديد الطاء والواو على إدغام أحد التائين في الطاء، ومنهم من جوَّز تخفيف الطاء على الحذف، والأول هو المشهور.
ومعناه: إلا أن تفعله بطواعيتك. وفي ماضيه لغتان: تطوع، واطوَّع وكلاهما تفعل، إلا أن إدغام التاء في الطاء أوجب جلب ألف الوصل ليتمكن من النطق بالساكن، فأما المضارع للمخاطب فيجوز فيه: تطَّوَّع بالتشديد على الإدغام، وتتطوع بتائين من غير إدغام، وتطوع بالتخفيف على حذف إحدى التائين، وأي التائين هي المحذوفة فيه خلاف ليس هذا موضعه.
والفلاح: الفوز والبقاء. أي: يبقى في النعيم. والعرب تقول لكل من أصاب خيرًا: (مفلح) (٢). قَالَ ابن دريد: أفلح الرجل وأنجح: إذا أدرك مطلوبه (٣).

----------------------
(١) انظر: «زاد المسير» ٩/ ١٩٩.
(٢) في (ج): أفلح.
(٣) «جمهرة اللغة» ١/ ٥٥٥.



وقوله: (فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَن الإِسْلَامِ). أي: عن شرائعه، كما ذكره البخاري في كتاب: الصيام (١)، بخلاف حديث جبريل فإنه (سأله) (٢) عن حقيقة الإسلام (٣)، وإنما أجابه بها؛ لأنه كان مسلمًا، وكان - ﷺ - فهم عنه أنه إنما سأل عن ما يتعين عليه فعله.
ويحتمل أنه سمَّى الأفعال إسلامًا كما سميت إيمانًا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم كما مضى في موضعه.
خامسها: في فوائده وأحكامه:
الأولى: ما ترجم له وهو كون الزكاة من الإسلام وموضع الدلالة قوله: (فإذا هو يسأل عن الإسلام). فذكر الصوم والصلاة والزكاة وهذا ظاهر في كونها من الإسلام، وهو والإيمان بمعنًى كما سلف. وكذا قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] فإنه إشارة إلى الصلاة والزكاة.
الثانية: أن (الصلوات) (٤) الخمس واجبة على كل مكلف في كل يوم وليلة، وخرج بالمكلف الحائض والنفساء، وكذا الصبي والمجنون، والكافر مكلف بها على المذهب الصحيح أنهم مخاطبون بالفروع كما في التوحيد، وفيه قولٌ ثان: أنهم غير مخاطبين بها، وفيه قول ثالث: أنهم مخاطبون بالنواهي كالخمر والزنا؛ لأنه يصح منهم تركه دون

-------------
(١) سيأتي برقم (١٨٩١) باب: وجوب صوم رمضان.
(٢) في (ج): سأل.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في (ف): الصلاة.



الأوامر، ومحل الخوض في ذَلِكَ كتب الأصول (١).
الثالثة: عدم وجوب قيام الليل، وهو إجماع في حق الأمة وكذا في حق سيدنا رسول الله - ﷺ - على الأصح (٢)، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله وقدره.
الرابعة: عدم وجوب الوتر (٣) والعيدين (٤)، وهذا مذهب الجمهور فيهما.
وقال أبو حنيفة وطائفة: الوتر واجب (٥). وقال الإصطخري من الشافعية: صلاة العيد فرض كفاية (٦).
الخامسة: عدم وجوب صوم عاشوراء وغيره سوى رمضان (٧)، وهذا مجمع عليه الآن، وكان فيه خلاف في صوم عاشوراء قبل رمضان، فقال أبو حنيفة وبعض أصحابنا: كان فرضًا. وقال أكثر أصحابنا: كان ندبًا.

------------------
(١) انظر: «تخريج الفروع على الأصول» ص ٩٨ - ٩٩، «التمهيد» للإسنوي ص ١٢٦ - ١٢٧.
(٢) انظر «الإقناع في مسائل الإجماع» ٢/ ٥١١ - ٥١٢ (٩٤٩ - ٩٥١).
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥ (١٦٣)، و«عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٣٣، «روضة الطالبين» ١/ ٣٢٨، «المقنع» ٤/ ١٠٥.
(٤) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٧٣، «البيان» ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥، «المغني» ٣/ ٢٥٣.
وذهب الحنفية إلى وجوب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة. انظر: «الهداية» ١/ ٩٢.
(٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥ (١٦٣)، «المحيط البرهاني» ٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧.
(٦) انظر: «البيان» ٢/ ٦٢٥.
(٧) انظر: «المحيط البرهاني» ٣/ ٣٦٢ - ٣٦٣، و«عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠، «المغني» ٤/ ٤٣٨ - ٤٤٢.



السادسة: جواز قول: رمضان. من غير ذكر شهر، وسيأتي بسط ذَلِكَ في كتاب الصيام، حيث ذكره البخاري إن شاء الله تعالى.
(السابعة) (١): أنه ليس في المال حق سوى الزكاة.
الثامنة: جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف ولا ضرورة؛ لأن الرجل حلف هكذا بحضرته الشريفة ولم ينكر عليه، وقد سلف ما في هذِه المسألة من التفصيل في باب: أحب الدين إلى الله أدومه.
التاسعة: اختلف العلماء في قوله - ﷺ -: «إلا أن تَطَوَّعَ» فقال الشافعي وأصحابه وغيرهم ممن يقول لا تلزم النوافل بالشروع: هو استثناء منقطع (تقديره: لكن إن تطوعت فهو خير لك. وهؤلاء يقولون: من شرع في صوم تطوع أو صلاة تطوع استُحِب له إتمامها ولا يجب، بل يجوز قطعهما. وقال آخرون: هو استثناء متصل) (٢).
وهؤلاء يقولون: يلزم التطوع بالشروع؛ لأنه الأصل في الاستثناء، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وبالقياس على حج التطوع وعمرته.
العاشرة: قيل: الفلاح في قوله: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». راجع إلى قوله: (ولا أنقص). خاصة، والأظهر أنه راجع إليه وإلى الزيادة بمعنى أنه إذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحًا؛ لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه كان مفلحًا، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذَلِكَ لا يكون مفلحًا؛ لأن هذا مما يعرف بالضرورة، فإنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى.

----------------
(١) من (ف).
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).



الحادية عشرة: إن قُلْتَ: كيف قَالَ: (لا أزيد على هذا) وليس فيه جميع الواجبات ولا المنهيات ولا السنن المندوبات، وأقره الشارع وزاده بقوله: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ»؟.
فالجواب: أنه جاء في رواية البخاري في أول كتاب الصيام زيادة توضح ذَلِكَ قَالَ: فَأَخْبَرَهُ - ﷺ - بشَرَائِعِ الإِسْلَام. فقَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ (١).
فعلى عموم قوله: بشرائع الإسلام وقوله: مما فرض الله. يزول الإشكال في الفرائض، وأما النوافل فيحتمل أن هذا كان قبل شرعها، ويحتمل أن المراد أنه لا يزيد في الفرض لتغيير صفته كأنه قَالَ: لا أصلي الظهر خمسًا. وهذا ضعيف جدًا، لأنه قَالَ -فيما أسلفناه-: لا أتطوع.
والجواب الصحيح أنه على ظاهره، وأنه أراد أنه لا يُصلي النوافل بل يحافظ على كل الفرائض. وهذا مفلح بلا شك وإن كانت مواظبته على ترك النوافل (مذمومة) (٢) وترد بها الشهادة إلا أنه غير آثم بل هو مفلح ناج، وإن كان فاعل النوافل أكمل فلاحًا منه.
الثانية عشرة: لم يأت في هذا الحديث ذكر الحج ولا جاء ذكره في حديث جبريل -عليه السلام- من رواية أبي هريرة (٣)، وكذا غيرهما من الأحاديث لم يذكر في بعضها الصوم ولم يذكر في بعضها الزكاة، وذكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يذكر في بعضها الإيمان.

---------------
(١) سيأتي برقم (١٨٩١) كتاب: الصيام، باب: وجوب صوم رمضان.
(٢) في (ج): مفهومة.
(٣) سيأتي قريبًا برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل النبي عن الإيمان …



فتفاوتت هذِه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصًا (وإثباتًا وحذفًا) (١).
والجواب: أن هذا ليس اختلافًا صادرًا من الشارع، وإنما هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصر فاقتصر على حفظه فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وإن كان اقتصاره على ذَلِكَ يشعر بأنه الجميع، فقد بان بما أثبته (غيره) (٢) من الثقات أن ذَلِكَ ليس بالجميع، وإن كان اقتصاره عليه كان لقصور ضبطه؛ ولهذا يختلف نقلهم القضية الواحدة كحديث جبريل، فإنه جاء في رواية عمر إثبات الحج، وفي رواية أبي هريرة حذفها.
وقصة النعمان بن قَوْقَل في «صحيح مسلم» (٣) اختلفت الرواة فيها زيادة ونقصًا مع أن راويها واحد وهو جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -، ثم لا يمنع هذا كله من ذكر هذِه الروايات في «الصحيح» لما تقرر من مذهب الجمهور أن زيادة الثقة مقبولة، ويحتمل أن الحج لم يكن فُرضَ بَعدُ، فإنه فرض سنة ست أو خمس على المشهور.
الثالثة عشرة: قوله - ﷺ -: («أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ»). جاء في موضع آخر من البخاري ومسلم: «أفلح وأبيه إن صدق» (٤) وفي أخرى: «أفلَحَ إِنْ صَدَقَ» أو: «دخل الجنة إن صدق» (٥).

--------------
(١) من (ج).
(٢) من (ف).
(٣) مسلم (١٥/ ١٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان الذي يُدْخَل به الجنة وأن من تمسك بما أُمِرَ به دخل الجنة.
(٤) رواه مسلم (١١/ ٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.
(٥) سيأتي برقم (١٨٩١) كتاب: الصوم، باب: وجوب صوم رمضان.



وفي الجمع بين هذا وقوله - ﷺ -: «من كان حالفًا فليحلف بالله» (١)، وقوله: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» (٢) أوجه:
أصحها: أن هذا ليس حلفًا إنما هي كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المخلوف به ومضاهاته به الله تعالى.
ثانيها: أنه يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى. وهو بعيد؛ لأنه (ادعاءٌ للنسخ) (٣) ولا يصار إليه إلا إذا تعذر التأويل وعلمنا التاريخ كما تقرر في فن الأصول وليس هنا واحدًا منهما.
ثالثها: أنه على حذف مضاف أي: ورب أبيه، فأضمر ذَلِكَ فيه. قَالَ البيهقي في «سننه»: وغيره لا يُضمِر، بل يذهب فيه (٤). وسمعت بعض مشيختنا يجيب بجوابين آخرين:
أحدهما: أنه يحتمل أن يكون الحديث: أفلح والله. فقصر الكاتب اللامين فصارت: وأبيه.
ثانيهما: خصوصية ذَلِكَ بالشارع دون غيره، وهذِه دعوى لا برهان عليها، وأغرب القرافي حيث قَالَ: هذِه اللفظة وهي: «وأبيه» اختلف في

---------------
(١) سيأتي برقم (٢٦٧٩) كتاب: الشهادات، باب: كيف يستحلف؟.
(٢) رواه مسلم (١٦٤٦/ ٤) كتاب: الإيمان، باب: النهي عن الحلف بغير الله تعالى، والترمذي (١٥٣٣)، والنسائي ٧/ ٤، وابن ماجه (٢٠٩٤)، وأحمد ٢/ ٧.
(٣) في (ج): ادعى النسخ.
(٤) كذا في (ف)، (ج)، والكلام ناقص، ونصه كما في «السنن الكبرى» ١٠/ ٢٩: وغيره لا يُضْمر بل يذهب فيه مذهب التعظيم لأبيه.



صحتها، فإنها ليست في «الموطأ»، وإنما (فيه) (١): «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» (٢) وهذا عجيب؛ فالزيادة ثابتة لا شك في صحتها ولا مرية.
الرابعة عشرة: صحة الاكتفاء بالاعتقاد من غير نظر ولا استدلال، لكنه يحتمل أن ذَلِكَ صح عنده بالدليل وإنما أشكلت عليه الأحكام.
الخامسة عشرة: استعمال الصدق في خبر المستقبل. وقال ابن قتيبة: الكذب مخالفة الخبر في الماضي، والخلف في مخالفته في المستقبل (٣).
فعلى هذا يكون الصدق في الخبر عن الماضي والوفاء في المستقبل، وهذا الحديث يرد عليه مع قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥].
السادسة عشرة: الرد على المرجئة؛ إذ شَرطَ في فلاحه أن لا ينقص من الأعمال والفرائض المذكورة.

-----------------
(١) في (ف): فيها.
(٢) «الموطأ» ص ١٢٦.
(٣) «أدب الكاتب» ص ٢٨.



٣٥ - باب اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ
٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِّي الَمنْجُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الَحسَنِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اتَبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجعُ مِن الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ». تَابَعَهُ عُثْمَانُ الُمؤَذِّنُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، نَحْوَهُ. [١٣٢٤، ١٣٢٣، ١٣٢٥ - مسلم ٩٤٥ - فتح: ١/ ١٠٨]
ثنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ، ثنَا رَوْحٌ، ثنَا عَوْفٌ، عَنِ الحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اتَبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ».
تَابَعَهُ عُثْمَانُ المُؤَذِّنُ قَالَ: حَدَّثنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، نَحْوَهُ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف برواته غير من سلف، وهو أبو هريرة والحسن، وهو البصري.
وأما محمد فهو ابن سيرين وهو أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري، مولاهم البصري التابعي الجليل، أخو أنس ومعبد ويحيى وحفصة وكريمة أولاد سيرين، وسيرين مولى أنس من سبي عين التمر، وإذا أطلق ابن سيرين فهو محمد هذا، وهؤلاء الستة كلهم تابعيون.


ذكر أبو علي الحافظ: خالدًا بدل: كريمة قَالَ: وأكبرهم معبد وأصغرهم حفصة.
قُلْتُ: ومن أولاد سيرين أيضًا عمرة وسودة، قَالَ ابن سعد: أمهما أم ولدٍ كانت لأنس (١). وذكر بعضهم من أولاده: أشعث أيضًا، فهؤلاء عشرة.
وروى (محمد، عن يحيى، عن أنس، عن أنس بن مالك) (٢) حديثًا.
قَالَ ابن الصلاح: وهذِه غريبة عايا بها بعضهم فقال: ثلاثة إخوة يروي بعضهم عن بعض (٣). وكانه تبع الرامهرمزي فإنه ذكره في «فاصله» كذلك وزاد: ثلاثة إخوة (فقهاء) (٤).
وزاد ابن طاهر أخًا رابعًا فيه وهو: معبد بين يحيى وأنس، فاستفد ذَلِكَ. وقد أوضحته في «المقنع في علوم الحديث» (٥).
كَاتَبَ أنسُ سيرينَ على عشرين ألف درهم فأدَّاها وعتق. وأم محمد وإخوته صفية مولاة الصديق، طيبها ثلاث من أمهات المؤمنين ودَعَوْنَ لها، وحضر إِمْلاكها ثلاثة عشر بدريًّا، منهم: أبي بن كعب يدعو وهم يُؤَمِّنُون.
سمع جمعًا من الصحابة وخلقًا من التابعين. قَالَ هشام بن حسان: أدرك ثلاثين صحابيًّا. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وهو أكبر من

---------------
(١) «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٣٩.
(٢) في (ف): (محمد بن يحيى، عن أنس بن مالك). وهو خطأ، والمثبت من (ج)، وهو الصواب كما سيتضح مما يلي.
(٣) «علوم الحديث» ص ٣١٢.
(٤) «المحدث الفاصل» ص ٦٢٤ (٩٠٤)، وما بين القوسين من (ف).
(٥) «المقنع» ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٨.



أخيه أنس، وعنه خلق من التابعين: الشعبي وقتادة وأيوب وغيرهم. مات سنة عشر ومائة بعد الحسن بمائة يوم (١).
وقد أسلفنا أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، فلهذا قرنه البخاري بمحمد لأنه سمع منه، فالاعتماد عليه إذن.
وأما عوف فهو أبو سهل بن أبي جميلة بندويه الأعرابي -ولم يكن أعرابيًّا- العبدي الهَجَري البصري. سمع (جمعًا) (٢) من كبار التابعين منهم: الحسن، وعنه الأعلام: الثوري وشعبة وغيرهما. وثقته مجمع عليها. وُلد سنة تسع وخمسين، ومات. سنة ست، وقيل: سبع وأربعين ومائة. ونسب إلى (التشيع) (٣).
وأما روح (ع) فهو أبو محمد روح بن عبادة بن العلائي حسان بن عمرو بن مرثد القيسي البصري. سمع خلقًا من الأعلام أشعث ومالكًا وغيرهما، وعنه أحمد وغيره من الأعلام.
قَالَ الخطيب: كان كثير الحديث، وصنف الكتب في السنن والأحكام والتفسير، وكان ثقة. وقال ابن المديني: نظرت لروح في أكثر من مائة ألف حديث، كتبت منها عشرة آلاف. وقال يحيى بن معين: لا بأس به صدوق. مات سنة خمس ومائتين (٤).

----------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٩٣، «التاريخ الكبير» ١/ ٩٠ (٢٥١)، «ثقات ابن حبان» ٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٣٤٤، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٦٠٦ (٢٤٦).
(٢) في (ج): خلقا.
(٣) في (ج): التشييع، وانظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٥٨، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٢٩٦، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٤٣٧ (٤٥٤٥).
(٤) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ترجمة ١٠٥٢، «تاريخ بغداد» ٨/ ٤٠١، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٤٠٢، «تهذيب الكمال» ٩/ ٢٣٨ (١٩٣٠) ..




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #58  
قديم 19-01-2026, 05:30 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 146 الى صـــ 165
الحلقة (57)



وأما أحمد شيخ البخاري فهو أبو بكر أحمد بن عبد الله بن علي بن سويد بن منجوف -بفتح الميم ثم نون ساكنة ثم جيم ثم فاء- السدوسي المنجوفي البصري، سمع ابن مهدي وغيره، وعنه البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم. مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين (١).
وأما عثمان المذكور في المتابعة فهو أبو عمرو عثمان بن الهيثم بن جهضم بن عيسى بن حسان بن المنذر البصري العبدي مؤذن جامعها، سمع عوفًا وغيره، وعنه الذهلي وآخرون، وروى البخاري عنه في مواضع، وروى هو والنسائي عن رجل عنه، وروى البخاري عن محمد غير منسوب وهو الذهلي عنه، مات في رجب سنة عشرين ومائتين (٢).
الوجه الثاني:
قوله: (تَابَعَهُ عُثْمَانُ) أي: تابع روحًا في الرواية عن عوف، فالهاء عائدة على روح، فالحديث من رواية عثمان رباعي، ومن رواية المنجوفي خماسي، وذكر هذا أولًا؛ لأنه أتم سياقًا؛ ولهذا قَالَ: تابعه عثمان نحوه.
الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه:
الجنازة -بفتح الجيم وكسرها-: اسم للميت وللسرير أيضًا، والكسر أفصح، وقيل: بالفتح للميت وبالكسر للنعش وعليه الميت.
وقيل: عكسه. مشتقة من جنز إذا ستر.

--------------------
(١) انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ١/ ٣٦٥ (٥٨).
(٢) انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ الترجمة ٢٣٣٠، «ثقات ابن حبان» ٨/ ٤٥٣، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٥٠٢ (٣٨٦٩).



ومعنى: اتبعها: مشى معها وحضرها. يُقال: تبعت الشيء تبعًا وتباعة -بفتح التاء- وتبع وأتْبَع (واتَّبع) (١) واحد، وقيل: أتْبعه: لحقه ومشى خلفه، واتَّبعه: حذا حذوه.
وتقدم تفسير قوله: («إيمانًا واحتسابًا»)، وقوله: («ويُفْرَغ») هو بضم أوله وفتح ثالثه وهو أعم.
والقيراط: اسم لمقدار من الثواب يقع على القليل والكثير، بيَّن في هذا الحديث أنه مثل أُحُد، وفي رواية للحاكم: «القيراط أعظم من أُحُد» ثم قَالَ: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (٢).
وفي رواية للحاكم من حديث أُبي بن كعب مرفوعًا: «والذي نفس محمد بيده لهو في الميزان أثقل من أحد» (٣) في إسناده الحجاج بن أرطاة، (حالته) (٤) معلومة.
وفي «السنن الصحاح المأثورة» (٥) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: «من أوذن بجنازة فأتى (أهلها) (٦) فعزاهم كتب الله له قيراطًا، فإن شيَّعها كتب الله له قيراطين، فإن صلى عليها كتب الله له ثلاثة قراريط، فإن شهد

---------------------
(١) من (ف).
(٢)»المستدرك«٣/ ٥١٠ - ٥١١.
(٣) الحديث ليس في»المستدرك«، وهو بنصه عند أحمد ٥/ ١٣١ من حديث أبي بن كعب، وكذا عزاه لأحمد المصنف في»شرح العمدة«٤/ ٥٣٠، ورواه ابن ماجه (١٥٤١)، والضياء في»المختارة«(١١٦٧)، (١١٧٠) وليس فيه موضع الشاهد، والحديث فيه الحجاج بن أرطاة وحالته معروفة كما قال المصنف.
قال البوصيري في»زوائد ابن ماجه" (٥١٤): إسناد حديث ابي بن كعب ضعيف لتدليس حجاج بن أرطاة.
(٤) في (ج): حاله.
(٥) للحافظ ابن السكن.
(٦) في (ف): لها.



دفنها كتب الله له أربعة قراريط. القيراط مثل أحد» (١).
الوجه الرابع: في أحكامه وفوائده:
الأولى: الحث على الصلاة على الميت واتباع جنازته وحضور دفنه. وسيأتي بسط هذا كله في موضعه إن شاء الله تعالى وقدره.
قَالَ أبو الزناد: حضَّ الشارع على التواصل في الجنازة بقوله: «صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك» (٢)، و«لا تقاطعوا ولا تدابروا» (٣) وعلى التواصل بعد الموت بالصلاة والتشييع إلى القبر والدعاء له.
قُلْتُ: والتشييع من حقوق المسلم على المسلم. كما أخرجه الترمذي من حديث (…) (٤): «للمسلم على المسلم ست بالمعروف: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمِّته إذا عطس، ويعوده إذا

----------------
(١) رواه ابن حبان في»المجروحين«٣/ ٤٠ - ٤١ مرفوعًا.
ورواه أبو يعلى في»مسنده«١١/ ٣٣٦ (٦٤٥٣) موقوفًا على أبي هريرة بألفاظ مختلفة وإسنادهما ضعيف؛ لضعف معدي بن سليمان، ومعدي بن سليمان قال فيه ابن حبان: كان ممن يروي المقلوبات عن الثقات، والملزقات عن الأثبات لا يجوز الاحتجاج به.
وقال أبو زرعة: واهي الحديث، يحدث عن ابن عجلان بمناكير. وضعفه النسائى.
انظر:»الجرح والتعديل«٨/ ٤٣٨ (١٩٩٧)،»التقريب«(٦٧٨٨).
(٢) رواه أحمد ٤/ ١٤٨، ١٥٨، والطبراني ١٧/ ٢٧٠ (٧٤٠)، وابن عدي في»الكامل«٦/ ٢٨١، والحاكم ٤/ ١٦١ - ١٦٢، وقال الهيثمي في»المجمع«٨/ ١٨٨: رواه أحمد والطبراني وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات. وصححه الألباني في»الصحيحة" (٨٩١).
(٣) سيأتي برقم (٦٠٦٥) كتاب: الأدب، باب: ما ينهى عن التحاسد والتدابر، ورواه مسلم (٢٥٥٩/ ٢٤) كتاب: البر والصلة، باب: تحريم التحاسد …
(٤) بياض في (ج)، (ف) بمقدار كلمة قد تكون اسم راوي الحديث وهو عليٌّ.



مرض، ويشيع جنازته إذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه» (١).
الثانية: القيراط الأول يحصل بالصلاة إذا انفردت، فإن ضُمّ إليها اتِّباعه وحضوره حتى يفرغ من دفنه حصل له قيراط ثان.
ولا يقال: يحصل بالصلاة مع الدفن ثلاثة كما قد يتوهم من ظاهر بعض الأحاديث، فالمطلق والمجمل محمول على هذا المصرح، وممن صرح بحصولهما فقط أبو الحسن علي بن عمر القزويني (٢) وابن الصباغ، من أصحابنا.
قَالَ -أعني: ابن الصباغ-: وأما رواية: «ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان» (٣) (فمعناها) (٤): فمن تبعها حتى تدفن فله تمام قيراطين بالمجموع، قَالَ: ونظيره قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ٩ - ١٠]، (أي: تمام أربعة) (٥). ثم قال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٦).

-----------------
(١) الترمذي (٢٧٣٦)، ورواه ابن ماجه (١٤٣٣)، والدارمي ٣/ ١٧٢٠ (٢٦٧٥) وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١١٧٩): صحيح دون زيادة «ويحب له ..» وهي ثابتة في حديث آخر.
(٢) هو الإمام العارف شيخ العراق أبو الحسن عليّ بن عمر بن محمد، المعروف بابن القزويني البغدادي الحربي الزاهد. مات ابن القزويني في ليلة الأحد لخمس خلون من شعبان سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة.
انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١٢/ ٤٣، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٦٠٩ - ٦١٣، «طبقات الشافعية الكبرى» ٥/ ٢٦٠ - ٢٦٦.
(٣) سيأتي برقم (١٣٢٣) كتاب: الجنائز، باب: فضل اتباع الجنائز، ورواه مسلم (٩٤٥/ ٥٢) كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة.
(٤) في (ف): فمعناه.
(٥) من (ف).
(٦) انظر كلام ابن الصباغ في «طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي ٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦.



الثالثة: في (الدفن الذي يحصل به) (١) القيراط الثاني وجهان:
أصحهما: بالفراغ منه. أي: من تسوية القبر، والثاني: يحصل إذا ستر الميت في القبر باللبن وإن لم يُلْق عليه التراب.
وفي وجه ثالث بعيد أنه يحصل بمجرد الوضع في اللحد وإن لم يلق عليه التراب، ورواية مسلم: «حتى يوضع في اللحد» (٢) تدل عليه، لكنها تؤول بالفراغ من الدفن جمعًا بين الروايتين، وسيكون لنا عودة -إن شاء الله تعالى- إلى هذا الموضع في بابه.
الرابعة: الحديث (دلَّ) (٣) على أن حصول القيراطين إذا اتَّبعها وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ منها، ومن سبقها إلى الصلاة أو إلى القبر فأجره دون ذَلِكَ؛ لأنه ليس معها (٤). وكره أشهب اتِّباعها والرجوع قبل الصلاة.
الخامسة: حكى ابن عبد الحكم عن مالك أنه لا ينصرف بعد الدفن إلا بإذن، وإطلاق هذا الحديث وغيره يخالفه.

------------------
(١) من (ج).
(٢) (٩٤٥) كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها.
(٣) في (ج): دال.
(٤) وجد بهامش (ف) تعليق نصه: قال الكرماني: وهذا -يعني القيراط- لا يحصل من الصلاة فقط بل لابد أن يكون معه ومتبعًا له بقرينة (يرجع)، إذ الرجوع عنه مسبوق بالذهاب معه، أو بقرينة ما تقدم.
ثم قال عن النووي: في الحديث تنبيه على أن القيراط الثاني مقيد لمن اتبعها وكان معها في جميع الطريق حتى تدفن، فلو صلى وذهب إلى القبر وحده ومكث حتى جاءت الجنازة، وحضر الدفن لم يحصل له القيراط الثاني، وكذا لو حضر الدفن ولم يصل أو تبعها ولم يصل فليس في الحديث حصول القيراط له، إنما جعل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة، لكن له أجر في الجملة، والله أعلم. انتهى. انظر: «البخاري بشرح الكرماني» ١/ ١٨٥ - ١٨٦، وانظر: «مسلم بشرح النووي» ٧/ ١٤.



السادسة: قد يستدل بلفظ الاتباع من يرى أن المشي وراء الجنازة أفضل من أمامها، وهو مذهب أبي حنيفة (١)، والجمهور على خلافه، وبه قَالَ باقي الأئمة الأربعة (٢)، وقال الثوري وطائفة: هما سواء (٣).
ولا فرق عندنا بين الراكب والماشي، خلافًا للثوري، حيث قَالَ: إن الراكب يكون خلفها (٤). وتبعه الرافعي في «شرح المسند» (٥)، وكانه قلد الخطابي؛ فإنه كذا ادعى (٦).
وفيه حديث صححه الحاكم على شرط البخاري من حديث المغيرة بن شعبة (٧)، وقال به من المالكية أيضًا أبو مصعب (٨).
السابعة: الحديث دالٌّ على أن الثواب المذكور إنما يحصل لمن تبعها إيمانًا واحتسابًا، فإنّ حضورها على ثلاثة أقسام: احتساب، ومكافاة، ومخافة.
والأول: هو الذي يجازى عليه الأجر ويحط الوزر، والثاني: لا يبعد ذَلِكَ في حقه، والثالث: الله أعلم بما فيه.
الثامنة: إنما كان الجزاء بالقيراط دون غيره؛ لأنه أقلُّ مقابلٍ عادةً، وإنما خص بأُحُدٍ؛ لأنه أعظم جبال المدينة، والشارع كان يحبه وهو يحبه.

---------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٠٤، «المحيط البرهاني» ٣/ ٧.
(٢) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤٦٥، و«البيان» ٣/ ٩٠ - ٩١، و(المغني«٣/ ٣٩٧.
(٣) انظر:»التمهيد«٣/ ٩١.
(٤) انظر:»البيان«٣/ ٩٠ - ٩١.
(٥)»شرح مسند الشافعي«حديث (١٦١٥).
(٦)»معالم السنن«١/ ٢٦٨.
(٧)»المستدرك«١/ ٣٦٣ ونصه:»الراكب خلف الجنازة، والماشي قريبًا منها، والطفل يصلى عليه«.
(٨) انظر:»الذخيرة" ٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦.



التاسعة: وجوب الصلاة على الميت ودفنه وهو إجماع.
العاشرة: الحض على (الاجتماع) (١) لهما والتنبيه على عظم ثوابهما وهي مما خصت بها هذِه الأمة، وفيه غير ذَلِكَ مما أوضحته في «شرح العمدة» (٢) فراجعه منه.

-------------------
(١) في (ج): الإجماع.
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٤/ ٥٣٩.



٣٦ - باب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ:
مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا.
وَقَالَ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. [فتح: ١/ ١٠٩]

٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ: سَأَلْت أَبَا وَائِلٍ عَنِ الُمرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». [٦٠٤٤، ٧٠٧٦ - مسلم: ٦٤ - فتح: ١/ ١١٠]

٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْن جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُون خَيْرًا لَكُمُ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ». [٢٠٢٣، ٦٠٤٩ - فتح: ١/ ١١٣]
المراد بالحبط: نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر، فإن الإنسان لا يكفر ويخرج عن الملة إلا بما يعتقده أو يفعله عالمًا بأنه يوجب الكفر.


وأما حديث: «الشرك فيكم أخفي من دبيب النمل» (١) المراد به: الرياء لا الكفر، كما نبه عليه ابن بطال (٢).
قَالَ البخاري رحمه الله:
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا. وَقَالَ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ - ﷺ - كلّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُول: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائيلَ.
وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِن، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِق. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، ثنَا شعْبَة، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ
عَنِ المُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «سِبَابُ
المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».
حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَان وَفُلَان فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ».

---------------
(١) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٣٥٦٦)، الحاكم في «المستدرك» ٢/ ٢٩١، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو نعيم في «الحلية» ٩/ ٢٥٣، وقال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٢٣: رواه البزار وفيه عبد الأعلى بن أعين وهو ضعيف.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ١١٢، ١١٣.



الكلام عَلَى ذَلِكَ من وجوه:
الأول: في تخريج هذِه الآثار التي ذكرها البخاري معلقة.
أما أثر إبراهيم فأخرجه أبو القاسم اللالكائي في «سننه» بإسناد جيد عن القاسم بن جعفر. (أنا) (١) محمد بن أحمد بن حماد، ثنا العباس بن عبد الله، ثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن أبي حيان، عن إبراهيم به (٢).
وأما أثر ابن أبي مليكة فأخرجه (…) (٣). وأما أثر الحسن فأخرجه الفريابي عن قتيبة، ثنا جعفر بن سليمان، عن المعلى بن زياد: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن (٤)، وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق.
قَالَ: وحَدَّثنَا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد، ثنا مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن الحسن: والله ما أصبح ولا أمسى مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه.
وثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد أن الحسن كان يقول: إن القوم لما رأوا هذا النفاق يغول الإيمان لم يكن لهم هَمٌّ غير النفاق.

-----------------
(١) في (ف): أبنا.
(٢) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ٤/ ٩٢٩ (١٥٨٠).
(٣) بياض بالأصل، والتعليق وصله ابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» ١/ ٢٢١ (٦٥١)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (٦٨٨).
(٤) رواه المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ٢/ ٦٣٤ (٦٨٧).



وحَدَّثنَا هشام بن عمار، ثنا أسد بن موسى، عن أبي الأشهب، عن الحسن: لما ذُكِرَ أن النفاق يغول الإيمان لم يكن شيء أخوف عندهم منه.
وثنا هشام، ثنا أسد بن موسى، ثنا محمد بن سليمان قَالَ: سأل أبان الحسن فقال: تخاف النفاق؟ (قال) (١): وما يؤمنني وقد خافه عمر بن الخطاب.
وثنا (شيبان، ثنا أبو الأشهب) (٢)، عن طريف قَالَ: قُلْتُ للحسن: إن ناسًا يزعمون ألا نفاق أو لا يخافون (النفاق) (٣) شك أبو الأشهب فقال: والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إليَّ من طلاع الأرض ذهبًا (٤).
الوجه الثاني:
الحديث الأول أخرجه البخاري هنا كما ترى، وأخرجه مسلم هنا أيضًا عن محمد بن بكار وعون بن سلام قالا: ثنا محمد بن طلحة، وثنا محمد بن المثنى، (ثنا غندر) (٥)، ثنا شعبة، وثنا ابن المثنى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان، كلهم عن زبيد، عن أبي وائل (٦).

----------------
(١) من (ج).
(٢) في (ف): شهاب بن الأشهب.
وفي (ج): شهاب ثنا ابن الأشهب. وكلاهما خطأ والمثبت هو الصواب كما في «صفة المنافق».
(٣) من (ج).
(٤) انظر هذِه الآثار في «صفة المنافق» للفريابي ص ٧١ - ٧٣.
(٥) في (ف)، (ج): وثنا غندر، وهو خطأ والمثبت من «صحيح مسلم».
(٦) برقم (٦٤) كتاب: الإيمان، باب: بيان قول النبي - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر».



والحديث الثاني أخرجه البخاري هنا عن قتيبة كما سقناه وفي الصوم (١) عن أبي موسى، عن خالد بن الحارث، وفي الأدب (٢) عن مسدد، عن بشر بن المفضل ثلاثتهم عن حميد به.
الوجه الثالث: في التعريف برواتهما:
وقد سلف منهم التعريف بعبد الله، وهو ابن مسعود، وعبادة وأنس وشعبة وإسماعيل بن جعفر وقتيبة.
وأما أبو وائل الراوي عن عبد الله فهو شقيق بن سلمة الأسدي، أسد خزيمة، كوفي تابعي، أدرك زمن رسول الله - ﷺ - ولم يره، قَالَ: أدركت سبع سنين من سني الجاهلية.
وقَالَ: كنت قبل. مبعث النبي - ﷺ - ابن عشر سنين أرعى إبلًا لأهلي.
وسمع عمر بن الخطاب وعثمان وعليًّا وابن مسعود وعمارًا وغيرهم من الصحابة والتابعين، وعنه خلق من التابعين وغيرهم.
وأجمعوا على جلالته وصلاحه وورعه وتوثيقه، وهو من أجَلِّ أصحاب ابن مسعود، وكان ابن مسعود يثني عليه، مات سنة اثنتين وثمانين على المحفوظ، وقال الواقدي وأبو نعيم: في خلافة عمر بن عبد العزيز. وفي «الكمال» أنه توفي سنة سبع وتسعين -وعلى سبع عَلامَةُ إِصْلاحٍ- وقال النووي في (شرحه) (٣) في القطعة التي (له) (٤) على هذا الكتاب: مات سنة مائة.

------------------
(١) سيأتي برقم (٢٠٢٣) كتاب: فضل ليلة القدر، باب: رفع معرفة ليلة القدر؛ لتلاحي الناس.
(٢) سيأتي برقم (٦٠٤٩) باب: ما ينهى من السباب واللعن.
(٣) من (ج).
(٤) من (ف).



وقيل: سنة تسع وتسعين، وهو ماش على قول الواقدي وأبي نعيم السالفين، فإن عمر بن عبد العزيز مات سنة إحدى ومائة في رجب.
وقيل: سنة اثنتين ومائة، وكانت خلافته سنتين ونصفًا. وقيل: سنتين وخمسة أشهر وخمسة عشر يومًا (١).
وأما زُبَيد الراوي عنه فهو -بزاي مضمومة ثم باء موحدة ثم مثناة تحت- بن الحارث بن عبد الكريم أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله اليامي بمثناة تحت، جد القبيلة، بطن من همدان- ويقال: الأيامي الكوفي، روى عن أبي وائل وجمع من التابعين، وعنه: الأعمش وغيره من التابعين، وجلالته متفق عليها، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة (٢).
فائدة:
في الصحيحين زُبيد بضم الزاي ثم موحدة إلا هذا، كما سلف التنبيه عليه في الفصول السالفة.
وأما زبيد بن الصلت (٣): فليس له ذكر فيهما، ذاك في «الموطأ».
وأما محمد (خ. م. د) بن عَرْعَرة الراوي عن شعبة فهو بفتح العينين المهملتين، وبالراء المكررة الأولى ساكنة، وهو أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الله محمد بن عرعرة بن البِرِند -بموحدة ثم راء مكسورتين، ويقال بفتحهما، والأول أصح وأشهر، ثم نون ثم دال مهملة-

----------------
(١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٩٦، «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٤٥ (٢٦٨١)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٤٨ (٢٧٦٧).
(٢) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٠٩، «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٥٠ (١٤٩٩)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٦٢٣ (٢٨١٨)، «تهذيب الكمال» ٩/ ٢٨٩ (١٩٥٧).
(٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٤٧ (١٤٩٦)، «ثقات ابن حبان» ٤/ ٢٧٠.



(ابن النعمان) (١) القرشي السامي -بالسين المهملة- (ولد) (٢) سامة بن لؤي بن غالب البصري، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين عن خمس وسبعين سنة.
قَالَ شيخنا قطب الدين في «شرحه»: انفرد به البخاري عن مسلم.
قُلْتُ: لا، فقد روى له معه، وكذا أبو داود. كما نبه عليه الحافظ جمال الدين المزي في «تهذيبه» (٣).
وأما حميد الراوي عن أنس فهو أبو عبيدة حميد بن أبي حميد تِير -ويقال: تِيرويه، بكسر المثناة فوق. ويقال: غير ذَلِكَ- الخزاعي البصري مولى طلحة الطَّلْحات، سمع أنسًا وغيره من التابعين، وعنه يحيى الأنصاري وغيره من الأعلام.
وحميد هذا هو الطويل (تمييزًا له) (٤)، قيل: كان قصيرًا طويل اليدين، فقيل له ذَلِكَ. وقال الأصمعي: لم يكن بذاك الطويل لكن كان في جيرانه رجل يقال له: حميد القصير. فقيل: حميد الطويل تمييزًا له.
وقال البخاري عن الأصمعي: رأيتُه ولم يكن بطويل، ولكن كان طويل اليدين. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة عن خمس وسبعين سنة.
وقيل: سنة اثنتين وأربعين. وقيل: سنة أربعين (٥).

-----------------
(١) من (ج).
(٢) في (ف): وله.
(٣) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٠٥، «التاريخ الكبير» ١/ ٢٠٣ (٦٢٨)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٥٠ (٢٣٠)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ١٠٨ (٥٤٦٣).
(٤) من (ج).
(٥) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٥٢، «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٤٢ (٢٧٠٤)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٢١٩ (٩٦١)، «تهذيب الكمال» ٣٥٥/ ٧.



فصل:
وقع في أوائل الباب ذكر إبراهيم التيمي وعبد الله بن أبي مليكة والحسن. أما إبراهيم فهو ابن يزيد بن شريك التيمي -تيم الرباب- الكوفي أبو أسماء. روى عن أنس وغيره، وعنه الثوري وغيره، قتله الحجاج بن يوسف، وقيل: مات في سجنه لما طلب الإمام إبراهيم النخعي فوقع الرسول به فأخذه وحبسه، فقيل له: ليس إياك أراد، فقال: أكره أن أدفع عن نفسي، وأكون سببًا لحبس رجل مسلم بريء الساحة فصبر في السجن حتى مات.
وثقه يحيى بن معين، وقال أبو زرعة: ثقة مرجئ قتله الحجاج.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ومن غرائبه ما رواه الأعمش عنه: إني لأمكث ثلاثين يومًا لا آكل. مات سنة اثنتين وتسعين ولم يبلغ أربعين سنة (١).
فائدة:
تيم الرباب: بكسر الراء، قَالَ الحازمي: وهو تيم بن عبد مناة بن ود بن طابخة، وقال معمر بن المثنى: هو ثور وعدي وعكل ومزينة بنو عبد مناة وضبة بن ود، قيل: سموا به، لأنهم غمسوا أيديهم في رب وتحالفوا عليه.
قَالَ الحازمي: هذا قول ابن الكلبي، وقال غيره: سموا به؛ لأنهم ترببوا، أي: تحالفوا على بني سعد بن زيد مناة.

---------------------
(١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٢٨٥، «الجرح والتعديل» ٢/ ١٤٥ (٤٧٤)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٣٢ (٢٦٤).


وأما ابن أبي مليكة فهو عبد الله بن (عبيد الله) (١) بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان بن (عمر) (٢) بن كعب بن تيم بن مرة القرشي، كان قاضيًا لابن الزبير ومؤذنًا. جلالته متفق عليها. سمع العبادلة، ومات سنة سبع عشرة ومائة (٣). وأما الحسن فهو البصري، وقد تقدم حاله (٤).
الوجه الرابع:
فيما فيه من المبهمات: الرجلان المذكوران في قوله: (فتلاحى رجلان). مكثت مدة فلم أعثر على من سماهما إلى أن رأيت ابن دحية في كتابه «العَلَم المشهور». قَالَ: هما كعب بن مالك وعبد الله بن أبي حدرد.
قُلْتُ: وحديثهما ذكره البخاري في الخصومات (٥) وغيره كما ستعلمه.
الوجه الخامس: في ألفاظه ومعانيه:
معنى قول إبراهيم التيمي أنه خشي أن يكون قصر في العمل، وكذا ينبغي أن تغلب الخشية المؤمن، كما قَالَ الحسن: ما خافه إلا مؤمن.
وقد ذم الله تعالى من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقصر في
عمله. فقال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ

------------------
(١) في (ف): عبيد.
(٢) في (ج): عمرو.
(٣) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٧٢، «التاريخ الكبير» ٥/ ١٣٧ (٤١٢)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٢٥٦ (٣٤٥٥).
(٤) سبقت ترجمته في حديث (٣١).
(٥) سيأتي برقم (٢٤١٨) باب: كلام الخصوم بعضهم في بعض.



﴿تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف:٢ - ٣]. وهذا على المختار في ضبط قوله: (مكذبًا) أنه بكسر الذال، وقد ضبط بفتحها. ومعناه: خشيت أن يكذبني من رأى عملي مخالفًا قولي ويقول: لو كنت صادقًا ما فعلت هذا الفعل.
ومعنى قول ابن أبي مليكة عن الصحابة: (أنهم) (١) خافوا أن يكونوا في جملة من داهن ونافق. قَالَ ابن بطال: وإنما خافوا؛ لأنهم طالت أعمارهم حتى رأوا من التغير ما لم يعهدوه ولم يقدروا على إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا أو نافقوا (٢).
وروي عن عائشة أنها سألت رسول الله - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] فقال: «هم الذين يُصلُّون ويصومون ويتصدقون ويَفْرَقون أن لا تقبل منهم» (٣).
وقال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] أعمال كانوا يحسبونها (حسنات) (٤) بُدِّلت سيئات وقوله: (ما منهم من يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل) هو على ما تقدم أن الإيمان يزيد وينقص، (فإنّ) (٥) إيمان جبريل وميكائيل أكمل من إيمان آحاد الناس خلافًا للمرجئة.
وقول الحسن: (مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ). يعني: الله تعالى، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ

-------------------
(١) من (ج).
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ١٠٩.
(٣) رواه الترمذي (٣١٧٥)، وابن ماجه (٤١٩٨)، والحميدي ١/ ٢٩٨ (٢٧٧)، وأبو يعلى ٨/ ٣١٥ (٤٩١٧)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٦٢).
(٤) من (ج).
(٥) في (ف). وأن.



﴿جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦] وقال: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] ونظائره كثيرة. والسب في اللغة: الشتم والتكلم في العرض بما يعيبه (١). والفسق: الخروج لغة، وشرعًا: الخروج عن الطاعة (٢).
وقوله: («وقتاله كفر») لابد من تأويله فإن قتاله بغير حق لا يخرجه عن الملة عند أهل الحق ولا يكفر به، وفيه أقوال:
أصحها: أن المراد به (كفران) (٣) الحقوق، فإن للمسلم حقوقًا على أخيه كما تظاهرت به الأحاديث الصحيحة منها: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (٤) الحديث. فإذا قاتله فقد كفر تلك الحقوق.
ثانيها: أن المراد به: من استحله (من غير) (٥) موجب ولا تأويل.
أشار إليه الخطابي (٦) وهو محتمل على بُعد، والأصح الأول وبه يحصل الزجر عن انتهاك حرمات المسلمين فهو أكثر فائدة.
ثالثها: أنه شابه فعل الكفار.
رابعها: أن المراد بالمقاتلة: المشادة والتناول باليد والتطاول عليه.
قَالَ ابن بطال: العرب تسمي المشادة: المقاتلة. كما قَالَ - ﷺ - في المار

--------------------
(١) انظر: «لسان العرب» ٤/ ١٩٠٩.
(٢) انظر: «المجمل» ٢/ ٧٢١ مادة: (فسق).
(٣) في (ف): كفر.
(٤) رواه مسلم (٢٥٦٤/ ٣٢) كتاب: البر والصلة، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله.
(٥) في (ج): بغير.
(٦) «أعلام الحديث» ١/ ١٧٦.



بين يدي المصلي: «فليقاتله» (١) أي: فليدفعه بالقوة ولم يرد قتله (٢).
وإيراد البخاري حديث التلاحي في الباب رمز إلى هذا المعنى، وقد ترجم عليه في كتاب: الفتن، باب: قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٣).
وقد سلف أيضًا باب: كفر دون كفر وذكر كفران العشير، ثم هذا كله فيمق لا تأويل (له) (٤) (أما) (٥) المتأول فلا يكفر ولا يفسق كالبغاة والخارجين على الإمام بتأويل وغيرهم، وقال عمر - رضي الله عنه -: دعني أضرب عنق هذا المنافق (٦). فلم ينكر عليه - ﷺ - لما كان فعل حاطب يشبه فعل المنافقين، وكما قَالَ معاذ للمنصرف من الصلاة: نافقت (٧). وأشباه ذَلِكَ.
والمرجئة -بضم الميم، وجيم ثم همزة- مشتقة من الإرجاء، وهو التأخير، ومنه قوله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١] أي: أخره، والمرجئ مَنْ أخر العمل عن الإيمان، وقيل: من الرجاء: لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقيل: من الإرجاء، بمعنى: تأخير حكم الكبيرة، فلا يقضى بها بحكم في الدنيا، وهم أضداد الخوارج والمعتزلة.

--------------------
(١) رواه مسلم (٥٠٦) كتاب: الصلاة، باب: منع المار بين يدي المصلى.
(٢) «ابن بطال» ١/ ١١١ بتصرف.
(٣) سيأتي برقم (٧٠٧٧) كتاب: الفتن، باب: قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارا …».
(٤) في (ج): معه.
(٥) في (ف): إنما.
(٦) سيأتي برقم (٣٠٠٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: الجاسوس.
(٧) رواه مسلم (٤٦٥/ ١٧٨) كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء.



فالخوارج تكفر بالذنب، والمعتزلة يفسقون به وكلهم يوجب الخلود في النار. والمرجئة تقول: لا يضر الذنب مع الإيمان، وغلاتهم تقول: يكفي التصديق بالقلب وحده ولا يضر عدم غيره.
ومنهم من يقول: لابد مع ذَلِكَ من الإقرار باللسان حكاه القاضي، ومنهم من وافق القدرية كالخالدي (١)، ومنهم من لم يوافقهم وهم خمس فرق كفر بعضهم (بعضًا) (٢)، وهؤلاء هم مراد البخاري في الرد عليهم.
وقوله: (فَتَلَاحَى رَجُلَانِ). أي: تخاصما وتنازعا. والملاحاة: المخاصمة والمنازعة والسباب، والاسم اللِّحاء مكسور ممدود. وجاء في رواية لمسلم: «يحْتَقَّان معهما الشيطان فَنُسِّيتُها» (٣) أي: يطلب كل منهما حقه ويدعي أنه محق في دعواه.
ومعنى «رُفِعَت»: رفع بيانها، وإلا فهي باقية إلى يوم القيامة بدليل قو له: «التمسوها».
وقوله: («الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ») كذا هو في أكثر النسخ بتقديم السبع على التسع وفي بعضها تقديم التسع.

-----------------
(١) ذكره الشهرستاني في «الملل والنحل» ص ١٣٩.
(٢) من (ج).
وذكر البغدادي في «الفَرق بين الفِرق» ص ٢٠٢ أن المرجئة ثلاثة أصناف: منهم من قال بالإرجاء في الإيمان والقدر على مذاهب القدرية المعتزلة كغيلان وأبي شمر، ومنهم من قال بالإرجاء في الإيمان، وبالجبر في الأعمال على مذهب جهم بن صفوان، ومنهم خارجون عن الجبرية والقدرية وهم فيما بينهم خمس فرق: اليونسية، والغسانية، والثوبانية، والتومنية، والمريسية، وإنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان. ثم قال: والفرق الخمس التي ذكرناها من المرجئة تضلل كل فرقة منها أختها ويضللها سائر الفرق. اهـ.
(٣) مسلم (١١٦٧/ ٢١٧) كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #59  
قديم 19-01-2026, 05:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 166 الى صـــ 185
الحلقة (58)



الوجه السادس: في أحكامه:
الأول: مقصود البخاري بهذا الباب الرد على المرجئة في قولهم الباطل: إن الله تعالى لا يعذب على شيء من المعاصي مَنْ قَالَ: لا إله إلا الله، ولا يحبط شيء من أعمالهم بشيء من الذنوب، وإن إيمان العاصي والمطيع سواء.
فذكر في صدر الباب أقوال أئمة التابعين وما نقلوه عن الصحابة، وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم في هذا، وأنهم مع اجتهادهم وفضلهم المعروف خافوا أن لا ينجوا من العذاب، وبهذا المعنى استدل أبو وائل لما سأله (١) عن المرجئة: أمصيبون أم مخطئون في قولهم: إن سباب المسلم وقتاله وغير ذَلِكَ لا يضر إيمانهم؟ فروى حديث: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» وأراد أبو وائل الإنكار عليهم وإبطال قولهم المخالف لصريح الحديث.
الثاني: أدخل البخاري حديث عبادة في هذا الباب-والله أعلم-؛ لأن رفع ليلة القدر كان بسبب تلاحِيهما ورفعهما الصوت بحضرة الشارع، ففيه ذم الملاحاة ونقص صاحبها.
الثالث: حرمة سب المسلم، وهو حرام بغير حق بالإجماع وفاعله فاسق.
الرابع: ذم المخاصمة والمنازعة وأنها سبب العقوبة للعامة بذنب الخاصة، فإن الأمة حرمت إعلام هذِه الليلة بسبب التلاحي بحضرته الشريفة. لكن في قوله: «وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا» بعض التأنيس لهم.

--------------
(١) أي: زُبَيد. كما في حديث الباب.


الخامس: اختلفت الأحاديث في سبب النسيان، ففي حديث عبادة هذا أن سببه التلاحي، وفي «صحيح مسلم» في حديث أبي هريرة: «فجاء رجلان يحتقان» (١). كما سلف، فيحتمل أن السبب المجموع. وسيأتي الكلام في ليلة القدر في كتاب: الاعتكاف، حيث ذكره البخاري إن شاء الله (٢).
--------------
(١) سبق تخريجه.
(٢) ورد في هامش (ف) ما نصه: بلغ الشيخ برهان الدين الحلبي قراءة على … وسمعه الصفدي … والبستاني ....



٣٧ - باب سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِىَّ - ﷺ - عَنِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ
وَبَيَانِ النَّبِيِّ - ﷺ - لَهُ، ثُمَّ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ». فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].

٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ». قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّىَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ». قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللهُ». ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآيَةَ. ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: «رُدُّوهُ». فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فَقَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ. [٤٧٧٧ - مسلم:٩،١٠ - فتح: ١/ ١١٤]
ثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ باللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ».


قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ». قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَّنكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ، فِي خَمْسِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ».
ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآيَةَ. ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: «رُدُّوهُ». فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: «هذا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن مسدد كما ترى، وفي الزكاة مختصرًا عن محمد بن عبد الرحيم، عن عقيل، عن وهيب، عن أبي حيان [وعن مسدد، عن يحيى، عن أبي حيان] (١) به (٢)، وفي التفسير عن إسحاق، عن جرير (٣).
وأخرجه مسلم هنا عن أبي بكر وزهير، عن ابن علية (٤)، وعن ابن نمير عن ابن بشرٍ (٥)، وعن أبي بكر بن إسحاق، عن عفان، عن وهيب (٦)، كلهم عن أبي حيان، وعن زهير، عن جرير، (عن

------------------
(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ف).
(٢) سيأتي برقم (١٣٩٧) كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٧٧) كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
(٤) مسلم (٩/ ٥) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان …
(٥) مسلم (٩/ ٦).
(٦) مسلم (١٤/ ١٥).



عمارة) (١)، كلاهما عن أبي زرعة (٢).
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلفوا غير أبي حيان، وهو يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي التيمي -تيم الرباب-.
سمع أباه والشعبي وغيرهما، وعنه أيوب والأعمش، وهما تابعيان وليس هو بتابعي، وجماعات من الأعلام، واتفقوا على الثناء عليه وتوثيقه (٣).
وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية.
وأبو زرعة اسمه: هرم بن عمرو كما سلف.
ثالثها:
هذا الحديث مشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة راجعة إليه والأحكام منطبقة عليه، فلنذكر نبذًا منه:
الأولى: البروز: الظهور، فمعنى (كان بارزًا): ظاهرًا لهم جالسًا معهم. قَالَ ابن سيده: بَرَزَ يبرز بروزًا: خرج إلى البَرَاز -وهو الفضاء- وبَرزَه إليه وأبرزه، وكل ما ظهر بعد خفاء فقد بَرَز (٤).

------------------
(١) من (ف).
(٢) مسلم (١٠/ ٧).
(٣) انظر ترجمة أبي حيان في: «الطبقات» لابن سعد ٦/ ٣٥٣، «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٧٦ (٢٩٨١)، «معرفه الثقات» للعجلي ٢/ ٣٥٢ (١٩٧٦)، «الجرح والتعديل» ٩/ ١٤٩ (٦٢٢)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ٥٩٢، «الكاشف» ٢/ ٣٦٦ (٦١٧٣).
(٤) «المحكم»: ٩/ ٣٢ - ٣٣.



قَالَ تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]. قَالَ الهروي: ظاهرة ليس فيها مُسْتَظَل ولا منقبًا. وحكى صاحب «الواعي» عن «أفعال ابن طريف»: برز الشيء برزًا (ولم أره) (١) فيها.
الثانية: اختلف في الجمع بين الإيمان باللقاء والبعث، فقيل: اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء، والبعث بعده عند قيام الساعة، وقيل: اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب، ثم ليس المراد باللقاء رؤية الله تعالى، فإن أحدًا لا يقطع لنفسه بها؛ فإنها مختصة بمن مات مؤمنًا، ولا يدري الإنسان ما يختم له.
الثالثة: رواية مسلم: البعث الآخِر (٢) -بكسر الخاء المعجمة- وقيده بذلك مبالغة في الإيضاح لشدة الاهتمام به. وقيل: إن خروج الإنسان إلى الدنيا بعث من الأرحام، وخروجه من القبر إلى المحشر بعث من الأرض. فَقُيِّد البعث بالآخِر؛ ليتميز.
الرابعة: العبادة: الطاعة مع خضوع، وتذلل قَالَ الهروي: يُقال: طريق معبَّد. إذا كان مذللًا للسالكين، وكل من دان لملك فهو عابد له.
وفي «المحكَم»: عبد الله تعالى يعبده، ويعبُدُه عِبَادةً (ومعبَدة ومعبُدة) (٣): تألَّه له (٤).
وفي «الصحاح»: التَّعَبُّد: التنسك (٥).
فيحتمل أن يكون المراد هنا معرفة الله تعالى والإقرار بوحدانيته،

---------------------
(١) في (ف): برازة.
(٢) مسلم (٩/ ٥) كتاب: الإيمان، باب: الإيمان ما هو؟ وبيان خصاله.
(٣) في (ف): مَعْبُدة، وفي «المحكم»: ومَعْبَدًا ومَعْبَدَة.
(٤) «المحكم» ٢/ ٢٠.
(٥) «الصحاح» ٢/ ٥٠٣ مادة: (عبد).



ويكون عطف الصلاة والزكاة والصوم عليها؛ لإدخالها في الإسلام؛ لأنها لم تكن دخلت في لفظ العبادة، واقتصر على هذِه الثلاث؛ لكونها من أظهر شعائر الإسلام وأركانه، والباقي مُلحق بها، وترك الحج إما لأنه لم يفرض إذن، أو أن بعض الرواة لم يجوده وأسقطه.
ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة: الطاعة مطلقًا كما هو حَدُّها ومقتضى إطلاقها، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها. وعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيهًا على شرفه ومزيته كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] ونظائره.
الخامسة: الإيمان (بالله) (١): هو التصديق بوجوده تعالى وأنه لا يجوز عليه العدم، (وأنه) (٢) تعالى موصوف بصفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والحياة (٣)، وأنه تعالى مُنزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك

-----------------
(١) من (ج).
(٢) في (ف): والله.
(٣) ما ذكره المصنف من أن الله تعالى متصف بصفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والحياة هو مذهب الأشاعرة، فهم يثبتون لله تعالى سبع صفات فقط والباقي ينكرونه تحريفًا لا تكذيبًا وهذِه الصفات السبع مجموعة في قول السفاريني:
له الحياة والكلام والبصر … سمع إرادة وعلم واقتدار
فآمنوا ببعض الصفات وأنكروا الباقي، وهذا مذهب باطل مردود، وأما مذهب أهل السنة -كما سوف يمر معك مرارًا- الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله - ﷺ - فيما صح عنه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف وتمثيل، على ما يليق به -سبحانه وتعالى-، مصداقًا لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].



الصفات، وعن صفات الأجسام والمتحيزات، وأنه واحد حق صمد فرد خالق جميع المخلوقات متصرف فيها بما شاء من التصرفات، يفعل في ملكه ما يريد ويحكم في خلقه ما يشاء.
السادسة: في «صحيح البخاري» في كتاب: التفسير (١)، ومسلم هنا زيا دة: «وكتبه». بعد: «وملائكته» وفي بعضها: «وكتابه» (٢). والإيمان بكتب الله هو التصديق بأنها كلام الله ومن عنده، وأن ما تضمنته حق وأن الله تَعَبَّدَ خَلْقَهُ بأحكامها وفهم معانيها.
السابعة: (الملائكة) جمع: مَلَك. فقيل: لا اشتقاق له. وقيل: وزنه فعل.
وقيل: مفعل من لاك أي: أرسل. وقيل: مأخوذة من الألوكة التي هي الرسالة، فأصله على هذا: مالك؛ فالهمزة فاء الفعل، لكنهم قلبوها إلى عينه فقالوا: (ملأك) (٣). وقيل: هو مثل سمأل.
الثامنة: يجب الإيمان بجميع ملائكة الله تعالى، فمن ثبت تعيينه كجبريل وميكائيل وإسرافيل وجب الإيمان به، ومن لم يثبت آمنَّا به إجمالًا، وكذلك الأنبياء والرسل، وما ثبت من ذَلِكَ بالنص والتواتر كَفَرَ مَنْ يَكْفُر به.
التاسعة: الإيمان برسل الله هو بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وأن الله تعالى أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأنهم بَلّغوا عن الله رسالته وبينوا للمكلفين ما أمرهم ببيانه، وأنه يجب احترامهم، وأن لا نفرق بين أحد منهم.

------------------
(١) سيأتي برقم (٤٧٧٧) باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
(٢) مسلم (٩/ ٥) كتاب: الإيمان، باب: الإيمان ما هو؟ وبيان خصاله.
(٣) في (ف): أملاك، وهو خطأ.



العاشرة: قوله: («وَلَا تُشْرِكَ بِهِ»). وفي مسلم: «لا تشرك به شيئًا» (١). إنما ذكر بعد العبادة؛ لأن الكفار كانوا يأتون بصورة عبادة الله تعالى في بعض الأشياء، ويعبدون الأوثان وغيرها يزعمون أنها شركاء فنفي هذا.
الحادية عشرة: جاء هنا وفي كتاب التفسير (٢): «تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ»، وجاء في حديث ابن عمر في مسلم فيه: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» (٣) فكان أبا هريرة نقل الحديث بالمعنى، وابن عمر نقله باللفظ.
الثانية عشرة: جاء في حديث ابن عمر: «ويحج البيت» ولم يأت في رواية أبي هريرة ولا في حديث طلحة بن عبيد الله، وقد سلف الجواب عنه قريبًا (٤).
الثالثة عشرة: المراد بإقامة الصلاة فعلها بحدودها، وقَيَّدَها في رواية مسلم بالمكتوبة تبركًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
وقد اشتهر في غير ما حديث صحيح تسميتها مكتوبة كقوله - ﷺ -: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٥) و"خمس صلوات كتبهن الله

----------------
(١) مسلم (٩/ ٥) كتاب: الإيمان، باب: الإيمان ما هو؟ وبيان خصاله.
(٢) سيأتي برقم (٤٧٧٧) باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
(٣) مسلم (٨/ ١) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان …
(٤) انظر ٣/ ١٤٠.
(٥) مسلم (٧١٠/ ٦٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن، وأبو داود (١٢٦٦)، والترمذي (٤٢١)، والنسائي ٢/ ١١٦ - ١١٧، وابن ماجه (١١٥١)، وأحمد ٢/ ٥١٧.



(على العبد) (١)» (٢) و«أفضل الصلاة بعد المكتوبة» (٣).
فيحتمل تقييدها بالمكتوبة؛ للاحتراز من النافلة، فإنها وإن كانت من وظائف الإسلام فليست من أركانه، ويحتمل أن تكون لمراعاة الأدب مع لفظ القرآن، وكان - ﷺ - يُلازم هذا الأدب كما هو مشهور في الأحاديث، ومنها تنكيره المقام في قوله: «وابعثه مقامًا محمودًا» (٤) وهو معين؛ لتوافق الآية وهي مقامًا محمودًا.
الرابعة عشرة: تقييد الزكاة بالمفروضة لتخرج صدقة التطوع؛ فإنها زكاة لغوية. وقيل: للاحتراز من الزكاة المعجلة قبل الحول، فإنها زكاة وليست مفروضة الآن.
الخامسة عشرة: إنما فرق بين الصلاة والزكاة في التقييد. فقال في الأولى: المكتوبة، وفي الثانية: المفروضة للبلاغة.
السادسة عشرة: جواز قول القائل رمضان من غير إضافة لفظِ الشهرِ إليه، وهو الصواب.
السابعة عشرة: الإحسان مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، وهو بمعنيين:

---------------
(١) من (ج).
(٢) رواه أبو داود (١٤٢٠) وابن ماجه (١٤٠١)، وعبد الرزاق ٣/ ٥ - ٦ (٤٥٧٥)، وابن حبان ٥/ ٢٣ (١٧٣٢)، والبيهقي ١/ ٣٦١، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (١١٥٠).
(٣) رواه مسلم (١١٦٣، ٢٠٣) كتاب: الصيام، باب: فضل صيام المحرم، وأبو داود (٢٤٢٩)، والترمذي (٤٣٨)، والنسائي ٣/ ٢٠٧، وأحمد ٢/ ٣٤٢، وأبو يعلى ١١/ ٢٨٢ - ٢٨٣ (٦٣٩٥)، والبيهقي ٤/ ٢٩١.
(٤) سيأتي برقم (٦١٤) كتاب: الأذان، باب: الدعاء عند النداء.



أحدهما: متعد بنفسه، كأحسنت كذا وحسنته: إذا أكملته، منقول بالهمزة من حسن الشيء.
والثاني: متعد بحرف الجر، كأحسنت إليه: إذا أوصلت إليه النفع، والإحسان في هذا الحديث بالمعنى الأول؛ فإنه يرجع إلى إتقان العبادات ومراعاة حق الله ومراقبته.
فمعنى: «تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» أن تعبد عبادة من يرى الله تعالى ويراه الله تعالى، فإنك لا تستبقي شيئًا من الخضوع والخشوع والإخلاص وحِفْظِ القلب والجوارح، ومراعاةِ الآداب الظاهرة والباطنة مادمت في عبادته، وإن عرض عارض فنادر وإنما تراعي الآداب المذكورة إذا رأيته ورآك؛ لكونه يراك لا لكونك تراه، وهذا المعنى موجود وإن لم تره لأنه يراك.
وحاصله الحث على كمال الإخلاص في العبادة ومراقبة الله تعالى في جميع أنواعها مع قيام الخشوع والخضوع والحضور.
فحال من غلب عليه مشاهدة الحق كأنه يراه. ولعل هذِه الحالة هي المشار إليها بقوله - ﷺ -: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» (١).
والثاني: حال من يغلب عليه اطلاع الحق عليه، وإليه الإشارة بقوله
تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾ [الشعراء: ٢١٨].

-------------------
0(١) رواه النسائي ٧/ ٦٢، وأحمد ٣/ ١٢٨، وابن أبي عاصم في «الزهد» (٢٣٤)، وأبو يعلى ٦/ ١٩٩ - ٢٠٠ (٣٤٨٢)، والطبراني في «الأوسط» ٥/ ٢٤١ (٥٢٠٣)، والحاكم ٢/ ١٦٠، والبيهقي ٧/ ٧٨، وقال ابن حجر في «التلخيص» ٣/ ١١٦: إسناده حسن، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٠٩٨).


فائدة: الألف واللام في: (مَا الإِحْسَانُ؟) إلى المعهود في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] و﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] ولتكراره في القرآن ولترتب الثواب عليه سأل عنه جبريل -عليه السلام-.
الثامنة عشرة: أصل الساعة مقدار من الزمان غير معين لقوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] والمراد بها هنا يوم القيامة، وقد يطلق في عرف الميقاتيين على جزء من أربعة وعشرين جزءًا.
التاسعة عشرة: قوله: («مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ») فيه أن الأدب للمفتي والعالم إذا سئل عن ما لا يعلم أن يقول: لا أعلم.
العشرون: (أشراطها) بفتح الهمزة وسكون الشين واحدها: شَرَط بفتحهما: علاماتها، ومنه سمي الشرط؛ لأنهم يعلمون لأنفسهم علامات وقيل: أوائلها ومقدماتها. وقيل: صغار أمورها، واحدها: شرط كما سلف.
وجزم صا حب «المحكم» و«الجامع» بأنه أوائلها، وفي «الغريبين» عن الأصمعي: ومنه الاشتراط الذي يشترط بعض الناس على بعض إنما هي علامة يجعلونها بينهم (١).
قَالَ النووي في («شرحه») (٢): والمراد -والله أعلم- بأشراطها السابقة لا أشراطها المضايقة لها كطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ونحوهما.
الحادية بعد العشرين: قوله - ﷺ -: («أن تلد الأَمَةُ رَبَّهَا»)، وفي رواية

--------------------
(١) انظر: «غريب الحديث» ١/ ٣٤.
(٢) من (ف).



لمسلم: «ربتها» (١)، وفي رواية: «بعلها» (٢).
ومعنى الأولتين: السيد. كما يُقال: رب الدار، وهو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأن مال الإنسان صائر إلى ولده غالبًا، وقد يتصرف فيه في حياته تصرف المالكين إما بإذن أبيه له فيه أو بقرينة الحال أو عرف الاستعمال، وهذا ما عليه الأكثرون.
وعبر بعضهم عنه بأن المراد استيلاء المسلمين على الكفرة فتكون الأَمَة من سيدها بمنزلة سيدها، والعلامة على هذا كثرة الفتوح والتسري، وقيل: معناه: أن الإماء تلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته وولي أمورهم، وهذا قول إبراهيم الحربي.
وقيل: معناه: أنه تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان، فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها وهو لا يدري.
وعلى هذا القول لا تختص بأمهات الأولاد بل يتصور في غيرهن، فإن الأمة قد تلد حرًّا بوطءِ غير سيدها بشبهة، أو ولدًا رقيقًا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها وبنتها؛ وعلى هذا يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد، وقيل: إن أم الولد لما عتقت بولدها فكأنه سيدها.

---------------------
(١) مسلم برقم (٨/ ١) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان ..
(٢) مسلم برقم (٩/ ٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان ..



وقيل: معناه: أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة. وقيل: غير ذَلِكَ مما فيه ضعف (١).
وأما رواية: «بعلها» فالصحيح في معناها: أن البعل هو السيد أو المالك، فيكون بمعنى ربها على ما سلف.
قَالَ أهل اللغة: بَعْلُ الشيء: ربُّه ومالكه (٢). قَالَ تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ [الصافات: ١٢٥] أي: ربَّا؛ قاله ابن عباس والمفسرون (٣)، وقيل: المراد هنا: الزوج.
وعلى هذا معناه نحو ما سبق: أنه يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري، وهذا أيضًا معنى صحيح إلا أن الأول أظهر؛ لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى.
ومع هذا فللقائل بأن المراد الزوج أن يقول: ليس في هذا ترجيح هنا؛ لأن المراد هنا بيان علامات من علامات الساعة وهي غير منحصرة في هذا المذكور، فإن من جملتها: رفع العلم، وظهور الجهل، وظهور الزنا، وقلة الرجال، وكثرة النساء، وكثرة الهرج، وتوسيد الأمر إلى غير أهله، وغير ذَلِكَ مما تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، وهذِه العلامات قد وقع أكثرها وتزايدت. ونسأل الله حسن الخاتمة.
الثانية بعد العشرين: ليس في الحديث دلالة على إباحة بيع أمهات الأولاد، ولا منع بيعهن، وقد استدل به إمامان جليلان أحدهما: على

-------------------
(١) انظر هذِه الأقوال في «المفهم» ١/ ١٤٨.
(٢) انظر: «تهذيب اللغة» ١/ ٣٦٢.
(٣) انظر: «تفسير الطبري» ١/ ٥٢٠ - ٥٢١ (٢٩٥٧٠ - ٢٩٥٧١ - ٢٩٥٧٢ - ٢٩٥٧٣).



الإباحة، والآخر: على المنع (١).
وهو عجيب منهما، وليس كل ما أخبر الشارع بكونه من العلامات يكون محرمًا أو مذمومًا، فإن تطاول الرعاء في البنيان وفشو المال وكون خمسين امرأة لهن قيم واحد ليس بحرام بلا شك وإنما هذِه علامة، والعلامة قد تكون بالخير والشر والحرام والواجب والمباح وغير ذَلِكَ (٢).
الثالثة بعد العشرين: «الرعاة» -بضم الراء وبالهاء في آخره- جمع: راع، كقاض وقضاة، وداع ودعاة ونحوه، ويُقال أيضًا: رعاء -بكسر الراء وبالمد من غير هاء- كصاحب وصحاب، وتاجر وتجار. يقال: راع ورعيان ورعاة ورعاء؛ لأن فاعلًا إذا كان اسمًا فجمعه على فواعل قياسًا كحائط وخاتم وكاهن وشبهها. وإن كان صفة استعمل استعمال الأسماء كراع ويجمع على فعلان بضم الفاء -كرعيان، وعلى فعال- بكسر الفاء، وعلى فُعَلَة كرُعَاة وقُضَاة وغُزَاة؛ فإن أصلها رُعيَة وقُضوَة وغُزَوَة قلبت لام الكلمة ألفًا، لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت رُعاة وقُضاة وغزاة، وأصل الرعي: الحفظ.
الرابعة بعد العشرين: قوله: («وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ») كذا في رواية البخاري وفي مسلم حذف الإبل؛ لأنهم أضعف أهل البادية؛ لأن أهل الإبل أصحاب الفخر والخيلاء، وفي رواية: «وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان» (٣).
والبهم -بضم الباء بلا خلاف، وروي بجر الميم ورفعها، فمن جر

-------------------
(١) هو الإمام أحمد كما ذكره الحافظ ابن رجب في «فتح الباري» ١/ ٢٨.
(٢) انظر: «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٥٩.
(٣) مسلم (٨/ ١) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام ..



جعله وصفًا للإبل -أي: رعاة الإبل السود- قالوا: وهي شرها، ومن ضم جعله صفة للرعاة، ومعناه: الرعاة السود.
وقَالَ الخطابي: معناه: الرعاة المجهولون الذين لا يُعرفون. جمع: بهيم، ومنه أبُهم الأمر، وقيل: الذين لا شيء لهم، ومنه: «يحشر الناس حفاة عراة بُهمًا» (١) أي: لا شيء معهم، ومعناه: أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة يبسط لهم في الدنيا حتى يتباهوا في البنيان وإطالته (٢).
وقولي: إن باء البُهم بالضم بلا خلاف هو كذلك، وصرح به النووي في «شرحه» (٣)، وقال القاضي عياض: إنه الصواب (٤). ورواه الأصيلي بالفتح أيضًا، ولا وجه له.
الخامسة بعد العشرين: «البُهم»: صغار الضأن والمعز، هذا قول الجمهور، وقال الزبيدي في «مختصر العين»: البُهمة اسم لولد الضأن والمعز والبقر، وجمعه: بهم وبهام، وأما البهيمة فهي ذوات الأربع من دواب البر والبحر (٥).

------------------
(١) رواه أحمد ٣/ ٤٩٥، والبخاري في «الأدب المفرد» (٩٧٠)، و«التاريخ الكبير» ٧/ ١٦٩ - ١٧٠ (٧٦١)، «زوائد»، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٤/ ٧٩ (٢٠٣٤)، والطبراني في «مسند الشاميين» ١/ ١٠٤ (١٥٦)، والحاكم في «مستدركه» ٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨، والخطيب في «الرحلة» (٣١)، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢/ ٢٢٥ (١٦٨٦). والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١٣١) (٦٠٠)، وحسن إسناده ابن حجر في «الفتح» ١/ ١٧٤، والألباني في تعليقه على «الأدب المفرد» (٩٧٠).
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ١٨٣ بمعناه.
(٣) انظر «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٦٤.
(٤) «الإكمال» ١/ ٢١١ بمعناه.
(٥) انظر هذا الكلام في: «العين» ٤/ ٦٢.



وذكر التيَّاني (١) في «الموعب»: أن البهم صغار الضأن، الواحدة بهمة للذكر والأنثى والجمع بهم، وجمع البهم: بهام وبهامات. وفي «المخصص»: تكون بعد العشرين يومًا بهمة من الضأن والمعز إلى أن تفطم (٢).
وفي «المحكم»: وقيل: هو بَهْمَة إذا شَبَّ، والجمع: بَهْم وبُهْم وبهام، وبهامات جمع الجمع، وقال ثعلب: البهم: صغار المعز (٣).
وفي «الجامع» للقزاز: بَهْمة مفتوحة الباء ساكنة الهاء، يقال لأولاد الوحش من الظباء، وما جانس الضأن والمعز: بهم.
وفي «الصحاح»: البِهَام جمع بَهْم. والبَهْم جمع بَهمْة. والبَهْمَة للمذكر والمؤنث للضأن خاصة، والسِّخَال أولاد المعز، وإذا اجتمعت البِهَام والسخال قُلْتَ لهما جميعًا: بِهَام وبَهْم أيضًا (٤). وفي «المغيث» لأبي موسى المديني: وقيل: البَهْمة: السَّخْلة.
وفي الحديث أنه - ﷺ - قَالَ للراعي: «ما ولدت» قَالَ: بَهْمة. قَالَ: «اذبح مكانها شاة» (٥) فلولا أن البهمة اسم لجنس خاص لما كان في سؤاله الراعي وإجابته عنه بِبَهْمة كثير فائدة، إذ يعرف [أن] (٦) ما تلد الشاة إنما يكون ذكرًا أو أنثى فلما أجاب عنه ببهمة وقال: «اذبح مكانها شاة» دل على أنه اسم للأنثى دون الذكر، أي: دَعْ هذِه الأنثى

-----------------
(١) سبقت ترجمته.
(٢) «المخصص» ٢/ ٢٣٢، مادة: (بهم).
(٣) «المحكم» ٤/ ٢٤٢.
(٤) «الصحاح» ٥/ ١٨٧٥، مادة: بهم.
(٥) أبو داود (١٤٢)، وأحمد ٤/ ٣٣، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» ١/ ٢٤١ (١٣٠).
(٦) ساقطة من (ف)، (ج) ومثبتة من «المجموع المغيث».



في الغنم للنسل واذبح مكانها ذكرًا (١).
السادسة بعد العشرين: قوله: («فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ»). أي: استأثر بعلمها، وفي الكلام حذف تقديره: في خمس، أي: هي في خمس انفرد الله تعالى بعلمها، أي: هي في عدد خمس ولا مطمع لأحد في علم شيء من هذِه الخمس إلا أن يعلمه الله تعالى به.
السابعة بعد العشرين: قوله: (ثم أدبر (الرجل) (٢) فقال: «ردوه»، فلم يروا شيئًا، فقال - ﷺ -: «هذا جبريل») الحديث. وفي «الصحيح» أيضًا: فلبثت مليًّا، ثم قَالَ لي: يا عمر، «أتدري من السائل؟». وفيه: فقال - ﷺ -: «إنه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم» (٣).
وفي أبي داود والترمذي قَالَ عمر: ثم انطلق فلبثت ثلاثًا ثم قال: «يا عمر أتدري من السائل؟» الحديث (٤)، وظاهر هذِه الرواية أنه قَاله: بعد ثلاث ليالٍ، وهو مغاير لما تقدم من قوله: فلبثت مليًّا.
فيحتمل أن عمر لم يحضر قوله - ﷺ - أولا «هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم» في الحال، بل (كان) (٥) قام من المجلس فأخبر - ﷺ - الحاضرين في الحال وأخبر عمر بعد ثلاث.
الثامنة بعد العشرين: قوله: («هذا جِبْرِيلُ»). فيه دلالة على تشكل الملائكة في صور بني آدم كقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وقد كان جبريل يتمثل بصورة دحية، ولم يره النبي - ﷺ - على خلقته

--------------------
(١) «المجموع المغيث» ١/ ٢٠٣ - ٢٠٤.
(٢) من (ج).
(٣) مسلم (٨/ ١) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام …
(٤) رواه أبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠).
(٥) من (ج).



التي خُلق عليها غير مرتين كما تقدم في بدء الوحي.
التاسعة بعد العشرين: قوله: («جَاءَ يُعَلَّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ») أي: قواعد دينهم وكلياتها، وهذا دال على أنه إنما عرفه - ﷺ - في آخر الأمر. وقد جاء مبينًا في الدارقطني في آخر هذا الحديث: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم فخذوا عنه، فوالذي نفسي بيده ما شبه عليَّ مذ أتاني قبل مرتي هذِه وما عرفته حتى ولَّى» (١).
الثلانون: زاد سليمان التيمي في الحديث من طريق ابن عمر: «وتغتسل وتتم الوضوء». قَالَ ابن حبان: تفرد بها (٢).
قُلْتُ: وهو ثقة بإجماع، وفيه بَعْدُ «وتحج البيت وتعتمر»، وصححها الحاكم (٣) وغيره.
الحادية بعد الثلاثين: أخرج هذا الحديث الثاني النسائي من طريق أبي ذر وأبي هريرة أيضًا بزيادة حسنة: كان - ﷺ - يجلس بين ظهراني أصحابه فيَجيء الغريب فلا يدري أهو هو حتى يَسأل، فطلبنا أن نجعل لرسول الله - ﷺ - مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فَبَنَيْنَا له دكانًا من طين يجلس عليه، [و] (٤) إنَّا لجُلُوسٌ عنده ورسول الله - ﷺ - بمجلسه إذ أقبل أحسن الناس وجهًا وأطيبهم رائحة كان ثيابه لم يمسها دنس

-------------------
(١) «سنن الدارقطن» ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣، وقال: إسناد ثابت صحيح، أخرجه مسلم بهذا الإسناد.
(٢) رواه ابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٣ (١)، ٤/ ٣٥٦ (٣٠٦٥)، وأبو نعيم في «مستخرجه» ١/ ١٠٢ (٨٢) وابن حبان في «صحيحه» ١/ ٣٩٧ (١٧٣)، وقال الهيثمي في «موارد الظمآن» (١٦): رواه مسلم باختصار، وقال الألباني في «صحيح موارد الظمآن» ١/ ١٠٤: صحيح.
(٣) «المستدرك» ١/ ٥١.
(٤) ساقطة من (ف)، (ج)، ومثبتة من «المجتبى».



حتى سلم من طرف البساط، قال: السلام عليك يا محمد. فردَّ -عليه السلام-، فقال: أَدْنُو يا محمد؟ فقال: «ادنُ» فما زال يقول: أَدْنُو؟ مرارًا، ويقول: «ادنُ» حتى وضع يديه على ركبتي رسول الله - ﷺ -، وذكر نحوه (١).
الثانية بعد الثلانين: في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة أيضًا أنه - ﷺ - قَالَ: «سلوني» فهابوا أن يسألوه، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ الحديث (٢).
كأنه لما كثر سؤالهم وخيف التعنت به غضب - ﷺ - وأنزل الله تعالى فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] فانكف الناس. فأرسل الله إليهم جبريل فسأل فقال: «هذا جبريل أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا» (٣).
الثالثة بعد الثلاثين: ظاهر الحديث تغاير (الإسلام والإيمان) (٤) وقد قدمت الكلام على ذَلِكَ في أوائل كتاب الإيمان، ومراد البخاري أنهما واحد، وَيَرُدُّ ما وقع من الفرق بينهما في حديث جبريل إلى ما جاء في حديث وفد عبد القيس من إطلاق لفظ الإيمان على الإسلام والأعمال (٥). وقد قَالَ بمثل قوله جماعة، منهم البغوي (٦).
الرابعة بعد الثلاثين: قد جمع هذا الحديث أنواعًا من القواعد ومهمات من الفوائد، وقد أشرنا إلى جمل منها:

-----------------
(١) «المجتبى» ٨/ ١٠١.
(٢) مسلم (١٠/ ٧) كتاب: الإيمان، باب: الإسلام ما هو؟ وبيان خصاله.
(٣) التخريج السابق.
(٤) في (ف): الإيمان للإسلام.
(٥) سيأتي برقم (٥٣).
(٦) «شرح السنة» ١/ ١٠.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #60  
قديم 19-01-2026, 05:53 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 186 الى صـــ 205
الحلقة (59)





ومنها: وجوب الإيمان بهذِه المذكورات، وعظم مرتبة هذِه الأركان التي فسر الإسلام بها، وجواز قول: رمضان بلا شهر كما سلف، وعظم محل الإخلاص والمراقبة.
ومنها: لا أدري من العلم، ولا يعبر بعبارات مترددة بين الجواب والاعتراف بعدم العلم، وأن ذَلِكَ لا ينقصه ولا يزيل ما عُرف من جلالته، بل ذَلِكَ دليل على ورعه وتقواه ووفور علمه وعدم تكثره وتبجحه بما ليس عنده.
وبيَّن البغوي ما أراده البخاري من التبويب، حيث قَالَ: جعل النبي - ﷺ - الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بَطن من الاعتقاد، وجماعها الدين (١). وقد قدمنا ذَلِكَ عنه في أوائل كتاب الإيمان.

------
(١) «شرح السنة» ١/ ١٠.


٣٨ - باب
٥١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ. [انظر:٧ - مسلم: ١٧٧٣ - فتح: ١/ ١٢٥]
ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَألْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ.
هذا الحديث سبق شرحه مبسوطًا أول الكتاب (١)، وبيان رجاله إلا إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن عبد الله ابن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني، روى عن جماعة من الكبار، وعنه البخاري وأبو داود وغيرهما، وروى النسائي عن رجل عنه. قَالَ ابن سعد: ثقة صدوق. مات سنة ثلاثين ومائتين بالمدينة (٢).

-----------------
(١) سبق برقم (٧) كتاب: بدء الوحي، باب: (٥).
(٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٢١، «التاريخ الكبير» ١/ ٢٨٣ (٩١٢)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٩٥، «سير أعلام النبلاء» ١١/ ٦٠ «شذرات الذهب» ٢/ ٦٨.



ثم اعلم أن هذا الحديث وقع هكذا مفردًا بباب، وهو ظاهر، فإن مقصود البخاري به أنه سماه دينًا وإيمانًا، ووقع في بعض النسخ مدرجًا مع الحديث الذي قبله من غير تخصيصه بباب، وليس بجيد؛ إذ ليس مطابقًا للترجمة.
قَالَ ابن بطال: سماه مَرَّةً بالدّين، ومَرةً بالإيمان، فهي أسماء متعاقبة لمعنى واحد بخلاف قول المرجئة (١) وإنما اعْتُبِرَ قول هرقل وإن كان كافرًا لا يوثق بقوله؛ لأنه (يأثر) (٢) هذِه الأشياء عن الكتب المتقدمة، وتداولت الصحابة وسائر العلماء قوله ولم ينكروه بل استحسنوه.

----------------
(١) «شرح ابن بطال» ١/ ١١٥.
(٢) في (ج): باشر.



٣٩ - باب فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ
٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعِ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ القَلْبُ». [٢٠٥١ - مسلم: ١٥٩٩ - فتح: ١/ ١٢٦]
ثنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقُولُ: «الْحَلَالُ بَيِّن وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاع يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في البيوع عن علي وعبد الله بن محمد، عن سفيان، عن أبي فروة، وعن محمد بن المثنى، عن ابن (أبي) (١) عدي [عن ابن عون] (٢)، كلهم عن الشعبي.

--------------
(١) من (ج).
(٢) ساقط من (ف)، (ج): ومثبتة من «صحيح البخاري».



وقال فيه في البيوع: «وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتتانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَتَانَ، وَالْمَعَاصِي حِمَى اللهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُوَاقِعَهُ» (١).
وأخرجه مسلم في البيوع، عن ابن نمير، عن أبيه، عن زكريا، وعن أبي بكر، عن وكيع، عن زكريا. وعن إسحاق [عن] (٢) عيسى، عن زكريا.
وعن إسحاق، عن جرير، عن مطرف وأبي فروة الهمداني. وعن عبد الملك بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وعن خالد بن زيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عون بن عبد الله.
وعن قتيبة، عن يعقوب، عن ابن عجلان، عن عبد الرحمن بن سعيد، كلهم عن الشعبي به (٣).
وفي الباب عن ابن عمر وواثلة.
أما حديث ابن عمر فأخرجه ابن حذلم (٤) في «جزئه» من جهة عبد الله بن رجاء، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: «الحلال بين والحرام بين، وبين ذَلِكَ مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٥).

-----------------
(١) سيأتي برقم (٢٠٥١) باب: الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات.
(٢) في (ف)، (ج): بن، وهو خطأ، والمثبت من (مسلم).
(٣) مسلم (١٥٩٩/ ١٠٧) كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات.
(٤) هو الإمام العلامة، مفتي دمشق، وبقية الفقهاء الأوزاعية، القاضي أبو الحسن أحمد بن سليمان بن أيوب بن داود بن عبد الله بن حذلم الأسدي الدمشقي الأوزاعي. توفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة.
انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٥١٤، «الوافي بالوفيات» ٦/ ٤٠٥.
(٥) رواه العقيلي في «الضعفاء» ٢/ ٢٥٣، وابن الأعرابي في «معجمه» ٢/ ٧٥٤ (١٥٢٨)، =



وأما حديث واثلة فأخرجه (الجوزي) (١) من حديث العلاء بن ثعلبة الأسدي، عن أبي المليح، عن واثلة مرفوعًا: «لتفتك نفسك» قُلْتُ: وكيف لي بذلك؟ قَالَ: «دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن أفتاك المفتون» قُلْتُ: وكيف لي بذلكِ؟ قَالَ: «تضع يدك على قلبك، فإن الفؤاد يسكن إلى الحلال ولا يسكن إلى الحرام، وإن الوَرعَ المسلم يدع الصغيرة مخافة أن يقع في الكبيرة» (٢).
----------------
= والطبراني في «الأوسط» (٢٨٦٨)، و«الصغير» (٣٢)، والرامهرمزي في «الأمثال» ص ١٣ من طريق إبراهيم بن محمد الشافعي عبد الله بن رجاء بالسند المذكور.
قال الإمام أحمد كما في «ضعفاء العقيلي» ٢/ ٢٥٢: هذا حديث منكر، ما أرى هذا بشيء. اهـ.
وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٧٤: في إسناد «الأوسط» سعد بن زنبود، قال أبو حاتم: مجهول، وإسناد «الصغير» حسن. اهـ.
ورواه البيهقي في «الزهد الكبير» (٨٧٥) من طريق أبي حاتم الرازي، عن إبراهيم ابن محمد وأحمد بن شبيب، ثنا عبد الله بن رجاء، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر.
قال البيهقي: يشبه أن تكون رواية أبي حاتم عنهما عن ابن رجاء، عن عبد الله بن عمر أصح من رواية من قال: عبيد الله. اهـ.
(١) كذا في (ج)، وغير واضحة ب (ف).
(٢) رواه أبو يعلى في «مسنده» ١٣/ ٤٧٦ (٧٤٩٢)، والطبراني ٢٢/ ٧٨ (١٩٣)، وأبو نعيم في «الحلية» ٩/ ٤٤ بمعناه وضعفه الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٩٤، وقال: رواه الطبراني وفيه عبيد بن القاسم وهو متروك، وقال ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (١٩٨): هذا حديث حسن غريب أخرجه أبو يعلى في «مسنده» كذا ورجاله رجال الصحيح إلا العلاء بن ثعلبة. فقال أبو حاتم الرازي: إنه مجهول، وإنما حسنته؛ لأن لجميع ما تضمنه المتن شواهد مفرقة. والله أعلم. اهـ.
قلت: والعلاء بن ثعلبة، قال ابن حبان في «المجروحين» ٢/ ١٧٥: كان ممن يروي المعضلات عن الثقات، روى عن هشام بن عروة بنسخة موضوعة، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب.



الوجه الثاني: في التعريف برواته:
أما النعمان فهو أبو عبد الله النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن خَلّاس -بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام- الأنصاري الخزرجي، وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - وعنها.
وُلد بعد أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وهو أول مولود وُلد للأنصار بعد الهجرة، والأكثرون يقولون: وُلد هو وعبد الله بن الزبير في العام الثاني من الهجرة.
وقال ابن الزبير: هو أكبر مني. روي له مائة حديث وأربعة عشر حديثًا. قُتِل بقرية عند حمص سنة أربعة وستين، وقيل: سنة ستين (١).
تنبيه: نقل عن يحيى بن معين وأهل المدينة أنه لا يصح للنعمان سماع من النبي - ﷺ -، وهو باطل يرده هذا الحديث، فإن فيه التصريح بسماعه، وكذا رواية مسلم: وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه (٢).
وهو ما صححه أهل العراق.
فائدة:
ليس في الصحابة من اسمه النعمان بن بشير غير هذا فهو من الأفراد، وفيهم النعمان جماعات فوق الثلاثين.
وأما عامر فهو الشعبي، وقد تقدمت ترجمته (٣)، وكررها شيخنا قطب الدين في «شرحه».

--------------
(١) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٦٥٨ (٢٨٥٨)، «الاستيعاب» ٤/ ٦٠ (٢٦٤٣)، «أسد الغابة» ٥/ ٣٢٦، (٥٢٣٠)، «الإصابة» ٣/ ٥٥٩ (٨٧٢٨).
(٢) مسلم (١٥٩٩/ ١٠٧).
(٣) سبق ترجمته في حديث (١٠).



وأما زكريا فهو أبو يحيى زكريا بن أبي زائدة خالد بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي الكوفي، سمع جمعًا من التابعين منهم الشعبي، والسبيعي، وعنه الثوري وشعبة وخلق. مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وأربعين ومائة (١).
وأما أبو نعيم فهو الفضل بن دكين -بضم الدال المهملة ثم كاف مفتوحة- وهو لقب، واسمه عمرو بن حماد بن زهير القرشي التيمي الطلحي المُلائي. مولى آل طلحة بن عبيد الله، وكان يبيع المُلاء فقيل له: المُلائي -بضم الميم والمد- سمع الأعمش وغيره من الكبار، وقل من يشاركه في كثرة الشيوخ، وعنه أحمد وغيره من الحفاظ الأعلام.
قال أبو نعيم: شاركت الثوري في أربعين شيخًا، أو خمسين شيخًا.
واتفقوا على الثناء عليه ووصفه بالحفظ والإتقان، ومناقبه جمة. وُلِد سنة ثلاثين ومائة، ومات سنة ثمان أو تسع عشرة ومائتين.
وكان أتقن أهل زمانه، قاله ابن منجويه. قَالَ أبو نعيم: أدركت ثمانمائة شيخ منهم الأعمش فمن دونه، فما رأيت أحدًا يقول بخلق القرآن، وما تكلم أحد بهذا إلا رُمي بالزندقة. روى عنه البخاري بغير واسطة، وهو ومسلم (والأربعة) (٢) (بواسطة) (٣).

-------------------
(١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٢١ (١٣٩٦)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٩٣ (٢٦٨٥)، «ثقات ابن حبان» ٦/ ٣٣٤، «تهذيب الكمال» ٩/ ٣٥٩ (١٩٩٢).
(٢) من (ف).
(٣) في (ف): بها، وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ١١٨ (٥٢٦)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٦١ (٣٥٣)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٣١٩، «تهذيب الكمال» ٢٣/ ١٩٧ (٤٧٣٢).



ووقع للبخاري هذا الحديث رباعيًّا من جهة شيخه هذا، ووقع له من طريق غيره خماسيًّا كما أسلفناه، وكذا وقع لمسلم في أعلى طرقه خماسيًّا كما سلف.
الوجه الثالث:
هذا الحديث حديث عظيم حفيل جليل، وهو أحد قواعد الإسلام بل هو مدارها وأُسّها، وإن جعله بعضهم ثلثها وبعضهم ربعها كما سلف في الكلام على حديث: «إنما الأعمال بالنيات» (١) فإنه متضمن لأحكام الشريعة لذكر الحلال والحرام والمتشابهات، وما يصلح القلوب وما يفسدها وتعلق أعمال الجوارح بها؛ فيستلزم معرفة تفاصيل الأحكام كلها أصلًا وفرعًا.
ولنذكر نبذة منه على وجه الاختصار، فإنا قد بسطنا شرحه في «شرح العمدة» (٢) و«شرح الأربعين».
الأولى: ذكر - ﷺ - أن الأشياء على أضرب: ضرب لا شك في حله، وضرب لا شك في تحريمه، وضرب ثالث مشكوك فيه مشتبه، فمن اجتنبه فقد برَّأ نفسه من المعصية، ومن خالطه وقع في الحرام، وفي هذا المشكوك فيه تفاصيل معروفة في كتب الفروع، فمنه ما يُرَدُّ إلى أصله من حِلٍّ وحرمة وغيرهما، ومنه ما يحكم فيه بالظاهر من ذَلِكَ، ومنه ما يغلب فيه الإباحة، ومنه ما يحكم فيه بالتحريم احتياطًا، فمعاملة من كان في ماله شبهة أو خالطه ربا مكروهة.
الثانية: قوله - ﷺ -: («وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ») كذا في البخاري هنا، وفيه

--------------------
(١) سبق برقم (١) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي …
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١٠/ ٥٩ - ٧٣.



في البيوع: «أمور مشتبهة» (١)، وجاء أيضًا «مشتبهات» (٢) و«متشبهات»، وذلك كله بمعنى: مشكلات؛ لما فيه من شبه طرفين (مخالفين) (٣)، وتشتبه: تفتعل، أي: تشكل. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] وأما قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] فمعناه: في الصدق والحكمة غير متناقض.
الثالثة: اختلف في المراد بالمتشابهات التى ينبغى اجتنابها على أقوال:
أحدها: أنه الذي تعارضت فيه الأدلة فاشتبه أمره، وبه جزم القرطبي ثم ذكر في حكمه أقوالًا:
أحدها: حرمته؛ لأنه يوقع في الحرام.
وثانيها: كراهته، والورع تركه.
ثالثها: يتوقف فيه. وصوب الثاني؛ لأن الشرع أخرجها من الحرام فهي مرتاب فيها (٤)، وصح أنه - ﷺ - قَالَ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٥). وهذا هو الورع.
وقول من قَالَ: إنها حلال يتورع عنها ليس بجيد؛ لأن أقل مراتب

---------------------
(١) سيأتي برقم (٢٠٥١) باب: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن».
(٢) مسلم (١٥٩٩/ ١٠٧).
(٣) في (ف): متخالفين.
(٤) «المفهم» ٤/ ٤٨٨.
(٥) رواه الترمذي (٢٥١٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ٨/ ٣٢٧، ٣٢٨، أحمد ١/ ٢٠٠، والدارمي في «مسنده» ٣/ ١٦٤٨، ١٦٤٩ (٢٥٧٤)، والطبراني في «الكبير» ٣/ ٧٥ (٢٧٠٨)، ٧٦ (٢٧١١)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ١٣ وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٢).



الحلال استواء الفعل والترك؛ وهذِه الأقوال حكاها القاضي عياض (١) أيضًا عن أهل الأصول.
قَالَ النووي: والظاهر أنها مخرجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه مذاهب: أصحها: لا يحكم بشيء، والثاني: الإباحة، والثالث: المنع (٢).
القول الثاني: أن المراد بها المكروهات، قاله الخطابي والمازري وغيرهما (٣).
الثالث: أنها المباح وهو مردود كما سلف، وزُهْدُ الأولين فيه محمول على موجب شرعي اقتضى ذَلِكَ خوف الوقوع فيما يُكره إما من الميل إلى الدنيا، وإما من الحساب عليه وعدم القيام بالشكر؛ (لأن) (٤) حقيقة المباح التساوي.
الرابعة: قوله - ﷺ -: («لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ») أي: بسبب اشتباهها على بعضهم دون بعض لا أنها في أنفسها مشتبهة مستبهمة على كل الناس لا بيان لها، فإن العلماء يعرفونها؛ لأن الله تعالى جعل عليها دلائل يعرفها بها أهل العلم ولكن كل أحد لا يقدر على تحقيق ذَلِكَ؛ ولهذا نفي علمها عن كثير من الناس، ولم يقل: لا يعلمها كل الناس أو أحد من الناس.
الخامسة: لما ذكر البخاري في البيوع، باب تفسير (المشتبهات) (٥)

-------------------
(١) «الإكمال» ٥/ ٢٨٤ - ٢٩٠.
(٢) «مسلم بشرح النووي» ١١/ ٢٨.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٧٧ - ١٠٠٠، «المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ٣٣ بمعنى.
(٤) في (ج): لا.
(٥) في (ج): المتشبهات، والمثبت من «الصحيح»، ومن «الإعلام» ١٠/ ٧٢.



ذكر هذا الحديث عقبه بقول حسان بن أبي سنان: ما رأيت شيئًا أهون من الورع، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
ذكر فيه حديث المرأة السوداء في الرضاع وقال: «كيف وقد قيل؟» (١)، وحديث: «احتجبي منه» (٢)، وحديث عدي بن حاتم في الصيد: «لا تأكل» (٣).
ثم ترجم باب: ما يتنزه من الشبهات، وذكر فيه حديث التمرة الساقطة وتَرْكُهَا خشية الصدقة (٤)، عَقَّبَه بباب آخر فيما لا يُجتنب فقال: باب: من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات. ثم ذكر فيه حديث الرجل (الذي) (٥) يجد الشيء في الصلاة، وقوله: «لا ينصرف حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٦) وحديث عائشة: إن قومًا يأتونا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سموا عليه (وَكلُوه) (٧)» (٨) وسيأتي الكلام على ذَلِكَ في موضعه إن شاء الله تعالى.
السادسة: اختلف أصحابنا في ترك الطيب وترك لبس الناعم. هل هو طاعة أم لا؟
فقال القاضي أبو الطيب: إنه طاعة لما علم من أمور السلف من
خشونة العيش، وخالف الشيخ أبو حامد واستدل بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ

------------------
(١) سيأتي برقم (٢٠٥٢).
(٢) سيأتي برقم (٢٠٥٣).
(٣) سيأتي برقم (٢٠٥٤).
(٤) سيأتي برقم (٢٠٥٥) باب: ما يتنزه من الشبهات.
(٥) من (ج).
(٦) سيأتي برقم (٢٠٥٦) باب: من لم ير الوساوس ونحوها من المشبهات.
(٧) في (ف): وكلوا.
(٨) سيأتي برقم (٢٠٥٧).



حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية. وقال ابن الصباغ: يختلف ذَلِكَ باختلاف الناس وتفرغهم للعبادة، وقصحورهم، واشتغالهم بالضيق والسعة، وصوبه الرافعي.
السابعة: ما يخرج إلى الوسوسة من تجويز الأمر البعيد ليس من الشبهات المطلوب اجتنابها بل وسواس شيطاني، وسبب الوقوع في ذَلِكَ عدم العلم بالمقاصد الشرعية، وقد نبه الشيخ أبو محمد الجويني على جملة من ذَلِكَ منها غسل الثياب الجدد، وغسل القمح، وغير ذَلِكَ من التنطع البارد.
الثامنة: معنى («اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ») سلم دينه مما يفسده أو ينقصه، وعرضه مما يشينه، واستبرأ لنفسه طلب البراءة من الإثم فبرأها. فمن لم يتق الشبهات المختلف فيها وانتهك حرمتها فقد أوجد السبيل على عرضه فيما رواه أو شهد به، كما نبه عليه ابن بطال (١).
التاسعة: معنى: «يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ» وفي رواية أخرى: «وقع في الحرام» أي: يقع فيه ولا يدري، أو إذا اعتادها فأدته إلى الوقوع فيه متعمدًا فيتجاسر عليه ويواقعه غالبًا ومتعمدًا؛ لخفة الزاجر به عنده، ولما قد ألفه من المساهلة.
العاشرة: («يُوشِكُ») -بكسر الشين- أي: يسرع ويقرب، وماضيه: أوشك، ولا عبرة بمن أنكره. وفي «الصحاح»: الكلمة بفتح الشين، وهي لغة رديئة (٢).

-----------------
(١) «شرح ابن بطال» ١/ ١١٧.
(٢) «الصحاح» ٤/ ١٦١٥ (مادة: وشك).



الحادية عشرة: قوله فيما مضى: («فَمَنِ اتَقَى المُشَبَّهَاتِ»). قَالَ النووي في «شرحه»: ضُبط على وجهين: بفتح الباء المشددة، وبكسرها مع التخفيف والتشديد، وكله صحيح، فمعناه: مُشْبِهات أنفسها بالحلال أو مُشْبِهات الحلال، وعلى رواية الفتح فمعناه: (مُشَبهات) (١) بالحلال.
الثانية عشرة: قوله - ﷺ -: «أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى». هذا مثل ضربه - ﷺ - وذلك أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها، وتتوعد من يقربها؛ (فيبعد) (٢) عنها خوف ذَلِكَ، (ويحمي) (٣) أيضًا ما يحيط بها ويقاربها، والله تعالى ملك الملوك وله حمى، وهي المحرمات التي ورد الشرع بها كالزنا وغيره فهي حمى الله تعالى التي منع من في خوله والتعرض له ولمقدماته وأسبابه، فمن خالف شيئًا من ذَلِكَ استحق العقوبة. نسأل الله تعالى العفو والحماية عما يكره.
الثالثة عشرة: المضغة: القطعة من اللحم، سُميت به؛ لأنها تمضغ في الفم لصغرها. وجمعها: مُضَغ (٤).
الرابعة عشرة: قوله: («إِذَا صَلَحَتْ»، «وَإِذَا فَسَدَتْ») هو بفتح اللام والسين، ويضمان في المضارع، ويُقال صَلُح وفسُد -بالضم- إذا صار الصلاح والفساد هيئة لازمة كظرف وشَرُف والمعنى: صارت تلك المضغة ذات صلاح وفساد.
الخامسة عشرة: القلب سُميَّ بذلك؛ لتقلبه وسرعة الخواطر فيه

-------------
(١) في (ف): مشتبهات.
(٢) في (ج): وبعد.
(٣) في (ج): ويحتمي.
(٤) انظر: «لسان العرب» ٨/ ٤٥١ مادة: (مضغ).



وترددها عليه، وأصله المصدر ثم نقل إلى هذا العضو، والتزمت العرب
التفخيم في قافه للفرق بينه وبين أصله، وقد قَالَ بعضهم: ليحذر اللبيب
سرعة انقلاب قلبه؛ إذ ليس بين القلب والقلب إلا التفخيم ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
السادسة عشرة: قوله - ﷺ -: («إِذَا صَلَحَتْ») إلى قوله: («أَلَا وَهِيَ القَلْبُ») هذا أصل عظيم. فحق على كل مكلف السعي التام في إصلاح قلبه ورياضة نفسه وحملها على الأخلاق الجميلة المحصلة لطهارة قلبه وصلاحه. أعاننا الله تعالى على ذَلِكَ.
السابعة عشرة: استدل بهذا ابن بطال على أن العقل في القلب، وأن ما في الرأس فهو من سبب العقل (١)، وهو مذهب أصحابنا، وذهب آخرون إلى أنه في الرأس (٢)، ولا دلالة في الحديث لواحد من المذهبين كما نبَّه عليه النووي في «شرحه».
الثامنة عشرة: استدل به بعض أصحابنا على أحد الوجهين فيما إذا حلف لا يأكل لحمًا، فأكل قلبًا أنه يحنث به. وإليه مال أبو بكر الصيدلاني المروزي، والأصح أنه لا يحنث به؛ لأنه لا يُسمَّى لحمًا عرفًا.

---------------
(١) «شرح ابن بطال» ١/ ١١٧.
(٢) «شرح النووي على صحيح مسلم» ١١/ ٢٩.



٤٠ - باب أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ
٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْث أَقْعُدُ مَعَ ابن عَبَّاسِ، يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي. فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ القَوْمُ» أَوْ «مَنِ الوَفْدُ؟». قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ بالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى». فَقَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إَلَّا فِي شَهْرِ الَحرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هذا الَحيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُل بِهِ الجَنَّةَ. وَسَأَلُوهُ عَنِ الأشرِبَةِ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ باللهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «أتدْرُونَ مَا الإِيمَانُ باللهِ وَحْدَهُ؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ». وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الَحنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالنَّقِيرِ، وَالُمْزَفَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ: الُمقَيَّرِ. وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ». [٨٧، ٥٢٣، ١٣٩٨، ٣٠٩٥، ٣٥١٠، ٤٣٦٨، ٤٣٦٩، ٦١٧٦، ٧٥٥٦ - مسلم:١٨ - فتح: ١/ ١٢٩]
ثنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ نَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابن عَبَّاسٍ، فيُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَمهْمًا مِنْ مَالِي. فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ القَوْمُ أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟». قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ بِالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي الشَهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هذا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ.
وَسَأَلهُ عَنِ الأَشرِبَةِ فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ باللهِ وَحْدَهُ قَالَ: «أتدْرُونَ مَا الإِيمَانُ باللهِ وَحْدَهُ؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ


أَعْلَمُ. قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إلة إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ».
وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَع: عَنِ الحَنْتَمِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالمقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَيَّرِ. وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه، لبخاري في عشرة مواضع من «صحيحه» هنا كما ترى، وفي خبر الواحد: عن علي بن الجعد، عن شعبة، وعن إسحاق، عن النضر، عن شعبة (١).
وفي كتاب: العلم عن بندار، عن غندر، عن شعبة (٢)، وفي: الصلاة عن قُتيبة، عن عبَّاد بن عبَّاد (٣)، وفي: الزكاة عن حجَّاج بن المنهال، عن حمَّاد (٤)، وفي الخمس عن أبي النعمان، عن حمَّاد (٥)، وفي مناقب قريش عن مسدد، عن حمَّاد (٦)، وفي المغازي عن سُليمان بن حَرْب، عن حماد، و(٧) عن إسحاق، عن أبي عامر العقدي، عن قرة (٨)، وفي الأدب: عن عمران بن ميسرة، عن

----------------
(١) سيأتي برقم (٧٢٦٦) باب: وصاة النبي - ﷺ -، وفود العرب أن يبلغوا من وراءهم.
(٢) سيأتي برقم (٨٧) باب: تحريض النبي - ﷺ - وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم.
(٣) سيأتي برقم (٥٢٣) باب: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾.
(٤) سيأتي برقم (١٣٩٨) باب: وجوب الزكاة.
(٥) سيأتي برقم (٣٠٩٥) باب: أداء الخمس من الدين.
(٦) سيأتي برقم (٣٥١٠).
(٧) الواو: من (ف).
(٨) سيأتي برقمي (٤٣٦٨، ٤٣٦٩) باب: وفد عبد القيس.



عبد الوارِث، عن أبي التياح (١)، وفي التوحيد: عن عَمْرو بن علي، عن أبي عاصم، عن قُرَّة (٢).
وأخرجه مسلم في: الإيمان والأشربة: عن خَلَف بن هشام، عن حمَّاد، وعن يحيى بن يحيى، عن عباد (٣)، وفي: الإيمان وحده، عن أبي موسى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وبندار، عن غندر، عن شعبة (٤)، وعن ابن معاذ، عن أبيه، عن قرة، وعن نصر بن علي، عن أبيه، عن قرة، كلهم عن أبي جمرة به (٥)، ولم يذكر البخاري في شيء من طرقه قصة الأشج وذكرها مسلم في الحديث فقال - ﷺ - للأشج -أشج عبد القيس-: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة» (٦).
الوجه الثاني: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بابن عباس وشعبة، وأما أبو جمرة فهو -بالجيم والراء- وليس في «الصحيحين» من (يكنى) (٧) بهذِه الكنية غيره ولا من اسمه جمرَة بل ولا في باقي الكتب الستة أيضًا، ولا في «الموطأ»، وفي كتاب الجياني أنه وقع في نسخة أبي ذر عن أبي الهيثم -بالحاء والزاي- وذلك وهم (٨)، واسمه نصر بن عمران بن عصام، وقيل: ابن عاصم بن واسع الضبعي البصري.

----------------
(١) سيأتي برقم (٦١٧٦) باب: قول الرجل مرحبًا.
(٢) سيأتي برقم (٧٥٥٦)، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.
(٣) مسلم (١٧/ ٢٣) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله …، (١٧/ ٣٩) بعد حديث (١٩٩٥) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن الانتباذ في المزفت .. مختصرًا.
(٤) مسلم (١٧/ ٢٤).
(٥) مسلم (١٧/ ٢٥).
(٦) مسلم (١٧/ ٢٥) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله.
(٧) من (ف).
(٨) «تقييد المهمل» ١/ ١٥٧.



سمع: ابن عباس وابن عمر وغيرهما من الصحابة وخلقًا من التابعين، وعنه: أيوب وغيره من التابعين وغيرهم. كان مقيمً بنيسابور ثم خرج إلى مرو، ثم انصرف إلى سرخس وبها تُوفيَّ سنة ثمان وعشرين ومائة، وثَقِتُهُ مُتفقٌ عليها. والضبعي -بضم الضاد المعجمة ثم باء موحدة ثم عين مهملة- نسبة إلى ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. قال أبو أحمد الحاكم: ليس في المحدثين أبو جمرة غيره وما عداه أبو حمزة بالحاء المهملة (١).
وقد روى مسلم عن أبي حمزة -بالحاء المهملة- (عمران) (٢) بن أبي عطاء القصاب -بياع القصب- الواسطي حديثًا واحدًا عن ابن عباس فيه ذكر معاوية وإرسال النبي - ﷺ - ابن عباس خلفه (٣).
قَالَ بعض الحفاظ: يروي شعبة عن سبعة يروون عن ابن عباس كلهم أبو حمزة -بالحاء والزاي- إلا هذا ويعرف هذا من غيره منهم أنه إذا أطلق عن ابن عباس أبو حمزة فهو هذا، وإذا أرادوا غيره ممن هو بالحاء قيدوه بالاسم والنسب أو الوصف (٤) كأبي حمزة القصاب في

---------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٣٥، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٠٤ (٢٣٥٢)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٤٦٥ (٢١٣٠)، «الثقات» ٥/ ٤٧٦، «تهذيب الكمال» ٢٩/ ٣٦٢، ٣٦٥ (٦٤٠٨).
(٢) في (ف): عمر. والمثبت من (ج) وهو الصواب.
(٣) مسلم (٢٦٠٤) كتاب: البر والصلة، باب: من لعنه النبي - ﷺ - أو سبه.
(٤) انظر: «مقدمة ابن الصلاح» ص ٣٦٣، و«صيانة صحيح مسلم» ص ١٤٩.
قال العراقي في «التقييد والإيضاح» ص ٣٩٤:
وفيه نظر من حيث أن شعبة قد يروي عن غير نصر بن عمران ويطلقه فلا يذكر اسمه ولا نسبه مثاله ما رواه أحمد في «مسنده» ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي حمزة سمعت ابن عباس يقول: مر بي رسول الله - ﷺ - وأنا ألعب مع الغلمان =



آخر «صحيح مسلم» في قصة معاوية كما أسلفناه.
وأما علي بن الجعد (خ، د) فهو: الإمام أبو الحسن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري الهاشمي مولاهم البغدادي، سمع: الثوري ومالكًا وغيرهما من الأعلام، وعنه: أحمد والبخاري وأبو داود وغيرهم.
قَالَ موسى بن داود: ما رأيت أحفظ منه، وكان أحمد يحض على الكتابة عنه. وقال يحيى بن معين: هو رباني العلم ثقة (ثقة) (١) فقيل له: هذا الذي (قد) (٢) كان منه -يعني: أنه كان يتهم بالجهم- فقال: ثقة صدوق، وقيل: إن الذي كان يقول بالجهم ولده الحسن قاضي بغداد، وأقوالهم في الثناء عليه والحفظ والإتقان مشهورة. وبقي ستين سنة أو سبعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا، وُلِد سنة ست وثلاثين ومائة، ومات سنة ثلاثين ومائتين، ودفن بمقبرة باب حرب ببغداد (٣).
= فاختبأت من خلف باب .. الحديث فهذا شعبة قد أطلق الرواية عن أبي حمزة وليس هو نصر بن عمران وإنما هو أبو حمزة بالحاء المهملة والزاي القصاب واسمه عمران بن أبي عطاء.
ثم قال: وقد يروي شعبة أيضًا عن أبي جمرة، عن ابن عباس وهو نصر بن عمران وينسبه، مثاله ما رواه مسلم في الحج من رواية محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة قال: سمعت أبا جمرة الضبعي يقول: تمتعت فنهاني ناس عن ذلك فأتيت ابن عباس … الحديث فهذا شعبة لم يطلق الرواية عن أبي جمرة بل نسبه بأنه الضبعي، وهذا لا يرد على عبارة المصنف ولكن أردت بإيراده أنه ربما نسب أبا جمرة الذي بالجيم وربما لم ينسب أبا حمزة الذي بالحاء كما تقدم من «مسند أحمد» والله أعلم. أهـ.

-----------

_________
(١) من (ج).
(٢) من (ج).
(٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٦٦ (٢٣٦٢)، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٧٨ (٩٧٤)، «الثقات» ٨/ ٤٦٦، «تهذيب الكمال» ٢/ ٣٤١ - ٣٥٢ (٤٠٣٤).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 8 ( الأعضاء 0 والزوار 8)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 443.46 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 437.62 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.32%)]