|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#51
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 52 ) باب: ما يجب في إتيان المسجد على من سمع النداء الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 323.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ». الشرح: قال المنذري: باب: ما يجب في إتيان المسجد على من سمع النداء. والحديث رواه مسلم في المساجد (1/452) وبوب عليه النووي: باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء. قوله «أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ أَعْمَى» هذا الرجل الأعمى هو عبد الله ابن أم مكتوم، كما جاء مفسرا في سنن أبي داود وغيره. قوله «هل تسمع النداء»؟ سأله ليعلم حاله، وهل له استثناء أم لا؟ وفيه: أن السؤال من المفتي لمعرفة حال المستفتي وما يناسبه من أحكام الشرع، مطلوب ومهم. وفيه: أن ترك الاستفصال والاستفسار، ينزل منزلة العموم في المقال، وهي قاعدة فقهية مفيدة. قوله «فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ» وفي رواية «ليس لي قائد يلائمني» أي له قائد يقوده إلى المسجد، لكن لا يتلاءم معه، إما أنه لا يتيسر له دوما، أو لايتلاءم معه لخلقه، أو غير ذلك. قوله: «فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟». ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود عنه قال: قلت: يا رسول الله، أنا ضرير شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال «تسمع النداء»؟ قال: نعم. قال: «لا أجد لك رخصة». وهذا الحديث وغيره: دليل على أن صلاة الجماعة فرضٌ عين، كما هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول الإمام أحمد وغيره. فإن قوله عليه الصلاة والسلام :«فأجب» أمرٌ، والأمر المطلق للوجوب، فكيف إذا صرَّح صاحب الشرع، بأنه لا رخصة للعبد في التخلف عنها لضرير شاسع الدار، لا يلائمه قائده، فلو كان العبد مخيراً بين أن يصلي وحده أو جماعة، لكان أولى الناس بهذا التخيير والتخفيف مثل هذا الأعمى. وقد اختلف العلماء في توجيه حديث ابن أم مكتوم هذا؛ لأن ظاهره إلزام الأعمى بحضور الجماعة، وهو مما يخالف التيسير والتخفيف. فقال بعضهم إنه منسوخ، قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: ومن الناس من أشار إلى نسخ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان ؛ فإنّ الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم، يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد. (فتح الباري) لابن رجب (2 / 389، 390). وحديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ المقصود هو قَولَه: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي، فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَ: «أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟» فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. رواه البخاري (804) ومسلم (33). وقال آخرون: إن ابن أم مكتوم كان طلبه الحصول على أجر الجماعة في المسجد إذا صلَّى في بيته، لكونه معذوراً بتلك الأعذار، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا أجر له إلا بالحضور. قال الخَطَّابيُّ رحمه الله: وأكثر أصحاب الشَّافعيِّ على أنَّ الجماعة فرضٌ على الكِفاية، لا على الأعيان، وتأوّلوا حديث ابن أُمِّ مَكْتُوم على أنَّه لا رخصة لك إن طلبت فضيلة الجماعة، وأنك لا تحرز أجرها مع التخلف عنها بحال. معالم السنن (1 / 292). وقال فريق ثالث: إن الأمر بحضور الصلاة في المسجد بقوله: «أَجِبْ» لا يُحمل على الوجوب بل على الاستحباب؟! هذه مجمل الأقوال في حديث ابن أم مكتوم، والصحيح أن كل ما سبق لا ينهض لرد ظاهر الحديث، من إيجاب الجماعة على ابن أم مكتوم رضي الله عنه ، ومنْ كان في مثل حاله، وأنه ليس في ذلك إلقاء للنفس في التهلكة، وكل أوامر الشرع لا يُكلَّف بها إلا المستطيع على أدائها، والمشقة لا تُسقط الواجبات، بل الذي يسقطها وجود الضرر. وأما القول بالنسخ فبعيدٌ، لأسباب منها: أ- أنه لا يُعرف المتقدم من المتأخر من الحديثين، وهذا شرطٌ للقول بالنسخ. ب- وجود الفرق بين حال الصحابيين رضي الله عنهما، فإن ابن أم مكتوم قد وُلد أعمى، ومثل هذا يكيِّف نفسه على الحياة، ويستطيع ما لا يستطيعه من عمي في كبره، وقد لحظ هذا بعض العلماء؛ ولذا فرَّقوا بين ابن أم مكتوم وبين عتبان ] الذي قد عمي في كبره. ج- أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أراد الرخصة للصلاة في البيت، وعتبان رضي الله عنه أراد أن يتخذ مسجداً في داره ليصلي فيه هو وأهل بيته ومن قرب منهم، فهو قد انتقل من مسجد إلى مسجد، وابن أم مكتوم أراد الانتقال إلى بيته، فافترقا، وهذا أحسن ما جُمع به بين الحديثين. قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: ويحتمل أن يكون عتبان جعل موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من بيته مسجداً، يؤذن فيه ويقيم، ويصلِّي بجماعة أهل داره ومن قرُب منه، فتكون صلاته حينئذ في مسجد: إما مسجد جماعة، أو مسجد بيت يجمع فيه. وأما ابن أم مكتوم فإنه استأذن في صلاته في بيته منفرداً، فلم يأذن له، وهذا أقرب ما جُمع به بين الحديثين. فتح الباري لابن رجب (2 / 391، 392). د. ليس في حديث عتبان رضي الله عنه أنه كان يسمع النداء، بخلاف ابن أم مكتوم رضي الله عنه . هـ. كما أنّ حمل قوله صلى الله عليه وسلم : «فأَجِب» على الاستحباب، خلاف الأصل المشهور بين أهل العلم والفقه ؛ لأنّ الأصل في الأوامر الوجوب. فالقول بالوجوب لمثل حال ابن أم مكتوم هو القول الصواب، ما لم يكن الضرر متحققا بيقين أو غلبة ظن، وهو قول أكابر أئمة الحديث. وهذه بعض أقوال الأئمة في حديث ابن أم مكتوم: فقال الإمام ابن خزيمة رحمه الله في صحيحه (2 / 368) مبوِّباً على حديث ابن أم مكتوم: باب أمر العميان بشهود صلاة الجماعة، وإن كانت منازلهم نائية عن المسجد، لا يطاوعهم قائدوهم بإتيانهم إياهم المساجد، والدليل على أن شهود الجماعة فريضة لا فضيلة؛ إذْ غير جائز أن يقال لا رخصة للمرء في ترك الفضيلة. انتهى. وكذا قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: ذكر إيجاب حضور الجماعة على العميان وإن بعُدت منازلهم عن المسجد، ويدل ذلك على أن شهود الجماعة فرض لا ندب. «الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف» (4 / 132). وقال رحمه الله أيضاً: فدلَّت الأخبار التي ذكرناها على وجوب فرض الجماعة على مَن لا عذر له، فمما دل عليه قوله لابن أم مكتوم وهو ضرير «لا أجد لك رخصة»، فإذا كان الأعمى كذلك لا رخصة له، فالبصير أولى بأن لا تكون له رخصة. «الأوسط» (4 / 134). ولا يتصورنَّ أحدٌ أن الشريعة تأتي بما فيه إتلاف للنفوس، ولا ما فيه ضرر على المكلفين، وقد عذرت الشريعة المبصرين المكلفين عن الحضور للمسجد لصلاة الجماعة في الحال التي يتضررون بها، وشرعت لهم الصلاة في بيوتهم، وأن يقال في الأذان «صلوا في رحالكم»، وشرعت الصلاة في البيت في المرض والخوف والتعب الشديد، فالشريعة يسر كلها، وقد رُفع الحرج عن أتباعها، والناس يختلفون في قدراتهم، فمن استطاع الوصول للمسجد فيجب عليه ذلك ولو بمشقة، ومن يتضرر بمجيئه فإنه يُرفع عنه الحرج، وله رخصة أنْ يصلي في بيته على أن يحرص على الصلاة جماعة. والله أعلم
__________________
|
|
#52
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 53 ) بــــاب : فـــي فضـــــل الجمـــاعـــــة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 324.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ، بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا». الشرح : قال المنذري : باب : في فضل الجماعة. والحديث رواه مسلم في المساجد (1/ 449) وبوب عليه النووي : باب فضل صلاة الجماعة ، وبيان التشديد في التخلف عنها . قوله: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ ، أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ ، بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا»، وفي « الرواية الأخرى «بخمس وعشرين درجة»، وفي الرواية الثالثة «بسبع وعشرين درجة». والجمع بينها من ثلاثة أوجه: 1- أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أولا بالقليل، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل فأخبر به. 2- أن هذا الفضل يختلف باختلاف المصلين والصلاة ، فيكون لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون، بحسب كمال الصلاة، ومحافظتهم على هيآتها وخشوعها وكثرة جماعتهم وفضلهم ، وشرف البقعة ونحو ذلك. 3- أنه لا منافاة بينها؛ لأن ذكر القليل لا ينفي الكثير ، والعدد لا مفهوم عند كثير من الأصوليين . والحديث احتج به الجمهور من العلماء على أن صلاة الجماعة، ليست شرطاً لصحة الصلاة، خلافاً لداود الظاهري وأصحابه الذين عدّوا الجماعة للرجل شرطا لصحة الصلاة؟! وأما كونها فرضاً على الأعيان، فهذا هو الصحيح، وأنّ تاركها بغير عذر آثم، وإنْ كانت صلاته صحيحة، كما ذكرنا وسيأتي مزيد بسط لهذه المسألة. وتفضيل الله تعالى لصلاة الجماعة على صلاة المنفرد، بسبع وعشرين درجة لا يعدل عنه إلا مغبون، باع نفيسا برخيص؟! ولا يرضى أحدٌ بمثل ذلك لنفسه في المعاملات الدنيوية، بل لو فعله لكان مستحقا للحجر عليه، ومنعه من التصرف بماله، والمحروم من حرمه الله صلاة الجماعة ، فتأمل ذلك! ومن واجبات الأئمة وولاة الأمر: إلزام الرجال القادرين على الجماعة في المساجد، ومحاسبتهم على تركها، أو التقصير في أدائها، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر قال: «أشاهدٌ فلان ؟ أشاهد فلان؟ ثم يقول: إن هذه الصلاة أثقل الصلوات على المنافقين ..». والله ولي التوفيق. 125- باب: صلاة الجماعة من سنن الهُدى 325.عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه: «لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْ الصَّلَاةِ إِلَّا مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ أَوْ مَرِيضٌ إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى ، الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ». الشرح : قال المنذري: باب: صلاة الجماعة من سنن الهُدى. والحديث رواه مسلم في المساجد (1/ 453) وبوب عليه النووي (5/156): باب صلاة الجماعة من سنن الهدى. قوله: «لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْ الصَّلَاةِ إِلَّا مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُه، وهذا مما استدل به على وجوب صلاة الجماعة، وهو أنّ التخلف عن صلاة الجماعة كان في عهد الصحابة إنما يعرف عن المنافقين ، وأن ترك الجماعة في المساجد علامة النفاق. وقال النووي: هذا دليل ظاهر لصحة ما سبق تأويله، في الذين همّ بتحريق بيوتهم ، أنهم كانوا منافقين. قوله: «أَوْ مَرِيضٌ» وهذا من أعذار ترك الجماعة . وفي رواية: «إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَ الصَّلَاةَ»، وفي لفظ قال: «لقد رَأَيْتُنَا وما يَتَخَلَّفُ عن الصَّلَاةِ إلا مُنَافِقٌ قد عُلِمَ نِفَاقُهُ أو مَرِيضٌ، إن كان الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بين رَجُلَيْنِ حتى يَأْتِيَ الصَّلَاةَ». وهذا فيه تأكيد لأمر الجماعة ، وتحمل المشقة في حضورها، وأن المريض ونحوه إذا أمكنه التوصل إليها، استحب له حضورها. وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى السنن بفتح السين وضمها ، وهما بمعنى متقارب، أي : طرائق الهدى والصواب. قوله: «وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ». أي: من طريق النبي صلى الله عليه وسلم وسنته الصلاة في مع الجماعة في المساجد، وليس من هديه صلى الله عليه وسلم ولا سنته المنقولة عنه الصلاة في البيوت، إلا النوافل فإنه صلى الله عليه وسلم كان يحث على فعلها في البيوت . والصلاة أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «أن أَوَّلَ ما يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يوم الْقِيَامَةِ من عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ». سنن النسائي ( 465) والترمذي (413) وصححه الألباني. ووعد النبي صلى الله عليه وسلم من حافظ عليها ولم يضيع شيئا منها بالجنة، عهدا من رب العالمين، فعن عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ رضي الله عنه قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ الله على الْعِبَادِ ، فَمَنْ جاء بِهِنَّ لم يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شيئا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كان له عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ « رواه أحمد في المسند (5/315) والنسائي (461) وأبي داود (142) وصححه ابن حبان(1732) والألباني.
__________________
|
|
#53
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 54 ) باب : في انتظار الصلاة وفضل الجماعة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 326.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ، تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، كَانَ فِي الصَّلَاةِ، مَا كَانَتْ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ».الشرح : قال المنذري: باب: في انتظار الصلاة وفضل الجماعة . والحديث رواه مسلم في المساجد (1/ 459) وبوب عليه النووي (5/165): باب فضل صلاة المكتوبة في جماعة، وفضل انتظار الصلاة ، وكثرة الخُطا إلى المساجد وفضل المشي إليها. والحديث أخرجه البخاري في الأذان ( 2 / 131) باب: فضل صلاة الجماعة، فهو متفق عليه. قوله: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ، تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، اختلف العلماء في المقصود بالصلاة في جماعة ، والتي تفضل صلاة الرجل في غير جماعة في بيته وسوقه، فقال بعضهم: هي صلاة المنفرد، أي المراد بالحديث: أن صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وسوقه منفردا، قال النووي: هذا هو الصواب، وقيل فيه غير هذا، وهو قولٌ باطل نبهت عليه لئلا يغتر به انتهى. وقال في المجموع: قال الشافعي والأصحاب: ويؤمر الصبي بحضور المساجد وجماعات الصلاة؛ ليعتادها، وتحصل فضيلة الجماعة للشخص، بصلاته في بيته أو نحوه، بزوجة أو ولد أو رقيق أو غير ذلك وأقلها اثنان كما مرّ. المجموع (4/1621). ومعنى كلام الإمام النووي : أنّ الصلاة في البيت والسوق جماعة ، يضاعف أجرها، كما تضاعف الصلاة في المسجد؟! وأن المقصود بالحديث فضل صلاة الجماعة مطلقا على المنفرد. وهذا بناء على قولهم: أنّ الجماعة واجبٌ على الكفاية . وقال آخرون : الصلاة خارج المسجد، ولو في جماعة ، ليست في الفضل كصلاة جماعة المسجد . وهذا هو الراجح، أن الصلاة المفضولة عن صلاة المسجد، هي صلاة الرجل جماعةً في بيته أو سوقه مع أهله أو ضيفه وغيرهم، فهذا وإنْ كان له أجر الجماعة، لكن هذا الأجر لا يُساوي أجر الجماعة في المسجد، كما أنّ الجماعة خارج المسجد خيرٌ من صلاة المنفرد . قال الحافظ ابن حجر: قوله: «في بيته وفي سوقه» مقتضاه أن الصلاة في المسجد جماعة، تزيد على الصلاة في البيت وفي السوق جماعة وفرادى، قاله ابن دقيق العيد. والذي يظهر أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفردا، لكنه خرج مخرج الغالب، في أنّ من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردا. وقال: والصلاة في البيت مطلقا، أولى منها في السوق، لما ورد من كون الأسواق موضع الشيطان، والصلاة جماعة في البيت وفي السوق، أولى من الانفراد. الفتح ( 2 / 135 ). وقوله: «بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» ورد في الأحاديث أنها سبعا وعشرين درجة . قوله: «وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ». قوله: «ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ» ينهزه أي: لا ينهضه ويقيمه ، فسره بعده بقوله «لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ». وهذا تنبيهٌ على الإخلاص، وابتغاء وجه الله تعالى بخروجه من بيته للصلاة . قوله: «فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِد»، الخُطوة بالضم ما بين القدمين ، وبالفتح : المرة الواحدة . قوله « كَانَ فِي الصَّلَاةِ ، مَا كَانَتْ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ « أي : هو في صلاة من خروجه من بيته ، إلى رجوعه إليه ، ما كانت الصلاة هي التي تمنعه من رجوعه إلى بيته . قوله: «وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ»، مادام في مجلسه، أي : المكان الذي صلى فيه، قال الحافظ ابن حجر: وكأنه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد، مستمرا على نية انتظار الصلاة كان كذلك انتهى. ويدل على ذلك أمور: - الأول: أن المقصود هو إعمار المساجد، والمرابطة فيها، وحبس النفس في أماكن العبادة وقطعها عن المشاغل الدنيوية، وذلك أمر متحقق فيمن بقي في المسجد، ولوانتقل من موضع صلاته. - الثاني: أن الانتقال عن موضع الصلاة داخل المسجد فيه مصلحة لذلك المتعبد، فقد يحتاج إلى مصحف، أو انتقال لمكان درس علم أو ينتقل إلى مكان يخلو فيه مع ربه، ومن المستبعد أن ينقص الأجر بسبب الوقوع في أمر هو من مصلحة العبادة . - الثالث: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في مصلاه بعد صلاة الفجر، لكن كان ينصرف عن القبلة كي ينصرف أصحابه من بعده، فكان يغير موضعه ويتوجه إلى أصحابه بوجهه، ويبقى كذلك إلى طلوع الشمس. وقد نص على ذلك غير واحد من أهل العلم: قال ابن رجب رحمه الله: هل المراد بـ (مُصلاه) نفس الموضع الَّذِي صلى فِيهِ، أو المسجد الَّذِي صلى فِيهِ كله مصلى لَهُ؟ هذَا فِيه تردد. وقال الإمام زين الدين العراقي رحمه الله : «ما المراد بمصلاه ؟ هل البقعة التي صلى فيها من المسجد حتى لو انتقل إلى بقعة أخرى في المسجد لم يكن له هذا الثواب المترتب عليه ، أو المراد بمصلاه جميع المسجد الذي صلى فيه ؟ يحتمل كلا الأمرين ، والاحتمال الثاني أظهر وأرجح». طرح التثريب (2/367). قوله: «يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْه». أي : يدعون الله له بذلك. وهذا من فضائل صلاة الجماعة بالمساجد. ومن فضائل الصلاة على غيرها من العبادات. قوله: «مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ»، المراد بالأذى: أذى اللسان ونحوه من الأذى، وفسر أبو هريرة رضي الله عنه الحدث : بحدث الفرج. أما الإحداث في المسجد فيقطع الأجر الخاص، ودعاء الملائكة، إلى حين الوضوء ورفع الحدث مرة أخرى، وذلك صريح الحديث الشريف. فإذا توضأ ثم دخل المسجد مرة أخرى، رجع إلى عبادة انتظار الصلاة، وكان من المرابطين في سبيل الله كما صح في الحديث. وأجر الجلوس في المساجد بعد الصلوات أجر عظيم ، يناله العاكفون في المسجد كل حسب جلوسه، فمن جلس ساعة نال أجرا بقدرها، ومنْ جلس نهارا كاملا، نال أجرا بقدره، قال تعالى: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (الجمعة : 4). قال ابن رجب رحمه الله: «من مكفرات الذنوب: الجلوس في المساجد بعد الصلوات، والمراد بهذا الجلوس: انتظار صلاة أخرى ، كما في حديث أبي هريرة: «وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط». فجعل هذا من الرباط في سبيل الله عز وجل، وهذا أفضل من الجلوس قبل الصلاة لانتظارها ، فإنّ الجالس لانتظار الصلاة ليؤديها، ثم يذهب تقصر مدة انتظاره، بخلاف من صلى صلاة ثم جلس ينتظر أخرى ، فإنّ مدته تطول، فإن كان كلما صلى صلاة، جلس ينتظر ما بعدها استغرق عمره بالطاعة، وكان ذلك بمنزلة الرباط في سبيل الله عز وجل. وفي المسند وسنن ابن ماجة : عن عبد الله بن عمرو قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب، فرجع من رجع، وعقب من عقب، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعاً قد حَفَزه النفَس، وقد حسر عن ركبته فقال: «أبشروا، هذا ربكم قد فتح عليكم باباً من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة ، يقول : انظروا إلى عبادي، قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى» مسند أحمد(11/363). فائدة : كلما كثرت الجماعة في المسجد، كان الأجر أكثر. ففي مغني المحتاج: (وما كثر جمعه) من المساجد كما قاله الماوردي، (أفضل) مما قلّ جمعه منها، وكذا ما كثر جمعه من البيوت أفضل مما قل جمعه منها، فالصلاة في الجماعة الكثيرة، أفضل من الصلاة في الجماعة القليلة فيما ذكر، قال صلى الله عليه وسلم : «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى». رواه أبو داود وغيره وصححه ابن حبان وغيره . مغني المحتاج (1/230). والله تعالى أعلم .
__________________
|
|
#54
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 55 ) باب : فضل العِشاء والصّبح في جماعة الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 327.عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رضي الله عنه الْمَسْجِدَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، فَقَعَدَ وَحْدَهُ، فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ». الشرح : قال المنذري باب : فضل العِشاء والصّبح في جماعة . والحديث أخرجه مسلم في المساجد (1/ 454) وبوب عليه النووي (5 /157): باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة . عبد الرَّحمَنِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ هو الأنصاري النجاري، يقال: ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة، روى له الستة . وهذا الحديث في فضل هاتين الصلاتين – العشاء والفجر – في جماعة . قوله: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْل»، وهذا في فضل صلاة العشاء في جماعة . قوله: «وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّه»، وهذا في فضل صلاة الفجر في جماعة . وقد اختلف العلماء: هل المقصود أنه لا ينال أجر قيام الليل كله، إلا من صلاهما جميعا؟ أو منْ صلى الفجر في جماعة ينال أجر قيام الليل كله؟ فقال جماعة من أهل العلم : أنه لا ينال أجر قيام الليل إلا من صلاهما جميعا، وأن من صلى واحدة منهما في جماعة، كان كقيام نصف ليلة . فالحديث قد رواه الترمذي بلفظ: «من شهد العشاء في جماعة، كان له قيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة». ورواه أبو داود أيضا بلفظ: «منْ صلى العشاء في جماعة، كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة، كان كقيام ليلة». وكلاهما عن عثمان رضي الله عنه. وعلى هذا أقوال أكثر شرّاح الحديث: قال في (عون المعبود شرح سنن أبي داود): فجعل بعضهم حديث مسلم على ظاهره، وأنّ جماعة العتمة توازي في فضيلتها قيام نصف ليلة، وصلاة الصبح في جماعة توازي في فضيلتها قيام ليلة، واللفظ الذي خرّجه أبو داود تفسيره، ويبين أن المراد بقوله: «ومنْ صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله»، يعني: ومن صلى الصبح والعشاء، وطرق هذا الحديث مصرحة بذلك، وأن كل واحد منهما يقوم مقام نصف ليلة، وأن اجتماعهما يقوم مقام ليلة « انتهى . وقال في (تحفة الأحوذي على شرح سنن الترمذي): قلت المراد بقوله: «ومن صلى الصبح في جماعة» في رواية مسلم: أي منضما لصلاة العشاء جماعة، قاله المناوي .وقال القاري في (المرقاة شرح المشكاة) في شرح قوله: «فكأنما صلى الليل كله»، أي: بانضمام ذلك النصف ، فكأنه أحيا نصف الليل الأخير انتهى . وهذا هو الأظهر جمعا بين الروايتين . 128- باب : التّشديد في التخلّف عن صلاة العِشاء والصّبح في جماعة 328.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ : صَلَاةُ الْعِشَاءِ ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ، إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ». الشرح : قال المنذري : باب : التّشديد في التخلّف عن صلاة العِشاء والصّبح في جماعة. وأورد في الباب حديثين: الحديث الأول: أخرجه مسلم في المساجد (1 / 451 – 452) وبوب عليه النووي (5 / 154): باب فضل الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها. وقد جاء في المسند وعند أبي داود قصة لهذا الحديث: وذلك من حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما الصبح، فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا . قال : أشاهد فلان؟ قالوا: لا . قال: «إنّ هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا على الرُّكب». وقد جاء في الكتاب العزيز ثِقَل الصلوات جميعا على المنافقين، في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى}(النساء: ). وفي هذا الحديث: «إن أثقل صلاة على المنافقين هي العشاء والفجر». والُجمع بينهما : أن جميع الصلوات ثقيلة على المنافقين ، لكن العشاء والفجر أثقل من سائر الصلوات ، لكونهما في وقت نوم وراحة . وكانت صلاة الفجر مقياس الإيمان عند السلف. قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنا إذا فقدنا الإنسان في صلاة العشاء الآخرة والصبح، أسأنا به الظن. رواه ابن أبي شيبة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي. لكن لا يُستعجل في الحُـكم على من تخلّف عنها، فقد يكون تخلّفه عن صلاة الجماعة لعذر كمرض أو تعب أو نوم. ولا يعني أن من حافظ على هاتين الصلاتين، أن يترك بقية الصلوات؟! بل أن المحافظة على الصلوات الخمس من أسباب دخول الجنة، وإن كان جاء النصّ على فضل العصر والفجر، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «من صلى البَرْدَين دخل الجنة». رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى. وهذا لا يعني أن من لم يُصلِّ سوى العصر والفجر دخل الجنة، ولكن يعني أن مَن حافظ على البردين، فهو لما سواهما أحفظ. قوله: «ولو حبواً» حبا الصبي يحبوا حبوا، أي: زحف. قال ابن دريد: إذا مشى على أسته وأشرف بصدره. وقال الحربي: مشى على يديه. نقله القاضي عياض. قوله: «ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس» الهمّ دون العَزم. وقال الجرجاني في التعريفات: الهمّ هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل، من خير أو شر. وقال النووي: قال بعضهم: في هذا الحديث دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال؛ لأن تحريق البيوت عقوبة مالية، وقال غيره: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغالّ من الغنيمة، واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع تحريق متاعهما. اهـ . وقال الحافظ العراقي: فِيه جَوازُ الْعُقُوبَة بِالْمَالِ مِنْ قَولِهِ: «نُحَرِّقُ بُيُوتًا» وَإِلَيْهِ ذَهَب أَحمَدُ، وذَهَب الْجمهورُ: إلَى أَنَّ الْعُقُوبَاتِ بِالْمَال مَنْسُوخَةٌ بِنَهْيِهِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا مِن بَابِ مَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلا بِهِ؛ لأَنَّهُمْ قَدْ يَخْتَفُونَ فِي مَكَان لا يُعلَمُ فَأَرَادَ التَّوَصُّلَ إلَيْهِمْ بِتَحْرِيقِ الْبُيُوتِ. اهـ . والتعليل بالمنع من العقوبات المالية بإضاعة المال لا يستقيم؛ لأن الذي نهى عن إضاعة المال هو الذي أمر بالعقوبات المالية. ودعوى النسخ لا يُسلَّم بها، وقد سبق تفصيل شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الأمر. أما سبب عدول النبي صلى الله عليه وسلم عن إيقاع هذه العقوبة، فقد جاء في رواية لأحمد: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية، لأقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار». وهي وإن كان في سندها شيء، إلا أن معناها صحيح. وأيضا : أنه لا يجوز التحريق بالنار . لما روى البخاري: عن عكرمة أن عليا رضي الله عنه حرّق قوما، فبلغ ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تعذبوا بعذاب الله، ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «من بدل دينه فاقتلوه». وفي الصحيحين : من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قرصت نملة نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأُحرِقت، فأوحى الله إليه: أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح ؟». قوله: «ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ» فيه: جواز الاستنابة في الإمامة للحاجة. وفيه: جواز التخلّف عن الجماعة للمصلحة، كأن يتخلّف المحتسِب على المتخلِّفين عن صلاة الجماعة. ومثلهم الحراس والشرطة الذين يحفظون الأمن. وفيه أيضا: دليل على وجوب صلاة الجماعة على الرجال القادرين. قال الإمام النووي: هذا مما استدل به من قال: الجماعة فرض عين، وهو مذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وأبي ثور وابن خزيمة وداود. وقال الجمهور: ليست فرض عين، واختلفوا هل هي سنة أم فرض كفاية؟ وأجابوا عن هذا الحديث بأن هؤلاء المتخلفين كانوا منافقين؟! وسياق الحديث يقتضيه، فإنه لا يُظن بالمؤمنين من الصحابة أنهم يؤثرون العظم السمين على حضور الجماعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مسجده؛ ولأنه لم يحرق بل همّ به ثم تركه، ولو كانت فرض عين لما تركه. اهـ كذا قال. والصحيح كما تقدم: وُجوب صلاة الجماعة على غير أهل الأعذار، لأحاديث كثيرة، منها: قوله عليه الصلاة والسلام: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر». رواه ابن ماجة . قال الترمذي: وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد، ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر. اهـ . ومن الأدلة الدالة على وجوب حضور الجماعة: ما رواه مسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُرخِّص له فيُصلي في بيته، فرخّص له، فلما ولّى دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة ؟ فقال: نعم. قال: فأجب . والحديث فِيه : تَقْدِيمُ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ عَلَى الْعُقُوبَةِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَسِرُّهُ: أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إذَا ارْتَفَعَتْ بِالأَهْوَنِ مِنْ الزَّوَاجِرِ، اُكْتُفِيَ بِهِ عَنْ الأَعْلَى . وهذا مما يستفاد منه في التربية، في تربية الأولاد، والطلاّب، فيُقدّم الوعيد على مَن فعل كذا – مثلاً – ولكن تؤخّر العقوبة، فإن حصلت الاستجابة، ُجعل مكانها العفو . والله تعالى أعلى وأعلم .
__________________
|
|
#55
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 56 )التّشديد في التخلّف عن صلاة العِشاء والصّبح في جماعة الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 329.عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ».الشرح: الحديث أخرجه مسلم في الموضع السابق (1 / 452). الحديث في الترهيب من ترك صلاة الجمعة، وهي واجبة على كل مسلم عاقل بالغ، حر مقيم. والأصل وجوب صلاة الجمعة على الأعيان؛ قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿9﴾} (الجمعة: 9). وقد ورد في التغليظ في ترك الجمعة أحاديث، منها هذا الحديث، وأيضا منها: 1- حديث ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما: أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: «لينتهيّنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجُمعات، أو ليختمنَّ اللّه على قلوبهم، ثم ليَكونن من الغافلين». رواه مسلم وأحمد والنسائي. 2- وحديث أبي الجعد الضمري وله صحبة: أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «منْ ترك ثلاث جُمع تهاوناً، طبعَ اللّه على قلبه». رواه الخمسة. ولأحمد وابن ماجة من حديث جابر نحوه. وأخرجه أيضاً النسائي وابن خزيمة والحاكم بلفظ: «منْ ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورةٍ، طبع على قلبه» قال الدارقطني: إنه أصح من حديث أبي الجعد.. 3- وحديث طارق بن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الجمعة حقٌ واجبٌ على مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبدٌ مملوك، أو امرأةٌ، أو صبي، أو مريض» رواه أبو داود (1067). ولكن إذا وجد عذر شرعي لدى من تجب عليه الجمعة، كأن يكون مسؤولا مسؤولية مباشرة عن عمل يتصل بأمن البلاد، وحفظ مصالحها، كحال رجال الأمن والمرور والمخابرات اللاسلكية، الذين عليهم النوبة وقت النداء الأخير لصلاة جمعة، أو إقامة الصلاة جماعة، فإنه وأمثاله يعذر بذلك في ترك الجمعة والجماعة لعموم قول الله سبحانه {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، وقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». ولأنه ليس بأقل عذرًا ممن يعذر بخوفٍ على نفسه أو ماله، ونحو ذلك، مما ذكر العلماء أنه يُعذر بترك الجمعة والجماعة، ما دام العذر قائما، غير أنّ ذلك لا يُسقط عنه فرض الظهر، بل عليه أن يصليها في وقتها. ومتى أمكنه فعلها، وجب ذلك عليه كسائر الفروض الخمسة. ويشترط للجمعة الجماعة؛ لأنها سميت جمعة، وفي هذا الاسم ما يدل على اعتبار الجماعة فيها، وقد اتفق الأئمة على أن الجمعة لا تصح إلا بجماعة، فلا تصح الجمعة إذا صلاها منفرداً. ولكنهم اختلفوا في عدد الجماعة التي لا تصح الجمعة إلا بهم، كما اختلفوا في شروط هذه الجمعة، وسيأتي تفصيل ذلك في باب الجمعة إن شاء الله تعالى. 129- باب: الرخصة في التخلف عن الجماعة للعذر فيه حديثُ عِتبانَ بنِ مالِكٍِِِ رضي الله عنه . وقد تقدَّمَ في (كتاب الإيمان). 130- باب: الأمر بتحسين الصلاة 330.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ؟! أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي؟! فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ! إِنِّي وَاللَّهِ لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي، كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ». الشرح: قال المنذري: باب: الأمر بتحسين الصلاة. والحديث رواه مسلم في الصلاة (1 / 319) وبوب عليه النووي (4/149): باب الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها والخشوع فيها. قوله «يَا فُلَانُ أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ؟! أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي؟! فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ». وفي رواية أنس رضي الله عنه : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتموا الركوع والسجود» قال النووي: فيه الأمر بإحسان الصلاة والخشوع، وإتمام الركوع والسجود. والآيات والأحاديث الآمرة بإتمام الصلاة، وتحسينها والخشوع فيها كثيرة. فمن ذلك: أن الله عز وجل جعلها في أول صفات المؤمنين وآخرها، فقال {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (المؤمنون: 1-2)، ثم في آخر صفاتهم قال: {والذين هم على صلواتهم يحافظون}. وإذا نظرت إلى القرآن الكريم رأيت الله تبارك وتعالى يأمر بإقامة الصلاة، فلم ترد آية واحدة بغير لفظ «الإقامة»، والتعبير بهذا اللفظ يقتضي إقامتها على الوجه المطلوب كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والعناية بها. وقد جاء في الحديث الصحيح: أنّ رجلا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فرد عليه بقوله: «وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل». فعاد فصلى ثم أتى فسلم عليه، فرد عليه بمثل ما رد عليه، فلما كان في المرة الثالثة قال الرجل: والذي بعثك بالحق، لا أحسن غير هذا فعلمني. فعلمه عليه الصلاة والسلام كيف يصلي، وأرشده إلى الطمأنينة في جميع أركان الصلاة وواجباتها. وأسوأ الناس سرقة، -ليس هو سارق المسجد أو سارق مال الفقير أو اليتيم- كلا؛ بل قال عليه الصلاة والسلام: «أسوأ الناس سرقة، الذي يسرق من صلاته». قالوا: وكيف يسرق من صلاته؟. قال: «لا يتم ركوعها ولا سجودها». رواه أحمد. قوله «إِنِّي وَاللَّهِ، لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي، كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ» وفي رواية: «هل ترون قِبْلتي هاهنا، فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم، إني لأراكم وراءَ ظهري». وفي رواية «أقيموا الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من بعدي إذا ركعتم وسجدتم». قال العلماء: معناه أنّ الله تعالى خَلق له صلى الله عليه وسلم إدراكا في قفاه، يبصر به من ورائه، وقد انْخرقتْ العادة له صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذا، وليس يمنع من هذا عقلٌ ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره، فوجب القول به. قال القاضي: قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقة. والحديث فيه: جواز الحلف بالله تعالى من غير ضرورة، لكن المستحب تركه إلا لحاجة، كتأكيد أمر وتفخيمه، والمبالغة في تحقيقه، وتمكينه من النفوس، وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من الحلف، قاله النووي.
__________________
|
|
#56
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 57 ) باب: في اعتدال الصلاة وإتمامها الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 331.عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: رَمَقْتُ الصَّلَاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ، فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ، قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ. الشرح: قال المنذري: باب في اعتدال الصلاة وإتمامها. والحديث رواه مسلم في الصلاة، وبوب عليه النووي: باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام. والحديث رواه البخاري أيضا. وزاد َفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: مَا خَلا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، قَرِيباً مِنْ السَّوَاءِ. ونحوه هذا الحديث: قول أنس رضي الله عنه في الحديث الآخر: «ما صليت خلف أحدٍ أوجز صلاة من صلاة رسول الله [، في تمام». وهذه الأحاديث وصفٌ لتوازن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في أركانها، وأنها مُتقارَبة في الطول، فالقيام والركوع، والسجود والجلوس بين السجدتين، قريب من السواء، أي أن هذه الأفعال قريبة من بعضها في الطُّول، فإذا أطال القراءة والقيام، أطال الركوع والسجود وما بعدها، وإذا خفف القراءة والقيام، خفف الركوع والسجود وما بعدها. والقُرب في الطول أمرٌ نسبي. ورواية البخاري تدل على أن القيام أطول من بقية الأركان، كما تدل على أن القعود كذلك أحياناً. قال النووي: وهذا يدل على ان بعضها كان فيه طول يسير على بعض، وذلك في القيام، ولعله أيضا في التشهد. قال: هذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلا فقد ثبتت الأحاديث بتطويل القيام، وأنه كان صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة، وفي الظهر بـ (آلم تنزيل السجدة). وأنه كان تقام الصلاة، فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يرجع فيتوضأ، ثم يأتي المسجد، فيدرك الركعة الأولى. هذا بحسب الصلاة مِن جهة، ومن جهة أخرى فالصلاة الرباعية تختلف عن غيرها، فالركعتان الأوليان أطول من الأخريين. ويدل على ذلك: حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في الصحيحين، وفيه: أما أنا والله، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء، فأرْكد في الأوليين، وأخفّ في الأخريين. وفي رواية لهما: أما أنا فأمـدّ في الأوليين، وأحذف في الأخريين، ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكذا في حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يُطوّل في الأولى ويقصر في الثانية، ويُسمع الآية أحيانا، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يُطول في الأولى، وكان يُطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في الثانية. رواه البخاري ومسلم. ونحوه في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، الذي رواه مسلم. باب منه 332.عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: إِنِّي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ، كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا، قَالَ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، انْتَصَبَ قَائِمًا، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ، مَكَثَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِي. الشرح: وهو في الباب السابق من صحيح مسلم. وقد رواه البخاري في صحيحه (821). قوله «لا آلـو» أي: لا أُقَصِّر. ومعناه: لا أقصِّر ما استطعت من صلاتي بكم، كصلاة رسول الله [، وهذا يدل على أنه كان يجتهد في وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفِعلاً. قوله «كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، انْتَصَبَ قَائِمًا، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ» فيه دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع أطال القيام. وفي هذا دلالة على جواز طول بعض الأركان على بعض، وأن القُرب من السواء، أمرٌ نسبي، كما تقدّم في الحديث السابق. وفيه أيضا: أنّ السُنة عدم الاقتصار على قول «ربنا ولك الحمد » كما تقدّم، وأنه يقول غير ذلك مما وَرَد في الأحاديث الصحيحة. لأن هذا الموضع موضع ثناء وذِكر لله عز وجل. وقد تقدّم أن رجلا قال لما رَفَع رأسه من الركوع: ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها، أيهم يكتبها أول». والحديث فيه: الرد على من لا يطمئن في صلاته، فلا يَجعل بين الركوع والسجود فاصلاً. وفيه أيضا: أن مجرد ظنّ المأموم أن الإمام أخطأ، لا يُشْرَع معه تنبيه الإمام، حتى يتيقّنَ ذلك. فقول أنس رضي الله عنه : «حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ» فيه إشعار بأن المأموم قد يظن أن الإمام نسي، ومع ذلك لم يُشرع له تذكير إمامه، إلا إذا تيقّن نسيانه، أو وقوعه في الخطأ والسهو. وفيه أن القائل: « حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ» هو أنس رضي الله عنه، كما جاء في رواية للبخاري من طريق ثابت قال: كان أنس يَنْعَت لنا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فكان يصلي، وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول: قد نَسِي. ويؤيِّد ذلك رواية لمسلم: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول: قد أوْهَم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم. وهو بمعنى الرواية الأولى. وهذه السُّنة - وهي سُنة إطالة القيام بعد الركوع، وإطالة الجلوس بين السجدتين - من السُنن المهجورة في الصلاة، فقد هجرها أكثر المصلين، مع سهولة فعلها، وصحة الدليل فيها، والله المستعان. قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد (1/330): «وهكذا الثّابتُ عنه في جمِيع الْأَحاديثِ، وفي الصّحِيحِ: عَنْ أَنَسٍ رَضي اللّهُ عنه: «كان رسولُ اللّهِ صلّى اللهُ عليه وسلم يَقْعُدُ بيْن السّجْدَتَيْنِ حَتّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ» وهذه السّنّةُ تَرَكها أَكْثَرُ النّاسِ منْ بعد انْقِرَاضِ عَصْرِ الصّحَابَةِ، ولهَذا قَال ثابتٌ: وكان أَنَسٌ يَصْنَعُ شيْئًا لا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، يَمْكُثُ بَيْنَ السّجْدَتَيْنِ حَتّى نَقُولَ قَدْ نَسِيَ أَوْ قَدْ أَوْهَمَ»، وأَمّا مَنْ حَكّمَ السّنّةَ، ولمْ يَلْتفتْ إلى ما خالفها، فإِنّه لا يَعْبَأُ بما خَالفَ هذا الهَديَ». فدل هذا أنها كانت في زمن التابعين سنة غير مشهورة، خفيت على كثير من الناس، فسبحان الله العظيم؟! قوله «وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ، مَكَثَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِي» وقد تقدّم ماذا يقول بعد القيام من الركوع، وأما ما يقول بين السجدتين، فهو قوله: ربّ اغفر لي، ربّ اغفر لي، يكررها. ففي حديث حذيفة رضي الله عنه: وكان يقعد فيما بين السجدتين نحواً من سجوده، وكان يقول: «ربّ اغفر لي. رب اغفر لي». رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة. وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني». رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة، وفي رواية ابن ماجة: أنه كان يقوله في صلاة الليل. قال الترمذي: وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، يَرون هذا جائزا في المكتوبة والتطوع. والله تعالى أعلم.
__________________
|
|
#57
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 58 ) باب: أفضل الصلاة طول القنوت الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 333.عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «طُولُ الْقُنُوتِ». الشرح: قال المنذري: باب: أفضل الصلاة طول القنوت والحديث أخرجه مسلم في الصلاة، وبوب عليه النووي: باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في الليل... والمقصود هنا في الحديث بالقنوت: طول القراءة، وليس دعاء القنوت المشهور، قال الحافظ المناوي رحمه الله في شرح الحديث: قوله «أفضل الصلاة طول القنوت» أي أفضل الصلاة صلاة فيها طول القنوت: أي القيام، أو المقصود: أفضل أحوال الصلاة طول القيام، لأنه محل القراءة المفروضة والمسنونة. وللقنوت في اللغة أحد عشر معنى. قال النووي: والمراد هنا: القيام، اتفاقاً، بدليل رواية أبي داود : أي الأعمال أفضل، قال: «طول القيام»، وأخذ به أبو حنيفة والشافعية ففضلا تطويل القيام على تطويل السجود، وعكس آخرون تمسكاً بخبر: «أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد»، وتوسط قوم فقالوا بالأول ليلاً وبالثاني نهاراً. قال الزين العراقي : وهذا في نفل لا يشرع جماعة، وفي صلاة الفذ . أما إمام غير المحصورين فالمأمور بالنخفيف المشروع، لخبر: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف».انتهى فالخلاف في التفضيل بين السجود والقيام على قولين: الأول: أن القيام أفضل من الركوع والسجود. واستدلوا بقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين}. وبقوله تعالى: {أمن هو قانت أناء الليل...} الآية. وبحديث الباب. والقول الثاني: أن كثرة السجود أفضل. واستدلوا بأدلة كثيرة، يأتي بسطها. ويمكننا تقسيم حالات القيام مع الركوع والسجود إلى حالات أربع: الحالة الأولى: تطويل القيام، وتقصير الركوع والسجود. الحالة الثانية: تقصير القيام، وتطويل الركوع والسجود. الحالة الثالثة: تطويل القيام، وتطويل الركوع والسجود. الحالة الرابعة: تقصير القيام، وتقصيرالركوع والسجود. لكن في جميع الحالات السابقة جنس السجود مقدّم على القيام، وطول السجود أفضل من تقصيره، وقد صحّ أن سجود النبي صلى الله عليه وسلم كان قريبا من ركوعه وقيامه كما تقدم معنا. ولشيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (23) كلامُ جامع مفيد في تفضيل جنس السجود على غيره من أفعال الصلاة، فقال: فصل: أيما أفضل كثرة الركوع والسجود أو طول القيام؟ قال: تنازع الناس، أيما أفضل: كثرة الركوع والسجود، أو طول القيام، وقد ذكر عن أحمد في ذلك ثلاث روايات: إحداهن: أن كثرة الركوع والسجود أفضل، وهي التي اختارها طائفة من أصحابه. والثانية: أنهما سواء. والثالثة: أن طول القيام أفضل، وهذا يحكي عن الشافعي. فنقول: هذه المسألة لها صورتان: إحداهما: أن يطيل القيام، مع تخفيف الركوع والسجود، فيقال: أيما أفضل، هذا أم تكثير الركوع والسجود مع تخفيف القيام؟ ويكون هذا قد عدل بين القيام، وبين الركوع والسجود، فخفف الجميع. والصورة الثانية: أن يطيل القيام، فيطيل معه الركوع والسجود فيقال: أيما أفضل، هذا أم أن يكثر من الركوع والسجود والقيام؟ وهذا قد عدل بين القيام والركوع والسجود في النوعين، لكن أيما أفضل، تطويل الصلاة قيامًا وركوعًا وسجودًا، أم تكثير ذلك مع تخفيفها، فهذه الصورة ذكر أبو محمد وغيره فيها ثلاث روايات، وكلام غيره يقتضي أن النزاع في الصورة الأولى أيضًا. والصواب في ذلك: أن الصورة الأولى: تقليل الصلاة مع كثرة الركوع والسجود، وتخفيف القيام أفضل من تطويل القيام وحده مع تخفيف الركوع والسجود. ومن فضل تطويل القيام احتجوا بالحديث الصحيح: أن رسول الله سئل: أي الصلاة أفضل؟ فقال: «طول القنوت». وظنوا أن المراد بطول القنوت طول القيام، وإنْ كان مع تخفيف الركوع والسجود؟! وليس كذلك. فإنّ القنوت هو دوام العبادة والطاعة، ويقال لمن أطال السجود: إنه قانت. قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ}، فجعله قانتًا في حال السجود، كما هو قانت في حال القيام، وقدم السجود على القيام. وفي الآية الأخري قال: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}، ولم يقل قنوتًا، فالقيام ذكره بلفظ القيام، لا بلفظ القنوت. وقال تعالى: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ}، فالقائم قد يكون قانتًا، وقد لا يكون، وكذلك الساجد. فالنبي بين أن طول القنوت أفضل الصلاة، وهو يتناول القنوت في حال السجود، وحال القيام. وهذا الحديث يدل على الصورة الثانية، وأن تطويل الصلاة قيامًا وركوعًا وسجودًا، أولى من تكثيرها قيامًا وركوعًا وسجودًا ؛ لأن طول القنوت يحصل بتطويلها لا بتكثيرها، وأما تفضيل طول القيام مع تخفيف الركوع والسجود، على تكثير الركوع والسجود فغلط، فإنّ جنس السجود أفضل من جنس القيام، من وجوه متعددة: أحدها: أن السجود بنفسه عبادة، لا يصلح أن يفعل إلا على وجه العبادة لله وحده، والقيام لا يكون عبادة إلا بالنية، فإن الإنسان يقوم في أمور دنياه، ولا ينهى عن ذلك. الثاني: أن الصلاة المفروضة لا بد فيها من السجود، وكذلك كل صلاة فيها ركوع لابد فيها من سجود، لا يسقط السجود فيها بحال من الأحوال، فهو عماد الصلاة، وأما القيام فيسقط في التطوع دائمًا، وفي الصلاة على الراحلة في السفر، وكذلك يسقط القيام في الفرض عن المريض، وكذلك عن المأموم إذا صلى إمامه جالسًا، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة. وسواء قيل: إنه عام للأمة، أو مخصوص بالرسول، فقد سقط القيام عن المأموم في بعض الأحوال، والسجود لا يسقط لا عن قائم ولا قاعد، والمريض إذا عجز من إيمائه أتي منه بقدر الممكن، وهو الإيماء برأسه، وهو سجود مثله، ولو عجز عن الإيماء برأسه، ففيه قولان، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: أنه يومئ بطرفه، فجعلوا إيماءه بطرفه هو ركوعه وسجوده، فلم يسقطوه. والثاني: أنه تسقط الصلاة في هذه الحال، ولا تصح على هذا الوجه، وهو قول أبي حنيفة، وهذا القول أصح في الدليل ؛ لأن الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة، ولا يتميز فيه الركوع عن السجود، ولا القيام عن القعود، بل هو من نوع العبث الذي لم يشرعه الله تعالى. وأما الإيماء بالرأس، فهو خفضه، وهذا بعض ما أمر به المصلي. وقد قال النبي في الحديث المتفق على صحته: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، وهو لا يستطيع من السجود إلا هذا الإيماء، وأما تحريك العين فليس من السجود في شيء. وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه لابد في الصلاة من السجود. الوجه الثالث: أن القيام إنما صار عبادة بالقراءة، أو بما فيه من ذكر ودعاء، كالقيام في الجنازة. فأما القيام المجرد، فلم يشرع قط عبادة مع إمكان الذكر فيه، بخلاف السجود فإنه مشروع بنفسه عبادة، حتى خارج الصلاة، شرع سجود التلاوة، والشكر، وغير ذلك. وإذا كان السجود عبادة بنفسه علم أنه أفضل من القيام. الوجه الرابع: أن يقال: القيام يمتاز بقراءة القرآن، فإنه قد نهى عن القراءة في الركوع والسجود، وقراءة القرآن أفضل من التسبيح، فمن هذا الوجه تميز القيام، وهو حجة من سوي بينهما، فقال: السجود بنفسه أفضل، وذكر القيام أفضل، فصار كل منهما أفضل من وجه، أو تعادلا. لكن يقال قراءة القرآن تسقط في مواضع، وتسقط عن المسبوق القراءة والقيام أيضا كما في حديث أبي بكرة. وفي السنن: «من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة» وهذا قول جماهير العلماء، والنزاع فيه شاذ. أيضًا: فالأمي تصح صلاته بلا قراءة باتفاق العلماء، كما في السنن أن رجلا قال: يا رسول الله، إني لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزيني منه. فقال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله». فقال: هذا لله، فما لي؟ قال: «تقول: اللهم اغفر لي، وارحمني، وارزقني، واهدني». الوجه الخامس: أنه قد ثبت في الصحيح: «إن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود». فتأكل القدم، وإنْ كان موضع القيام. الوجه السادس: أن الله تعالى قال: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة: «إنه إذا تجلى لهم يوم القيامة سجد له المؤمنون، ومن كان يسجد في الدنيا رياء يصير ظهره مثل الطبق». فقد أمروا بالسجود في عرصات القيامة، دون غيره من أجزاء الصلاة، فعلم أنه أفضل من غيره. الوجه السابع: أنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلب منه الناس الشفاعة يوم القيامة قال: «فأذهب، فإذا رأيت ربي خررت له ساجدًا، وأحمد ربي بمحامد يفتحها على لا أحسنها الآن»، فهو إذا رآه سجد وحمد، وحينئذ يقال له: «أي محمد، ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع». فعلم أنه أفضل من غيره. الوجه الثامن: أن الله تعالى قال: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي أنه قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»، وهذا نصٌ في أنه في حال السجود أقرب إلى الله منه في غيره، وهذا صريح في فضيلة السجود على غيره. الوجه التاسع: ما رواه مسلم في صحيحه: عن مَعْدان بن أبي طلحة قال: لقيت ثوبان مولي رسول الله فقلت: أخبرني بعمل يدخلني الله به الجنة، أو قال: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت. ثم سألته الثانية، فقال: سألت عن ذلك رسول الله فقال: «عليك بكثرة السُجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدةً، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة»، قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته. فقال لي مثلما قال لي ثوبان. فإنْ كان سأله عن أحب الأعمال، فهو صريحٌ في أن السجود أحب إلى الله من غيره، وإنْ كان سأله عما يدخله الله به الجنة، فقد دله على السجود دون القيام، فدل على أنه أقرب إلى حصول المقصود. وهذا الحديث يحتج به من يرى: أن كثرة السجود أفضل من تطويله، لقوله: «فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة»، ولا حجة فيه ؛ لأنّ كل سجدة يستحق بها ذلك، لكن السجدة أنواع. فإذا كانت إحدي السجدتين أفضل من الأخرى، كان ما يرفع به من الدرجة أعظم، وما يحط به عنه من الخطايا أعظم. كما أنّ السجدة التي يكون فيها أعظم خشوعًا وحضورًا، هي أفضل من غيرها، فكذلك السجدة الطويلة التي قنت فيها لربه هي أفضل من القصيرة. الوجه العاشر: ما روي مسلم أيضا: عن ربيعة بن كعب رضي الله عنه قال: كنت أبيتُ مع رسول الله فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سلْ»، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: «أو غير ذلك؟» فقلت: هو ذاك، قال: «فأعنّي على نفسك بكثرة السجود». فهذا قد سأل عن مرتبة عليّة، وإنما طلب منه كثرة السجود. وهذا أدل على أن كثرة السجود أفضل. لكن يقال: المكثر من السجود قد يكثر من سجود طويل، وقد يكثر من سجود قصير، وذاك أفضل. الوجه الحادي عشر: أن مواضع الساجد تسمي مساجد، كما قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}، وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}، وقال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله}، وقال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، ولا تسمي مقامات إلا بعد فعل السجود فيها. فَعُلِم أن أعظم أفعال الصلاة هو السجود، الذي عبر عن مواضع السجود بأنها مواضع فعله. الوجه الثاني عشر: أنه تعالى قال: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}. وهذا وإن تناول سجود التلاوة، فتناوله لسجود الصلاة أعظم، فإن احتياج الإنسان إلى هذا السجود أعظم على كل حال، فقد جعل الخرور إلى السجود، مما لا يحصل الإيمان إلا به، وخصّه بالذكر، وهذا مما تميز به. وكذلك أخبر عن أنبيائه أنهم: {إِذَا تُتْلَى عليهمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}، وقال في تلك الآية: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا}. والدعاء في السجود أفضل من غيره، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، مثل قوله في حديث أبي هريرة: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء». ومثل ما روي مسلم في صحيحه: عن ابن عباس قال: كشف رسول الله الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر. فقال: «أيها الناس، إنّه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نُهيت أنْ أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع، فعظّموا فيه الرب، وأما السجود، فاجتهدوا في الدعاء فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم». وقد ثبت عن النبي الدعاء في السجود في عدة أحاديث، وفي غير حديث تبين أن ذلك في صلاته بالليل، فعلم أن قوله: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا}، وإن كان يتناول الدعاء في جميع أحوال الصلاة، فالسجود له مزية على غيره. كما لآخر الصلاة مزيةٌ على غيرها ؛ ولهذا جاء في السنن: « أفضل الدعاء: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات». قال: فهذه الوجوه وغيرها، مما يُبين أن جنس السجود أفضل من جنس القيام والقراءة، ولو أمكن أن يكون أطول من القيام، لكان ذلك أفضل، لكن هذا يشق مشقة عظيمة، فلهذا خفّف السجود عن القيام، مع أنّ السنة تطويله إذا طول القيام، كما كان النبي يصلي، فروي: أنه كان يخفف القيام والقعود، ويطيل الركوع والسجود. ولما أطال القيام في صلاة الكسوف، أطال الركوع والسجود. وكذلك في حديث حذيفة الصحيح: أنه لما قرأ بالبقرة والنساء وآل عمران، قال: ركع نحوا من قيامه، وسجد نحوًا من ركوعه. وفي حديث البراء الصحيح: أنه قال: كان قيامه فركعته فاعتداله فسجدته فجلوسه بين السجدتين فجلسته ما بين السلام والانصراف قريبًا من السواء. وفي رواية: ما خلا القيام والقعود. وثبت في الصحيح عن عائشة: أنه كان يسجد السجدة بقدر ما يقرأ الإنسان خمسين آية. فهذه الأحاديث تدل على أن تطويل الصلاة قيامها وركوعها وسجودها، أفضل من تكثير ذلك مع تخفيفه، وهو القول الثالث في الصورة الثانية، ومن سوي بينهما قال: إن الأحاديث تعارضت في ذلك، وليس كذلك! فإن قوله: «أفضل الصلاة طول القنوت»، يتناول التطويل في القيام والسجود. وكذلك ما رواه مسلم في صحيحه: عن عمار عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة»، وقال: «من أمَّ الناس فليخفف، فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء». وأحاديث تفضيل السجود قد بينا أنها لا تنافي ذلك. ومعلوم أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد. وأيضًا: فإنه لما صلى الكسوف كان يمكنه أن يصلي عشر ركعات، أو عشرين ركعة يكثر فيها قيامها وسجودها، فلم يفعل، بل صلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، وجعل في كل ركعة قيامين وركوعين. وعلى هذا، فكثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام الذي ليس فيه تطويل الركوع والسجود. وأما إذا أطال القيام والركوع والسجود، فهذا أفضل من إطالة القيام فقط، وأفضل من تكثير الركوع والسجود والقيام بقدر ذلك. والكلام إنما هو في الوقت الواحد: كثلث الليل، أو نصفه، أو سدسه أو الساعة. هل هذا أفضل من هذا، أو هذا أفضل من هذا. انتهى المراد منه باختصار. ومما يجب أن يعلم: أن القيام الذي اتصف الشخص فيه بالخشوع أفضل من السجود بغير خشوع. وذهب بعضهم إلى أن المراد بالقنوت في الحديث: الخشوع، فيكون معنى الحديث: أفضل الصلاة أكثرها خشوعاً. وقالوا: ولو كان المراد القيام، لاستحال قوله {قوموا للّه قانتين} البقرة. ألا ترى أنه أمر بالقيام ثم القنوت، فالقنوت صفة تحدث عند القيام. والله أعلم
__________________
|
|
#58
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 59 ) باب: الأمر بالسكون في الصلاة الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 334.عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ» قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَرَآنَا حَلَقًا، فَقَالَ: «مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟!» قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟» فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ».الشرح: قال المنذري: باب: الأمر بالسكون في الصلاة. والحديث أخرجه مسلم في الصلاة (1/322) وبوب عليه النووي: باب: الأمر بالسكون في الصلاة، والنهي عن الإشارة باليد ورفعها عند السلام، وإتمام الصفوف الأُوَل، والتراص فيها والأمر بالاجتماع. قوله صلى الله عليه وسلم : «ما لي أراكم رافعي أيديكم؟ كأنها أذناب خيلٍ شُمس» مالي أراكم، استفهام استنكاري، وشمس: هو بضم الشين وإسكان الميم وضمها، وهي الخيلُ التي لا تستقر، بل تضطرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها، والمراد بالرفع المنهي عنه هنا: رفعهم أيديهم عند السلام، مشيرين إلى السلام من الجانبين، كما صرح به في الرواية الثانية، وهي قوله: «كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: السلامُ عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «علام تُومئون بأيديكم كأنها أذنابُ خيلٍ شمس؟! إنما يكفي أحدكم أن يضعَ يده على فخذه، ثم يُسلم على أخيه من على يمينه وشماله». وفي الرواية الثالثة قال: «ما شأنكم تشيرون بأيديكم، كأنها أذناب خيلٍ شمس؟ إذا سلّم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه، ولا يُومئ بيده». وهو من النهي عن مشابهة بعض الحيوانات في بعض أفعال الصلاة، فمن ذلك: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يفترش الإنسان في صلاته كافتراش السبع، كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «.. وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعية افتراش السبع». رواه مسلم. وعند أحمد والنسائي: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاث: عن نقرة الغراب، وعن افتراش السبع، وأن يوطن الرجل المقام كما يوطن البعير». وفيه: الأمر بالسكون في الصلاة، والخشوع فيها والإقبال عليها. قوله: «فرآنا حلقا» هو بكسر الحاء وفتحها، لغتان، جمع حلقة بإسكان اللام، وحكى الجوهري وغيره فتحها في لغة ضعيفة. قوله: «ما لي أراكم عزين» أي: متفرقين جماعة جماعة، وهو بتخفيف الزاي الواحدة (عزة)، كما في قوله: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} (المعارج:36-37). ومعناه: النهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع. وفي الحديث في مسند الإمام أحمد: عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه قال: «كنا إذا سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فنزلنا منزلاً، تفرقنا في الوديان والشعاب، فقال لنا عليه الصلاة والسلام ذات يوم: «إنما تفرّقكم هذا من عمل الشيطان» قال أبو ثعلبة: فكنا بعد ذلك إذا نزلنا منزلاً اجتمعنا، حتى لو جلسنا على بساط لوسعنا. فالنبي عليه الصلاة والسلام أنكر ذلك عليهم وقال: «إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان». قال العلامة الألباني رحمه الله: «وأين هذا؟ في الصحراء، فما بالكم في مجالس العلم؟! ولذلك فخلاف السنة تكبير الحلقة، وإنما تصغيرها ما أمكن ذلك، ولذلك فجلوسهم هكذا صفين فقط ، ويبقى هناك فراغ يمكن سده، فهذا خلاف السنة. فنحن نذكر في مثل هذه المناسبة دائماً وأبداً: أن مثل هذا التوجيه من النبي صلى الله عليه وسلم ، ومثل هذا الاهتمام بتجميع المسلمين في أبدانهم وفي أشخاصهم، لم يكن ذلك من باب الاهتمام بالظاهر فقط دون إصلاح الباطن! ذلك لأنه من المقرر -شرعاً- أن إصلاح الظاهر يساعد على إصلاح الباطن، وهذا صريح في قوله عليه الصلاة والسلام المعروف: «ألا وإنّ في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فصلاح الجسم من الناحية المادية والصحية البدنية، يتعلق بصلاح القلب وصحته، فإذا كان القلب في جسد صاحبه سليماً، فلا يمكن أن يكون الجسد إلا سليماً، والعكس بالعكس؛ إذا فسد القلب مرض الجسد، هكذا يقول نبينا صلوات الله وسلامه عليه، مذكراً لنا بوجوب الاهتمام في إصلاح الظاهر؛ لأن هذا الإصلاح يكون أولاً: دليلاً على صلاح الباطن، ثم يكون هناك تعاون بين الظاهر والباطن. قال: وأكثر من ذلك: قوله عليه السلام حينما كانت تقام الصلاة، فلا يكبر حتى يأمر بتسوية الصفوف، ويقول لهم: «لتُسوُّن صفوفكم، أو ليُخالفنّ الله بين قلوبكم» إذاَ الاختلاف في الصفوف يؤدي إلى الاختلاف في القلوب، والاستواء في الصفوف يؤدي إلى استواء القلوب وتحببها وتجمعها، ونحو ذلك، لهذا كان عليه السلام يهتم بإصلاح الظاهر وإصلاح البدن، وقديماً قالوا: صلاح الأبدان كصلاح الأديان، فكل منهما مرتبط مع الآخر. انتهى من سلسلة الهدى والنور (524) قوله «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟» ألا للتحضيض والحث. قوله «فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ». فيه الأمر بإتمام الصفوف الأُول، والتراص في الصلاة، ومعنى إتمام الصفوف الأُول: أنْ يتم الأول، ولا يشرع في الثاني حتى يتم الأول، ولا في الثالث حتى يتم الثاني، ولا في الرابع حتى يتم الثالث، وهكذا إلى آخرها. وإذا كان هذا هو الإرشاد النبوي لإتمام الصفوف، فمن باب أولى ألا تكون في المسجد الواحد أكثر من جماعة في وقلت واحد! كما كانت هذه البدعة في المسجد الحرام، في عصر بعض ملوك الجراكسة في أوائل المائة التاسعة من الهجرة، واستمرت زمنا طويلا، كما ذكره الشوكاني في «إرشاد السائل إلى دليل المسائل» (انظر السراج الوهاج لصديق حسن 2/73). وكذا كانت في المسجد الأموي وغيرهما، فيصلي أهل كل مذهب مع إمامهم في أربعة محاريب؟! والحديث فيه: أن الملائكة يصلون، وأن صفوفهم على هذه الصفة. قال النووي: وفيه: أن السُنّة في السلام من الصلاة أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه، والسلام عليكم ورحمة الله عن شماله، قال: ولا يسن زيادة (وبركاته) وإن كان قد جاء فيها حديث ضعيف، وأشار إليها بعض العلماء، ولكنها بدعة إذ لم يصح فيها حديث؟! بل صح هذا الحديث وغيره في تركها، والواجب منه السلام عليكم مرة واحدة، ولو قال: السلام عليك بغير ميم لم تصح صلاته. كذا قال؟ وقد مضى التعليق عليه فيما مضى. قال: وفيه دليل على استحباب تسليمتين، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. قوله: «ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله» المراد بالأخ الجنس، أي: إخوانه الحاضرين عن اليمين والشمال. والله أعلم.
__________________
|
|
#59
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 60 ) باب: الإشارة برد السّلام في الصلاة الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 335.عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَسِيرُ - قَالَ قُتَيْبَةُ -: يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي، فَقَالَ: «إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي»، وَهُوَ مُوَجِّهٌ حِينَئِذٍ قِبَلَ الْمَشْرِقِ. الشرح: قال المنذري: باب: الإشارة برد السّلام في الصلاة. والحديث أخرجه مسلم في المساجد (1/ 383) وبوب عليه النووي (5/28): باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحة. قوله «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَسِيرُ - قَالَ قُتَيْبَةُ -: يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَشَارَ إِلَيَّ» أي: أنه لم يرد عليه، إنما أشار برد السلام بدلا من الكلام. وفيه: منع رد السلام في الصلاة باللفظ، وقد وردت فيه أحاديث، منها هذا الحديث، ومنها أيضا: 1- حديث حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: «كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه، حتى نزلت {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (البقرة: 238}. فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام».أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. 2- حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كنَّا نسلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلّمنا عليه فلم يرد علينا»، وقال: «إنّ في الصلاة شغلاً». رواه البخاري (1141) ومسلم (538). 3- حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه ، فانه تكلم في الصلاة، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهو الحديث الآتي بعد هذا الباب. فحديث زيد وابن مسعود رضي الله عنهما دليل على أنهم كانوا أول ما فُرضت الصلاة، يتكلمون في الصلاة، كأنهم احتاجوا أن يتسامح معهم ؛ لكونهم حديثي عهد بالإسلام، فرخص لهم في أن يكلم أحدهم صاحبه في حاجته، أو يرد عليه السلام ونحو ذلك، ثم بعدما عقلوا وفهموا، نُهوا عن الكلام في الصلاة، لأن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ؛ فإن الصلاة عبادة ومناجاة، وقيام بين يدي الله تعالى. والأحاديث السابقة تدل على تحريم رد السلام والكلام في الصلاة. قال النووي: هذه الأحاديث فيها فوائد، منها: تحريم الكلام في الصلاة، سواء كان لمصلحتها أم لا، وتحريم رد السلام فيها باللفظ، وأنه لا تضر الإشارة، بل يستحب رد السلام بالإشارة، وبهذه الجملة قال الشافعي والأكثرون. انتهى وقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (البقرة:238)، فالقيام لله معناه: الوقوف في الصلاة، والقنوت أيضا: هو دوام الطاعة، ولكن هنا يفهم من القنوت: الخشوع والسكوت والسكون، والخشوع يستلزم الإقبال على الصلاة، وأن التكلم في نفس الصلاة فيه شيء من المنافاة للقنوت ؛ فلأجل ذلك أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام. والكلام الذي نهوا عنه هو الكلام الذي يكون خارجاً عن الصلاة وقراءتها وأذكارها، ولا يتعلق بمصلحتها، ومعلوم أن الصلاة ليس فيها سكوت مطلق، بل المصلي لا يسكت إلا إذا كان خلف الإمام في الجهرية، فإنه يسكت ويستمع لقراءته إلا الفاتحة، وكذلك المأموم في السرية يقرأ، وكذلك في الركوع كل منهم يسبح، يقول: «سبحان ربي العظيم»، وفي الرفع بعد الركوع يأتي بالحمد والثناء على الله تعالى، وفي السجود يسبح ويثني على الله، وفي جلسته بين السجدتين يستغفر، وفي التشهد يتشهد، فليس في الصلاة سكوت بل فيها كلام، ولكنه مناجاة بين العبد وربه. فالكلام الذي نُهوا عنه هو الكلام الذي كان بين بعضهم البعض، فيأمر أحدهم صاحبه بحاجته، ويكلم خادمه، ويردون السلام بالكلام ونحو ذلك، ثم نهوا عن ذلك وأمروا أن يتركوا الكلام الذي لا صلة له بالصلاة. أما الكلام لمصلحة الصلاة، كما إذا سها إمامهم ولم يجدوا بداً من أن يفتحوا عليه، ففي هذه الحال لهم أن يكلموه بقدر الحاجة لا أكثر، وذلك إذا لم يفهم فيتكلمون معه بقدر الحاجة، كما جاء في حديث ذي اليدين رضي الله عنه : أنه صلى الله عليه وسلم لما صلى ركعتين وانصرف، واعتقد أن الصلاة قد تمت، فتكلم معه ذو اليدين فقال: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: «لم أنس ولم تقصر!»، فقال: بلى قد نسيت، فقال: «أكما يقول ذو اليدين؟» فقالوا: نعم،... الحديث. فكل هذا كان كلاما ليس من جنس الصلاة، ولكنه من مصلحتها، فقال الفقهاء: للمأمومين أن يكلموا إمامهم إذا سها ولم يفهم إلا بإيضاح ذلك، وإنْ كان بجزء آية فهو أحوط. ولا خلاف بين الفقهاء: في استقرار تحريم الكلام في الصلاة، وأنّ من تكلم عامداً عالما، فسدت صلاته (كما في الإجماع لابن المنذر). واختلفوا في كلام الساهي والجاهل؟ فحكى الترمذي عن أكثر أهل العلم: أنهم سووا بين كلام الناسي والعامد والجاهل؟! واليه ذهب الثوري وابن المبارك، وبه قال النخعي وأبو حنيفة. وذهب قومٌ إلى الفرق بين كلام الناسي والجاهل، وبين العامد، وحكى ذلك ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عباس وعبدالله بن الزبير، ومن التابعين: عروة وعطاء والحسن البصري، وممن قال به مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر، وهو الصحيح الراجح. واحتجوا بأحاديث منها: 1- عدم فساد صلاة المتكلم الناسي، ودليله: أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم في حال السهو، وبنى عليه، كما في حديث ذي اليدين، في البخاري وغيره. 2- عدم فساد صلاة المتكلم الجاهل، ودليله: حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه ، فانه تكلم في الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالإعادة. 4- حديث: «وضع عن أمتي الخطأ والنسيان». واختلفوا في حكم رد السلام بالإشارة إلى قولين: القول الأول: يكره للمصلي رد السـلام بالإشارة وهو في الصلاة، وبه قال الحنفية؟! القول الثاني: يشرع للمصلي رد السلام بالإشارة بيده أو برأسـه، وإن شاء رد عليه باللفظ بعد فراغه من الصلاة. وبه قال جمهور الفقهـاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة. وقد استدل الحنفية بما يأتي: 1 - حديث ابن مسعود رضي الله عنه السابق، وفيـه قوله صلى الله عليه وسلم : «إن في الصلاة شغلا». ووجه الدلالة: أن الحديث دل بعمومه على منـع رد السلام في الصـلاة مطلقا، سـواء كان باللفظ أو بالإشارة، وإلا لاستثنيت. 2 - أن الإشارة كلام معنى. 3 - أنها تفضي إلى ترك سنة وضع اليد في الصلاة على الأخرى! أما أدلة الجمهور: فقد استدلوا بما يأتي: 1 - بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني لحاجة، ثم أدركته وهو يصلي فسلمت عليه، فأشـار إلي، فلما فرغ دعاني فقال: إنك سلمت آنفا وأنا أصلي». وهو حديث الباب. 2 - حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «دخل النبي صلى الله عليه وسلم مسجد قباء ليصلي فيه، فدخل عليه رجالٌ يسلّمون عليه، فسألت صهيبا وكان معه: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا سُلم عليه؟ قـال: كان يشير بيده». 3 - حديث صهيب رضي الله عنه قال: «مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فرد إشارة». أما دليل من قال بتأخير رد السلام إلى ما بعد الانتهـاء من الصلاة: فحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : حين سلم على رسـول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فلم يرد السلام، فلما فـرغ صلى الله عليه وسلم من صلاتـه قال: إنّ الله يُحدث من أمره ما يشاء، وإنّ الله قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة، فرد عليه السلام. وهذا مما يدل على جواز الأمرين، والله أعلم
__________________
|
|
#60
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 61 ) باب : نسخ الكلام في الصلاة الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 336.عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ : بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ ، فَقُلْتُ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ ، فَوَاللَّهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآن» أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِم»، قَالَ: «وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ» قَالَ: «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ»، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ : فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ ، قَالَ قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قَالَ: «كَانَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ»، قَالَ: وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟! قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا»، فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللَّهُ؟»، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».الشرح : قال المنذري باب: نسخ الكلام في الصلاة. والحديث أخرجه مسلم في المساجد (1 / 381 ) وبوب عليه النووي: تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحة . معاوية بن الحكم السلمي صحابي ، قال أبو عمر: كان يسكن بني سليم وينزل المدينة، قال البخاري: له صحبة، يعد في أهل الحجاز. وقال البغوي: سكن المدينة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، قلت: ثبت ذكره وحديثه في صحيح مسلم من طريق عطاء بن يسار. اهـ قوله: «بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ ..» في الحديث: أن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه دخل الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان حديث عهد بجاهلية، فلم يعلم من أحكام الشريعة وأحكام الصلاة شيئا كثيرا، وكان قد علم أنّ العاطس يُشمت إذا عطس وقال: الحمد الله، فيقال له: يرحمك الله، ولكنه لم يكنْ يعلم أن التشميت يكون في غير الصلاة ، ولا يصح أثناء الصلاة . فسمع معاوية رجلا يعطس بعد دخوله في الصلاة، فبادر إلى تشميته قائلا له: يرحمك الله». وهذا يدل على أن العاطس يحمد الله في صلاته، وقد ورد ذلك صريحا في رواية للترمذي: عَنْ مُعَاذ بْن رِفَاعَةَ عنْ أَبِيه قَالَ: صلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهصلى الله عليه وسلم فَعطَسْتُ، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فِيه، مُبارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَلَمَّا صلَّى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم انْصرَفَ فَقَال: «مَنْ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصلَاة؟»، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ: «مَنْ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟» فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ: «مَنْ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟» فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ ابْنُ عَفْرَاءَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ ؟»، قَالَ قُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيه ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكًا، أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا». قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي الْباب عن أَنَس ووائل بن حُجْر وعامر بن ربِيعةَ، قَال: حَدِيثُ رِفَاعَةَ حَديثٌ حسنٌ، وَكَأَنّ هذَا الْحَدِيثَ عنْدَ بعضِ أَهْلِ العلْمِ أَنَّه فِي التَّطَوُّعِ، لِأَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ التّابعِينَ قَالُوا: إِذَا عَطَسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة، إِنَّمَا يَحْمَدُ اللَّهَ فِي نَفْسهِ، ولَم يُوَسِّعُوا في أَكْثَرَ مِنْ ذَلكَ. وقال عنه شيخنا الألباني: حسن، صحيح أبي داود ( 747 ). قوله: «فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ ، فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ» أي: نظر إليه الصحابة نظراً حادِّا ، منكرين عليه ما كان منه من الكلام أثناء الصلاة، ولكنه لم يدر ما السبب في تحديدهم النظر إليه وما الذي أنكروا عليه؟ فما كان منه إلا خاطبهم قائلا: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ قوله: «فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ » أي : أخذ الصحابة يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، منكرين عليه، فعلم أنهم يريدون تسكيته ، فسكت من غير أن يعلم الأمر الذي أنكروه عليه! وفيه: أن الصحابة لم يكن عندهم علم بالكيفية التي يتصرفون بها إذا نايهم أمر في الصلاة، فعندما اخطأ معاوية أخذوا ينظرون إليه ، ثم ضربوا بأيديهم على أفخاذهم، ثم نهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأمر الرجال إذا نابهم شيء في الصلاة أن يقولوا: سبحان الله، وقال لهم: «إنما التصفيق للنساء». قوله: «فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي» أي : لما أتم الرسول صلى الله عليه وسلم صلاته، علمه ما لم يكن يعلم، من فقه الصلاة مما ليس عنده. وهكذا ينبغي أن يكون المربي والمعلم، فالجاهل لا يؤنب ولا يوبخ بجهله، ولا يضرب، كما يفعل العوام الذين لا علم عندهم، فلا تجد عند إلا الصراخ والإنكار الشديد على من وقع في مثل هذه المخالفات، دون تعليم ولا تربية؟! وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة إلى الله تعالى ، فيتركوا كثرة العتاب للعاصين، وينشغلوا بإزالة الجهل لديهم بالحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن . ولذلك حمد معاوية رسول الله صلى الله عليه وسلم في حسن تصرفه معه تجاه خطئه، ولطفه به، فقال: «فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلما قبله ولا بعده، أحسن منه تعليما منه، فوالله ما كهرني- أي : ما نهرني - ولا ضربني ولا شتمني» أي: إنما كل الذي فعله أنه دلّه على خطئه بأيسر عبارة وأسهلها، فقال له: إن الذي تكلم به هو من كلام الناس، وهو لا يجوز في الصلاة، فلا يجوز للمصلي أن يتكلم بكلام الناس بعد دخوله في الصلاة، كتشميته للعاطس، ورد السلام، أو أمر أهله وأصحابه بالسكوت ونحو ذلك. وفيه: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا دخلوا الإسلام، تعلموا العلم شيئا فشيئا ، وليس دفعة واحدة. قوله: «إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أي: بهذا ينشغل المصلي، لا بغيره من الكلام، وقد سبق ذكر ذلك وقول تعالى: {وقوموا لله قانتين} (البقرة: 238). قوله: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ ، قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِمْ» فيه: حرمة إتيان الكهان، وهم من يدعي معرفة الغيب والمستقبل، ومثلهم قارئي الكف والفنجان وأصحاب الأبراج و ما شابه ذلك ، ولو للتسلية، فمن سألهم لم تقبل له الصلاة أربعون يوما، ومن صدق كاهنا بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم . قَولَه: «وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ»، قَالَ: «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ»، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ» الطيرة هي: التشاؤم، وأصل الطيرة منسوبة إلى الطير؛ حيثُ كانت العرب إذا أراد أحدٌ منهم السفر، يراقبون السَّانح – وهو الطائر إذا طار يمينًا - والبارح - وهو الطائر إذا طار يسارًا - فكانوا يتطيَّرون بها، والمرء يتساءل: ما فِقْه الطير إنْ طار يمينًا أو شمالاً ؟ وما هو العلم الكامن تحت هذا ؟ ولذا أخبر صلى الله عليه وسلم أن هذا كلِّه بأنه ليس شيئًا حقيقيًّا، بقوله: «ذاك شيء يجدونه في صُدُورهم» ؛ أي: لا حقيقة له، فإذا رأى المرء شيئًا من هذا «فلا يصدنهم»؛ أي: ما يجده في صدره لا يصده أن يُتمم حاجته ، فنهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك نهيًا رفيقًا. وكان أهل الجاهلية يتطيرون أشدَّ ما يكون التطير في ثلاثة أشياء: المرأة، والدار، والفرس؛ كما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبيصلى الله عليه وسلم : «لا عدوى ولا طيرة، إنَّما الشُّؤم في ثلاث: في الفرس، والمرأة، والدار». رواه البخاري في كتاب الطب، باب لا عدوى ( 5438 ) . وإنَّما قيل: الشُّؤم في هذه الأشياء؛ لكثرة مُلابسة الرجل امرأته وداره وفرسه، فهي أكثر الأشياء التي تُصاحب الرجل، فقد يصادف قَدَرَ الله أن تكون المرأةُ على غير ما يريد الرَّجل فيتأذَّى بها، فكلما حدث له شر، أناطه بالمرأة؛ بسبب استمرار أذاها، وهي ليست لها علاقة بذلك الشر. وقال النبيصلى الله عليه وسلم : «الطيرة شركٌ، الطيرة شركٌ - ثلاثًا - وما منَّا إلاَّ، ولكنَّ اللَّهَ يذهبه بالتوكُّل» رواه أبو داود في كتاب الطب، باب في الطيرة (3910)؛ أي : ما منَّا من أحد إلاَّ ويخطر عليه ، ويقع له تشاؤم من شيء ما، لكنَّ الموحد إذا مضى، وتوكَّل على الله، ينقضي الأمر. وندب النبي صلى الله عليه وسلم بدلاً من الطيرة الفأْل، فاستفهموا ما الفأْل؟ فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم موضحًا هذا التفاؤل: «لا طيرة، وخيرها الفأل»، قالوا : وما الفأل يا رسول الله ؟ قال: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» رواه البخاري في كتاب الطب، باب الفأل ( 5423). قَولَه « قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ ، قَالَ: «كَانَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ»، اختلف العلماء في معناه, فالصحيح أن معناه: من وافقه خطه فهو مباحٌ له, ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة ، ولذلك فلا يباح , والمقصود: أنه حرام؛ لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة , وليس لنا يقين بها, وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : فمن وافق خطه فذاك, ولم يقل : هو حرام, بغير تعليق على الموافقة, لئلا يتوهم متوهمٌ أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخط, فحافظ النبي صلى الله عليه وسلم على حُرمة ذاك النبي مع بيان الحكم في حقنا . فالمعنى أن ذاك النبي لا منع في حقه, وكذا لو علمتم موافقته , ولكن لا علم لكم بها. وقال الخطابي: هذا الحديث يحتمل النهي عن هذا الخط، إذا كان علما لنبوة ذاك النبي وقد انقطعت فنهينا عن تعاطي ذلك . وقال القاضي عياض: المختار أن معناه: أن من وافق خطه فذاك الذي يجدون إصابته فيما يقول لا أنه أباح ذلك لفاعله, قال: ويحتمل أن هذا نسخ في شرعنا، فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن. (وانظر شرح النووي) قوله: «قِبَـلَ أُحـد والجوانية» أي : جهة جبل أحد، وموضع يُسمّى «الجوّانيّة» شمال المدينة. وفيه جواز استخدام الجارية وهي «الأمَـة» في الرعي ونحوه . قوله: «آسف» أي: أغضب، وهو رضي الله عنه قد اعتذر عن نفسه بهذا الأسلوب حيث قال : وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون . أي أغضب كما يغضبون. قوله: «فعظم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم » فيه: أنه لا يجوز ضرب الوجه، والتشديد في حقوق الخلق، والمُسامحة في حق الله تعالى . قوله: «أين الله؟ قالت: في السماء » فيه جواز السؤال بـ: أين الله؟ والجواب: أنه في السماء . ومن شهد أن الله تعالى في السماء، وشهد للرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة ، حُـكم له بالإيمان، والسرائر أمرها إلى الله تعالى. أما من شهد أن الله في كل مكان؟! أو أنه لا يعلم أين الله، فلا يُشهد له بالإيمان. فالحديث ينص على أن الله عز وجل في السماء على عكس ما يقول المعطلة والجهمية وأهل الكلام أن الله لا يشبه الخلق، ولا يجوز أن نقول: أين الله؟ لأن ذلك مما لا يليق بالله تعالى، وهكذا يردون على رسول الله قوله؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: أين الله للجارية!! وعقيدة أن الله في كل مكان ، هي عقيدة (الحلول) وهي من عقيدة النصارى وليست من عقيدة المسلمين؟! قوله: «أعتقها»، فيه تشوّف الإسلام إلى العتق، والمبادرة إليه، ففي كثير من الكفارات يدخل عتق الرقاب. والله أعلم.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |