|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#551
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد السابع والعشرون صـــ112 الى صـــ 121 (550) رجل كاتب نصف عبد له فاستهلك العبد مالا لرجل فذلك دين في عنقه يسعى فيه ، ولا يباع شيء منه في الدين ; لأن عندهما صار الكل مكاتبا ، وعند أبي حنيفة رحمه الله النصف منه مكاتب ومكاتب النصف لا يحتمل البيع كمكاتب الجميع فيكون عليه . ولو أن مكاتبا قتل عمدا وله وارث في كسبه غير المولى أو ليس له وارث غيره ولم يترك وفاء في قيمته ، ولا وفاء بالمكاتبة فلا قصاص فيه ; لأن في إيجاب القصاص ضررا على المكاتب ، وفي إيجاب القيمة توفر المنفعة عليه ; لأنه يؤدي عنه كتابته فيحكم بحريته وحق المقتول في بدل نفسه مقدم على حق غيره فإيجاب ما ينتفع به المقتول أولى من إيجاب القصاص الذي لا منفعة فيه للمقتول ، ولا لمن له القصاص بسببه إذا ترك وارثا غير المولى واشتباه من له القصاص يمنع وجوب القصاص ، وإن ترك وفاء وله ولد حر فلا قصاص فيه أيضا ، وإن اجتمع في طلبه الولي والولد لاشتباه المستوفي كان على قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما يؤدي كتابته فيحكم بحريته والقصاص لولده ، وعلى قول زيد بن ثابت رضي الله عنه يموت عبدا فيكون القصاص لمولاه واختلاف الصحابة يورث الشبهة ولأن المولى يأخذ بدل الكتابة من تركته فيحكم بحريته فباعتبار ابتداء القتل القصاص للمولى ; لأنه جناية على ملكه وباعتبار المآل القصاص للوارث ; لأنه يحكم بموته حرا فلاشتباه المستوفي كذلك ، وكذلك إن اجتمعا على استيفاء القصاص ; لأن أصل الفعل لم يكن موجبا للقصاص فباجتماعهما لا يصير موجبا ، وإن لم يدع المكاتب شيئا فلا قصاص في هذا الوجه للمولى ومراده من هذا الفصل إذا لم يكن في قيمته وفاء بالكتابة أما إذا كان في قيمته وفاء بها ، فقد ذكر قبل هذا أنه لا يجب القصاص أيضا ، وإن ترك وفاء ، ولا وارث له غير المولى فللمولى القصاص في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ; لأنه متعين للاستيفاء مات حرا أو عبدا ، وفي قول محمد رحمه الله لا قصاص فيه لاشتباه السبب ، وقد بينا المسألة في كتاب المكاتب . رجل قطع يد مكاتب ، ثم جنى المكاتب على القاطع جناية ، ثم عجز فعلى الحر أرش الجناية للمولى ويدفع المولى عبده مقطوعا أو يفديه ; لأن ما وجب على الحر بجنايته بمنزلة كسب المكاتب وكسبه للمولى بعد العجز ، ثم حق المجني عليه تعلق بالعبد مقطوعا ; لأن الجناية وجدت منه ، وهو أقطع اليد فيخاطب مولاه بالدفع لذلك بعد العجز أو الفداء ، وإن كانت جناية المكاتب على الحر قبل [ ص: 113 ] جنايته عليه قيل للمولى ادفعه أو افده ، فإن دفعه بطلت جناية الحر عليه ; لأنه جنى على الحر ويده صحيحة فيتعلق حق ولي الجناية بيده ، ثم يحول إلى بدله بالجناية عليه ، فإذا اختار المولى دفعه كان عليه أن يدفع أرش اليد معه لو كان الجاني أجنبيا آخر ، فإذا كان هو المجني عليه ، فقد ملك ما عليه من أرش اليد فيسقط ذلك عنه ، وإن فداه أخذ المولى من الحر أرش جنايته على العبد ; لأنه وصل إلى المجني عليه كمال حقه وطهر العبد من الجناية فيكون أرش يده خالص حق المولى . رجل كاتب نصف عبده ، ثم قطع رجل يديه فعليه ضمان النقصان ; لأن مكاتب النصف مكاتب الكل في أنه يتعذر تسليم الجثة إلى الجاني ، وقد بينا في الديات أن ذلك يمنع وجوب ضمان جميع القيمة على الجاني ، فإنما يلزمه ضمان النقصان ، ثم نصف ذلك للمولى ونصفه للمكاتب ; لأن النصف منه مكاتب والنصف مملوك للمولى غير مكاتب في قول أبي حنيفة وضمان النقصان بمنزلة كسب اكتسبه المكاتب فيكون نصفه لمولاه ونصفه للمكاتب . وإذا قتل عبد المكاتب رجلا خطأ فاختار المكاتب فداءه بالدية وقضى عليه بها فهو دين في عنق المكاتب ; لأن المكاتب في عبده بمنزلة الحر ، وفي اختيار الفداء منفعة له ، وهو استخلاص عبده عن الجناية فيكون هو فيه كالحر وتكون الدية عليه دينا بقضاء القاضي بمنزلة سائر ديونه ويطالبه به في حال الكتابة ، وإن عجز بيع فيه إلا أن يؤديه المولى عنه ، وعلى هذا لو أقر المكاتب على عبده بجناية جاز إقراره عليه ويخير المكاتب فيه بين الدفع والفداء بمنزلة الحر يقر على عبده بذلك ، وكذلك لو صالح عن جناية على عبده فهو في ذلك بمنزلة الحر ، وقد بينا حكم هذا فيما إذا عجز وأدى في الديات . رجل كاتب نصف عبده ، ثم جنى المكاتب جناية ضمن المولى نصفها وسعى المكاتب في نصفها ; لأن المكاتب أحق بنصف كسبه فيكون موجب الجناية عليه في ذلك النصف والمولى أحق بنصف كسبه باعتبار ملكه فيكون موجب الجناية عليه في ذلك النصف ، وإنما يلزمه الأقل من نصف القيمة ومن نصف الأرش ; لأنه صار مانعا دفع هذا النصف بالكتابة السابقة ولم يصر مختارا بذلك فيكون مستهلكا ضامنا للقيمة كما في جناية المدبر وأم الولد ، فإن قضى بذلك عليهما ، ثم عجز بيع نصفه في النصف الذي قضى به عليه وكان النصف الآخر دينا على المولى ; لأن الحق بقضاء القاضي تحول من نصف نفسه إلى نصف القيمة دينا في ذمته فيباع ذلك النصف فيه بعد عجزه ، فأما النصف الآخر ، فإنما قضى به دينا في ذمة المولى فلا يتغير ذلك بعجزه ; لأنه حين قضى به كان السبب القضاء ، وهو تعذر الدفع قائما ، فإن لم يعجز ولكن قتل آخر خطأ ، فإنه [ ص: 114 ] يقضي على المكاتب بنصف قيمة أخرى ; لأنه في النصف هو مكاتب فيه ، وقد تحول حق الأول إلى القيمة بالقضاء فيتعلق حق الثاني بهذا النصف فيقضي عليه بنصف قيمة لهذا ويدخل الثاني مع الأول في نصف القيمة الذي قضى به على المولى ; لأن المولى ما منع بالكتابة السابقة إلا نصف الرقبة فلا يغرم باعتباره إلا نصف القيمة ، وقد أدى ذلك النصف إلى الأول فليس عليه شيء آخر ولكن الثاني يشارك الأول فيما قبض من المولى من نصف القيمة ، وإن عجز قبل أن يقضي للثاني قيل للمولى ادفعه إلى الثاني أو افده ; لأن الجناية الثانية تعلقت برقبته باعتبار توهم الدفع بعد العجز ، فإن دفعه تبعه الأول بنصف القيمة دينا في ذمته ; لأن حق الأول تحول إلى نصف القيمة بقضاء القاضي فاجتمع في ذلك النصف دين وجناية فيدفع بالجناية ، ثم يباع في الدين ويكون للأول على المولى نصف القيمة لقضاء القاضي له بذلك . رجل كاتب نصف أمته ، ثم ولدت ولدا فجنى الولد جناية ، فإنه يسعى في نصف جنايته ويكون نصفها على المولى ; لأن الولد بمنزلة الأم نصفه مكاتب ونصفه مملوك للمولى ففي النصف الذي هو مكاتب موجب جنايته عليه ، وفي النصف الآخر موجب جنايته على المولى إلا أن الدفع للمولى متعذر بسبب الكتابة السابقة فعليه نصف قيمته ، فإن أعتق السيد الأم بعدما جنى الولد عتق نصف الولد وسعى في نصف قيمته للمولى ; لأن نصف الولد كان مكاتبا تبعا لأمه فيعتق بعتقها والنصف الآخر كان مملوكا للمولى ، وقد تعذر استيفاء الملك له بسبب عتق النصف فعليه السعاية في نصف القيمة للمولى ونصف الجناية على الولد باعتبار أن نصفه كان مكاتبا ، وقد تأكد ذلك بالعتق ، وكذلك حكم الجناية إذا أعتق المولى الولد إلا أن هناك لا سعاية على الولد ; لأنه إنما عتق بإعتاق المولى إياه ، وفي الأول إنما عتق بحكم السعاية في الكتابة وذلك كان في النصف منه دون النصف ، ولو لم يعتق أحد منهما ولم يجنيا على الأجنبي ولكن جنى أحدهما على الآخر لزم كل واحد منهما من جنايته الأقل من قيمته ومن نصف الجناية باعتبار الكتابة في النصف ، ثم نصف ذلك على المولى باعتبار أن النصف مملوك له ، وهو مستهلك بالكتابة السابقة ونصفه على الجاني للمولى باعتبار أن المجني عليه نصفه مملوك للمولى غير مكاتب فيصير بعضه بالبعض قصاصا ; لأنه وجب لكل واحد منهما على صاحبه مثل ما لصاحبه ، ولو جنت الأم ، ثم ماتت قبل أن يقضي عليها ولم تدع شيئا فولدها بمنزلتها يسعى في نصف الجناية والكتابة ; لأن نصف الولد مكاتب معها ، ولو كان الكل تبعا لها كأن يقوم مقامها في السعاية فيما عليها من بدل الكتابة وموجب الجناية [ ص: 115 ] فكذلك إذا كان دينا في ذمة المولى ابتداء فلا يسقط ذلك بموتها كجناية المدبر ويستوي إن كان قضى عليها بالجناية أو لم يقض . أما في النصف الذي هو على المولى فغير مشكل ، وفي النصف الذي هو عليها فلأن الكتابة بقيت ببقاء من يؤدي البدل وتصير جنايتها دينا بموتها عمن يؤدي كما تصير دينا بموتها عمن يؤدي له بدل الكتابة فكان القضاء وغير القضاء فيه سواء ، فإن جنى الولد بعد ذلك جناية ، ثم عجز ، وقد كان قضى عليه بجناية أمه ، فإن الذي قضي به عليه من جناية أمه دين في نفسه غير أن للمولى أن يدفعه بجنايته ; لأن حق ولي جنايته تعلق برقبته وزال المانع من دفعه بعجزه قبل القضاء فيكون للمولى أن يدفعه بجنايته ، وإن شاء فداه ، فإن فداه بيع نصفه في الدين الذي على أمه ، وإن دفعه لم يتبعه في هذا الدين ; لأنه دين أمه وحق ولي جنايته مقدم على حق صاحب دين أمه فلهذا لم يتبعه المقضي له بنصف القيمة في ملك المدفوع إليه . رجل كاتب نصف عبده فجنى جناية ، ثم كاتب النصف الباقي فجنى جناية أخرى ولم يكن قضى للأول ، فإن على الأول نصف الجناية الأولى ويقضى على المكاتب بقيمته ; لأنه حين جنى على الأول كان النصف منه مملوكا للمولى غير مكاتب فكان الدفع منه متعذرا فوجب على المولى نصف قيمته لولي تلك الجناية دينا في ذمته ، ثم جنى على الثاني ، وهو مكاتب كله فيقضي عليه بقيمته وتكون نصف هذه القيمة لولي الجناية الثانية خاصة ; لأن الذي كوتب منه آخرا ما ثبت فيه إلا حق ولي الجناية الثانية فقيمة هذا النصف عند قضاء القاضي تكون له خاصة والنصف الآخر ، وهو الذي كوتب منه أولا قد تعلق به الجنايتان جميعا فقيمة ذلك النصف إذا قضى به القاضي يكون بينهما نصفين لاستواء حقهما فيه ، فقد وصل إلى كل واحد منهما نصف حقه ، وإنما بقي له نصف حقه ، فإن عجز قبل قضاء القاضي دفعه إليهما أو فداه ، فإن كان قضى عليه بالجناية الأولى قبل أن يجني الثانية ، ثم عجز ، فإن للمقضى له نصف ما قضى له على المولى ونصفه دين في نصف العبد ويدفع العبد إلى الثاني أو يفديه ; لأنه حين جنى على الثاني كانت الرقبة فارغة عن الجناية الأولى فيتعلق حق ولي الجناية الثانية به فيدفع إليه بعد العجز أو يفدي بالدية ، فإن دفعه تبعه الأول فيباع له في نصف قيمته لما قلنا إن نصف القيمة صار دينا في ذمته بقضاء القاضي فيتبعه ذلك في ملك المدفوع إليه ويباع فيه إلا أن يقضيه عنه . ولو كاتب نصف عبده فجنى جناية ، ثم كاتب النصف الباقي فجنى جناية ، ثم عجز عن المكاتبة الأولى يرد ذلك النصف إلى الرق ; لأن كل نصف بمنزلة شخص على حدة فالعجز في النصف الأول لا يوجب العجز [ ص: 116 ] في النصف الثاني ، وإنما تنفسخ الكتابة فيما تقرر فيه سببه ، ثم يقضي على المولى للأول خاصة بنصف جنايته ونصفها بينه وبين الثاني يضرب كل واحد منهما فيه بنصف جنايته ; لأن الجناية الأولى كان قد أوجب على المولى نصف القيمة ; لأنه حين جنى تلك الجناية كان النصف منه للمولى ملكا فلا يتغير ذلك الحكم لعجزه ، وفي النصف الآخر كانت الجناية على الأول متعلقة بنصف الرقبة ، وقد تعلق أيضا جنايته على الثاني بذلك النصف وكان على المولى دفع ذلك النصف بالجنايتين بعد عجزه عن المكاتبة الأولى لولا الكتابة الثانية ، وهو بالكتابة الثانية صار مانعا دفع ذلك النصف على وجه لم يصر مختارا فعليه نصف القيمة بين ولي الجنايتين نصفين ، وعلى المكاتب نصف القيمة أيضا لولي الجناية الثانية ; لأنه جنى عليه والنصف الباقي مكاتب فموجب جنايته عليه في هذا النصف ما بقيت الكتابة وهي باقية . وإن عجز عن المكاتبة الثانية خاصة ولم يعجز عن الأولى فعلى المولى هنا الأقل من نصف قيمته ونصف الجناية الأولى ، وهو للأول خاصة ونصف الجناية الأخيرة فيضرب كل واحد منهما بنصف جنايته ويقضي على المكاتب في النصف الذي كوتب أخيرا بالأقل من نصف قيمته ومن أنصاف جنايتهما ، وهذا كله على قياس قول أبي حنيفة رحمه الله . فأما عندهما إذا كاتب الرجل نصف عبده فهو مكاتب كله والحكم في جنايته كالحكم في جناية المكاتب على ما سبق . رجل كاتب عبدين له مكاتبة واحدة ، ثم جنى أحدهما جناية سعى في الأقل من قيمته ومن أرش الجناية ولم يلزم صاحبه منها شيء إن عاش هذا أو مات ; لأن كل واحد منهما مقصود بعقد الكتابة بمقابلة بعض البدل فاتحاد العقد واختلاف العقد فيما يلزم كل واحد منهما بالجناية والدين سواء ، ولو كوتب كل واحد منهما بعقد على حدة لم يلزم أحدهما شيء مما على صاحبه من جناية أو دين فكذلك إذا كوتبا بعقد واحد ، وإنما صار كل واحد منهما مطالبا بجميع بدل الكتابة لأجل الضمان ولأنه لا يتوصل إلى العتق إلا بأداء جميع البدل ، وهذا المعنى غير موجود في الدين والجناية ، وعلى هذا لو قتل أحدهما صاحبه خطأ وقيمتهما سواء فعليه قيمة المقتول بمنزلة ما لو كانا مكاتبين في عقدين ، ثم الحي منهما يسعى في جميع الكتابة وتبقى الكتابة في حق الميت ; لأنه مات عمن يؤدي البدل ولأن العقد واحد فلا يمكن فسخه في حق الميت مع إبقائه في حق الحي ، ولا بد من إبقاء العقد في حق الحي ، وهذا لا يتوصل إلى الحرية إلا بأداء جميع البدل ، وإذا أداها عتق واستوجب الرجوع على صاحبه بما يؤدي عنه من حصته فيصير ذلك قصاصا بما لصاحبه عليه من القيمة [ ص: 117 ] ويؤدي فضلا إن بقي عليه ويرجع بفضل إن كان بقي له . ولو كاتب أمتين له مكاتبة واحدة فولدت إحداهما ولدا ، ثم جنى الولد على الأخرى فأدت أمة المكاتبة عتقوا ، فإن الأم ترجع على صاحبتها بحصتها من المكاتبة ; لأنها أدت ذلك عنها بحكم صحيح بأمرها ويسعى الولد في الجناية ; لأن الولد كان مكاتبا وجناية المكاتب تلزمه الأقل من قيمته ومن أرش الجناية ويتقرر ذلك عليه بالعتق لوقوع الناس عن الدفع به ، فإن كان في يد الولد مال حين عتق كان ذلك للأم إن لم يكن قضى بالجناية على الولد ; لأن جناية المكاتب قبل العتق لا تصير دينا إلا بقضاء القاضي لتوهم الدفع بعد العجز وكسب الولد المولود في الكتابة سالم لها بشرط الفراغ عن دينه لما قلنا أن في حكم الكسب ولدها بمنزلة عبدها والجناية إنما صارت دينا عليه بعد العتق فلا يكون ذلك مانعا من سلامة الكسب لها إلا أن يكون قضى عليه بها قبل العتق فحينئذ موجب الجناية من قيمة أو أرش بمنزلة دين آخر على الولد ودينه في كسبه مقدم على حق أمه بمنزلة دين العبد فيؤخذ الدين أولا من ذلك المال ، فإن فضل شيء فهو للأم . ولو كانت الأخرى جنت على الولد كان أرش ذلك عليها للأم ; لأن أرش الجناية عليها بمنزلة كسبه والمعنى فيهما أن الولد إنما يجعل ملكا للمولى ضرورة التبعية في الكتابة كما يكون خارجا من حكم الكتابة لا تتحقق فيه هذه الضرورة فجعل ذلك لها وأرش طرفه خارج من الكتابة ، وكذلك كسبه فيسلم ذلك كله للأم بمنزلة كسبها وأرش طرفها ، فإن أدت في الكتابة صار ما أدت عن صاحبتها قصاصا بالأرش ويتراجعان بالفضل ; لأنه استوجب الرجوع على صاحبتها بأرش الجناية وصاحبتها استوجبت الرجوع عليها بما أدت عنها من بدل الكتابة فتقع المقاصة كذلك . عبد بين رجلين جنى جناية فكاتبه أحدهما ، وهو لا يعلم والآخر يعلم فبلغ المولى الذي لم يكاتب كتابة صاحبه فأجازها لم يكن مختارا بالإجازة ، وهو لا يعلم بالجناية فلا يصير به مختارا ، وأما المجيز ، فقد كان الدفع متعذرا في نصيبه قبل الإجازة لما بينا أن عقد الكتابة في النصف كعقد الكتابة في الكل في المنع عن الدفع بالجناية ، فإن قيل لا كذلك فالمجيز قبل الإجازة كان متمكنا من فسخ الكتابة ودفع نصيبه بالجناية ، وإنما يتعذر ذلك بإجازته الكتابة فينبغي أن يصير ذلك مختارا للأرش قلنا هو بالإجازة أسقط حقه في الفسخ فلا يتصرف في المحل المستحق بالجناية والاختيار إنما يحصل بتصرفه في المحل المستحق بالجناية على معنى أنه مخير بين شيئين ، فإذا فوت أحدهما تعين الآخر ، وهذا غير موجود هنا ، فإنه ما تصرف في نصيب نفسه بشيء ، وإنما أسقط حقه في فسخ [ ص: 118 ] كتابة صاحبه في نصيبه وما كان دفع نصيب صاحبه مستحقا عليه فلهذا لا يجعل بهذه الإجازة مختارا للفداء ولكن يكون عليهما الأقل من قيمته ومن أرش الجناية بمنزلة ما لو كاتباه وهما لا يعلمان بالجناية . عبد جنى على حر بقطع يده ، ثم قطع يد العبد رجل حر ، ولا يعلم أي الجنايتين قبل ، فقال الحر كانت جناية العبد علي قبل الجناية عليه ، وقال المولى بل كان ذلك بعد الجناية عليه فالقول قول المولى في ذلك ; لأن سبب استحقاق المولى أرش يد العبد ظاهر ، وهو ملكه رقبته والمجني عليه يدعي استحقاق ذلك عليه بدعواه سبق جناية العبد عليه فعليه إثبات ما يدعي بالبينة ، وإن لم يكن له بينة فعلى المولى اليمين ; لأن الحر يدعي تاريخا سابقا في جناية العبد عليه ، وهذا التاريخ لا يثبت إلا ببينة ، فإذا لم يكن له بينة وحلف المولى خير ، فإن شاء دفع العبد إلى المجني عليه ، وإن شاء فداه بجميع الأرش . قال : ( ألا ترى ) أن عبدا لو قطع يد حر وجرح المولى عبده ، فقال المولى فعلت ذلك قبل جناية عبدي عليه ، وقال المجني عليه بل فعلته بعد ذلك كان القول قول المولى ; لأن المجني عليه يدعي اختيار الفداء والمولى منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه فكذلك ما سبق . وإن التقى عبد وحر ومع كل واحد منهما عصا فشج كل واحد منهما صاحبه موضحة فبرئا جميعا ، ولا يدرى أيهما بدأ بالضربة ، فقال المولى للحر أنت بدأت بالضربة ، وقال الحر بل العبد بدأ بها فالقول قول المولى لما بينا من المعنيين أن الحر يدعي سبق تاريخ في جناية العبد عليه ويدعي استحقاق أرش الجناية على العبد ، فإذا حلف المولى كان على الحر نصف عشر قيمة العبد ، للمولى أرش الموضحة ويدفع المولى عبده بجنايته أو يفديه ، وكذلك إن كان مع العبد سيف فمات العبد وبرئ الحر ; لأنه لا قصاص على العبد هاهنا ، فإنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفس والحر إنما جنى على العبد بالقصاص فلا يجب عليه القصاص ، فإن مات العبد من ذلك فكان الواجب الأرش كما في المسألة الأولى . وإذا ثبت أن القول قول المولى في إنكار التاريخ كان على عاقلة الحر جميع قيمة العبد ; لأن نفس العبد تحمله العاقلة فيكون مقدار ما تقتضيه ضربة الحر في قيمته إلى الوقت الذي ضرب العبد الحر ، وهو الوقت الذي يفديه المولى ذلك يكون للمولى ويكون في الباقي أرش جنايته على الحر ; لأن الحر استحق نفسه بجنايته عليه ، وقد مات وأخلف بدلا فيقوم البدل مقامه ويؤمر المولى بدفع ذلك القدر إلى الحر إلا أن يكون أرش جنايته عليه أقل من ذلك فحينئذ يدفع إليه مقدار أرش جنايته والباقي للمولى ، وإن كان السيف مع الحر والعصا مع العبد ، وقد مات العبد وأرش جراحة الحر [ ص: 119 ] أكثر من قيمة العبد ، فقال المولى أنت بدأت فضربت عبدي ، وقال الحر بل العبد بدأ فضربني فالقول قول المولى ; لأنه منكر سبق التاريخ في جناية عبده عن الحر يكون له أن يقتل الحر قصاصا ; لأنه قتل عبده بالسيف وبطل حق الحر ; لأن المستحق له بجناية العبد نفس العبد ، وقد مات ولم يخلف بدلا يمكن استيفاء حقه منه ; لأنه إنما أخلف القصاص ، وإبقاء موجب جناية العبد على الحر فيما دون النفس من القصاص غير ممكن ، فإن قيل : كان ينبغي أن لا يجب القصاص على الحر ; لأنه إن كان الحر جنى على العبد أولا ، فقد استحق نفسه بجنايته ، ثم أقدم على قتل نفس هي مستحقة له بالجناية فصير ذلك شبهة في إسقاط القود عنه في الوجهين . قلنا : لا كذلك ، فإن عبدا لو جنى على الحر ، ثم جنى الحر عليه وقتله يجب عليه القصاص ; لأن موجب جناية العبد على مولاه على ما بينا أن جناية الخطأ تتباعد عن الجاني وتتعلق بأقرب الناس إليه وأقرب الناس إلى العبد مولاه ولهذا خير المولى بين الدفع وبين الفداء وحق المجني عليه في العبد حق ضعيف حتى لا يمنع بقود شيء من تصرفات المولى فيه ومثل هذا الحق الضعيف لا يعتبر شبهة في إسقاط القود ، فإن أقام الحر البينة على العبد أنه بدأ فضربه فهذا مثل الأول لما بينا أن حقه في العبد بسبب جنايته حق ضعيف فلا يمنع ذلك وجوب القصاص عليه بقتله إياه ، وقد فات محل حق الحر فبطل حقه . ولو التقى عبد وحر ومع كل واحد منهما عصا فاضطربا فشج كل واحد منهما صاحبه موضحة فبرآ منها واتفق المولى والحر إنهما لا يدريان أيهما بدأ ، فإن المولى يدفع المولى أو يفديه ; لأن جناية العبد على الحر معلومة وهي تثبت الخيار للمولى ، فإن دفعه رجع على الحر بنصف أرش جناية الحر عليه ; لأن جناية الحر عليه إن سبقت فللمولى الأرش ، وإن تأخرت فليس للمولى عليه شيء ; لأن الأرش مدفوع مع العبد بجنايته فلاعتبار الأحوال قلنا يرجع على الحر بنصف أرش جنايته على العبد ، وإن فداه رجع على الحر بجميع أرش جنايته على العبد ; لأنه بالفداء طهره عن جنايته وأرش جناية الحر عليه سالم له بعد الفداء ، وإن تقدمت جناية العبد على الحر . ولو كانا عبدين فشج كل واحد منهما صاحبه معا وبرآ خير مولى كل واحد منهما ، فإن شاء دفعه ، وإن شاء فداه بجناية مملوكه على مملوك صاحبه ، فإن اختار الدفع صار عبد كل واحد منهما للآخر فلا يتراجعان بشيء سوى ذلك ; لأن كل واحد منهما وصل إلى ما كان مستحقا له ، وإن اختار الفداء أدى كل واحد منهما أرش جناية الآخر تاما ، وإن سبق أحدهما بالضربة قيل لمولى البادي بالضربة ادفعه أو افده ; لأن عبده سبق بالجناية فيخير هو أولا ، فإن دفعه صار العبد [ ص: 120 ] للمدفوع إليه ، ولا يرجع الدافع عليه بشيء ; لأنه لو رجع بشيء لزمه دفع ذلك إليه مع عبده عن الجناية فتبقى جناية عبد الآخر عليه معتبرة ، فإن مات البادي من الضربة وبرئ الآخر وقيمة كل واحد منهما خمسة آلاف ، فإن قيمة الميت في عنق الحي يدفع بها أو يفدي ، فإن فداه بقيمة الميت رجع في تلك القيمة بأرش جناية عبده ; لأن حقه كان ثابتا في رقبة الميت باعتبار جنايته على ملكه ، وقد مات وأخلف بدلا فيكون له أن يرجع في ذلك البدل بأرش جراحة عبده ، وإن دفعه رجع بأرش شجة عبده في عنقه ويخير المدفوع إليه بين الدفع والفداء ; لأن الجناية من عبده كانت بعد الشجة فلا يتعلق حق مولى المجني عليه بأرش تلك الشجة ، وقد كان قبل جناية مولى المجني عليه مخيرا بين الدفع والفداء فكذلك بعد جنايته . ( ألا ترى ) أن عبدا لو شج عبدا موضحة ، ثم جاء عبد آخر فقتل الشاج خطأ خير مولاه بين الدفع والفداء ، فإن فداه كان أرش جراحة المشجوج في ذلك الفداء ، وإن دفعه خير مولى العبد الميت ، فإن شاء دفعه على ما سبق ، وقد أعاد جواب هذا السؤال بعد هذا بأسطر ، وقال مولى الميت بالخيار إن شاء دفع أرش جناية الحي مكان قيمة عبده في عنق الباقي ويخير مولاه ، فإن شاء دفعه ، وإن شاء فداه ، وإن أبى أن يدفع المولى أرش جناية الحي فلا شيء له في عنق الحي ; لأن عبده هو البادي بالجناية فلا يكون له في عنق الحي شيء حتى يؤدي أرش جنايته . ( ألا ترى ) أن عبده لو كان حيا بدئ به فقيل له ادفعه أو افده ؟ فكذلك إذا كان ميتا ، ولو برئ الأول ومات الآخر من الجناية خير مولى الأول بين الدفع والفداء ; لأن عنده هو الذي بدأ بالجناية ، فإن فدى عبده كان أرش جناية عبده في الفداء بعدما يدفع منه أرش موضحة العبد الآخر ; لأن العبد الآخر جنى على عبده ، وهو مشجوج فلا يتعلق به حقه بأرش الشجة ، وإنما كان حقه في العبد مشجوجا ، وقد مات وأخلف عوضا ، وإن دفع عبده فلا شيء له عليه ; لأن حقه بالدفع يسقط عن أرش جناية العبد الآخر على عبده ، فإذا استوفى ذلك لزمه دفعه مع عبده فلا يكون استيفاؤه مفيدا شيئا . ولو تضارب العبدان بالعصا فشج كل واحد منهما صاحبه موضحة فبرآ والبادئ معروف ، ثم إن عبدا لرجل قتل البادئ منهما خطأ قيل لمولاه ادفعه أو افده ، فإن فداه بقيمته أدى مولاه من تلك القيمة أرش جراحة العبد الباقي والفضل له من قبل أن مولى البادي هو المخاطب أولا وحكم جناية مملوكه إنما يتبين باختيار مولى العبد الثالث الدفع أو الفداء فلهذا بدئ به ولما اختار الفداء ، فقد اختلف البادي قيمته فلمولى العبد الباقي في تلك القيمة أرش الجناية على عبده والفضل لمولى [ ص: 121 ] البادي ، ثم يرجع مولى البادي بأرش جراحة عبده في عتق العبد الباقي فيدفع بها أو يفدي ; لأنه قد وصل إلى مولى العبد الباقي كمال حقه ، وإن دفع مولى القاتل عبده قام المدفوع مقام المقتول ، وقد بينا أن المقتول لو كان الباقي كأن يخير مولاه أولا ، فإن دفعه لم يكن له على المولى المدفوع إليه من أرش جراحة عبده شيء ، وإن فداه رجع في عنق صاحبه بأرش جراحة عبده فكذا هنا . ولو كان العبد الثالث قتل الآخر منهما فدفعه مولاه قام المدفوع مقام المقتول ، فإن فداه بقيمته خير مولى البادي بين الدفع والفداء ، فإن دفعه إليه شيء له على مولى المقتول ، ولا في قيمته ; لأن عند اختياره الدفع يكون حق مولى المقتول ثابتا في أرش الجناية على العبد البادي فلا يفيد رجوع مولاه عليه شيئا ; لأن ما قبضه منه يلزمه رده عليه ، وإن فداه ، فقد طهر عبده من الجناية ، وقد فات المقتول وأخلف قيمة فيرجع في تلك القيمة بأرش جراحة عبده ، وإن مات العبد القاتل خير مولى العبد البادئ ، فإن شاء دفع أرش شجة المقتول ، وإن شاء دفع نفسه وأيهما فعل ، فقد بطل حقه ; لأن حقه كان في المقتول مشجوجا ، وقد فات ولم يخلف عوضا ; لأن عوضه كان العبد القاتل ، وقد فات وصار كأن لم يكن . ولو مات البادئ بالضربة من شيء آخر وبقي الآخر ، فإن مولى البادي بالخيار إن شاء دفع إلى مولى الثاني أرش جناية عبده ويتبع عبده بأرش جناية عبده ; لأن بالفداء طهر عبده عن الجناية ، وقد جنى العبد الآخر على عبده فيتبعه بأرش ذلك ويخير مولى العبد بين أن يدفع عبده بذلك أو يفديه ، وإن أبى أن يدفع الأرش فلا شيء له في عنق العبد الحي لما بينا أنه كان هو المخاطب ابتداء لبداءة عبده بالجناية وشرط وجوب الجناية بوجه الخطاب له على مولى الباقي أن يدفع أرش جناية عبده عليه ، فإذا انعدم هذا الشرط بإبائه لم يكن له أن يرجع عليه بشيء كما قال أبو حنيفة رحمه الله في مولى المفقوءة عيناه إذا دفع الشجة لم يكن له أن يرجع على الباقي بشيء . ولو أن عبدين التقيا ومع كل واحد منهما عصا فشج كل واحد منهما صاحبه موضحة وأحدهما بدأ بالضربة ، وهو معلوم فمات الضارب الأول منهما من ضربة صاحبه وبرئ الآخر فمولى العبد الميت بالخيار إن شاء دفع أرش جناية الحي فكانت قيمة عبده في عنق الحي وخير مولاه بين أن يدفعه أو يفديه ; لأنه بالفداء طهر عبده ، وإن شاء قتل العبد الباقي ويخير مولاه بين الدفع والفداء ، ولا يتعلق حقه بذلك ; لأن العبد الباقي إنما قتل الضارب الأول ، وهو مشجوج ، وإن أبى مولى الميت أن يدفع أرش جناية الحي فلا شيء له في عنق الحي لتفويته شرطه كما بينا . ولو كانا برئا من الموضحتين ، ثم إن [ ص: 122 ] البادي منهما قتل الآخر خطأ خير مولاه ، فإن شاء دفعه ، وإن شاء فداه بأرش الموضحة وبالقيمة ; لأنه تخلل بين الجنايتين برء فتكون جنايته الثانية على المجني عليه الأول بمنزلة جنايته على غيره ، فإذا فداه فلا شيء له ; لأن عند اختيار الدفع يلزمه أن يدفع أرش الجناية على عبده معه فلا يكون استيفاؤه مفيدا شيئا ، وإن فداه كان أرش شجة المقتول لمولاه خاصة ويكون أرش شجة الحي في هذه القيمة المقبوضة يأخذه مولاه منها ; لأن حقه كان ثابتا في المقتول ، وقد فات وأخلف قيمة فيثبت حقه في تلك القيمة وذلك بقدر أرش شجة الحي ، وإن كان الآخر هو الذي قتل البادي خطأ ، فإنه يخير مولى المقتول ، فإن شاء أبطل جنايته ، ولا شيء لواحد منهما على صاحبه ، وإن شاء فداه بأرش موضحة الحي ، ثم يخير مولى الحي بين أن يدفع عبده أو يفديه بقيمة المقتول . وهذا نظير ما سبق على معنى أن مولى البادي هو المخاطب أولا وشرط ثبوت حق الرجوع له أن يفدي عبده بموضحة العبد الحي ، فإن وجد منه هذا الشرط يكون له أن يطالب مولى الحي بموجب جناية عبده على عبده ، فإن أبى إيجاد هذا الشرط كان مبطلا حقه فلا شيء لواحد منهما على صاحبه ، وإن اختار مولى العبد الآخر دفع عبده فدفعه ، فإن أرش الشجة التي شجها الأول في عنقه ، فإن شاء المدفوع إليه فداه ، وإن شاء دفعه المولى إلى المدفوع فهو قائم مقام المقتول وسواء دفعه أو فداه لم يكن للأول شيء ; لأن الجناية من الآخر على الأول كانت ، وهو مشجوج فلا يتعلق حق مولى الأول ببدل تلك الشجة . ![]()
__________________
|
|
#552
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد السابع والعشرون صـــ122 الى صـــ 131 (551) وهذا نظير ما سبق على معنى أن مولى البادي هو المخاطب أولا وشرط ثبوت حق الرجوع له أن يفدي عبده بموضحة العبد الحي ، فإن وجد منه هذا الشرط يكون له أن يطالب مولى الحي بموجب جناية عبده على عبده ، فإن أبى إيجاد هذا الشرط كان مبطلا حقه فلا شيء لواحد منهما على صاحبه ، وإن اختار مولى العبد الآخر دفع عبده فدفعه ، فإن أرش الشجة التي شجها الأول في عنقه ، فإن شاء المدفوع إليه فداه ، وإن شاء دفعه المولى إلى المدفوع فهو قائم مقام المقتول وسواء دفعه أو فداه لم يكن للأول شيء ; لأن الجناية من الآخر على الأول كانت ، وهو مشجوج فلا يتعلق حق مولى الأول ببدل تلك الشجة . قال الحاكم رحمه الله أراد أن الآخر يسبق إلى الدفع قبل أن يختار الأول شيئا فالحكم ما بينه أولا ، وإن كان لا يعرف البادئ من العبدين بالضربة ، ثم قتل أحدهما صاحبه بعدما برئا ، فإنه يخير مولى القاتل ، فإن شاء دفع عبده ، وإن شاء فداه بقيمة المقتول المشجوج صحيحا ; لأنا تيقنا جناية القاتل على المقتول وكنا قد علمنا أن المقتول كان صحيحا واشتبه حاله وقت القتل فيجب التمسك بما كان معلوما فلهذا يفديه بقيمته صحيحا إن اختار الفداء ، فإن دفعه كان له نصف أرش شجته في عنقه باعتبار الأحوال كما بينا ، فإن شاء فداه المدفوع إليه بذلك ، وإن شاء دفع منه حصة قيمة العبد مشجوجا من العبد الذي دفعه أو يفديه ، فإن فداه بقيمته رجع عليه بأرش الشجة في الفداء الذي دفعه بعدما يدفع العبد المقتول نصف أرش شجته ; لأن ذلك القدر لا يتعلق به حق الذي فدى عبده بقيمته باعتبار الأحوال فيه فيسلم ذلك لمولى العبد المقتول من الفداء أو يرجع فيما بقي منه بأرش شجة عبده . ولو التقى عبدان وتضاربا فقطع كل واحد منهما يد صاحبه معا [ ص: 123 ] فبرئا ، فإنه يخير مولى كل واحد منهما ، فإن شاء دفع عبده وأخذ عبد صاحبه ، وإن شاء أمسك عبده ، ولا شيء له في قول أبي حنيفة ، وقد تقدم بيان هذه المسألة في الحر إذا كان هو القاطع ليد العبد فكذلك في العبدين . ولو أن أمة قطعت يد رجل ، ثم ولدت ولدا فقتلها ولدها خطأ ، فإن المولى بالخيار إن شاء دفع الولد إلى المقطوعة يده ، وإن شاء فداه وأيهما فعل خير مولى المقطوعة يده بين دفع الأقل من دية العبد ومن قيمة الأم ; لأن حق المقطوعة يده كان ثابتا في الأم والولد ما انفصل عنها ، بمنزلة عبد آخر جنى عليها فتعتبر جنايته لحق صاحب اليد ويخير كما بينا . ولو أن عبدا قتل رجلا خطأ ، ثم إن عبد الرجل قطع يد هذا العبد خطأ فبرآ فمولى القاطع بالخيار إن شاء دفع عبده ، وإن شاء فداه وأيهما فعل خير مولى المقطوعة يده ، فإن شاء دفع عبده وما أخذ بجنايته معه ، وإن شاء فداه ; لأن عبده كان صحيحا حين قتل الرجل فحق وليه كان ثابتا في الجزء الفائت منه بقطع العبد يده إلى بدل فيثبت حقه في بدله أيضا ، فإذا اختار دفعه فعليه دفع بدل ذلك ولم يكن هذا اختيارا للآخر ; لأن نفس كل واحد منهما إنما استحقت بجنايته وأحدهما منفصل عن الآخر فكان هذا وما لو كانت جنايتهما على شخصين سواء فلا يكون إعتاقه أحدهما اختيارا في حق الآخر ; لأنه لا يتعذر دفع الآخر بجنايته بسبب هذا الإعتاق ، وهذا بخلاف ما سبق ، فإن المولى لو أعتق العبد المدفوع باليد المقطوعة كان ذلك منه اختيارا للفداء ; لأن دفعهما كان باعتبار جناية واحدة ، وفي الجناية الواحدة اختياره في البعض يكون اختيارا في الكل . ولو أن رجلا قطع يد رجل فأعتقه مولاه قبل أن تبرأ ، وهو يعلم بذلك أو لا يعلم فلا شيء له في قول أبي حنيفة وله أن يرجع بنقصان قيمة عبده في قولهما ، وهذا بناء على ما سبق ، فإنه بالإعتاق فوت بتسليم الجثة ، ولو منع ذلك عند أبي حنيفة لم يرجع بشيء فكذلك إذا فوته وعندهما له أن يمتنع عن تسليم الجثة ويرجع بنقصان القيمة فكذلك إذا فوت ذلك بالعتق . أم ولد بين رجلين كاتباها فقتلت أحد الموليين خطأ فعليها الأقل من القيمة ومن الدية ; لأن جناية المكاتبة على مولاها كجنايتها على أجنبي آخر ، وقد جنت وهي مكاتبة فعليها الأقل من قيمتها ومن أرش الجناية ، فإن قتلت الآخر بعده فعلى عاقلتها الدية ; لأنها عتقت حين قتلت الأول منهما على اختلاف الأصلين ; لأن عندهما ، وإن لزمها السعاية في نصيب الآخر فالمستسعى حر ، وعند أبي حنيفة لا سعاية على أم الولد لمولاها فعرفنا أنها قتلت الآخر منهما وهي حرة فعليها الدية وعليها كفارتان ; لأن الكفارة بالقتل تجب على المملوكة كما [ ص: 124 ] تجب على الحر ، وإن قتلتهما معا فعليها قيمتها ; لأنها جنت على كل واحد وهي مكاتبة ، وإنما عتقت بعد ذلك ، ولو جنت على أجنبيين ، ثم عتقت كان عليها قيمتها لهما فكذلك إن جنت على مولييها . وإذا قطع الرجل يد عبد قيمته ألف درهم فلم يبرأ حتى زادت قيمته فصارت ألفي درهم ، ثم قطع آخر رجله من خلاف ، ثم مات منهما جميعا قال على الأول ستمائة وخمسة وعشرون درهما ، وعلى الآخر سبعمائة وخمسون درهما قال الحاكم رحمه الله ، وفي جواب هذه المسألة نظر ، وإنما قال ذلك ; لأنه أجاب في نظير هذه المسألة في كتاب الديات بخلاف هذا ، وقد بينا تمامه قال الشيخ الإمام الأجل الزاهدي رحمه الله ، وعندي ما ذكر هاهنا صحيح وتأويله أن قيمته صارت ألفي درهم صحيحا لا مقطوع اليد فعلى هذا التأويل الجواب ما ذكره في الكتاب من قبل أن الأول حين قطع يده وقيمته ألف لزمه بالقطع خمسمائة ، ثم الثاني بقطع الرجل أتلف نصف ما بقي فيلزمه أيضا خمسمائة ; لأنه إذا كان قيمته صحيحا ألفي درهم فقيمة مقطوع اليد ألف درهم ، وقد أتلف نصفه بقطع الرجل ، وهو مقطوع اليد فيلزمه خمسمائة فحين مات منها ، فقد صار كل واحد منهما متلفا نصف ما بقي منه بسراية جنايته إلا أن في حق الأول لا معتبر بزيادة القيمة فيكون عليه نصف هذا من القيمة الأولى والقيمة الأولى كانت ألف درهم وربع تلك القيمة مائتان وخمسون فعليه بالسراية نصف ذلك الربع ، وهو مائة وخمسة وعشرون ، فإذا ضممت ذلك إلى خمسمائة يكون ستمائة وخمسة وعشرين ، وقد أوجب على الأول هذا المقدار والآخر منهما لزمه بالسراية قيمة ما تلف بسراية فعله وذلك معتبر من قيمته وقت جنايته ألفي درهم وربع تلك القيمة خمسمائة فنصف الربع مائتان وخمسون ، وقد وجب عليه بأصل الجناية خمسمائة وبالسراية مائتان وخمسون فذلك سبعمائة وخمسون درهما والله أعلم بالصواب . قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة أبو بكر محمد بن سهل السرخسي رحمه الله إملاء يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وأربعمائة : الأصل في إيجاب الدية على العاقلة في الخطأ وشبه العمد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي في حديث حمل بن مالك { أن النبي عليه السلام قال لأولياء الضاربة : قوموا فدوه . قال أخوها [ ص: 125 ] عمرو بن عويمر الأسلمي : أندي من لا عقل ولا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل ومثل دمه يطل فقال عليه السلام أسجع كسجع الكهان ؟ أو قال : دعني وأراجيز العرب قوموا فدوه فقال : إن لها بيتا هم سراة الحي وهم أحق بها مني فقال : بل أنت أحق بها قم فده } وشيء من المعقول يدل عليه ، وهو أن الخاطئ معذور وعذره لا يعدم حرمة نفس المقتول ولكن يمنع وجوب العقوبة عليه فأوجب الشرع الدية صيانة لنفس المقتول عن الهدر ، وفي إيجاب الكل على القاتل إجحاف به واستئصال فيكون بمنزلة العقوبة ، وقد سقطت العقوبة عنه للعذر فضم الشرع إليه العاقلة لدفع معنى العقوبة عنه ، وكذلك في شبه العمد باعتبار أن الآلة آلة التأديب ولم يكن فعله محظورا محضا ولهذا لا يجب عليه القصاص ، فلا يكون جميع الدية عليه في ماله لدفع معنى العقوبة عنه ، ولكن الشرع أوجب الدية هاهنا مغلظة ليظهر تأثير معنى العمد وأوجبها على العاقلة لدفع منع العقوبة عن القاتل . ثم هذا الفصل لا يحصل إلا بضرب استهانة وقلة مبالاة وتقصير في التحرز وإنما يكون ذلك بقوة يجدها المرء في نفسه وذلك بكثرة أعوانه وأنصاره وإنما ينصره عاقلته فضموا إليه في إيجاب الدية عليهم ، وإن لم يجب لهذا المعنى ، وكل أحد لا يأمن على نفسه أن يبتلى بمثله وعند ذلك يحتاج إلى إعانة غيره فينبغي أن يعين من ابتلي ليعينه غيره إذا ابتلي بمثله كما هو العادة بين الناس في التعاون والتواد فهذا هو صورة أمة متناصرة وجبلة قوم قوامين بالقسط شهداء لله متعاونين على البر والتقوى وبه أمر الله - تعالى - الأمة هذه ، ثم كانت للعرب في الجاهلية أسباب للتناصر منها القرابة ، ومنها الولاء ، ومنها الحلف ، ومنها مماحلة العدو ، وقد بقي ذلك إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكونوا حلفاء له كما كانوا حلفاء لجده عبد المطلب . ودخل بنو بكر في عهد قريش ليكونوا حلفاء لهم الحديث فكانوا يضلون عن حليفهم وعديدهم ويعقل عنهم حليفهم وعديدهم ومولاهم باعتبار التناصر كما يعقلون عن أنفسهم باعتبار التناصر . فلما كان في زمن عمر رضي الله عنه ودون الدواوين صار التناصر بينهم بالديوان فكان أهل ديوان واحد ينصر بعضهم بعضا وإن كانوا من قبائل شتى فجعل عمر العاقلة أهل الديوان . بيانه في الحديث الذي بدأ به الكتاب فقال : بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرض العقل على أهل الديوان ; لأنه أول من وسع الديوان فجعل العقل فيه ، وكان قبل ذلك على عشيرة الرجل في أموالهم وبهذا أخذ علماؤنا - رحمهم الله - فقالوا : العقل على أهل الديوان من العاقلة . وأبى الشافعي ذلك فقال : هو على العشيرة فقد كان عليهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 126 ] ولا نسخ بعد رسول الله . ولكنا نقول : قد قضى به عمر رضي الله عنه على أهل الديوان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه منكر فكان ذلك إجماعا منهم ، فإن قيل : كيف يظن بهم الإجماع على خلاف ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا : هذا اجتماع على وفاق ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنهم علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به على العشيرة باعتبار النصرة وكان قوة المرء ونصرته يومئذ بعشيرته ، ثم لما دون عمر رضي الله عنه الدواوين صارت القوة والنصرة بالديوان ، فقد كان المرء يقاتل قبيلته عن ديوانه على ما روي عن علي رضي الله عنه أن يوم الجمل وصفين جعل بإزاء كل قبيلة من كان من أهل تلك القبيلة ليكونوا هم الذين يقاتلون قومهم فلهذا قضوا بالدية على أهل الديوان . ثم الشافعي يقول : إلزام الدية العاقلة بطريق الصلة والصلة المالية مستحقة بوصلة القرابة دون الديوان كالنفقة والميراث . ونحن نقول : الوجوب عليهم بطريق الصلة كما قال وإيجابه فيما هو صلة أولى وأهل ديوان واحد فيما يخرج من الصلة لهم بعين العطاء كنفس واحدة ، وإيجاب هذه الصلة فيما يصل إليهم بطريق الصلة أولى في إيجابه من أصول أموالهم ، ثم لا شك أن المعتبر النصرة ففي حق كل قاتل يعتبر ما به تتحقق النصرة ، وتناصر أهل الديوان يكون بالديوان ، فإن كان القاتل من قوم يتناصرون بالحلف فذلك هو المعتبر ; لأن المعنى متى عقل في الحكم الشرعي تعدى الحكم بذلك المعنى إلى الفروع ، ثم القاتل أحد العواقل يلزمه من الدية مثل ما يلزم أحد العاقلة عندنا . وعند الشافعي ليس على القاتل شيء من الدية ; لأن الخطأ مرفوع قال الله - تعالى - : { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } وقال عليه السلام : { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان } ، وإنما يتحقق ذلك إذا لم يكن عليه شيء من الدية ، ثم هذا الجزء كسائر الأجزاء فبالمعنى الذي نوجب سائر الأجزاء على العاقلة من نصرة أو صلة نوجب هذا الجزء عليهم أيضا ولكنا نقول : الإيجاب على العاقلة لدفع الإجحاف والاستئصال عن القاتل والتخفيف عليه وذلك في الكل لا في الجزء ، ثم الوجوب عليهم باعتبار النصرة ولا شك أنه ينصر نفسه كما ينصر غيره وكما أنه معذور غير مؤاخذ شرعا فالعاقلة لا يؤاخذون بفعله أيضا قال الله - تعالى - : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ، ومن لم يجن فهو أبعد من المؤاخذة من الجاني المعذور ، فإذا أوجبنا على كل واحد من العاقلة جزءا من الدية فلأن نوجب عليه مثل ذلك أولى ، وهذا لأن محل أداء الواجب العطاء الذي يخرج لهم بطريق الصلة ، وهو في ذلك كنفس واحدة فكما يخرج العطاء لغير القاتل يخرج للقاتل . وذكر عن المعرور بن سويد قال [ ص: 127 ] : فرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه الدية تؤخذ في ثلاث سنين فالنصف في سنتين وما دون الثلث في سنة وبه نأخذ فنقول جميع الدية متى وجبت بنفس القتل كانت مؤجلة في ثلاث سنين سواء كانت على العاقلة أو في مال القاتل كالأب يقتل ابنه عمدا ، وقد بينا هذا في الديات ، وإذا كان جميع الدية في ثلاث سنين فكل ثلث منه في سنة . ومتى كان الواجب بالقتل ثلث بدل النفس أو أقل من ذلك كان في سنة واحدة ، وما زاد على الثلث إلى تمام الثلثين في السنة الثانية ، وما زاد على ذلك إلى تمام الدية في السنة الثالثة ، وهذا لأن تقوم النفس بالمال غير معقول ، وإنما عرف ذلك شرعا والشرع إنما ورد بإيجاب الدية مؤجلة في ثلاث سنين فعلينا اتباع ذلك واتباع الأجزاء بالجملة في مقدار ما يثبت فيها من الأجل . والشافعي يجعل التأجيل لمعنى التخفيف كالإيجاب على العاقلة معنى التخفيف معقول فأما في التأجيل فمعنى نقصان المالية ; لأن المؤجل في المالية أنقص من الحال وبسبب صفة العمدية يخرج من أن يكون مستحقا للتخفيف ولكن ليس لهذه الصفة تأثير في إيجاب زيادة على قيمة المتلف ولو أوجبنا الدية عليه حالا كان ذلك زيادة ، فإن قيل : أليس في شبه العمد أن الدية تجب مغلظة وفيه إيجاب زيادة المالية باعتبار صفة العمد ؟ قلنا : نعم ولكنا إنما ننكر إيجاب الزيادة بالرأي فيما لا مدخل للرأي فيه وتلك الزيادة إنما أوجبناها بالنص كأصل المال بمقابلة النفس أوجبناه بالنص بخلاف القياس وعن إبراهيم قال في دية الخطأ وشبه العمد : في النفس على العاقلة على أهل الديوان في ثلاثة أعوام في كل عام الثلث ، وما كان من جراحات الخطأ فعلى العاقلة على أهل الديوان إذا بلغت الجراحة ثلثي الدية ففي عامين ، وإن كان النصف فكذلك ، وإن كان الثلث ففي سنة واحدة وذلك كله على أهل الديوان وبه نقول ، فإن الواجب من الأرش متى بلغ نصف عشر بدل النفس في حق الرجل أو في حق المرأة يكون ذلك على العاقلة ، وما دون ذلك بمنزلة ضمان المال يكون على الجاني . والشافعي يسوي بين القليل والكثير . والقياس فيه أحد السببين . أما التسوية فكما ذهب إليه الشافعي في إيجاب الكل على العاقلة والتسوية في أن لا يوجب شيء على العاقلة كما في ضمان المال ولكنا تركنا القياس بالسنة ، وإنما جاءت السنة في أرش الجنين بالإيجاب على عاقلته وأرش الجنين نصف عشر بدل الرجل فيقضي بذلك على العاقلة وفيما دونه يؤخذ بالقياس . وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون أرش الموضحة } . [ ص: 128 ] وأرش الموضحة نصف عشر بدل النفس ففيما دونه يؤخذ بالقياس ، وهذا لأن الإيجاب على العاقلة كان لمعنى دفع الإجحاف عن الجاني وذلك في الكثير دون القليل فلهذا أوجبنا الكثير على العاقلة دون القليل والفاضل بينهما يكون مقدرا وأدنى ذلك أرش الموضحة . قال : وليس على النساء والذرية ممن كان له عطاء في الديوان عقل ; لأنه بلغنا عن عمر رضي الله عنه قال : لا يعقل مع العاقلة صبي ولا امرأة ، وإنما جعل الفضل فيما يؤدي - والله أعلم - على عشيرة الرجل ولم يجيئوا على وجه العون لصاحبهم ; لأنهم أهل يد واحدة ونصرة واحدة على غيرهم ، وهذه النصرة إنما تقوم بالرجال دون النساء فبنية المرأة لا تصلح لهذه النصرة ، وكذلك النصرة لا تقوم بالصبيان . ( ألا ترى ) أن الشرع نهى عن قتل النساء والصبيان من أهل الحرب ; لأنهم يقاتلون لدفع من يقاتلهم وتناصرهم فيما بينهم وذلك لا يحصل بالنساء والصبيان ، وكذلك الجزية التي خلت عن النصرة لم توجب على النساء والصبيان فكذلك تحمل العقل ، وعلى هذا لو كانت المرأة هي القاتلة أو الصبي لم يكن عليهما شيء من الدية بخلاف الرجل ; لأن وجوب جزء على القاتل باعتبار أنه أحد العواقل ، وهو لا يوجد في النساء والصبيان ولا ينظر إلى ما لهم من فرض العطاء في الديوان ; لأن ذلك ليس باعتبار النصرة بل باعتبار المؤنة كما فرض عمر رضي الله عنه لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم العطاء في الديوان فكان يوصله لهن في كل سنة . وإذا قتل الرجل خطأ فلم يرفع إلى القاضي حتى مضت سنون ، ثم رفع إليه ، فإنه يقضي بالدية على عاقلته في ثلاث سنين من يوم يقضي ; لأن ثبوت الأجل يبنى على وجوب المال والمال إنما يجب بقضاء القاضي فأما قبل القضاء فالمال ليس بواجب ; لأن ضمان المتلفات يكون بالمثل بالنص ومثل النفس نفس إلا أنه إذا رفع إلى القاضي فيتحقق العجز عن استيفاء النفس لما فيه من معنى العقوبة وتحول الحق بقضائه إلى المال كما في ولد المغرور ، فإن قيمته إنما تجب على المغرور بقضاء القاضي ، وإن كان رد عينه متعذرا قبل القضاء ولكن في الحكم جعل الواجب رد العين إلى أن يحوله القاضي إلى القيمة بقضائه لتحقق العجز عن رد العين ولهذا لو هلك الولد قبل القضاء لم يضمن شيئا واعتبر قيمة الولد يوم القضاء لهذا ، وهو نظير الأجل في حق العين ، فإنه لا يعتبر ما مضى من المدة قبل الخصومة ، وإنما يكون ابتداء التأجيل من وقت قضاء القاضي فكذلك هاهنا ابتداء التأجيل يكون من وقت قضاء القاضي ، فإن كانوا أهل ديوان قضى بذلك في أعطياتهم فيجعل الثلث في أول عطاء يخرج لهم بعد قضائه ، وإن لم يكن بين القتل وقضائه وبين خروج [ ص: 129 ] أعطياتهم إلا شهر أو أقل من ذلك ; لأن التأجيل في حق العاقلة كان لمعنى تأخر خروج العطاء ومحل قضاء الدية منه العطاء ، فإنما يعتبر خروج العطاء بعد القضاء . ( ألا ترى ) أنه لو لم يخرج سنين لم يطالبوا بشيء فكذلك إذا خرج بعد قضاء القاضي بشهر أو أقل يؤخذ منه ثلث الدية والثلث الثاني في العطاء الآخر إذا خرج إن أبطأ بعد الحول أو عجل قبل السنة ، وكذلك الثلث الثالث ، فإن عجل للقوم العطاء فخرجت لهم ثلاثة أعطية مرة وهي أعطية استحقوها بعد قضاء القاضي بالدية ، فإن الدية كلها تؤخذ من تلك الأعطية الثلاثة لوصول محل أداء الدية منه إلى يد العاقلة . قال : ولا يقضى بالدية على القوم حتى يصيب الرجل في عطائه من الدية كلها أربعة دراهم أو ثلاثة أو أقل من ذلك عندنا وقال الشافعي : ما يقضى به على كل واحد منهم لا يكون أقل من نصف دينار ; لأنها صلة واجبة شرعا فيعتبر بالزكاة وأدنى ما يجب في الزكاة نصف دينار أو خمسة دراهم ، فقد كان ذلك بمعنى نصف دينار في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنا نقول : الإيجاب عليهم للتخفيف على القاتل ، وإنما يجب على وجه لا يتعسر ذلك عليهم وذلك في إيجاب القليل دون الكثير ، ثم هذه يؤمرون بأدائها على وجه التبرع فلا يبلغ مقدارها مقدار الواجب من الزكاة بل ينقص من ذلك . ( ألا ترى ) أنه لا تجب هذه الصلة في أصول أموالهم ، وإنما تجب فيما هو صلة لهم ، وهو العطاء فعرفنا أنه مبني على التخفيف من كل وجه ، وقد ظن بعض أصحابنا رحمهم الله أن التقدير بثلاثة دراهم فيما يؤخذ منهم في كل سنة وذلك غلط ، فقد فسرها هنا فقال : حتى يصيب الرجل في عطائه من الدية كلها أربعة دراهم أو ثلاثة دراهم فعرفنا أنه لا يؤخذ في كل سنة من كل واحد منهم إلا درهم أو درهم وثلث ، فإن قلت العاقلة فكان يصيب الرجل أكثر من ثلاثة دراهم أو أربعة ضم إليهم أقرب القبائل في النسب من أهل الديوان حتى يصيب الرجل في عطائه ما وصفنا ، وهذا لأن إيجاب الزيادة عليهم إجحاف بهم فلا يجوز فلذلك ضم إليهم أقرب القبائل كما ضممنا العاقلة إلى القبائل للتحرز عن الإجحاف بهم ولأنه متى حزبهم أمر ولا يتمكنون من دفع ذلك عنهم بأنفسهم ، فإنما يستعينون بأقرب القبائل إليهم ، فإذا كانوا في بعض الأحوال يستنصرون بهم عند الحاجة فكذلك يضمون إليهم في تحمل العقل عند الحاجة . قال : ولا يستحقون العطاء عندنا إلا بآخر السنة فلذلك قلنا : إذا خرج العطاء بعد القضاء بشهر أو أقل أخذ منه ثلث الدية ومعنى هذا أن العطاء إنما يخرج لهم في العادة في كل سنة واستحقاق ذلك عند تمام السنة ; لأنهم يستحقون [ ص: 130 ] ذلك بطريق الصلة والتبرع إلى آخر المدة في حكم المعاوضات دون الصلات ، وإنما يكون استحقاق الصلة عند تمام المدة ولا يثبت الملك فيها إلا بالقبض بمنزلة الجزية ولهذا قلنا : إن من مات من أهل الذمة أو أسلم لم يكن عليه شيء من الجزية وفي حق أهل الديوان أن من مات منهم قبل خروج العطاء وقبل تمام السنة لم يصر عطاؤه ميراثا لورثته فعرفنا أن وجوبه باعتبار آخر السنة . فمتى كان يجيء ذلك الوقت بعد القضاء كان العطاء الواجب باعتبار ذلك الوقت محلا لأخذ الدية منه ، وإذا لم يقض عليهم بالدية حتى مضت سنون ، ثم قضى بها ولم يخرج للناس أعطياتهم الماضية لم يكن فيها من الدية شيء ; لأن وجوب هذه الأعطية باعتبار مدة مضت قبل قضاء القاضي ، وقد بينا أن وجوب الدية بقضاء القاضي فمحل الأداء الأعطيات التي تجب بعد القضاء فلهذا لا يستوفى من الأعطيات الماضية شيء من الدية ويستقبل بصاحب الدية الأعطية المستقبلة بعد القضاء . و كانت عاقلة الرجل أصحاب رزق يأخذونه في كل شهر قضى عليهم بالدية في أرزاقهم في ثلاث سنين في كل سنة الثلث ; لأن الرزق في حقهم قائم مقام العطاء ، فإن العطاء إنما كان محلا لقضاء الدية منه ; لأنه صلة يخرج لهم من بيت المال ولأجله اجتمعوا وأثبتوا أسماءهم في الديوان ، وهذا موجود في الرزق إذا كانوا أصحاب رزق ، ثم ينظر إن كانت أرزاقهم تخرج في كل سنة فكلما خرج رزق يؤخذ منه الثلث ، وإن كان يخرج في كل شهر فمقدار نصف سدس الثلث يؤخذ من كل رزق حتى يكون المستوفى في كل سنة مقدار الثلث يؤخذ من كل رزق ، وإن خرج الرزق بعد قضاء القاضي بيوم أو أكثر أخذ من رزق ذلك الشهر بحصة الشهر كما بينا ، فإن كانوا يأخذون الأرزاق في كل ستة أشهر فخرج لهم رزق ستة أشهر بعد القضاء أخذ منهم سدس الدية ، وإن كانت لهم أرزاق في كل شهر ولهم أعطية في كل سنة فرضت عليهم الدية في أعطياتهم دون أرزاقهم ; لأن الأرزاق إنما كانت خلفا عن الأعطيات ولا يعتبر الخلف مع وجود الأصل ، وهذا لأن الأرزاق لهم لكفاية الوقت فأخذ شيء من ذلك منهم يؤدي إلى إضرار بهم وبعيالاتهم فيشق ذلك عليهم عادة فأما الأعطيات فليست لكفاية الوقت ولكن لتألفهم حتى يكونوا مجتمعين في الديوان يقومون بالنصرة فلا يشق عليهم الأداء من الأعطيات فلهذا قلنا عند الاجتماع بفرض الدية من الأعطيات دون الأرزاق ومن جني عليهم من أهل البادية وأهل الثمن الذين لا ديوان لهم فرضت الدية على عواقلهم في أموالهم في ثلاث سنين على الأقرب فالأقرب منهم يوم يقضي القاضي بالدية ; لأن تناصرهم [ ص: 131 ] بالقرب ، وإنما يعتبر ذلك عند القضاء بالدية كما في حق أهل الديوان ويضم إليه أقرب القبائل في النسب حتى يصيب الرجل من الدية في السنين الثلاثة ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم لتحقق معنى التخفيف عليهم ، وهذا المعنى هنا أولى بالاعتبار منه في حق أهل الديوان ; لأن المأخوذ من أموالهم هاهنا والأداء من الأعطيات يكون أيسر من الأداء من أصول الأموال . ومن أقر بقتل خطأ ولم يرتفعوا إلى القاضي سنين ، ثم ارتفعوا قضى عليه بالدية في ماله في ثلاث سنين من يوم يقضي ; لأن ما يثبت بالاعتراف لا تتحمله العاقلة لقوله عليه السلام { : ولا صلحا ولا اعترافا } ، وهذا لأن إقراره في حقه محمول على الصدق وفي حق عاقلته محمول على الكذب لكونه متهما في حقهم ، ثم موجب الجناية في الأصل على الجاني ، ثم تحمل العاقلة للتخفيف عليه ، فإذا لم يثبت التسبب في حق العاقلة ففي الواجب عليه باعتبار الأصل والتأجيل فيه من وقت القضاء لا من وقت الإقرار ; لأن الثابت بالإقرار من القتل لا يكون أقوى من الثابت بالمعاينة وفي القتل المعاين الدية إنما تجب بقضاء القاضي فيها أولا . ولو أقر أنه قتل ولي هذا الرجل وأقر أنه خاصمه إلى قاضي بلد كذا فقامت بذلك البينة فقضى به القاضي على عاقلته من أهل ديوان الكوفة وصدقه ولي الجناية في ذلك وكذبه العاقلة فلا شيء على العاقلة ; لأن تصادقهما ليس بحجة على العاقلة ولم يكن عليه شيء في ماله ; لأنهما تصادقا على أن الواجب بقضاء القاضي تقرر على العاقلة وبعد تقرره على العاقلة لا يبقى عليه وتصادقهما حجة في حقهما بخلاف الأول فهناك السبب الموجب للدية على العاقلة هو قضاء القاضي ولم يوجد أصلا فيقضي بها في مال المقر قال : إلا أن يكون له عطاء معهم فتكون عليه حصته من ذلك ; لأنه في مقدار حصته يقر على نفسه وفي حصة عواقلهم يقر عليهم فيؤخذ بما أقر به على نفسه ، وهذا يبين أن القاتل إنما يكون أحد العواقل عندنا إذا كان له عطاء في الديوان فأما إذا لم يكن فليس عليه من الدية شيء ; لأن الدية تؤخذ من الأعطيات ، فإن قيل : لما كان أصل الوجوب عليه ، وقد تحول بزعمه إلى عاقلته بقضاء القاضي ، فإذا توي ذلك على العاقلة بجحودهم ينبغي أن يقضي بالكل عليهم كما إذا توي الدين على المحال عليه بجحوده عاد الدين إلى ذمة المحيل قلنا : هذا مستقيم فيما إذا كان أصله دينا لدفع التوى عن مال المسلم ، وهذا أيضا لم يكن دينا عليه ، وإنما كان بطريق الصلة لصيانة دم المقتول عن الهدر وبعد ما تقرر على العاقلة بقضاء القاضي لا يتحول إليه بحال سواء استوفى من العاقلة أو لم يستوف والعمد الذي لا قود فيه يقضي بالدية من مال القاتل في ثلاث سنين من يوم يقضي بها القاضي لقوله [ ص: 132 ] عليه السلام { : لا تعقل العاقلة عمدا } ولأن ذلك للتخفيف ودفع الإجحاف عن القاتل والعامد لا يستحق ذلك . ![]()
__________________
|
|
#553
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد السابع والعشرون صـــ132 الى صـــ 141 (552) ولو قتل عشرة رجلا فعلى عاقلة كل واحد منهم عشر الدية في ثلاث سنين ; لأن ما يجب على كل واحد منهم بدل النفس وبدل النفس يكون مؤجلا في ثلاث سنين فيعتبر الجزء منه بالكل ولا يعقل أهل مصر عن أهل مصر آخر ، وإنما يريد به إذا كان لأهل مصر ديوان على حدة أو كان تناصرهم باعتبار القرب في السكنى وأهل مصر أقرب إليه من أهل مصر آخر ويعقل أهل كل مصر عن أهل سوقهم وقراهم ; لأنهم أتباع لأهل المصر ، فإذا حزبهم أمر استنصروا بهم فأهل مصر يعقلون عنهم باعتبار معنى القرب والنصرة ، ومن كان منزله بالبصرة وديوانها بالكوفة عقل عنه أهل الكوفة ; لأنه إنما استنصر بأهل ديوانه لا بجيرانه . ( ألا ترى ) أن القرب في السكنى لا يكون أقوى من قرب القرابة ولو أن أخوين لأب وأم ديوان أحدهما بالكوفة وديوان الآخر بالبصرة لم يعقل أحدهما عن صاحبه ، وإنما يعقل عن كل واحد منهما أهل ديوانه فكذلك ما سبق . ولو أن قوما من أهل خراسان أهل ديوان واحد مختلفين في أنسابهم منهم من له ولاء ، ومنهم القربى ، ومنهم من لا ولاء له جنى بعضهم جناية عقل عنه أهل رايته وأهل فنائه ، وإن كان غيره أقرب إليه في النسب ; لأن استنصاره بأهل رايته أظهر ، ومن كان من أهل الديوان لا يرجع في استنصاره إلى عشيرته عادة ولأن عطاء أهل راية واحدة إنما يخرج من بيت المال جملة واحدة فهم في ذلك كنفس واحدة ، وإن كان عدد أهل رايته قليلا ضم إليهم الإمام من رأى من أهل الديوان حتى يجعلهم عاقلة واحدة لدفع الإجحاف عن أهل رايته ، وإنما يضم إليهم الإمام من يكون أقرب إليهم في معنى النصرة إذا حزبهم أمر في ذلك ، وإنما يعرف ذلك الإمام فجعل مفوضا إلى رأيه لهذا . ومن لا ديوان له من أهل البادية ونحوهم تعاقلوا على الأنساب ، وإن تباعدت منازلهم واختلفت الباديتان ; لأن تناصرهم بالأنساب ولأن حالهم في معنى الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد بينا أنه قضى بالعقل على الأقارب ولا يعقل أهل البادية عن أهل الأمصار الذين عواقلهم في العطاء ; لأن أهل الأمصار إنما يقوم بنصرتهم والذب عنهم أهل العطاء من أهل ديوانهم لا أهل إخوة البادية ، وهو إنما يتقوون بأهل العطاء ، وكذلك لا يعقل أهل العطاء عن أهل البادية ; لأنهم يتقوون بهم ولا ينصر بعضهم بعضا ، وإن كانوا إخوة لأب وأم ، وإنما ينصر كل واحد منهم أهل العطاء . ومن جنى جناية على أهل المصر وليس في عطاء وأهل البادية [ ص: 133 ] أقرب إليه ومسكنه المصر عقل عنه أهل الديوان من ذلك المصر ; لأنهم من الذين يقومون بنصرة أهل المصر والدفع عنهم ولا يخصون بذلك من كان له في المصر عطاء دون من لا عطاء له فلهذا كانوا عاقلة لجميع أهل المصر ، وكذلك لا يعقل عن صاحب العطاء أهل البادية ، وإن كان فيهم نازلا وأصحاب الأرزاق الذين لا أعطيات لهم بمنزلة أهل العطاء في جميع ذلك لكون الأرزاق خلفا عن الأعطيات في حقهم . وإن كان لأهل الذمة عواقل معروفة يتعاقلون بها فقتل أحدهم قتيلا خطأ فديته على عواقلهم بمنزلة المسلم ; لأنهم التزموا أحكام الإسلام في المعاملات ومعنى التناصر الذي يبنى عليه العقل يوجد في حقهم كما يوجد في حق المسلمين ، وإن لم يكن لهم عاقلة معروفة يتعاقلون بها فالدية في ماله في ثلاث سنين من يوم يقضى بها عليه لما بينا أن أصل الوجوب على القاتل ، وإنما يتحول عنه إلى العاقلة إذا وجدت ، فإذا لم توجد بقيت عليه بمنزلة مسلم في دار الحرب قتل مسلما خطأ وهما أجنبيان منها ، فإنه يقضى بالدية عليه في ماله ; لأن من يكون في دار الحرب فأهل دار الإسلام لا يعقلون عنه وتمكنه من هذا الفعل لم يكن بنصرتهم ولا يعقل مسلم عن كافر ولا كافر عن مسلم والكفار يتعاقلون فيما بينهم ، وإن اختلفت ملتهم ; لأن التعاقل ينبني على الموالاة والتناصر وذلك ينعدم عند اختلاف الملة قال الله تعالى { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } وقال { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } ، فلما انقطعت الموالاة بين من هاجر ، ومن لم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة كان ذلك قطعا للموالاة بين الكفار والمسلمين وحكم الميراث والنفقة يؤيد ما ذكرنا . ولو كان القاتل من أهل الكوفة وله بها عطاء فلم يقض بالدية على عاقلته حتى جعل ديوانه إلى البصرة ، فإنه يقضى بالدية على عاقلته من أهل البصرة ، وعلى قول زفر يقضى على عاقلته من أهل الكوفة ، وهو رواية عن أبي يوسف أيضا ; لأن الموجب للمال الجناية عند قضاء القاضي ، وقد تحققت منه وعاقلته أهل ديوان الكوفة وبعد ما تحول إلى ديوان البصرة لم يوجد منه جناية ، وإنما تعقل العاقلة عند جنايته . ( ألا ترى ) أن القاضي لو قضى بالبينة على عاقلته بالكوفة ، ثم تحول إلى ديوان البصرة قبل استيفاء شيء كانت الدية على عاقلته من أهل الكوفة فكذلك قبل قضاء القاضي لوجهين : أحدهما أن وجوب الدية في القتل الخطأ ثابت بالنص فيستوي فيه القضاء وغير القضاء ، والثاني على أن الدية العاقلة بطريق الصلة والصلات لا تصير دينا بقضاء القاضي قبل الاستيفاء كنفقة الأقارب وجه قولنا أن المال لا يجب بنفس القتل ، وإنما يجب بقضاء [ ص: 134 ] القاضي على ما قررنا أن العجز عن استيفاء المثل إنما يتقرر بقضاء القاضي ، ثم أصل الوجوب على القاتل وبعد ما وجب عليه تتحمل عنه عاقلته . ( ألا ترى ) أنه لو أقر بقتل خطأ كانت الدية عليه خاصة ولو كان الوجوب على العاقلة ابتداء وجبت عليه بذلك عند الإقرار ، فإذا ثبت أن الوجوب عليه عند قضاء القاضي ، فإنما تتحمل عنه من يكون عاقلة له عند القضاء ، وهو أهل ديوان البصرة بخلاف ما إذا قضى بها على عاقلته بالكوفة ; لأن هناك قد تقرر الوجوب عليهم فلا يتحول إلى غيرهم بعد ذلك ، ثم إذا تحول بعد قضاء القاضي تؤخذ منه في عطائه بالبصرة حصته ; لأن في مقدار حصته محل الأداء وعطاؤه من ديوان البصرة عند الأداء فيؤخذ ذلك القدر منه وفيما زاد على ذلك محل الأداء عطاء أهل الكوفة ; لأن ذلك التقدير عليهم بقضاء القاضي ولو قلت العاقلة بعد القضاء عليهم وتعذر الأخذ منهم ضم إليهم أقرب القبائل في النسب حتى يعقلوا معهم لدفع الإجحاف عنهم ولا يشبه قلة العاقلة بعد القضاء تحول الرجل بعطائه من بلد إلى بلد ; لأن الذين يضافون إليهم عاقلة واحدة ، وهذه عاقلة مستقلة يعني أن الذين يضمون إليهم يكونون بمنزلة الأتباع لهم فلا تتبدل العاقلة باعتبارهم يوضحه أن الضم لدفع الإجحاف عنهم وذلك عند الأداء فيصار فيه إلى وقت الأداء وأما القضاء على العاقلة ففي حكم وجوب الدية وذلك يثبت بقضاء القاضي فيعتبر فيه وقت القضاء . ولو كان رجل مسكنه بالكوفة فقتل رجلا خطأ فلم يقض عليه حتى تحول عن الكوفة واستوطن البصرة ، فإنه يقضي بالدية على عاقلته بالبصرة ولو كان قضى بها بالبصرة على عاقلته بالكوفة ولم ينتقل عنهم ; لأن من لا عطاء له إذا كان يسكن مصرا فعاقلته أهل ديوان ذلك المصر بمنزلة من له عطاء ، وكذلك البدوي إذا التحق بالديوان بعد القتل قبل قضاء القاضي ، فإنه يقضي بالدية على أهل الديوان ، وإن كان ذلك بعد القضاء على عاقلته بالبادية لم يتحول عنهم ; لأن الجناية لم تجنها العاقلة ، وإنما جناها الرجل ، فإنما يكون على عاقلته إذا قضى بها عليهم . ( ألا ترى ) أن التأجيل في الدية يعتبر من وقت قضاء القاضي ولو قلنا تتحول بتحويله إلى ديوان آخر بعد القضاء لكان إذا تحول بعد مضي سنة يؤخذ الثلث من الديوان الذي انتقل إليهم حالا وذلك ممتنع وفي اعتبار الأجل من وقت قضاء القاضي دليل ظاهر على أن الجناية إنما توجب المال بقضاء القاضي . ولو أن قوما من أهل البادية قضى عليهم بالدية في أموالهم في ثلاث سنين فأدوا الثلث أو الثلثين أو لم يؤدوا أشياء حتى جعلهم الإمام في العطاء صارت الدية عليهم في أعطياتهم ، وإن كان قد قضى بها أول مرة [ ص: 135 ] في أموالهم ; لأن العطاء من أموالهم فليس في أخذ ذلك من العطاء يعتبر القضاء الأول ; لأن العطاء محل الأداء فيكون المعتبر فيه وقت الأداء لا وقت القضاء والأخذ من العطاء بمعنى التيسير عليهم فهو بمنزلة أقرب من القبائل إليهم عند قلتهم ، فإنه يعتبر فيه وقت الأداء لا وقت قضاء القاضي ولكنه - يقضي عليهم في أعطياتهم بما كان قضى عليهم بالبادية حتى إن كان قضى بالإبل لم يتحول عن ذلك ; لأن في القضاء بشيء آخر إبطال القضاء الأول وذلك لا يجوز وليس في القضاء به في أعطياتهم إبطال القضاء الأول . وإذا قتل ابن الملاعنة رجلا خطأ فعقلت عنه عاقلة الأم ، ثم ادعاه الأب وثبت نسبه منه رجعت عاقلة الأم بما أدت على عاقلة الأب في ثلاث سنين من يوم قضى القاضي لعاقلة الأم على عاقلة الأب بها ; لأن النسب كان ثابتا منه بالفراش ، وقد انقطعت النسبة عنه بقضاء القاضي ولكن بقي أصل النسب موقوفا على حقه حتى إذا ادعاه غيره لم يثبت منه ، وإذا ادعاه هو ثبت النسب منه مع كونه مناقضا ، وإن كذبته الأم في ذلك ، وإنما يثبت النسب من وقت العلوق لا من وقت الدعوى فتبين أنه عقل جناية كانت على عاقلة أبيه وعاقلة الأم ما كانوا متبرعين فيما أدوا بل أجبروا عليه بقضاء القاضي فيثبت لهم حق الرجوع على عاقلة الأب ويصير حالهم مع عاقلة الأم كحال ولي الجناية ، وقد بينا أن ولي الجناية لو كان هو المقضي له بالدية عليهم كان التأجيل فيه معتبرا من وقت قضاء القاضي لا من وقت الجناية فكذلك إذا قضى به لعاقلة الأم عليهم يعتبر التأجيل فيه من وقت قضاء القاضي لا من وقت دعوى الأب ، وهذا لأن التأجيل لتأخر المطالبة وذلك بعد تقرر الوجوب عليهم ، وإنما يتقرر بقضاء القاضي . وكذلك إذا مات المكاتب عن ولد حر ووفاء فلم يؤد الكتابة حتى جنى ابنه وابنه من امرأة حرة مولاة لبني تميم والمكاتب لرجل من همدان فعقل عنه جنايته قوم أمه ، ثم أدى الكتابة ، فإن عاقلة الأم يرجعون بما أدوا على عاقلة الأب ; لأن عتق المكاتب عند أداء البدل يستند إلى حال حياته فتبين أنه كان للولد ولاء من جانب الأب حين جنى ، وإن موجب جنايته على موالي أبيه وموالي أمه ما كانوا متبرعين عنه في الأداء فيرجعون بالمؤدى على موالي الأب . وكذلك رجل أمر صبيا أن يقتل رجلا فقتله فضمنت عاقلة الصبي الدية رجعت بها على عاقلة الآمر ; لأن الآمر متسبب متعد ، فإنه استعمل الصبي في أمر لحقه فيه تبعة فيثبت لعاقلته حق الرجوع بما أدوا على الآمر غير أنه إن كان الآمر يثبت الأمر بالبينة فرجوعهم على عاقلة الآمر ; لأن التسبب في الجناية لا يكون فوق المباشرة ، وإن [ ص: 136 ] كان الآمر ثبت بإقراره ، فإنهم يرجعون عليه في ماله في ثلاث سنين من يوم يقضي بها القاضي على الآمر أو على عاقلته ، فإن إقراره ليس بحجة على العاقلة ، وإن كانوا اجتمعوا في أول الأمر وقضى القاضي بها لولي الجناية على عاقلة الصبي ولعاقلة الصبي على عاقلة الآمر ; لأن القضاء باعتبار السبب والسبب هو الجناية وذلك قد وجد من الصبي فيقضي للمولى على عاقلة الصبي ، ثم الرجوع على عاقلة الآمر بسبب الأمر وذلك بين الآمر والصبي فيقضي لعاقلة الصبي على عاقلة الآمر مثل ذلك فكلما أخذ ولي الجناية من عاقلة الصبي شيئا أخذت عاقلة الصبي من عاقلة الآمر بمثل ذلك ; لأن الرجوع لدفع الغرم عن عاقلة الصبي ، وإنما يتحقق الغرم بالأداء فيرجعون بقدر ما أدوا بمنزلة رجوع الكفيل على الأصيل إذا كان كفل عنه بأمره . ولو أن ابن الملاعنة قتل رجلا خطأ فقضى القاضي بالدية على عاقلة الأم فأدوا الثلث ، ثم ادعاه الأب وحضروا جميعا ، فإنه يقضي لعاقلة الأم بالثلث الذي أدوا على عاقلة الأب ; لأنهم ما كانوا متبرعين في أداء ذلك ويبدأ بهم في سنة مستقبلة قبل أهل الجناية ويبطل الفضل عن عاقلة الأم ويقضي بالثلثين الباقيين على عاقلة الأب في السنتين بعد السنة الأولى ولا يسترد من ولي الجناية ما أخذ من عاقلة الأم ; لأنه ملك ذلك بسبب صحيح ، فإن القاضي قضى بذلك على عاقلة الأم فكان قضاؤه ذلك حقا يومئذ ، وإنما يبطل الفضل عن عاقلة الأم ; لأنه تبين بالقضاء بثبوت نسبه من أبيه أن جنايته على عاقلة أبيه لا عاقلة أمه ولا فائدة في استيفاء ما بقي من عاقلة الأم ، ثم القضاء بالرجوع لهم على عاقلة الأب بل يستوفي ما بقي من عاقلة الأب . بخلاف ما تقدم في مسألة الآمر مع الصبي ، فإن هناك السبب بين ولي الجناية وبين الآمر وهنا السبب بين ولي الجناية وعاقلة الأب قد ظهر بدعوى السبب فلهذا قضى بالباقي عليهم ، ثم في السنة الأولى بعد القضاء ليس لولي الجناية أن يستوفي منهم شيئا ; لأنه قد ثبت لعاقلة الأم حق الرجوع عليهم بما أدوا في هذه السنة وحقهم مقدم ، فإنهم يرجعون بما استوفاه ولي الجناية فلو قلنا بأن ولي الجناية يستوفي منهم في هذه السنة أيضا شيئا أدى إلى أن يستوفي منهم ثلثي دية واحدة في سنة واحدة وفيه إجحاف بهم ، وعلى هذا ابن المكاتب الذي وصفناه ; لأنه بمنزلة ابن الملاعنة حين استندت حرية ابنه إلى حياة أبيه ، وإذا كانت المرأة حرة ومولاه لبني تميم تحت عبد لرجل من همدان فولدت غلاما فعاقلة الابن عاقلة أمه ; لأنه لا ولاء له من جهة أبيه ، فإنه عبد والولاء كالنسب فيتبع الولد فيه أمه إذا انعدم من قبل الأب كما في النسب ، فإن جنى جناية فلم يقض بها القاضي [ ص: 137 ] على عاقلة الأم حتى عتق الأب ، فإن القاضي يحول ولاءه إلى موالي أبيه ; لأنه ظهر له ولاء في جانب الأب ، وهو الأصل كما في النسب ، ثم يقضي القاضي بالجناية التي قد جناها على عاقلة أمه ولا يحولها عنهم . وكذلك لو كان حفر بئرا قبل عتق أبيه ، ثم سقط فيها إنسان بعد عتق أبيه ، وما خاصم في ذلك حتى قضى بالدية على عاقلة الأم إن كان بالغا ، وإن كان صغيرا فأبوه لأن مباشرة السبب كانت منه فهو الخصم بالقضاء بالسبب عليه والحكم يبنى على السبب ، ثم إنما يقضي هاهنا على عاقلة الأم بخلاف ما تقدم في ابن الملاعنة وابن المكاتب ; لأن هذا ولاء حادث حدث بعد الجناية ولم يستند إلى وقت سابق فلم يتبين به أنه عند جنايته لم تكن على عاقلة موالي أمه وفي مسألة النسب لم يثبت من وقت الدعوى ، وإنما ثبت من وقت العلوق ، وكذلك عتق المكاتب الميت عند أداء بدل الكتابة لا يثبت مقصورا على حالة الأداء بل يستند إلى حال حياته فلهذا كان القضاء هناك على عاقلة أبيه وها هنا على عاقلة الأم ، وكذلك في مسألة حفر البئر ; لأن عند الوقوع إنما يصير جانيا بالحفر السابق ، وقد كانت عاقلته في الوقت قوم أمه . ولو أن امرأة مسلمة مولاة لبني تميم جنت جناية أو حفرت بئرا فلم يقض بالجناية حتى ارتدت ولحقت بدار الحرب ، ثم سبيت فأعتقها رجل من همدان ، ثم وقع في البئر رجل فمات قضى بتلك الجناية على بني تميم ; لأنه إنما حدث لها ولاء بسبب الإعتاق بعد الجناية أو الحفر فلا أثر لهذا الولاء في الجناية التي كانت منها قبل ذلك كما في المسألة المتقدمة وعلل في الكتاب فقال : لأن الحالة الثانية غير الحالة الأولى يعني أن حالها تبدل بالسبي والعتق فكانت في حكم شخص آخر ، وإنما يقضي بالجناية الأولى على عاقلة الجانية وعاقلة الجانية بنو تميم فأما همدان فعاقلة امرأة أخرى في الحكم ; لأنها تبدل حالها حين صارت في حكم امرأة أخرى . حربي أسلم ووالى مسلما في دار الإسلام ، ثم جنى جناية عقلت عنه عاقلة الذي والاه ، فإن ولاء الموالاة عندنا بمنزلة ولاء العتق في حكم عقل الجناية ، وقد بينا هذا في كتاب الولاء ، ثم لا يكون له أن يتحول بولائه بعد الجناية ; لأنها تأكدت بفعل الجناية ، فإن عقلوا عنه أو لم يقض بها حتى أسر أبوه من دار الحرب فاشتراه رجل وأعتقه جر ولاء ابنه ; لأن ولاء العتق أقوى من ولاء الموالاة فبعد ما ظهر لأبيه ولاء عتق لا يبقى ولاء الموالاة في حقه بل يلغى حكما وتأكده لا يمنع من ذلك بمنزلة الولد الثابت ولاؤه لموالي أمه عليه ، ثم لا ترجع عاقلة الذي كان والاه على عاقلة موالي الأب بشيء فلا تزول تلك الجناية عنهم ، وإن لم يكن قضى بها عليهم ; لأن هذا ولاء حادث بسبب [ ص: 138 ] جديد ، وهو إعتاق الأب فلا يظهر أثره في الجناية الثانية ، وكذلك لو حفر بئرا قبل أن يؤسر أبوه ، ثم وقع فيها إنسان بعد عتق الأب ، فإن ذلك على عاقلة الذي والاه دون عاقلة أبيه والخصومة في سببه مع الجاني ; لأن مباشرة السبب كانت منه . ذمي أسلم ولم يوال أحدا حتى قتل قتيلا خطأ فلم يقض به حتى والى رجلا من بني تميم ، ثم جنى جناية أخرى ، فإنه يقضي بالجنايتين على بيت المال ويجعل ولاؤه لجماعة المسلمين وتبطل موالاته مع الذي والاه ; لأن الذي أسلم ولم يوال أحدا فولاؤه لبيت المال حتى يكون ميراثه لو مات لبيت المال ، فإذا جنى جناية تعقل وجب على بيت المال وتأكد به حكم ذلك الولاء ولا يصح منه عقد الموالاة بعد ذلك مع أحد فلهذا كان موجب جنايته على بيت المال ، وكذلك لو رمى بسهم أو حجر خطأ قبل أن يوالي أحدا فلم تقع الرمية حتى والى رجلا ، ثم وقعت فقتلت رجلا كانت موالاته باطلة ; لأنه بالرمي جان . ( ألا ترى ) أن المعتبر حالة الرمي حتى لو رمى إلى صيد ، وهو مسلم ، ثم ارتد فأصابه السهم حل تناوله ، وإذا كان بالرمي جانيا وذلك حصل منه قبل الموالاة تأكد به الولاء لبيت المال ولو حفر بئرا في الطريق فلم يقع فيها أحد حتى والى رجلا ، ثم وقع فيها رجل فمات ، فإن دية القتيل عليه في ماله وولاء الذي والاه صحيح ولا يشبه هذا ما مضى قبله من الرمية والجناية ; لأن مجرد الحفر ليس بجناية يجب بها أرش حتى يعطب فيها إنسان ، فقد والى وليس في عنقه جناية فصحت الموالاة والرمية كانت جناية منه ، فإنما والاه وفي عنقه جناية وبيان هذا الفرق أن الرامي مباشر ولا تتحقق المباشرة إلا باعتبار فعله . ( ألا ترى ) أنه بالرمي ملتزم القود إذا كان عمدا والكفارة إذا كان خطأ فعرفنا أنه جان حين رمى وأما الحافر فليس بمباشر للقتل ولهذا لا تلزمه الكفارة ولا يحرم الميراث ولكنه متسبب ، وإنما يتم هذا السبب عند وقوع الواقع في البئر ، فقد والى وليس في عنقه جناية فصحت الموالاة ، ثم دية هذا الواقع في البئر لا تكون على من والاه ; لأنه عند الوقوع صار جانيا عليه بالحفر السابق ، وقد كان ذلك قبل الموالاة ، ومن والاه لم يتحمل عنه موجب أفعاله قبل الموالاة ولا يعقل عنه بيت المال ; لأنه إن جعل ذلك على بيت المال بطل ولاؤه ولا وجه لإبطال الولاء المحكوم بصحته قلنا : إن وجب عليه دية القتيل في ماله بمنزلة من لا عاقلة له . وكذلك الرجل يسلم ويوالي رجلا ، ثم يجني أو يرمي أو يحفر بئرا ، ثم ينتقل بولائه فهو بمنزلة ما تقدم ; لأن الأول في المعنى تحول بالولاء ، فإنه كان مولى لبيت المال فلا فرق بين أن يتحول بولاء كان ثابتا عليه لبيت المال وبين أن يتحول بولاء [ ص: 139 ] كان ثابتا عليه لإنسان بعقده . ( ألا ترى ) أن حافر البئر لو لم يقع في البئر أحد حتى تحول بولائه إلى رجل فوالاه وعاقده ، ثم جنى جنايات كثيرة كان عقلها على عاقلة المولى الآخر علم بالحفر أو لم يعلم ; لأنه لم يدر أنه يقع في البئر إنسان أو لا يقع فيكون ولاؤه مع الثاني صحيحا وعقل جنايته عليه فبعد ما عقلوا إذا وقع في البئر رجل لو قلنا بأن ديته على عاقلة المولى الأول أو على بيت المال بطل هذا كله وذلك لا يستقيم ، ثم اشتغل في الكتاب بالكلام مع زفر رحمه الله فقال : إن قال قائل : فكيف لم يشتبه الولاء المنتقل بعتق الأب قبل القضاء للعاقلتين اللتين تكون إحداهما عاقلة ، ثم لا يتحول إلى العاقلة الأخرى ، وقد قلت : إذا تحول من ديوان إلى ديوان قبل قضاء القاضي أنه يقضي بالدية على أهل الديوان الذي انتقل إليهم ، ثم أشار إلى الفرق فقال : إذا انتقل من ولاء إلى ولاء صارت الحالة الثانية في حقه غير الحالة الأولى فيكون ذلك بمنزلة نفسه ونظيره ما بينا في المرأة الجانية إذا ارتدت فسبيت وأعتقت وصاحب العاقلتين لم يتحول حاله بل حاله واحدة ، وإن تحولت عاقلته بتحوله من ديوان إلى ديوان فلهذا كان المعتبر عاقلته وقت القضاء واستوضح هذا بما بينا أن نفس القتل الواجب عليه النفس ، فإنما يتحول إلى الدية بقضاء القاضي وعند القضاء العاقلة يتحملون عنه فمن ضرورته أن يكون الوجوب عليه أولا . والدليل عليه ما ذكرنا من الإقرار بقتل الخطأ ، ثم استوضح هذا بمسألة مبتدأة فقال : كان أبو حنيفة رحمه الله يقول : لو أن رجلا قتل رجلا خطأ فلم يقض عليه بالدية حتى صالحه على عشرين ألف درهم أو على ألفي دينار أو على مائتي بعير أو ثلاثة آلاف شاة أو ثلثمائة بقرة لم يجز ذلك ورد إلى الدية ولو قضى القاضي عليه بألف دينار فصالح على عشرين ألف درهم أو مائتي بعير بأعيانها كان جائزا فبهذا يتبين أن النفس إنما تصير ما لا بقضاء القاضي فالقضاء ما يقع عليه الصلح بدل النفس وبدل النفس شرعا مقدر بعشرة آلاف درهم أو مائة من الإبل فالصلح على أكثر من ذلك باطل وبعد قضاء القاضي بالدنانير قد وجبت الدنانير ، فإنما يقع الصلح بعد ذلك من الدنانير على الدراهم أو الإبل ، ثم هذه المسألة لا يستقيم جوابها على أصل أبي حنيفة ، فإن عنده البقر والغنم ليسا بأصل في الدية ولا يدخلهما التقدير فينبغي أن يجوز الصلح عنده على أي مقدار كان منها وقيل : بل هو مستقيم ; لأن عنده القاضي لو قضى في الدية بالبقر والغنم كان قضاؤه نافذا فيما يقضي بألفي شاة ومائتي بقرة ; لأن ذلك مجتهد فيه فينفذ قضاء القاضي به ، وكذلك إذا اصطلح الخصمان ; لأن صلحهما في حقهما كقضاء القاضي به ولو قضى القاضي في الدية بثلاثة [ ص: 140 ] آلاف شاة أو ثلثمائة بقرة لم يجز قضاؤه فكذلك إذا اصطلح الخصمان على ذلك . ولو أقر رجل بقتل رجل خطأ عند القاضي وأقام ولي الجناية عليه البينة قضى بالدية على العاقلة ; لأن الولي محتاج إلى هذه البينة فوجب قبولها وبه يتبين أن المال لا يجب بدون القضاء ; لأن الإقرار موجب بنفسه فلو وجب المال به عليه لا يستقيم قبول البينة من الولي بعده والقضاء به على العاقلة ، فإن قال الولي بعد الإقرار به : لا أعلم لي بينة فاقض لي بها عليه في ماله فقضى القاضي بها في مال المقر ، ثم وجد ولي الجناية بينة فأراد أن يحول ذلك إلى العاقلة لم يكن له ذلك ; لأن المال قد وجب عليه بقضاء القاضي فلا يكون للولي أن يبطل قضاءه ببينته فتحول ذلك إلى العاقلة ولو قال الولي : لا تعجل بالقضاء في ماله لعلي أجد بينة فأخره القاضي ، ثم وجد بينة قضى له على العاقلة لما بينا . ولو أن رجلا من أهل البادية حفر بئرا في الطريق ، ثم إن الإمام نقل أهل البادية إلى الأمصار فتفرقوا فيها وصاروا أصحاب أعطية ، ثم وقع في تلك البئر إنسان كانت الدية على عاقلته يوم وقع الرجل في البئر ; لأن عند الوقوع في البئر يصير جانيا بالحفر السابق وأورد هذا النوع لإيضاح ما سبق من الفرق بين هذا الحفر وغيره قال : وكذلك لو حفر ، وهو من أهل العطاء ، ثم أبطل الإمام عطاءهم وردهم إلى أنسابهم فتعاقلوا عليها زمانا طويلا ، ثم مات إنسان في البئر كان عليه اليوم الذي وجب المال فيه لما بينا أن الرجل لم يخرج من نسبه ، وإن أثبت له في الديوان عطاء ولم يتحول إلى حالة أخرى ، وإنما انتقلت عاقلته فلا تتبدل به نفسه . ولو أن أهل عطاء الكوفة جنى رجل منهم جناية وقضى بها على عاقلته ، ثم ألحق بقوم من قومه من أهل البادية أو من أهل المصر لم يكن لهم ديوان وجعلوا مع قومهم عقلوا معهم ودخلوا فيما قضى به من الجناية ولم يدخلوا فيما أدوا قبل ذلك ، وهذا بمنزلة ما لو قلت العاقلة حتى ضم الإمام إليهم أقرب القبائل في النسب والأصل في هذا كله أن حال الجاني إذا تبدل حكما وانتقل من ولاء إلى ولاء بسبب حادث لم تنتقل جنايته عن الأولى كان قضى بها أو لم يقض ، وإن ظهرت حالة حقيقة مثل دعوى الملاعنة حولت الجناية إلى الأخرى وقع القضاء بها أو لم يقع ولو لم تختلف حالة الجاني ولكن العاقلة تبدلت كان الاعتبار في ذلك الوقت بالقضاء ، فإن كان قضى على الأولى لم ينتقل إلى الثانية ، وإن لم يكن قضى بها على الأولى ، فإنه يقضي بها على الثانية ، وإذا كانت العاقلة واحدة فلحقها زيادة أو نقصان اشتركوا في ، حكم الجناية قبل القضاء وبعده إلا فيما سبق أداؤه . ولو أن رجلا من أهل البادية من أهل الإبل جنى جناية فلم يقض [ ص: 141 ] بها حتى نقله الإمام وقومه فجعلهم أهل عطاء وجعل عطاءهم الدنانير ، ثم رفع إلى القاضي قضى عليهم بالدنانير دون الإبل ; لأن وجوب المال بقضاء القاضي وعند قضاء القاضي ما لهم عطاء فيقضي بالدية من جنس ذلك ولو كان قضى عليهم بمائة من الإبل ، ثم نقله الإمام وقومه إلى العطاء وجعل عطاءهم الدنانير أخذوا بالإبل أو بقيمتها ، وإن لم يكن لهم مال غير العطاء أخذت قيمة الإبل من أعطياتهم قلت القيمة أو كثرت ; لأن الإبل تعينت دية بقضاء القاضي والحيوان لا يثبت دينا في الذمة ثبوتا صحيحا بل يتردد بينه وبين القيمة فلا يتغير حكم ذلك القضاء بصيرورتهم من أهل العطاء ولكنهم يؤخذون بما قضى به عليهم في أموالهم ، فإن لم يكن لهم مال غير العطاء أخذت قيمة الإبل من أعطياتهم ; لأن ذلك ما لهم ، وقد ذكر قبل هذا إذا قضى عليهم بالدية ، ثم جعلهم الإمام أهل العطاء صارت الدية عليهم في أعطياتهم ، ومن أصحابنا رحمهم الله من بين في هذه المسألة روايتين كلتاهما في هذا الكتاب ، ومنهم من وفق فقال : هناك أبهم الجواب أنه يؤخذ من أعطياتهم للتيسير عليهم ولم يبين ماذا يؤخذ ، ثم فسر ذلك هاهنا فقال : تؤخذ قيمة الإبل من أعطياتهم وتأويل ما ذكر هناك أنه قضى من جنس العطاء عليهم بالدية ولم يعين جنسا منها بقضائه حتى صاروا أهل عطاء ، وإنما يعين عليهم بعد ذلك ما هو من جنس العطاء ويأخذه من العطاء وها هنا عين الجنس عند قضائه وقضى عليهم بمائة من الإبل والعطاء ليس من جنس الإبل فيكون الرأي إليهم إن شاءوا أدوا الإبل من أموالهم ، وإن شاءوا القيمة ، فإذا لم يكن لهم مال غير العطاء تؤخذ القيمة من أعطياتهم . ولو أن ذميا أسلم ووالى رجلا ، ثم جنى جناية خطأ فلم يقض بها القاضي على العاقلة بشيء حتى أبرأ أولياء المجني عليه الجاني من الجناية فللجاني أن يتحول بولائه عن الذي والاه ; لأن بإبرائه سقط موجب الجناية ولم يجب شيء على الذي والاه ; لأن الوجوب عليه بقضاء القاضي ولو كان الإبراء بعد ما قضى القاضي على العاقلة بالدية لم يكن له أن يتحول بولائه ; لأن بقضاء القاضي وجبت الدية على العاقلة لتأكد الولاية ، ثم بسقوطه عن العاقلة بالإبراء وسقوطه بالاستيفاء سواء ومعنى هذا الفرق أن موجب الجناية قبل القضاء على الجاني فالإبراء يكون إسقاطا عن العاقلة ، وهذا بخلاف ما تقدم إذا لم يوجد الإبراء ولا القضاء حتى تحول بولائه إلى غيره ; لأن هناك موجب الجناية الأولى الباقية ، فإنما يقضي القاضي به على عاقلة الأولى فلا يمكن أن يتحول حتى لو كان أقر الجاني بالجناية كان له أن يتحول سواء قضى بها عليه في ماله أو لم يقض ; لأنه موجب الجناية الثانية بإقراره يكون عليه [ ص: 142 ] لا على عاقلته فلم يوجد في حق العاقلة ما يتأكد به الولاء ولم يجن ولكنه التحق معهم في ديوانهم فجنى بعضهم فعقل عنه معهم لم يكن له أن يتحول بولائه عنهم ; لأن الذي والاه ليس له أن يحوله إذا عقل عنهم فكذلك لا يكون له أن يتحول عنهم . ( ألا ترى ) أن المولى بعد ما عقل عنه لم يكن له أن يبرأ من ولائه كما ليس له أن يتحول بالولاء عنه ، وقد كان قبل العقل لكل واحد منهما ذلك ، فإذا لم يكن لأحدهما أن يتحول بعد عقل الجناية لم يكن للآخر أن يحوله أيضا ولو أخذ معهم العطاء ولم يعقل عنهم كان له أن يتحول عنهم ; لأن بأخذ العطاء لا يتأكد حكم الولاء بينه وبينهم إنما يتأكد ذلك بعقل الجناية اعتبارا لولاء الموالاة ، فإن ذلك إنما يتأكد بعقل الجناية حتى إن عقل عقل الجناية لكل واحد منهما أن يتحول بولائه وليس له ذلك بعد عقل الجناية من جانب واحد أو من جانبين ، والله أعلم بالصواب . ![]()
__________________
|
|
#554
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد السابع والعشرون صـــ142 الى صـــ 151 (553) ( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله : اعلم بأن الوصية عقد مندوب إليه مرغوب ليس بفرض ولا واجب عند جمهور العلماء ، وقال بعض الناس الوصية للوالدين والأقربين إذا كانوا ممن لا يرثونه فرض ، وعند بعضهم الوصية واجبة على أحد ممن لم يرثوه واستدلوا بقوله - تعالى - : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين } والمكتوب علينا يكون فرضا ، وقال عليه السلام : { لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر إذا كان له مال يريد الوصية فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه } ، وحجتنا في ذلك أن الوصية مشروعة لنا لا علينا قال عليه السلام : { إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم فضعوه حيث شئتم أو قال حيث أحببتم } ، والمشروع لنا ما لا يكون فرضا ولا واجبا علينا بل يكون مندوبا إليه بمنزلة النوافل من العبادات ثم التبرع بعد الوفاء معتبر بالتبرع في حالة الحياة وذلك إحسان مندوب إليه ، وكذلك التبرع بالوصية بعد الموت ، وأما الآية فقد اتفق أكثر أهل التفسير على أن ذلك كان في الابتداء قبل أن ينزل آية المواريث ثم انتسخ ، وتكلموا في ناسخه وكان أبو بكر الرازي رحمه الله يقول : إنما انتسخ بقوله : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } فإنه نص على الميراث بعد وصية منكرة فلو كانت الوصية للوالدين والأقربين ثابتة بعد نزول هذه الآية [ ص: 143 ] لذكر الإرث بعد الوصية المعرفة ; لأن تلك وصية معهودة ، وهذا قول الشافعي أيضا بناء على مذهبه أنه لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة والرازي كان لا يجوز نسخ الكتاب إلا بالخبر المتواتر وأكثر مشايخنا رحمهم الله يقولون إنما انتسخ هذا الحكم بقوله عليه السلام : { إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث } ، وهذا حديث مشهور تلقته العلماء بالقبول والعمل به ونسخ الكتاب جائز بمثله عندنا ; لأن ما تلقته العلماء بالقبول والعمل به كالمسموع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو سمعناه يقول لا تعملوا بهذه الآية فإن حكمها منسوخ لم يجز العمل بها ولأجل شهرة هذا الحديث بدأ الكتاب به ورواه عن أبي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا وصية لوارث } ، وفي بعض الرواية قال : { إلا أن يجيزه الورثة } ، وفي هذه الزيادة بيان أن المراد نفي الجواز لا نفي التحقيق ، ومن ضرورة نفي الجواز نفي الفرضية والوجوب ، والحديث مرسل بالطريق الذي رواه ولكن المراسيل حجة عندنا كالمسانيد أو أقوى من المسانيد ; لأن الراوي إذا سمع الحديث من واحد لا يشق عليه حفظ اسمه فيرويه مسندا وإذا سمعه من جماعة يشق عليه حفظ الرواية فيرسل الحديث فكان الإرسال من الراوي المعروف دليل شهرة الحديث ، فأما الحديث الذي رواه فهو شاذ فيما تعم به البلوى والوجوب لا يثبت بمثله ، ثم هو محمول على ما كان ابتداء قبل نزول آية المواريث أو المراد ذلك لا يليق بطريق الاحتياط والأخذ بمكارم الأخلاق لقوله عليه السلام : { لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت شبعان وجاره طاو إلى جنبه } ، والمراد ما بينا . ثم الوصية تتقدر بقدر الثلث من المال وهي مأخوذة من الدين لحديث علي رضي الله عنه قال : إنكم تقرءون الوصية قبل الدين { وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدأ بالدين قبل الوصية } ، وهكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فهذا منهما إشارة إلى معنى التقديم والتأخير في الآية ، ثم قضاء الدين من أصول حوائج المرء ; لأنه تفرغ به ذمته والوصية ليست من أصول حوائجه وحاجته مقدمة في تركته . ( ألا ترى ) أنه يقدم جهازه وكفنه لحاجته إلى ذلك فكذلك قضاء الدين ، ثم زعم بعض أصحابنا أن الوصية بعد الدين تقدم على الميراث لظاهر الآية وأكثرهم قالوا التقديم لا يظهر في الوصية بل الوارث يستحق الثلثين إرثا في الوقت الذي يستحق الموصى له الثلث بالوصية والمراد من الآية تقديم الوصية على الميراث في الثلث ; لأنه محل للإرث إذا لم يوص فيه بشيء ، فإذا أقضى كانت الوصية في الثلث مقدمة على الميراث والدليل على أن محل الوصية النافذة شرعا ثلث [ ص: 144 ] المال ما رواه من حديث : { سعد بن مالك قال يا رسول الله أوصي بمالي كله ، فقال لا قال فبنصفه قال لا قال فبثلثه قال الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس } ، وفي رواية : يتكفكفون ، وأصل هذا الحديث ما روي : { أن سعدا رضي الله عنه مرض بمكة عام حجة الوداع فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده ، فقال يا رسول الله أخلف عن دار الهجرة فأموت بمكة ، فقال : إني لأرجو أن يبقيك الله ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون لكن البائس سعد بن خولة يرثى له إن مات بمكة } ، قيل هذا من النبي عليه السلام إشارة إلى ما جرى من الفتوح على يد سعد في زمن عمر رضي الله عنه ، ثم { قال : يا رسول إني لا يرثني إلا ابنة لي أفأوصي بمالي كله } ، الحديث ، وفيه دليل على أنه لا ينبغي للمرء أن يوصي بأكثر من ثلثه ; لأن النبي عليه السلام ذم المعتدين في الوصية والتعدي في الوصية مجاوزة حدها قال الله - تعالى - : { ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } ، وفي الحديث : { الحيف في الوصية أكبر الكبائر } ، والحيف هو الظلم والميل وذلك بمجاوزة الحد المحدود شرعا بأن يوصي لبعض ورثته أو يوصي بأكثر من ثلث ماله على الإضرار بورثته . والدليل على أن محل الوصية الثلث ما روينا من قوله : { إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم } ، ثم بين المعنى بقوله : { إنك إن تدع عيالك أغنياء } ، معناه ورثتك أقرب إليك من الأجانب فترك المال خير لك من الوصية فيه ، وفي هذا دليل أن التعليل في الوصية أفضل وذلك مروي عن أبي بكر وعمر ، وقال : لأن يوصي بالخمس أحب إلينا من أن يوصي بالربع ولأن يوصي بالربع أحب إلينا من أن يوصي بالثلث ، وعن علي رضي الله عنه مثل ذلك وزاد وقال : من أوصى بالثلث فلم يترك شيئا يعني لم يترك شيئا مما جعل له الشرع حق الوصية فيه فعرفنا أن القليل في الوصية أفضل ; لأن ذلك أبعد وحشة الورثة ، فإنه إذا أوصى بجميع الثلث قال الوارث لا منة له علي ، فإنه ما ترك الوصية بما زاد على الثلث إلا لعجزه عن تنفيذه شرعا وحق الوارث ثبت في ماله شرعا قال عليه السلام : { إن أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر حتى إذا بلغ هذا - وأشار إلى التراقي - قلت : لفلان كذا ولفلان كذا كان ذلك } وإن لم يقل ، وإنما تحل الوصية بالثلث شرعا لمن يترك مالا كثيرا يستغني ورثته بثلثه إما لكثرة المال أو لقلة الورثة هكذا روي أن عليا استأذنه رجل في الوصية لمن يترك خيرا يريد قوله تعالى : { إن ترك خيرا } ، ثم يستدل بظاهر هذا الحديث من يقول بأن : { الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر } ، فإن النبي عليه السلام قدم صفة الغنى لورثة سعد ، فقال [ ص: 145 ] { إنك إن تدع عيالك أغنياء } ، ولكنا نقول قدم صفة الغنى لهم واختار الفقر لنفسه والأفضل ما اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه ، ثم إنما قدم الغني على الفقير الذي يسأل كما قال : { من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس } ، أي يلحون في السؤال ونحن إنما نقدم الفقير الصابر دون الذي يسأل كما وصفهم الله بقوله - تعالى - : { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا } ، وهذا لأن الفقر مع الصبر أسلم للمرء وأزين للمؤمن قال عليه السلام : { الفقر أزين للمؤمن من العذار الجيد على جلد الفرس } . فأما الغنى فسبب للطغيان والفتنة قال الله - تعالى - : { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } وروي أن حمزة بن عبد المطلب أوصى إلى زيد بن حارثة يوم أحد وأن عليا رضي الله عنه أوصى إلى الحسن رضي الله عنه ، وفيه دليل أن للمرء أن يوصي إلى غيره في القيام بحوائجه بعد وفاته ، وهذا من نظر الشرع له أيضا فقد يفرط في بعض حوائجه في حياته أو تخترمه المنية فيحتاج إلى من يقوم مقامه في القيام بحوائجه بعد موته والإيصاء إلى الغير كان مشهورا بين الصحابة رضي الله عنهم ، فإن أبا بكر رضي الله عنه استخلف عمر وأوصى إلى عائشة رضي الله عنها في حوائجه وعمر أوصى إلى حفصة وتكلم الناس في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أوصى إلى أحد والصحيح عندنا أنه لم يوص إلى أحد بشيء إنما : { أمر أبا بكر أن يصلي بالناس } ، وبه استدلوا على خلافته ، فقالوا ما اختاره لأمر ديننا إلا وهو يرضى به لأمر دنيانا . وينبغي أن يوصي إلى من هو أقرب إليه إذا كان أهلا لذلك كما أوصى علي إلى ولده الحسن رضي الله عنه : { وأوصى حمزة إلى زيد بن حارثة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آخى بينهما حين قدم المدينة } ، وذكر عن ابن مسعود أنه سئل عن إنسان أوصى بسهم من ماله ، فقال هو السدس وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله تعالى ، فقال مطلق لفظ السهم في الوصية والإقرار ينصرف إلى السدس ، وهو مروي عن جماعة من أهل اللغة منهم إياس بن معاوية قالوا السهم السدس وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله قالا للموصى له سهم مثل أخس سهام الورثة وروي ذلك في الكتاب عن شريح ; لأن ماله يصير سهاما بين ورثته فذكر السهم ينصرف إلى ذلك وأخس السهام متيقن فيه إلا أن يجاوز السهم فحينئذ لا تنفذ الوصية فيما زاد على الثلث بدون إجازة الورثة وأبو حنيفة يقول هذا إن لو ذكر السهم معرفا ، وقد ذكره منكرا بقوله أوصيت لكم بسهم من مالي فينصرف إلى ما فسر أهل اللغة السهم به وبيان المسألة يأتي في موضعه . وعن عمر رضي الله عنه قال إذا أوصى الرجل بوصيتين فالأخيرة منهما أملك وبظاهره [ ص: 146 ] أخذ الشافعي ، فقال الوصية الثانية بالثلث أو بالعتق للذي أوصى به لغيره يكون دليل الرجوع عن الوصية الأولى ولكنا نقول المراد وصيتان بينهما منافاة بأن يوصي ببيع عبده من إنسان ، ثم يوصي بعتقه أو على عكس ذلك ، فإن بين هاتين الوصيتين في محل واحد منافاة فالثانية منهما دليل الرجوع عن الأولى ، فأما إذا أوصى إلى إنسان بعبد بعينه ، ثم أوصى لآخر بذلك العبد فلا منافاة بين الوصيتين في المحل ومراده أن يكون كله لأحدهما إن لم يقبل الآخر الوصية أو لم يبق إلى ما بعد موت الموصي ، وإن لم يكن مشتركا بينهما إن قبلا جميعا الوصية فلا تكون الثانية منهما دليل الرجوع عن الأولى ، وإن لم يستحق الموصى له الأول الترجيح بالسبق فلا أقل من أن يزاحم الموصى له الثانية ، وعن إبراهيم في الرجل يموت ولم يحج قال إن أوصى أن يحج عنه فمن الثلث ، وإن لم يوص فلا شيء وبهذا نأخذ . وقد بينا المسألة في كتاب المناسك فنقول فيما يجب حقا لله - تعالى - خالصا كالزكاة والحج لا يصير دينا في التركة بعد الموت مقدما على الميراث ولكنه ينفذ من الثلث إن أوصى به كما ينفذ بسائر التبرعات ، وإن لم يوص به فهو يسقط بالموت في أحكام الدنيا ، وإن كان مؤاخذا في الآخرة بالتفريط في أداء بعد التمكن منه ، وعلى قول الشافعي يصير ذلك دينا في تركته مقدما على الميراث أوصى به أو لم يوص ، وقد بينا المسألة في كتاب المناسك والزكاة ، وعن إبراهيم في الرجل يوصي بثلث ماله يحج به عنه أو يعتق به رقبة فلم تتم الحجة ولا الرقبة قال يتصدق عنه ولسنا نأخذ بهذا ، فإن تنفيذ الوصية تجب على ما أوجبه الموصي بحسب الإمكان والتحرز عن التبديل واجب بالنص قال - تعالى - : { فمن بدله بعدما سمعه } الآية ، وإنما يحج بثلثه من حيث يبلغ ، وإن كان الثلث لقلته بحيث لا يمكن أن يحج به عنه فهو لورثته وكان إبراهيم ذهب في ذلك إلى أن مقصود الموصي التقرب إلى الله - تعالى - بثلث ماله ونيل الثواب في ذلك القدر من المال فيجب تحصيل مقصوده بحسب الإمكان وذلك في التصدق به ولكنا نقول اعتبار التعبير في ألفاظ الشرع يجب ; لأنها لا تخلو عن حكمة حميدة ، فأما في أوامر العباد فيعتبر اللفظ . ( ألا ترى ) أنه لو أمر إنسانا بأن يطلق امرأته للسنة فطلقها بغير السنة لم يقع ؟ والشرع أمر بإيقاع الطلاق للسنة ، ومن طلق امرأته لغير السنة كان طلاقه واقعا . وعن إبراهيم قال لا بأس بأن يوصي المسلم للنصراني أو النصراني للمسلم فيما بينه وبين الثلث وهكذا عن شريح وبه نأخذ ، فإن الوصية تبرع بعد الوفاة بعقد مباشرة فيعتبر بالتبرع في حياته ولا بأس بعقد الهبة بين المسلم والذمي في حال الحياة والأصل فيه [ ص: 147 ] قوله تعالى : { لا ينهاكم الله } إلى قوله : { أن تبروهم وتقسطوا إليهم } ، وإن أراد بهذا بيان الفرق بين الوصية والميراث ، فإن الإرث لا يجري مع اختلاف الدين ; لأن الإرث طريقه طريق الولاية والخلافة على معنى أنه يبقى للوارث المال الذي كان للمورث واختلاف الدين يقطع الولاية ، فأما الوصية فتمليك بعقد مبتدأ ولهذا لا يرد الموصى له بالعيب ولا يصير مغرورا فيما اشتراه الموصي بخلاف الوارث ، وعن إبراهيم في الرجل يستأذن ورثته في الوصية فيأذنون له ، ثم يرجعون بعد موته قال لهم ذلك إن شاءوا رجعوا وبه نأخذ ، فإن الإجازة من الورثة معتبرة في الوصية بما زاد على الثلث أو في الوصية للوارث ، وإنما تعتبر إجازتهم بعد موت الموصي ، فأما في حياته فلا تعتبر ; لأن الإجازة إما أن تكون بمنزلة التمليك منهم أو بمنزلة إسقاط الحق ، وإنما ثبت ذلك كله لهم بعد موت الموصي فتمليكهم قبل أن يملكوا أو إسقاطهم لحقهم قبل أن يتقرر وجوب الحق لهم يكون لغوا ، ثم إجازتهم في حالة الحياة لا تكون دليل الرضا منهم بهذا بل الظاهر أنهم كارهون له إلا أنهم احتشموا المورث فلم يجاهروه بالإباء فلو لزمهم حكم الإجازة في حالة الحياة تضرروا بخلاف ما بعد الموت فإجازتهم بعد الموت دليل الرضا منهم . وعن إبراهيم في رجل أوصى لغير وارث بدين أو أقر به قال هو جائز ولو أحاط بماله ومراده الإقرار بالدين لا الوصية ، وإنما سماه وصية لذكره إياه فيما بين الوصايا ، وفي موضع الوصية وبهذا نأخذ فنقول الإقرار لغير الوارث بالدين صحيح ، وإن أحاط بماله ، وهو مروي عن ابن عمر رضي الله عنه ، وقد روي مرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبيناه في كتاب الإقرار ، وعن الشعبي أنه سئل عن رجل له ثلاث بنين فأوصى لرجل بمثل نصيب أحدهم قال له الربع وبه نأخذ ; لأن مثل الشيء غيره فهو جعل نصيب أحد البنين معيارا لما أوجب الوصية فيه وجعل وصيته بمثل ذلك ، فأما أن يقال يصير الموصى له بالإيجاب كابن آخر له مع البنين الثلاثة فله الربع أو يقال ينظر في نصيب أحد البنين فيزاد على أصل السهام مثل ذلك للموصى له والمال بين البنين الثلاثة على ثلاثة أسهم لكل واحد منهم سهم ، فإذا زدنا للموصى له سهما على الثلاثة كانت السهام أربعة ، ثم نعطيه ذلك السهم فيكون له الربع ولا يجوز له أن يعطي الثلث بهذا الإيجاب ; لأن ذلك حينئذ ينفذ الوصية له في نصيب أحد البنين لا في مثل نصيب أحدهم ، وهو إنما أوصى له بمثل نصيب أحدهم . وعن إبراهيم والشعبي قالا في رجل أوصى لرجلين بالنصف والثلث فردوا إلى الثلث بينهم على خمسة أسهم لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب [ ص: 148 ] الثلث اثنان ، وهذا قول أبي يوسف ومحمد وابن أبي ليلى رحمهم الله ، فأما عند أبي حنيفة رحمه الله فالثلث بينهما نصفان . والأصل عند أبي حنيفة أن الوصية بما زاد على الثلث عند عدم إجازة الورثة تبطل في حق الضرب بها في ثلث ، وبيانه إذا أوصى لرجل بجميع ماله ولآخر بثلث ماله فلم تجز الورثة أو أوصى لرجل بجميع ماله ولآخر بنصف ماله فلم تجز الورثة فعند أبي حنيفة الثلث بينهما نصفان في الفصلين جميعا ، وعندهما في الفصل الأول يكون الثلث بينهما أرباعا على أن يضرب الموصى له بالجميع بالثلث في سهام جميع المال الثلاثة والموصى له بالثلث بسهم واحد ، وفي الفصل الثاني يكون الثلث بينهما أثلاثا على أن يضرب الموصى له بالجميع بسهمين والموصى له بالنصف بسهم فهما يقولان : ما يوجبه الموصي بعد موته معتبر بما أوجبه الله - تعالى - من السهام للورثة بعد الموت والله - تعالى - أوجب للزوج النصف وللأخت النصف وللأم الثلث فكان موجب استحقاق كل واحد منهم بما أوجب له عند الانفراد والضرب بجميع ما سمي له بالوصية في محل الميراث عند المزاحمة فكذلك فيما أوجب الموصي . المقصود استحقاق كل واحد منهما لما أوجبه له عند الانفراد وإجازة الورثة يوضحه أن الموصي قصد سلامة ما سمي لكل واحد منهما بكماله وتفضيل أحدهما على الآخر ففي أحد الحكمين تعذر تحصيل مقصوده عند عدم إجازة الورثة ، وفي حكم الآخر ما تعذر تحصيل مقصوده فيجب تحصيله كما لو قال أوصيت بهذه الألف لفلان منها بستمائة ولفلان منها بسبعمائة تعتبر تسميته لكل واحد منهما ، وفي القدر الذي سمي التفضيل بينهما ، وإن تعذر اعتباره في استحقاق جميع المسمى لكل واحد منهما لضيق المحل ، ثم وصيته بالنصف والثلث ينصرف كل واحد منهما إلى جزء شائع في جميع ماله ، وفيما ذهب إليه أبو حنيفة تنفذ وصية أحدهما بجميع الثلث الذي له أن يوصي به وجعل الزيادة فيما أوصى لأحدهما بثلث ماله للآخر خاصة حتى يبطل بعدم إجازة الورثة وذلك خلاف ما أوجبه الموصي . ( ألا ترى ) أنه لو أوصى لأحدهما بثلث ماله ولآخر بسدس ماله ولأحدهما بالثلث وللآخر بالربع أن لكل واحد منهما أن يضرب بجميع ما أوصى به له في الثلث ، وكذلك لو أوصى لأحدهما بألف درهم وللآخر بألفين وثلث ماله ألف ضرب كل واحد منهما في الثلث بجميع ما سمي له ، وكذلك لو أعتق في مرضه عبدا قيمته ألف وعبدا قيمته ألفان وثلث ماله ألف أو باع من إنسان عبدا وحاباه بألف وباع من أحد شيئا وحاباه بألفين ضرب كل واحد منهما في الثلث بجميع ما حباه ، وإن كان أكثر من ثلث [ ص: 149 ] ماله فكذلك فيما سبق . ولأبي حنيفة - رحمه الله - طريقان : أحدهما أن الوصية بما زاد على الثلث عند عدم إجازة الورثة مفسوخة بتغيير الوصية المفسوخة كالمرجوع فلا يستحق الضرب بها كالوصية بمال الجار ، وإنما قلنا ذلك ; لأنها كانت موقوفة على إجازة الورثة فتنفسخ بردهم كالبيع الموقوف على إجازة المالك ينفسخ برده وتأثيره أن حق الضرب فيه بناء على صحة الإيجاب ، وقد بطل ذلك بالانفساخ فلا معنى للضرب به في مزاحمة وصية الإيجاب فيها صحيح ، ولهذا فارق المواريث ، فإن ما أوجبه الله - تعالى - لكل وارث صحيح قطعا ويقينا فعرفنا أن المراد المضاربة بها عند ضيق المحل لعلمنا أن المال الواحد لا يكون له نصفان وثلث وبه فارق الوصية بالثلث والسدس ; لأن كل واحد منهما إيجاب صحيح لا ينفسخ برد الوارث ، فإن كل واحد منهما إيجاب بتسمية يوجد ذلك فيما هو محل الوصية ، وهو الثلث ، فأما هذا فإيجاب بتسمية لا توجد تلك التسمية إلا فيما هو حق الورثة فيبطل بردهم الإيجاب فيما يتناول حقهم ، وكذلك الوصية بالألف والألفين ، فإنها ما وقعت في حق الورثة بهذه التسمية ; لأن حق الورثة في أعيان التركة دون الألف المرسلة . ( ألا ترى ) أنه يتصور تنفيذ جميع هذه الوصية على ما سمى الموصي من غير إجازة الورثة بأن يكثر مال المورث فكذلك في مسألة العتق ، فإن ذلك وصية بالبراءة عن السعاية والسعاية بمنزلة الألوف المرسلة . ( ألا ترى ) أنه يتصور تنفيذ الوصية لكل واحد منهما بدون إجازة الورثة بأن يكثر مال الميت . وكذلك في مسألة المحاباة فالوصية بالمحاباة تكون من الثمن وذلك بمنزلة المال المرسل حتى يتصور تنفيذه لكل واحد منهما بدون إجازة الورثة عند كثرة المال ، فإن قيل هذا فاسد ، فإن الخلاف ثابت فيما إذا أوصى بعبد بعينه لإنسان قيمته ألف وبعبد آخر بعينه لإنسان قيمته ألفان ولا مال له سواهما وهنا يتصور تنفيذ الوصية لكل واحد منهما في جميع ما سمي له بغير إجازة الورثة بأن يكثر مال الميت فيخرج العبدان من الثلث قلنا نعم ولكن وصيتهما بعين التركة حق الورثة فكانت تلك الوصية واقعة في حق الورثة . ( ألا ترى ) أنها لا تصلح إلا بعد قيام ملكه في العين عند الوصية بخلاف الوصية بالألف المرسلة ، فإنها صحيحة إن لم يكن في ملكه مال عند الوصية والطريق الآخر لأبي حنيفة أن الوصية بما زاد على الثلث وصية ضعيفة حتى لا يجب تنفيذها إلا بإجازة الورثة والوصية بالثلث وصية قوية ، ولا مزاحمة بين الضعيف والقوي في الاستحقاق ولكن الضعيف في مقابلة القوي كالمعدوم ، بمنزلة الوصية للوارث مع الوصية للأجنبي ، فإنه لا يثبت المزاحمة بينهما والمضاربة عند [ ص: 150 ] عدم إجازة الورثة وبه فارق المواريث ، فقد استوت السهام في القوة ، وكذلك الوصايا في الثلث ، فقد استوت في القوة لمصادفة كل واحد منهما محل الوصية ، وكذلك التركة إذا كانت ألفا ، وفيها دين ألف ودين ألفان ; لأن الدينين استويا في القوة ، وكذلك الوصايا في الألوف المرسلة والعتق والمحاباة ، فإنها استوت في القوة حين لم تصح في حق الورثة على ما بينا وقول الموصي قصد تبين فلنا التفصيل بناء على صحة الإيجاب في حق الاستحقاق ، وقد بطل ذلك بالرد على الطريق الأول ، وهو ضعيف على الطريق الثاني فلا يزاحم القوي وبه فارق مسألة الألف ; لأن مطلق الإضافة إليهما يعقبه تفسير ، وهو ما سمي من الستمائة لأحدهما والسبعمائة للآخر فيكون الحكم لذلك التفسير استواء الإيجاب في القوة وما قالوا إن الإيجاب ينصرف إلى جزء شائع هاهنا فاسد ، فإنه إذا أوصى بثلث ماله لابنه استحق الموصى له جميع الثلث ولو انصرف الإيجاب إلى ثلث شائع في جميع المال صار له ثلث الثلث ; لأن ذلك القدر صادف محل الوصية وحيث استحق جميع الثلث عرفنا أن تسمية الثلث مطلقا تنفيذ محل الوصية لتصحيح إيجابه في جميعه كالعبد المشترك بين اثنين يبيع أحدهما نصفا مطلقا ، فإنه ينصرف البيع إلى نصيبه خاصة ، فهذا مثله . وعن أبي عاصم الثقفي قال سألني إبراهيم عن رجل أوصى بنصف ماله وثلثه وربعه فأجازوا قلت لا علم لي بها قال لي خذ مالا له نصف وثلث وربع وذلك اثنا عشر فخذ نصفها ستة وثلثها أربعة وربعها ثلاثة فاقسم المال على ذلك وهذا قول أبي يوسف ومحمد ، وقال أبو حنيفة رحمه الله بخلاف ذلك ولم يزد على ذلك حتى اختلفوا في تخريج المسألة على قول أبي حنيفة ، وهذه مسألة معروفة تدعى الثقفية وربما يمتحن من يدعي التحرز في المقدرات من أصحابنا ، فأما تخريج قولهما فظاهر ; لأن القسمة عندهما على طريق العول والمضاربة فالموصى له بالنصف يضرب بنصف المال ستة من اثني عشر والموصى له بالثلث يضرب بأربعة من اثني عشر والموصى له بالربع يضرب بثلاثة فمبلغ هذه السهام ثلاثة عشر فحينئذ أجازه الورثة يقسم جميع المال بينهم على ذلك ، وعند عدم الإجازة يقسم الثلث بينهم على ذلك ، وأما عند أبي حنيفة فقسمة المال بينهم عند إجازة الورثة على طريق المنازعة فخرج أبو يوسف رحمه الله قوله على طريق ومحمد رحمه الله على طريق آخر والحسن على طريق آخر وكل واحد منهما روى طريقه عنه . وطريق الحسن أوجه ، فأما طريق أبي يوسف أن الموصى له بالنصف فضل الموصى له بالثلث بسهمين ; لأن تفاوت ما بين النصف والثلث سهمان ولا منازعة في هذين السهمين لصاحب الثلث والربع فيأخذهما صاحب [ ص: 151 ] النصف ، ثم لا منازعة لصاحب الربع فيما زاد على الربع إلى تمام الثلث ، وهو سهم وصاحب الثلث والنصف كل واحد منهما يدعي ذلك ، وفي المال سعة فيأخذ كل واحد منهما سهما ففي ثمانية استوت منازعتهم فيها يكون بينهم أثلاثا فانكسر بالأثلاث فيضرب أصل المال اثنا عشر في ثلاثة فيكون ستة وثلاثين صاحب النصف أخذ مرة سهمين ومرة سهما ، وقد ضرب ذلك في الثلاثة وهي تسعة . وصاحب الثلث أخذ سهما وذلك ثلاثة والباقي أربعة وعشرون بينهم لكل واحد منهم ثمانية فحصل لصاحب الربع ثمانية من ستة وثلاثين ولصاحب الثلث أحد عشر ولصاحب النصف سبعة عشر . وأما تخريج محمد لقول أبي حنيفة فقريب من هذا ولكنه قال لما أخذ صاحب النصف سهمين بلا منازعة تراجع حقه إلى الثلث فوصاياهم جميعا بعد ذلك اجتمعت في الثلث ، ومن أصل أبي حنيفة أن الوصايا متى وقعت في الثلث فالقسمة بين أربابها على طريق العول فيضرب صاحب النصف بما بقي من حقه ، وهو أربعة من اثني عشر وصاحب الثلث بأربعة أيضا وصاحب الربع بثلاثة فيكون بينهم على أحد عشر فالسبيل أن تضرب أصل المال اثني عشر في إحدى عشر فيكون مائة واثنين وثلاثين كان قد أخذ صاحب النصف سهمين وضربنا سهما في أحد عشر وذلك اثنان وعشرون بقي بعد ذلك مائة وعشرة لصاحب الربع من ذلك ثلاثون ولصاحب الثلث أربعون ولصاحب النصف كذلك فجملة ما حصل لصاحب النصف اثنان وستون ولصاحب الثلث أربعون ولصاحب الربع ثلاثون . فأما تخريج الحسن رحمه الله لقوله فهو أنه اجتمع هاهنا وصيتان وصية في الثلث ووصية فيما زاد على الثلث وأبو حنيفة يرى القسمة على طريق العول في الوصايا في الثلث والقسمة على طريق المنازعة في الوصايا فيما زاد على الثلث فيعتبر كل واحد منهما ويبدأ بقسمة الثلث ; لأن القسمة على طريق العول تكون عن موافقة فهو أقوى مما ينبني على المنازعة ولأن الوصية في محلها أقوى مما إذا جاوزت محلها فنقول : يضرب صاحب النصف في الثلث بجميع الثلث وهي أربعة وصاحب الثلث بمثله وصاحب الربع بينهم فيضرب الثلث بينهم على أحد عشر فيكون جميع المال على ثلاثة وثلاثين ، ثم يأتي إلى القسمة بطريق المنازعة فنقول صاحب النصف حقه في النصف من جميع المال وذلك ستة عشر ونصف ، وقد وصل إليه أربعة بقي له من حقه اثنا عشر ونصف وصاحب الثلث كان حقه في أحد عشر وصل إليه أربعة بقي له سبعة فما زاد على سبعة إلى تمام اثني عشر ونصف لا منازعة فيه لصاحب الثلث فيأخذه صاحب النصف وذلك خمسة ونصف ، ثم صاحب [ ص: 152 ] الربع كان حقه في الربع وذلك ثمانية وربع وصل إليه ثلاثة بقي له خمسة وربع فما زاد على خمسة وربع إلى تمام سبعة لا منازعة فيه لصاحب الربع فصاحب الثلث والنصف كل واحد منهما يدعيه ، وفي المال سعة فيأخذ كل واحد منهما سهما وثلاثة أرباع بلا منازعة فجملة ما أخذا من اثنين وعشرين ، وهو ثلثا المال تسعة مرة خمسة ونصف ومرتين سهم وثلاثة أرباع وذلك ثلاثة ونصف والباقي ثلاثة عشر استوت منازعتهم فيه فيكون بينهم أثلاثا فانكسر بالأثلاث وكان قد انكسر بالأنصاف والأرباع إلا أن الربع يجزي عن النصف ; لأن النصف يخرج من مخرج الربع فالسبيل أن يضرب ثلاثة في أربعة فيكون اثني عشر ، ثم يضرب أصل المال وذلك ثلاثة وثلاثون في اثني عشر فيكون ثلثمائة وستة وتسعين الثلث من ذلك مائة واثنان وثلاثون كان لصاحب النصف من ذلك أربعة مضروبة في اثني عشر وذلك ثمانية وأربعون ولصاحب الثلث مثل ذلك ولصاحب الربع ثلاثة مضروبة في اثني عشر وذلك ستة وثلاثون وكان ما أخذ صاحب النصف من الثلاثين بلا منازعة خمسة ونصف مضروبة في اثني عشر فذلك ستة وستون . ![]()
__________________
|
|
#555
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد السابع والعشرون صـــ152 الى صـــ 161 (554) وما أخذ صاحب النصف وصاحب الثلث ثلاثة ونصف مضروبة في اثني عشر وذلك اثنان وأربعون بينهما نصفان لكل واحد منهما أحد وعشرون وكان الذي لا يستقيم بينهم ثلاثة عشر مضروبة في اثني عشر فيكون ذلك مائة وستة وخمسين بينهم لكل واحد منهم اثنان وخمسون فصاحب الربع ما وصل إليه من الثلثين إلا اثنان وخمسون وصاحب الثلث أخذ مرة اثنين وخمسين ومرة أحدا وعشرين وذلك ثلاثة وسبعون ، وصاحب النصف أخذ مرة اثنين وخمسين ومرة أحدا وعشرين ومرة ستة وستين فيكون ذلك مائة وتسعة وستين ، فإذا جمعت بين هذه السهام بلغت سهام ثلثي المال مائتين وأربعة وستين ، فإذا ضممته إلى الثلث الذي اقتسموه على طريق العول كانت الجملة ثلثمائة وستة وتسعين فاستقام التخريج . وعن إبراهيم - رحمه الله - قال إذا أوصى الرجل وأعتق بدئ بالعتق وبه نأخذ ، وهو مروي عن ابن عمر رضي الله عنه ، وهذا لأن العتق أقوى سببا من سائر الوصايا ، فإنه لا يحتمل الفسخ ، وهو إسقاط للرق والمسقط يكون متلاشيا وسائر الوصايا يتحمل الفسخ والرجوع عنها وثبوت الحكم بحسب السبب ولا مزاحمة للضعيف مع القوي ، ثم أبو يوسف ومحمد رحمهما الله أخذا بظاهر هذا الحديث فقدما العتق على المحاباة المتقدمة وأبو حنيفة رحمه الله خص المحاباة من سائر الوصايا باعتبار أنها أقوى سببا فسببها عقد الضمان وعقد الضمان أقوى من التبرع وقوة العتق باعتبار حكم السبب [ ص: 153 ] فعند البداءة بالمحاباة يترجح بالسبق وبقوة السبب ، فقال يبدأ بها ، وعند البداءة بالعتق يستويان من حيث إن للعتق قوة السبق وقوة الحكم وللمحاباة قوة السبب والمعتبر أولا السبب ، فإن الحكم ينبني على السبب فيتحاصان وسيأتي بيان المسألة في موضعها . وعن إبراهيم في رجل يوصي إلى رجل فيموت الموصى إليه فيوصي إلى رجل آخر ، فإن وصيتهما جميعا صحيحة وبه نأخذ ، فإن الوصي بعد موت الموصي قائم مقام الموصي في ولايته في المال ، وقد كانت ولايته في ماله ومال الموصي الأول فيخلفه وصيه في التصرف في المالين ; لأن - بعد قبول الوصية - التصرف في مال الموصي الأول من حوائج الوصي كالتصرف في مال نفسه ، وإنما يقيم الموصي مقامه فيما هو من حاجته . وعن إبراهيم في الرجل يوصي لأم ولده في حياته وصحته فيموت قال هو ميراث ، وإن أوصى عند موته لها بوصية فهو لها من الثلث والمراد بوصيته لها في صحته الإقرار والهبة لا الوصية المضافة إلى ما بعد الموت ; لأن حالة الصحة وحالة المرض في ذلك سواء وبه نأخذ فنقول الهبة لأم الولد والإقرار لها بالدين باطل من المولى ; لأنها باقية على ملكه وكسبها له بمنزلة القنة ، فأما وصيته لها مضافة إلى ما بعد الموت فصحيحة ; لأنها تعتق بالموت ووجوب الوصية يكون بعد الموت فالوصية لها بمنزلة الوصية لجارية أجنبية وعن ابن عمر رضي الله عنه قال إذا أقر الرجل عند موته بدين لوارث ، فإنه لا يجوز إلا ببينة ، وإن أقر لغير وارث بالدين جاز ولو أحاط بجميع ماله وبه نأخذ في الفصلين ، وقد روي في بعض الروايات مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد بينا ذلك في الإقرار . وعن إبراهيم في المرأة يضربها الطلق قال هي بمنزلة المريض في الوصية والتبرع . والطلق اسم لوجع الولادة ويسمى ذلك مخاضا أيضا قال الله - تعالى - : { فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة } ومتى أخذها وجع الولادة فهي بمنزلة المريض ; لأنها أشرفت على الهلاك إلا أنه قد يأخذها الوجع ، ثم يسكن فباعتبار ذلك الوجع لا تصير في التبرعات كالمريضة بمنزلة مريض يعقبه برء ، وإنما تصير كالمريضة إذا أخذها الوجع الذي يكون آخره انفصال الولد عنها من سلامتها به أو موتها ; لأن المعتبر مرض الموت ومرض الموت ما يتصل به من أوصى بأكثر من ثلث ماله لم يجز في الفضل على الثلث إلا أن يجيزه الورثة بعد موته وهم كبار ; لأن حقهم تعلق بماله بمرضه ولكن الشرع جعل الثلث محلا لوصية الموصي ليتدارك به ما فرط في حياته فما زاد على ذلك إذا أوصى به ، فقد قصد الإضرار بورثته بإسقاط حقهم عما تعلق حقهم به وإيثار الأجنبي على من آثره الشرع ، وهو الوارث فللوارث أن يرد عليه [ ص: 154 ] قصده بأن يأبى الإجازة ولا معتبر بإجازته في حياة الموصي عندنا . وقال ابن أبي ليلى تصح إجازته في حياته وليس له أن يرجع بعد وفاته ; لأنه سقط حقه بالإجازة وبالمرض قد تعلق حقه بماله فيصح إسقاطه وفقه هذا أن حق الوارث إنما يثبت في ماله بالموت ولكن سبب موته المرض فلما أقيم هذا السبب مقام حقيقة الموت في منع المورث من التصرف المبطل لحق الوارث فكذلك قام مقامه في صحة إسقاط الحق من الوارث بالإجازة ولكنا نقول إسقاط الحق قبل وجود السبب لا يجوز ويعتبر المرض بسبب تعلق حقه بمال بل السبب مرض الموت ومرض الموت ما يتصل به الموت فقبل اتصال الموت لا يكون سببا ، وهذا الاتصال موهوم فيكون هذا إسقاط الحق قبل تقرر السبب ، ثم الإجازة من الوارث إنما تعمل لوجود دليل الرضا منه بتصرف المريض وإجازته في حياة الموصي لا تدل على ذلك بل الظاهر أنه احتشم المورث فلم يجاهره بالرد من غير أن يكون راضيا بوصيته بخلاف ما إذا أجازه بعد الموت ، وفي الإجازة بعد الموت إن لم يكن الوارث من أهله بأن كان صغيرا فهو باطل أيضا ; لأنه إسقاط الحق بطريق التبرع ، فأما إذا كان كبيرا فإجازته صحيحة ويسلم المال للموصى له بطريق الوصية من الموصي عندنا ، وعند الشافعي صحيحة بطريق التمليك من الوارث ابتداء منه حتى لا يتم إلا بالقبض على قوله ، وعندنا يتم من غير قبض الموصى له والشيوع لا يمنع صحة الإجازة وليس للوارث أن يرجع فيه . وجه قوله أن بنفس الموت قد صار قدر الثلثين من المال ملكا للوارث ; لأن الميراث يثبت من غير قبول الوارث ولا يرتد بالرد فإجازته تكون إخراجا للمال عن ملكه بغير عوض ، وهذا فيه لا يتم إلا بالقبض كما لو أوصى بمال جاره فأجازه الجار بعد موته ولكنا نقول تصرف الموصي صادف ملكه وامتنع نفوذه بقيام حق الغير فيه إجازة من له الحق تكون إسقاطا كإجازة المرتهن بيع الراهن ، وكذلك إن أجازوا وصية الوارث . ولو أوصى بألف درهم من مال رجل أو بعبد أو بثوب فأجاز ذلك الرجل قبل موته أو بعده فله أن يرجع عنه ما لم يدفعه إلى الموصى له ، فإذا دفعه إليه جاز ; لأن وصيته من مال غيره بمنزلة الهبة كأنه وهب مال غيره فلا يصح إلا بالتسليم والقبض كما لو وهب مال نفسه بخلاف الوصية من مال نفسه بأكثر من الثلث ; لأنه أوصى بمال نفس إلا أنه لم ينفذ لحق الورثة ، فإذا أجازوا ، فقد أبطلوا حقهم وجاز من قبل الموصي جواز الوصية فلم يكن التسليم من شرط صحتها وجوازها . وإذا أوصى الرجل لرجل بعبد ولآخر بثوب ولآخر بدار والثلث يبلغ ألف درهم والوصية تبلغ [ ص: 155 ] ألفا وخمسمائة أصاب كل واحد منهم ثلثي وصيته وبطل الثلث ; لأنه لا بد من إبطال الفضل على الثلث وليس أحدهم بإبطالها أولى من الآخر ، وقد استووا في استحقاق الثلث فكذا في إبطاله فينقص من وصية كل واحد منهما ثلثها . ووجه ذلك أن ينظر إلى مبلغ الوصايا وإلى ثلث ماله ، فإن كانت الزيادة مقدار الثلث ينقص من نصيب كل واحد منهما الثلث ، وإن كان نصفا النصف . وتفسيره إذا أوصى لرجل بعبد قيمته ألف درهم ولآخر بثوب قيمته ثلثمائة درهم ولآخر بدار قيمتها مائتان فذلك كله ألف وخمسمائة وثلث ماله ألف فالزيادة مقدار الثلث فينقص من وصية كل واحد منهم مقدار الثلث فلصاحب العبد ثلثا العبد ولصاحب الدار ثلثا الدراهم ولصاحب الثوب ثلثا الثوب فاستقام الثلث والثلثان . وإذا أوصى لذوي قرابته بالثلث ، فإن ذوي قرابته كل ذي رحم محرم منه ، قال رضي الله عنه هنا خمسة ألفاظ إما أن يوصي لذوي قرابته أو لأقاربه أو لأنسابه أو لأرحامه أو لذوي أرحامه فأبو حنيفة يعتبر خمسة أشياء ذا رحم محرم واثنين فصاعدا ما سوى الوالد والولد ، ومن لا يرث والأقرب فالأقرب ، وفي قول أبي يوسف الأول يدخل فيها جميع ذوي رحم محرم منه الأقرب والأبعد في ذلك سواء ، ثم رجع ، فقال كل من يجمعه وأباه أقصى أب في الإسلام ويدخل في الوصية ذو الرحم وغير ذي الرحم المحرم كلهم سواء ، وهو قول محمد والاختلاف في موضعين أحدهما أنه يصرف إلى ذوي الرحم المحرم ولا يصرف إلى غيرهم عند أبي حنيفة ، وعندهما ذو الرحم المحرم وغيره سواء . والثاني أنه يصرف إلى الأقرب فالأقرب عنده ، وعندهما يستوي فيه الأقرب والأبعد واتفقوا أنه لا يدخل فيها الوصية لوارث لقوله عليه السلام : { لا وصية لوارث } ، وكذلك يعتبر الاثنان بالاتفاق ; لأن ذوي لفظ جمع وأقل الجمع اثنان في الميراث . ( ألا ترى ) أن الأخوين ينقلان الأم من الثلث إلى السدس فكذلك في الوصية إذ هي أخت الميراث فلذلك لا يصرف إلى الولد ; لأنهما يسميان قرابة لقوله تعالى : { إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين } من بينهما فتبين أن الوالدين غير القرابة ، فإذا خرج الأب من أن يكون قريبا للابن خرج الابن من أن يكون قريبا للأب وهل يدخل فيها الجدود وولد الولد ففي الزيادات أنه يدخل ولم يذكر فيه خلافا وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الجد وولد الولد لا يدخلان في الوصية ، وكذا روي عن أبي يوسف ; لأن الجد بمنزلة الأب وولد الولد بمنزلة الولد ، وإنما اعتبر أبو حنيفة ذا الرحم المحرم ; لأن الموصي قصد بالوصية صلة الرحم ; لأنه مأمور بها قال الله - تعالى - : { إن الله يأمر بالعدل [ ص: 156 ] والإحسان وإيتاء ذي القربى } ، وقال جل وعلا : { وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله } فلما كان مأمورا بصلة القرابة ، وإنما تجب الصلة ممن كان ذا رحم محرم منه فانصرفت الوصية إليه دون غيره ; لأن القرابة المطلقة قرابة ذي الرحم المحرم لاختصاصها بأحكام مخصوصة من عدم جواز المناكحة والعتق عند الملك وعدم الرجوع في الهبة ووجوب النفقة عند العشرة فانصرفت الوصية إليه ، وإنما اعتبر الأقرب فالأقرب ; لأن كل من كان أقرب إليه فهو أشبه بهذا اللفظ فكان أولى كما في العصبات وذوي الأرحام في الميراث والأقرب في الشفعة . وجه قول أبي يوسف الأول أنه ينصرف إلى كل ذي رحم محرم منه الأقرب والأبعد منه سواء ; لأنهم في استحقاق الاسم سواء . ( ألا ترى ) أنه لو أوصى لإخوته وله إخوة بعضهم لأب وأم وبعضهم لأب وبعضهم لأم أنهم في الوصية سواء ولا يعتبر الأقرب . وجه قوله الآخر ، وهو قول محمد أنه يدخل فيه ذو الرحم المحرم وغير ذي الرحم المحرم ويصرف إلى كل من يجمعه . وأباه أقصى أب في الإسلام إن هذا اللفظ في الأبعدين أكثر استعمالا من الأقربين . ( ألا ترى ) أنه لا يقال للأخ أو العم هذا قربى فيدخلون كلهم في الوصية . ( ألا ترى ) إلى ما روي في الخبر : { لما نزل قوله تعالى : { وأنذر عشيرتك الأقربين } جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرباءه سبعين نفسا ، وقال لهم إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد } ، وكان فيهم ذو رحم محرم وغيره فثبت أن كلهم في الوصية سواء إلا أنه لا يمكن أن يدخل فيه جميع أولاد آدم عليه السلام فيجعل الحد فيه من يجمعه وإياهم أقصى أب في الإسلام ; لأنه لما ورد الإسلام صارت المعرفة بأهل الإسلام وكان قبل ذلك يعرف بقبائل الجاهلية وهما إنما قالا ذلك في زمانهما ; لأن في ذلك الوقت ربما يبلغ إلى ثلاثة آباء أو أربعة آباء ولا يجاوز ذلك فتتبين أقرباؤه أما في زماننا فلا يمكن أن يعتبر ذلك ; لأن النسبة قد طالت فتقع الوصية لقوم مجهولين . فإن ترك عمين وخالين وهم ليسوا بورثة فعند أبي حنيفة الوصية للعمين دون الخالين ; لأن العم أقرب من الخال ; لأنه من قبل الأب بدليل الولاية ، وعندهما الثلث بينهم بالسوية ولو كان له عم واحد وخالان كان للعم النصف والنصف للخالين عنده ; لأنه أوصى بلفظ الجمع ، وهو قوله ذوي وأقل الجمع في الوصية اثنان ويصرف النصف إلى الخالين ; لأنهما يستحقان اسم القرابة ، فإذا خرج العم من الوسط صار كأنه لم يترك إلا الخالين . قال محمد رحمه الله إذا أوصى بثلث ماله لقبيلة دخل الموالي فيه ; لأنهم ينسبون إلى تلك القبيلة ، وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال : { مولى القوم منهم } ، هذا إذا كانوا يحصون [ ص: 157 ] فإن كانوا يحصون فالوصية باطلة ; لأن المقصود من هذه الوصية الصلة . ( ألا ترى ) أنه يستوي فيه الغني والفقير ، فإذا كانوا يحصون صاروا مجهولين فبطلت وجه الإحصاء ذكرناه في الشرب والشفعة ولا خلاف في المسألة إلا أنه نص على قول محمد . وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا أوصى لفقراء أهل بيته فلكل من ينسب إلى أقصى جد في الإسلام من قبل الرجال ، وكذا لمحتاجي أهل بيته أي إذا أوصى لأهل بيته ، فإن كان الموصي من أولاد العباس فكل من كان نسبه إلى العباس من قبل الأب دخل فيه سواء كان هو بنفسه ذكرا أو أنثى بعد أن يكونا منسوبين إليه من قبل الآباء ، ومن كان نسبه إليه من قبل الأم لا يدخل فيه ; لأنه لا يسمى من أهل بيته ، وإنما يسمى من أهل بيت آخرين ، وكذلك الوصية لجنس فلان أو لمحتاجي جنسه ; لأن الجنس وأهل البيت سواء وسواء كانوا يحصون أو لا يحصون ; لأن هذا سبيل الصدقة ; لأنه حصر الفقراء والمحتاجين وجهالة المتصدق عليه لا تمنع الصحة ، فإن قابض الصدقة هو الله - تعالى - وهذا عندهم إلا أن عند أبي حنيفة يعتبر الأقرب فالأقرب ولا يعطي غير ذي الرحم المحرم ، وعندهما تصرف إلى الكل . ولو أوصى بثلث ماله لإخوته وله ستة إخوة متفرقين وله ولد يحوز ميراثه فالثلث بين إخوته سواء ; لأن الاستحقاق بالاسم وهم في استحقاق الاسم سواء بخلاف ما لو أوصى لأقرباء فلان عند أبي حنيفة ; لأنه يصح أن يقال هذا أقرب من فلان ولا يصح أن يقال هذا أكثر أخوة من فلان بل كلهم في استحقاق الاسم سواء هذا إذا كان له ولد يحوز ميراثه ، فإن لم يكن فلا وصية للوارث وللأخوين لأب ثلث ذلك ; لأنهما لا يرثان . فإن قيل وجب أن يصرف جميع الثلث إليهما إذا لم تصح الوصية لهم كما لو أوصى لحي وميت قلنا الإضافة كانت صحيحة إلى الأخوين لأب وأمين ولأخوين لأم . ( ألا ترى ) أنه لو أجازت الورثة جازت إلا أنهم خرجوا بعد الدخول في الوصية فلا يزداد حق الأخ لأب . ( ألا ترى ) أنه لو أوصى لثلاثة نفر فمات اثنان قبل موته كان للباقي ثلث الثلث لصحة الإضافة . ( ألا ترى ) أنه لو قال الثلث الذي أوصيت به لفلان ، فقد أوصيت به لوارثه ، فإنه يكون رجوعا بخلاف ما لو قال لفلان وفلان وأحدهما ميت ; لأن الميت ليس بمحل بوجه فلا يدخل تحت اللفظ . ( ألا ترى ) أنه لو قال الثلث الذي أوصيت به لفلان ، فقد أوصيت به لفلان الميت لا يكون رجوعا ، وإذا أوصى بثلثه لبني فلان ، فهذا لا يخلو إما أن يكون الأب هو قبيلة مثل تميم وكليب ووائل أو لا يكون قبيلة بل أب خاص ، فإن كان قبيلة خاصة دخل [ ص: 158 ] فيه الذكور والإناث ; لأن المراد النسبة والمرأة تقول أنا من بني فلان كما يقول الرجل ; لأنه لا حقيقة لهذه النسبة ، وإنما ينسب إليها مجازا فيتناول جنس من ينسب إليها حقيقة كان أو مجازا . ( ألا ترى ) أنه لم يدخل فيه الحليف والخليل ، وإذا كانوا يحصون ، فإن كانوا لا يحصون فهي باطلة ; لأن في القبيلة أغنياء وفقراء والوصية للأغنياء صلة والصلة للمجهول باطلة . أما إذا كان فلان أب صلب ، فإن كانوا ذكورا دخلوا في الوصية ; لأن لفظ البنين للذكور حقيقة فينصرف إليه ما أمكن ، وإن كن إناثا لا يدخل فيه ذكور واحدة منهن ; لأن اللفظ لا يتناولهن ، وإن كانوا ذكورا وإناثا فعند أبي حنيفة وأبي يوسف الوصية للذكور دون الإناث ، وعند محمد يدخل فيه الذكور والإناث ، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة رواه يوسف بن خالد السمين لأبي يوسف وأبي حنيفة فعند أبي حنيفة وأبي يوسف أن البنين جمع لابن يقع على الذكور ; لأنه حقيقة . ( ألا ترى ) أنهم لو كانوا كلهم إناثا لم يدخلوا في الوصية . ومحمد يقول البنين إذا ذكروا مطلقا يقع على الذكور والإناث عند اشتراكهم قال الله - تعالى - : { يا بني آدم } ولم يقصر اللفظ على الذكر خاصة ; لأن النسب إلى الجد بمنزلة النسب إلى الأب في الحقيقة ; لأن أكثر الناس ينسب إلى الجد ليعرف دون الأب . ( ألا ترى ) أن ابن أبي ليلى ينسب إلى جده ، وكذلك أبو نصر بن سلامة ينسب إلى جده ; لأن سلامة جده لا أبوه ، وإذا كان ينسب إلى الجد صار الحكم أن الصلب والجد سواء . ولو أوصى بثلثه لولد فلان وله بنون وبنات كان الثلث بينهم سواء ; لأن الولد اسم لجنس المولود ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو أكثر ولو كانت له امرأة حامل دخل ما في بطنها في الوصية ; لأنه دخل تحت تسمية الولد . ( ألا ترى ) أنه يرث فيدخل تحت الوصية أيضا ، فإن كانت له بنات وبنو ابن فالوصية لبناته دون بني ابنه ; لأن لفظ الولد يتناول ابنه حقيقة ويتناول أولاد الابن مجازا فمهما أمكن صرفه إلى حقيقته لا يصرف إلى مجازه ولا يدخل أولاد البنات ; لأنهم من قوم آخرين وليسوا من أولاده ; لأن النسب للآباء ولو كان له ولد واحد ذكر أو أنثى فجميع الوصية له ; لأنه هو المستحق للاسم على الحقيقة فلا يصرف إلى مجازه والولد اسم جنس يتناول الواحد فصاعدا . وإذا أوصى لفخذ فلان أو لبطن فلان فالجواب فيه مثل الجواب في قوله لقبيلة فلان يدخل فيه البنون والبنات ، وهذا إذا كانوا يحصون ، فأما إذا كانوا لا يحصون فالوصية باطلة ; لأنه للمجهول إلا إذا قال لفقرائهم فحينئذ يجوز ; لأن المقصود به التقرب إلى الله - تعالى - فإن كانوا يحصون يدفع إلى جميعهم ; لأنه بمنزلة التسمية لهم ، وإن كانوا [ ص: 159 ] لا يحصون يجوز أن يدفع إلى بعضهم دون بعض غير أن عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله يجوز صرفه كله إلى فقير واحد ، وعند محمد لا يجوز إلا أن يصرف إلى اثنين ; لأن الوصية أخت الميراث والجمع في باب الميراث اثنان فصاعدا ولهما أن الفقر اسم جنس والجنس يتناول الواحد فصاعدا دل عليه قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء } الآية ولو دفع إلى فقير واحد جاز ولهذا لو قال إن تزوجت النساء فعبدي حر فتزوج امرأة واحدة يعتق . ولو أوصى بثلثه لفلان وفلان أو بني فلان وفلان ، ثم مات الموصي فالمسألة على ثلاثة أوجه إما أن يموت أحدهما قبل موت الموصي أو بعد موته أو كان ميتا وقت الوصية أما إذا مات بعد موته ، فإنه يكون الثلث بين الحي والميت نصفين ولأن الموصي لما مات أولا ، فقد وجبت الوصية لهما ، فإذا مات أحدهما صار نصيبه لورثته ، وإن مات أحدهما قبل موته صار نصف الثلث للحي ونصفه مردودا إلى ورثة الموصي ; لأنه مات قبل وجوب الوصية له ; لأن الوصية تملك بعد الموت ، وقد مات قبل الملك ، وإنما يكون للحي نصف الثلث ; لأن الإضافة إليهما كانت صحيحة وكان لكل واحد منهما نصف الثلث فلا يزاد حقه بموت الآخر فكان لورثة الموصي ، وأما إذا كان أحدهما ميتا وقت الوصية ، فإن كان الموصي قال بني فلان وفلان فللحي نصف الوصية ولا شيء لورثة الميت ; لأن كلمة بين كلمة تقسيم وتجزئة فصار كأنه أوصى لكل واحد منهما بنصف الثلث ، وإذا بطل نصيب الميت رجع إلى ورثة الموصي ولا يكون للحي إلا النصف ولو قال لفلان وفلان وأحدهما ميت فالوصية كلها للحي سواء علم بموته أو لم يعلم ويروى عن أبي يوسف أنه قال إن كان الموصي علم بموته فالثلث كله للحي ، وإن لم يعلم فللحي نصفه ; لأنه إذا لم يعلم بموته كان قصده تمليك نصف الثلث لكل واحد منهما فلا يثبت إلا ذلك بخلاف ما إذا علم بموته ; لأنه قصد صلة الحي منهما . وجه ظاهر الرواية أنه أضاف الوصية إلى اثنين أحدهما تصلح الإضافة إليه والآخر لا تصلح فبطلت الإضافة إلى من لا تصلح إليه الإضافة وتثبت إلى من تصلح الإضافة إليه . ( ألا ترى ) أنه لو قال ثلث مالي لفلان ولهذه الإسراء ولهذه الأسطوانة كان الثلث كله لفلان ولو قال ثلث مالي لفلان ولعقبه فالثلث كله لفلان ; لأن الإضافة إلى العقب فاسدة ; لأن عقبه من يعقبه ، فإذا كان هو حيا لا يكون له عقب ، وإذا بطلت الإضافة إلى العقب ثبت ثلث المال إليه . ولو قال ثلث مالي لفلان وللمساكين كان نصفه لفلان ونصفه للمساكين عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمد ثلثه لفلان وثلثاه للمساكين بناء على ما ذكرنا أن عنده [ ص: 160 ] المساكين اسم جمع فيتناول الاثنين ، وعندهما اسم جنس فيقع على الأدنى ، وكذا لو قال ثلث مالي لفلان وللحج كان نصفه لفلان ونصفه للحج ; لأن الوصية للحج وصية لله - تعالى - فصار كأنه أوصى لاثنين ، وإذا قال حجوا عني حجة وأعتقوا عني نسمة ينفذ من الثلث ; لأن الوصية نفاذها من الثلث ، فإذا كان لا يسعها ينظر إن كانت الحجة حجة الإسلام بدئ بها ، وإن أخره الميت ; لأن حجة الإسلام أقوى من نسمة التطوع ويعلم أن إسقاط الفرض أهم إليه من غيره إلا أنه أخره ليقبل قلبه ، وإن كان حجه تطوعا وليس أحدهما بأولى من الآخر فيبدأ بما بدأ به الميت ; لأنه أهم عنده هذا إذا أوصى بعتق نسمة منه بغير عينها أما إذا كانت النسمة بعينها ، فإنهما يتحاصان في الثلث ; لأن الوصية بالعتق وصية للعبد إذا كان معينا والوصية بالحج وصية لله - تعالى - فصار بمنزلة وصيتين مختلفتين فيتحاصان بخلاف ما إذا كانت النسمة بغير عينها ; لأنهما وصيتان لله - تعالى - . وإذا أوصى بالثلث لبني فلان وهم أربعة فمات منهم اثنان وولد للأب ولد آخر ، ثم مات الموصي فالثلث لولده يوم يموت الموصي ; لأن الوصية تمليك بعد الموت فانصرف إلى الموجودين بعد الموت . ( ألا ترى ) أنه يعتبر ماله يوم الموت لا يوم الوصية ، وكذا لو قال ثلث مالي لموالي فلان وفلان العربي ، ثم مات منهم ميت وأعتق فلان منهم عبدا ، ثم مات الموصي فالثلث لمواليه يوم مات لما ذكرنا . ولو كان لفلان موالي أعتقهم وموالي أعتقوه ، فإن لم يكن من العرب ولم يبين لأي الفريقين أوصى فالوصية باطلة ; لأن الموصى له مجهول ; لأن المولى يذكر ويراد به المولى الأسفل ويذكر ويراد به الأعلى ولا يمكن الجمع بينهما لاختلاف المقصود ; لأن المقصود من الوصية للأسفل زيادة إنعام ، ومن الوصية للأعلى الشكر على النعمة وهما متضادان لا يمكن الجمع بينهما وروي عن أبي حنيفة أن الثلث للمولى الأسفل ; لأن قصده بالوصية البر والناس يقصدون بالبر المولى الأسفل دون الأعلى . ( ألا ترى ) أنه لو وقف على مواليه كان للأسفل دون الأعلى كذلك هنا وروي عنه أيضا أن الثلث بين الفريقين نصفان ; لأن الاستحقاق بالاسم وهم في استحقاقه سواء . ( ألا ترى ) أنه لو أوصى لإخوته وله أخ لأب وأم وأخ لأب وأخ لأم أن الثلث بينهم لاستحقاق الاسم كذلك هاهنا . ولو أوصى بثلث ماله لفلان وله مال فهلك ذلك المال أو لم يكن له مال ، ثم اكتسب مالا فله ثلث ماله يوم يموت ; لأن الوصية تمليك عند الموت ولأن الرجل لا يكون ماله أبدا على حالة واحدة فربما يستفيد وربما يهلك فلما أوصى بثلث ماله مرسلا ولم يقيده صار كأنه قال لفلان ثلث مالي الذي [ ص: 161 ] يكون وقت الموت . ( ألا ترى ) أنه لو ربح في المال ربحا أو زاد في المال شيئا أن له ثلث جميع المال . ولو أوصى له بثلث غنمه فهلكت الغنم قبل موته أو لم يكن له غنم من الأصل فالوصية باطلة ، وكذا العروض كلها ; لأن الوصية تعلقت به فالهلاك يبطلها ، وكذلك إن لم يكن موجودا فاستفاد ; لأنه علقه بالعين ، وأنها غير موجودة ، وكذا لو قال شاة من غنمي أو قفيز من حنطتي ، ثم مات وليس له غنم ولا حنطة فالوصية باطلة إذا لم يكن له في الأصل غنم ولا حنطة ومثله لو قال شاة من مالي أو قفيز حنطة من مالي أو ثوب من مالي فالوصية جائزة ويعطي له قيمة شاة ; لأنه أضافها إلى ماله فالمال اسم للجنس يتناول الدراهم والدنانير والعروض ونحوها والشاة ليست من أجزاء هذا المال فعلم أنه أراد قيمة شاة من ماله . ولو أوصى له بشاة ولم يقل من غنمي ولا من مالي فمات وليس له غنم لم تذكر في هذا الكتاب وينبغي أن يعطى له شاة أو قيمة شاة ، وقد ذكر في السير الكبير مسألة تدل على هذه الحالة قال إذا قال الإمام من قتل قتيلا فله جارية من السبي ، فإن كان في السبايا جارية ، فإنه يعطى له ، وإن لم يكن ، فإنه لا يعطى له ، ولو قال من قتل قتيلا فله جارية ولم يقل من السبي ، فإنه يعطى جارية على كل حال كذلك هنا . ولو أوصى للرجل بثوب ، ثم قطعه وخاطه قميصا ، فهذا لا يخلو إما أن يغيره عن جنسه أو يزيد فيه أو ينقصه أما إذا غيره عن جنسه كان رجوعا كما إذا أوصى له بثوب ، ثم قطعه وخاطه قميصا أو أوصى له بقطن ، ثم غزله أو بغزل ، ثم نسجه أو بحديدة ، ثم صاغ منها إناء أو سيفا أو بفضة ، ثم صاغ منها خاتما أو غيره كان رجوعا ; لأنه لما غيره عن حاله استدل به أنه أراد الرجوع إذا لو كان من قصده البقاء على الوصية لما كان يغيره عن حاله فالذي أوصى به يوجد والذي وجد لم يوص به ; لأنه صار شيئا آخر ، وأما إذا زاد فيه ، فإن كانت زيادة لها قيمة مثل الثوب إذا صبغه والسويق إذا لته بالسمن أو أوصى له بدار وليس فيها بناء فبنى فيها كان ذلك رجوعا ; لأن الموصى له لا يتوصل إليه إلا ببذل ، وقد جعل وصيته بغير بذل فلما لم يتوصل إليه إلا ببذل يستدل به أنه أبطل الوصية ، وأما إذا زاد شيئا يتوصل به إليه بغير بذل كما إذا أوصى بدار ، ثم جصصها أو طينها فذلك لا يكون رجوعا ; لأن ذلك تحسين وتزيين ويتوصل إليه بغير بذل فلم يكن رجوعا وكان ذلك دليل البقاء على الوصية . وكذلك لو أوصى له بثوب ، ثم غسله لم يكن رجوعا ; لأنه ليس بزيادة ، وإنما ذلك لإزالة الدرن والوسخ ، وأما إذا نقصه ، فإن كان نقصانا يبقى الغير مع ذلك النقصان لا يكون رجوعا كما إذا أوصى له بثبوت ، ثم قطعه ولم يخطه ; لأن الشيء لم يتغير عن [ ص: 162 ] حاله لكن انتقص ، وإن كان لا يبقى مع ذلك النقصان كان رجوعا كما إذا أوصى له بشاة ، ثم ذبحها ; لأن اللحم لا يبقى إلى وقت الموت ، والإنسان وإن مرض مرضا شديدا ، فإنه لا ينقضي أجله فلما كان عنده أن اللحم لا يبقى إلى وقت موته ، فقد قصد الرجوع عن الوصية . ![]()
__________________
|
|
#556
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد السابع والعشرون صـــ162 الى صـــ 171 (555) ولو أوصى له بقطن ، ثم حشا به قباء أو ببطانة ، ثم بطن بها أو بظهارة ، ثم ظهر بها ثوبا فذلك رجوع ; لأن هذا يعد استهلاكا من طريق الحكم . ( ألا ترى ) أن الغاصب لو فعل هذا انقطع حق المالك فالاستهلاك يدل على الرجوع . ولو أوصى له بعبد أو بثوب ، ثم باعه ، ثم اشتراه فبيعه رجوع عن الوصية ; لأنه لما باعه صار بحال لو أوصى به في هذه الحالة لا يصح ; لأنه وصية بملك الغير فكان بيعه دليلا على الرجوع . ولو أوصى لرجل بعبد لا يملكه أن يشترى له ، ثم تملكه الموصي بهبة أو ميراث أو وصية ، ثم مات فهو جائز من ثلثه ; لأنه أوصى بشراء ذلك العبد وبدفعه إلى فلان ، فإذا ملكه بوجه من أسباب الملك دفع بموته الشراء عن الورثة وليس هذا كما إذا قال أوصيت بهذا العبد لفلان والعبد لغيره ، ثم ملكه أنه لا تنفذ وصيته ; لأنه لو لم يشتر في تلك المسألة لا يجب على الورثة شراؤه ، فإن ذلك بمنزلة هبة عبد الغير إن أجاز صاحبه جاز وإلا فلا أما في مسألتنا فلو لم يشتر بنفسه يجب على الورثة شراؤه إن قدروا عليه ودفعه إليه فلما اشترى بنفسه أو ملكه بوجه آخر وجب عليهم نصفين ; لأنه أوصى لكل واحد منهما بجميع العبد إلا أنه لما تضايق عن حقهما يقضي بينهما لاستوائهما هذا كدار بيعت ولها شفيعان ثبت حق الشفعة لكل واحد منهما على الكمال إلا أنه يقضي بينهما لضيق المحل كذلك هنا قال في الأصل إنه متى سمى الوصية الأولى وأوصى بها للثاني كان رجوعا عن الوصية الأولى ومتى سمى الوصية به ولم يسم الوصية الأولى لم يكن رجوعا وكان ذلك بينهما وبيانه إذا أوصى بعبده لرجل ، ثم قال : العبد الذي أوصيت به لفلان أوصيت به لفلان آخر كان رجوعا ; لأنه سمى الوصية الأولى واستأنف الوصية للثاني فكان رجوعا واستئنافا للوصية للثاني ، وكذلك لو قال العبد الذي أوصيت به لفلان هو لفلان آخر ، وكذا لو قال العبد الذي أوصيت به لفلان قد أوصيت به لفلان آخر ; لأنه سمى الوصية الأولى واستأنف الوصية للثاني بحرف قد ; لأنه للإيقاع والإبلاغ في الاستئناف فكان رجوعا ، وكذا لو قال العبد الذي أوصيت به لفلان ، فقد أوصيت به لفلان آخر ، ولو قال العبد الذي أوصيت به لفلان ، وقد أوصيت به لفلان كان بينهما نصفين ولم يكن رجوعا ; لأن الواو للعطف والجمع ، فقد جمع بينهما في الوصية ولم يستأنف الوصية للثاني . أما إذا سمى الموصى [ ص: 163 ] به ولم يسم الوصية الأولى لم يكن رجوعا ولكن كان بينهما كما إذا أوصى بعبده لرجل ، ثم أوصى به لآخر لما ذكرنا ، ولو لم يوص به لأحد ولكنه جحد وصية الأول ، وقال لم أوص له ، فهذا رجوع هكذا ذكر هنا وذكر في الجامع إذا قال اشهدوا أني لم أوص له لا يكون رجوعا ، وهذه المسألة على قياس تلك المسألة ينبغي أن لا يكون رجوعا وبعضهم فرق لاختلاف الوضع أما من جعل في المسألة روايتين فوجه من قال إنه رجوع أن الوصية تحتمل الرد والنقص فكان الجحود رجوعا كما إذا جحد الموكل الوكالة كان حجرا على الوكيل والمتبايعين إذا جحدا البيع كان إقالة منهما . ووجه الرواية التي لا تكون رجوعا أن الوصية وجوبها بالموت بدليل أنه يعتبر القبول والرد بعد الوفاة ، فإذا قال لم أوص له بشيء فهو صادق في مقالته على معنى أنه لم يوجب له الوصية بعد فلا يكون رجوعا ، ومن فرق لاختلاف الوضع قال هنا جحد الوصية فكان رجوعا ، وفي الجامع لم يجحد ولكن قال اشهدوا أني لم أوص له بشيء ، فقد أمر الشهود أن يكذبوا عليه فلا يكون رجوعا والأصح ما ذكره المعلى في نوادره أن على قول أبي يوسف الجحود يكون رجوعا عن الوصية ، وعلى قول محمد لا يكون رجوعا فما ذكر هنا قول أبي يوسف وما ذكر في الجامع قول محمد وجه قوله أن الرجوع فسخ ورفع للعقد الثابت وجحود أصل العقد لا يكون تصرفا فيه بالرفع كما أن جحود النكاح من الزوج لا يكون رفعا بالطلاق وجه قول أبي يوسف أنه بالجحود يبقي العقد في الماضي ، ومن ضرورته نفي العقد في الحال والثابت بضرورة النص كالثابت بالنص ، وهو يملك نفي العقد في الحال إن كان لا يملك نفيه في الماضي وبه فارق النكاح ; لأن نفي النكاح من الأصل يقتضي نفي وقوع الطلاق عن المحل إلا أنه يقتضي إيقاع الطلاق على المحل في الحال . ولو أوصى له بثلث غنمه أو إبله أو طعامه أو شيء مما يكال أو يوزن من صنف واحد فاستحق الثلثان من ذلك أو هلك وبقي الثلث وله مال كثير يخرج الباقي من ثلثه فللموصى له جميع ما بقي ، وقال زفر في الاستحقاق كذلك ، وفي الهلاك للموصى له ثلث ما بقي ; لأنه بالاستحقاق تبين أنه عند الوصية ما كان يملك إلا الثلث ، وأن تصرفه تناول ذلك الثلث ; لأن وصيته بالعين لا تصح إلا باعتبار ملكه في المحل ، فأما بالهلاك فلا يتبين أن الهالك لم يكن على ملكه وقت الإيجاب ، وإنما وجب له الثلث شائعا فما هلك يهلك على الشركة وما لم يبق يبقى على الشركة ولكنا نقول إن تنفيذ الوصية بعد الموت ، وعند ذلك محل الوصية هو الباقي في الفصلين [ ص: 164 ] جميعا فيستحق جميع ما بقي ، وهذا لأن الموصي جعل حاجته في هذه العين مقدمة على حق ورثته بقدر ما سمي للموصى له فكان حق الورثة فيه كالتبع ، وإنما يجعل الهالك من التبع لا من الأصل ، وهذا بخلاف ما إذا أوصى له بثلث ثلاثة أجناس من المال فاستحق جنسان أو هلك جنسان قبل موت الموصي ، فإن للموصى له ثلث ما بقي ; لأن هناك الموصى له لا يستحق جميع ما بقي بما أوجبه له بحال . ( ألا ترى ) أنه لو بقيت الأجناس لم يكن له أن يجبر الورثة على أن يقسم الكل قسمة واحدة فيعطونه أحد الأجناس ، وفي الجنس الواحد هو مستحق لجميع ما بقي بما أوجبه حتى إذا لم يهلك منه شيء كان له أن يخير الورثة على القسمة ليأخذ الثلث ، والباقي هو الثلث . ولو أوصى له بثلث ثلاثة وبثلاثة من الرقيق واستحق البعض أو هلك لم يكن للموصى له إلا ثلث الباقي ، ومن أصحابنا من يقول هو عند أبي حنيفة رحمه الله ; لأنه لا يرى قسمة الجبر في الدور والرقيق فهي عنده كالأجناس المختلفة ، فأما عندهما فينبغي أن يكون للموصى له جميع ما بقي ; لأنهما بمنزلة جنس واحد عندهما في أنها تقسم قسمة واحدة والأصح قولهم جميعا ; لأنهما لا يقولان بقسمة الجبر في الدور إلا أن يرى القاضي المصلحة في ذلك فلا يكون الموصى له مستحقا للدار الباقية بما أوجب له الموصي ، وكذلك لا يريان قسمة الجبر في الرقيق إلا عند التساوي في المالية ولا يكون ذلك إلا نادرا فالتفاوت في بني آدم كثير في الظاهر فلهذا لا يكون للموصى له إلا ثلث ما بقي . ولو أوصى لرجل بعبد قيمته خمسمائة ولآخر بثوب قيمته مائة ولآخر بسيف قيمته مائتان وله سوى ذلك ألف درهم أو عروض بقيمة ألف ، فإن الورثة إن لم يجيزوا فلكل واحد منهم ثلاثة أرباع وصيته ; لأن مبلغ الوصايا ثمانمائة درهم وثلث مال الرجل ستمائة فكان الثلث من مبلغ الوصايا بقدر ثلاثة أرباعه فعند عدم الإجازة يبطل من وصية كل واحد منهم الربع فيسلم لصاحب العبد ثلاثة أرباع العبد وقيمته ثلثمائة وخمسة وسبعون ولصاحب الثوب ثلاثة أرباع الثوب وقيمته خمسة وسبعون ولصاحب السيف ثلاثة أرباع السيف وقيمته مائة وخمسون فجملة ما نفذت فيه الوصية ستمائة وحصل للورثة ألف درهم وربع العبد قيمته مائة وخمسة وعشرون وربع الثوب قيمته خمسون ذلك ألف ومائتان فاستقام الثلث والثلثان . ولو أوصى لرجل بسيف قيمته مائة ولآخر بسدس ماله وله خمسمائة درهم سوى السيف كان لصاحب السيف أحد عشر سهما من اثني عشر سهما من السيف في قول أبي حنيفة رحمه الله ; لأنه اجتمع في السيف وصيتان وصية بجميعه ووصية بسدسه والقسمة في هذا عند أبي حنيفة [ ص: 165 ] على طريق المنازعة فخمسة أسداس السيف تسلم لصاحب السيف بلا منازعة ، وقد استوت منازعتهما في السدس فكان بينهما نصفين وتبين أن سهام السيف صارت على اثني عشر لحاجتنا إلى سدس ينقسم نصفين وقيمة السيف مائة فكل مائة من الخمسمائة يكون على اثني عشر أيضا فذلك ستون سهما للموصى له بالسدس سدس ذلك ; لأنه أوصى له بسدس ماله فيستحق به السدس من كل مال وذلك عشرة فتبين أن للموصى له بالسدس أحد عشر سهما عشرة من الخمسمائة وسهم من السيف ولصاحب السيف أحد عشر ، فقد بلغت سهام الوصايا اثنين وعشرين وذلك دون الثلث ; لأن سهام المال اثنان وسبعون والسالم للورثة خمسون فكان التخريج مستقيما . وفي قول أبي حنيفة ومحمد قسمة السيف بين الموصى لهما على طريق العول فيضرب فيه صاحب السيف بستة وصاحب السدس بسهم فيكون السيف بينهما على سبعة أسهم والخمسمائة الأخرى تجعل كل مائة على سبعة أيضا فذلك خمسة وثلاثون للموصى له بالسدس سدس ذلك وذلك خمسة وخمسة أسداس سهم ، فقد نفذت الوصية له في هذا القدر من الخمسمائة ، وفي سهم من السيف وذلك ستة وخمسة أسداس ولصاحب السيف ستة من السيف كلها فذلك اثنا عشر وخمسة أسداس وجملة سهام المال اثنان وأربعون فكانت الوصية بأقل من الثلث فلا حاجة إلى إجازة الورثة ، ولو كان أوصى مع هذا أيضا بالثلث كان الثلث بينهم يضرب فيه صاحب السدس بسدس خمسمائة وثلث سدس السيف وصاحب السدس بثلث خمسمائة وخمسة أسداس سدس السيف وصاحب السيف بخمسة أسداس السيف إلا سدس سدس السيف فما أصاب صاحب السيف كان في السيف وما أصاب صاحب الثلث كان في الدراهم ، وفيما بقي من السيف ، وكذلك ما أصاب صاحب السدس في قياس قول أبي حنيفة ، وهذا لأنه اجتمع في السيف ثلاث وصايا وصية بجميعه ووصية بثلثه ووصية بسدسه فتكون القسمة على طريق المنازعة . وفي الحاصل تصير سهام السيف على ستة وثلاثين لحاجتنا إلى سدس ينقسم أثلاثا فلصاحب الجميع ثلثاه بلا منازعة أربعة وعشرون وسدس ، وهو ستة لا منازعة فيه لصاحب السدس فهو بين صاحب الثلث والجميع نصفان لكل واحد منهما ثلاثة ، وقد استوت منازعتهم في السدس فيكون بينهم ستين أثلاثا لكل واحد منهما سهمان فحصل للموصى له بالسيف بلا منازعة أربعة وعشرون وبالمنازعة خمسة فذلك تسعة وعشرون ، وهو خمسة أسداس السيف إلا سدس سدسه ; لأن كل سدس منه ستة وحصل لصاحب الثلث بالمنازعتين [ ص: 166 ] خمسة وذلك خمسة أسداس سدس السيف وحصل لصاحب السدس سهمان ، وهو ثلث سدس السيف كما قال في الكتاب ، ثم المال الآخر ، وهو خمسمائة تجعل كل مائة منه على ستة وثلاثين فيصير جملته مائة وثمانين للموصى له بالثلث ثلث ذلك ، وهو ستون ، وللموصى له بالسدس سدس ذلك ثلاثون فكان لهما تسعون وظهر أن مبلغ سهام الوصايا مائة وستة وعشرون ، وهو أكثر من الثلث فالسبيل فيه أن يجعل ثلث المال بينهم على هذه السهام والثلثان ضعف ذلك فجملة المال ثلثمائة وثمانية وسبعون السيف من ذلك سدسه وذلك ثلاثة وستون يأخذ صاحب السيف من ذلك تسعة وعشرين مقدار حقه وصاحب الثلث خمسة وصاحب السدس سهمين ويبقى للورثة من السيف سبعة وعشرون ، ثم يأخذ صاحب الثلث من سهام الخمسمائة مقدار حقه ستين وصاحب السدس ثلاثين فجملة ما نفذت فيه الوصية لهم مائة وستة وعشرون وحصل للورثة ضعف ذلك مائتان واثنان وخمسون مائتان وخمسة وعشرون من الخمسمائة وسبعة وعشرون من سهام السيف فاستقام الثلث والثلثان ولم يذكر تخريج قولهما في الكتاب وعندهما القسمة على طريق العول فيضرب صاحب السيف في السيف بستة وصاحب الثلث بسهمين وصاحب السدس بسهم فكان السيف بينهم على تسعة وكل مائة من الخمسمائة الباقية تكون على تسعة أيضا فذلك خمسة وأربعون للموصى له بالثلث ثلث ذلك خمسة عشر وللموصى له بالسدس سدس ذلك سبعة ونصف فكان جملة سهام الوصايا أحد وثلاثون ونصف وذلك فوق الثلث فيجعل الثلث بينهم على أحد وثلاثين ونصف والثلثان ضعف ذلك فيكون جملته أربعة وتسعين ونصف السيف من ذلك السدس وذلك خمسة عشر وثلاثة أرباع للموصى له بالسيف ستة كله من السيف وللموصى له بالثلث سهمان وللموصى له بالسدس سهم وبقي للورثة من سهام السيف ستة وثلاثة أرباع يأخذ الموصى له بالثلث مما بقي خمسة عشر والموصى له بالسدس سبعة ونصفا ، فإذا جمعت بين ذلك حصل تنفيذ الوصية لهم في أحد وثلاثين ونصف وحصل للورثة ضعف ذلك ثلاثة وستون فاستقام الثلث والثلثان ، فإذا أردت إزالة الكسر فلا طريق فيه سوى التضعيف . قال رحمه الله : وقد خرج شيخنا الإمام الحلواني رحمه الله قولهما على طريق آخر ، وهو أن السيف لما صار بين الموصى لهم على تسعة باعتبار العول فكل مائة من الخمسمائة الباقية تكون على ستة ; لأنه لا عول في الخمسمائة الباقية فسهام الخمسمائة الباقية إذن ثلاثون للموصى له بالثلث عشرة وللموصى له [ ص: 167 ] بالسدس خمسة فذلك خمسة عشر ، فإذا ضممت ذلك إلى سهام السيف تسعة كان أربعة وعشرين فيجعل الثلث بينهم على أربعة وعشرين وجميع المال اثنان وسبعون السيف من ذلك اثنا عشر لصاحب السيف ستة ولصاحب الثلث منه سهمان ولصاحب السدس منه سهم يبقى ثلاثة من تسعة للورثة وسهام الخمسمائة ستون للموصى له بالثلث عشرة وللموصى له بالسدس خمسة يبقى للورثة من ذلك خمسة وأربعون فجملة ما سلم للورثة من المال ثمانية وأربعون ، وقد نفذت الوصية في أربعة وعشرين فاستقام الثلث . قلت هذا واضح ولكنه غير مستقيم على طريق أهل الحساب ; لأن القسمة الواحدة مع تفاوت مقدار السهام لا تكون ، فإذا كان السيف وقيمته مائة على تسعة أسهم ، ثم تجعل كل مائة من الخمسمائة على ستة أسهم بين السهام تفاوت في المقدار فكيف تستقيم قسمة الكل بينهم بهذا الطريق قال هو كذلك ولكن صاحب المذهب نص على هذا الطريق وعليه خرج المسائل إلى آخر الباب تأمل في ذلك . تأملته فوجدته كما قال . ومن تلك المسائل قال لو أوصى لرجل بالثلث ولآخر بعبد قيمته ألف درهم وله ألفا درهم سوى ذلك ، فإن صاحب الثلث يضرب فيه بثلث الألفين وسدس العبد ويضرب صاحب العبد بخمسة أسداس العبد فما أصاب صاحب العبد فهو في العبد ، وهو النصف وما أصاب الثلث فهو فيما بقي من العبد والمال فيكون له خمس ما بقي من العبد وخمس المال في قول أبي حنيفة ; لأنه اجتمع في العبد وصيتان وصية بجميعه وبثلثه فيسلم ثلثاه لصاحب الجميع بلا منازعة والثلث بينهما نصفان لاستواء منازعتهما فيه ، وإذا صار العبد على ستة فكل ألف من الألفين كذلك فهما اثنا عشر للموصى له بالثلث أربعة فبلغت سهام الوصايا عشرة فيجعل ذلك ثلث المال وجميع المال ثلاثون العبد من ذلك عشرة هو للموصى له بالعبد خمسة وهي نصف العبد وللموصى له بالثلث خمسة أسهم سهم من العبد ، وهو خمس ما بقي منه وأربعة أسهم من سهام الألفين وذلك خمس العشرين وحصل للورثة من الألفين ستة عشر سهما ، ومن العبد أربعة أسهم فاستقام الثلث والثلثان ، وفي قول أبي حنيفة ومحمد يكون لصاحب الثلث ما بقي من العبد ، وهو سدس العبد وسدس الألفين ، وإنما يقتسم هذا الجواب عندهما على الطريق الثاني ; لأن الموصى له بالعبد يضرب في العبد بستة والموصى له بالثلث من ذلك بسهمين فسهام العبد ثمانية وكل واحد من الألفين على ستة باعتبار الأصل للموصى له بالثلث من ذلك أربعة فبلغت سهام الوصايا اثني عشر وذلك الثلث وجميع المال ستة وثلاثون العبد منه اثنا عشر [ ص: 168 ] للموصى له بالعبد ستة نصف العبد وللموصى له بالثلث من العبد سهمان ، وهو ثلث ما بقي منه وسدس جميع العبد وله من الألفين أربعة من أربعة وعشرين ، وهو السدس فاستقام التخريج على هذا الطريق ، ثم قال في الأصل فأي هذين القولين قلت فهو حسن ، وهو إشارة إلى أن بين الطريقين في المعنى تفاوتا وبهذا اللفظ يستدل من يزعم أن مذهب المتقدمين من أصحابنا أن كل مجتهد مصيب وليس كما زعموا ; لأنه أراد به أن كل واحد من الطريقين طريق حسن في التخريج عند أهل الحساب لا أن يكون كل واحد من المجتهدين مصيبا للحكم باجتهاده حقيقة . ولو أوصى بثلث ماله لرجل وبجميع المال لآخر ، فإن لم تجز الورثة فالثلث بينهما نصفان عند أبي حنيفة رحمه الله ، وقد بينا هذا ، وإن أجازوا فجميع المال بينهما أسداسا في قول أبي حنيفة على ما رواه أبو يوسف ومحمد باعتبار طريق المنازعة ; لأنه يسلم الثلثان لصاحب الجميع ، وقد استوت منازعتهما في الثلث فكان بينهما نصفين فحصل لصاحب الجميع خمسة أسداس المال ولصاحب الثلث سدس المال ، وعندهما القسمة بطريق العول فلصاحب الجميع ثلاثة أرباع المال ولصاحب الثلث ربع المال قال الحسن : وهو الصحيح عند أبي حنيفة أيضا على طريق المنازعة لا كما روى أبو يوسف ومحمد رحمهما الله ; لأنه يبدأ بقسمة الثلث بينهما ، وقد استوت منازعتهما فيه فكان بينهما نصفين ، ثم يأتي إلى الثلاثين ، وقد بقي من حق صاحب الثلث السدس فما زاد على ذلك ، وهو نصف المال يسلم لصاحب الجميع ، وفي مقدار السدس استوت منازعتهما فكان بينهما نصفين فحصل لصاحب الثلث مرة السدس ومرة نصف السدس فذلك ربع المال والدليل على فساد ما ذهب إليه من تخريج قوله أنه يؤدي ذلك إلى أن يكون ما يسلم للموصى له بالثلث عند الإجازة وعدم الإجازة سواء والإجازة كما تؤثر في الزيادة في حق صاحب الجميع فكذلك في حق صاحب الثلث ويؤدي ذلك أيضا إلى أن يكون نصيب صاحب القليل عند عدم الإجازة فوق نصيبه عند الإجازة ; لأنه إذا أوصى لأحدهما بجميع ماله وللآخر بسدس ماله فعند عدم الإجازة الثلث يكون بينهما أثلاثا فيصيب صاحب الثلث تسع المال ، وعند وجود الإجازة يأخذ صاحب الجميع خمسة أسداس المال بلا منازعة ، ثم السدس بينهما نصفان فنصيبه نصف سدس المال وذلك دون تسع المال ، ومن المحال أن يسلم له عند عدم الإجازة أكثر مما يسلم له عند الإجازة فظهر أن تخريج الحسن لقول أبي حنيفة رحمه الله أصح . ولو أوصى لرجل بنصف ماله ولآخر بجميع ماله ولآخر بثلث ماله فأجاز ذلك [ ص: 169 ] الورثة فالنصف لصاحب الجميع وصاحب النصف نصفان والثلث بينهم أثلاثا في قول أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف ومحمد القسمة على طريق العول بينهم على أحد عشر سهما لصاحب الجميع ستة ولصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث سهمان ، وهو قياس ما تقدم . ولو كان له عبدان قيمتهما سواء ولا مال له غيرهما فأوصى لرجل بأحدهما بعينه ولآخر بثلث ماله ، فإن الثلث يقسم بينهما على سبعة أسهم لصاحب الثلث ثلاثة في العبدين جميعا اثنان في الذمة لا وصية فيه للآخر وواحد في الذي فيه الوصية للآخر ولصاحب العبد أربعة أسهم في قول أبي حنيفة ; لأنه اجتمع في العبد الموصى بعينه وصيتان بجميعه وبثلثه فللموصى له بالجميع خمسة أسداس على طريق المنازعة وللموصى له بالثلث سدسه والعبد الآخر يصير على ستة أيضا للموصى له بالثلث منه سهمان فكان جملة سهام الوصايا ثمانية إلا أن وصية الموصى له بالعبد زادت على الثلث ; لأن جميع المال اثنا عشر والثلث منه أربعة ووصيته خمسة فما زاد على الثلث تبطل وصيته فيه عند عدم الإجازة ضربا واستحقاقا كما هو أصل أبي حنيفة في الوصية بالعين فيبقى حقه في أربعة وحق صاحب الثلث في ثلاثة سهم منه في العبد الموصى بعينه وسهمان في العبد الآخر فلهذا قال يقسم الثلث بينهما على سبعة ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد الثلث بينهما على خمسة أسهم ، وهذا إنما يستقيم على الطريقة الثانية لهما ، فإن العبد الموصى بعينه يضرب الموصى له بجميعه بثلاثة فيه والموصى له بالثلث بسهم فيكون بينهما على أربعة والعبد الآخر على ثلاثة أسهم ; لأنه لا عول فيه ، للموصى له بالثلث سهم فحصل له سهمان في العبدين ولصاحبه ثلاثة كلها في العبد الموصى بعينه فلهذا كان الثلث بينهما على خمسة أسهم . ولو أوصى لرجل بعبد وبثلث ماله لآخر وبعبده ذلك أيضا لآخر وبسدس ماله لآخر وقيمة العبد ألف درهم وله ألفان سوى ذلك ، فإن الثلث يقسم بينهم على اثنين وسبعين سهما يضرب فيه صاحبا العبد بأحد وثلاثين سهما وصاحب الثلث بسبعة وعشرين ونصف وصاحب الثلث بثلاثة عشر ونصف في قول أبي حنيفة ; لأنه اجتمع في العبد أربع وصايا والقسمة عنده على طريق المنازعة فيه فثلثا العبد بين صاحبي العبد نصفان وسدس بينهما وبين صاحب الثلث أثلاثا والسدس الباقي بينهما أرباعا فعند تصحيح هذه السهام ينتهي الحساب إلى اثنين وسبعين سهما لحاجتنا إلى حساب ينقسم سدسه أثلاثا وأرباعا فيسلم للموصى لهما بالعبد الثلثان ثمانية وأربعون والسدس ، وهو اثنا عشر بينهما وبين صاحب الثلث أثلاثا والسدس الآخر بينهم أرباعا لكل واحد منهم ثلاثة يحصل لكل [ ص: 170 ] واحد من صاحبي العبد أحد وثلاثون ولصاحب الثلث سبعة ولصاحب السدس ثلاثة ، ثم صار كل ألف من الألفين على اثنين وسبعين فالألفان مائة وأربعة وأربعون سهما لصاحب الثلث من ذلك الثلث ثمانية وأربعون ولصاحب السدس أربعة وعشرون ، فإذا جمعت ذلك كله بلغت سهام الوصايا مائة وأربعة وأربعين فهو ثلث المال والثلثان ضعف ذلك فجملة المال أربعمائة واثنان وثلاثون العبد من ذلك مائة وأربعة وأربعون لكل واحد من صاحبي العبد من ذلك مقدار حقه واحد وثلاثون كلها في العبد ولصاحب الثلث من العبد سبعة ، ومن الألفين ثمانية وأربعون فذلك خمسة وخمسون ولصاحب السدس من العبد ثلاثة ، ومن الألف أربعة وعشرون وذلك سبعة وعشرون وفي الكتاب خرجه على النصف من ذلك ; لأنه جوز الكسر بالإنصاف وجعل الثلث اثنين وسبعين وحصل لصاحبي العبد أحد وثلاثون لكل واحد منهما خمسة عشر ونصف ولصاحب الثلث سبعة وعشرون ونصف ولصاحب السدس ثلاثة عشر ونصف فاستقام التخريج على ما قلنا . وفي قول أبي يوسف ومحمد الثلث بينهم على أحد وعشرين سهما ; لأن العبد الموصى بعينه يضرب كل واحد منهما فيه بسهام جميعه ستة ، والموصى له بالثلث يضرب فيه بسهمين والموصى له بالسدس يضرب فيه بسهم فيكون بينهم على خمسة عشر وكل واحد من الألفين يكون على ستة باعتبار الأصل فللموصى له من الألفين الثلث أربعة من اثني عشر وللموصى له بالسدس سهمان ، وإن ضمنها هذه الستة إلى سهام العبد خمسة عشر كان الكل أحدا وعشرين فلهذا كان الثلث بينهم على أحد وعشرين . ولو أوصى لرجل بعبده ولآخر بنصفه ولآخر بثلث ماله والعبد يساوي ألفا وله ألفان سوى ذلك ولم يجيزوا قسم الثلث بينهم على ثلاثين سهما لصاحب العبد اثنا عشر ونصف في العبد ولصاحب النصف ثلاثة ونصف فيه ولصاحب الثلث أربعة عشر فيما بقي من العبد والمال في قول أبي حنيفة ; لأن نصف العبد يسلم لصاحب العبد بلا منازعة والسدس بينه وبين صاحب النصف نصفان والثلث بينهم أثلاثا فبلغت سهام العبد ستة وثلاثين للموصى له بالعبد مرة ثمانية عشر ومرة ثلاثة ومرة أربعة فذلك خمسة وعشرون وللموصى له بالنصف مرة ثلاثة ومرة أربعة فذلك سبعة وللموصى له بالثلث أربعة ، ثم كل ألف من الألفين يصير على ستة وثلاثين أيضا فسهام الألفين اثنان وسبعون ولصاحب الثلث ثلث ذلك ، وهو أربعة وعشرون فبلغت سهام الوصايا ستين فيجعل الثلث بينهم على ذلك والثلثان ضعف ذلك وجملة المال مائة وثمانون . وفي الكتاب خرجه على [ ص: 171 ] النصف من ذلك ، فقال يقسم الثلث بينهم على ثلاثين لصاحب العبد اثنا عشر ونصف ما أعطيناه ، وهو خمسة وعشرون ولصاحب النصف ثلاثة ونصف نصف ما جعلناه له ، وهو سبعة كلها في العبد ولصاحب الثلث أربعة نصف ما أعطيناه ، وهو ثمانية وعشرون ، وهذه الأربعة عشر له فيما بقي من العبد والمال سدس ذلك في العبد والباقي في المال . قال عيسى رحمه الله هذان الحرفان الأخيران خطأ ، وإنما ينبغي أن يجمع ما بقي من العبد والمال فيقسم ذلك بين الموصى له بالثلث والورثة على أربعة وسبعين سهما فما أصاب أربعة عشر ذلك فهو للموصى له بالثلث وما أصاب ستين سهما فهو للورثة ; لأن الموصى له بالثلث شريك الورثة في التركة فيضرب هو فيما بقي من التركة بسهام حقه والورثة بسهام حقهم ، وإن اعتبرنا الأصل فينبغي أن يكون للموصى له بالثلث مما بقي من العبد سبع حقه لا سدسه ; لأنه كان له من العبد سهمان ، ومن الألفين اثنا عشر ، فإذا جمعت الكل كان ماله من العبد سبع حقه . ولو أوصى لرجل بعبد قيمته أكثر من الثلث ولآخر بعبد قيمته أقل من الثلث ضرب صاحب الأقل بقيمة عبده وضرب الآخر بمقدار الثلث من قيمة عبده في قول أبي حنيفة ، وفي قولهما يضرب كل واحد منهما بجميع قيمة عبده ، وهو بناء على اختلافهم في بطلان الوصية فيما زاد على الثلث عند عدم الإجازة في حق الضرب . ولو أوصى لرجل بمائة درهم بعينها ، ثم وهبها لآخر وسلمها إليه ، ثم رجع فيها ومات فالوصية باطلة ; لأنها تعلقت بعين المائة ، وقد أخرجها عن ملكه بالهبة والتسليم فصار به راجعا والوصية متى بطلت بالرجوع لا تعود إلا بالتجديد ، ولو كان غصبها غاصب ، ثم رجعت إليه بعينها لم تبطل الوصية ; لأنها باقية على ملك الموصي ، وإن كانت في يد الغاصب واستهلكها الغاصب فقضي عليه بمثلها بطلت الوصية ; لأنها كانت مقصورة على العين فلا يجوز تنفيذها من محل آخر بخلاف ما إذا استهلكها مستهلك بعد موت الموصي ; لأن حق الموصى له تأكد فيها بالموت فيثبت في بدلها وما كان حقه متأكدا فيها قبل موته يبطل بفوات العين ولا يتحول إلى البدل كالموهوب قبل التسليم إذا أتلفه إنسان يبطل حق الموهوب له فيه بخلاف ما بعد التسليم ، ولو كان اشترى بها عبدا فاستحق العبد ورجعت إليه المالية بعينها فالوصية باطلة ; لأنها خرجت عن ملكه ، فإن بدل المستحق مملوك بالقبض فصارت المائة مملوكة لبائع العبد ، وإن استحق العبد ولهذا كان عينا بعد تصرفه فيه بعد الاستحقاق والوصية بعدما بطلت لا تعود إلا بالتجديد والله أعلم بالصواب . [ ص: 172 ] قال رحمه الله ) : وإذا أوصى الرجل أن يحج عنه بمائة درهم وثلثه أقل من مائة ، فإنه يحج عنه بالثلث من حيث يبلغ ; لأن محل الوصية الثلث وللموصى له الوارث المنفعة ، وهو قصد بهذه الوصية صرف المائة من ماله إلى هذا النوع من القربة فيجب تحصيل مقصوده بحسب الإمكان كما لو أوصى أن يتصدق بمائة من ماله وثلثه أقل من مائة يتصدق عنه بقدر الثلث . ![]()
__________________
|
|
#557
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد السابع والعشرون صـــ172 الى صـــ 181 (556) ولو أوصى أن يحج عنه حجة بمائة درهم وهي ثلثه فحج الوصي بها فبقي من نفقة الحاج وكسوته وإطعامه شيء كان ذلك لورثة الميت ; لأن الحاج عن الغير له أن ينفق على نفسه من ماله في الذهاب والرجوع ولا حق له فيما يفضل من ذلك على ما بينا في المناسك أن الاستئجار على الحج لا يجوز فما يفضل بعد رجوعه فهو من مال الميت ، وقد فرغ عن وصيته فيكون لورثته ، فإن جامع ففسد حجه فعليه الكفارة ورد ما بقي من النفقة والكسوة ويضمن ما أنفق ; لأنه أذن له في الإنفاق بشرط أن يؤدي بسفره حجة صحيحة ، وقد فوت هذا الشرط بالإفساد فعليه رد ما بقي ، وهو ضامن لما أنفق ; لأنه تبين أنه أنفق بغير رضا الموصي ، ثم ذكر ما لو اعتمر قبل الحج أو قرن أو اعتمر عن آخر ، وقد تقدم بيان هذه الفصول في المناسك . ولو استأجروا رجلا ليحج عنه فحج كان عليه أن يرد ما يفضل في يده من النفقة ; لأن الاستئجار لم يصادف محله فكان باطلا ومتى بطلت الإجارة بقي مجرد الإذن كما في استئجار النخيل لترك الثمار عليها إلى وقت الإدراك فعليه أن يرد ما فضل في يده وليس عليه شيء مما أنفق ; لأنه أنفق بإذن صحيح ، وإن عجزت النفقة عنه كان عليهم أن يكملوا له نفقة مثله وما لا بد منه له وتجزي الحجة عن الميت بمنزلة ما لو أمروه بأن يحج عن الميت من غير استئجار ، وإذا أوصى أن يحج عنه فالأفضل أن يحج من قد حج ; لأنه أقدر على أداء الأفعال وأبصر بذلك ، وهو أبعد عن خلاف العلماء واشتباه الآثار ، وإن حج عنه ضرورة جاز عندنا خلافا للشافعي ، وقد بيناه في المناسك ، وإن أحجوا عنه امرأة ، فإنه يجزيهم ذلك لأن { الخثعمية حين استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن تحج عن أبيها أذن لها في ذلك واستحسن ذلك منها } ، فدل على أنه يجوز إحجاج المرأة عن الرجل ، وقد أساءوا في ذلك لنقصان حال النساء في باب الإحرام حتى أن المرأة تلبس المخيط في إحرامها ولا ترفع صوتها بالتلبية ولا ترمل في الطواف ولا تسعى في بطن الوادي وتترك طواف الصدر بعذر الحيض ولا ضرورة لهم في إحجاجها عن الميت ; لأن فيمن يحج عن الرجال كثرة ، وإن كانت المرأة هي الموصية فأحجوا عنها رجلا أجزأها ; لأن [ ص: 173 ] الظاهر أن ذلك مجزئ كان مقصودها أو لم يكن مقصودها ، وإذا أوصى بالحج ، فإنه يحج عنه من بلده ; لأنه لو عزم على الخروج بنفسه للحج كان يخرج من بلده ويتجهز لسفر الحج من بلده فكذلك إذا أوصى به بعد موته فالظاهر أن مقصوده تجهيز من يحج عنه من بلده ، وإن مات في الطريق ، فإن كان خرج للتجارة ، فإنه يحج عنه من بلده أيضا ، وإن خرج هو يريد الحج فمات في الطريق يحج عنه من حيث مات . وفي الجامع ذكر القياس والاستحسان في المسألة ففي القياس يحج عنه من بلده ، وفي الاستحسان ، وهو قولهما يحج عنه من حيث مات وجه الاستحسان أنه باشر بعض العمل بنفسه ولم ينقطع ذلك بموته فيبني عليه كما إذا وصى بإتمامه وبيان هذا أن خروجه على قصد الحج قربة وطاعة قال الله - تعالى - : { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله } الآية ولم ينقطع ذلك بموته لما روي أن النبي عليه السلام قال : { من مات في طريق الحج كتب له حجة مبرورة في كل سنة } ، وهذا بخلاف ما إذا خرج للتجارة ، فإن سفره ذلك ليس لأداء الحج فلا يصير به مؤديا شيئا من الأعمال وبخلاف ما إذا مات بعدما أحرم ; لأن إحرامه انقطع بالموت ولهذا يخمر وجهه ورأسه ولا يمكن البناء على المنقطع . يوضحه أن في اعتبار هذا الطريق تحصيل مقصوده ، وفي الأخذ بالقياس تفويت مقصوده ; لأن الذي يحج عنه من بلده ربما يموت فيحتاج إلى أن يحج آخر من بلده أيضا حتى يفنى في ذلك ماله قبل أن يحصل مقصوده . وجه قول أبي حنيفة أن عمله قد انقطع بموته ولا بناء على المنقطع كما لو أحرم ، ثم مات وأوصى أن يحج عنه وبيان هذا من وجهين أحدهما أن النبي عليه السلام قال : { كل عمل ابن آدم ينقطع بموته إلا ثلاثة } ، والخروج للحج ليس من هذه الثلاثة فينقطع بالموت ، ثم خروجه إنما يكون قربة بطريق موصل إلى أداء الحج ، وقد تبين أن هذا الخروج ما كان يوصله إلى ذلك والدليل عليه أنه ظهر بموته أن سفره كان سفر الموت لا سفر الحج لما روي أن النبي عليه السلام قال : { إذا أراد الله - تعالى - قبض روح عبد بأرض جعل له إليها حاجة } ، فكان هذا في المعنى وخروجه للتجارة سواء ، ثم هناك يحج عنه من بلده فهنا كذلك ، وإن كان له أوطان مختلفة فمات ، وهو مسافر وأوصى بالحج عنه ، فإنه يحج عنه من أقرب الأوطان إلى مكة ; لأنه هو المتيقن به وبمطلق اللفظ لا يثبت إلا بالتيقن بما هو كامل في نفسه ; لأن الإطلاق يقتضي الكمال ، فإن لم يكن له وطن فمن حيث مات ; لأنه لو تجهز بنفسه للحج إنما يتجهز من حيث هو فكذلك إذا أوصى ، وهذا لأن من لا وطن له [ ص: 174 ] فوطنه حيث حل ، وإن أحجوا عنه من موضع آخر ، فإن كان أقرب إلى مكة فهم ضامنون ، وإن كان أبعد فلا ضمان عليهم ; لأن في الأول لم يحصل مقصوده بصفة الكمال والإطلاق يقتضي ذلك ، وفي الثاني حصلوا مقصوده وزيادة . وإن أوصى أن يحجوا عنه فأحجوا رجلا فسرقت نفقته في بعض الطريق فرجع عليهم أن يحجوا آخر من ثلث ما بقي في أيديهم من حيث أوصى الميت في قول أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف إن بقي من ثلث ماله ما يمكن أن يحج به من حيث أوصى فكذلك الجواب في قول محمد إن لم يبق شيء من ثلث عزل للحج تبطل الوصية ، وعلى هذا الخلاف لو قال أعتقوا عني نسمة بمائة درهم فاشتروها فماتت قبل أن تعتق كان عليهم أن يعتقوا من ثلث ما بقي في أيديهم ، وفي قول محمد بطلت الوصية ; لأن الوصي قائم مقام الموصي والورثة كذلك يقومون مقام المورث في تنفيذ وصيته فكان تعيين الموصي والورثة بعض المال لوصيته كتعيين الموصي ، ولو عينه بنفسه فهلك ذلك المال بطلت الوصية فكذلك الوصي إذا عين ذلك المال لوصيته وقاسم الورثة ، ثم هلك بطلت الوصية والدليل عليه أن مقاسمة الوصي مع الموصى له على الورثة يصح فلأن تصح مقاسمته مع الورثة عن الموصي كان أولى ; لأن الموصي أقامه مقام نفسه باختياره والورثة ما أقاموه مقامهم باختيارهم وأبو يوسف يقول محل الوصية الثلث فمقاسمة الموصي مع الورثة في تمييز محل الميراث من محل الوصية تصح ، فأما مقاسمته في تمييز محل الوصية عن البعض لا يجوز فما بقي من الثلث شيء ، فقد بقي محل الوصية فيجب تنفيذ الوصية باعتبار ما بقي ، وهو نظير مقاسمة الوصي عن الصغير مع الكبير تصح ومقاسمته بين الصغار لتمييز نصيب بعضهم عن بعض لا تصح وأبو حنيفة يقول مقصود الموصي لم يكن المقاسمة ، وإنما كان لتحصيل القربة له بالعتق ويجعل الهالك على التركة كأن لم يكن فتنفذ الوصية في هذه القسمة من ثلث ما بقي ، وفيه جواب عما قاله محمد رحمه الله أن الوصي إنما يقوم مقام الموصي فيما فيه تحصيل مقصوده خاصة ، وهذا بخلاف مقاسمته مع الموصى له ; لأن فيه تحصيل مقصوده ، فإن مقصوده تنفيذ الوصية ، وفي هذه القسمة تنفيذ الوصية ، وهذه المسألة في الحقيقة نظير الأولى في المعنى ، فإن السفر كان مقصوده فيدور مع ذلك المقصود ، جعل ذلك أبو حنيفة وجوده كعدمه وها هنا التعيين والقسمة لمقصود ، فإذا لم يحصل ذلك المقصود كان وجود القسمة كعدمها ، ولو كان الموصى له بالثلث غائبا فقاسم الموصي الورثة على الموصى له لم تجز قسمته عليه حتى إذا هلك في يده ما عزله للموصى له [ ص: 175 ] كان له أن يرجع على الورثة بثلث ما أخذوه بخلاف ما إذا قاسم على الورثة مع الموصى له ; لأن الورثة يخلفون المورث في العين يبقي لهم الملك الذي كان للمورث ولهذا يرد الوارث بالعيب ويصير مغرورا فيما اشتراه مورثه والوصي قائم مقام الموصي فيكون قائما مقام من يخلفه في ملكه ، وأما الموصى له فيثبت الملك له بإيجاب مبتدأ حتى لا يرد بالعيب ولا يصير مغرورا فيما اشتراه الموصي فلا يقوم الموصي مقامه في تعيين محل حقه ولكن ما هلك مما عزله يهلك على الشركة وما بقي يبقى على الشركة والعزل إنما يصح بشرط أن يسلم المعزول للموصى له . وإذا أوصى أن يحجوا عنه وارثا لم يجز إلا أن يجيزه الورثة ; لأن فيه إيثاره بشيء من ماله لنفقته على نفسه وكما أنه لا يجوز إيثاره بشيء من المال تمليكا منه بدون إجازة الورثة فكذلك إباحته له لنفقته على نفسه . ولو أوصى بأن يحج عنه بمائة درهم وأوصى بما بقي من ثلثه لفلان وأوصى بالثلث من ماله لآخر والثلث مائة درهم فنصف الثلث للحج ونصفه لصاحب الثلث لاستواء الوصيتين في القوة والمقدار ولا شيء لصاحب ما بقي ; لأنه لم يبق من الثلث شيء والإيجاب بهذا اللفظ يتناول ما بقي ، وإذا لم يبق من الثلث شيء بطل الإيجاب لانعدام المحل ، وهو بمنزلة العصبة مع أصحاب الفرائض ، فإن للعصبة ما بقي بعد حق أصحاب الفرائض ، وإذا لم يبق شيء لم يكن له شيء بقول ، فإن مات الموصى له بالثلث قبل موت الموصي فما بقي من الثلث للموصى له بما بقي ; لأن وصية الموصى له بالثلث بطلت بموته قبل موت الموصي فكأنها لم تكن ولكن لا يصح هذا الجواب على ما وضعه عليه في الابتداء أن الثلث مائة درهم ; لأنه أوصى أن يحج عنه بمائة فيجب تنفيذ هذه الوصية أولا ، ثم لا يبقى من الثلث شيء ; لأن ذلك لا يكون له بما بقي إلا أن يكون الثلث أكثر من مائة فحينئذ يحج عنه بالمائة والفضل للموصى له بما بقي . وإذا كانت الوصايا لله - تعالى - لا يسعها الثلث ، مثل الحجة والنسمة والبدنة بدئ بالذي بدأ به ما خلا حجة الإسلام أو الزكاة أو شيئا واجبا عليه ، فإنه يبدأ بالواجب ، وإن كان الميت أخره استحسن ذلك ، ودع القياس فيه ، وقد تقدم في ترتيب الوصايا من البيان ما هو كاف والله أعلم بالصواب . ولو أوصى له بشيء ، وهو وارث يوم أوصى ، ثم صار غير وارث أو كان غير وارث يوم الوصية ، ثم صار وارثا ومات الموصي إنما ينظر إلى يوم يموت الموصي ، فإن كان الموصى له وارثه لم تجز الوصية ، وإن لم يكن وارثه جازت الوصية ; لأن الوصية عقد مضاف إلى ما بعد الموت ، وإنما تحقق الوجوب له عند الموت ولأن المانع صفة الوراثة ولا يعرف ذلك إلا عند الموت ; لأن صفة الوراثة لا تكون إلا بعد بقاء الوارث حيا بعد موت المورث ، وكذلك الهبة في المرض والكفالة ، فإن ذلك في حكم الوصية حتى تعتبر من الثلث في حق الأجنبي ولا يصح للوارث أصلا ، وقد بينا الفرق بين هذا وبين الإقرار في كتاب الإقرار أن هناك إن صار وارثا بسبب تجدد الإقرار كان الإقرار صحيحا ، وإن ورثه بسبب كان قائما وقت الإقرار لم يصح الإقرار . وإذا أوصى لمكاتب وارثه أو لعبد وارثه فهو باطل من أجل أن ذلك ينتفع به الوارث ، فإن المولى يملك كسب عبده وله حق الملك في كسب مكاتبه . ولو أوصى لمكاتبه ، وقد كاتبه في مرضه أو في صحته جازت الوصية ; لأنه ليس في هذا منفعة لبعض الورثة دون البعض ، فإنه إن عتق فالوصية سالمة له ، وهو أجنبي ، وإن عجز فرقبته وكسبه يكون ميراثا بين جميع الورثة ، قال وبلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه لم يجعل للقاتل ميراثا ، وعن عمر رضي الله عنه مثله وعن عبيدة السلماني رضي الله عنه قال لا يورث قاتل بعد صاحب البقرة والوصية عندنا بمنزلة ذلك ولا وصية لقاتل أما الكلام في نفي الإرث للقاتل ، فقد بيناه في الديات . ما الوصية للقاتل فلا تصح عندنا سواء أوصى له قبل الجراحة أو بعدها ، وقال مالك تصح الوصية له في الوجهين ، وقال الشافعي إن أوصى له قبل أن يجرحه بطلت الوصية بقتله إياه ، وإن أوصى بعدما جرحه صحت الوصية . وجه قول مالك أن هذا تمليك المال بالعقد فالقتل [ ص: 177 ] لا يبطله كالتمليك بالبيع والهبة وبأن كان يبطل الإرث لا يستدل على أنه يبطل الوصية كالرق واختلاف الدين ، فإنه ينفي التوريث ولا يمنع الوصية والفرق للشافعي من وجهين أحدهما أنه إن كان الجرح بعد الوصية فالظاهر أن الموصي نادم على وصيته راجع عنها ، وإذا كانت الوصية بعد الجرح فلم يوجد بعد الوصية ما يدل على الرجوع عنها بل الظاهر أنه قصد الانتداب إلى ما ندب إليه ، وهو مقابلة السيئة بالإحسان والثاني أنه إذا جرحه بعد الوصية فالموصى له قصد الاستعجال بفعل محظور فيعاقب بالحرمان كالميراث ، فأما إذا أوصى له بعد الجراحة فلم يتوهم قصد الاستعجال في تلك الجراحة ولا بعد الوصية فبقيت الوصية على حالها . وجه قولنا ظاهر قوله عليه السلام : { ليس لقاتل شيء } ، ويدخل الوصية والميراث جميعا في عموم هذا اللفظ ، وقال : { ولا وصية لقاتل } ، ولأن الملك بالوصية يثبت بعد الموت فيكون معتبرا بالملك الثابت بالميراث ولا فرق بينهما في المعنى ; لأن بطلان الوصية للوارث لدفع المغايظة عن سائر الورثة وبطلان الوصية للقاتل لهذا المعنى أيضا ، فإنه يغيظهم أن يقاسمهم قاتل أبيهم تركة أبيهم بسبب الإرث أو بسبب الوصية ، وفي هذا المعنى لا فرق بين أن تتقدم الوصية على الجرح أو تتأخر عنه وبه فارق الرق والكفر ، فإن الحرمان بهما لانعدام الأهلية للولاية لا لدفع المغايظة عن سائر الورثة ولا معتبر بالأهلية للولاية في الوصية ، وبخلاف سائر عقود التمليكات ; لأنها لا تشابه الإرث صورة ولا معنى ، وكذلك لو كان القاتل وارثا فأوصى له لم تجز الوصية ، وهذا تجوز في العبارة ، فإن القاتل لا يكون وارثا ، وإن كان وارثا كالصبي والمعتوه والوصية لمثل هذا القاتل تصح . ثم الوجه فيه أنه اجتمع فيه وصفان كل واحد منهما بانفراده يجزئ الوصية فاجتماعهما أولى ، فإن أجازت الورثة الوصية للقاتل جازت في قول أبي حنيفة ومحمد ولم تجز في قول أبي يوسف ذكر قوله في الزيادات ; لأن الوصية أخت الميراث ولا ميراث للقاتل ، وإن أوصى به الورثة فكذلك الوصية ، وهذا لأن الحرمان كان بطريق العقوبة حقا للشرع فلا يتغير ذلك بوجود الرضا من الورثة والدليل عليه أنه لو أوصى لحربي في دار الحرب لم تجز الوصية لتباين الدار ، وإن أجازت الورثة ، وإنما امتنعت الوصية للحربي لكونه محاربا حكما والقاتل محارب له حقيقة فلأن لا تنفذ الوصية له بإجازة الورثة كان أولى وجه قولهما أن الوصية للقاتل أقرب إلى الجواز من الوصية للوارث ; لأن الأمر في نفس الوصية للوارث مشهور ، وفي نفي الوصية للقاتل مسبور والعلماء اتفقوا على أن لا وصية للوارث واختلفوا في جواز الوصية للقاتل ، ثم بإجازة الورثة تنفيذ الوصية [ ص: 178 ] للوارث فكذلك للقاتل والمعنى فيهما واحد ، وهو أن المغايظة تنعدم عند وجود الرضا من الوارث بالإجازة في الموضعين جميعا بخلاف ميراث القاتل ، فإن ثبوت الملك بالميراث بطريق الحكم حتى لا يتوقف على القبول ولا يرتد بالرد والإجازة إنما تعمل فيما تعتمد القبول ويرتد بالرد وبخلاف الوصية للحربي في دار الحرب ; لأن بطلانها لانعدام الأهلية في جانب الموصى له ، فإن من في دار الحرب في حق من هو في دار الإسلام كالميت ولهذا تنقطع العصمة بتباين الدارين حقيقة وحكما والميت لا يكون أهلا للوصية له ولا تأثير للإجازة في إثبات الأهلية لمن ليس بأهل . وكذلك الوصية لعبد القاتل أو لمكاتبه ، فإنها كالوصية للقاتل لما يثبت له من حقيقة الملك أو حق الملك في الموصى به ، وقال في الأصل إذا كانت الوصية لمولاه أو لعبده أبطلناها ، وقال الحاكم تأويله عندنا إذا كان المولى هو القاتل فأوصى له أو لعبده ، فأما إذا كان العبد هو القاتل فالوصية لمولاه وصية صحيحة . ( ألا ترى ) أن عبد الوارث إذا قتل المورث لا يحرم المولى ميراثه ، وهذا لأنه لا حق للعبد في ملك مولاه وليس في حق المولى ما يحرمه الإرث والوصية لابن القاتل وأبويه وغيرهم من قرابته جائزة ، وكذلك لمماليك هؤلاء من عبيدهم ومكاتبيهم ومدبريهم وأمهات أولادهم على قياس الإرث ، فإن ابن القاتل وأبويه يورثون المقتول ، وإن لم يرثه القاتل ، وهذا لأنه ليس للقاتل في ملك هؤلاء حق الملك ولا حقيقة الملك . وإذا أقر لقاتله بدين ، فإن كان مريضا صاحب فراش حتى مات لم يجز ، وإن كان يذهب ويجيء فهو جائز ; لأن الجرح ، وإن كان سبب الهلاك ولكن لا يصير به في حكم المريض ما لم يصر صاحب فراش ، فإن المريض إنما يباين الصحيح بهذا ; لأن الإنسان لا يخلو عن نوع مرض ، وإن كان صحيحا ، فإذا لم يصر صاحب فراش كان هو في حكم الصحيح ، وإذا كان صاحب فراش فهو مريض ، وإن تكلف لمشيه إلى بعض حوائجه ، وكذلك الهبة إذا قبضها للقاتل ، وهو مريض ، فإن تصرف المريض كالمضاف إلى ما بعد الموت ، فأما إذا كان يذهب ويجيء فهو صحيح ينفذ تصرفه في الحال مع القاتل كما ينفذ مع غيره وهكذا الجواب في الإقرار للوارث والهبة له . وإذا ضربت المرأة الرجل بحديدة أو بغير حديدة فأوصى لها ، ثم تزوجها فلا ميراث لها ولا وصية ، وإنما لها مقدار صداق مثلها من المسمى وما زاد على ذلك في معنى الوصية فيبطل بالقتل . ولو اشترك عشرة في قتل رجل أحدهم عبده وأوصى لبعضهم بعد الجناية وأعتق عبده فالوصية باطلة ; لأن كل واحد منهم قاتل له على الكمال . ( ألا ترى ) أنه يلزمهم القصاص إذا كان عمدا [ ص: 179 ] والكفارة إذا كان خطأ كما لو تفرد به ، وأن كل واحد منهم يحرم عن الميراث فكذلك الوصية إلا أن العتق بعدما تعذر لا يمكن رده فيكون الرد بإيجاب السعاية عليه في قيمته ، والعفو على القاتل في دم العمد جائز ; لأن الواجب القصاص والقصاص ليس بمال . ( ألا ترى ) أن متلفه بالشهادة باطلة والإكراه على العفو لا يكون ضامنا ، وإنه لا يعتبر من الثلث بحال فيكون صحيحا للقاتل وجعل العفو في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء أو أقوى منه ، ولو كان خطأ فعفا عنه كان هذا منه وصية لعاقلته فيجوز من الثلث ; لأن الواجب في الخطأ الدية على العاقلة ، وهو مال قلنا أصل الوجوب على القاتل والعاقلة يتحملون عنه فتكون هذه وصية للقاتل قلنا باعتبار المال الوصية تكون للعاقلة وهم المنتفعون بهذه الوصية ، فإن قيل جزء من الدية على القاتل ففي ذلك الجزء الوصية منه تكون للقاتل قلنا نعم ولكن تتعذر الوصية في ذلك الجزء ; لأن كل جزء من بدل النفس يتقرر وجوبه على القاتل ففي ذلك الجزء الوصية تتحمله العاقلة كما لو اشترك ألف نفس في قتل رجل فالجزء الواجب على كل واحد منهم مع قلته يتحمله العاقلة ، وكذلك إن كان القاتل عبدا ; لأن الوصية بالعفو تقع لمولاه ، فإن موجب جناية العبد على المولى ، وهو الذي يخاطب بدفعه أو فدائه . ( ألا ترى ) أن بمد عتق العبد لا يطالب بشيء ، وإذا أوصى لعبده بثلث ماله صحت الوصية ; لأن رقبته من جملة ماله فيكون موصيا له بجزء منها ، فإن قتله العبد فوصيته باطلة غير أنه يعتق ويسعى في قيمته ; لأنه تعذر رد العتق فيكون الرد بإيجاب السعاية ، وعلى هذا المدبر إذا قتل مولاه عمدا أو خطأ فعليه أن يسعى في قيمته لرد الوصية وعليه في العمد القصاص ، فإن كان للمقتول وليان فعفا أحدهما عنه انقلب نصيب الآخر مالا فعليه أن يسعى في نصف قيمته للآخر ; لأنها إنما صارت مالا بعدما عتق وصار أحق بمكاسبه إلا أن الواجب بسبب جناية كانت منه في حال رقه فيكون الوجوب عليه من القيمة دون الدية بخلاف ما إذا قتل مولاه خطأ ; لأنه حين وجب المال بسبب الجناية كان المولى أحق بكسبه وموجب جنايته على غيره يكون على المولى فلا يجب بجنايته على مولاه شيء من ذلك ; لأنه لو وجب وجب على نفسه . وأم الولد إذا قتلت سيدها خطأ فليس عليها سعاية في شيء ; لأن عتقها ليس بوصية وموجب جنايتها على غير المولى يكون على المولى فلا يلزمها بالجناية على مولاها خطأ شيء ، وإن قتلته عمدا وليس لها منه ولد كان عليها القصاص ، فإن عفا أحد الوارثين سعت للآخر في نصف قيمتها ; لأن نصيب الآخر إنما انقلب مالا بعدما عتقت وصارت أحق بكسبها ، وإن كان لها منه [ ص: 180 ] ولد بطل عنها القصاص لصيرورة جزء منه لولدها وعليها أن تسعى في قيمتها ; لأن القصاص إنما انقلب مالا بعد موت المولى حين ورث ولدها جزءا منه . وإذا أوصى لقاتله بالثلث وأجاز ذلك الورثة بعد موته جاز ، وإن أجازته قبل موته فهو باطل بمنزلة الوصية للوارث ، وقد تقدم بيانه . ولو أوصى لرجل بوصية فقامت البينة عليه أنه قاتل وصدقهم بذلك بعض الورثة وكذبهم بعضهم ، فإنه يبرأ من حصة الذين كذبوا من الدية وتجوز وصيته في حصتهم من الثلث ويلزمه حصة الذين صدقوا من الدين وتبطل وصيته في حصتهم من الثلث ; لأن في حق كل فريق يجعل كأن الفريق الآخر في مثل حاله إذ لا ولاية لبعضهم على البعض ، وإذا قامت عليه بينة بالقتل وأبرأه الميت فإبراؤه عفو منه فيصح من الثلث إن كان القتل خطأ ولا وصية له بعد ذلك ; لأن القتل ثبت عليه بالبينة ، فإن في حق الذين كذبوهم حتى لو كذب الورثة الشهود جازت الوصية له بعد . وإذا جرح الرجل في مرضه جراحة عمدا أو خطأ ، فقال المجروح لم يجرحني فلان ، ثم مات من ذلك كان القول قوله ولا سبيل للورثة على القاتل ; لأنهم يخلفونه وبعدما قال لم يجرحني لا سبيل له عليه في دعوى القتل فكذلك لورثته ، وإن أقام ورثته البينة على القتل لم تقبل بينتهم ; لأن قبول البينة ينبني على صحة الدعوى منهم وبعد قول المجروح لم يجرحني فلان لا يصح كما لا يصح الدعوى منه قبل موته بخلاف ما إذا قال لا جراحة لي قبل فلان ، ثم ادعى عليه القتل وأثبته بالبينة جازت ; لأنه نفى موجب الجرح ودعواه موجب النفس لا تنافي ما أبقاه من موجب الجرح ، وفي الأول نفي أصل الجرح ، ومن ضرورته نفي القتل إذ القتل بدون الجرح لا تصور له إما ظاهرا أو باطنا . وإذا أوصى الرجل لرجلين بوصية وأقام كل واحد من ورثته البينة على أحد الموصى لهما أنه قتل صاحبهما خطأ كان على كل واحد منهما خمسة آلاف للذي أقام عليه البينة ولا وصية له في حصة الذي أقام عليه البينة بالقتل وتجوز له الوصية في حصة الآخر بالحساب ; لأن كل واحد منهما يثبت الحق على المشهود عليه لنفسه ولصاحبه وصاحبه مكذب لشهوده فيخرج كل واحد منهما من أن يكون قاتلا في حق من كذب المشهود عليه ويبقى قاتلا في حق الآخر في حكم الدية والوصية جميعا . وإذ أوصى الرجل لرجلين لكل واحد منهما بالثلث وأوصى لآخر بعبد فشهد الموصى لهما بالثلث على الموصى له بالعبد أنه قاتل فشهادتهما باطلة ; لأنهما يجزآن الثلث إلى أنفسهما ويسقطان مزاحمة الموصى له بالعبد معهما في الثلث ويلزمه الدية أيضا ولهما من ذلك الثلث فكانا شاهدين ; لأنفسهما والموصى له بالثلث شريك الوارث [ ص: 181 ] في التركة ، فهذه الشهادة لا تقبل من الورثة للتهمة فكذلك من الموصى له ، وكذلك لو شهدا على وارث أو على أجنبي أنه قتله خطأ ; لأن المعنى في الكل سواء . وإذا أعتق الرجل في مرضه صبيا صغيرا لا مال له غيره ، ثم قتل الصبي مولاه عمدا فعليه أن يسعى في قيمتين يدفع له من ذلك الثلث وصية له ويسعى فيما بقي ; لأن الصبي لا يحرم الإرث بسبب القتل فكذلك لا يحرم الوصية ومحل الوصية الثلث فيلزمه السعاية فيما زاد على الثلث والمعتق في المرض ما دام عليه شيء من السعاية فهو بمنزلة المكاتب فلهذا ألزمه السعاية في قيمته بسبب الجناية ، وفي قيمته بسبب العتق في المرض بعد أن يسلم له من ذلك الثلث . ولو كان كبيرا فقتل مولاه خطأ سعى في قيمتين للورثة ولا وصية له ; لأنه قاتل ، وهذا أقوى ، وهذا كله قول أبي حنيفة رحمه الله ، فأما عندهما عليه السعاية في قيمته لرد الوصية والدية على العاقلة ; لأن المستسعى حر عندهما ، ولو قتل غير مولاه خطأ كانت الدية على عاقلته ، وكذلك إذا قتل مولاه ، وعند أبي حنيفة هو بمنزلة المكاتب فعليه السعاية في قيمته لأجل الجناية ، وكذلك قولهما في الصبي أن الدية تجب على عاقلته كما لو قتل غير مولاه ; لأنه حر ، فإن كان عليه السعاية لم يحسب له قيمته من الثلث بطريق الوصية ; لأن الصبي لا يحرم الوصية ، وإن كان قاتلا والله أعلم . ( قال رحمه الله ) والوصية بخدمة العبد أو غلته أو سكنى الدار وغلتها تجوز عندنا ، وعلى قول ابن أبي ليلى لا يجوز شيء من ذلك موقتا ولا غير موقت ; لأن الموصي يملك له بإيجابه وذلك لا يصح منه فيما ليس بمملوك له والمنفعة والغلة التي تحدث بعد موته ليست بمملوكة له وبإيجابه لا يتناول المنفعة والغلة التي تحدث في حال حياته فيبطل وصيته بها ولكنا نقول : المنفعة تحتمل التمليك ببدل وبغير بدل في حال الحياة فيجعل التمليك بعد الموت أيضا ، وهذا ; لأن الموصي تبقى العين على ملكه حتى يجعله مشغولا بتصرفه موقوفا على حاجته ، فإنما يحدث المنفعة على ملكه ، فإذا ثبت هذا في المنفعة فكذلك في الغلة ; لأنها بدل المنفعة والوصية بخلاف الميراث فالإرث لا يجري في الخدمة بدون الرقبة ; لأن الوراثة خلافة وتفسيره أن يقوم الوارث مقام المورث فيما كان ملكا للمورث ، وهذا لا يتصور إلا فيما يبقى وقتين والمنفعة لا تبقى وقتين ، فأما الوصية إيجاب ملك بالعقد بمنزلة الإجارة والإعارة فيما أبقى . فإن أوصى بخدمة عبده سنة [ ص: 182 ] وليس له مال غيره ، فإن العبد يخدم الورثة يومين والموصى له يوما حتى يستكمل الموصى له سنة ; لأن الوصية لا تنفذ في أكثر من الثلث ، وفي زمان الخدمة تكون يد الورثة مقصورة عن العبد فلا يمكن قصر يدهم عن جميع المال بسبب الوصية والعبد لا يحتمل القسمة في نفسه فتكون القسمة بطريق المهايأة في الخدمة وحق الورثة في سهمين وحق الموصى له في سهم فيخدمهم يومين والموصى له يوما حتى يستكمل الموصى له سنة وصارت الوصية بالخدمة ما لم يستوف الموصى له كمال حقه بمنزلة الوصية بالرقبة . ![]()
__________________
|
|
#558
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد السابع والعشرون صـــ182 الى صـــ 191 (557) ولو أوصى بسكنى دار سنة لا مال له غيرها ، فإنه يسكن ثلثها سنة ويسكن الورثة الثلثين ; لأن الدار يمكن قسمتها بالأجزاء ، وهذا النوع من القسمة أقرب إلى المعادلة ; لأن كل واحد منهما يستوفي نصيبه من السكنى في الوقت الذي يستوفيه صاحبه بخلاف ما إذا تهايآ عن الزمان ، فإن هناك يسبق أحدهما بالاستيفاء فلا يصار إليه إلا عند تعذر قسمة السكنى بالأجزاء ولكن ليس للورثة أن يبيعوا ما في أيديهم من ثلثي الدار إلا في رواية عن أبي يوسف يقول إن ذلك حقهم على الخلوص فينفذ بيعهم فيه ولكنا نقول حق الموصى له بالسكنى ثابت في سكنى جميعها بدليل أنه لو ظهر للميت مال آخر تخرج الدار من ثلثه كان هو أحق بسكنى جميعها ، ولو خرب ما في يده من الدار كان له أن يزاحم الورثة فيما في أيديهم ، وفي البيع إبطال حقه فكانوا ممنوعين من ذلك . ولو أوصى له بغلة عبده سنة وليس له مال غيره كان له ثلث غلته تلك السنة ; لأن الغلة عين مال محتمل القسمة ، فإنما تنفذ الوصية في مقدار الثلث من الغلة في سنة واحدة بخلاف الخدمة ، فإنها لا تحتمل القسمة بالأجزاء فللموصى له أن يستوفي الخدمة بطريق المهايأة إلى أن يكون ما يستوفيه خدمة سنة كاملة كما أوصى لزيد ، وكذلك إن أوصى له به ، وكذلك إن أوصى له بغلة داره ، فهذا وغلة العبد سواء ; لأن الغلة في الموضعين جميعا تحتمل القسمة فلا يسلم للموصى له إلا ثلث الغلة في سنة واحدة ، وإن أراد الموصى له قسمة الدار بينه وبين الورثة ليكون هو الذي يستغل ثلثها لم يكن له ذلك إلا في رواية عن أبي يوسف ، فإنه يقول الموصي بمنزلة الشريك فيما يجب تنفيذ الوصية فيه فكما أن للشريك أن يطالب بالقسمة ليكون هو الذي يستغل نصيبه فكذلك الموصى له بالغلة هاهنا ولكنا نقول القسمة تبنى على ثبوت حق الموصى له فيما تلاقيه القسمة ولا حق له في عين الدار إنما حقه في الغلة وقسمة الدار لا تكون قسمة للغلة فلا يكون له أن يطالب بها وليس للموصى له بسكنى الدار وخدمة العبد أن يؤاجرهما عندنا . وقال الشافعي [ ص: 183 ] له ذلك ; لأن تمليك المنفعة بعقد مضاف إلى ما بعد الموت كتمليك المنفعة في حال الحياة ، ولو تملك المنفعة بالاستئجار في حال الحياة ملك الإجارة من غيره فكذلك إذا تملك المنفعة بالوصية بعد الموت ، وهذا لأن المنفعة معتبرة بالعين والعين سواء تملكها ببدل أو بغير بدل تملك الاعتياض عنه مع غيره فكذلك المنفعة بخلاف المستعير ، فإنه لا يتملك المنفعة عندي ولكن الإعارة في حكم الإباحة ولهذا قلت : المستعير لا يعير من غيره والدليل على الفرق أن الإعارة لا يتعلق بها اللزوم والوصية بالمنفعة يتعلق بها اللزوم كالوصية بالعين وحجتنا في ذلك أن الموصى له بملك المنفعة يتعلق بها اللزوم كالوصية بالعين وحجتنا في ذلك أن الموصى له ملك المنفعة بغير عوض فلا يملك تمليكها من الغير بعوض كالمستعير ، وهذا لأن المستعير مالك للمنفعة ، فإن التمليك في حال الحياة أقرب إلى الجواز منه بعد الموت ، وإذا كانت المنفعة تحتمل التمليك بعد الموت بغير عوض فلأن تحتمل ذلك في حال الحياة أولى . وتصح بلفظ التمليك حتى لو قال ملكتك منفعة هذه الدار كانت عارية صحيحة ، وإنما لا يتعلق بهذا اللفظ اللزوم لكونها متعرية عن البدل ، وكذلك الوصية إلا أن غير الموصي لا يتمكن من الرجوع بعد موت الموصي ، والموصي مات فلا يتصور رجوعه فيه ، وهذا لأن المنفعة ليست بمال ، وفي تمليكها بمال إحداث معنى المالية فيها ، فإنما تثبت هذه الولاية فيها لمن يملكها تبعا لملك الرقبة أو لمن يملكها بعقد المعاوضة حتى يكون مملكا لها بالصفة التي تملكها ، فأما إذا تملكها مقصودة بغير عوض ، ثم ملكها بعوض كان مملكا أكثر مما يملك معنى . وليس له أن يخرج العبد من الكوفة إلا أن يكون الموصى له وأهله في غير الكوفة فيخرجه إلى أهله للخدمة هنالك إذا كان يخرج من الثلث ; لأن الوصية تنفذ على ما يعرف من مقصود الموصي ، فإذا كان الموصي وأهله في موضع آخر عرفنا أن المقصود له أن يحمل العبد إلى أهله ليخدمهم ، وإذا كانوا في بصرة فمقصوده إلى تمكنه من خدمة العبد من غير أن يلزمه مشقة السفر فلا يكون له أن يخرجه من بلدته ، وقد بينا هذه المسألة في كتاب الصلح وما فيها من اختلاف الروايات . ولو أوصى له بخدمة عبده وللآخر برقبته ، وهو يخرج من الثلث فالرقبة لصاحب الرقبة والخدمة كلها لصاحب الخدمة ; لأنه أوجب لكل واحد منهما شيئا معلوما وما أوجبه لكل واحد منهما يحتمل الوصية بانفراده فبعطف إحدى الوصيتين على الأخرى لا يتحقق بينهما مشاركة فيما أوجبه لكل واحد منهما ، ثم لما صحت الوصية لصاحب الخدمة فلو لم يوص في الرقبة بشيء لصارت الرقبة ميراثا للورثة مع كون الخدمة للموصى له فكذلك إذا أوصى بالرقبة [ ص: 184 ] لإنسان آخر ; لأن الوصية قياس الميراث من حيث إن الملك يثبت بها بعد الموت . ( ألا ترى ) أنه لو أوصى بأمة لرجل وبما في بطنها لآخر ، وهو يخرج من الثلث كان ذلك كما أوصى ولا شيء لصاحب الأمة في الولد . ولو أوصى لرجل بخاتم ولآخر بفصه كان كما أوصى ولا شيء لصاحب الخاتم من الفص ، ولو قال هذه القوصرة لفلان وما فيها من الثمرة لفلان كان كما أوصى ، فأما إذا فصل أحد الإيجابين عن الآخر في هذه المسألة فعلى قول أبي يوسف الجواب كذلك ، وعلى قول محمد تكون الأمة للموصى له بها والولد بينهما نصفان ، وكذلك الخاتم والفص والقوصرة والثمر . وجه قول أبي يوسف أن بإيجابه في الكلام الثاني يبين أن مراده من الكلام الأول إيجاب الأمة للموصى له بها دون الولد ، وهذا البيان منه صحيح ، وإن كان مفصولا ; لأن الوصية لا تلزمه شيئا في حال فيكون حالة البيان الموصول فيه والمفصول سواء كما في الوصية بالرقبة والخدمة ، فإن هناك المفصول والموصول سواء في الحكم ومحمد يقول اسم الخاتم يتناول الحلقة والفص جميعا فاسم الجارية يتناولها وما في بطنها ، وفي القوصرة كذلك ، ومن أصلنا أن العام موجبه ثبوت الحكم في كل ما يتناوله على سبيل الإحاطة بمنزلة الخاص فاجتمع في الفص الوصية لكل واحد منهما بإيجاب على حدة فيجعل الفص بينهما نصفين ولا يكون إيجاب الوصية للثاني فيه دليل الرجوع عن الأول كما لو أوصى بالخاتم للثاني بخلاف الخدمة مع الرقبة فاسم الرقبة لا يتناول الخدمة ولكن الموصى له بالرقبة إنما يستخدمها ; لأن المنفعة تحدث على ملكه ولا حق للغير فيه ، فإذا أوجب الخدمة لغيره لا يبقى للموصى له بالرقبة حق بخلاف ما إذا كان الكلام موصولا ; لأن ذلك بمنزلة دليل التخصيص أو الاستثناء فتبين أنه أوجب لصاحب الخاتم الحلقة خاصة دون الفص ، فإذا جنى العبد الموصى له بخدمته ورقبته جناية فالفداء على صاحب الخدمة ; لأن فيما هو المقصود بالعبد ، وهو الاستخدام هو المختص به كالمالك وبالفداء تسلم الخدمة له ولا يسلم لصاحب الرقبة شيء في الحال ، فإذا فداه خدمه على حاله ; لأنه طهره عن الجناية . وإن مات صاحب الخدمة انتقضت الوصية ; لأن الحق للموصى له في الخدمة لا يحتمل التوريث ; لأنها لا تبقى وقتين فلا يتصور أن يكون مملوكه للمورث ، ثم للوارث فتبطل الوصية بموته عندنا خلافا للشافعي ، فإنه يرى توريث المنفعة ، وقد بينا هذا في الإجارات ، ثم يقال لصاحب الرقبة أد إلى ورثته ذلك الفداء ; لأنه ظهر أن صاحب الرقبة هو المنتفع بذلك الفداء ، فإن خدمة العبد تسليم له ، وقد كان الموصى له مضطرا إلى ذلك الفداء فلا يكون متبرعا فيه ، فإن أبى أن يرد الفداء [ ص: 185 ] على ورثته بيع فيه العبد وكان بمنزلة الدين في عتقه ; لأنه إنما جنى العبد بذلك الفداء ، ولولاه لكانت نفسه مستحقة بالجناية ، وإذا أبى صاحب الخدمة في أول الأمر أن يفدي لم يجز على ذلك ; لأنه لا يملك شيئا من الرقبة ، وقد رضي ببطلان حقه في الخدمة حين أبى أن يفدي ويقال لصاحب الرقبة ادفعه أو افده فأيهما صنع بطلت وصية صاحب الخدمة ; لأنه إن دفعه ، فقد فات محل وصيته ، وإن فداه ، فإنما يفديه بما أسلم له من خدمته والموصى له حين أبى أن يفديه ، فقد رضي بصيرورة العبد مستهلكا فيما لحقه من الجناية والغرم ، ولو قتل رجل العبد خطأ ولم يجن العبد فعلى عاقلة القاتل قيمته يشتري بها عند عدم صاحب الخدمة ; لأن القيمة قائمة مقام الرقبة ، وقد كانت الرقبة للموصى له بها مشغولة له بحق الموصى له بالخدمة فيها فكذلك ما يقوم مقامها ولا يقال حق الموصى له بالخدمة في المنفعة والمنفعة لا تتقوم بالإتلاف ; لأن الوصية بالخدمة ، وإن تعلقت بالمنفعة فالاستحقاق بها يتعدى إلى العين . ولهذا يعتبر خروج العين من الثلث والقيمة بدل العين فيشتري بها ما يقوم مقام العين الأولى ويثبت فيه حق صاحب الخدمة كما كان ثابتا في الأولى ، وإن كان القتل عمدا فلا قصاص فيه إلا أن يجتمع على ذلك صاحب الرقبة وصاحب الخدمة أما صاحب الرقبة فلأنه هو المالك للعبد وولاية استيفاء القصاص تثبت بملك الرقبة ، وأما صاحب الخدمة فلأن في استيفاء القصاص إبطال حقه في الخدمة ، وهو حق لازم له فلا يجوز إبطاله بغير رضاه ، فإن اختلفا فيه تعذر استيفاء القصاص فوجب قيمته في مال القاتل يشتري بها عبدا فيخدمه مكانه ; لأن في استيفاء المال مراعاة الحقين ، ولو فقأ رجل عينيه أو قطع يده دفع العبد وأخذت قيمته صحيحا ; لأن هذه الجناية استهلاك له حكما فيعتبر باستهلاكه حقيقة فيوجب قيمته صحيحا من الجاني بعد تسليم الجثة إليه ويشتري بها عبدا مكانه ، ولو قطعت يده أو فقئت عينه أو شج موضحة فأدى القاتل أرش ذلك ، فإن كانت الجناية تنقص الخدمة اشترى بالأرش عبدا آخر يخدم صاحب الخدمة مع العبد الأول ; لأن الأرش بدل الفائت بالجناية ، وقد كان حق الموصى له بالخدمة ثابتا في ذلك الجزء ولما كان فواته ينقص الخدمة فيثبت في بدله أيضا أو يباع العبد فيضم ثمنه أيضا إلى ذلك الأرش ويشتري بهما عبدا ليكون قائما مقام الأول ولكن هذا إذا اتفقا عليه ، فإن اختلفا في ذلك لم يبع العبد ; لأن رقبته لأحدهما وخدمته للآخر فلا يجوز بيعه إلا برضاهما ولكن يشتري بالأرش عبدا يخدمه معه . فإن لم يوجد بالأرش عبد وقف الأرش حتى يصطلحا عليه ، فإن اصطلحا [ ص: 186 ] على أن يقتسماه نصفين أجزت ذلك بينهما ; لأن الحق لا يعدوهما ، فإذا تراضيا فيه على شيء كان لهما ذلك ولا يكون ما يستوفيه الموصى له بالخدمة من نصف الأرش بدلا عن نقصان الخدمة ; لأنه لا يملك إلا الاعتياض عن الخدمة ولكن يكون إسقاطا لحقه ذلك بالمال الذي يستوفيه بمنزلة ما لو كان العبد قائما على حاله فصالح الموصى له بالرقبة على مال يستوفيه منه ليسلم العبد إليه ، فإن كانت الجناية لا تنقص الخدمة فالأرش لصاحب الرقبة ; لأنه بدل جزء فات من ملكه وظهر أنه لم يكن لصاحب الخدمة حق في ذلك الجزء حين لم تنتقص الخدمة بفواته وكل مال وهب للعبد أو تصدق به عليه أو اكتسبه فهو لصاحب الرقبة ; لأن الكسب يملك بملك الرقبة ، وهو المختص بملك الرقبة ، ولو كان مكان العبد أمة كان ما ولدت من ولد لصاحب الرقبة ; لأنه تولد من عينها وعينها ملك صاحب الرقبة ونفقة العبد وكسوته على صاحب الخدمة ; لأنه إنما يتمكن من استخدامه إذا أنفق عليه ، فإن العبد لا يقوى على الخدمة إلا بذلك ، وهو أحق بخدمته فيلزمه نفقته كالمستعير ، فإنه ينفق على المستعار وينتفع به ، وإن أبى أن ينفق رده على صاحبه فيلزمه نفقته ، فهذا كذلك أيضا . فإن كان أوصى بخدمة عبد صغير وبرقبته لآخر ، وهو يخرج من الثلث فنفقته على صاحب الرقبة حتى يدرك الخدمة ، فإذا خدم صارت نفقته على صاحب الخدمة ; لأن بالنفقة عليه في حالة الصغر تنمو العين والمنفعة في ذلك لصاحب الرقبة ، وإذا صار بحيث يخدم فهو بالنفقة يتقوى على الخدمة والمنفعة في ذلك لصاحب الخدمة فلهذا كانت النفقة عليه ، ثم نفقة المملوك على المالك باعتبار الأصل إلا أن يصير معدا لانتفاع الغير به فحينئذ تكون النفقة على المنتفع كالمولى إذا زوج أمته ولم يبوئها بيتا كانت نفقتها على المولى ، فإن بوأها مع الزوج بيتا كانت نفقتها على الزوج ، ولو أوصى بدابة لرجل وبظهرها ، ومنفعتها لآخر كانت مثل العبد سواء لاستوائهما في المعنى . وإذا كان لرجل ثلاثة أعبد فأوصى برقبة أحدهم لرجل وبخدمة آخر لرجل آخر ولا مال له غيرهم وقيمة الموصى بخدمته خمسمائة درهم وقيمة الموصى برقبته ثلثمائة وقيمة الباقي ألف فالثلث بينهما على ثمانية أسهم خمسة لصاحب الخدمة في خدمة العبد الموصى بخدمته فيكون له من خدمته ثلاثة أيام وللورثة يوم ويكون للآخر من رقبة عبده مائتان وخمسة وعشرون ; لأن الوصية بالخدمة في الاعتبار من الثلث والمضاربة بها بمنزلة الوصية بالرقبة وجملة المال ألف وثمانمائة فوصية كل واحد منهما كانت بأقل من الثلث فيضرب كل واحد منهما بجميع وصيته وقيمة العبد الموصى بخدمته خمسمائة درهم فيضرب [ ص: 187 ] صاحبها في الثلث بذلك وصاحب الرقبة بثلث ماله ، فإذا جعلت كل مائة سهما كان الثلث بينهما على ثمانية ، ثم ثلث المال بقدر ثلاثة أرباع الوصيتين ; لأن ثلث المال ستمائة ومبلغ الوصيتين ثمانمائة ويقدر لكل واحد منهما ثلاثة أرباع وصيته في الحال فيجتمع في العبد الموصى بخدمته حق الورثة وحق الموصى له بخدمته حقه في ثلاثة أرباعه وحق الورثة في الربع فلهذا قال يخدم الموصى له بخدمته ثلاثة أيام والورثة يوما ولصاحب الرقبة ثلاثة أرباع رقبة عبده وذلك مائتان وخمسة وعشرون ، فإذا مات صاحب الخدمة استكمل صاحب الرقبة عبده كله ; لأن الوصية بالخدمة قد بطلت وجميع العبد للآخر خارج من الثلث وزيادة . وكذلك إن مات العبد الذي كان يخدم ; لأن بموته بطلت الوصية بالخدمة وصار الميت كأن لم يكن فيبقى السالم للورثة عند التساوي ألف درهم فيمكن تنفيذ الوصية في عبد يساوي ثلثمائة درهم ; لأن ذلك دون الثلث ، ولو كانت قيمة العبد سواء كان لصاحب الخدمة نصف خدمة العبد ولصاحب الرقبة نصف رقبة الآخر ; لأن حقهما في الثلث سواء والثلث بقدر رقبة واحدة فينفذ لكل واحد منهما الوصية في نصف الثلث مما أوصى له ، ولو أوصى بالعبيد كلهم لصاحب الرقبة وبخدمة أحدهم لصاحب الخدمة لم يضرب صاحب الرقاب إلا بقيمة واحد منهم ويضرب الآخر بقيمة الآخر فيكون هذا كالباب الذي قبله ، وهو قول أبي حنيفة بناء على أن الوصية بالعين فيما زاد على الثلث عند عدم الإجازة من الورثة تبطل ضربا واستحقاقا ، ولو كانوا يخرجون من الثلث كان لصاحب الرقبة ما أوصى له به من الرقاب ولصاحب الخدمة ما أوصى له به لاتساع محل الوصية ، ويجتمع في العبد الواحد الوصية برقبته وبخدمته ، فإذا مات صاحب الخدمة رجع ذلك إلى صاحب الرقبة . ولو لم يكن له مال غيرهم فأوصى بثلث كل عبد منهم لفلان وأوصى بخدمة أحدهم بعينه لفلان ، فإنه يقسم الثلث بينهما على خمسة لصاحب الخدمة ثلاثة أخماس الثلث في خدمة ذلك العبد وللآخر خمسا الثلث في العبدين الباقيين في كل واحد منهم خمس رقبة ; لأن حق الموصى له بالخدمة في العبد الموصى بخدمته تقدم على حق الآخر . ( ألا ترى ) أنه لو كان العبد واحدا فأوصى بخدمته لرجل وبرقبته لآخر لا تثبت المزاحمة لصاحب الرقبة مع صاحب الخدمة فيه فكذلك هاهنا الموصى له بثلث كل عبد لا يزاحم الموصى له بالخدمة في الثلث بشيء من وصيته في هذا العبد ، وإنما يزاحمه وصيته في العبدين الآخرين ، وقد أوصى له بثلث كل واحد منهما ، فإذا جعلنا كل ثلث سهما كان حقه في سهمين وحق الموصى له بالخدمة في ثلاثة [ ص: 188 ] فلهذا كان الثلث بينهم على خمسة والثلث بقدر رقبة واحدة فللموصى له بالخدمة ثلاثة أخماس ذلك كله في العبد الموصى بخدمته واجتمع فيه حقه وحق الورثة وذلك في خمسة فلهذا كانت المهايأة في الخدمة على خمسة أيام يخدم الورثة يومين والموصى له ثلاثة أيام ويكون للآخر خمسا الثلث في العبدين الباقيين فيسلم له من كل واحد منهما خمس الرقبة ، ولو كان أوصى بثلث ماله لصاحب الرقاب وبخدمة أحدهم بعينه لصاحب الخدمة ولا مال له غيرهم قسم الثلث بينهما نصفين ; لأن الموصى له بثلث مال يزاحم الموصى له بالخدمة في الثلث بوصيته في العبد الموصى بخدمته . ( ألا ترى ) أنه لو كان العبد واحدا فأوصى بخدمته لإنسان وبثلث ماله لآخر تثبت المزاحمة بينهما في العبد بوصيتهما ، وهذا لأن الخدمة تتناولها الوصية بثلث المال كما تتناول الرقبة ; لأن ذلك من ماله بخلاف الأول ، فإن الوصية بالرقبة لا تتناول الخدمة بحال ; لأن الخدمة غير الرقبة . إذا ثبت هذا فنقول حقهم في الثلث على السواء فيقسم الثلث بينهما نصفين فما أصاب صاحب الخدمة فهو في العبد الموصى بخدمته وذلك نصفه وما أصاب صاحب الثلث ، وهو نصف العبد كان له والعبيد الثلاثة في كل عبد ثلث ذلك الثلث فيكون دون الخدمة في العبد الموصى بخدمته في كل ستة أيام يخدم الموصى له بالخدمة ثلاثة والورثة يومين والموصى له بالثلث يوما حتى يموت صاحب الخدمة ، فإذا مات بطلت وصيته فزالت مزاحمته فيكون الموصى له بثلث المال جميع وصيته ، وهو ثلث كل عبد من العبيد الثلاثة . وإذا أوصى بخدمة عبده لرجل وبغلته لآخر ، وهو يخرج من الثلث ، فإنه يخدم صاحب الخدمة شهرا ويغل على صاحب الغلة شهرا لاستواء حقهما فيه إلا أنه في الخدمة جعل المناوبة بالأيام لتيسر ذلك ، وفي الاستغلال جعل النوبة بالشهور ; لأن استغلال العبد لا يكون عادة فيما دون الشهر ويتعذر استغلاله في كل نوبة إذا جعلت بالأيام ، وفي كل شهر طعامه على من له منفعته ; لأن الغرم مقابل بالغنم وبالنفقة يتوصل إلى الخدمة والعمل وكسوته عليهما نصفان لاستواء حقهما فيه وتعذر تجديد الكسوة في كل نوبة ، وإن جنى العبد جناية قيل لهما افدياه ; لأن تمليكهما من استيفاء حقهما يكون بالفداء ، فإن أبيا ففداه الوارث بطلت وصيتهما ; لأنهما حين أبيا الفداء ، فقد رضيا بدفعه وصار في حكم المستهلك في حقهما بمنزلة ما لو دفع بجنايته . ولو أوصى لرجل من غلة عبده كل شهر بدرهم وللآخر بثلث ماله ولا مال له غير العبد فثلث العبد بينهما نصفان في قول أبي حنيفة ; لأن الوصية بغلة العبد كالوصية برقبته في الاعتبار من الثلث فالموصى له بالغلة موصى له بجميع [ ص: 189 ] المال ، ومن أصل أبي حنيفة أن الوصية بما زاد على الثلث عند عدم الإجازة تبطل في حق الضرب فلهذا قال : الثلث بينهما نصفان فما أصاب صاحب الثلث فهو له وما أصاب صاحب الغلة استغل بحسب غلته وينفق عليه منها ، كل شهر درهم كما لو أوصى ، وإنما يحبس جميع تلك الغلة لجواز أن يمرض أو يتعطل فلا يعمل في بعض الشهور ويحتاج إلى الإنفاق عليه مما هو محبوس لحقه ، فإن مات ، وقد بقي منها شيء رد على صاحب الثلث ويرجع عليه أيضا مما يحبس على صاحب الغلة من رقبة العبد ; لأن وصيته بطلت بموته ، فإن حقه في بدل المنفعة وهي الغلة ، وقد بينا أن وارثه لا يخلفه فيما له من الحق في المنفعة فكذلك في بدلها ، وهذا ; لأنه لم يصر مملوكا له ولكن ثبت له حق يستحق أن لو بقي حيا ومثل هذا لا يورث ، وإذا بطلت وصيته وزالت مزاحمته سلم جميع الثلث لصاحب الثلث والمحبوس من الغلة بدل منفعة جزء من الثلث فيكون للموصى له بالثلث . ولو أوصى لرجل بغلة داره ولا مال له غيرها فاحتاجت الورثة إلى سكناها قسمت الدار أثلاثا ويكون للورثة ثلثاها واستغل ثلثها صاحب الغلة ; لأن الدار تحتمل القسمة وثلثاها خالص حق الورثة فيجب تمكينهم من صرف نصيبهم إلى حاجتهم ، وهو السكنى ، وإنما يكون ذلك بالقسمة . ولو أوصى لرجل بغلة داره ولآخر بعبد ولآخر بثوب ، فإن ثلث مال الميت يقسم بينهم يضرب فيه كل واحد بما سمي له فما أصاب صاحب الدار كان له غلة ذلك ; لأن الموصى أوجبه له فيصير إليه إلى أن يموت صاحب الغلة فحينئذ تبطل وصيته ويقسم الثلث بينهم وبين من بقي من أهل الوصية لزوال مزاحمته إلا أن هاهنا إن كان حصل من الغلة شيء قبل موته فهو لورثته ; لأنه صار مالكا لما حصل من الغلة حتى يتمكن من استيفائها في الحال ، وهو عين فيخلفه وارثه فيها . ولو أوصى بغلة داره وعبده في المساكين جاز ولا يجوز ذلك في السكنى والخدمة إلا لإنسان معلوم ; لأن الغلة عين مال يتصدق به ، وهذا وصية بالتصدق على المساكين ، فأما السكنى والخدمة لا يتصدق بهما بل تعار العين لأجلهما والإعارة لا تكون إلا من إنسان معلوم ، ثم المساكين محتاجون إلى ما يسد خلتهم ويحصل ذلك لهم بالغلة وقل ما يحتاجون إلى الخدمة والسكنى ، وقبل ينبغي أن يجوزا على قياس من يجيز الوقف ، فإن هذا في معنى وقف على المساكين . ومن أوصى بظهر دابته لإنسان معلوم يركبها في حاجته ما عاش فهو جائز ; لأنه وصية بالإعارة منه ، ولو أوصى بظهرها للمساكين أو في سبيل الله - تعالى - كان باطلا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ، وقال محمد هو جائز ، وهذا لأن من أصل أبي حنيفة أن [ ص: 190 ] الوقف لا يتعلق به اللزوم ، وأن وقف المنقول لا يجوز ، وإن كان مضافا إلى ما بعد الموت ، وهو قول أبي يوسف ، فأما عند محمد وقف المنقول جائز فيما هو متعارف بين ذلك في السير الكبير وروى فيه أن ابن عمر رضي الله عنه مات عن ثلثمائة فرس ونيف ومائتي بعير مكتوب على أفخاذها حبس لله - تعالى - فجوز ذلك استحسانا ، ولو لم يوص به لإنسان بعينه وهما أبطلا ذلك إلا أن يوصي به لإنسان بعينه فيجوز حينئذ لحاجته . ولو قال في صحته غلة داري هذه أو عبدي هذا صدقة في المساكين ، فإن ردت بعد موتي فهي وصية من ثلثي تباع ويتصدق بثمنها جاز ذلك ; لأنا قد بينا أن ابن أبي ليلى لا يجوز الوصية بالغلة أصلا فلا يأمن الموصي من أن يرفع ورثته إلى قاض يعتقد قوله فيبطل وصيته فيحرز عن ذلك بما ذكر من الوصية الثانية وعلقها برد الأولى والوصية تحتمل التعليق ، وهذا التعليق فيه فائدة إبقاء الأولى ; لأن الورثة لا يحتالون في إبطال الأولى إذا علموا أنهم لا يستفيدون بذلك شيئا ، ثم المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز ، فإذا ردت الأولى وجب تنفيذ الوصية الثانية فيباع إذا كان يخرج من ثلثه ويتصدق بثمنه . ولو أوصى بداره أو بأرضه فجعلها حبسا على الآخر والآخر من ورثته لا يباع أبطلت ذلك وجعلتها ميراثا للحديث : { لا حبس عن فرائض الله - تعالى - } ، ولأن هذا في معنى الوصية للوارث ولأنه إن جعل في معنى الوقف فالوقف على بعض ورثته بعد موته لا يجوز والتأييد من شرط الوقف ولم يوجد ذلك . ولو أوصى بغلة داره لإنسان وبسكناها لآخر وبرقبتها لآخر وهي الثلث فهدمها رجل بعد موت الموصي غرم قيمة ما هدم من بنائها وتبنى مساكن كما كانت فتؤجر ويأخذ غلتها صاحب الغلة ويسكنها الآخر ; لأن حقه كان تعلق بالبناء الأول فيحول إلى البدل ، وهو القيمة وطريق إبقاء حقهما منه أن تبنى مساكن كما كانت ليكون الثاني قائما مقام الأول ، وكذلك البستان إذا أوصى بغلته فقطع رجل نخله أو شجره والحاصل أن الوصية بغلة البستان تتناول الثمار بغلة الدار والعبد يتناول الأجرة ، وكذلك بغلة الأرض تتناول الأجرة والحصة من الخارج إذا وقعت مزارعة وبغلة الأمة يتناول الأجرة دون الولد حتى إنها لو ولدت لا يكون الولد للموصى له بالغلة ، وأن ما تولد من عينها كالثمار ولكن يستحق بمطلق الاسم ما يطلق عليه اسم الغلة في كل شيء عادة واسم الغلة يطلق على الثمار ولا يطلق على أولادها . ولو أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بغلة داره وقيمة الدار ألف وله ألفان سوى ذلك فلصاحب الغلة نصف غلة الدار ; لأنه موصى له بالثلث معنى كالموصى له الآخر بالثلث بينهما [ ص: 191 ] نصفان نصفه لصاحب الغلة كله في الدار فلهذا كان له نصف غلة الدار ولصاحب الثلث نصف الثلث فيما بقي من المال والدار ، إن شئت قلت خمس ذلك في الدار وأربعة أخماسه في المال ; لأنه شريك الورثة فيقاسم الورثة بحسب المال والمال المقسوم بينه وبين الورثة نصف الدار وقيمته خمسمائة وألفان ، فإذا جعلت كل خمسمائة سهما كانت أخماسا ، وإن شئت قلت ثلثا ذلك في المال وثلثه في الدار ; لأن مزاحمة الموصى له بالغلة قد انعدمت في نصف الدار وحق الموصى له بالثلث في ثلث الدار بدليل أنه لولا وصية الآخر لكان يسلم له ثلث الدار ، فإذا فرغ من حق الآخر مقدار حقه وزيادة أخذ جميع حصته من الدار ، وهو الثلث مما يستوفيه ، فإذا مات صاحب الغلة فلصاحب الثلث ثلث الدار والمال ; لأن وصية صاحب الغلة قد بطلت ، فإن استحقت الدار بطلت وصية صاحب الغلة ; لأنها كانت وصية بالعين فلا تبقى بعد استحقاق العين ، وإن لم تستحق ولكنها انهدمت قيل لصاحب الغلة ابن نصيبك منها ويبني صاحب الثلث نصيبه والورثة نصيبهم ليتمكن كل واحد منهم من الامتناع بنصيبهم وأيهم أبى أن يبني لم يجبر على ذلك ولم يمنع الآخر من أن يبني ما يصيبه من ذلك ويؤاجره ويسكنه ; لأن الآبي منهما قصد الإضرار بنفسه وبغيره وله أن يلزم الضرر في حق نفسه وليس له أن يلزم الضرر غيره . ولو أوصى لرجل بسكنى داره أو بغلتها فادعاها رجل وأقام البينة أنها له فشهد الموصى له بالغلة أو السكنى أنه أقر أنها للميت لم تجز شهادته ; لأنه يجر إلى نفسه بذلك نفعا ، وهو أنه يمهد محل حقه ، وكذلك لو شهد للميت بدين أو بمال أو بقتل خطأ فشهادته باطلة ; لأنه له في مال الميت نصيبا ، وهو متهم في هذه الشهادة ، فإن مال الميت كلما كثر كان خيرا له ، وفي وصيته . ( ألا ترى ) أنه لو ظهر على الميت دين كان يقضى من المشهود به ويسلم له وصيته فلهذا لا تقبل شهادته . والله أعلم بالصواب . ![]()
__________________
|
|
#559
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثامن والعشرون صـــ2 الى صـــ 11 (558) [ ص: 2 ] قال رحمه الله ) وإذا أوصى لرجل بغلة بستانه ولآخر برقبته ، وهو ثلث ماله فالرقبة لصاحب الرقبة والغلة لصاحب الغلة ما بقي ; لأن الوصية بالغلة في البستان كالوصية بالخدمة في العبد والسكنى في الدار وقد بينا هناك أن يقدم حق صاحب الخدمة والسكنى على حق صاحب الرقبة وإن لكل واحد منهما ما أوصى له به فهذا مثله وكذلك إن قال : ثمرته لفلان ، ثم مات ولا ثمرة فيه فالحاصل أن الوصية بالغلة تنصرف إلى الموجود ، وإلى ما يحدث سواء قال : أبدا أو لم يقل ; لأن اسم الغلة حقيقة للموجود والحادث جميعا فأما الثمرة اسم للموجود حقيقة ولم يتناول الحادث إلا مجازا فإذا أوصى له بثمرة بستانه ولم يقل أبدا ، فإن كان في البستان ثمرة حين يموت الموصي فإنما يستحق الموصى له تلك الثمرة ولا حق له فيما يحدث بعد ذلك ; لأن اللفظ إذا صار مستعملا في حقيقته ينتفي المجاز عنه ، وإذا لم يكن في البستان ثمرة عند موت الموصي فلم يستعمل اللفظ في حقيقته فيجب استعماله في المجاز ، ويكون له ما يحدث من الثمار ما عاش بمنزلة الغلة ، فإن كان قال : أبدا فله الموجود والحادث أبدا جميعا في الفصلين ; لأنه في التنصيص على التأبيد عم الإيجاب الحادث والموجود والسقي والخراج ، وما يصلحه وعلاج ما يصلحه على صاحب الغلة ; لأنه هو المنتفع بالبستان . ولو أوصى له بصوف غنمه أو بألبانها أو بسمنها أو بأولادها أبدا لم يجز إلا ما على ظهورها من الصوف ، وما في ضروعها من اللبن ومن السمن الذي في اللبن الذي في الضرع ومن الولد الذي في البطن يوم يموت الموصي وما حدث بعد ذلك فلا وصية له فيه ، وهذا والغلة والثمرة في القياس سواء ، ولكني أدعي القياس فيه ، واستحسن ذلك قيل مراده إن القياس في الثمرة والغلة أن لا يستحق إلا الموجود فيه [ ص: 3 ] عند موته كما في الأولاد ; لأنه إنما يملك بالوصية ما هو مملوك للموصي والعين الحادث بعد موته لا تكون مملوكة له فلا يستحقها الموصى له ، ولكنه استحسن فقال : الثمار التي تحدث يجوز أن تستحق بإيجابه بعقد من العقود كالمعاوضة على قول من يجيزها فكذلك يجوز استحقاقها بالوصية عند التنصيص على التأبيد ; لأن الوصية أوسع العقود جوازا بخلاف ما في البطن ، فإن مما يحدث ما ليس بموجود في الحال لا يجوز استحقاقه بشيء من العقود ، والوصية نوع من العقود ، وقيل بل مراده أن القياس في مسألة الصوف واللبن والولد أن يستحق الموجود والحادث عند التنصيص على التأبيد ; لأن المحل الذي يحدث منه هذه الزوائد يجعل مبقى على ملك الميت حكما لاشتغاله بوصيته والوصية فيما يحدث منها تصير كالمضاف إلى حالة الحدوث فيصح ذلك كما في الثمار ، ولكنه استحسن فقال : ما في بطون الحيوان ليس وسع البشر إيجاد ما ليس بموجود منه فلا يصح إيجابه للغير بشيء من المعقود بخلاف الثمار فإن لصنع العباد تأثيرا في إيجاده ; ولهذا جاز عقد المعاوضة ، وهو شركة في الخارج فيصح إيجاب الوصية فيما يحدث منه عند التنصيص على التأبيد والدليل على الفرق أنه لو أوصى بيد عبده لإنسان أو لرجل حياته لا تصح الوصية . ولو أوصى بقوائم الخلاف أو سعف النخل صحت الوصية فكان الفرق هذا أن سعف النخل ، وإن كان وصفا للنخل فإنه يحتمل التمليك ببعض العقود بخلاف أطراف الحيوان فإذا ظهر هذا الفرق فيما هو موجود منهما فكذلك فيما يحدث ، وكذلك لو أوصى له بولد جاريته أبدا فإنه لا يستحق إلا الموجود في البطن عند موته حتى إذا ولدت لأقل من ستة أشهر بعد موته فهو له من الثلث ، وإذا ولدته لأكثر من ستة أشهر لم يكن للموصى له فيه حق ولا فيما بعده ; لأنه لا يتيقن بوجوده عند الموت وفي الوصية بالثمرة إذا استحق الحادث ، ثم مات الموصى له ، فإن مات قبل أن تحدث الثمرة بطلت وصيته ; لأن الثابت له حق الاستحقاق وذلك لا يورث عنه . وإن كان موته بعد ما أثمر البستان فتلك الثمرة لورثته ; لأن تلك العين صارت مملوكة له فيخلفه وارثه فيها ( ألا ترى ) أنه لو كان باعه في حياته وأخذ ثمنه جاز بيعه ، وكان الثمن لورثته بعد موته ، وإذا أوصى بغلة نخله أبدا لرجل ولآخر برقبتها ولم يدرك ولم تحمل فالنفقة في سقيها والقيام عليها على صاحب الرقبة ; لأن بهذه النفقة ينمو ملكه ولا ينتفع صاحب الغلة بذلك فليس عليه شيء من هذه النفقة فإذا أثمرت فالنفقة على صاحب الغلة ; لأن منفعة ذلك ترجع إليه فإن الثمرة به تحصل ، فإن حملت عاما ، ثم أحالت فلم تحمل شيئا فالنفقة على صاحب الغلة ; لأن منفعة ذلك [ ص: 4 ] لصاحب الغلة فالأشجار التي من عادتها أن تحمل في سنة ولا تحمل في سنة يكون ثمارها في السنة التي تحمل فيها وجود وأكثر منها إذا كانت تحمل في كل عام ، وهو نظير نفقة الموصى بخدمته فإنه على الموصى له بالخدمة بالليل والنهار جميعا ، وإن كان هو ينام بالليل ولا يخدم ; لأنه إذا استراح بالنوم بالليل كان أقوى على الخدمة بالنهار ، فإن لم يفعل وأنفق صاحب الرقبة عليها حتى تحمل فإنه يستوفي نفقته من ذلك ; لأنه كان محتاجا إلى الإنفاق لكي لا يتلف ملكه فلا يكون متبرعا فيه ، لكنه يستوفي النفقة من الثمار وما يبقى من ذلك فهو لصاحب الغلة . ولو أوصى لرجل بثلث غلة بستانه أبدا ولا مال له غيره فقاسمهم البستان فأغل أحد النصيبين ولم يغل الآخر فإنهم يشتركون فيما خرج من الغلة ; لأن القسمة في ذلك باطلة فإن الموصى له بالغلة لا يملك شيئا من رقبة البستان والقسمة لتمييز ملك أحدهما من ملك الآخر ، وذلك لا يتحقق هاهنا فتبطل القسمة ، وما حصل من الغلة يكون مشتركا بينهم بالحصة ، وللورثة أن يبيعوا ثلثي البستان ; لأنه لا حق للموصى له بثلث الغلة في ثلثي البستان ، فإذا نفذ بيعهم قام المشتري مقامهم فيكون شريك صاحب الغلة . ولو أوصى بغلة بستانه الذي فيه لرجل وأوصى بغلته أبدا له أيضا ، ثم مات الموصي ولا مال له غيره وفي البستان غلة تساوي مائة والبستان يساوي ثلثمائة فللموصى له ثلث الغلة التي فيه وثلث ما يخرج من الغلة فيما يستقبل أبدا ; لأن الوصية تنفذ من الثلث وطريق تنفيذها من الثلث هو أن يعطي ثلث الغلة الموجودة وثلثاها للورثة ، ثم يصير كأنه أوصى له بغلته ، وليس فيه غلة فيكون له ثلث ما يحدث من الغلة أبدا . ولو أوصى بعشرين درهما من غلته كل سنة لرجل فأغل سنة قليلا وسنة كثيرا فله ثلث الغلة كل سنة يحبس وينفق عليه كل سنة من ذلك عشرون درهما ما عاش هكذا أوجبه الموصي ، وربما لا تحصل الغلة في بعض السنين ; فلهذا يحبس ثلث الغلة على حقه ، وكذا لو أوصى بأن ينفق عليه خمسة دراهم كل شهر من ماله فإنه يحبس جميع الثلث لينفق عليه منه كل شهر خمسة كما أوجبه الموصي ، وعن أبي يوسف أنه قال : يحبس مقدار ما ينفق عليه في مدة يتوهم أن يعيش إليها في العادة فأما ما زاد على ذلك فلا يشتغل بحبسه ; لأن الظاهر أنه يموت قبل ذلك ، وشرط استحقاقه بقاؤه حيا فإنما يثبت هذا الشرط بطريق الظاهر لما تعذر الوقوف على حقيقته فأما في ظاهر الرواية قال : يتوهم أن تطول حياته إلى أن ينفق عليه جميع الثلث أو يهلك بعض الثلث قبل أن ينفق فيحتاج إلى ما بقي منه للإنفاق عليه ; فلهذا يحبس جميع الثلث ، ويستوي إن أمر بأن ينفق عليه في كل شهر منه [ ص: 5 ] درهما أو عشرة دراهم . ولو أوصى أن ينفق عليه كل شهر أربعة من ماله ، وعلى آخر كل شهر خمسة من غلة البستان ، ولا مال له غير البستان فثلث البستان بينهما نصفان لاستواء حقهما فيه . ( ألا ترى ) أن كل واحد منهما لو انفرد استحق جميع الثلث بوصيته ، ثم يباع سدس غلة البستان لكل واحد منهما فيتوقف ثمنه على يد الموصي أو على يد ثقة إن لم يكن له وصي وينفق على كل واحد منهما من نصيبه ما سمي له في كل شهر ، فإن ماتا جميعا ، وقد بقي من ذلك شيء رد على ورثة الموصي لبطلان وصيته بالموت ، وكذلك لو قال : ينفق على فلان أربعة وعلى فلان وفلان خمسة حبس السدس على المنفرد والسدس الآخر على المجموعين في النفقة ; لأنهما كشخص واحد فيما أوجب لهما . ولو أوصى بغلة بستانه لرجل وبنصف غلته لآخر ، وهو جميع ماله قسم ثلث الغلة بينهما نصفين عند أبي حنيفة في كل سنة ; لأن وصية كل واحد منهما فيما زاد على الثلث تبطل ضربا واستحقاقا ، فإن كان البستان يخرج من ثلثه كان لصاحب الجميع ثلاثة أرباع غلته كل سنة وللآخر ربعها ، القسمة على طريق المنازعة كما هو مذهبه وعندهما القسمة على طريق العول ، فإن لم يكن له مال سواه فثلثه بينهما أثلاثا ، وإن كان يخرج من ثلثه فالكل بينهما أثلاثا على أن يضرب صاحب الجميع بالجميع والآخر بالنصف . ولو أوصى لرجل بغلة بستانه وقيمته ألف ، ولآخر بغلة عبده وقيمته خمسمائة وله سوى ذلك ثلثمائة فالثلث بينهما على أحد عشر سهما في قول أبي حنيفة ; لأن جميع ماله ألف وثمانمائة فثلثه ستمائة والموصى له بغلة البستان تبطل وصيته فيما زاد على الثلث ضربا واستحقاقا فإنما يضرب هو بستمائة والآخر بخمسمائة وقيمة العبد فإذا جعلت كل مائة سهما كان الثلث على أحد عشر سهما بينهما لصاحب العبد خمسة أسهم في العبد ولصاحب البستان ستة في غلته . ولو أوصى لرجل بغلة أرضه وليس فيها نخل ولا شجر ولا مال له غيرها فإنها تؤاجر فيكون له ثلث الغلة ، وإن كان فيه شجر أعطي ثلث ما يخرج منها ; لأنه يستحق بمطلق التسمية في كل موضع ما يتناوله الاسم عرفا ، وإذا أوصى أن تؤاجر أرضه من رجل سنين مسماة كل سنة بكذا ولا مال له غيرها ، فإن كان سمى أجرة مثلها جاز له . وإن كان أقل منه حسب ذلك من الثلث ; لأن المحاباة في الأجرة بمنزلة المحاباة في الثمن فيكون من ثلثه ، وهذا ; لأن المنفعة تأخذ حكم المالية بالعقد بدليل أنه لو أجر أرضه ولم يسم الأجر كان له أجر مثل ما استوفى المستأجر من المنفعة كما في البيع إذا لم يذكر الثمن . ولو أوصى لرجل بغلة أرضه ولآخر برقبتها ، وهي تخرج من [ ص: 6 ] الثلث فباعها صاحب - الرقبة وسلم صاحب الغلة البيع جاز وبطلت وصيته ولا حق له في الثمن ; لأن الملك لصاحب الرقبة وحق صاحب الغلة في المنفعة فإجازته البيع تكون إبطالا لحقه في المنفعة ويسلم الثمن لصاحب الرقبة كما لو باع الآخر العين المستأجرة ورضي به المستأجر . ولو أوصى له بغلة بستانه فأغل البستان سنين قبل موت الموصي ، ثم مات الموصي لم يكن للموصى له من تلك الغلة شيء إلا ما يكون في البستان حين يموت أو يحدث بعد ذلك ; لأن وجوب الوصية بالموت ، وإنما يضاف إلى البستان من الغلة عند الموت ما يكون موجودا فيه أو ما يحدث بعد ذلك ، فإن اشترى الموصى له البستان من الورثة بعد موته جاز الشراء ، وبطلت وصيته كما لو باعوه من غيره برضاه وكذلك لو أعطوه شيئا على أن للقن من الغلة فكذلك جائز ; لأنه أسقط حقه بما استوفى منهم من العوض . ولو أسقط حقه بغير عوض جاز فذلك بالعوض وكذلك في سكنى الدار وخدمة العبد إذا صالحوه منه على شيء معلوم فهو جائز ; لأنه أسقط حقه بعوض ، وإسقاط الحق عن المنفعة يجوز بالعوض وغير العوض ، وإن كان لا يحتمل التمليك بعوض إذا ملكه أو بغير عوض على ما سبق بيانه والله أعلم . ( قال رحمه الله ) وإذا أوصى بعتق عبده بعد موته أو قال : أعتقوه أو قال : هو حر بعد موتي بيوم وأوصى لإنسان بألف درهم تحاصا في الثلث ، وليس هذا من العتق الذي يبدأ به ، وإنما يبدأ به إذا قال : هو حر بعد موتي عنهما أو أعتقه في مرضه ألبتة أو قال : إن حدث لي حدث من مرضى هذا فهو حر فهذا يبدأ به قبل الوصية ، وكذلك كل عتق يقع بعد الموت بغير وقت ، فإنه يبدأ به قبل الوصية بلغنا عن ابن عمر وإبراهيم قالا : إذا كان وصية وعتق فإنه يبدأ بالعتق ، وكان المعنى فيه أن العتق الذي يقع بنفس الموت سببه يلزمه في حالة الحياة على وجه لا يحتمل الرجوع عنه بخلاف الوصية بالعتق فإنه يحتمل الرجوع عنه ، ولكن هذا لا يستقيم في قوله إن حدث لي حدث من مرضي هذا ، فإن هذا يحتمل الفسخ ببيع الرقبة . ولو قال هو حر بعد موتي بيوم فإن سببه لا يحتمل الفسخ بالرجوع عنه ومع ذلك لا يكون مقدما على سائر الوصايا ، ولكن الحرف الصحيح أن يقول : ما يكون منفذا عقيب الموت من غير حاجة إلى التنفيذ فهو في المعنى أسبق مما يحتاج إلى تنفيذه بعد الموت ; لأن هذا بنفس [ ص: 7 ] الموت يتم والآخر لا يتم إلا بتنفيذ من الموصى بعد موت الموصي والترجيح يقع بالسبق يوضحه أن العتق المنفذ بعد الموت مستحق استحقاق الديون ، فإن صاحب الحق ينفرد باستيفاء دينه إذا ظفر بحبس حقه ، وههنا يصير مستوفيا حقه بنفس الموت ، والدين مقدم على الوصية فالعتق الذي هو في معنى الدين يقدم أيضا فأما ما يحتاج إلى تنفيذه بعد الموت ، فهو ليس في معنى الدين فيكون بمنزلة سائر الوصايا . ولو أعتق أمته في مرضه فولدت بعد العتق قبل أن يموت الرجل أو بعد ما مات لم يدخل ولدها في الوصية ; لأنها ولدت ، وهي حرة ، وهذا التعليل مستقيم على أصلهما ; لأن المستسعاة عندهما حرة عليها دين ، والعتق في المرض نافذ عندهما كسائر التصرفات ، وكذلك عند أبي حنيفة إن كانت تخرج من ثلثه ، وإن كان الثلث أكثر من قيمتها فعليها السعاية فيما زاد على الثلث وتكون بمنزلة المكاتبة ما دامت تسعى وحق الغرماء والورثة لا يثبت في ولد المكاتبة ; لأن الثلث والثلثين لا يعتبر من رقبتها إنما يعتبر من بدل الكتابة فلا يثبت حق المولى في ولدها حتى يعتبر خروج الولد من الثلث ، فإن ماتت قبل أن تؤدي ما عليها من السعاية كان على ولدها أن يسعى فيما على أمه في قياس قول أبي حنيفة بمنزلة ولد المكاتبة وعندهما لا شيء على الولد ; لأنه حر فلا يلزمه السعاية في دين أمه بعد موتها . ولو دبر عبدا له قال : إن حدث لي حدث من مرضي هذا فأنت حر ، ثم مات من مرضه تحاصا في الثلث ; لأنهما استويا في معنى الاستحقاق بعد الموت على معنى أن كل واحد منهما في مرض موته فيتحاصان في الثلث . ولو أوصى لعبده بدراهم مسماة أو بشيء من ماله مسمى لم تجز كما لو وهب له في حال حياته ، وهذا ; لأن الكسب يملك الرقبة ففي حياته الملك له في الموصى به ، والموصى له بعد موته الملك لورثته في جميع ذلك فهذه الوصية لا تفيد شيئا ، والعقود الشرعية لا تنعقد خالية عن فائدة . قال : ولو أوصى له ببعض رقبته عتق ذلك المقدار ، وسعى في الباقي في قول أبي حنيفة بمنزلة ما لو وهب له بعض رقبته في حياته ; لأن العتق عند أبي حنيفة يتجزأ . ولو أوصى له برقبته كلها عتق من الثلث وكذلك لو وهب له رقبته أو تصدق بها عليه في مرضه عتق من الثلث . ولو أوصى له بثلث ماله جاز ; لأن هذه الوصية تتناول ثلث رقبته فإن رقبته من ماله فيعتق ذلك القدر منه بالموت ويصير عندهما حرا ، وعند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب فتصح الوصية له بالمال فإذا بقي له من الثلث شيء أكمل له ذلك من رقبته ، وأعطي ما فضل على ذلك إن كان في المال ، وإن كان في قيمته فضل على الثلث سعى فيه للورثة بعد موته [ ص: 8 ] ولو أوصى بعبده لرجل ، ثم أوصى بذلك العبد أن يعتق أو يدبر فهذا رجوع عن الوصية الأولى ; لأن بين الوصيتين في محل واحد منافاة يعني التمليك والعتق بعد موته فالإقدام على الثانية منه دليل الرجوع عن الأولى ; ولأنه صرفه بالوصية الثانية إلى حاجته واستثنى ولاء لنفسه . ولو صرفه إلى حاجته في حياته كان به راجعا عن الوصية الأولى أرأيت لو لم يكن راجعا فأعتق الوصي نصفه عن الميت كان يضمن للموصى له النصف الباقي من تركة الميت أو يستسعى الغلام فيه أو يكون شريكا في الغلام هذا كله مستبعد قال . ولو أوصى بعبده لرجل ، ثم أوصى أن يباع من آخر بثمن سمي حط عنه الثلث ، ولا مال له غيره فللموصى له بالبيع أن يشتري خمسة أسداس العبد بثلثي قيمته إن شاء أو يدع ; لأن الوصية بالمحاباة بمنزلة سائر الوصايا ، وقد استوت الوصيتان من حيث استغراق كل واحد منهما الثلث بينهما نصفان لصاحب البيع نصفه ، وهو السدس وللآخر نصف الثلث ، وهو سدس الرقبة ، ولا يقال : ينبغي أن يباع جميع العبد من الموصى له بالبيع بخمسة أسداس قيمته ; لأن الوصية بالرقبة وصية بالعين فلا يمكن تنفيذها من محل آخر بسوى العين ، وإن أبى الموصى له بالبيع أن يشتريها كان للموصى له بالعين ثلث الرقبة ; لأن الوصية بالمحاباة كانت في ضمن البيع ، وقد بطلت الوصية بالبيع حين ردها الموصى له فيسلم الثلث للموصي من ذلك له بالرقبة . ولو أوصى بعتقه ، ثم أوصى له أن يباع ، وعلى عكس هذا قال آخر بالآخر ; لأن هاتين الوصيتين لا يجتمعان في محل واحد والثانية منهما دليل الرجوع عن الأولى فهو كالتصريح بالرجوع ، وإذا أوصى بعبده أن يباع ولم يزد أو أوصى بأن يباع بقيمته ، فهو باطل ; لأنه ليس في هذه الوصية معنى القربة فيجب تنفيذها بحق الموصي ولا حق فيها للعبد أيضا ; لأن صفة المملوكية فيه لا تختلف بالبيع إنما يتغير النسبة من حيث إنه ينسب إلى المشتري بالملك بعد ما كان منسوبا إلى البائع ، ولا يمكن تنفيذها لحق الموصى له ، وهو المشتري ; لأنه مجهول جهالة نسبة . ولو أوصى أن يباع نسيئة صحت الوصية بنسبة البيع للعتق بأن يحسن العبد خدمة مولاه فيرغب في إعتاقه ، ولا يتمكن من ذلك لغلة ماله فيبيعه نسيئة ، ويحط من ثمنه ممن يعتقه ليحصل به ما هو مقصود ، وهو تخليص العبد عن ذل الرق ، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه { فك الرقبة وأعتق النسمة } الحديث في تنفيذ هذه الوصية حق الموصي وحق العبد فيجب تنفيذها لذلك ، ثم يباع كما أوصى ، ويحط من ثمنه مقدار الثلث إن لم يجد من يزيدهم على ذلك ، ولأن معدن الوصية الثلث وفي تنفيذ هذه الوصية حق الموصي فيجب [ ص: 9 ] تنفيذها من معدن هو خالص حقه ، وهو الثلث ولو أوصى أن يباع من رجل بعينه ولم يسم ثمنا فإنه يباع منه بقيمته لا ينقص منه شيء ; لأن تنفيذ هذه الوصية لحق المشتري ، وهو معلوم ، وإنما أوصى له بالعين بعوض يعد له فكان تنفيذ هذه الوصية ببيعه منه بمثل القيمة ، فإن شاء أخذ ، وإن شاء ترك . ولو أوصى بأن يعتق عبده وأبى العبد أن يقبل ذلك فإنه يعتق من الثلث ; لأن تنفيذ هذه الوصية لحق الموصي فإنه استثنى ولاءه لنفسه . ولو أوجب العتق له لم يرتد برده مراعاة لحق المولى في الولاء فكذلك إذا أوصى بعتقه . ولو أوصى بعتق عبده وأوصى بأن يباع عبد آخر من فلان بكذا وحط من قيمته مقدار الثلث فالثلث بينهما نصفان ; لأنهما استويا في القوة من حيث إن كل واحد منهما يحتمل الرجوع عنه ويحتال إلى تنفيذه بعد الموت ، فإن كان أعتق العبد بنفسه فأبى عتقه ، ثم باع العبد الآخر ، وحط عنه الثلث من جميع المال قيل للمشتري يحط عنك نصف الثلث وأد ما بقي إن شئت ويسعى المعتق في نصف قيمته ، وإن بدأ بالبيع ، ثم أعتق سلمت المحاباة للمشتري ، وعلى العبد السعاية في قيمته ، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله فإنه يقول : إذا بدأ بالمحاباة ، ثم بالعتق تقدم المحاباة ، وإذا بدأ بالعتق تحاصا ، وإن كانتا محاباتين أو عتقين تحاصا ، وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يبدأ بالعتق في الوجوه كلها ، ولا يحط شيء من القيمة عن المشتري إلا أن يفضل شيء من الثلث ، وفي قول زفر رحمه الله إن ما بدأ به منهما يبدأ به ; لأن لكل واحد منهما نوع قوة وقوة المحاباة من حيث إن سببه تجارة ، وهو غير محجور عن التجارة بسبب المرض وقوة العتق من حيث إنه لا يحتمل الفسخ بعد وقوعه فلما استويا في القوة يبدأ بما بدأ به منهما بمنزلة واجبين أو تطوعين وأبو يوسف ومحمد قالا : المحاباة بمنزلة الهبة حتى لا تصح ممن لا تصح منه الهبة كالأب والوصي ، والعتق مقدم على الهبة ، وإن أجره فكذلك المحاباة . وهذا لأن المحاباة إما أن تكون تمليك العين بغير عوض أو إسقاطا للعوض ، فإن كان إسقاطا فهو كالإبراء عن الدين ، وإن كان تمليكا فهو كالهبة والعتق مقدم على كل واحد منهما ; لأن المعنى الذي لأجله قدمنا العتق على الهبة أن الاستحقاق به يثبت بنفسه وأنه لا يحتمل الفسخ بعد وقوعه بخلاف الهبة ، وهذا المعنى موجود في المحاباة ; لأنه يحتمل الفسخ كالهبة يوضحه أن الوصية بالمحاباة ثابتة بطريق البيع ; ولهذا لو فسخ البيع لا تبقى الوصية بالمحاباة ، وما يكون مقصودا بنفسه ، فهو أقوى مما يكون ثابتا تبعا وأبو حنيفة يقول : المحاباة أقوى سببا من العتق ; لأن بسبب المحاباة التجارة فإن البيع بالمحاباة عقد تجارة حتى يجب للشفيع [ ص: 10 ] الشفعة في الكل والشفعة تخصيص بالمعاوضات دون التبرعات ; ولهذا قلت إن البيع بالمحاباة يصح من العبد المأذون ، والصبي المأذون وبالمرض لا يلحقه الحجر عن التجارة ، فأما العتق تبرع محض وبالمرض يصير محجورا عن التبرعات فمن هذا الوجه المحاباة أقوى ، ومن حيث الحكم العتق أقوى ; لأنه لا يحتمل الفسخ غير أن السبب يسبق الحكم ; لأن الحكم يثبت بالسبب فلهذا بدأ بالمحاباة قلنا يبدأ بها لبداية الموصي ولقوة السبب فإذا بدأ بالعتق فالعتق يقدم سببه على المحاباة حسا وسبب المحاباة أقوى حكما فيقع التعارض بينهما في قوة السبب فقلنا بأنهما يتحاصان ، وإنما يبدأ بما بدأ به الموصي إذا كانا لمستحق واحد . فأما إذا كانا لمستحقين فلا كما لو أوصى بثلثه لإنسان ، ثم أوصى بثلثه لآخر ولا يستدل عليهم إلا بما قالوا إن الوصية بالمحاباة بيع فإن ما يثبت ضمنا للشيء يعتبر حكمه بذلك الشيء كالبيع الذي يثبت ضمنا للعتق يجعل بمنزلة العتق حتى لا يتوقف على القبول ، وهذا لما ثبت ضمنا للتجارة يجعل بمنزلة التجارة ، وإنما لا يحتمل العتق الفسخ لفوات المحل فإن المسقط يكون مثلا شيئا ، وتعذر الفسخ عند فوات المحل ثابت في البيع والهبة أيضا يوضح ما قلنا إن المحاباة تستحق استحقاق الديون ; لأن استحقاقها بعقد ضمان فمن هذا الوجه هي كالديون ، ومن حيث إنه لا يقابله بدل مقصود كان بمنزلة التبرع فيوفر حظه عليهما فلشبهه بالتبرع يعتبر من الثلث ولشبهه بالديون يكون مقدما على ما هو تبرع محض إذا حصلت البداية بها ، فإن بدأ بالبيع ، وحابى بالثلث ، ثم أعتق عبدا ، وهو الثلث ، ثم باع وحابى بالثلث فللبائع الأول نصف الثلث ونصف الثلث بين المعتق والمشتري الآخر ; لأنه لا مزاحمة للعتق مع المحاباة الأولى فيجعل في حقها كالمعدوم ، ويقسم الثلث بين المحاباتين نصفين ، ثم النصف الذي يصيب المشتري الآخر يزاحمه فيه المعتق ; لأن المعتق مقدم عليه ، وإنما كان المعتق محجورا لحق صاحب المحاباة الأولى ، وقد خرج الوسط حين استوفى حقه ففيما بقي يعتبر حق صاحب العتق وصاحب المحاباة الأخرى ; فلهذا كان الباقي بينهما نصفين . قال ، وإذا اشترى الرجل ابنه في مرضه بألف درهم ، وذلك قيمته وله ألف درهم سوى ذلك ، فإنه ابنه يعتق ولا سعاية عليه ويرثه في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد : يسعى في جميع قيمته ويقاص بها من ميراثه ; لأن العتق في المرض وصية ولا وصية لوارث والابن وارث هاهنا بالاتفاق فيلزمه رد رقبته لبطلان الوصية له وقد تعذر رده فيلزمه السعاية في قيمته ، وهو بناء على أصلهما أن المستسعى حر عليه دين فبوجوب السعاية عليه لا يخرج من أن يكون وارثا وأبو حنيفة يقول : [ ص: 11 ] لو أوجبنا عليه السعاية في قيمته كان مكاتبا ; لأن المستسعى في بدل رقبته عنده مكاتب ، والمكاتب لا يرث فيجب تنفيذ الوصية له ، وإذا أنفذنا الوصية له ، وأسقطنا عنه السعاية صار وارثا لا يزال يدور هكذا ، وقطع الدور واجب فيجمع له بين الميراث والوصية لضرورة الدور ; لأن ثبوت الوصية للوارث أسهل من إبطال ميراثه . ( ألا ترى ) أن الميراث لا يرتد برد أحد فإنه واجب بإيجاب الله تعالى والوصية للوارث تصح عند إجازة الورثة ; فلهذه الضرورة جمعنا له بين الوصية والميراث ، وهو نظير جواز تنفيذ الوصية فيما زاد على الثلث لضرورة الدور ، وقد بينا ذلك في كتاب الهبة أنه قد تنفذ الهبة في ثلث المال لضرورة الدور ، والوصية للوارث بمنزلة الوصية للأجنبي بما زاد على الثلث . ولو اشترى ابنه بألف درهم وقيمته خمسمائة ، وأعتق عبدا له آخر يساوي خمسمائة ، ولا مال له غيرهما ففي قول أبي حنيفة المحاباة تقدم ; لأنه بدأ بها ، وقد استغرقت الثلث فيجب على كل واحد من العبدين السعاية في قيمته ولا يرث الابن شيئا لما عليه من السعاية وعندهما العتق مقدم إلا أن الابن وارث فلا وصية له ، ولكن يعتق العبد الآخر محاباة ، ويسعى الابن في قيمته ويطالب البائع بالرد فبما زاد على قيمته من الثمن فيكون ميراثا بينهم على فرائض الله تعالى . ولو كان قيمة الابن ألفا فاشتراه بألف وأعتق عبدا آخر يساوي ألفا على قول أبي حنيفة يتحاصان في الثلث ويسعى الابن فيما زاد على حصته ولا ميراث له ; لأنه مستسعى في بعض قيمته فلا يكون وارثا وعند أبي يوسف ومحمد الابن وارث فعليه أن يسعى في جميع قيمته ويقاص بها من ميراثه قال : وإذا أعتق الرجل أمته ، ثم تزوجها وهو مريض ، ثم دخل بها وقيمتها ألف درهم ومهر مثلها مائة ، فإن كانت قيمتها ومهر مثلها لا يخرج من الثلث جعلت لها الميراث والمهر وأجزت النكاح . وإن كانت قيمتها ومهر مثلها لا يخرج من الثلث دفع لها مهر مثلها والثلث مما بقي بعد المهر ، ثم سعت فيما بقي من قيمتها ولا ميراث لها ، وهذا قول أبي حنيفة وقد طعن عيسى رحمه الله في اشتراطه خروج القيمة ومهر المثل من الثلث قال : كيف يستقيم هذا والمهر دين يعتبر من جميع المال والقيمة وصية تعتبر من الثلث ، ولكن يقول : مراده من ذلك خروج القيمة من الثلث بعد دفع مهر المثل من المال ; لأن مهر المثل دين فيعتبر فيبدأ به ، ثم إذا كانت القيمة تخرج من ثلث ما بقي فقد عرفنا نفوذ العتق وصحة النكاح وثبوت الميراث لها ، ولكن يجمع على أصله لها بين الميراث والوصية لضرورة الدور . وإن كانت قيمتها ومهر مثلها لا يخرج من الثلث فقد علمنا بوجوب السعاية عليها في بعض قيمتها ، وإنها كالمكاتبة ، والمولى إذا [ ص: 12 ] تزوج مكاتبته لا يصح النكاح ، ولكنه لما دخل بها يلزمه مهر مثلها للشبهة فيأخذ مهر مثلها أولا ، ثم لها الثلث مما بقي بطريق الوصية ويسعى فيما بقي من قيمتها ، وفي قول أبي يوسف ومحمد النكاح جائز على كل حال ; لأن المستسعاة عندهما حرة عليها دين فيكون لها مهر مثلها والميراث ، وعليها السعاية في قيمتها ; لأنها حين ورثت لم يكن لها وصية فيحاسب بالقيمة التي عليها من مهرها وميراثها ; لأنه لا فائدة في قبض ذلك منها حين وجب ردها عليها ، فإن بقي شيء أداه إلى الورثة ، وإن كان زادها شيئا على مهر مثلها بطلت الزيادة ; لأنها وارثة له . ولو أعتق أمته وقيمتها ألف ، ثم استدان منها مائة درهم ، ثم تزوجها ، ثم مات ولم يدخل بها ، وترك ألفين سوى ذلك عندهما هذا والأول سواء والنكاح جائز ، وترث ولها مهرها لانتهاء النكاح بالموت ولها دينها الذي استدان منها لكونه ببينة معاينة وعليها السعاية في قيمتها ; لأنها لا وصية لها وعند أبي حنيفة النكاح باطل ; لأنها تستوفي دينها من المال ، ثم لها ثلث ما بقي بطريق الوصية ، وقيمتها ومهر مثلها يزيد على الثلث ; فلذلك بطل النكاح . ![]()
__________________
|
|
#560
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثامن والعشرون صـــ12 الى صـــ 21 (559) ولو أعتقها ، وليس له مال غيرها ، ثم تزوجها فاستدان منها مائتي درهم فأنفقها على نفسه ، وذلك في مرضه ، ثم مات فالنكاح باطل في قول أبي حنيفة ولا ميراث لها ولا مهر إذا لم يكن دخل بها وعليها السعاية في ثلث ما بقي بعد الدين . ولو أعتقها في مرضه ، ثم تزوجها وليس له مال غيرها ، ثم اكتسب مالا تخرج هي ومهرها من ثلثه فإن النكاح جائز ولها المهر والميراث ولا سعاية عليها ; لأن المعتبر عند الموت ، فإن وجوبه الوصية يكون عند موته ، وعند ذلك رقبتها تخرج من الثلث بعد المهر فلا تسعى في شيء وتبين أن النكاح كان صحيحا بينهما بالموت فلها المهر والميراث ، ويجمع لها بين الميراث والوصية لضرورة الدور ، وإذا أشهد الرجل على وصيته في كتاب شهودا ولم يقرأها عليهم ولم يكتبها بين أيديهم فإن ذلك لا يجوز ; لأنهم لم يعرفوا ما في الكتاب والشهادة على ما قال في الكتاب لا على الكتاب وبدون علم الشاهد المشهود به لا يصح الإشهاد ، وإن قرأها عليهم فقالوا نشهد عليك بذلك فحرك رأسه بنعم ولم ينطق فهذا باطل ; لأنهم لم يسمعوا إقراره وتحريك الرأس من الناطق لا يكون إقرارا إذ هو محتمل في نفسه يجوز أن يكون لاستبعاد الشيء ، ويجوز أن يكون للرضى به ، وإن كتبها بين أيديهم ، وقال : اشهدوا أنها وصية أو قرأها عليهم ، فقال : اشهدوا أن هذا وصية فهو جائز ; لأنهم سمعوا إقراره وعلموا بما كتبه بين أيديهم أو قرأه عليهم ، وكذلك لو قالوا : نشهد أن هذه وصيتك قال : نعم فهو جائز ; لأنه أخرج كلامه مخرج الجواب فيصير ما تقدم [ ص: 13 ] كالمعاد فيه قال تعالى { فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم } ، وإذا شهد الشاهدان أنه أعتق أحد عبديه في وصيته وقالا : سماه لنا فنسيناه لم تجز شهادتهم ; لأنهم لما أثبتوا الشهادة ، وقد أقروا على أنفسهم بالغفلة وبأنهم ضيعوا الشهادة ، وإن شهدوا أنه أعتق أحد عبيده الأربعة بغير عينه فهذا والأول سواء في القياس ، ولكني أستحسن هذا وأجيزه فيعتق من كل واحد منهم ربعه إن كانت قيمتهم سواء ويسعى كل واحد في ثلاثة أرباع قيمته وقد تقدم بيان هذا في العتاق . فإن كانت قيمتهم مختلفة أخذ أقلهم قيمة وأكثرهم قيمة فجمعنا قيمتهما ، ثم أخذنا نصف ذلك وقسمناه بينهم على قدر قيمتهم حتى إذا كان قيمة أحدهم ألفا وقيمة الثاني ألفين وقيمة الثالث ثلاثة آلاف وقيمة الرابع أربعة آلاف ، فإنه يجمع بين أقلهم قيمة وأكثره قيمة ، وذلك خمسة آلاف ، ثم يؤخذ نصف ذلك ، وهو ألفان وخمسمائة فيضرب أحدهم فيه بألف ، والآخر بألفين والآخر بثلاثة آلاف والآخر بأربعة آلاف فإذا جعلت كل ألف سهما بلغت السهام عشرة فللأول عشر ألفين وخمسمائة ، وذلك مائتان وخمسون ربع قيمته ، وللثاني عشران ، وذلك خمسمائة ربع قيمته وللثالث ثلاثة أعشار ، وذلك سبعمائة وخمسون ربع قيمته ، فإن قيمته ثلاثة آلاف وللآخر أربعة أعشار ، وهو ألف درهم ربع قيمته ، فإن كان له عبدان فشهد الشاهدان أنه قال : هذا حر ، وهذا فإنه يعتق من كل واحد منهما ثلثه إن لم يكن له مال غيرهما ، فإن كان له مال غيرهما يخرج من ثلثه عتق من كل واحد منهما نصفه وليس للورثة أن يعتقوا أحدهما ويمسكوا الآخر ; لأن العتق بالموت يشيع فيهما ، وإنما ينفذ من ثلث ماله . ولو شهدوا أنه قال لفلان : عبدي هذا أو عبدي هذا للآخر وصية وهما يخرجان من الثلث كان للورثة أن يعطوه أيهما شاءوا ; لأن المستحق واحد ، وهو الموصى له ، والأقل متيقن به فللورثة أن لا يعطوه الزيادة على ذلك بخلاف العتق ، وهناك العتق شاع فيهما بالموت ; لأن المستحق مختلف وليس أحدهما بالتقديم بأولى من الآخر . ولو شهدوا أنه أعتق عبده هذا ، وهو يخرج من الثلث ، ثم شهد آخران من الورثة أنه أعتق عبدا آخر سواه فشهادتهما جائزة ، ويتحاصان في الثلث ; لأنه لا تهمة في شهادة الورثة ، فإن فيه إبطال ملكهم عن العبد وتأخير حقهم إلى خروج السعاية فكانوا في هذه الشهادة كالأجانب ، وقد ثبت حق كل واحد منهما بمثل ما ثبت به حق الآخر فيتحاصان في الثلث . ولو شهد الأجنبيان أنه أوصى لفلان بالثلث وأجازه القاضي ، ثم شهد الوارثان أنه أعتق عبده هذا في مرضه ، وهو الثلث جاز إعتاقه من الثلث وبطلت الوصية بالثلث ; لأن [ ص: 14 ] ثبوتهما بالبينة كثبوتهما بالمعاينة والعتق المنفذ في الثلث مقدم على سائر الوصايا ، وذكر في الزيادات أن شهادة الوارثين لا تقبل هاهنا ; لأن الموصى له بالثلث استحق الثلث عليهما بقضاء القاضي فهما بهذه الشهادة يبطلان استحقاقه ، وما قضى به القاضي عليهما بهذه الشهادة فلا يقبل ، ولكن يعتق العبد لإقرارهما بفساد رقه ، وعليه السعاية في قيمته ; لأن العتق في المرض نفذ من الثلث وقد بينا أن الثلث كله مستحق للموصى له بقضاء القاضي . ولو شهد الأجنبيان أنه أوصى أن يعتق عبده سالم ، وهو الثلث وشهدا وارثان أنه رجع عن ذلك ، وأوصى بعتق عبده زياد ، وهو الثلث جازت شهادتهما ; لأنه لا منفعة في هذه الشهادة للورثة إذ لا فرق في حقهم بين أن يكون الأول هو المستحق للثلث عليهم أو الآخر ; ولأنهما يشهدان للآخر على الأول فهو بمنزلة ما لو أوصى لرجل بالثلث فشهد وارثان أنه قد رجع عنه ، وجعله عنه وجعله لهذا الآخر أو أنه أشركه معه فيه . ولو كانت قيمة العبد الثاني أقل من الثلث أجزت شهادتهما للآخر فأعتقه ، ولا أصدقهما على الفصل الذي في الأول ; لأنهما بشهادتهما على الرجوع عن وصيته يجران إلى أنفسهما منفعة ولا تقبل شهادتهما على ذلك ، ولكن يثبت عتق الآخر بشهادتهما ; لأن أحد الحكمين ينفصل عن الآخر ولا تهمة في هذا فينفذ العتق للعبدين من الثلث بالحصص ولو شهد شاهدان أنه أعتق عبديه هذين في مرضه وقيمة أحدهما ألف وقيمة الآخر خمسمائة ، ولا مال له غيرهما فالثلث بينهما أثلاثا ; لأن الوصية لكل واحد منهما بالبراءة عن السعاية فيضرب بجميع ما أوصى له به في الثلث ، وإن كان أكثر من الثلث . ولو كان أوصى بأحدهما لرجل ، وبالآخر لآخر فكذلك عند أبي يوسف ومحمد الجواب ، وعند أبي حنيفة الثلث بينهما نصفان ; لأن الموصى له بالعين تبطل وصيته فيما زاد على الثلث عند عدم الإجازة ضربا واستحقاقا ، وإذا قال الرجل : في مرضه لعبد له ومدبر أحدكما حر ، ثم مات ولا مال له غيرهما وقيمتهما سواء فللمدبر ثلثا الثلث ، وللآخر ثلثه ; لأن قوله أحدكما حر يتخيرا العتق ، وهو معتبر في حق المدبر لحاجته إلى ذلك فيجب له حرية رقبته ويشيع فيهما بالموت قبل البيان فكان القن موصى له بنصف رقبته والمدبر موصى له بجميع رقبته لا يزاد على ذلك شيء بما أصابه من العتق في المرض ; لأن العتق في المرض وصية كالتدبير فيضرب المدبر في الثلث بجميع رقبته والقن بنصف رقبته فكان الثلث بينهما أثلاثا . ولو كان قال في الصحة سعى المدبر في سدس قيمته ، والآخر في نصف قيمته ; لأن العتق في الصحة من جميع المال ، فإذا فات البيان بالموت عتق من كل واحد منهما نصفه من جميع المال [ ص: 15 ] وإنما مال الميت رقبة واحدة ، والمدبر موصى له بالنصف الباقي من رقبته فتنفذ وصيته من الثلث فيسلم له بالعتق البات نصف الرقبة وبالتدبير ثلث الرقبة ويسعى في سدس القيمة وإنما يسلم للقن نصف رقبته بالعتق البات فيسعى في قيمته . ولو شهد شاهدان أنه دبر عبده فلانا إن قتل ، وأنه قد قتل وشهد شاهدان أنه مات موتا ، فإني أجيز العتق من الثلث ; لأن في إحدى الشهادتين إثبات العتق والقتل وفي الأخرى نفيهما والمثبت من البينتين وكذلك لو شهدا أنه أعتقه إن حدث به حدث في مرضه أو سفره هذا ، وأنه قد مات في ذلك السفر أو المرض ، وشهد آخران أنه رجع من ذلك السفر ، ومات في أهله فإني أجيز شهادة شهود العتق ; لأن في شهادتهما إثبات العتق وإثبات تاريخ سابق في موته ، وإن شهد هذان الآخران أنه قال : إن رجعت من سفري هذا فمت في أهلي ففلان حر وأنه قد رجع فمات في أهله وجاءوا جميعا إلى القاضي فإني لا أجيز شهادة اللذين شهدا على الرجوع وأجيز شهادة اللذين شهدا أنه مات في أهله ذلك ; لأنهما أثبتا موته بتاريخ سابق ولا بد من القضاء بموته في ذلك الوقت لانعدام المعارض ، ثم الموت لا يتكرر عادة فيبطل شهادة الآخرين جميعا ضرورة ( ألا ترى ) أن الرجل لو قال : إن مات في جمادى الآخر ففلان حر ، وإن مات في رجب ففلان حر لعبد آخر فشهد شاهدان أنه مات في جمادى الآخر وشهد آخران أنه مات في رجب أخذنا بقول الشاهدين على الموت الأول لهذا المعنى . ولو شهدا أنه قال : إن مت من مرضي هذا ففلان حر ، وقالا : لا ندري مات أم لا فقال : الغلام مات منه وقال الوارث : صح منه ، ثم مات فالقول قول الوارث مع يمينه ; لأن الغلام يدعي شرط العتق والوارث منكر لذلك فالظاهر ، وإن كان يشهد للغلام ، ولكن ثبوت الشرط ظاهرا لا يكفي لثبوت الحرية ; لأن الظاهر يدفع به الاستحقاق ولا يثبت به الاستحقاق ، وإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينة العبد ; لأنه هو المثبت للشرط والعتق ، وإن قال : إن مت من مرضي هذا ففلان حر ، وإن برأت منه ففلان آخر حر ، فقال العبد : قد مات منه وقال الوارث : قد برأ فالقول قول الوارث لما بينا ، فإن أقام الآخر البينة على ما يدعي أعتقته أيضا ; لأنه يثبت العتق ببينة لنفسه ، وإن قامت البينتان لهما أخذت ببينة الذين شهدوا على الوقت الأول أنه مات من مرضه ، وأبطلت الأخرى ; لأنه لا يموت مرتين ، وإذا أمته في الأول بطل الآخر ضرورة ; لأن الميت لا يموت والله أعلم . [ ص: 16 ] قال رحمه الله ) : وإذا اشترى الوصي نسمة ليعتقها عن الميت كتب هذا ما اشترى فلان بن فلان وصي فلان بن فلان بن فلان اشترى مملوكا يقال : له فلان الفلاني ، وهو رجل قد اجتمع بكذا درهما نسمة كان فلان بن فلان أوصى أن يشتريه بها له فيعتقها عنه ، ثم يكتب التقابض وما بعده على الرسم ، والحاصل أن الصك حكاية ما جرى ، والمقصود التوثيق فينبغي أن يكتب على أحوط الوجوه فالنسمة هي الرقبة التي تشرى للعتق ، وينبغي للوصي إذا لم يعين الموصي رقبة أن يشتري رجلا مجتمعا ; لأن معنى التقرب إنما يتم بإعتاق مثله فإن الصغير والمجنون عاجزان عن الكسب والأنثى كذلك فيصير بعد العتق عيالا على غيره ، وإذا كان رجلا قد اجتمع يتخلص من ذلك الرق ، ويتفرغ للعبادة والتكسب للإنفاق على نفسه فإنما يتم معنى الرقبة في إعتاق مثله ، وقصد الموصي التقرب وصفة الإطلاق تقتضي الكمال ، وإذا أوصى أن يعتق عنه نسمة بمائة درهم فلم يبلغ ثلث ماله مائة درهم لم يعتق عنه في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يعتق عنه بالثلث رقبة ما بلغت ; لأن وجوب تنفيذ هذه الوصية لحق الموصي ، وهو قصده التقرب ; ولهذا صحت وصيته من غير تعيين النسمة فيجب تنفيذ وصيته من محلها ، ويحصل مقصوده بقدر الإمكان كما لو أوصى أن يحج عنه بمائة درهم فلم يبلغ الثلث إلا خمسين درهما يحج عنه من حيث يبلغ بالثلث . وكذلك لو أوصى أن يصدق له من ماله بمائة وأبو حنيفة يقول : تنفيذ الوصية لغير من أوجبها له الموصي لا يجوز ، وهو إنما أوجب الوصية بنسمة قيمتها مائة درهم والتي قيمتها خمسون غير التي قيمتها مائة فلو قلنا بأنه يشتري بثلث ما يوجد كان هذا تنفيذ الوصية لغير من أوجب له الموصي ، ثم للموصي في تقدير الثمن غرض صحيح ، وهو التحرز عن إعتاق الحديث والتقرب بإعتاق أفضل الرقاب على ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام { سئل عن أفضل الرقاب فقال : أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها } والإنسان قد يرغب في ولاء عبد كثير القيمة ويتحرز عن ولاء قليل القيمة ، ففي تنفيذ هذه الوصية من الثلث إبطال مقصود الموصي ، وإلزام ولاء لم يرض بالتزامه وبهذين الحرفين يتضح الفرق بين هذا وبين الصدقة والحج وإنما نظير هذا من مسألة الحج لو أن صحيحا أمر رجلا أن يحج عنه رجلا بمائة درهم فأحج عنه رجلا بخمسين درهما وهناك يصير مخالفا ضامنا فكذلك هاهنا وعلى [ ص: 17 ] هذا الخلاف لو أوصى أن يعتق نسمة بجميع ماله فلم يجز الورثة ذلك فالوصية تبطل في قول أبي حنيفة وفي قولهما يشترى له بالثلث نسمة فتعتق عنه واستكثر من الشواهد لهما في الأصل قال : أرأيت لو أوصى أن يعتق عنه نسمة بمائتي درهم مائة من ماله ومائة من مال فلان لرجل أجنبي أكنت أبطل وصيته من أجل أنه سمى مال الأجنبي أرأيت لو أوصى أن يشترى له نسمة بمائة درهم أو بخمر أو خنزير أو بإنسان حر أو يزاد مع هذه المائة شيء لا يصلح من ماله أكنت أبطل الوصية لا أبطلها ، وهي جائزة من ثلثه أرأيت لو أوصى أن يعتق عنه نسمة بمائة درهم بعينها فإذا فيها درهم ستوقة أو أكثر لا ينفق أما كنت آمره أن يشتري بما بقي أرأيت لو تجوز بهذا البائع أما كنت آمره أن يشتري بها أرأيت لو استحق منها درهم أو هلك منها درهم أكنا نبطل الوصية قيل هذا كله على الخلاف ومن عادة محمد رحمه الله الاستشهاد بالمختلف على المختلف لإيضاح الكلام وقيل : بل أبو حنيفة رحمه الله يفرق بين هذه الفصول فيقول : إذا أوصى أن يشترى نسمة بجميع ماله فلو أجازت الورثة لكان المشترى كله والعتق يكون من جهته وولاؤه له ، وإذا لم يجيزوا لو قلنا يشترى بثلثه كنا نلزمه . ولو لم يرض بالتزامه ، وأما في مسألة ماله ومال غيره لو أجاز الغير هناك لا يكون المشترى كله له ، ولا ينفذ العتق في جميعه من جهته فليس في تنفيذ وصيته في ماله إلزام شيء لم يرض بالتزامه ، وإذا أوصى أن يعتق عنه نسمة ، وأوصى لآخر بالثلث فثلث ماله يقسم على الثلث وعلى أدنى ما يكون من قيمة النسمة ; لأن بمطلق التسمية لا يثبت إلا الأدنى فإنه هو المتيقن به وإنما يجب قسمة الثلث على مقدار ما يثبت من كل وصيته فما أصاب قيمة النسمة يعتق به النسمة ، وما أصاب الثلث فهو للموصى له بالثلث . ولو أوصى أن يشترى عبد فلان فيعتق عنه فإنه يشترى من ثلثه ; لأن تنفيذ الوصية محلها الثلث ، وإذا امتنع صاحبه من البيع بالثلث أوقف الثلث حتى يبيعه صاحبه ; لأنه مشغول بالوصية فما دام فيه رجاء التنفيذ يجب أن يوقف الثلث عليه ، فإن مات العبد فقد انقطع رجاء تنفيذ هذه الوصية لفوات محلها فيرجع إلى الوارث ذلك إن كان سمى ما يشترى به من الثلث . ولو أوصى إلى رجل أن يشتري له نسمة بهذه المائة بعينها فيعتقها من الثلث عنه ، فإن اشترى بها نسمة فأعتقها عنه ، ثم استحق رجل تلك المائة أو بعضها أو لحقه دين والمائة أكثر من ثلثه فالوصي ضامن لتلك المائة ; لأنه هو المشتري فالثمن مضمون في ذمته حتى يسلمها للمشتري ، ثم بما ظهر تبين أن الوصي مخالف ; لأنه اشترى بأكثر من ثلث مال الميت [ ص: 18 ] ولا يمكن تنفيذ وصيته في أكثر من ثلثه فصار مخالفا مشتريا لنفسه فالثمن دين عليه ، وإنما قضي بمال الميت دينا عليه فيضمن مثلها ، ويكون العتق عن نفسه ; لأنه أعتق ملك نفسه ، فإن خرج للميت مال لم يعلم به من دين أو عين يكون ثمن النسمة الثلث من ذلك برئ الوصي من الضمان ; لأن بما ظهر من المال تبين أن الوصي غير مخالف ، وأنه نفذ الوصية في محلها فلا يلحقه عهد ولا ضمان ، وإذا أوصى أن يباع عبده ويشترى بثمنه نسمة فتعتق عنه فباع الوصي العبد واشترى بثمنه نسمة فأعتقها ، وهو الثلث ، ثم رد العبد من عيب بعد ذلك ضمن الوصي الثمن ; لأنه هو المشتري فتتعلق حقوق العقد به ، وذلك رد الثمن عند رد المبيع عليه بالعيب ، ثم يقال بع العبد ، فإن بلغ ذلك الثمن فالعتق جائز عن الميت كما كان ; لأنه تبين أنه غير مخالف في شراء النسمة والعتق عن الميت بل هو منفذ الوصية في محلها . وإن نقص عنه أو زاد عليه فالعتق عن الوصي ; لأنه مخالف في الوجهين أما إذا نقص ثمن العبد عما اشترى به النسمة فظاهر وكذلك إذا زاد عليه ; لأنه إنما أمره أن يعتق عنه نسمة يشتريها بثمن العبد ، وهذه نسمة اشتراها ببعض الثمن فكان غير ما تتناوله الوصية فلهذا كان مشتريا لنفسه في الوجهين والعتق عنه ويشتري بالثمن نسمة أخرى فيعتقها عن الميت . ولو لم يرد العبد بالعيب ، ولكن استحق رجع المشتري على الوصي بالثمن ; لأنه هو الذي قبض منه بحكم البيع الثمن فكان العتق عن الوصي نفسه ; لأنه تبين بطلان الوصية . وإن اشترى الوصي النسمة لا يمكن تنفيذها عن الميت فكان مشتريا لنفسه على ما هو الأصل أنه متى تعذر تنفيذ الشراء على من اشترى له ينفذ على العاقد وكان العتق عن الوصي نفسه ولا يرجع على الورثة في نصيبهم بشيء من المال ; لأن الميت لم يوص في ذلك المال بشيء فكيف يرجع الوصي به ؟ ، أرأيت لو اشترى شيئا لليتيم من ميراثه أو باع له فلحقه غرم وليس لليتيم مال أكان يرجع في حصة غيره من الورثة . ولو أوصى بأن يشترى من ثلثي ماله نسمة تعتق عنه وماله ثلثمائة فاشترى الوصي بمائة نسمة فأعتقها ، وأعطى الورثة مائتين فاستحقت النسمة وردت في الرق وقبض الوصي المائة ليشتري بها نسمة أخرى فتلفت منه مائة يرجع على الورثة بثلث ما أخذوا ليشتري به في قول أبي حنيفة وما تقدم من المقاسمة باطل ما لم يحصل مقصود الموصي ، وفي قولهما مقاسمة الوصي الورثة جائزة ولا يرجع فيما أصاب الورثة بشيء وقد بطلت الوصية ، وهذا نظير ما تقدم بيانه في الحج . ولو أوصى أن يشترى له نسمة بعينها فتعتق عنه فاشتراها الوصي ، ثم ماتت فقد بطلت الوصية ; لأنها وقعت لشخص بعينه فلا يمكن تنفيذها لشخص آخر وقد فات محل الوصية [ ص: 19 ] فتبطل الوصية وكذلك لو جنت جناية قبل أن تعتق فدفعت بها بطلت الوصية لفوات محلها ، وهو ملك الموصي . ولو فداها الورثة كانوا متطوعين في الفداء وتعتق عن الميت ; لأنها طهرت عن الجناية وبقيت على ملكه محلا لوصيته والورثة ما كانوا مجبورين على الفداء فكانوا متبرعين فيه ; لأن النسمة باقية على ملك الموصي حكما فكأنهم فدوها من الجناية في حياة الموصي . ولو أوصى بعتق أمة له تخرج من ثلثه كان حالها كذلك ، فإن ولدت النسمة أو الأمة قبل أن تعتق فالولد رقيق للورثة ; لأن الوصية بالعتق لا تسري إلى الولد فإن فيه إلزام الميت الولاء ، وإنما التزم الميت ولاء الأمة لا ولاء ولدها والأمة قبل أن تعتق مبقاة على حكم ملك الميت فيفصل منها الولد لذلك إلا أن الورثة لا يملكونها لكونها مشغولة بوصية الميت ، وذلك غير موجود في الولد فكان الولد للورثة ، وإن كانت النسمة والأم ذات رحم محرم من الورثة لم تعتق بذلك حتى تعتق عن الميت ; لأن اشتغالها بالوصية يمنع انتقالها إلى الوارث بل هي مبقاة على حكم ملك الميت ; ولهذا كان ولاؤها له إذا عتقت عنه . ولو أعتقها بعض الورثة عن نفسه كان العتق عن الميت ; لأن العتق في هذه العين مستحق عن الميت وما يكون مستحقا على المرء في عين بجهة فعلى أي وجه أتى به يقع عن الوجه المستحق وتصريحه بخلافه باطل ، وكذلك لو قال : أنت حرة إن دخلت الدار أو قال : بعد موتي لم تكن مدبرة ، ولكنها تعتق عن الميت إن دخلت الدار ومات القائل ; لأن الوارث في حكم المالك لها بدليل أنه يملك بدلها وزوائدها وكسبها إلا أنه لا يجعل مالكا فيما فيه إبطال وصية الموصي ، فأما فيما فيه تنفيذ وصيته فيجعل الوارث كالمالك فيصح منه تعليق عتقها بموته أو بشرط آخر ، وعند وجود الشرط يجعل كالمنجز لعتقها فيعتق عن الميت وبه فارق الوصي فإنه إذا علق عتقها بالشرط لم يصح التعليق ; لأن الوصي غير مالك لها ، وإنما يتصرف بحكم التفويض والمفوض إليه ينجز العتق والمأمور بالتنجيز إذا علق العتق بالشرط كان ذلك منه باطلا . ولو قال لها الوارث : أنت حرة على ألف درهم إن قبلت فقبلت فهي حرة بغير شيء ; لأنها لا تعتق لوجود الشرط ، وإنما تعتق بجهة الوصية عن الميت ، وكان ذلك بغير جعل . ولو أوصى أن تعتق نسمة عن شيء واجب عليه من ظهار أو غيره ، فإنها تعتق من ثلثه ; لأنه لا يجب الإعتاق عنه بعد موته بغير وصية فإذا أوصى كان معتبرا من ثلثه كالتطوعات ، وكذلك الزكاة وحجة الإسلام وقد بينا هذا فيما سبق . ولو أوصى بعتق نسمة فاشتريت له أو بعتق أمة له تخرج من الثلث فجنى عليها جناية فالأرش للورثة ; لأن الأرش بمنزلة الولد في كونه [ ص: 20 ] فارغا عن الوصية فالوارث بمنزلة المالك لها فيما هو فارغ عن وصية الميت فكان كسبها للورثة لهذا المعنى . ولو زوجوها لم يجز ; لأن ولاية التزويج تثبت لملك الرقبة وهم لا يملكون رقبتها لكونها مشغولة بالوصية ، فإن دخل بها الزوج سقط الحد للشبهة ، ووجب المهر ، وكان ذلك بمنزلة ولد ولدته فيكون للورثة . ولو أوصى إلى رجل يبيع عبده هذا ، ويتصدق بثمنه على المساكين فباعه الوصي ، وقبض الثمن فهلك عنده ، ثم استحق العبد كان أبو حنيفة مرة يقول : يضمن الوصي ، ولا يرجع على أحد بشيء ; لأن الوصية قد بطلت باستحقاق العبد ، والوصي هو الذي قبض الثمن فيضمن مثله للمشتري ، ولا يرجع على الورثة بشيء ; لأن الميت ما أوصى بشيء مما وصل إلى الورثة ، ثم رجع وقال : يرجع الوصي بما يضمن من الثمن في مال الميت ، وهو قولهما ; لأن الوصي في هذا البيع كان عاملا للميت فما يلحقه من العهدة بسبب عمله يرجع به على الميت ، ويكون ذلك بمنزلة الدين له يستوفيه من جميع ماله وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله إنه يرجع بقدر ثلث ماله مما يغرم ; لأنه إنما لحقه هذا الغرم باعتبار وصية الميت ومحل الوصية الثلث فلهذا يقتصر رجوعه على ثلث مال الميت والله أعلم . ( قال رحمه الله ) ويكتب في كتاب وصيته تركته ; لأن الكتاب للتوثق والرجوع إليه عند المنازعة وأكثر ما تقع فيه المنازعة التركة التي تصير في يد الموصي فينبغي أن يذكرها في الكتاب إن كتب فيه أنه يعمل كذا إن مات من مرضه هذا أو في سفره هذا فرجع من ذلك السفر وبرأ من ذلك المرض بطلت تلك الوصية ; لأنه علقها بشرط وقد فات ، والوصية إلى الغير إثبات الخلافة أو الإطلاق ، وهو يحتمل التعليق بالشرط كالوكالة أو هي إثبات الولاية بمنزلة تقليد القضاء فيحتمل التعليق بالشرط . وإذا أوصى إلى رجلين فمات أحدهما جعل القاضي مكانه وصيا آخر ، والكلام هاهنا في فصول ثلاثة أحدها : أن أحد الوصيين لا ينفرد بالتصرف في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله إلا في أشياء معدودة استحسانا ، وفي قول أبي يوسف ينفرد كل واحد منهما بالتصرف وجه قوله أن الوصايا تثبت الولاية للوصي في التصرف وكل واحد من الوليين يتصرف بانفراده كأنه ليس معه غيره كالأخوين في النكاح والأبوين ، وهذا ; لأن الولاية لا تحتمل التجزؤ وبتكامل السبب في حق كل واحد منهما [ ص: 21 ] بانفراده يثبت الحكم بخلاف الوكيلين فإن الوكالة إنابة ، وإنما جعلهما نائبين عنه في التصرف فلا تثبت الإنابة لكل واحد منهما بانفراده ، وبيان أن ثبوت حق التصرف الفرق للموصي ، لا يكون إلا بعد زوال ولاية الموصي والإنابة تستدعي قيام ولاية المنوب عنه ، وتبطل سقوط ولايته كالوكالة . وأما الولاية بطريق الخلافة فتستدعي سقوط ولاية من هو أصل ليصير الخلف قائما مقامه كالجد مع الأب وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا : سبب هذه الولاية التفويض فلا بد من مراعاة سبب التفويض ، وإنما فوض إليهما حق التصرف وكل واحد منهما في هذا السبب بمنزلة شطر العلة وشطر العلة لا يثبت شيئا من الحكم بخلاف الأخوين فالسبب هناك الأخوة ، وهي متكاملة في حق كل واحد منهما يوضحه أن ولاية التصرف للوصي بعد موت الموصي باعتبار اختيار الموصي ورضاه به ، وهو إنما رضي برأي المثنى فرأي الواحد لا يكون كرأي المثنى ، ومقصوده توفير المنفعة عليه وعلى ورثته ، وذلك عند اجتماع رأييهما أظهر فأشبهت من هذا الوجه الوكالة فأما الأشياء المعدودة فهو تجهيز الميت وشراء ما لا بد منه للصغير وقضاء الدين ورد الوديعة وتنفيذ الوصية في العين وقبول الهبة والخصومة والقياس في هذه الأشياء أن لا ينفرد أحدهما به لما قلنا ، ولكنا استحسنا ; لأن التجهيز لا يمكن تأخيره وربما يكون أحدهما غائبا ففي اشتراط اجتماعهما إلحاق الضرر لا توفير المنفعة عليه وكذلك شراء ما لا بد للصبي منه فإن ذلك لحاجته فلا يحتمل التأخير . والظاهر أن الموصي رضي برأي كل واحد منهما على الانفراد فيه عند تحقق الحاجة ، وأما قضاء الدين ; فلأن صاحب الدين يستبد باستيفائه من غير حاجة فيه إلى فعل أو رأي من الوصي فرد الوديعة كذلك ، والوصية بالعين إذا كانت تخرج من الثلث كذلك فالوصي له أن يأخذه فكذلك لأحدهما أن يعينه على ذلك بالتسليم والخصومة مما لا يتحقق اجتماعهما عليه . ( ألا ترى ) أنهما ، وإن حضرا لم يتكلم إلا أحدهما ; لأنهما لو تكلما جميعا لم يفهم القاضي كلام كل واحد منهما ; ولهذا ملك أحد الوكيلين الخصومة والتفرد بها أما قبول الهبة والصدقة فإنه لا يستدعي الولاية . ( ألا ترى ) أن الصبي يقبل بنفسه ومن يعوله ، وإن كان أجنبيا له أن يقبل الهبة له فأحد الوصيين بذلك أولى فأما اقتضاء الدين واسترداد الوديعة فهو على الخلاف ; لأن هذا يقبل التأخير ، ويتحقق اجتماعهما عليه وفيه توفير المنفعة ; لأن حفظ الواحد لا يكون كحفظ المثنى وإنما رضي الموصي بحفظهما ولم يذكر في الكتاب فأما إذا أوصى إلى كل واحد منهما على الانفراد وقد قال كثير من مشايخنا إن هاهنا ينفرد كل واحد منهما [ ص: 22 ] بالتصرف بمنزلة الوكيلين إذا وكل واحد منهما على الانفراد ، ولكن الأصح أن الخلاف في الفصلين ; لأن وجوب الوصية يكون عند الموت وعند الموت إنما نثبت الوصية لهما معا بخلاف الوكالة ، وهذا ; لأن بالإيصاء إلى الثاني يقصد إشراكه مع الأول ، وهو يملك الرجوع عن الوصية إلى الأول فيملك إشراك الثاني معه ، وقد يوصي الإنسان إلى غيره على ظن أنه يتمكن من إتمام مقصوده وحده ، ثم يتبين له عجزه عن ذاك فيضم له غيره فكان بمنزلة الوصية إليهما معا بخلاف الوكيلين فإن رأي الموكل قائم هناك . ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |